← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 3070–3109 · переход к 3075.

стр. 3070

وجابر (١) وابن عمر (٢) وابن عباس (٣) وأبي أيوب (٤) وزيد بن ثابت (٥) وعائشة (٦)، وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة (٧) وعمر بن عبد العزيز (٨) والزهري (٩) ومكحول (١٠)، وبه يقول مالك (١١) والأوزاعي (١٢) والشافعي (١٣) وأحمد (١٤) وإسحاق (١٥). قال الشافعي (١٣) والأوزاعي (١٢) وإسحاق (١٥) وأبو طالب

стр. 3071

وأبو العباس (١): إنَّ السبع في الأولى بعد تكبيرة الإحرام. (القول الثاني): أن تكبيرة الإحرام معدودة من السبع في الأولى، وهو قول مالك (٢) وأحمد (٣) والمزني، وهو قول المنتخب (٤). (القول الثالث): أن التكبير في الأولى سبع وفي الثانية سبع، روي ذلك عن أنس بن مالك والمغيرة بن شعبة وابن عباس وسعيد بن المسيب والنخعي (٥). (القول الرابع): في الأولى ثلاث بعد تكبيرة الإحرام قبل القراءة، وفي الثانية ثلاث بعد القراءة، وهو مرويّ عن جماعة من الصحابة: ابن مسعود (٦) وأبي موسى (٦) وأبي مسعود الأنصاري (٦)، وهو قول الثوري (٧) وأبي حنيفة (٨). (والقول الخامس): يكبر في الأولى ستًا بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، وفي الثانية خمسًا بعد القراءة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل (٩)، ورواه صاحب البحر (١٠) عن مالك. (القول السادس): يكبر في الأولى أربعًا غير تكبيرة الإحرام. وفي الثانية أربعًا، وهو قول محمد بن سيرين (١١)، وروي عن الحسن ومسروق والأسود

стр. 3072

والشعبي وأبي قلابة، وحكاه صاحب البحر (١) عن ابن مسعود (٢) وحذيفة وسعيد بن العاص. (القول السابع): كالقول الأول إلا أنه يقرأ في الأول بعد التكبير، ويكبر في الثانية بعد القراءة، حكاه في البحر (٣) عن القاسم والناصر. (القول الثامن): التفرقة بين عيد الفطر والأضحى، فيكبر في الفطر إحدى عشرة: ستًا في الأولى، وخمسًا في الثانية؛ وفي الأضحى: ثلاثًا في الأولى، وثنتين في الثانية، وهو مرويّ عن عليّ بن أبي طالب كما في مصنف ابن أبي شيبة (٤). ولكنه من رواية الحارث الأعور (٥) عنه. (القول التاسع): التفرقة بينهما على وجه آخر، وهو أن يكبر في الفطر إحدى عشرة تكبيرة، وفي الأضحى تسعًا، وهو مرويّ عن يحيى بن يعمر (٦). (القول العاشر): كالقول الأوّل إلا أن محلّ التكبير بعد القراءة، وإليه ذهب الهادي والمؤيد بالله وأبو طالب (٧).

стр. 3073

احتجّ أهل القول الأوّل بما في الباب من الأحاديث المصرّحة بعدد التكبير وكونه قبل القراءة. قال ابن عبد البر (١): وروي عن النبيّ ﷺ من طرق حسان أنه كبر في العيدين سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية من حديث عبد الله بن عمر (٢)، وابن عمرو (٣)، وجابر (٣)، وعائشة (٣)، وأبي واقد (٤)، وعمرو بن عوف المزني (٥)، ولم يرو عنه من وجه قويّ ولا ضعيف خلاف هذا، وهو أولى ما عمل به، انتهى. وقد تقدم في حديث عائشة عند الدارقطني (٦): "سوى تكبيرة الافتتاح"، وعند أبي داود (٧): "سوى تكبيرتي الركوع"، وهو دليل لمن قال: إن السبع لا تعدّ فيها تكبيرة الافتتاح والركوع، والخمس لا تعدّ فيها تكبيرة الركوع. واحتجّ أهل القول الثاني بإطلاق الأحاديث المذكورة في الباب. وأجابوا عن حديث عائشة بأنه ضعيف كما تقدم. وأما أهل القول الثالث فلم أقف لهم على حجة. قال العراقي: لعلهم أرادوا بتكبيرة القيام من الركعة الأولى وتكبيرة الركوع في الثانية، وفيه بُعد، انتهى. واحتجّ أهل القول الرابع بحديث أبي موسى وحذيفة المتقدم (٨)، وفُتيا

стр. 3074

[ابن عباس] (١) السابقة، قالوا: لأن الأربع المذكورة في الحديث جعلت تكبيرة الإحرام منها، وهذا التأويل لا يجري في الثانية، وقد تقدم ما في حديث أبي موسى. وصرّح الخطابي (٢) بأنه ضعيف ولم يبين وجه الضعف (٣)، وضعفه البيهقي في المعرفة (٤) بعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، وقد ضعف ثابتًا يحيى بن معين، وضعفه غير واحد بأن [راويه] (٥) عن أبي موسى هو أبو عائشة ولا يعرف ولا نعرف اسمه. ورواه البيهقي (٦) من رواية مكحول عن رسول أبي موسى وحذيفة عنهما. قال البيهقي (٧): هذا الرسول مجهول.

стр. 3075

ولم يحتجّ أهل القول الخامس بما يصلح للاحتجاج. واحتجّ أهل القول السادس بحديث أبي موسى وحذيفة المتقدم (١) وقد تقدم ما فيه. واحتجّ أهل القول السابع بما روي عن ابن مسعود: "أن النبيّ ﷺ والى بين القراءتين في صلاة العيد"، ذكر هذا الحديث في الانتصار (٢)، ولم أجده في شيء من كتب الحديث. واحتجّ أهل القول الثامن على التفرقة بين [عيد] (٣) الفطر والأضحى بما تقدم من رواية ذلك عن عليّ (٤)، وهو مع كونه غير مرفوع في إسناده الحارث الأعور وهو ممن لا يحتجّ به. وأما القول التاسع فلم يأت القائل به بحجة. واحتجّ أهل القول العاشر بما ذكره في البحر (٥) من أن ذلك ثابت في رواية لابن عمر (٦)

