← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 2930–2969 · переход к 2935.

стр. 2930

قوله: (كنا نصلي الجمعة مع النبيّ ﷺ ثم نرجع إلى القائلة فنقيل). وفي لفظ للبخاري (١): "كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة". وفي لفظ له (٢) أيضًا: "كنا نصلي مع النبيّ ﷺ الجمعة ثم تكون القائلة"، وظاهر ذلك أنهم كانوا يصلون الجمعة باكر النهار. قال الحافظ (٣): لكنَّ طريق الجمع أولى من دعوى التعارض، وقد تقرّر أن التبكير يطلق على فعل الشيء في أوّل وقته أو تقديمه على غيره وهو المراد هنا. والمعنى: أنهم كانوا يبتدءون بالصلاة قبل القيلولة، بخلاف ما جرت به عادتهم في صلاة الظهر في الحرّ، فإنهم كانوا يقيلون ثم يصلون لمشروعية الإبراد اهـ. والمراد بالقائلة المذكورة في الحديث: نوم نصف النهار. قوله: (إذا اشتدّ البرد بكَّر بالصلاة)، أي صلاها في أوّل وقتها. قوله: (وإذا اشتدّ الحر أبرد بالصلاة، يعني الجمعة) يحتمل أن يكون قوله: "يعني الجمعة" من كلام التابعي أو من دونه، أخذه قائله مما فهمه من التسوية بين الجمعة والظهر عند أنس. ويؤيده ما عند الإسماعيلي (٤) عن أنس من طريق أخرى وليس فيه قوله: "يعني الجمعة". قوله: (نجمِّع) هو بتشديد الميم المكسورة. قوله: (نتتبع الفيء) فيه تصريح بأنه قد وجد في ذلك الوقت فيء يسير. قال النووي (٥): إنما كان ذلك لشدّة التبكير وقصر حيطانهم. وفي رواية للبخاري (٦): "ثم ننصرف وليس للحيطان ظلّ نستظلّ به". وفي رواية لمسلم (٧): "وما نجد فيئًا نستظلّ به"، والمراد نفي الظلّ الذي

стр. 2931

يستظلّ به، لا نفي أصل الظلّ كما هو الأكثر الأغلب من توجه النفي إلى القيود الزائدة. ويدلّ على ذلك قوله: "ثم نرجع نتتبع الفيء"، قيل: وإنما كان كذلك لأن الجدران كانت في ذلك العصر قصيرة لا يستظلّ بظلها إلا بعد توسط الوقت، فلا دلالة في ذلك على أنهم كانوا يصلون قبل الزوال. قوله: (ما كنا نقيل ولا نتغدّى إلا بعد الجمعة). فيه دليل لمن قال بجواز صلاة الجمعة قبل الزوال. وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل (١): واختلف أصحابه في الوقت الذي تصحّ فيه قبل الزوال هل هو الساعة السادسة أو الخامسة أو وقت دخول وقت صلاة العيد. ووجه الاستدلال به أن الغداء والقيلولة محلهما قبل الزوال. وحكوا عن ابن قتيبة أنه قال: لا يسمَّى غداءً ولا قائلة بعد الزوال. وأيضًا قد ثبت أن النبيّ ﷺ كان يخطب خطبتين ويجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس كما في مسلم (٢) من حديث أمّ هشام بنت حارثة أخت عمرة بنت عبد الرحمن أنها قالت: "ما حفظت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا من فيِّ رسول الله ﷺ وهو يقرؤها على المنبر كل جمعة. وعند ابن ماجة (٣) من حديث أبيّ بن كعب: "أن النبي ﷺ قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم يذكر بأيام الله، وكان يصلي الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين". كما ثبت ذلك عند مسلم من حديث عليّ (٤) وأبي هريرة (٤) وابن عباس (٥)،

стр. 2932

ولو كانت خطبته وصلاته بعد الزوال لما انصرف منها إلا وقد صار للحيطان ظلّ يستظلّ به وقد خرج وقت الغداء والقائلة. وأصرح من هذا حديث جابر (١) المذكور في الباب، فإنه صرّح بأن النبيّ ﷺ كان يصلي الجمعة ثم يذهبون إلى جمالهم فيريحونها عند الزوال. ولا ملجئ إلى التأويلات المتعسفة التي ارتكبها الجمهور، واستدلالهم بالأحاديث القاضية بأنه ﷺ صلى الجمعة بعد الزوال لا ينفي الجواز قبله. وقد أغرب ابن العربي (٢) فنقل الإِجماع على أنها لا تجب حتى تزول الشمس، إلا ما نقل عن أحمد (٣) وهو مردود فإنه قد نقل ابن قدامة (٤) وغيره عن جماعة من السلف مثل قول أحمد. وأخرج ابن أبي شيبة (٥) من طريق عبد الله بن سلمة أنه قال: صلى بنا عبد الله بن مسعود الجمعة ضحى وقال: خشيت عليكم الحرّ. وأخرج (٦) من طريق سعيد بن سويد قال: صلى بنا معاوية الجمعة ضحى. وكذلك روي عن جابر (٧) وسعيد بن زيد (٨) كما في رواية أحمد التي ذكرها المصنف. وروى مثل ذلك ابن أبي شيبة في المصنف (٩) عن سعد بن أبي وقاص. قوله: (وعن عبد الله بن سيدان السُلَميِّ) أخرج هذا الأثر أيضًا أبو نعيم شخ البخاري في كتاب الصلاة (١٠) وابن أبي شيبة (١١).

