← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 340–379 · переход к 345.

стр. 340

قالَ الترمذيُّ: حديثٌ غريبٌ وأخرجَه الضياءُ في المختارةِ (١) بنحوه. قوله: (في مُستحمِّهِ) المستحَمُّ: المغتسَلُ، سُمِّيَ باسم الحميم وهو الماءُ الحارُّ الذي يُغسلُ بهِ، وأطلِقَ على كلِّ موضِع يُغتسلُ فيهِ، وإن لم يكنِ الماءُ حارًا وقد صَرَّحَ في حديثٍ آخرَ بذكَرِ المغتسلِ ولفظُه قالَ: "نهى رسولُ اللَّهِ ﷺ أن يمتشِطَ أحدُنا كلَّ يومٍ أو يبولَ في مُغتسلهِ"، أخرجَهُ أبو داودَ (٢) والنسائيُّ (٣)، وراويهِ عن النبيِّ ﷺ مجهولٌ، وَجَهَالةُ الصحابيِّ لا تَضُرُّ. قوله: (عامَّةُ الوسواسِ) هو بكسرِ الواوِ الأولى: حديثُ النفسِ والشيطانِ بما لا نفعَ فيهِ، وأما بفتحِها فاسمٌ للشيطان. والحديثُ يدلُّ على المنعِ من البولِ في محلِّ الاغتسالِ لأنهُ يبقى أثرُهُ، فإذا انتضَحَ إلى المغتسلِ شيءٌ منَ الماءِ بعدَ وقوعِهِ على محلِّ البولِ نجَّسَهُ فلا يزالُ عندَ مباشرةِ الاغتسالِ متخيلًا لذلكَ فيفضي بهِ إلى الوَسْوَسَةِ التي عَلَّلَ ﷺ النهيَ بها. وقدْ قيلَ: إنهُ إذا كانَ للبولِ مَسلكٌ ينفُذُ فيهِ فلا كراهةَ، وربَطَ النهيَ بعلَّةِ إفضاءِ المنهيِّ عنهُ إلى الوَسْوَسَةِ يصلح قرينة لصرفِ النهي عن التحريم إلى الكراهَةِ. ٢١/ ٩٥ - (وَعَنْ جابِر عَن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهى أن يبالَ في الماءِ الراكِدِ. رَواهُ أحْمَدُ (٤) وَمُسلمٌ (٥) وَالنَّسائي (٦) وَابْنُ ماجَهْ) (٧). [صحيح] وقد تقدَّمَ الكلامُ على الحديثِ في (باب بيانِ زوالِ تطهيرِ الماءِ) (٨) وفي (بابِ حكمِ الماءِ) (٩) فَلْيُرْجَعْ إليهما.

стр. 341

[الباب الثامن] باب البول في الأواني للحاجة ٢٢/ ٩٦ - (عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ عَنْ أُمِّها (١) قالتْ: كَانَ لِلنّبِيِّ ﷺ قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ تحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فيهِ باللّيْلِ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢) والنَّسائي) (٣). [حسن لغيره]. الحديثُ أخرجَهُ أيضًا ابن حِبانَ (٤) والحاكمُ (٥). ورواهُ أبو ذرٍّ الهرَويُّ في مستدركِهِ (٦). وأخرجَ الحسنُ بنُ سُفيانَ في مُسندِهِ (٧) والحاكم (٨) والدارقطنى والطبراني (٩)

стр. 342

وأبو نعيم (١) من حديثِ أبي مالكٍ النخعي، عن الأسودِ بن قيسٍ (٢) عن نُبيحٍ العَنْزِي (٣) عن أمّ أيمنَ قالتْ: "قامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ من الليلِ إلى فَخَّارةِ له في جانبِ البيتِ فبالَ فيها، فقمتُ من الليلِ وأنا عطشانةٌ فشربتُ ما فيها وأنا لا أشعُر، فلمَّا أصبحَ النبيُّ ﷺ قالَ: "يا أمّ أيمنَ؛ قومي فأَهْرِيْقي ما في تلكَ الفخَّارةِ. قلتُ: قَدْ واللَّهِ شربتُهُ! قالتْ: فضحِكَ رسولُ اللَّهِ ﷺ حتى بدتْ نواجِذُه ثم قالَ: أما واللَّهِ لا ييجَعَنَّ بطنُك أبدًا". ورواهُ أبو أحمدَ العسكرِيُّ (٤) بلفظِ: "لَنْ تَشْتَكي بطنَكِ" وأبو مالكٍ ضعيفٌ ونُبيحٌ لم يلحقْ أم أيمنَ. وله طريقٌ أخرى رواهَا عبدُ الرزاقِ (٥) عن ابن جُريجٍ: "أُخبِرْتُ أن النبي ﷺ كانَ يبولُ في قدحٍ من عَيدانٍ ثم يُوضَعُ تحتَ سريرهِ، فجاءَ فإذا القدَحُ ليسَ فيه شيءٌ، فقالَ لامرأةٍ يُقالُ لها بركَةُ كانتْ تخدمُ أمَّ حبيبةَ جاءتْ مَعَها مِنْ أرض الحبشةِ: "أينَ البولُ الذي كانَ في القدحِ"؟ قالتْ: شَرِبتُهُ، قالَ: "صِحَّةٌ يا أُمَّ يوسُف". وكانتْ تُكنى أمُّ يوسُفَ فما مرضتْ حتى كان مرضُها الذَي ماتتْ فيهِ". والحديثُ يدلُّ على جوازِ إعدادِ الآنيةِ للبولِ فيها بالليلِ. وهذا مما لا أعلَمُ فيهِ خلافًا. قوله: (من عَيْدَانٍ) هو بفَتحِ العينِ المهملةِ وسكونِ الياءِ المثناةِ التحتيةِ طِوَالُ النخلِ. الواحِدَةُ عَيْدَانَةٌ. وفي القاموس (٦): "كان للنبيِّ ﷺ قدحٌ من عَيْدَانةٍ يبولُ فيها بالليلِ" انتهى. ٢٣/ ٩٧ - (وَعَنْ عائِشةَ ﵂ قالتْ: يقُولُونَ: إن النَّبِيَّ ﷺ أوْصى

стр. 343

إلى عَليّ لَقَدْ دَعا بالطّسْتِ لِيَبُولَ فِيها فَانْخنَثَتْ نفْسُهُ وما شَعَرْتُ فإِلَى مَنْ أوْصى؟! رَواهُ النِّسائي (١). [صحيح] انْخَنَثَتْ: أي انكَسَرَتْ وَانْثنَتْ). الحديثُ أخرجَهُ الشيخانِ (٢) أيضًا مِنْ حديثِ الأسودِ بن يزيدَ، قالَ: "ذكرُوا عندَ عائشةَ ﵂ أنّ عليًا ﵁ كان وصيًا لرسولِ اللَّهِ ﷺ قالتْ: متى أوصَى إليه؟ وقدْ كنتُ مُسْندتهُ إلى صَدْرِي فدعا بالطِّستِ فلقدِ انخنثَ في حِجْري وما شعرتُ أنه ماتَ فمتى أوصى إليه؟ (٣) ". قوله: (انْخَنَثَت) هو كما ذكرَ المصنِّفُ: الانثناءُ والانكسارُ، والمرادُ بقولهِ، في روايةِ الصحيحين انخنثَ: أي استَرْخَى فانثنتْ أعضاؤه. والحديثُ سَاقَهُ المصنِّفُ للاستدلالِ بهِ على جوازِ البولِ في الآنيةِ مؤيدًا به الحديثَ الأوَّلَ لما كانَ فيه ذلكَ المقالُ، ولكنَّه وقعَ في حالِ المرضِ، ولم يذكُرِ المصنفُ الحديثَ هذا في الوصايا كغيرهِ حتى نُحيلَ الكلامَ عليهِ إلى هنالكَ. والإنكارُ لِوصَايَةِ على المفهومُ من استفهامِ أم المؤمنينَ لا يدلُّ على عدمِ

стр. 344

ثبوتِها. وعَدَمُ وقوعِها من النبيِّ ﷺ في ذلكَ الوقتِ الخاصِّ لا يدلُّ على العدمِ المطلق (١). وقد استوفينا الكلامَ على ذلكَ في رسالة مستقلةٍ (٢). لما سألَ عن ذلكَ بعضُ العلماء. [الباب التاسع] باب ما جاء في البول قائمًا ٢٤/ ٩٨ - (عَنْ عائِشةَ ﵂ قالتْ: مَنْ حَدّثَكُمْ أن رَسُولَ الله ﷺ بالَ قائمًا فلا تصدِّقُوهُ، ما كانَ يَبُولُ إلَّا جالِسًا. رواه الخمسةُ إلَّا أبا دَاوُدَ (٣)، وَقالَ

стр. 345

التِّرْمِذِيُّ (١): هُوَ أحْسَنُ شَيْءٍ في هذا الباب وَأصَحُّ). [صحيح] قال الترمذي (٢): وفي البابِ عَنْ عُمر (٣) وبُريدةَ (٤). وحديثُ عمرَ إنما رُويَ مِنْ حديثِ عبد الكريم بن أبي المُخارقِ عن نافعٍ عن ابن عمرَ عن عمرَ قالَ: رآني النبي ﷺ وأنا أبولُ قائمًا، فقال: "يا عمرُ لا تبُلْ قائمًا". فما بُلْتُ قائمًا بعدُ. قال الترمذي (٥): وإنما رفعَ هذا الحديثَ عبدُ الكريمِ بنُ أبي المخارق، وهو ضعيفٌ عندَ أهلِ الحديثِ، ضعَّفَهُ أيوبُ السختيانيُّ وتكلَّمَ فيهِ (٦)، وَرَوى عُبيدُ اللَّهِ عن نافعٍ عن ابن عمر: "ما بُلتُ قائمًا منذُ أسلمتُ" (٧). وهذا أصحُّ من حديثِ عبدِ الكريم. وحديث بريدةَ في هذا غيرُ محفوظ (٨) وهو بلفظ: "قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ :

стр. 346

ثلاثٌ مِنَ الجفاءِ: أنْ يبولَ الرجلُ قائمًا، أو يمسحَ جبهتَهُ قبلَ أنْ يفرغَ مِن صلاتِهِ، أو ينفُخَ في سجودِهِ" [و] (١) رواهُ البزارُ (٢). وفي إسنادِ حديثِ البابِ شُرَيْكُ بنُ عبدِ اللَّهِ (٣)، وقد أخرجَ له مسلمٌ في المتابعاتِ. وقد رويَ عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ أنه قالَ: "مِنَ الجفاءِ أن يبولَ الرجلُ قائمًا" (٤). والحديثُ يدلُّ على أن رسولَ اللَّهِ ﷺ ما كانَ يبولُ حالَ القيام بل كانَ هديهُ في البولِ القعودَ، فيكونُ البولُ حالَ القيام مكروهًا، ولكنَّ قولَ عائشة هذا لا ينفي إثباتَ من أثبتَ وقوعَ البولِ منهُ حالَ القيامِ كما سيأتي من حديثِ حذيفةَ (٥) "أن

стр. 347

النبيَّ ﷺ انتهى إلى سُباطَةِ قومٍ فبالَ قائمًا"، ولا شك أن الغالبَ من فعلِهِ هو القعودُ، والظاهرُ أن بولَهُ قائمًا لبيانِ الجوازِ، وقيلَ: إنَّما فعلَهُ لوجَعٍ كانَ بمأبضهِ، ذَكَرهُ ابنُ الأثيرِ في النهايةِ (١). وروى الحاكم (٢) والترمذي (٣) من حديثِ أبي هريرةَ قال: "إنما بالَ قائمًا لِجُرْحٍ كان في مأبضِهِ". قال الحافظُ (٤): "ولو صحَّ هذا الحديثُ لكان فيه غنىً، لكن ضعَّفَهُ الدارقطني والبيهقيُّ". والمأبِضُ: باطنُ الركبة (٥). وقيلَ: فعلَهُ استِشْفاءَ كما سيأتي عن الشافعيِّ (٦). وقيلَ: لأن السُّباطة رِخوةٌ يتخللُهَا البولُ فلا يرتدُّ إلى البائلِ منهُ شيءٌ. وقيلَ: إنما بالَ قائمًا لكونِها حالةً يُؤمنُ مَعَها خُروجُ الريحِ بصوتٍ، ففعل [ذاكَ] (٧) لكونِه قريبًا مِنَ الديارِ، ويؤيدهُ ما رواهُ عبدُ الرزاقِ (٨) عن عمرَ ﵁ قال: "البولُ قائمًا أحصَنُ للدبُرِ". قالَ ابنُ القيم في الهدي (٩): "والصحيحُ إنما فعلَ ذلكَ تنزُّها وبُعدًا من إصابةِ البولِ فإنهُ إنما فعل هذا لمَّا أتى سُباطةَ قومٍ - وهو ملقى الكُناسةِ - وتُسمَّى المِزْبَلةُ، وهي تكونُ مرتفعةً، فلو بالَ فيها الرجل قاعدًا لارتد عليهِ بولُه". وهو ﷺ استَتَر بها وجعلَها بينَه وبينَ الحائطِ، فلم يكنْ بدٌّ مِنْ بولِهِ قائمًا، ولا يخفى ما في هذا الكلامِ من التكلفِ.

стр. 348

والحاصلُ أنه قد ثبتَ عنهُ البولُ قائمًا وقاعدًا والكل سنةٌ، فقد رُويَ عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ (١) أنه كانَ يأتي تلكَ السُّباطة فيبولُ قائمًا، هذا إذا لم يصحَّ في البابِ إلا مجرَّدُ الأفعالِ، أما إذا صحَّ النهيُ عن البولِ حالَ القيامِ كما سيأتي من حديثِ جابر (٢): "أنه ﷺ نهى أن يبولَ الرجلُ قائمًا" وجبَ المصيرُ إليه والعملُ بموجبِهِ، ولكنه يكونُ الفعلُ الذي صحَّ عنهُ صارِفًا للنهي إلى الكراهةِ على فرضِ جَهل التاريخِ أو تأخرِ الفِعْلِ، لأن لَفْظَ الرَّجُلِ يشملُهُ ﷺ بطريقِ الظهورِ فيكونُ فعلُه صالحًا للصرفِ لكونهِ وقعَ بمحضَرِ منَ الناسِ، فالظاهرُ أنه أرادَ التشريعَ، ويعضدهُ نهيهُ ﷺ لعمرَ، وإن كانَ فيهِ ما سلفَ. وقد صرَّحَ أبو عوانةَ في صحيحهِ (٣) وابنُ شاهينَ (٤) بأنَّ البولَ عن قيامٍ منسوخٌ، واستدلَّا عليه بحديثِ عائشةَ السابقِ (٥) وبحديثها أيضًا: "ما بالَ قائمًا منذُ أُنزِلَ عليهِ القرآنُ" رواه أبو عوانة في صحيحه (٦) والحاكم (٧). قال الحافظ (٨): "والصوابُ أنه غيرُ منسوخٍ. والجوابُ عن حديثِ عائشةَ أنهُ مستنِدٌ إلى علْمِها فيُحمَلُ على ما وقَعَ منهُ في البيوتِ، وأما في غيرِ البيوتِ فلم تطَّلِعْ هيَ عليهِ. وقد حفظَهُ حذيفةُ وهو مِنْ كبارِ الصحابةِ، وقد بيَّنَّا أن ذلكَ كانَ بالمدينة فتضمنَ الردَّ على ما نفتْهُ من أنَّ ذلكَ لم يقعْ بعدَ نزولِ القرآنِ.

стр. 349

وقد ثبتَ عن علي (١) وعمرَ (٢) وزيدِ بن ثابتٍ (٣) وغيرِهم أنهم بالُوا قيامًا، وهو دالٌّ على الجوازِ من غير كراهة إذا أمِنَ الرشاشَ، ولم يثبتْ عن النبيِّ ﷺ في النهي عنهُ شيءٌ" انتهى. ٢٥/ ٩٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قالَ: نَهى رَسُولُ الله ﷺ أن يَبُولَ الرَّجُلُ قائمًا. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) (٤). [ضعيف] الحديثُ في إسنادِهِ "عديُّ بنُ الفضلِ" وهو متروكٌ (٥)، وقد عرفتَ ما قالَهُ الحافِظُ مِنْ عدمِ ثبوتِ شيءٍ في النهي عن البولِ من قيامٍ عن النبيِّ ﷺ ، وقد حكَى ابنُ ماجه (٦) عن بعضِ مشايخهِ أنه قالَ: "كانَ من شأنِ العربِ البولُ من قيامٍ، ويدلُّ عليه ما في حديثِ عبدِ الرحمنِ بن حَسَنَةَ الذي أخرجَهُ النسائي (٧) وابنُ ماجه (٨) وغيرهما فإن فيهِ: "بالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ جالِسًا فقلنا: انظروا إليه يبولُ كما

стр. 350

تبولُ المرأةُ". وما في حديثِ حذيفة (١) بلفظ: "فقامَ كما يقومُ أحدُكم"، وذلكَ يشعرُ بأن النبي ﷺ كان يخالفُهم ويقعدُ لكونهِ أسترَ وأبعدَ من مماسةِ البولِ. قالَ الحافظُ في الفتحِ (٢): "وهو - يعني حديثَ عبدِ الرحمنِ - صحيحٌ، صححهُ الدارقطنيُّ وغيرُه، ويدل عليه حديثُ عائشةَ الذي رواهُ أبو عُوانةَ في صحيحه (٣) والحاكمُ (٤) بلفظ: "ما بالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ قائمًا منذ أُنزلَ عليه القرانُ " ويدلُّ عليه أيضًا حديثُها السالفُ (٥). وقد رويَ عن أبي موسى (٦) التشديدُ في البولِ من قيامٍ، فرُويَ عنه: "أنه رَأى رجلًا يبولُ قائمًا فقال: ويحكَ أفلا قاعِدًا؟ ثم ذكرَ قصةَ بني إسرائيلَ من أنه كانَ إذا أصابَ جسدَ أحدِهم البولُ قرضَهُ". وقد ذَهبتِ العترةُ والأكثرُ (٧) إلى كراهةِ البولِ قائمًا. وذهبَ أبو هريرة (٨) والشعبيُّ (٩) وابنُ سيرينَ إلى عدمِ الكراهةِ (١٠)، والحديثُ لو صحَّ وتجوَّدَ عن الصوارِفِ لصلُحَ مُتمَسَّكًا للتحريمِ. ولكنه لم يصحَّ، كما قالَهُ

стр. 351

الحافِظُ، وعلى فرضِ الصِّحَّةِ فالصارِفُ موجودٌ، فيكونُ البولُ من قيامٍ مكروهًا، وقد عرفتَ بقيةَ الكلامِ في الحديثِ الأوَّلِ. ٢٦/ ١٠٠ - (وعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النبيَّ ﷺ انْتَهى إلَى سُباطَةِ قَوْمٍ فَبالَ قائِمًا فَتَنَحَّيْتُ فَقَالَ: "ادْنُهْ"، فَدَنَوْتُ حَتَّى قُمْتُ عِنْدَ عَقبَيْهِ فَتَوَضأ وَمَسحَ على خُفَّيهِ. رَوَاهُ الجَمَاعةُ (١). [صحيح] وَالسُّبَاطَةُ: مَلْقَى التُّرَابِ وَالْقِمامِ). قوله: (سُباطةَ قومٍ) السباطَةُ (٢) بمهملةٍ مضمومةٍ بعدَها موحدة هي المِزْبَلَةُ والكُنَاسَةُ تكونُ بفناءِ الدُّورِ مرفقًا لأهلِهِا، وتكونُ في الغالبِ سهلةً لا يرتدُّ فيها البولُ على البائلِ، وإضافتُها إلى القومِ إضافةُ اختصاصٍ لا مِلْكٍ لأنها لا تخلُو عن النجاسةِ، وبهذا يندفِعُ إيرادُ من استشكلَ الروايةَ التي ذُكرَ فيها الجدارُ قائلًا: إنَّ البولَ يوهي الجدارُ ففيه إضرارٌ، قال في الفتح (٣): أو نقولُ: إنما بالَ فوقَ السباطة لا في أصلِ الجدارِ، وهو صريحٌ في روايةِ أبي عُوانةَ في صحيحِهِ. وقيلَ: يحتملُ أنْ يكونَ علمَ إذْنُهم في ذلكَ بالتصريحِ أو غيرِهِ، أو لكونِهِ مما يتسامحُ الناسُ بهِ، أو لعلمهِ بإيثارِهِم إياهُ بذلكَ، أو لكونهِ يجوزُ له التصرُّفُ في مالِ أمتِه دونَ غيرهِ لأنه أولى بالمؤمنينَ مِنْ أنفُسِهم وأموالِهم، وهذا وإنْ كانَ صحيحَ المعنى لكنَّه لم يُعهدْ ذلكَ من سيرتهِ ومكارمِ أخلاقهِ ﷺ . قوله: (فقال ادْنُهْ) استدلَّ بهِ على جوازِ الكلامِ في حالِ البولِ، وفيه أن هذهِ الروايةَ قد بينتْ في روايةِ البخاريِّ أن قولَهُ: "ادنُه" كان بالإِشارةِ لا باللفظِ فلا يتم الاستدلال. قاله الحافِظُ (٤).