стр. 3076

وثابت من فعل عليّ (١) ﵇، ولا أدري ما هذه الرواية التي عن ابن عمر. وقد ذكر في الانتصار (٢) الدليل على هذا القول فقال: والحجة على هذا ما روى عبد الله بن عمرو بن العاص: "أن الرسول ﷺ كبر سبعًا في الأولى وخمسًا في الثانية القراءة قبلهما كلاهما". وهو عكس الرواية التي ذكرها المصنف عنه وذكرها غيره، فينظر هل وافق صاحب الانتصار على ذلك أحد من أهل هذا الشأن، فإني لم أقف على شيء من ذلك. مع أن الثابت في أصل الانتصار لفظ بعدهما مكان قبلهما، ولكنه وقع التظنين على الأصل في حاشية بلفظ قبلهما، فلا مخالفة حينئذ. وأرجح هذه الأقوال أوّلها في عدد التكبير وفي محلّ القراءة. وقد وقع الخلاف هل المشروع الموالاة بين تكبيرات صلاة العيد أو الفصل بينها بشيء من التحميد والتسبيح ونحو ذلك. فذهب مالك (٣) وأبو حنيفة (٤) والأوزاعي (٥) إلى أنه يوالي بينها كالتسبيح في الركوع والسجود، قالوا: لأنه لو كان بينها ذكر مشروع لنقل كما نقل التكبير. وقال الشافعي (٦): إنه يقف بين كل تكبيرتين؛ يهلِّل ويمجِّد ويكبِّر. واختلف أصحابه (٧) فيما يقوله بين التكبيرتين، فقال الأكثرون: يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وقال بعضهم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وقيل غير ذلك. وقال الهادي (٨) وبعض أصحاب الشافعي (٩): إنه يفصل بينها بقوله: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا.

стр. 3077

وقال الناصر والمؤيد بالله والإِمام يحيى (١): إنه يقول لا إله إلا الله إلى آخر الدعاء الطويل الذي رواه الأمير الحسين في الشفاء (٢) عن عليّ ﵇. وروي في البحر (٣) عن مالك أنه يفصل بالسكوت. وقد اختلف في حكم تكبير العيدين، فقالت الهادوية (٤): إنه فرض. وذهب من عداهم إلى أنه سنة لا تبطل الصلاة بتركه عمدًا ولا سهوًا. قال ابن قدامة (٥): ولا أعلم فيه خلافًا، قالوا: وإن تركه لا يسجد للسهو. وروي عن أبي حنيفة (٦) ومالك (٧) أنه يسجد للسهو. والظاهر عدم وجوب التكبير كما ذهب إليه الجمهور لعدم وجدان دليل يدل عليه. [الباب الثامن] باب لا صلاة قبل العيد ولا بعدها ٢٢/ ١٢٩١ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ يَوْمَ عِيدٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلّ قَبْلَهُما وَلا بَعْدَهُما. رَوَاهُ الجَماعَهم (٨)، وَزَادُوا إلّا التِّرْمِذِيَّ (٩) وَابْنَ ماجَهِ (١٠): ثُمّ أتَى النِّسَاءَ وَبِلَالٌ مَعَهُنَّ فأَمَرَهُنَّ بالصَّدَقَةِ، فَجَعَلَتِ المَرأةُ تَصَدَّقُ بِخُرْصِها وَسخَابها). [صحيح] ٢٣/ ١٢٩٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمَ عِيدٍ فَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَها وَلا

стр. 3078

بَعْدَها، وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالترْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٢). [صحيح] وَللْبُخَارِيُّ (٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلاةَ قَبْلَ العِيدِ). [أثر صحيح] ٢٤/ ١٢٩٣ - (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "أنه كانَ لا يُصَلِّي قَبْلَ العِيدِ شَيْئًا، فإذَا رَجَعَ إلى مَنْزِلِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٤) وأحْمَدُ (٥) بِمَعْنَاهُ) [حسن] حديث ابن عمر أخرجه أيضًا الحاكم (٦) وهو صحيح كما قال الترمذي (٧). وله طريق أخرى عند الطبراني في الأوسط (٨)، وفيها جابر الجعفي (٩) وهو متروك. وحديث أبي سعيد أخرجه أيضًا الحاكم (١٠) وصححه، وحسنه الحافظ في الفتح (١١).

стр. 3079

وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل (١) وفيه مقال. وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند ابن ماجه (٢) بنحو حديث ابن عباس. وعن عليّ عند البزار (٣) من طريق الوليد بن سريع [عن] (٤) مولى عمرو بن حريث قال: "خرجنا مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في يوم عيد، فسأله قوم من أصحابه عن الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، فلم يردّ عليهم شيئًا، ثم جاء قوم فسألوه فما ردّ عليهم شيئًا، فلما انتهينا إلى الصلاة فصلى بالناس فكبر سبعًا وخمسًا ثم خطب الناس ثم نزل فركب، فقالوا: يا أمير المؤمنين هؤلاء قوم يصلون، قال: فما عسيت أن أصنع سألتموني عن السنة، إن النبيّ ﷺ لم يصلّ قبلها ولا بعدها، فمن شاء فعل ومن شاء ترك، أتروني أمنع قومًا يصلون فأكون بمنزلة من منع عبدًا إذا صلى؟ ".

стр. 3080

قال العراقي: وفي إسناده إبراهيم بن محمد بن النعمان الجعفي لم أقف على حاله وباقي رجاله ثقات. وعن ابن مسعود عند الطبراني في الكبير (١) قال: "ليس من السنة الصلاة قبل خروج الإمام يوم العيد"، ورجاله ثقات. وعن كعب بن عجرة عند الطبراني في الكبير (٢) أيضًا من طريق عبد الملك بن كعب بن عجرة قال: "خرجت مع كعب بن عجرة يوم العيد إلى المصلى، فجلس قبل أن يأتي الإمام ولم يصلّ حتى انصرف الإِمام والناس ذاهبون كأنهم عنق نحو المسجد، فقلت: ألا ترى؟ فقال: هذه بدعة وترك للسنة". وفي رواية (٢) له: "أن كثيرًا مما يرى جفاء وقلة علم، إن هاتين الركعتين سبحة هذا ليوم حتى تكون الصلاة تدعوك"، وإسناده جيد كما قال العراقي. وعن ابن أبي أوفى عند الطبراني في الكبير (٣) أيضًا أنه أخبر: "أن رسول الله ﷺ لم يصلّ قبل العيد ولا بعدها"، وفي إسناده فَائِد أبي الوَرْقَاء (٤) وهو متروك. قوله: (لم يصلّ قبلها ولا بعدها)، فيه: وفي بقية أحاديث الباب دليل على كراهة الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها.

стр. 3081

وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل، قال ابن قدامة (١): وهو مذهب ابن عباس (٢) وابن عمر (٣). قال (٤): وروي ذلك عن عليّ (٥) وابن مسعود (٦) وحذيفة (٦) وبريدة وسلمة بن الأكوع (٧) وجابر (٨) وابن أبي أوفى (٨)، وقال به: شريح (٨) وعبد الله بن مغفل (٨) ومسروق (٩) والضحاك (١٠) والقاسم (١١) وسالم (١١) ومعمر (١٢) وابن جريج (١٢) والشعبي ومالك (١٣). وروي عن مالك أنه قال: لا يتطوّع في المصلى قبلها ولا بعدها، وله في المسجد روايتان.