стр. 2933

قال الحافظ (١): ورجاله ثقات إلا عبد الله بن سيدان فإنه تابعي كبير إلا أنه غير معروف العدالة. قال ابن عدي (٢): يشبه المجهول. وقال البخاري (٣): لا يتابع على حديثه، وقد عارضه ما هو أقوى منه. وروى ابن أبي شيبة (٤) من طريق سويد بن غفلة أنه صلى مع أبي بكر وعمر حين تزول الشمس، وإسناده قويّ. [الباب التاسع] باب تسليم الإِمام إذا رَقَى المنبر والتأْذِينِ إِذا جَلَسَ عليهِ واستقبالِ المأمومينَ لهُ ٥٤/ ١٢٣٢ - (عَنْ جابِرٍ أن النَّبِيَّ ﷺ كانَ إِذَا صَعِدَ المِنْبَرَ سَلَّمَ. رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ (٥)، وفِي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَة. [حسن] وَهُوَ لِلأَثْرَمِ فِي سُنَنِهِ عَنِ الشَّعْبِي عَنِ النَّبِيّ ﷺ مُرْسَلًا) (٦). الحديث أخرجه الأثرم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة عن مجالد عن الشعبي قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس فقال: السلام عليكم". وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٦) عن الشعبي مرسلًا.

стр. 2934

وإسناد ابن ماجه فيه ابن لهيعة (١) كما قال المصنف وهو ضعيف. وفي الباب عن ابن عمر عند ابن عديّ (٢) "أن النبيّ ﷺ كان إذا دنا من المنبر سلَّم على من عند المنبر ثم صعد، فإذا استقبل الناس بوجهه سلَّم ثم قعد"، وأخرجه أيضًا الطبراني (٣) والبيهقي (٤)، وفي إسناده عيسى بن عبد الله الأنصاري، وقد ضعفه ابن عديّ (٢) وابن حبان (٥). وفي الباب أيضًا عن عطاء (٦) مرسلًا، كذا قال الحافظ في التلخيص (٧). وقال الشافعي (٨): (بلغنا عن سلمةَ بن الأكْوَع أنه قال: "خطب رسول الله ﷺ خطبتين وجلس جلستين"، وحكى الذي حدثني قال: "استوى ﷺ على الدرجة التي تلي المستراح قائمًا، ثم سلم ثم جلس على المستراح حتى فرغ المؤذّن من الأذان، ثم قام فخطب ثم جلس، ثم قام فخطب الثانية".

стр. 2935

والحديث يدّل على مشروعية التسليم من الخطيب على الناس بعد أن يرقى المنبر وقبل أن يؤذن المؤذّن. وقال في الانتصار (١) بعد فراغ المؤذّن. وقال أبو حنيفة (٢) ومالك (٣): إنه مكروه قالا: لأن سلامه عند دخول المسجد مغن عن الإِعادة. ٥٥/ ١٢٣٣ - (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: كانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أوَّلُه إذَا جَلَسَ الإِمام على المِنْبَرِ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ وأبي بَكر وعمَرَ؛ فَلَمَّا كانَ عُثمانُ وكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ على الزَّوْرَاءِ، ولَمْ يَكُنْ لِلنَّبِيِّ مُؤَذّن غيرَ وَاحِدٍ. رَوَاهُ البخارِيُّ (٤) وَالنَّسَائِيُّ (٥) وأَبُو دَاوُدَ (٦). وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمْ (٧): فَلَمَّا كانَتْ خِلافَةُ عثْمانَ وكَثرُوا، أمَرَ عُثْمانُ يَوْمَ الجُمُعَةِ بالأذَانِ الثالِثِ فأُذِّنَ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ، فَثبَتَ الأمْرُ على ذلكَ. وَلِأَحْمَدَ (٨) وَالنَّسائي (٩): كانَ بِلالٌ يُؤَذّنُ إذَا جَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ على المِنْبَرِ، وَيُقِيمُ إِذَا نَزَلَ). [صحيح] ٥٦/ ١٢٣٤ - (وَعَنْ عَدِيّ بْن ثابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ على المِنْبَرِ اسْتَقْبَلَه أصْحابُه بِوجُوهِهِمْ. رَوَاهُ ابْن ماجَهْ) (١٠). [صحيح لغيره]

стр. 2936

حديث عديّ بن ثابت قال ابن ماجه: أرجو أن يكون متصلًا، قال: ووالد عديّ لا صحبة له إلا أن يراد بأبيه جدّه أبو أبيه فله صحبة على رأي بعض الحفاظ من المتأخرين. وأخرج نحوه الترمذي (١) عن ابن مسعود بلفظ: "كان رسول الله ﷺ إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا". وفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية وهو ضعيف (٢). قال الترمذي (٣): ذاهب الحديث، قال: ولا يصحّ في هذا الباب شيء. قال الحافظ في بلوغ المرام (٤): وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة (٥) اهـ.

стр. 2937

وفي الباب عن أبي سعيد عند البخاري (١) ومسلم (٢) والنسائي (٣) قال: "إن رسول الله ﷺ جلس يومًا على المنبر وجلسنا حوله". بوّب عليه البخاري (٤): باب استقبال الناس الإِمام إذا خطب. وفي الباب أيضًا عن مطيع أبي يحيى عن أبيه عن جده قال: "كان رسول الله ﷺ إذا قام استقبلناه بوجوهنا" (٥)، ومطيع هذا مجهول (٦). وقد تقدم من حديث ابن عمرَ (٧): "أنه ﷺ كان يستقبلُ الناسُ بوجهه". قوله: (كان النداءُ يومَ الجمعة) في رواية لابن خزيمة (٨): "كان ابتداء النداء الذي ذكره الله تعالى في القرآن يوم الجمعة". وله (٩) في رواية: "كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة"، وفسر الأذانين بالأذان والإقامة، يعني تغليبًا. قوله: (إذا جلس الإمام) قال المهلب (١٠): الحكمة في جعل الأذان في هذا

стр. 2938

المحلّ ليعرف الناس جلوس الإِمام على المنبر فينصتون له إذا خطب. قال الحافظ (١): وفيه نظر لما عند الطبراني (٢) وغير (٣) في هذا الحديث: "أن بلالًا كان يؤذّن على باب المسجد". فالظاهر أنه كان لمطلق الإِعلام لا لخصوص الإِنصات، نعم لما زيد الأذان الأوّل كان للإِعلام، وكان الذي بين يدي الخطيب للإنصات. قوله: (فلما كان عثمان) أي خليفة. قوله: (وكثر الناس) أي بالمدينة كما هو مصرّح به في رواية (٤)، وكان أمره بذلك بعد مضيّ مدّة من خلافته كما عند أبي نعيم في المستخرج (٥). قوله: (زاد النداء الثالث) في رواية (٦): "فأمر عثمان بالنداء الأوّل"، وفي رواية (٧): "التأذين الثاني أمر به عثمان"، ولا منافاة لأنه سمي ثالثًا باعتبار كونه مزيدًا، وأولًا باعتبار كون فعله مقدمًا على الأذان والإقامة، وثانيًا باعتبار الأذان الحقيقي لا الإِقامة. قوله: (على الزوراء) بفتح الزاي وسكون الواو بعدها راء ممدود (٨).