стр. 352

وقد استشكلَ بأن قرْبَ حذيفةَ منه بحيثُ يسمعُ نداءَهُ، ويفهَمُ إشارتَهُ مخالفٌ لما عُرِفَ من عادتهِ منَ الإِبعادِ عندَ قضاءِ الحاجَةِ عن أعيُنِ الناظريْنَ، وقد أجيبَ عن ذلكَ بأنهُ ﷺ كان مشغولًا بمصابحِ المسلمين، فلعلَّهُ طالَ عليهِ المجلسُ حتى احتاجَ إلى البولِ فلو أبعدَ لتضرَّر. وقيلَ: فعلَ ذلكَ لبيانِ الجوازِ. وقيلَ: إنهُ فعلَ ذلك في البولِ وهو أخفُّ من الغائطِ لاحتياجهِ إلى زيادةِ تكشفٍ ولما يقترِنُ بهِ من الرائحةِ. وقيلَ: إن الغرضَ من الإِبعادِ التستُّرُ، وهو يحصُلُ بإرخاءِ الذيلِ والدنوِّ من الساتِرِ. والحديثُ يدلُّ على جوازِ البولِ من قيام، وقد سبقَ الكلامُ على ذلكَ. قالَ المصنف (١) ﵀: ولعله لم يجلِس لمانعٍ كان بها أو وجَعٍ كانَ بهِ، وقد روى الخطابي (٢) عن أبي هريرةَ: "أن النبي ﷺ بالَ قائمًا من جُرح كان بمأبضِهِ"، ويحملُ قول عائشةَ ﵂ على غيرِ حالِ العذرِ. والمأبِضُ ما تحتَ الرُّكبةِ من كلِّ حيوانٍ. وقد رُوي عن الشافعي (٣) أنهُ قالَ: كانتِ العربُ تستشفي لوجعِ الصُّلْبِ بالبولِ قائمًا فيرى أنهُ لعلهُ كانَ بهِ إذْ ذاكَ وجعُ الصُّلبِ اهـ. وقد عرفتَ تضعيفَ الدارقطنيِّ والبيهقيِّ لحديثِ أبي هريرةَ في الحديثِ الأوَّلِ من هذا البابِ (٤). [الباب العاشر] باب وجوب الاستنجاء بالحجر أو الماء ٢٧/ ١٠١ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إذا ذَهَبَ

стр. 353

أحَدُكُمْ إلَى الْغَائِطِ فَلْيَسْتَطِبْ بِثَلَاثةِ أحْجَارٍ فَإِنَّهِا تُجْزِي عَنْهُ". رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالنَّسَائيُّ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣) وَالدَّارَقُطْنِي (٤) وَقَالَ: إسْنادٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ). [حسن] الحديثُ أخرجَهُ أيضًا ابنُ ماجه (٥). وأخرجَ نحوَهُ أبو داودَ (٦) والنسائي (٧) وغيرهُما من حديثِ أبي هريرةَ وهو يدلّ على وجوبِ الاستجمارِ بثلاثةِ أحجارٍ. وفيهِ خلافٌ قد أسلفنَاهُ في باب نهي المتخلّي عن استقبالِ القبلةِ (٨). قالَ في البحرِ (٩): والاستجمارُ بثلاثةِ أحْجَارٍ مشروعٌ إجماعًا. وقوله: (فإنها تجزي عنهُ) أي تكفيهِ، وهو دليلٌ لمن قالَ بكفايةِ الأحجارِ وعدمِ وجوبِ الاستنجاءِ بالماءِ، وإليه ذهبتِ الشافعيةُ (١٠) والحنفيةُ (١١) وبه قالَ ابنُ الزبيرِ (١٢)، وسعدُ بنُ أبي وقاصٍ (١٣)، وابن المسيِّبِ (١٤) وعطاءٌ (١٥)، وسيأتي

стр. 354

الكلامُ على ذلكَ في بابِ الاستنجاءِ بالماءِ (١) إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. ٢٨/ ١٠٢ - (وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أن النبي ﷺ مَرَّ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: "إنَّهُمَا يُعَذبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ في كَبِير، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكانَ لا يَسْتَتِرُ مِنْ بوله وَأَمَّا الآخَرَ فكانَ يَمْشِي بِالنَّميِمَةِ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (٢)، وَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِي (٣) وَالنَّسَائِيّ (٤): "وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ". ثُمَّ قالَ: "بلَى كانَ أَحَدُهُما"، وَذَكَرَ الحَديِثَ). [صحيح] قوله: (فقالَ: إنهما يُعذبانِ) أعادَ الضميرَ إلى القبرينِ مجازًا والمرادُ من فيهما. قوله: (لا يستتِرُ) بمثناتينِ من فوقَ، الأُولى مفتوحةٌ والثانيةُ مكسورةٌ، وهو هكَذَا في أكثَرِ الرواياتِ، قاله ابنُ حَجَرٍ في الفتحِ (٥). وفي رواية لمسلم (٦) وأبي داود (٧) "يَسْتَنْزِهُ" بنونٍ ساكنةٍ بعدها زايٌ ثم هاءٌ، وفي روايةِ لابن عساكرَ (٨) "يستبرئُ" بموحدَةِ ساكنةِ من الاستبراءِ، فعلَى الروايةِ الأولى معنى الاستتار أنْ لا يجعَلَ بينَهُ وبينَ بولِهِ سِترةٌ يعني لا يتحفَّظُ منهُ فتوافِقُ الروايةَ الثانيةَ لأنها مِنَ التنزُّهِ وهو الإِبعادُ. وقد وقعَ عندَ أبي نعيمٍ (٩): "كان لا يتوقَّى" وهو مفسِّرٌ للمرادِ، وأجراهُ بعضُهم على ظاهرِهِ فقالَ: معناهُ: لا يستُرُ عورتَهُ، وضُعِّفَ لأنَّ

стр. 355

التعذيبَ لو وقعَ على كشفِ العورةِ لاستقلَّ الكشفُ بالسببيةِ واطُّرِحَ اعتبارُ البولِ. وسياقُ الحديثِ يدلُّ على أن للبولِ بالنسبةِ إلى عذابِ القبرِ خصُوصِيَّةٌ، فالحملُ على ما يقتضيهِ الحديثُ المصرِّحُ بهذهِ الخصُوصِيَّةِ أوْلَى. وقد ثبتَ من حديثِ أبي هريرة (١) مرفوعًا: "أكثَرُ عذابِ القبرِ منَ البولِ"، أي سببِ تركِ التحرُّزِ منه، وقد صححهُ ابنُ خزيمةَ. وسيأتي (٢) حديثُ: "تنزَّهوا مِنَ البولِ فإنَّ عامةَ عذابِ القبرِ منهُ". قال ابنُ دقيق العيدِ (٣): "وأيضًا فإن لفظةَ مِنْ لمَّا أُضيفتْ إلى البولِ وهي لابتداءِ الغايةِ حقيقةَ، أو ما يرجعُ إلى معنى ابتداءِ الغايةِ مجازًا تقتضي نِسْبةَ الاستِتَارِ الذي عدمُه سببُ العذابِ إلى البولِ. يعني أن ابتداءَ سببِ عذابِه من البولِ، وإذا حَملْنَاهُ على كشفِ العورةِ زالَ هذا المعنى". قوله: (مِنْ بولِهِ) هذهِ الرِّوايةُ تردُّ مذهب مَنْ حملَ البولَ على العمومِ، واستُدِلَّ بهِ. على نجاسةِ جميعِ أبوالِ الحيواناتِ، وقد سبقَ الكلامُ على ذلكَ في بابِ الرّخْصةِ في بولِ ما يُؤْكَلُ لحمهُ (٤). قوله: (يمشي بالنميمةِ) قال النووي (٥): "هي نقلُ كلامِ الغيرِ بقصدِ الإضرارِ،