стр. 3082

وقال الزهري (١): لم أسمع أحدًا من علمائنا يذكر أن أحدًا من سلف هذه الأمة كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها. قال ابن قدامة (٢): وهو إجماع كما ذكرنا عن الزهري وعن غيره، انتهى. ويردّ دعوى الإجماع ما حكاه الترمذي (٣) عن طائفة من أهل العلم من الصحابة وغيرهم: أنهم رأوا جواز الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها. وروى ذلك العراقي عن أنس بن مالك (٤)، وبريدة بن الحصيب (٥)، ورافع بن خديج (٦)، وسهل بن سعد (٦)، وعبد الله بن مسعود (٧)، وعليّ بن أبي طالب (٨)، وأبي برزة (٩). قال: وبه قال من التابعين: إبراهيم النخعي (١٠)، وسعيد بن جبير (١١)،

стр. 3083

والأسود بن يزيد (١)، وجابر بن زيد (٢)، والحسن البصري (٢)، وأخوه سعيد بن أبي الحسن (٢)، وسعيد بن المسيب، وصفوان بن محرز (٣)، وعبد الرحمن بن أبي ليلى (٤)، وعروة بن الزبير، وعلقمة (٥)، والقاسم بن محمد (٦)، ومحمد بن سيرين (٧)، ومكحول (٨)، وأبو بردة، ثم ذكر من روى ذلك عن الصحابة المذكورين من أئمة الحديث. قال: وأما أقوال التابعين فرواها ابن أبي شيبة (٩) وبعضها في المعرفة (١٠) للبيهقي، انتهى. ومما يدلّ على فساد دعوى ذلك الإجماع ما رواه ابن المنذر (١١) عن أحمد أنه قال: الكوفيون يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون يصلون قبلها لا بعدها، والمدنيون لا قبلها ولا بعدها. قال في الفتح (١٢): وبالأوّل قال الأوزاعي (١٣) والثوري (١٣) والحنفية (١٤).

стр. 3084

وبالثاني قال الحسن البصري (١) وجماعة. وبالثالث قال الزهري (٢) وابن جريج (٣) وأحمد (٤). وأما مالك (٥) فمنعه في المصلى، وعنه في المسجد روايتان، انتهى. وحمل الشافعي (٦) أحاديث الباب على الإِمام قال: فلا يتنفل قبلها ولا بعدها. وأما المأموم فمخالف له في ذلك، نقل ذلك عنه البيهقي (٧) في المعرفة وهو نصه في الأمّ (٨). وقال النووي في شرح مسلم (٩): قال الشافعي (١٠) وجماعة من السلف: لا كراهة في الصلاة قبلها ولا بعدها. قال الحافظ (١١): أن حمل كلامه على المأموم وإلا فهو مخالف لنصّ الشافعي. وقد أجاب القائلون بعدم كراهة الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها عن أحاديث الباب بأجوبة. (منها): جواب الشافعي المتقدم. (ومنها): ما قاله العراقي في شرح الترمذي من أنه ليس فيها نهي عن الصلاة في هذه الأوقات.

стр. 3085

ولكن لما كان ﷺ يتأخر مجيئه إلى الوقت الذي يصلي بهم فيه ويرجع عقب الخطبة روى عنه من روى من أصحابه: أنه كان لا يصلي قبلها ولا بعدها. ولا يلزم من تركه لذلك - لاشتغاله بما هو مشروع في حقه من التأخر إلى وقت الصلاة - أن غيره لا يشرع ذلك له ولا يستحبّ. قد روى عنه غير واحد من الصحابة (١): "أنه ﷺ لم يكن يصلي الضحى" وصحّ ذلك عنهم. وكذلك لم ينقل عنه أنه: ﷺ صلى سنة الجمعة قبلها، لأنه إنما كان يؤذّن للجمعة بين يديه وهو على المنبر. قال البيهقي (٢): يوم العيد كسائر الأيام والصلاة مباحة إذا ارتفعت الشمس حيث كان المصلى. ويدلّ على عدم الكراهة حديث أبي ذرّ قال: قال النبيّ ﷺ : "الصلاة خير موضوع، فمن شاء استكثر ومن شاء استقلّ"، رواه ابن حبان في صحيحه (٣) والحاكم (٤) في صحيحه. قال الحافظ في الفتح (٥): والحاصل أن صلاة العيد لم تثبت لها سنة قبلها ولا بعدها خلافًا لمن قاسها على الجمعة. وأما مطلق النفل فلم يثبت فيه منع بدليل خاصّ إلا إن كان ذلك في وقت الكراهة في جميع الأيام، انتهى.

стр. 3086

وكذا قال العراقي في شرح الترمذي، وهو كلام صحيح جار على مقتضى الأدلة فليس في الباب ما يدلّ على منع مطلق النفل ولا على منع ما ورد فيه دليل يخصه كتحية المسجد، إذا أقيمت صلاة العيد في المسجد. وقد قدمنا الإشارة إلى مثل هذا في باب تحية المسجد (١). نعم في التلخيص (٢) ما لفظه: وروى أحمد (٣) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "لا صلاة يوم العيد قبلها ولا بعدها"، فإن صحّ هذا كان دليلًا على المنع مطلقًا لأنه نفي في قوّة النهي، وقد سكت عليه الحافظ فينظر فيه. قوله: (فجعلت المرأة) المراد بالمرأة جنس النساء. قوله: (تصدّق بخرصها) هو الحلقة الصغيرة من الحليّ. وفي القاموس (٤): الخرص بالضمّ ويكسر: حلقة الذهب والفضة أو حلقة القرط أو الحلقة الصغيرة من الحليّ، انتهى. قوله: (وسخابها) (٥) بسين مهملة مكسورة بعدها خاء معجمة: وهو خيط تنظم فيه الخرزات. وفي القاموس (٦): إن السخاب ككتاب: قلادة من سكّ وقرنفل ومحلب بلا جوهر، انتهى. ولهذا الحديث ألفاظ مختلفة، وفيه استحباب وعظ النساء وتعليمهنّ أحكام

стр. 3087

الإسلام وتذكيرهنّ بما يجب عليهنّ، واستحباب حثهنّ على الصدقة وتخصيصهن بذلك في مجلس منفرد. [الباب التاسع] باب خطبة العيد وأحكامها ٢٥/ ١٢٩٤ - (عَنْ أبي سَعِيدٍ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأضْحَى إلى المُصَلَّى، وأوَّلُ شَيْءٍ يَبْدأُ بِهِ الصَّلاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقابِلَ النَّاسِ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ على صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ ويُوَصِّيهِمْ ويأمُرُهُمْ، وَإنْ كانَ يُرِيدُ أنْ يَقْطَعَ بَعْثًا أوْ يأمُرَ بِشَيْءٍ أمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] قوله: (إلى المصلى) هو موضع بالمدينة معروف. وقال في الفتح (٢): بينه وبين باب المسجد ألف ذراع، قاله عمر بن شبة في "أخبار المدينة" (٣) عن أبي غسان الكناني صاحب مالك. قوله: (وأوّل شيء يبدأ به الصلاة)، فيه أن السنة تقديم الصلاة على الخطبة، وقد تقدم الكلام على ذلك مبسوطًا. قوله: (ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس)، في رواية ابن حبان (٤): "فينصرف إلى الناس قائمًا في مصلاه"، ولابن خزيمة (٥) في رواية مختصرة: "خطب يوم عيد على رجليه". قوله: (فيعظهم ويوصيهم)، فيه استحباب الوعظ والتوصية في خطبة العيد. قوله: (وإن كان يريد أن يقطع بعثًا)، أي يخرج طائفة من الجيش إلى جهة من الجهات. وهذا الحديث يدلّ على أنه لم يكن في المصلى في زمانه ﷺ منبر. ويدلّ على ذلك ما عند البخاري (١) وغيره في هذا الحديث أن أبا سعيد