стр. 2939

قال البخاري (١): هي موضع بسوق المدينة. قال الحافظ (١): وهو المعتمد. وقال ابن بطال (٢): هو حجر كبير عند باب المسجد. وردّ بما عند ابن خزيمة (٣) وابن ماجه (٤) عن الزهري أنها دار بالسوق يقال لها الزوراء. وعند الطبراني (٥): "فأمر بالنداء الأوّل على دار يقال لها الزوراء فكان يؤذّن عليها، فإذا جلس على المنبر أذّن مؤذّنه الأوّل، فإذا نزل أقام الصلاة". قال في الفتح (٦): والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمانَ في جميع البلاد إذ ذاك لكونه كان خليفة مطاع الأمر. لكن ذكر الفاكهاني (٧) أن أوّل من أحدث الأذان الأوّل بمكة الحجاج وبالبصرة زياد. قال الحافظ (٨): وبلغني أن أهل الغرب الأدنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة. وروى ابن أبي شيبة (٩) من طريق ابن عمر قال: الأذان الأوّل يوم الجمعة بدعة.

стр. 2940

فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار. ويحتمل أن يريد أنه لم يكن في زمن النبيّ ﷺ ، وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة. وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإِعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسًا على بقية الصلوات، وألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب (١).

стр. 2941

وأما ما أحدث الناس قبل الجمعة من الدعاء إليها بالذكر والصلاة على النبيّ ﷺ فهو في بعض البلاد دون بعض (١)، واتباع السلف الصالح أولى، كذا في الفتح (٢). وقد روي عن معاذ أن عمر هو الذي أحدث ذلك وإسناده منقطع، ومعاذ أيضًا خرج من المدينة إلى الشام في أوّل غزو الشام، واستمرّ في الشام إلى أن مات في طاعون عَمْوَاسَ. قوله: (غير مؤذّن واحد) فيه أنه قد اشتهر أنه كان للنبيّ ﷺ جماعة من المؤذّنين منهم بلال، وابن أمّ مكتوم، وسعد القرظ، وأبو محذورة. وأجيب بأنه أراد في الجمعة وفي مسجد المدينة، ولم ينقل أن ابن أمّ مكتوم كان يؤذّن يوم الجمعة، بل الذي ورد عنه التأذين يوم الجمعة بلال (٣)،

стр. 2942

وأبو محذورة جعله ﷺ مؤذّنًا بمكة، وسعد جعله بقباء. قوله: (استقبله أصحابه بوجوههم) مشروعية استقبال الناس للخطيب حال الخطبة. وأحاديث الباب وإن كانت غير بالغة إلى درجة الاعتبار (١) فقد شدّ عضدها عمل السلف والخلف على ذلك (٢). قال ابن المنذر (٣): وهذا كالإِجماع. وقال الترمذي (٤): العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيّ ﷺ وغيرهم يستحبون استقبال الإِمام إذا خطب. وهو قول سفيان الثوري (٥) والشافعي (٦) وأحمد (٧) وإسحاق (٨). قال العراقي: وغيرهم عطاء بن أبي رباح (٩)، وشريح (١٠)، ومالك (١١)، والأوزاعي (١٢)، وسعيد بن عبد العزيز (١٣)، وابن جابر (١٣)، ويزيد بن أبي مريم (١٣)،

стр. 2943

وأصحاب الرأي (١). وروي عن ابن المسيب (٢) والحسن (٣) أنهما كانا لا ينحرفان إليه. وهل المراد باستقبال السامعين للخطيب أن يستقبله من يواجهه أو جميع أهل المسجد، حتى أن من كان في الصفّ الأوّل والثاني وإن طالت الصفوف ينحرفون بأبدانهم أو بوجوههم لسماع الخطبة. قال العراقي: والظاهر أن المراد بذلك من يسمع الخطبة دون من بعد فلم يسمع، فاستقبال القبلة أولى به من توجهه لجهة الخطبة. وروي عن الإمام شرف الدين أنه يجب على العدد الذين تنعقد بهم الجمعة المواجهة دون غيرهم (٣)، وأوجب الاستقبال المذكور أبو الطيب الطبري، صرّح بذلك في تعليقه. [الباب العاشر] بابُ اشتمالِ الخطبةِ على حمدِ الله والثناءِ على رسولِهِ والموعظةِ والقراءةِ ٥٧/ ١٢٣٥ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ : "كُلُّ كلامٍ لا يُبْدأ فِيهِ بالحَمْدِ لله فَهُوَ أجْذَم" رَوَاهُ أبُو دَاودَ (٤) وأحْمَدَ (٥) بِمَعْناه. [ضعيف] وَفِي رِوَايةٍ: "الخُطْبَة الَّتِي لَيْسَ فِيها شَهَادَةٌ كالْيَدِ الجَذْماءِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وأبُو دَاودَ (٧) والتِّرْمِذِيُّ (٨) وَقالَ: "تَشَهُّدٌ" بَدَلَ "شَهَادَةٌ". [صحيح]

стр. 2944

الحديث أخرجه أيضًا باللفظ الأوّل النسائي (١) وابن ماجه (٢) وأبو عوانة (٣) والدارقطني (٤) وابن حبان (٥) والبيهقي (٦). واختلف في وصله وإرساله، فرجح النسائي (٧) والدارقطني (٨) الإرسال. واللفظ الآخر من حديث الباب حسنه الترمذي (٩). وأخرج ابن حبان (١٠) والعسكري وأبو داود (١١) عن أبي هريرة مرفوعًا: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع". وفي الباب عن كعب بن مالك عند الطبراني في الكبير (١٢) والرهاوي مرفوعًا: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع". قوله: (أجذم) روي بالحاء المهملة وبالجيم المعجمة ثم بالذال المعجمة. والأوّل: من الجذم وهو القطع (١٣). والثاني: المراد به الداء المعروف (١٤).