стр. 356

وهي مِنْ أقبحِ القبائحِ. وتعقَّبهُ الكرماني (١) فقالَ: هذا لا يصلُحُ على قاعدةِ الفقهاءِ فإنَّهم يقولونَ: الكبيرةُ هي الموجبةُ الحدِّ ولا حدِّ على المشيِ بالنميمةِ، وتعقبَهُ الحافِظُ (٢) بأنهُ ليسَ قولَ جميعِهم لكن كلامَ الرافعيِّ يُشعِرُ بترجيحِهِ، حيثُ حَكَى في تعريفِ الكبيرةِ وجهينِ: (أحدُهما): هذا، (والثاني): ما فيهِ وعيدٌ شديدٌ، قالَ: وهُم إلى الأوَّلِ أميلُ، والثاني: أوفَقُ لما ذكروهُ عند تفصيلِ الكبائرِ" انتهى. وللبحثِ في ذلكَ موضِعٌ غيرُ هذا الموضِع. قوله: (ثم قالَ: بلى) أي وإنه لكبيرٌ، وقد صرَّح بذلكَ البخاريُّ في الأدب (٣) من طريقِ عُبيدةَ بنُ حميد عن منصورٍ عن الأعمشِ ولم يُخرجْهَا مسلمٌ. وهذهِ الزيادةُ تردُّ ما قالَهُ ابنُ بطالٍ مِنْ أنَّ الحديثَ يدلُّ على أن التعذيبَ لا يختصُّ بالكبائرِ بلْ قد يقعُ على الصغائر، وقد وردَ مثلُها مِنْ طريقِ أبي بكرةَ عندَ أحمدَ (٤) والطبراني (٥). وقد اختُلِفَ في معنى هذهِ الزيادةِ بعدُ. قوله: (وما يعذبانِ في كبيرٍ) فقالَ أبو عبدِ الملكِ: يُحتملُ أنه ﷺ ظنَّ أَنَّ ذلكَ غيرُ كبيرٍ فأُوحِيَ إليهِ في الحالِ بأنهُ كبيرٌ فاستدْرَكَ، وتُعقِّبَ بأنه يستلزمُ أنْ يكونَ نسْخًا والنسْخُ لا يدخلُ الخبرَ، وأُجيبَ بأنَّ الخبرَ بالحكمِ يجوزُ نَسْخُهُ، وقيلَ: يُحتملُ أن الضميرَ في قولهِ وأنه يعودُ على العذابِ لما وردَ في صحيحِ ابن حِبَّانَ (٦) مِنْ حديثِ أبي هريرةَ: "يُعذَّبانِ عذابًا شديدًا في ذَنْبٍ هَيِّنٍ"، وقيلَ: الضميرُ يعودُ على أَحدِ الذنْبينِ وهوَ النميمةُ، لأنها مِنَ الكبائرِ بخلافِ كَشْفِ العورَةِ، وهذا معَ ضعفِهِ غيرُ مُستقيمٍ لأنَّ الاستتارَ المنفيَّ ليسَ المرادُ بهِ كَشْفُ العورةِ كما سلَفَ.

стр. 357

وقال الداوديُّ: إن الكبيرَ المنفيَّ بمعنى أكبرَ، والمثبَتُ واحدُ الكبائرِ، أي ليسَ ذلكَ بأكبرِ الكبائرِ كالقتلِ مثلًا وإنْ كانَ كبيرًا في الجملة. وقيل: المعنى: ليسَ بكبيرٍ في الصورةِ، لأن تعاطي ذلكَ يدلُّ على الدناءَةِ والحقارةِ وهوَ كبيرٌ في الذنْبِ. وقيلَ ليسَ بكبيرٍ في اعتقادِهِما أو في اعتقادِ المخاطَبينَ، وهو عندَ اللَّهِ كبيرٌ. وقيلَ إنه ليسَ بكبيرٍ في مشقَّةِ الاحترَازِ، أي كانَ لا يشقُّ عليهِمَا الاحترازُ مِنْ ذلكَ، وهذا الأخيرُ جَزَمَ بهِ البغويُّ (١) وغيرُهُ ورجَّحَهُ ابنُ دقيقِ العيدِ (٢) وجماعةٌ. وقيلَ: ليسَ بكبيرٍ بمجردِهِ وإنما صارَ كبيرًا بالمواظَبَةِ عليه، ويُرْشِدُ إلى ذلكَ السياقِ فإنهُ وصفَ كلًا مِنْهُمَا بما يدلُّ على تجدُّدِ ذلكَ منهُ، واستمرَارِهِ عليهِ للإِتيانِ بصيغةِ المضارَعَةِ بعدَ كانَ. ذَكَرَ معناهُ في الفَتْحِ (٣). [ما يدل عليه حديث ابن عباس]: والحديثُ يدلُّ على نجاسَةِ البولِ مِنَ الإِنسانِ ووجُوب اجْتِنَابِهِ وهو إجماعٌ (٤)، ويدلُّ أيضًا على عِظَمِ أمرِهِ وأَمْرِ النميمةِ، وأَنهما مِنْ أعظمِ أسبابِ عذابِ القبرِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٥): "وهوَ محمولٌ على النميمةِ المحرَّمَةِ، فإنَّ النميمةَ إذا اقتضَى تركُها مفسدةً تتعلَّقُ بالغيرِ، أو فِعلُها نصيحةً يَستضِرُّ الغيرُ بتركِهَا لم تكنْ ممنوعةً، كما نقولُ في الغيبةِ إذا كانتْ للنصيحةِ أو لدفعِ المفسدةِ لم تُمنَعْ (٦). ولو أن شخصًا اطَّلَعَ مِنْ آخَرَ على قولٍ يقتضي إِيقاعَ ضررٍ بإِنسانٍ فإذا نقلَ إليهِ ذلكَ القولَ احترزَ عنْ ذلكَ الضَّرَرِ لوجبَ ذِكْرُهُ له" انتهى.

стр. 358

والحديثُ أيضًا يدلُّ على إثباتِ عذابِ القبر، وقد جاءتِ الأحاديثُ المتواترةُ بإثباتِهِ (١). وخلافُ بعضِ المعتزلةِ (٢) في ذلكَ من الأباطيلِ التي لا مُستندَ لها إلا مجرَّدُ الهوى. (فائدةٌ) لم يُعْرَفِ اسْمُ المقبوريْنِ ولا أحدِهما، والظاهِرُ أن ذلكَ كانَ على عَمْدٍ مِنَ الرواةِ لِقَصْدِ السَّتْرِ عليهمَا، وهوَ عملٌ مُستحسَنٌ، وينبغي أن لا يُبالَغَ في الفَحْصِ عنْ تسميةِ مَنْ وقعَ في حقِّه ما يُذَمُّ بهِ. وما حكاهُ القرطبيُّ في التذكِرَةِ (٣) وضعَّفَهُ أن أحَدَهُما سعدُ بنُ معاذٍ، فقالَ الحافِظُ (٤): إنه قولٌ باطلٌ لا ينبغي ذِكْرُهُ إلا مقْرونًا ببيانِهِ. ومما يدلُّ على [بُطلانِ] (٥) الحكايةِ المذكورةِ أن النبي ﷺ حضرَ دفنَ سعدِ بن معاذٍ كما ثبتَ في الحديثِ الصحيحِ (٦). وأما قِصةُ المقبوريْنِ ففي حديثِ أبي أمامةَ عندَ أحمد (٧) أنهُ ﷺ قالَ لهم:

стр. 359

"مَنْ دفنتُم اليومَ هاهنَا" فدلَّ على أَنَّهُ لم يحضرهُما، وقدِ اختُلِفَ في المقبورْينِ فقيلَ: كانا كافريْنِ، وبهِ جزمَ أبو موسى المدينيُّ، واستدل بما وقعَ في حديثِ جابرٍ (١) أنهُ ﷺ : "مرَّ على قبرينِ من بني النَّجَّارِ هَلَكَا في الجاهليةِ" وفي إسنادِهِ ابنُ لهيعةَ. وجزمَ ابنُ العطَّارِ في شَرْحِ العمدةِ بأنَّهُمَا كانا مسلميْنِ، قالَ: لأنّهما لو كانا كافِرَيْنِ لم يدعُ لهما بتخفيفِ العذابِ، ولا ترجَّاهُ لهما، ولو كانَ ذلكَ من خصائِصهِ لبيَّنه كما في قصَّةِ أبي طالبٍ. قالَ الحافِظُ (٢): "الظاهِرُ من مجموعِ طُرُقِ حديثِ البابِ أنَّهما كانا مُسلمينِ، ففي رواية ابن ماجَهْ (٣): "مرَّ بقبرينِ جديدَيْنِ" فانتفَى كونُهما في الجاهليةِ. وفي حديثِ أَبي أُمَامَةَ عندَ أحمد (٤) "أنَّهُ ﷺ مرَّ بالبقيعِ فقالَ: مَنْ دفنُتُمُ اليومَ هَاهُنَا" كما تقدَّمَ، فهذا يدلُّ على أنَّهما كانا مُسلمينِ لأنَّ البقيعَ مقبرةُ المسلمينَ، قالَ: ويؤيِّدُهُ ما في روايةِ أبي بكرة عندَ أحمدَ (٥) والطبراني (٦) بإسنادٍ صحيحٍ: "يُعذَّبانِ، وما يُعذَّبانِ في كبيرٍ، وبَلَى وما يُعَذَّبانِ إلا في الغيبةِ والبولِ"، فهذا الحصْرُ ينفِي كونَهُمَا كانا كافريْنِ لأنَّ الكافِرَ يُعذَّبُ على كُفْرِهِ بلا خلافٍ. قالَ: وأمَّا ما احتجَّ بهِ أبو موسى فهو ضعيفٌ كما اعترفَ بهِ. وقد رواهُ

стр. 360

أحمدُ (١) بإسنادٍ صحيحٍ على شرطِ مسلم، وليسَ فيهِ ذِكْرُ سبب التعذيب فهو من تخليطِ ابن لهيعةَ" انتهى مُلْتقطًا مِنَ الفتحِ (٢). ٢٩/ ١٠٣ - (وَعَنْ أَنسٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فإِنَّ عامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنهُ". رَواهُ الدَّارَقُطْنِي) (٣). [حسن لغيره] الحديثُ رواهُ الدارقطنيُّ مِنْ طريقِ أبي جَعْفَرٍ الرازيِّ عن قتادةَ عنهُ وصحَّحَ إِرسَالَهُ ونُقِلَ عنْ أبي زرعةَ أنه المحفوظُ. وقالَ أبو حاتم: رُوِّيْنَاهُ من حديثِ ثُمامةَ عنْ أنسٍ. والصحيحُ إرسالُهُ. ورواهُ الدارقطنيُّ (٤) مِنْ حديثِ أبي هريرةَ، وفي لفظٍ له (٥) وللحاكمِ (٦) وابنِ ماجَهْ (٧) وأحمدَ (٨): "أكثرُ عذابِ القبرِ منَ البولِ"، قالَ الحافِظُ في "بلوغِ المرام" (٩): "وهوَ صحيحُ الإِسنادِ" انتهى. وَأَعلَّهُ أَبو حاتمٍ (١٠) فقالَ: إنَّ رفعَهُ باطلٌ. وفي البابِ عن ابن عباسٍ رواهُ عبدُ بنُ حُميدٍ في مسنده (١١) والحاكمُ (١٢)