стр. 3088

قال: "فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان وهو أمير المدينة في أضحى أو فطر؛ فلما أتينا المصلى إذ منبر بناه كثير بن الصلت" الحديث. ٢٦/ ١٢٩٥ - (وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: أخْرَجَ مَرْوَانُ المِنْبَرَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَبَدأ بالخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلاةِ، فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا مَرْوَانُ خالَفْتَ السُّنَّةَ أخْرَجْتَ المِنْبَرَ فِي يَوْمِ عِيدٍ وَلَمْ يَكُنْ يُخْرَجُ فِيهِ، وَبَدأتَ بالخُطْبَةِ قَبْلَ الصَّلاةِ، فَقالَ أبو سَعِيدٍ: أمَّا هَذَا فَقَدْ أدَّى ما عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ رأى مُنْكرًا فاسْتَطاعَ أنْ يُغَيِّرَهُ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيدِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلسَانِهِ، فإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمَانِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وأَبُو دَاوُدَ (٣) وَابْنُ ماجَهْ) (٤). [صحيح] قوله: (أخرج مروان المنبر، إلخ)، هذا يؤيد ما مرّ من أن مروان أوّل من فعل ذلك. ووقع في المدوّنة لمالك (٥). ورواه عمر بن شبة (٦) عن أبي غسان عنه. قال: أوّل من خطب الناس في المصلى على منبر: عثمان بن عفان. قال الحافظ (٧): يحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك مرّة ثم تركه حتى أعاده مروان. قوله: (فبدأ بالخطبة قبل الصلاة)، قد قدمنا الكلام على هذا في باب صلاة العيد قبل الخطبة. وقد اعتذر مروان عن فعله لما قال له أبو سعيد: غيرتم والله، كما في البخاري (٨) بقوله: "إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتها قبلها".

стр. 3089

قال في الفتح (١): وهذا يشعر بأن مروان فعل ذلك باجتهاد منه. وقال (٢) في موضع آخر: لكن قيل: إنهم كانوا في زمن مروان يتعمدون ترك سماع الخطبة لما فيها من سبّ من لا يستحقّ السبّ والإفراط في مدح بعض الناس، فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه. قوله: (فقام رجل)، في المهمات: أنه عمارة بن رؤيبة. وقال في الفتح (٣): يحتمل أن يكون هو أبا مسعود كما في رواية عبد الرزاق (٤). وفي البخاري (٥) ومسلم (٦): أن أبا سعيد أنكر على مروان أيضًا، فيمكن أن يكون الإنكار من أبي سعيد وقع في أوّل الأمر ثم تعقبه الإِنكار من الرجل المذكور. ويؤيد ذلك ما عند البخاري (٧) في حديث أبي سعيد بلفظ: "فإذا مروان يريد أن يرتقيه، يعني المنبر قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجذبني، فارتفع فخطب فقلت له: غيرتم والله، فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير مما لا أعلم". وفي مسلم (٨): "فإذا مروان ينازعني يده كأنه يجرّني نحو المنبر وأنا أجرّه نحو الصلاة؛ فلما رأيت ذلك منه قلت: أين الابتداء بالصلاة؟ فقال: لا يا أبا سعيد قد ترك ما تعلم، فقلت: كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم، ثلاث مرات ثم انصرف". والحديث فيه مشروعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد إن استطاع ذلك، وإلا فباللسان وإلا فبالقلب، وليس وراء ذلك من الإيمان شيء.

стр. 3090

٢٧/ ١٢٩٦ - (وَعَنْ جابِرٍ قالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِي ﷺ العِيدِ، فَبَدأ بالصَّلاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ بِغَيْرِ أذَانٍ وَلا إقامَةٍ، ثمَّ قامَ مُتَوكِّئًا على بِلالٍ، فأمَرَ بِتَقْوَى الله، وَحَثَّ على طاعته وَوَعَظَ النَّاس وَذَكَّرَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حتَّى أتى النِّساءَ، فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) وَالنَّسَائي (٢). وَفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ (٣): فَلَمَّا فَرَغَ نَزَل فأتى النِّساءَ فَذَكَّرَهُنَّ). [صحيح] الحديث فيه تقديم صلاة العيد على الخطبة وترك الأذان والإقامة لصلاة العيد، وقد تقدم بسط ذلك. وفيه استحباب الوعظ والتذكير في خطبة العيد، واستحباب وعظ النساء وتذكيرهنّ وحثهنّ على الصدقة إذا لم يترتب على ذلك مفسدة وخوف فتنة على الواعظ أو الموعوظ أو غيرهما. وفيه أيضًا تمييز مجلس النساء إذا حضرن مجامع الرجال، لأن الاختلاط ربما كان سببًا للفتنة الناشئة عن النظر أو غيره. قوله: (فلما فرغ نزل)، قال القاضي عياض (٤): هذا النزول كان في أثناء الخطبة. قال النووي (٥): وليس كما قال إنما نزل إليهنّ بعد خطبة العيد وبعد انقضاء وعظ الرجال، وقد ذكره مسلم (٦) صريحًا في حديث جابر كما في اللفظ الذي أورده المصنف وهو صريح أنه أتاهنّ بعد فراغ خطبة الرجال.

стр. 3091

قال المصنف (١) ﵀: وقوله: "نزل"، دلّ على أن خطبته كانت على شيء عال، انتهى. ٢٨/ ١٢٩٧ - (وَعَنْ سَعْدٍ المُؤَذّنِ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُكَبّرُ بَيْنَ أضْعافِ الخُطْبَةِ، يُكْثِرُ التَّكْبِيرَ فِي خُطْبَةِ العِيدَيْنِ. رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ) (٢). [ضعيف] ٢٩/ ١٢٩٨ - (وَعَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ قالَ: السُّنَّةُ أنْ يَخْطُبَ الإِمامُ فِي العِيدَيْنِ خُطْبَتَيْنِ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) (٣). [مرسل بسند ضعيف] الحديث الأوَّل هو من رواية عبد الرحمن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ المؤذّن، عن أبيه عن جده، وعبد الرحمن ضعيف. وقد أخرج نحوه البيهقي (٤) من حديث عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "السنة أن تفتتح الخطبة بتسع تكبيرات تترى، والثانية بسبع تكبيرات تترى". وأخرجه ابن أبي شيبة (٥) من وجه آخر عن عبيد الله، وعبيد الله المذكور أحد فقهاء التابعين وليس قول التابعي: من السنة، ظاهرًا في سنة النبيّ ﷺ . وقد قال باستحباب التكبير على الصفة المذكورة في الخطبة كثير من أهل العلم.