стр. 2945

شبه الكلام الذي لا يبتدأ فيه بحمد الله بإنسان مجذوم تنفيرًا عنه وإرشادًا إلى استفتاح الكلام بالحمد. قوله: (ليس فيها شهادة) أي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. وقد استدلّ المصنف بالحديث على مشروعية الحمد لله في الخطبة؛ لأنها في الرواية الأولى داخلة تحت عموم الكلام، وسيأتي الخلاف في ذلك وبيان ما هو الحقّ. ٥٨/ ١٢٣٦ - (وَعَنِ ابْن مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذَا تَشَهَّدَ قالَ: "الحَمْدُ لله نَسْتَعِينُه وَنَسْتَغْفِرُه وَنَعُوذُ بالله مِنْ شُرور أنْفُسِنا، مَنْ يَهْدِه الله فَلا مُضلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هاديَ لَهُ، وأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وأشْهَدُ أن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أرْسَلَهُ بالحَق بَشِيرًا وَنَذيرًا بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ، مَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشِدَ، وَمَنْ يَعْصهِما فإنَّهُ لا يَضُرُّ إلَّا نَفْسَهُ، وَلا يَضُرُّ الله شَيْئًا") (١) [ضعيف] ٥٩/ ١٢٣٧ - (وَعَنْ ابْنِ شِهابٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَشَهُّدِ النَّبِيّ ﷺ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقالَ: وَمَن يَعْصهِما فَقدْ غَوَى. زوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ) (٢). [ضعيف]

стр. 2946

الحديث الأوّل في إسناده عمران بن دَاوَرْ أبو العوّام البصري (١). قال عفَّان: كان ثقة واستشهد به البخاري. وقال يحيى بن معين والنسائي: ضعيف الحديث. وقال مرّة: ليس بشيء. وقال يزيد بن زريع: كان عمران حروريًا، وكان يرى السيف على أهل القبلة. وقد صحح إسناد هذا الحديث النووي (٢) في شرح مسلم. والحديث الثاني مرسل. قوله: (فقد رَشدَ) بكسر الشين المعجمة وفتحها. قوله: (ومن يعصهما) فيه جواز التشريك بين ضمير الله ورسوله. ويؤيد ذلك ما ثبت في [الصحيحين (٣)] (٤) عنه ﷺ بلفظ: "أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما". وما ثبت أيضًا: "أنه ﷺ أمر مناديًا ينادي يوم خيبر: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية" (٥).

стр. 2947

وأما ما في صحيح مسلم (١) وسنن أبي داود (٢) والنسائي (٣) من حديث عديّ بن حاتم: "أن خطيبًا خطب عند النبيّ ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال له ﷺ : "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى". فمحمول على ما قاله النووي (٤) من أن سبب الإنكار عليه أن الخطبة شأنها البسط والإِيضاح واجتناب الإِشارات والرموز. قال (٥): ولهذا ثبت أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا لتفهم عنه (٦). قال (٧): وإنما ثنى الضمير في مثل قوله: "أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما"، لأنه ليس خطبة وعظ وإنما هو تعليم حكم، فكل ما قلّ لفظه كان أقرب إلى حفظه، بخلاف خطبة الوعظ فإنه ليس المراد حفظها وإنما يراد الاتعاظ بها. ولكنه يرد عليه أنه قد وقع الجمع بين الضميرين منه ﷺ في حديث الباب (٨)، وهو وارد في الخطبة لا في تعليم الأحكام. وقال القاضي عياض (٩) وجماعة من العلماء: إن النبيّ ﷺ إنما أنكر على الخطيب تشريكه في الضمير المقتضي للتسوية وأمره بالعطف تعظيمًا لله

стр. 2948

تعالى بتقديم اسمه كما قال ﷺ في الحديث الآخر (١): "لا يقل أحدكم: ما شاءَ الله وشاءَ فلانٌ، ولكن ليقل: ما شاءَ الله ثم ما شاءَ فلانٌ". ويرد على هذا ما قدّمنا من جمعه ﷺ بين ضمير الله وضميره. ويمكن أن يقال: إن النبيّ ﷺ إنما أنكر على ذلك الخطيب التشريك لأنه فهم منه اعتقاد التسوية فنبهه على خلاف معتقده، وأمره [بتقديم] (٢) اسم الله على اسم رسوله ليعلم بذلك فساد ما اعتقده (٣). قوله: (فقد غوى) بفتح الواو وكسرها، والصواب الفتح كما في شرح

стр. 2949

مسلم (١) وهو من الغيّ، وهو الانهماك في الشرّ (٢). وقد اختلف أهل العلم في حكم خطبة الجمعة؛ فذهبت العترة (٣) والشافعي (٤) وأبو حنيفة (٥) ومالك (٦) إلى الوجوب. ونسبه القاضي عياض (٧) إلى عامة العلماء. واستدلوا على الوجوب بما ثبت عنه ﷺ بالأحاديث الصحيحة ثبوتًا مستمرًا، أنه كان يخطب في كل جمعة، وقد عرفت غير مرّة أن مجرّد الفعل لا يفيد الوجوب. واستدلوا أيضًا بقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٨)، وهو مع كونه غير صالح للاستدلال به على الوجوب لما قدَّمنا في أبواب صفة الصلاة، ليس فيه إلا الأمر بإيقاع الصلاة على الصفة التي كان يوقعها عليها، والخطبة ليست بصلاة. واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وفعله للخطبة بيان للمجمل، وبيان المجمل الواجب واجب. وردّ بأن الواجب بالأمر هو السعي فقط. وتُعقِّب بأن السعي ليس مأمورًا به لذاته بل لمتعلَّقه وهو الذكر. ويتعقَّب هذا التعقب بأن الذكر المأمور بالسعي إليه هو الصلاة. غاية الأمر أنه متردّد بينها وبين الخطبة، وقد وقع الاتفاق على وجوب الصلاة والنزاع في وجوب الخطبة فلا ينتهض هذا الدليل للوجوب.