стр. 361

والطبرانيُّ (١) وغيرهُمْ، وإسنادُهُ حَسَنٌ ليسَ فيهِ غيرُ أبي يحيى القتاتِ وفيه لينٌ (٢). ولفظُهُ: "إنَّ عامةَ عذابِ القبرِ بالبولِ فتنزَّهُوا منهُ". وعنْ عُبادةَ بن الصامتِ في مُسندِ البزَّارِ (٣) ولفظه: "سألْنَا رسولَ اللَّهِ ﷺ عن البولِ فقالَ "إذا مسَّكُم شيءٌ فاغْسِلُوه، فإني أَظنُّ أن منهُ عذابَ القبرِ" وإسنادُهُ حسنٌ. وقال سعيدُ بنُ منصورٍ (٤): حدَّثنا [خالدٌ] (٥) عنْ يونُسَ بن عُبيدِ عن الحسنِ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "استنزِهُوا مِنَ البولِ فإنَّ عامَّةَ عذابِ القبرِ منَ البولِ" ورواتُهُ ثقاتٌ معَ إرسالِهِ. ويؤيِّدُ الحديثَ ما ثبتَ في الصحيحينِ (٦) وغيرهما في الحديثِ الذي قَبلَ هذا. قوله: (تتزَّهُوا منَ البولِ) التنزُّه: البعدُ. قوله: (فإنَّ عامَّةَ عذابِ القبرِ منهُ) عامَّةُ الشيءِ: معظَمُهُ، والمرادُ أنه أَكثَرُ أسبابِهِ. والحديثُ يدلُّ على وجوبِ الاستنزاهِ منَ البولِ مُطلقًا مِنْ غيرِ تقييدٍ بحالِ الصلاةِ، وإليه ذهبَ أبو حنيفةَ وهو الحقُّ لكنْ غيرَ مقيَّدٍ بما ذكرَهُ من استثناءِ مِقْدارِ الدِّرْهَمِ فإنهُ تخصيصٌ بغيرِ مخصِّصٍ. وقالَ مالكٌ: إزالَتُهُ في غيرِ وقتِ الصلاةِ ليستْ بفرضِ، واعتذرَ له عن الحديثِ بأنَّ صاحبَ القبرِ إنما عُذِّبَ لأنهُ كانَ يتركُ البولَ يَسِيْلُ عليهِ فيصلِّي بغيرِ

стр. 362

طَهُورٍ، لأنَّ الوضوءَ لا يَصِحُّ معَ وجودِهِ وهو تقييدٌ لم يدلَّ عليهِ دليلٌ، وقدْ أمر اللَّهُ بتطهيرِ الثيابِ ولم يقيِّدْهُ بِحالةٍ مخصوصَةٍ. [الباب الحادي عشر] باب النهي عن الاستجمار بدون الثلاثة الأحجار ٣٠/ ١٠٤ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: قِيلَ لِسَلْمَانَ: عَلَّمكُمْ نَبِيُّكُمْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الخَراءَةَ، فَقالَ سَلْمَانُ: أَجَلْ نَهَانَا أنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ بِغائِطٍ أَوْ بول، أو أَنْ نَسْتَنْجي بِالْيَمِينِ أَوْ أَنْ يَسْتَنْجيَ أَحَدُنَا بِأَقَلَّ مِنَ ثَلاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَو بِعَظْمٍ. رَوَاهُ مُسْلمٌ (١) وَأَبُو دَاودُ (٢) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٣). [صحيح] أما الاستقبالُ بالغائطِ والبولِ فقد تقدَّمَ الكلامُ عليه في باب نهي المتخلِّي عن استقبالِ القِبلةِ (٤). وأما الاستنجاءُ باليمينِ فقد تقدّم أَيضًا طرفٌ مِنَ الكلامِ عليه في ذلكَ البابِ (٥). قال النووي (٦): "قد أَجمعَ العلماءُ على أَنهُ منهيٌّ عنهُ، ثمَّ الجماهيرُ على أنه نهيُ تنزيهٍ وأَدبٍ لا نهيُ تحريمٍ. وذهبَ بعضُ أَهلِ الظاهرِ إلى أنهُ حرامٌ، قالَ: وأَشارَ إلى تحريمهِ جماعةٌ مِنْ أَصحابِنَا ولا تعويلَ على إشارَتِهم قالَ: قالَ أَصحابُنَا: ويُستحبُّ أَنْ لا يستعينَ باليدِ اليمنى في شيءٍ مِنْ أمورِ الاستنجاءِ إلَّا لعذرٍ، فإذا استنجى بماءٍ صبَّهُ باليمنى [ومسحَ] (٧) باليُسرى، وإذا استنجى بحجرٍ فإنْ كان في الدُّبُر مسحَ بيسارِهِ، وإنْ كانَ في القُبُلِ وأَمكنَهُ وضْعُ الحجرِ على الأرضِ

стр. 363

أو بينَ قدميهِ بحيثُ يتأتى مسحَه أمسَكَ الذَّكرَ بيسارِه ومسحَهُ على الحجَرِ، وإن لم يمكِنْهُ واضطُرَّ إلى حملِ الحجرِ حملَهُ بيمينهِ، وأَمسكَ الذَّكرَ بيسارِهِ، ومسحَ بها، ولا يحرِّكُ اليمنَى، هذا هو الصوابُ. قالَ: وقال بعضُ أَصحابِنَا: يأخذُ الحجرَ بيسارِهِ، والذَّكرَ بيمينِهِ ويمسحُ ويحرِّكُ اليُسرى، وهذا ليسَ بصحيح لأنهُ يمسُّ الذكرَ مِنْ غيرِ ضرورةٍ، وقد نُهيَ عنهُ، ثم إن في النهي عن الاستنجاءِ باليمينِ تنبيهًا على إكرَامِها وصيانَتِها عن الأقذارِ ونحوها". اهـ. والحاصِلُ أنه قد وردَ النهيُ عن مسِّ الذكَرِ باليمينِ في الحديثِ المتفقِ عليهِ، ووردَ النهيُ عن الاستنجاءِ باليمينِ في هذا الحديثِ وغيرهِ، فلا يجوزُ استعمالُ اليمينِ في أَحدِ الأَمرين، وإذا دَعَتِ الضرورةُ إلى الانتفاعِ بها في أحدِهما استعمَلَها قاضي الحاجةِ في أَخفِّ الأمَريْنِ في نظرِهِ. وأَما النهى عن الاستنجاءِ بأقلَّ من ثلاثةِ أحجارٍ فَقَدْ ذكرْنَا في باب نهي المتخلِّي عن استقبالِ القِبلةِ (١) الرواياتِ الواردةِ في هذا المعنى، وذكرْنَا هنالِكَ طرفًا مِنْ فقْهِ هذهِ الجملةِ فليُرْجَعْ إليهِ. وقد قالَ بعضُ أهلِ الظاهِرِ: إَّن الاستجمارَ بالحجرِ متعيِّنْ لنصِّهِ ﷺ عليها فلا يُجزئُ غيرهُ، وذهبَ الجمهورُ إلى أن الحجرَ ليسَ متعيِّنًا، بل تقومُ الخِرقَةُ والخشَبُ وغيرُ ذلكَ مقامَهُ، قالَ النوويُّ (٢): فلا يكونُ له مفهومٌ كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ (٣). ويدل على عدم تعيُّنِ الحجَرِ نهيهُ ﷺ عن العظمِ والبعْرِ والرجيعِ (٤)، ولو كانَ متعينًا لنهي عما سِوَاهُ مطلقًا، وعلى الجملةِ كلُّ جامِدٍ (٥) طاهرِ مزيلٍ للعينِ ليس له حُرْمَة يجزيءُ الاستجمارُ بهِ.

стр. 364

وأما النهيُ عن الاستنجاءِ برجيعٍ أو بعظمٍ فقد ثبتَ مِنْ طرقٍ متعددةٍ. والرجيعُ: الروْثُ، وفيه تنبيهٌ على النهيَ عَنْ جِنْسِ النجَسِ فلا يُجزئُ الاستنجاءُ بنجسٍ أو منتجِّسٍ. وقد ذهبتِ العترةُ والشافعيُّ وأصحابهُ (١) إلى عدمِ إجزاء العظمِ والرَّوْثِ، وقال أبو حنيفةَ (٢): يُكرهُ ويُجزئُ إذِ القصدُ تخفيفُ النجاسةِ، وهو يحصلُ بهمَا ويدل للأَوَّلِ ما أخرجَهَ الدارقطني (٣) وصححَهُ من حديثِ أبي هريرةَ، وفيهِ أنهما لا يُطهرانِ. والنهيُ عن العظمِ لكونِهِ طعامَ الجنِّ كما سيأتي (٤)، وفيه تنبيهٌ على جميعِ المطعوماتِ ويلتحقُ بهَا المحترماتُ كأجزاءِ الحيواناتِ وأوراقِ كُتبِ العلم وغيرُ ذلك. قوله: (الخراءة) هي العَذرةُ، قال في القاموس (٥): خَرِئَ كسمِعَ، خَرْأً وخَرَاءَةً ويُكسَرُ وخُرُوءًا: سَلَحَ، والخُرْءُ بالضمِّ العُذرَةُ. ٣١/ ١٠٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ أن النَّبِيَّ ﷺ : قالَ: "إذَا اسْتَجْمَرَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ ثَلاثًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٦). [صحيح]

стр. 365

٣٢/ ١٠٦ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النبِيِّ ﷺ قالَ: "مَنِ استْجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أحْسَنَ، وَمَنْ لا فَلا حَرَجَ". رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَأَبُو دَاوُدَ (٢) وَابْنُ مَاجَهْ) (٣). [ضعيف] الحديثُ الأولُ فيه ابنُ لهيعةَ، وقد أَخْرجَهُ أَيضًا الضياءُ (٤) وابنُ أبي شيبةَ (٥)، ورواهُ النَّسائيُّ في "شيوخِ الزهري" (٦)، وابن مندَهُ في "المعرفةِ" (٧)، والطبرانيُّ (٨) من حديثِ أبي غسانَ محمدِ بن يحيى الكِتاني عن أبيه عن ابن أخي ابن شهابٍ عن ابن شهابٍ، أخبرني خَلَّادُ بنُ السائبِ عن أبيهِ أنهُ سمعَ النبيَّ ﷺ يقولُ: "إذَا تغوَّطَ الرجلُ فلْيَتمسَّحْ ثلاثَ مرَّاتٍ". وله طريقٌ أُخرى (٩) عن خَلَّادِ بن السائبِ عن أبيهِ في حديثِ البغويِّ عن هُدبةَ، وأعلَّ ابنُ حزمِ (١٠) الطريقَ الأُولى بأنَّ محمدَ بنَ يحيى (١١) مجهولٌ. وأَخطأَ