стр. 3092

قال ابن القيم (١): وأما قول كثير من الفقهاء: إنه تفتتح خطبة الاستسقاء بالاستغفار وخطبة العيدين بالتكبير فليس معهم فيها سنة عن النبيِّ ﷺ البتة، والسنة تقتضي خلافه وهو افتتاح جميع الخطب بالحمد. والحديث الثاني يرجحه القياس على الجمعة. وعبيد الله بن عبد الله تابعي كما عرفت فلا يكون قوله: "من السنة" دليلًا على أنها سنة النبيّ ﷺ كما تقرّر في الأصول (٢). وقد ورد في الجلوس بين خطبتي العيد حديث مرفوع رواه ابن ماجه (٣) عن جابر، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم (٤) وهو ضعيف. ٣٠/ ١٢٩٩ - (وَعَنْ عَطاءٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ السَّائِبِ قالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ العِيدَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلاةَ قالَ: "إِنَّا نَخْطُبُ فَمَنْ أحَبَّ أنْ يَجْلِسَ للْخُطْبَة فَلْيَجْلِسْ، وَمَنْ أحَبَّ أنْ يَذْهَبَ فَلْيَذْهَبْ"، رَوَاهُ النَّسائيّ (٥) وَابْنُ ماجَهْ (٦) وأبُو دَاوُدَ) (٧). [صحيح] الحديث قال أبو داود (٨): هو مرسل.

стр. 3093

وقال النسائي (١): هذا خطأ، والصواب أنه مرسل. وفيه أن الجلوس لسماع خطبة العيد غير واجب. قال المصنف (٢) ﵀: وفيه بيان أن الخطبة سنة، إذ لو وجبت وجب الجلوس لها، انتهى. وفيه أن تخيير السامع لا يدلّ على عدم وجوب الخطبة بل على عدم وجوب سماعها، إلا أن يقال إنه يدلّ من باب الإشارة، لأنه إذا لم يجب سماعها لا يجب فعلها، وذلك لأن الخطبة خطاب، ولا خطاب إلا لمخاطب، فإذا لم يجب السماع على المخاطب لم يجب الخطاب. وقد اتفق الموجبون لصلاة العيد وغيرهم على عدم وجوب خطبته ولا أعرف قائلًا يقول بوجوبها. [الباب العاشر] باب استحباب الخطبة يوم النحر ٣١/ ١٣٠٠ - (عَنِ الهِرْماس بْن زياد قالَ: رأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ على ناقَتِه العَضْباء يَوْمَ الأضْحَى بِمِنًى. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وأبُو دَاوُدَ) (٤) [حسن]

стр. 3094

٣٢/ ١٣٠١ - (وَعَنْ أبي أُمامةَ قالَ: سَمِعْتُ خُطْبَةَ النَّبِيّ ﷺ بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (١). [صحيح] ٣٣/ ١٣٠٢ - (وَعَنْ عَبْدِ الرحْمنِ بْنِ مُعاذٍ [التَّيمِي] (٢) قالَ: خَطَبَنا رَسُولُ الله ﷺ وَنَحْنُ بِمِنًى، فَفُتِحَتْ أسْماعُنَا حتَّى كُنَّا نَسْمَعُ ما يَقُول وَنحْنُ فِي مَنَازِلَنَا، فَطَفِقَ يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ حَتَّى بَلَغَ الجِمارَ، فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: بَحَصَى الخَذْفِ، ثُم أمَرَ المُهاجِرِين فَنَزَلُوا فِي مُقَدمِ المَسْجِدِ، وأمَرَ الأنْصَارَ فَنَزَلُوا مِنْ وَرَاءِ المَسْجِدِ، ثُمَّ نَزَلَ النَّاسُ بَعْدَ ذلكَ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٣) وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاه) (٤). [صحيح] الأحاديث الثلاثة سكت عنها أبو داود (٥) والمنذري (٦)، ورجال إسناد الحديث الأوَّل ثقات، وكذلك رجال إسناد الحديث الثاني، وكذلك رجال إسناد الحديث الثالث. وفي الباب عن رافع بن عمرو المزني عند أبي داود (٧) والنسائي (٨). وعن أبي سعيد عند النسائي (٩) وابن ماجه (١٠) وابن حبان (١١) وأحمد (١٢).

стр. 3095

وعن ابن عباس عند البخاري (١). وله (٢) حديث آخر عند الطبراني (٣). وعن أبي كاهل الأحمسي عند النسائي (٤) وابن ماجه (٥). وعن أبي بكرة وسيأتي (٦). وعن ابن عمر عند البخاري (٧). وعن ابن عمرو بن العاص عند البخاري (٨) أيضًا وغيره. وعن جابر عند أحمد (٩). وعن أبي حرّة الرقاشي عن عمه عند أحمد (١٠) أيضًا. وعن كعب بن [عاصم] (١١) عند الدارقطني (١٢). وأحاديث الباب تدلّ على مشروعية الخطبة في يوم النحر، وهي تردّ على من زعم أن يوم النحر لا خطبة فيه للحاجّ، وأن المذكور في أحاديث الباب إنما هو من قبيل الوصايا العامة، لا أنه خطبة من شعار الحجّ. ووجه الردّ أن الرواة سموها خطبة كما سموا التي وقعت بعرفات خطبة.

стр. 3096

وقد اتفق على مشروعية الخطبة بعرفات، ولا دليل على ذلك إلا ما روي عنه ﷺ أنه خطب بعرفات. والقائلون بعدم مشروعية الخطبة يوم النحر هم المالكية (١) والحنفية (٢)، وقالوا: خطب الحجّ ثلاث: سابع ذي الحجة، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر. ووافقهم الشافعي (٣) إلا أنه قال بدل ثاني النحر: ثالثه، وزاد خطبة رابعة وهي يوم النحر. قال: وبالناس إليها حاجة ليعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف، واستدلّ بأحاديث الباب. وتعقبه الطحاوي (٤) بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات الحجّ لأنه لم يذكر فيها شيئًا من أعمال الحجّ، وإنما ذكر وصايا عامة كما تقدم. قال: ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئًا مما يتعلق بالحجّ يوم النحر، فعرفنا أنها لم تقصد لأجل الحجّ. وقال ابن القصار (٤): إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا، فظنّ الذي رآه أنه خطب. قال: وأما ما ذكره الشافعي أن بالناس حاجة إلى [تعليمهم] (٥) أسباب التحلل المذكورة فليس بمتعين؛ لأن الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها بمكة أو يوم عرفة، انتهى. وأجيب بأنه ﷺ نبه في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر وعلى تعظيم عشر ذي الحجة، وعلى تعظيم البلد الحرام. وقد جزم الصحابة المذكورون بتسميتها خطبة كما تقدم فلا تلتفت إلى تأويل غيرهم. وما ذكره من إمكان تعليم ما ذكر يوم عرفة، يعكر عليه كونه يرى