стр. 2950

فالظاهر ما ذهب إليه الحسن البصري (١) وداود الظاهري (٢) والجويني (٣) من أن الخطبة مندوبة فقط. وأما الاستدلال للوجوب بحديث أبي هريرة المذكور في أوّل الباب (٤)، وبحديثه أيضًا عند البيهقي في دلائل النبوّة (٥) مرفوعًا حكاية عن الله تعالى بلفظ: "وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي" فوهم. لأن غاية الأوّل عدم قبول الخطبة التي لا حمد فيها. وغاية الثاني عدم جواز خطبة لا شهادة فيها بأنه ﷺ عبد الله ورسوله. والقبول والجواز وعدمهما لا ملازمة بينها وبين الوجوب قطعًا. ٦٠/ ١٢٣٨ - (وَعَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْطُبُ قائِمًا وَيَجْلِسُ بَيْنَ الخُطْبَتَيْنِ وَيَقْرأ آياتٍ وَيُذَكرُ النَّاسَ. رَوَاهُ الجَماعَةُ إلا البُخارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ) (٦) [صحيح] قوله: (يخطب قائمًا) فيه أن القيام حال الخطبة مشروع، وسيأتي الخلاف في حكمه. قوله: (ويجلس بين الخطبتين) فيه مشروعية الجلوس بين الخطبتين.

стр. 2951

واختلف في وجوبه فذهب الشافعي (١) والإِمام يحيى (٢) إلى وجوبه. وذهب الجمهور (٣) إلى أنه غير واجب. استدلّ من أوجب ذلك بفعله ﷺ ، وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٤). وقد قدمنا الجواب عن مثل هذا الاستدلال، وأنه غير صالح لإثبات الوجوب. قوله: (بين الخطبتين) فيه أن المشروع خطبتان، وقد ذهب إلى وجوبهما العترة (٥) والشافعي (١). وحكى العراقي في شرح الترمذي (٦) عن مالك (٧) وأبي حنيفة (٨) والأوزاعي (٩) وإسحاق بن راهويه (١٠) وأبي ثور (١١) وابن المنذر (١٢) وأحمد بن

стр. 2952

حنبل في رواية (١): أن الواجب خطبة واحدة. قال: وإليه ذهب جمهور العلماء. ولم يستدلّ من قال بالوجوب إلا بمجرّد الفعل مع قوله: "صلوا كما رأيتموني" (٢) الحديث. وقد عرفت أن ذلك لا ينتهض لإِثبات الوجوب. قوله: (ويقرأ آيات ويذكر الناس) استدلّ به على مشروعية القراءة والوعظ في الخطبة. وقد ذهب الشافعي (٣) إلى وجوب الوعظ وقراءة آية، وإلى ذلك ذهب الإِمام يحيى (٤) ولكنه قال: تجب قراءة سورة. وذهب الجمهور (٥) إلى عدم الوجوب وهو الحقّ. ٦١/ ١٢٣٩ - (وَعَنهُ أيْضًا عَن النَّبِيّ ﷺ : أنهُ كانَ لا يُطِيلُ المَوْعِظَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إنمَا هِيَ كَلِماتٌ يَسِيراتٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٦). [حسن] الحديث سكت عنه أبو داود (٧) والمنذري (٨) وهو من رواية شيبان بن عبد الرحمن النحوي عن سماك (٩)، ورجال إسناده ثقات. وفيه أن الوعظ في الخطبة مشروع، وأن إقصار الخطبعة أولى من إطالتها، وسيأتي الكلام على ذلك.

стр. 2953

٦٢/ ١٢٤٠ - (وَعَنْ أُمّ هِشامٍ بِنْتِ حارِثَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالتَ: ما أخَذْتُ ق وَالقُرآنِ المَجِيدِ إلا عَنْ لِسانِ رَسُولِ الله ﷺ يَقْرَؤُها كُلَّ جُمُعَةٍ على المِنْبَرِ إذَا خَطَبَ النَّاسَ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَالنَّسائيُّ (٣) وأبُو دَاوُدَ) (٤). [صحيح] وفي الباب عن يعلى بن أمية عند البخاري (٥) ومسلم (٦) وأبي داود (٧) والنسائي (٨) قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقرأ على المنبر ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧]. وعن أبي هريرة عند البزار (٩) قال: "خطبنا النبيّ ﷺ جمعة فذكر سورة". وله حديث آخر عند ابن عديّ في الكامل (١٠) قال: "خطب النبيّ ﷺ الناس على المنبر يقرأ آيات من سورة البقرة". وعن أبيّ بن كعب عند ابن ماجه (١١): "أن رسول الله ﷺ قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم يذكِّر بأيام الله".

стр. 2954

وهو من رواية عطاء بن يسار عن أبيّ ولم يدركه. وعن جابر بن عبد الله عند الطبراني في الأوسط (١): "أن النبيّ ﷺ خطب فقرأ في خطبته آخر الزمر، فتحرّك المنبر مرّتين"، وفي إسناده أبو بحر [البكراوي] (٢)، واسمه عبد الرحمن بن عثمان بن أمية، وقد طرح الناس حديثه. وقال أبو داود: صالح. وفي إسناده أيضًا عباد بن ميسرة المنقري (٣)، ضعفه أحمد ويحيى. وعن ابن عمر عند ابن عديّ في الكامل (٤) بلفظ حديث جابر بن عبد الله، وفي إسناده عباد بن ميسرة وهو ضعيف (٣) كما تقدم. وله حديث آخر عند ابن عديّ (٥): "أن النبيّ ﷺ قرأ على المنبر: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾ [الزمر: ٦٧] الآية"، وفي إسناده المنكدر بن محمد، وقد ضعفه النسائي (٦).