стр. 366

بلْ هوَ معروفٌ، أخرجَ لهُ البخاريُّ، وقال النسائيُّ: ليسَ به بأسٌ، قالَهُ الحافِظُ (١). وأما الحديثُ الثاني فأخرجَهُ أيضًا ابنُ حِبانُ (٢) والحاكمُ (٣) والبيهقى (٤)، ومدارُهُ على أبي سعيدٍ الحبرانيُّ الحِمصيِّ (٥)، وفيه اختلافٌ، وقيلَ: إنهُ صحابيٌّ، قالَ الحافِظُ: ولا يَصُحُّ، والراوي عنهُ حُصينٌ الحبرانيُّ وهو مجهولٌ، وقالَ أَبو زُرعةَ: شيخٌ، وذكرهُ ابنُ حِبان في الثقات، وذكرَ الدارقطنيُّ الاختلافَ فيه في العِللِ. والحديثُ الأولُ يدلُّ على شرعيةِ الاستجمارِ بثلاثةِ أحجارٍ ووجوبِهِ. وقد تقدّمَ ذِكْرُ الخلافِ فيهِ في بابِ نهي المتخلِّي عن استقبالِ القِبلةِ (٦). والحديثُ الثاني يدلُّ على الإِيتارِ، وعلى استحبابهِ وعَدَمِ وجوبِهِ. لقوله: "ومَنْ لا فَلا حَرَجَ". قالَ الحافظُ في الفتحِ (٧): "وهذهِ الزيادةُ حسنةُ الإِسنادِ، وقد أخذَ بظاهرِهِ القاسميةُ وأبو حنيفةَ ومالكٌ فقالوا: لا يُعتبرُ العددُ، بلِ المعتبرُ الإِيتارُ، وخالفهُمُ الشافعي وأصحابهُ وغيرُهم كما تقدم (٨). وقالوا: لا يجوزُ الاستجمارُ بدونِ ثلاثٍ، ويجوزُ بأكثرَ منها، إنْ لم يحصلِ الإِنقاءُ بها. وقد أشارَ المصنفُ (٩) ﵀ إلى ما هوَ الحقُّ وهوَ الذي لاحَ لي، فقالَ: "وهذا محمولٌ على أن القطعَ على وِتْرٍ سُنَّةٌ فيما إذا زادَ على ثلاثٍ جمعًا بينَ النصوص" اهـ.

стр. 367

والأدلةُ المتعاضِدَةُ قد دلَّتْ على عدمِ جوازِ الاستجمارِ بدونِ ثلاثٍ، وليسَ لمن جَوَّزَ دليلٌ يصلُحُ للتمسُّكِ به في مقابَلَتِها. وقد تقدَّمَ الكلامُ عليهِ وسيأتي أيضًا. [الباب الثاني عشر] باب في إلحاق ما كان في معنى الأحجار بها ٣٣/ ١٠٧ - (عَنْ خُزَيْمَةَ بن ثَابِتٍ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الاسْتِطَابَةِ فَقال: "بِثَلَاثة أحْجَارٍ لَيسَ فيِهَا رَجِيعٌ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَأَبُو دَاوُدَ (٢) وابْنُ ماجَهْ) (٣). [صحيح] ٣٤/ ١٠٨ - (وَعَنْ سَلمْانَ قالَ: أمَرَنا - يعني النَّبيُّ ﷺ أن لا نَكْتفِي بِدُونِ ثلاثَةِ أحْجارٍ ليسَ فِيها رَجيعٌ وَلا عَظْمٌ. رَواهُ أحمدُ (٤) وابْنُ ماجهْ) (٥). [صحيح] الحديثُ الأولُ: رجالُ إسنادِهِ ثقاتٌ، فإنه أَخرجَهُ أبو داودَ عن شيخِهِ [عبدِ اللَّهِ بن محمدِ النفيليِّ] (٦) عن أبي معاويةَ عن هشامِ بن عُروِة عن عمروِ بن خُزيمةَ عن عمارةَ بن خُزيمةَ عَنْ خُزيمةَ بن ثابتٍ. والحديثُ الثاني هو أيضًا في صحيح مسلم (٧)، وقد عارضَتِ الحنفيةُ هذا الحديثَ الدال على وجوبِ الثلاثِ بحديثِ ابن مسعودِ الذي سيأتي (٨)، وفيه: "فأخذَ

стр. 368

الحجرينِ وألقى الروثَةَ". قال الطحاويُّ (١): "هوَ دليلٌ على أن عددَ الأحجارِ ليسَ بشرطِ لأنه قعدَ للغائِطِ في مكانٍ ليسَ فيهِ أحجارٌ لقولِهِ: ناوِلني، فلما ألقَى الروثةَ دلَّ على أن الاستنجاءَ بالحجرينِ يُجزئُ، إذْ لو لم يكنْ ذلكَ لقال: ابغني ثالثًا. ورَدَّهُ الحافظ (٢) وقالَ: قَدْ روى أحمدُ (٣) فيهِ هذِه الزيادةَ بإسنادٍ رجالَهُ ثقاتٌ، قالَ في آخرهِ: "فألقى الروثةَ. وقالَ: إنها رِكْسٌ ائتني بحجرٍ". قالَ: معَ أنهُ ليسَ فيما ذكرَ استدلالٌ لأنه مجرَّدُ احتمالٍ. وحديثُ سلمان (٤) نصٌّ في عدمِ الاقتصارِ على ما دونَها، ثم حديثُ سلمانَ قولٌ، وحديثُ ابن مسعودٍ فعل وإذَا تعارضَا قُدِّمَ القولُ" انتهى. وأَيضًا في سائرِ الأحاديثِ الناصَّةِ على وجوبِ الثلاثِ زيادةٌ يجبُ المصيرُ إليها معَ عدمِ منافاتِها بالاتفاقِ، ولم تَقَع هُنَا منافيةَ فالأخذُ بها متحتمٌ، وقدْ تقدمَ الكلامُ على الحديثينِ في مواضِعَ من هذا الكتاب فلا نعيدُه. قالَ المصنفُ (٥) ﵀: "ولولا أَنهُ أَرَادَ الحجرَ وما كانَ نحوهُ في الإنقاءِ لم يكنْ لاستثناءِ العظمِ والرَّوْثِ معنى، ولا حَسُنَ تعليل النهي عنهما بكونِهما من طعامِ الجِنِّ؛ وقد صح عنه التعليلَ بذلك" (٦) اهـ. وهذا الكلام هو وجه ترجمة الباب بتلك الترجمة وهو حسن.

стр. 369

[الباب الثالث عشر] باب النهي عن الاستجمار بالروث والرِّمَّة ٣٥/ ١٠٩ - (عَنْ جابِر بْنِ عبدِ الله ﵁ قال: نَهى النّبيُّ ﷺ أنْ يُتمَسَّحَ بِعَظْمٍ أَوْ بَعْرَةٍ. رَواهُ أحمدُ (١) ومُسلِمٌ (٢) وأبُو داوُدَ) (٣). [صحيح] ٣٦/ ١١٠ - (وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أَن النَّبيَّ ﷺ نَهَى أنْ يُستَنْجَى بِرَوْث أوْ بِعَظْم وَقالَ: "إنَّهُمَا لا يُطَهِّرَانِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِي (٤) وَقَالَ: إسْنَادٌ صحيحٌ. [صحيح] النهيُ عن العظمِ قد تقدَّم في أَحاديثَ متعددة في المتنِ والشرحِ، والنهيُ عن البعرةِ ثابتٌ في روايةِ جابرٍ وغيرهِ. وقد أخرجَ الحديثَ الثاني ابنُ خزيمةَ (٥) بهذا اللفظِ، ورواهُ البخاريُّ (٦) بلفظ: "ولا تَأتني بعظمٍ ولا رَوْثٍ"، وزادَ في بابِ المبعثِ (٧): "إنَّهما مِنْ طعامِ الجنِّ". وهو عندَ مُسْلِمٍ (٨) من حديث ابن مسعودٍ. وعندَ أَبي داودَ (٩) والدارقطنيِّ (١٠) والنسائيِّ (١١) والحاكمِ (١٢) من حديثِهِ. وأخرجَهُ البيهقيُّ (١٣) مطوَّلًا.