стр. 3097

مشروعية الخطبة ثاني يوم النحر، وكان يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يأتي بعده من أعمال الحجّ، لكن لما كان في كل يوم أعمال ليست في غيره، شرع تجديد التعليم بحسب تجدّد الأسباب. وقد بين الزهري - وهو عالم أهل زمانه - أن الخطبة ثاني يوم النحر نقلت من خطبة يوم النحر، وأن ذلك من عمل الأمراء يعني بني أمية، كما أخرج ذلك ابن أبي شيبة (١) عنه، وهذا وإن كان مرسلًا لكنه معتضد بما سبق، وبان به أن السنة الخطبة يوم النحر لا ثانيه. وأما قول الطحاوي: إنه لم يعلمهم شيئًا من أسباب التحلل، فيردّه ما عند البخاري (٢) من حديث ابن عمرو بن العاص: "أنه شهد النبيّ ﷺ يخطب يوم النحر"، وذكر فيه السؤال عن تقديم بعض المناسك. وثبت أيضًا في بعض أحاديث الباب: "أن النبيّ ﷺ قال: خذوا عني مناسككم" (٣)، فإنه وعظهم وأحال في تعليمهم على تلقي ذلك من أفعاله. قوله: (ونحن بمنى) أيام منى أربعة: أيام يوم النحر وثلاثة أيام بعده. وأحاديث الباب مصرّحة بيوم النحر فيحمل المطلق على المقيد ويتعين يوم النحر. قوله: (ثم قال بحصى الخذف) فيه استعارة القول للفعل، وهو كثير في السنة، والمراد أنه وضع إحدى السبابتين على الأخرى ليريهم أنه يريد حصى الخذف، والخذف بالخاء والذال المعجمتين، ويروى بالحاء المهملة والأول أصوب. قال الجوهري (٤) في فصل الحاء: حذفته بالعصا: أي رميته بها، وفي فصل

стр. 3098

الخاء (١) المعجمة الخذف بالحصى: الرمي به بالأصابع. وسيأتي ذكر مقدار حصى الحذف في باب استحباب الخطبة يوم النحر من كتاب الحجّ (٢)؛ لأن المصنف رحمه الله تعالى سيكرّر هذه الأحاديث المذكورة في هذا الباب جميعها هنالك. وسنشرح هنالك ما لم نتعرّض لشرحه ههنا من ألفاظ هذه الأحاديث. ٣٤/ ١٣٠٣ - (وَعَنْ أبي بَكْرَةَ قال: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ فقالَ: "أَتَدْرُونَ أيَّ يَوْمٍ هَذَا؟ "، قُلْنا: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، فَسَكَتَ حتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قالَ: "ألَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "، قُلْنا: بَلى، قالَ: "أيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ "، قُلْنا: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، فَسَكَتَ حتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقالَ: "أَليْسَ ذَا الحِجَّةِ؟ "، قُلْنا: بَلى، قالَ: "أيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ "، قُلْنا: الله وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، فَسَكَتَ حتَّى ظَننَّا أنه سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقالَ: "ألَيْسَتِ البَلْدَةَ؟ "، قُلْنا: بَلى، قالَ: "فَإِنَّ دِماءَكُمْ وأموَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إلى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، ألَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ "، قالُوا: نَعَمْ، قالَ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغِ أوْعَى مِنْ سامِع، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكمْ رِقابَ بَعْضٍ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالبُخَارِيُّ) (٤). [صحيح] قوله: (أتدرون أيّ يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم)، في البخاري (٥) من

стр. 3099

حديث ابن عباس أنهم قالوا: يوم حرام، وقالوا عند سؤاله عن الشهر: شهر حرام، وعند سؤاله عن البلد: بلد حرام. وعند البخاري (١) أيضًا من حديث ابن عمر بنحو حديث أبي بكرة إلا أنه ليس فيه قوله: "فسكت في الثلاثة المواضع". وقد جمع بين حديث ابن عباس وحديث الباب ونحوه بتعدّد الواقعة. قال في الفتح (٢): وليس بشيء لأن الخطبة يوم النحر إنما تشرع مرّة واحدة، وقد قال في كل منهما: إن ذلك كان يوم النحر. وقيل في الجمع بينهما: إن بعضهم بادر بالجواب، وبعضهم سكت. وقيل في الجمع إنهم فوّضوا الأمر أوّلًا كلهم بقولهم الله ورسوله أعلم؛ فلما سكت أجابه بعضهم دون بعض. وقيل: وقع السؤال في الوقت الواحد مرّتين بلفظين، فلما كان في حديث أبي بكرة فخامة ليست في حديث ابن عباس لقوله فيه: "أتدرون؟ "، سكتوا عن الجواب بخلاف حديث ابن عباس لخلّوه عن ذلك، أشار إلى هذا الكرماني (٣). وقيل: في حديث ابن عباس اختصار بينته رواية أبي بكرة، فكأنه أطلق قولهم قالوا: "يوم حرام"، باعتبار أنهم قرّروا ذلك حيث قالوا: بلى. قال الحافظ (٤): وهذا جمع حسن. والحكمة في سؤاله ﷺ عن الثلاثة وسكوته بعد كل سؤال منها ما قاله القرطبي (٥) من أن ذلك كان لاستحضار فهومهم، وليقبلوا عليه بكليتهم ويستشعروا عظمة ما يخبرهم عنه، ولذلك قال بعد هذا: "فإن دماءكم، إلخ" مبالغة في بيان تحريم هذه الأشياء اهـ. ومناط التشبيه في قوله: "كحرمة يومكم هذا"، وما بعده ظهوره عند السامعين لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتًا في نفوسهم مقرّرًا عندهم،

стр. 3100

بخلاف الأنفس والأموال والأعراض فكانوا يستبيحونها في الجاهلية، فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا يرد كون المشبه به أخفض رتبة من المشبه؛ لأن الخطاب إنما وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع. قوله: (أليست البلدة)، كذا وقع بتأنيث البلدة. وفي رواية للبخاري (١): "أليس بالبلدة الحرام؟ "، وفي أخرى له: "أليس بالبلد الحرام؟ ". قال الخطابي (٢): يقال: إن البلدة اسم خاص لمكة، وهي المراد بقوله : ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١]. وقال الطيبي (٣): المطلق محمول على الكامل وهي الجامعة للخير المستحقة للكمال. قوله: (فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)، هكذا ساقه البخاري (٤) في الحجّ، وذكره في كتاب العلم (٥) بزيادة: "وأعراضكم". وكذا ذكر هذه الزيادة في الحجّ من حديث ابن عباس (٦) ومن حديث ابن عمر (٧)، وهو على حذف مضاف: أي سفك دمائكم وأخذ أموالكم وثلب أعراضكم. والعرض بكسر العين موضع المدح والذمّ من الإنسان سواء كان في سلفه أو نفسه (٨).