стр. 2955

وعن عليّ بن أبي طالب ﵇، عند الطبراني في الأوسط (١): "أن النبيّ ﷺ كان يقرأ على المنبر: قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد" وفي إسناده هارون بن عنترة. قال ابن حبان (٢): لا يجوز أن يحتجّ به، منكر الحديث، ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين (٣). وقال الدارقطني: يحتجّ به. وعن أبي الدرداء عند الطبراني (٤) أيضًا بنحو حديث أبي هريرة المتقدم. وعن أبي ذرٍّ عند الطبراني (٤) أيضًا بنحو حديث أبي هريرة أيضًا. وعن أبي سعيد عند أبي داود (٥) قال: "قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر: ص، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه". قال العراقي: وإسناده صحيح. وقد استدل بحديث الباب (٦) وما ذكرناه من الأحاديث على مشروعية قراءة من القرآن في الخطبة، ولا خلاف في الاستحباب. وإنما الخلاف في الوجوب كما تقدم. وقد اختلف في محل القراءة على أربعة أقوال:

стр. 2956

(الأوّل): في إحداهما لا بعينها، وإليه ذهب الشافعي (١) وهو ظاهر إطلاق الأحاديث. (والثاني): في الأولى وإلى ذلك ذهبت الهادوية وبعض أصحاب الشافعي (٢). واستدلوا بما رواه ابن أبي شيبة (٣) عن الشعبي مرسلًا قال: "كان رسول الله ﷺ إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس بوجهه ثم قال: السلام عليكم ويحمد الله ويثني عليه ويقرأ سورة ثم يجلس ثم يقوم فيخطب ثم ينزل، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه". (والقول الثالث): أن القراءة مشروعة فيهما جميعًا، وإلى ذلك ذهب العراقيون من أصحاب الشافعي. قال العراقي: وهو الذي اختاره القاضي من الحنابلة. (والرابع): في الخطبة الثانية دون الأولى، حكاه العمراني (٤). ويدلّ له ما رواه النسائي (٥) عن جابر عن سمرة قال: "كان رسول الله ﷺ يخطب قائمًا ثم يجلس ثم يقوم ويقرأ آيات ويذكر الله ". قال العراقي: وإسناده صحيح. وأجيب عنه بأن قوله: "يقرأ" معطوف على قوله: "يخطب" لا على قوله: "يقوم". والظاهر من أحاديث الباب أن النبيّ ﷺ "كان لا يلازم قراءة سورة أو آية مخصوصة في الخطبة، بل كان يقرأ مرّة هذه السورة ومرّة هذه، ومرّة هذه الآية ومرّة هذه.

стр. 2957

[الباب الحادي عشر] باب هيئات الخطبتين وآدابهما ٦٣/ ١٢٤١ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُم يَقُومُ كما يَفْعَلُونَ اليَوْمَ. رَوَاهُ الجَماعَةُ) (١). [صحيح] ٦٤/ ١٢٤٢ - (وَعَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ قائِمًا، ثُمَّ يَجْلسُ، ثُم يَقُومُ فَيَخْطُبُ قائِمًا، فَمَنْ [نبأك] (٢) قالَ: إنَّهُ يَخْطُبُ جالسًا فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ والله صَلَّيْتُ مَعَهُ أكَثَرَ مِنْ ألْفَيْ صَلاةٍ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ (٤) وأَبُو دَاوُدَ) (٥). [حسن] قوله: (كان النبيّ ﷺ يخطب يوم الجمعة قائمًا) فيه أن القيام حال الخطبة مشروع. قال ابن المنذر (٦): هو الذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار اهـ. واختلف في وجوبه، فذهب الجمهور إلى الوجوب (٧).

стр. 2958

ونقل عن أبي حنيفة (١) أن القيام سنة وليس بواجب وإلى ذلك ذهبت الهادوية (٢). واستدلّ الجمهور على الوجوب بحديثي الباب وبغيرهما من الأحاديث الصحيحة. وأخرج ابن أبي شيبة (٣) عن طاوس قال: "خطب رسول الله ﷺ قائمًا وأبو بكر وعمر وعثمان، وأوّل من جلس على المنبر معاوية". وروى ابن أبي شيبة (٤) أيضًا عن الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعدًا لما كثر شحم بطنه ولحمه. ولا شك أن الثابت عنه ﷺ وعن الخلفاء الراشدين هو القيام حال الخطبة، ولكن الفعل بمجرّده لا يفيد الوجوب كما عرفت غير مرّة. قوله: (ثم يجلس) فيه مشروعية الجلوس بين الخطبتين وقد تقدم الخلاف في حكمه. قوله: (فمن قال إنه يخطب)، رواية أبي داود (٥): "فمن حدّثك أنه كان يخطب"، ورواية مسلم (٦): "فمن نبأك أنه كان يخطب". قوله: (أكثر من ألفي صلاة) قال النووي (٧): المراد: الصلوات الخمس لا الجمعة اهـ. ولا بدّ من هذا لأن الجمع التي صلاها ﷺ من عند افتراض صلاة الجمعة إلى عند موته لا تبلغ ذلك المقدار ولا نصفه. ٦٥/ ١٢٤٣ - (وَعَنِ الحَكَمِ بْنِ حَزَنٍ الكَلَفِيّ قالَ: قَدِمْتُ إلى النَّبِيّ ﷺ سابعَ سَبْعَةٍ أوْ تاسِعَ تِسْعَةٍ، فَلَبِثْنا عِنْدَهُ أيَّامًا شَهِدْنا فِيها الجُمُعَةَ، فَقامَ رَسُولُ الله ﷺ