стр. 370

وهوَ عِندَ الطبراني (١) من حديثِ الزُّبيرِ، بسندٍ ضعيف. وعندَ أَحمدَ (٢) بإسناد واهٍ منْ حديثِ سَهْلِ بن حُنيفٍ. وعندَ أَبي داودَ (٣) والنسائيِّ (٤) منْ حديثِ رُوَيفعٍ. وعندَ الدارقُطنيِّ (٥) عن رجلٍ منَ الصحابَةِ. وفي الحديثينِ دليلٌ على وجوبِ اجتنابِ العظمِ والروثِ، وعدمِ الاجتزاءِ بهما. [و] (٦) قوله: (إنَّهما لا يُطَهِّرانِ) يردُّ قولَ أبي حنيفةَ الذي أَسلفناهُ من أنه يُجزئُ بهما. قيلَ: والعِلَّةُ في النهي عن العظمِ اللزوجة المصاحِبَة لهُ التي لا يكادُ يتماسَكُ معهَا. وقيلَ: عدمُ خُلُوِّه في الغالِبِ عن الدُّسومةِ. وقيلَ: لكونِهِ طعامَ الجنِّ، وهذا هو المتعينُ لورودِ النصِّ بهِ فيلحقُ بهِ سائرُ المطعومَاتِ. وأما الروثُ فَعِلَّةُ النهي عنهُ النجاسةُ، والنجاسةُ لا تُزالُ بمثلِهَا. [الباب الرابع عشر] باب النهي أن يستنجي بمطعوم أو بما له حُرمة ٣٧/ ١١١ - (عَنْ ابْنِ مَسْعُودِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ:

стр. 371

"أتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأتُ عَلَيهِم الْقُرْآن" قال: فانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَألُوه الزَّادَ، فَقَالَ: "لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْم الله عَلَيهِ يَقَعُ في أيديِكُمْ أوْفَرَ مَا يَكُونَ لَحْمًا، وَكُل بَعْرَةٍ عَلْفٌ لِدَوَابكُمْ"، فقال رَسُولُ الله ﷺ : "فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهما فَإنَّهُمَا طَعَامُ إخوَانِكمْ". رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسِلمٌ) (٢). [صحيح] الحديثُ رواهُ أيضًا أبو داودَ (٣) والدارقطني (٤) والنسائي (٥) والحاكمُ (٦). وفي البابِ عن الزبيرِ بن العوامِ رواهُ الطبرانيُّ (٧) بسندٍ ضعيفٍ. وعنْ سلمانَ رواهُ مسلم (٨). وعنْ جابرٍ عندَ مسلمٍ (٩) وغيرِهِ كما سلفَ. وقد وردَ في البابِ أحاديثُ متعددةٌ مصرِّحةٌ بالنهي عن العظمِ والرَّوثِ قد ذكرنَا بعضَ طرقِها في الحديثِ الذي قبلَ هذا. ورواهُ أيضًا أبو عبدِ اللَّهِ الحاكمُ في دلائلِ النبوةِ (١٠) قالَ: "إن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال لابنِ مسعودٍ ليلةَ الجِنِّ: أولئكَ جِنُّ نصِيبينَ جاءوني فسألوني الزَّادَ، فمتعتُهم بالعظمِ والروثِ، قالَ: وما يغني عنهم ذلكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ قالَ: إنَّهم لا يجدونَ عظمًا إلا وجدُوا عليهِ لَحْمَهُ الذي كانَ عليهِ يومَ أُخِذَ، ولا يجدونَ رَوْثًا إلَّا وجدُوا فيه حبَّه الذي كانَ يومَ أُكِلَ فلا يَستنجِ أحدٌ لا بعظيم ولا بروثٍ".

стр. 372

وفي روايةِ أبي داودَ (١) عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ قالَ: "قَدِمَ وفدُ الجِنِّ على النبيِّ ﷺ فقالوا: يا محمدُ أنْهُ أمتكَ أن يستنجُوا بعظم أو رَوْثَةٍ أو حُمَمَة (٢) فإنَّ اللَّهَ تعالى جعلَ لنا فيها رِزقًا، قالَ: فنهى النبيُّ ﷺ عن ذَلكَ" وفي إسنادِهِ إِسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ (٣). والحديثُ قد تقدَّمَ الكلامُ على فقهِهِ في مواضِعَ. قالَ المصنفُ (٤) ﵀: "وفيهِ تنبيهٌ على النهي عن إطعامِ الدوابِّ النجاسةَ" اهـ. لأنَّ تعليلَ النهي عن الاستجمارِ بالبعرةِ بكونِها طعامَ دوابَّ الجنِّ يُشْعِرُ بذلكَ. ٣٨/ ١١٢ - (وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ كانَ يَحْمِل معَ النَّبيِّ ﷺ إداوَةَ لِوضُوئِه وحاجَتِهِ، فبينْمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِها قالَ: "مَنْ هذا؟ " قال: أنا أبُو هُرَيْرةَ، قال: "ابْغِني أحجارًا أَسْتَنْفِضُ بِها وَلا تأتِنِي بِعَظْمٍ وَلا بِرَوْثَةٍ" فأتيتُه بِأحْجارٍ أحْمِلُها في طَرَفِ ثَوْبِي حَتَّى وضَعْتُ إلى جَنْبِه ثمَّ انْصَرَفْتُ حَتَّى إذا فَرَغَ مَشَيْتُ، فقلتُ: ما بَال العَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ: "هُما مِنْ طَعامِ الجِنِّ وَإِنَّهُ أتاني وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِين وَنِعْمَ الجِنُّ فَسألونِي الزَّادَ فَدَعَوْتُ الله لَهُمْ أن لا يَمُرُّوا بعَظْمٍ وَلا بِرَوْثَةٍ إِلَّا وَجَدُوا عَليها طَعامًا". رَواهُ البُخاريُّ) (٥). [صحيح]

стр. 373

الحديثُ هكذَا ساقَهُ البخاريُّ في باب ذكرِ الجِنِّ وهو أتمُّ مما ساقَهُ في الطهارَةِ، وأخرجَهُ البيهقيُّ (١) من الوجهِ الذي أخرجَهُ منهُ مُطَوَّلًا. قوله: (ابغِني أحجَارًا) بالوصْلِ من الثلاثي أي اطلُبْ لي، يُقالُ: بغيتُكَ الشيءَ أي طلبتُهُ لكَ. وفي روايةٍ بالقطعِ يُقالُ: أبغيتُكَ الشيءَ أي أعنتُكَ على طلبِه، والوصْلُ أنسَبُ بالسياقِ كذا في الفتح (٢). قوله: (أستنفِضْ) بفاءٍ مكسورةٍ وضادٍ معجمةٍ مجزومٌ لأنه جوابُ الأمْرِ، ويجوزُ الرفعُ على الاستئنافِ. ومعنىَ الاستنفاضِ: النفضُ. وهو أن يَهُزَّ الشيءَ ليطيرَ غبارُهُ، وفي القاموسِ (٣): استنفضَهُ: استخرجَهُ، وبالحجَرِ استنجَى. قالَ الحافظُ (٤): ومَنْ رواهُ بالقافِ فقدْ صحَّفَ. قوله: (ولا تأتِني) قالَ الحافظُ (٥): كأنهُ ﷺ خشي أن أبا هريرةَ فَهِمَ مِنْ قولِهِ: (أستَنجي) أن كلَّ ما يُزيلُ الأثرَ ويُنَقِّي كافٍ، ولا اختصاصَ لذلكَ بالأحجَارِ فنبَّهَهُ باقتصارِهِ في النهي على العظمِ والروثِ على أن ما سِوَاهُما يُجزئُ، ولو كانَ ذلكَ مُختصًّا بالأحجَارِ كما يقولهُ بعضُ الحنابلةِ والظاهِريَّةِ لم يكنْ لتخصيصِ هذينِ [للنهي] (٦) معنَى وإنما خصَّ الأحجارَ بالذكرِ لكثرةِ وجودِها. قوله: (هُما مِنْ طعامِ الجِنِّ) قالَ الحافِظُ (٧): الظاهِرُ مِنْ هذا التعليلِ اختصاص المنع بهما. والحديث قد تقدم الكلام على فقهه. [الباب الخامس عشر] باب ما لا يستنجى به لنجاسته ٣٩/ ١١٣ - (عَن ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قال: أتَى النَّبِيُّ ﷺ الغائِط

стр. 374

فأمَرَنِي أنْ آتِيَهُ بثَلاثَةِ أحجار فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالتَمَسْتُ الثالث فَلمْ أجدْ فأخَذْتُ رَوْثَةً فأتَيْتُهُ بها فأخذ الحَجَرَيْن وَألقْى الرَّوْثةَ، وقَالَ: "هذه رِكْسٌ". رَوَاهُ أحمدُ (١) وَالبُخارِي (٢) والتِّرْمذِي (٣) والنِّسائي (٤) وَزاد فيهِ أحمدُ (١) في رِواية لهُ: "ائْتِنِي بِحَجَرٍ"). [صحيح] قوله: (فلم أجدْ)، في روايةٍ للبخاريِّ: (فلم أَجِدْهُ) والضميرُ للحَجَرِ. قوله: (فأخذتُ روثةَ) زادَ ابنُ خُزيمة (٥) في روايةٍ لهُ في هذا الحديثِ أنها كانتْ رَوْثَةَ حمارٍ، ونقلَ التيميُّ أن الروثَ مختصٌّ بما يكونُ مِنَ الخيلِ والبغال والحميرِ. قوله: (وألقى الروثةَ) استدلَّ به الطحاويُّ (٦) على عدمِ وجوبِ الثلاثِ، وقد سبقَ الردُّ عليهِ بروايةِ أحمدَ المذكورةِ هاهنا في بابِ إلحاقِ ما كان في معنى الأحجَارِ (٧). قوله: (هذهِ رِكْسٌ) الرِّكْسُ بكسر الراءِ وإسكانِ الكافِ قيلَ: هي لغةٌ في رِجْسٍ. ويدلُّ عليه روايةُ ابن ماجَهْ (٨) وابنِ خُزيمةَ (٩) في هذا الحديث فإنها عندَهُما بالجيم.

стр. 375

وقالَ ابنُ بطال: لم أرَ هذا الحرفَ في اللغةِ يعني رِكْسٌ، وتعقبهُ أبو عبدِ الملكِ بأنَّ معناهُ الرد من حالةِ الطهارةِ إلى حالةِ النجاسةِ. قال الله تعالى: ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ (١) أي رُدُّوا. قال الحافِظُ (٢): "ولو ثبتَ ما قالَ لكانَ بفتحِ الراءِ يقالُ: أَرْكَسَهُ رِكْسًا إذا ردَّه. وفي روايةِ الترمذيِّ (٣): "هذا رِكْسٌ" يعني نَجسًا. وأغربَ النسائيُّ (٤) فقالَ: الرِّكْسُ: طعامُ الجِنِّ". قالَ الحافِظُ (٥): "وهذا إنْ ثبتَ في اللغةِ فهو مُزِيحٌ للإِشكالِ". وفي القاموس (٦): "الرِّكْسُ: رَدُّ الشيءِ مقلوبًا، وقلبُ أوَّله على آخِره، وشدُّ الرِّكاسِ، وهو حبلٌ يُشَدُّ في خَطْمِ الجَمَل إلى رُسْغِ يديْهِ فَيُضَيِّقُ عليهِ فيبقَى رأسُه معلقًا، وبالكسْر: [النَّجَسُ] (٧) انتهى. وقد ذكرَ الشَّاذَكوني (٨) أن في الحديثِ. تدليسًا (٩) وقالَ: إنه لم يسمعْ في التدليسِ بأخفى منهُ، وقد ردَّهُ في الفتح (١٠) فليرجَعْ إليه. والحديثُ يدلُّ على المنعِ من الاستجمارِ بالروثةِ، وقد تقدمَ الكلامُ عليهِ.