стр. 3101

قوله: (اللهمّ اشهد) إنما قال ذلك لأنه كان فرضًا عليه أن يبلغ، فأشهد الله تعالى على أداء ما أوجبه عليه. قوله: (فربّ مبلَغ) بفتح اللام: أي ربّ شخص بلغه كلامي فكان أحفظ له وأفهم لمعناه من الذي نقله له. قال المهلب (١): فيه أنه يأتي في آخر الزمان من يكون له من الفهم والعلم ما ليس لمن تقدمه إلا أن ذلك يكون في الأقلّ لأن ربّ موضوعة للتقليل. قال الحافظ (٢): هي في الأصل كذلك إلا أنها استعملت في التكثير بحيث غلب على الاستعمال الأوّل. قال: لكن يؤيد أن التقليل هنا مراد أنه وقع في رواية للبخاري (٣) بلفظ: "عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه". وقوله: (أوعى من سامع)، نعت لمبلغ، والذي يتعلق به ربّ محذوف، وتقديره يوجد أو يكون، ويجوز على مذهب الكوفيين في (أن) ربّ اسم أن تكون هي مبتدأ، وأوعى: الخبر، فلا حذف ولا تقدير. قوله: (فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض). قال النووي في شرح مسلم (٤): في معناه سبعةُ أقوالٍ: (أحدُها): أن ذلك كفر في حقّ المستحِلِّ بغير حقّ. (والثاني): المراد كفرُ النعمة وحقّ الإسلام. (والثالثُ): أنه يَقْرُبُ من الكفر ويؤدّي إليه. (والرابع): أنه فِعلٌ كفعل الكفَّار. (والخامس): المرادُ حقيقةَ الكفر، ومعناه لا تكفرُوا بل دومُوا مسلمينَ. (والسَّادسُ): حكاهُ الخطابي (٥) وغيره أن المراد بالكفار: المتكفرون بالسلاح، يقال: تكفَّر الرجل بسلاحه إذا لبسَهُ.

стр. 3102

قال الأزهري في كتاب تهذيب اللغة (١): يقال للابس السلاح: كافر. (والسابع) معناه لا يكفر بعضكم بعضًا فتستحلوا قتال بعضكم بعضًا، قاله الخطابي (٢). قال النووي (٣): وأظهرُ الأقوال الرابعُ، وهو اختيار القاضي عياض (٤). قال: والروايةُ يضرب برفع الباء هذا هو الصواب، وهكذا رواه المتقدمون والمتأخرون وبه يصحّ المقصود هنا. ونقل القاضي عياض (٤) أن بعض العلماء ضبطَهُ بإسكان الباء، والصوابُ الضمُّ. وكذا قال أبو البقاء (٥): إنه يجوز جزمُ الباء على تقدير شرط مضمر: أي أن ترجعوا يضرب. والمراد بقوله بعدي: أي بعد فراقي من موقفي هذا، كذا قال الطبريُّ (٦)، أو يكون ﷺ تحقق أن هذا الأمر لا يكون في حياته، فنهاهم عنه بعد مماته. والحديث فيه استحباب الخطبة يوم النحر؛ وقد تقدم الكلام على ذلك. [الباب الحادي عشر] باب حكم الهلال إذا غم ثم علم به من آخر النهار ٣٥/ ١٣٠٤ - (عَن [أَبي] (٧) عُمَيرِ بْنِ أنسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِن الأنصَارِ

стр. 3103

قالُوا: غُمّ عَلَيْنا هِلالُ شَوالٍ فأصْبَحْنا صِيامًا، فَجاءَ رَكْبٌ مِنْ آخِرِ النَّهارِ فَشَهِدُوا عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ أنهُمْ رأوْا الهِلالَ بالأمْسِ، فأمَرَ النَّاسَ أنْ يُفْطِرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ، وأنْ يَخْرُجُوا لِعِيدِهِمْ مِنَ الغَدِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلا التِّرْمِذِيّ) (١). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه (٢)، وصححه ابن المنذر (٣) وابن السكن (٤) وابن حزم (٥) والخطابي (٦) وابن حجر في بلوغ المرام (٧). وعلق الشافعي (٨) القول به على صحته. وقال ابن عبد البرّ (٩): أبو عمير مجهول. قال الحافظ (١٠): كذا قال: وقد عرفه من صحح له اهـ وقول المصنف عن عمير لعله من سقط القلم، وهو أبو عمير كما في سائر كتب هذا الفن. والحديث دليل لمن قال إن صلاة العيد تصلى في اليوم الثاني إن لم يتبين العيد إلا بعد خروج وقت صلاته. وإلى ذلك ذهب الأوزاعي (١١) والثوري (١١) وأحمد (١٢) وإسحاق (١١)

стр. 3104

وأبو حنيفة (١) وأبو يوسف (٢) ومحمد (٢) وهو قول للشافعي (٣). ومن أهل البيت الهادي والقاسم والناصر والمؤيّد بالله وأبو طالب (٤)، وقيد ذلك أبو طالب بشرط أن يكون ترك الصلاة في اليوم الأوّل للبس كما في الحديث. وردّ بأن كون الترك للبس إنما هو للنبيّ ﷺ ومن معه لا للركب؛ لأنهم تركوا الصلاة في يوم العيد عمدًا بعد رؤيتهم للهلال بالأمس، فأمر النبيّ ﷺ لهم كما في رواية أبي داود (٥). يدلّ على عدم الفرق بين عذر اللبس وغيره كما ذهب إلى ذلك الباقون، فإنهم لا يفرّقون بين اللبس وغيره من الأعذار، إما لذلك وإما قياسًا لها عليه. وظاهر الحديث أن الصلاة في اليوم الثاني أداء لا قضاء. وروى الخطابي (٦) عن الشافعي (٧) أنهم إن علموا بالعيد قبل الزوال صلوا، وإلا لم يصلوا يومهم ولا من الغد لأنه عمل في وقت فلا يعمل في غيره، قال: وكذا قال مالك (٨) وأبو ثور (٩). قال الخطابي (١٠): سنة النبيّ ﷺ أولى بالاتباع. وحديث أبي عمير صحيح فالمصير إليه واجب اهـ. وحكى في شرح القدوري (١١) عن الحنفية أنهم إذا لم يصلوها في اليوم