стр. 2959

مُتَوَكِّئًا على قَوْسٍ، أوْ قالَ على عَصا، فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ كَلِمات خَفِيفَاتٍ طَيِّباتٍ مُبارَكَاتٍ، ثُمَّ قال: "أَيَّها النَّاسُ إنَّكُمْ لَنْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تُطِيقُوا كُلَّ ما أُمِرْتُمْ وَلَكِنْ سَدّدُوا وأبْشِرُوا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وأَبُو دَاوُدَ) (٢). [حسن] الحديث في إسناده شِهَابُ بنْ خَرَاشٍ أبو الصلت، وقد اختلف فيه، فقال ابن المبارك: ثقة. وقال أحمد ويحيى بن معين (٣)، وأبو حاتم (٤): لا بأس به. وقال ابن حبان (٥): كان رجلًا صالحًا وكان ممن يخطئ كثيرًا حتى خرج عن الاعتداد به. قال الحافظ (٦): والأكثر وثقوه. وقد صحح الحديث ابن خزيمة وابن السكن، وحسن إسناده الحافظ. قال (٧): وله شاهد من حديث البراء بن عازب عند أبي داود (٨) أن النبيّ ﷺ أعطي يوم العيد قوسًا فخطب عليه. وطوّله أحمد (٩) والطبراني (١٠) وصححه ابن السكن (١١).

стр. 2960

وفي الباب عن ابن عباس (١) وابن الزبير (٢) عند أبي الشيخ ابن حبان في كتاب أخلاق النبيّ ﷺ . وفي الباب أيضًا عن عطاء مرسلًا: "أن النبي ﷺ كان إذا خطب يعتمد على عنَزته (٣) اعتمادًا"، أخرجه الشافعي (٤) وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. الحديث فيه مشروعية الاعتماد على سيف أو عصا حال الخطبة. قيل: والحكمة في ذلك الاشتغال عن العبث. وقيل: إنه أربط للجأش. وفيه أيضًا مشروعية اشتمال الخطبة على الحمد لله والوعظ وقد تقدم الخلاف في الوعظ. وأما الحمد لله، فذهب الجمهور (٥) إلى أنه واجب في الخطبة، وكذلك الصلاة على النبيّ ﷺ . وحكي في البحر (٦) عن الإِمام يحيى أنه لا بد في الخطبتين من الحمد والصلاة على النبيّ ﷺ وعلى آله إجماعًا. ٦٦/ ١٢٤٤ - (وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إن طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فأطِيلُوا الصَّلاةَ، واقْصُرُوا الخُطْبَةُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٧) وَمُسْلِمٌ (٨). والمَئِنَّةُ: العَلامَةُ وَالمِظَنَّةُ). [صحيح]

стр. 2961

٦٧/ ١٢٤٥ - (وَعَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: "كانَتْ صَلاةُ رَسُول الله ﷺ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا. رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخارِيَّ وأبا دَاوُدَ) (١). [حسن] ٦٨/ ١٢٤٦ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ أبي أوْفَى قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُطِيل الصلاةَ، وَيَقْصُر الخُطْبَةَ. رَوَاهُ النَّسائيّ) (٢). [صحيح] حديث ابن أبي أوفى قال العراقي في شرح الترمذي: إسناده صحيح. وفي الباب عن عبد الله بن مسعود عند البزار (٣) أن النبيّ ﷺ قال: "إن قصر الخطبة وطول الصلاة مَئِنَّة من فقه الرجل، فطوّلوا الصلاة واقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرًا، وإنه سيأتي بعدكم قوم يطيلون الخُطب ويقصرون الصلاة". وقد رواه الطبراني في الكبير (٤) موقوفًا على عبد الله. قال العراقي: وهو أولى بالصواب لاتفاق سفيان وزائدة على ذلك وانفراد قيس برفعه. وعن أبي أمامة عند الطبراني في الكبير (٥): "أن النبيّ ﷺ كان إذا بعث

стр. 2962

أميرًا قال: اقصر الخطبة وأقلل الكلام، فإن من الكلام سحرًا". وفي إسناده جَمِيع بالفتح، ويقال بالضمّ مصغرًا ابن ثوب بضم المثلثة وفتح الواو بعدها. قال البخاري (١) والدارقطني (٢): إنه منكر الحديث. وقال النسائي (٣): متروك الحديث. قوله: (مئنة) قال النووي (٤): بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون مشدّدة: أي علامة. قال: وقال الأزهري (٥) والأكثرون: الميم فيها زائدة وهي مفعلة. قال الهروي (٦): قال الأزهري (٥): غلط أبو عبيد (٧) في جعل الميم أصلية، وردّه الخطابي وقال: إنما هي فعيلة. وقال القاضي عياض (٨): قال شيخنا ابن سراج: هي أصلية، انتهى. وإنما كان إقصار الخطبة علامة من فقه الرجل؛ لأن الفقيه هو المطلع على جوامع الألفاظ، فيتمكن بذلك من التعبير باللفظ المختصر عن المعاني الكثيرة. قوله: (فأطيلوا الصلاة واقصروا الخطبة). قال النووي (٩): الهمزة في اقصر همزة وصل. وظاهر الأمر بإطالة الصلاة

стр. 2963

في هذا الحديث المخالفة لقوله في حديث جابر بن سمرة (١): "كانت صلاة رسول الله ﷺ قصدًا وخطبته قصدًا". وقال النووي (٢): لا مخالفة لأن المراد بالأمر بإطالة الصلاة بالنسبة إلى الخطبة لا التطويل الذي يشّق على المؤتمين. قال العراقي: أو حيث احتيج إلى التطويل لإدراك بعض من تخلف. قال: وعلى تقدير تعذّر الجمع بين الحديثين يكون الأخذ في حقنا بقوله لأنه أدلّ، لا بفعله لاحتمال التخصيص، انتهى. وقد ذكرنا غير مرّة أن فعله ﷺ لا يعارض القول الخاصّ بالأمة (٣) مع عدم وجدان دليل يدلّ على التأسي في ذلك الفعل بخصوصه وهذا منه. قوله: (قصدًا) القصد في الشيء هو الاقتصاد فيه وترك التطويل (٤). وإنما كانت صلاته ﷺ وخطبته كذلك لئلا يملّ الناس (٥).