стр. 3105

الثاني حتى زالت الشمس صلوها في اليوم الثالث، فإن لم يصلوها فيه حتى زالت الشمس سقطت سواء كان لعذر أو لغير عذر اهـ. والحديث وارد في عيد الفطر، فمن قال بالقياس ألحق به عيد الأضحى. وقد استدل بأمره ﷺ للركب أن يخرجوا إلى المصلى لصلاة العيد، الهادي والقاسم (١) وأبو حنيفة (٢)، على أن صلاة العيد من فرائض الأعيان. وخالفهم في ذلك الشافعي وجمهور أصحابه (٣). قال النووي (٤) وجماهير العلماء فقالوا: إنها سنة، وبه قال زيد بن عليّ والناظر (٥) والإِمام يحيى (٦). وقال أبو سعيد الإصطخري من الشافعية (٧): إنها فرض كفاية، وحكاه المهدي في البحر (٨) عن الكرخي وأحمد بن حنبل (٩) وأبي طالب (١٠) وأحد قولي الشافعي (١١). واستدلّ القائلون بأنها سنة بحديث: "هل عليّ غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوّع" (١٢)، وقد قدمنا في باب تحية المسجد (١٣) الجواب عن هذا الاستدلال مبسوطًا فراجعه. واستدلّ القائلون أنها فرض كفاية بأنها شعار كالغسل والدفن، وبالقياس عل صلاة الجنازة بجامع التكبيرات. والظاهر ما قاله الأوّلون (١٤) لأنه قد انضمّ إلى ملازمته ﷺ لصلاة العيد

стр. 3106

على جهة الاستمرار وعدم إخلاله بها، الأمر بالخروج إليها. بل ثبت كما تقدم أمره ﷺ بالخروج للعواتق والحيض وذوات الخدور (١)، وبالغ في ذلك حتى أمر من لها جلباب أن تلبس من لا جلباب لها (١)، ولم يأمر بذلك في الجمعة ولا في غيرها من الفرائض. بل ثبت الأمر بصلاة العيد في القرآن كما صرّح بذلك أئمة التفسير في تفسير قول الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]، فقالوا: المراد صلاة العيد ونحر الأضحية (٢). ومن مقوّيات القول بأنها فرض إسقاطها لصلاة الجمعة كما تقدم، والنوافل لا تسقط الفرائض في الغالب. ٣٦/ ١٣٠٥ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالأضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ" رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَصححَهُ) (٣). [صحيح] ٣٧/ ١٣٠٦ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "الصوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، والأضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٤) أيْضًا، وَهُوَ لأبي دَاوُدَ (٥) وَابْنِ ماجَهْ (٦) "إلا فَصْلَ الصوْمِ") [صحيح] الحديث الأوّل أخرجه أيضًا الدارقطني (٧) وقال: وقفه عليها وهو الصواب.

стр. 3107

والحديث الثاني حسنه الترمذي (١) وسكت عنه أبو داود (٢) والمنذري (٣) ورجال إسناده ثقات. قال الترمذي (١): وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا الصوم والفطر مع الجماعة وعظيم الناس. وقال الخطابي (٤) في معنى الحديث: إن الخطأ مرفوع عن الناس فيما كان سبيله الاجتهاد، فلو أن قومًا اجتهدوا فلم يروا الهلال إلا بعد الثلاثين فلم يفطروا حتى استوفوا العدد ثم ثبت عندهم أن الشهر كان تسعًا وعشرين فإن صومهم وفطرهم ماض لا شيء عليهم من وزر أو عيب. وكذلك في الحجّ إذا أخطئوا يوم عرفة ليس عليهم إعادة. وقال غيره: فيه الإشارة إلى أن يوم الشكّ لا يصام احتياطًا، وإنما يصوم يوم يصوم الناس. وقيل: فيه الردّ على من يقول إن من عرف طلوع القمر بتقدير حساب المنازل جاز له أن يصوم به ويفطر دون من لم يعلم. وقيل: إن الشاهد الواحد إذا رأى الهلال ولم يحكم القاضي بشهادته أنه لا يكون هذا صومًا له كما لم يكن للناس. ذكر هذه الأقوال المنذري في مختصر السنن (٥). وقد ذهب إلى الأخير محمد بن الحسن الشيباني (٦) قال: إنه يتعين على المنفرد برؤية هلال الشهر حكم الناس في الصوم والحجّ وإن خالف ما تيقنه. وروي مثل ذلك عن عطاء والحسن، والخلاف في ذلك للجمهور فقالوا: يتعين عليه حكم نفسه فيما تيقنه، وفسروا الحديث بمثل ما ذكر الخطابي (٧).

стр. 3108

وقيل: في معنى الحديث: إنه إخبار بأن الناس يتحزّبون أحزابًا ويخالفون الهدي النبويّ. فطائفة تعمل بالحساب وعليه أمة من الناس. وطائفة يقدمون الصوم والوقوف بعرفة وجعلوا ذلك شعارًا وهم الباطنية. وبقي على الهدي النبوي الفرقة التي لا تزال ظاهرة على الحقّ، فهي المرادة بلفظ الناس في الحديث، وهي السواد الأعظم ولو كانت قليلة العدد. [الباب الثاني عشر] باب الحث على الذكر والطاعة في أيام العشر وأيام التشريق ٣٨/ ١٣٠٧ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ما مِنْ أيَّامٍ العَمَلُ الصالِحُ فِيها أحَبُّ إلى الله مِنْ هَذِهِ الأيَّامِ"، يَعْني أيَّامَ العَشْرِ، قالُوا: يا رَسُولَ الله وَلا الجِهادُ فِي سَبِيلِ الله؟ قالَ: "وَلا الجِهادُ فِي سَبِيلِ الله، إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمالِهِ ثم لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ مِنْ ذلك"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلا مُسْلِمًا وَالنَّسائيَّ) (١) [صحيح] ٣٩/ ١٣٠٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ما مِنْ أَيَّامٍ أعْظَمُ عِنْدَ الله سُبْحانَهُ وَلا أحَبُّ إلَيْهِ العَمَلُ فِيهِن مِنْ هَذِهِ الأيَّامِ العَشْرِ، فأكْثرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٢). [صحيح] ٤٠/ ١٣٠٩ - (وَعَنْ نُبَيْشَةَ الهُذَلِيّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ

стр. 3109

أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ الله "، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَالنَّسائيُّ (٣). [صحيح] قالَ البُخاريُّ (٤): وَقالَ ابْنُ عَبَّاس: وَاذْكُرُوا الله فِي أيَّامٍ مَعْلُوماتٍ: أيَّامِ العَشْرِ، وَالأَيَّامُ المَعْدُودَاتُ: أيَّامُ التَّشْرِيقِ. [أثر صحيح] قالَ: وكانَ ابْنُ عُمَرَ وأبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إلى السُّوقِ فِي أيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا. قالَ (٥): وكانَ عُمَرُ يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى فَيَسْمَعُهُ أهْلُ المَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ وَيُكَبِّرُ أهْلُ الأسْوَاقِ حتَّى يَرْتَجَّ منى يكْبِيرًا).
следующие страницы →