стр. 2964

وأحاديث الباب فيها مشروعية إقصار الخطبة ولا خلاف في ذلك. واختلف في أقلّ ما يجزئ على أقوال مبسوطة في كتب الفقه. ٦٩/ ١٢٤٧ - (وَعَنْ جابِر قالَ: كانَ رَسُولَ الله ﷺ إذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ

стр. 2965

عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حتَّى كأنَّه مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) وَابْنُ ماجَهْ) (٢). [صحيح] الحديث تمامه في صحيح مسلم (١): "ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". قوله: (إذا خطب احمّرت عيناه) فيه أنه يستحبّ للخطيب أن يفخم أمر الخطبة ويرفع صوته ويجزل كلامه ويظهر غاية الغضب والفزع؛ لأن تلك الأوصاف إنما تكون عند اشتدادهما. قوله: (يقول) أي منذر [الجيش] (٣). قوله: (صبحكم) فاعله ضمير يعود إلى العدوّ المنذر منه، ومفعوله يعود إلى المنذرين، وكذلك قوله: "ومساكم" أي أتاكم العدوّ وقت الصباح أو وقت المساء (٤).

стр. 2966

٧٠/ ١٢٤٨ - (وَعَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: كُنْتُ إلى جَنْبِ عِمَارَةَ بْنِ رُؤيْبَةَ، وَبِشْرُ بْنُ مَرْوَانَ يَخْطبُنا؟ فَلَمَّا دَعَا رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقالَ عِمَارَةُ: يَعْنِي قَبَّحَ الله هاتَيْنِ اليَدَيْنِ، رأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ على المِنْبَرِ يَخْطبُ إذَا دَعَا يَقُولُ هَكَذَا، فَرَفَعَ السَّبَّابَةَ وَحْدَها. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ بِمَعْنَاهُ وَصحَّحَهُ) (٢). [صحيح]

стр. 2967

٧١/ ١٢٤٩ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: ما رأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ شاهِرًا يَدَيْهِ قطُّ يَدْعُو على مِنْبَرٍ وَلا غَيْرِهِ، ما كانَ يَدْعُو إلّا يَضَعُ يَدَهُ حَذو [مِنْكَبِهِ] (١) ويُشِيرُ بأصْبُعُهِ إشارَةً، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وأَبُو دَاوُدَ (٣) وَقالَ فِيهِ: لَكِنْ رأيْتُهُ يَقُولُ هَكَذَا، وأشارَ بالسَّبَّابَةِ وَعَقَدَ الوُسْطَى بالإِبْهَامِ). [ضعيف] الحديث الأوّل أخرجه أيضًا مسلم (٤) والنسائي (٥). والحديث الثاني في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق القرشي، ويقال له عبَّاد بن إسحاق وفيه مقال، كذا قال المنذري (٦). وفي الباب عن [غُضَيْف] (٧) بن الحارث الثمالي عند أحمد (٨) والبزار (٩)

стр. 2968

قال: بعثَ إليَّ عبدُ الملك بنُ مروان فقال: يا أبا سليمان إنَّا قد جمعنا النَّاسَ على أمرينِ، فقال: وما هما؟ فقال: رفع الأيدي على المنابر يومَ الجُمعةِ، والقَصَصُ بعد الصُّبح، فقال: أَمَا إنَّهما أمثَلُ بِدعَتِكِم عندي، ولستُ بمجيبكم إلى شيء منها، قال: لِمَ؟ قال: لأنَّ النبيّ ﷺ قال: "ما أحدَثَ قومٌ بدعة إلَّا رُفعَ مثلُها من السنةِ"، فتمسكٌ بسنَّةٍ خير من إحداثِ بدعةٍ. وفي إسناده ابن أبي مريم وهو ضعيف (١)، وبقية وهو مدلس (٢). قوله: (فقال عمارة يعني) لفظ يعني ليس في مسلم (٣) ولا في سنن أبي داود (٤) ولا الترمذي (٥). قوله: (قبح الله هاتين اليدين)، زاد الترمذي (٥): "القصيرتين". والحديثان المذكوران في الباب يدلان على كراهة رفع الأيدي على المنبر حال الدعاء وأنه بدعة. وقد ثبت في الصحيحين (٦) من حديث أنس قال: "كان رسول الله ﷺ لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض [إبطيه] (٧) ". وظاهره أنه لم يرفع يديه في غير الاستسقاء.

стр. 2969

قال النووي (١): وليس الأمر كذلك، بل قد ثبت رفع يديه في الدعاء في مواطن وهي أكثر من أن تحصى. قال: وقد جمعت منها نحوا من ثلاثين حديثًا من الصحيحين (٢) انتهى. وظاهر حديثي الباب أنها تجوز الإِشارة بالأصبع في خطبة الجمعة. [الباب الثاني عشر] باب المنْعِ مِنَ الكلامِ والإِمامُ يخطبُ والرُّخْصَةِ في تكلُّمِهِ وتكليمِهِ لمصلحةٍ وفي الكلامِ قبلَ أخْذِهِ في الخطْبَةِ وبعدَ إتمامِهَا ٧٢/ ١٢٥٠ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ: أنْصِتْ، وَالإِمامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْتَ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا ابْنَ ماجَهْ) (٣). [صحيح] ٧٣/ ١٢٥١ - (وَعَنْ عَلِيّ ﵁ فِي حَدِيث لَهُ قالَ: مَنْ دَنا مِنَ الإِمامه فَلَغَا وَلَمْ يَسْتَمِعْ وَلَمْ [يَنْصِتْ] (٤) كانَ عَلَيْهِ كِفل مِنَ الوِزْرِ، وَمَنْ قالَ: صَهْ، فَقَدْ لَغا، وَمَنْ لَغا فَلا جُمْعَةَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ . رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وأَبُو دَاوُدَ) (٦). [ضعيف] ٧٤/ ١٢٥٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: قالَ رسول الله ﷺ : "مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ
следующие страницы →