стр. 376

[الباب السادس عشر] باب الاستنجاء بالماء ٤٠/ ١١٤ - (عَنْ أنَس بْنِ مالكٍ ﵁ قالَ: كانَ رَسُولَ الله ﷺ يَدْخُلُ الخَلأَ فأحْمِلُ أنا وغُلامٌ نَحْوِي إداوَةً مِنْ ماءٍ وَعَنَزَة فيسْتَنْجِي بِالمَاء. مُتَّفَقٌ عَليْهِ) (١). [صحيح] قوله: (إِداوةً) هي بكسر الهمزة؛ إناءٌ صغيرٌ مِنْ جِلْدِ. قوله: (وعنزةً) هي بفتحِ النُّونِ، عَصَا أقصَرُ مِنَ الرمْحِ لها سِنَانٌ، وقيلَ: هي الحربةُ القصيرةُ. قوله: (فيستنجي). قالَ الأصيليُّ متعقبًا على البخاريِّ استِدْلالهُ بهذهِ الزيادةِ على الاستنجاءِ أنها مِنْ قولِ أبي الوليدِ أحدِ الرواةِ عن شُعبةَ لا مِنْ قولِ أنسٍ، قالَ: وقد رواهُ سليمانُ بنُ حَرْبٍ عن شعبةَ فلم يذكُرهَا، وقد ردَّه الحافِظُ (٢) بأنها قد ثبتتْ للإسماعيليِّ من طَريقِ عمرِو بن مرزوقٍ عن شعبةَ بلفظ: "فانطلقتُ أنا وغلامٌ من الأَنصارِ معنَا إداوةٌ فيها ماءٌ يستنجي منها النبيُّ ﷺ ". وللبخاريِّ (٣) من طريقِ رَوْحِ بن القاسِمِ عن عطاء بن أبي ميمونةَ بلفظ: "إذا تَبَرَّز أتيتُه بماءٍ فتغسَّل بهِ". ولمسلم (٤) من طريقِ خالدِ الحذَّاءِ عن عطاءِ عن أنسٍ بلفظ: "فخرجَ علينا رسولُ اللَّهِ ﷺ وقدِ استنجى بالماءِ"، قال: وقد بانَ بهذه الروايات الرد على الأصِيليِّ، وكذا فيهِ الردُّ على من زعمَ أن قولَهُ: يستنجي بالماء مدرجٌ من قول عطاء الراوي عن أنس، كما حكاهُ ابنُ التينِ عن أبي عبدِ الملكِ، فإن روايةَ خالدِ الحذَّاءِ السابقةَ تدلُّ على أنه قولُ أنس.

стр. 377

والحديثُ يدلُّ على ثبوتِ الاستنجاءِ بالماءِ، وقد أنكرَهُ مالكٌ (١) وأنكرَ أنْ يكونَ النبيُّ ﷺ استنجى بالماءِ. وقد روى ابنُ أبي شيبةَ (٢) بأسانيدَ صحيحةٍ عن حذيفةَ بن اليمانِ أنهُ سُئِلَ عن الاستنجاءِ بالماءِ فقالَ: إذًا لا يزالُ في يدي نتنٌ. وعن نافعٍ أن ابنَ عمرَ كانَ لا يستنجي بالماءِ (٣). وعن ابن الزبيرِ قالَ: ما كُنَّا نفعلُه (٤). وذكرَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٥): "أن سعيدَ بنَ المسيبِ سُئِلَ عن الاستنجاءِ بالماءِ فقالَ: إنما ذلكَ وضُوءُ النِّساءِ. قالَ: وعنْ غيرِهِ من السلفِ ما يُشعِرُ بذلكَ. والسنةُ دلَّتْ على الاستنجاءِ بالماءِ في هذا الحديثِ وغيرِه، فهي أوْلَى بالاتِّباعِ، قالَ: ولعلَّ سعيدًا ﵀ فَهِمَ مِنْ أحدٍ غلُوًّا في هذا البابِ بحيثُ يمنعُ الاستنجاءَ بالأحجارِ، فقصدَ في مقابلتِهِ أنْ يذكُرَ هذا اللفظَ لإِزالةِ ذلكَ الغُلُوِّ، وبالغَ بإيرادِهِ إياهُ على هذهِ الصيغةِ. وقد ذهبَ بعضٌ مِنْ أصحابِ مالكٍ إلى أن الاستجمارَ بالحجارَةِ إنما هو عندَ عدمِ الماءِ، وإذَا ذهبَ إليهِ بعضُ الفقهاءِ فلا يَبعُدُ أن يقعَ لغيرِهم ممنْ في زمانِ سعيدٍ ﵀" انتهى. [الكلام في الاكتفاء بالأحجار]: وقدِ اختلفَ العلماءُ في الاكتفاءِ بالأحجارِ وعدمِ تعيُّنِ الماءِ، فذهبتِ

стр. 378

الشافعيةُ (١) والحنفيةُ (٢) إلى عدمِ وجوبِ الماءِ وأنَّ الأحجارَ تَكفي إلَّا إذا تعدَّتِ النجاسةُ الشرْجَ أي حلَقَةَ الدُّبُرِ، وقال بقولِهم سعدُ بنُ أبي وقاصٍ، وابنُ الزبيرِ، وابنُ المسيبِ وعطاءٌ (٣)، واستدلُّوا بحديثِ: "إذا ذهبَ أحدُكم إلى الغائِطِ فليستَطِب بثلاثةِ أحجارٍ فإنها تجزئُ عنهُ" كما تقدم (٤)، وبنحوِهِ من أحاديثِ الاستطابةِ. وذهبتِ العترةُ والحسنُ البصريُّ، وابنُ أبي ليلى، والحسنُ بنُ صالح، وأبو على الجبائي إلى عدمِ الاجتزاءِ بالحجارةِ للصلاةِ ووجوبِ الماءِ وتعيُّنهِ (٥)، واحتجُّوا لذلكَ بقولهِ تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٦) وأُجِيبَ بأنَّ الآيةَ في الوضُوءِ، ولا شكَّ أن الماءَ متعينٌ له ولا يجزئُ التيممُ إلَّا عندَ عدمِهِ، وأما محلُّ النزاعِ فلا دلالةَ في الآيةِ عليهِ. قالوا: حديثُ البابِ ونحوُه مصرِّحٌ بأن النبيَّ ﷺ استنجى بالماءِ. قلنا: النزاعُ في تعيُّنهِ وعدمِ الاجتزاءِ بغيرهِ، ومجرَّدُ فِعْلِ النبيِّ لهُ لا يدلُّ على المطلوبِ، وإلَّا لزِمَكُم القولُ بتعيُّنِ الأحجارِ، لأن النبيَّ ﷺ فعلَهُ وهو عكسُ مطلوبِكم. قالوا: أخرجَ أحَمدُ (٧) والترمذيُّ (٨) وصحَّحَهُ، والنسائيُّ (٩) من حديثِ عائشةَ أنَّها قالتْ للنساءِ: "مُرْنَ أزواجَكُنَّ أنْ يستطِيبُوا بالماءِ فإني أستَحييهِم، وإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ فعلَهُ"، قلنا: صرَّحَتْ بالمستنَدِ وهو مجرَّدُ فعلِ النبيِّ له، ولم تنقُلْ عنهُ الأمرَ بهِ ولا حصْرَ الاستطابةِ عليهِ. قالوا: حديثُ قُباءَ وفيهِ الثناءُ عليهم لأنهم كانُوا يَستنْجُونَ بالماءِ كما سيأتي (١٠).

стр. 379

قلنَا هو حجةٌ عليكُم لا لكُم، لأنَّ تخصيصَ أهلِ قُباءَ بالثناءِ يدلُّ على أن غيرهُم بخلافِهم ولو كانَ واجِبًا لشارَكُهم غيرُهُم. سلَّمْنَا فمجرَّدُ الثناء لا يدلُّ على الوجوبِ المدَّعَى وغايةُ ما فيهِ الأوْلَوِيَّةُ لأصالةِ الماءِ في التطهيرِ، وزيادةُ تأثيرهِ في إذْهَابِ أثرِ النجاسَةِ، على أن حديثَ قُباءَ فيهِ كلامٌ سيأتي في هذا الباب. قالَ المهديُّ في البحرِ (١): رادًّا على حُجةِ أهلِ القوِل الأوَّلِ ما لفظُه: "قلْنا: مُسَلَّمٌ فأينَ سقوطُ الماءِ" انتهى. ونقولُ له: ومتى ثبتَ وجوبُ الماءِ حتى نطلُبَ دليلَ سقوطِه، ثم إن السُّنَّةَ باعترافِكَ قد وردتْ بالاستطابَةِ بالأحجارِ، وأنها مُجزيةٌ فأينَ دليلُ عدمِ إجزائِها. وعن معاذةَ عن عائشةَ ﵂ أنها قالتْ: "مُرْنَ أزواجَكُنَّ أن يغْسِلوا عنهم أثرَ الغائِطِ والبولِ فإنَّا نستحِي منهم، وإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يفعلُه"، رواهُ أحمدُ والنسائيُّ والترمذيُّ وصحَّحَهُ (٢). الحديثُ يردُّ على من أنكَرَ الاستنجاءَ بالماءِ منهُ ﷺ ، والكلامُ عليه قد تقدّم في الذي قَبْلَهُ (٣). ٤١/ ١١٥ - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِ ﷺ قالَ: "نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ في أهْلِ قُباءِ: ﴿فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. قالَ: "كانُوا يَسْتَنجُونَ بِالمَاءِ فَنَزَلتْ فيهمْ هذِهِ الآيَةُ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٤) والتِّرْمذِي (٥) وابْنُ ماجَهْ) (٦). [صحيح لغيره] الحديثُ قالَ الترمذيُّ (٧): غريبٌ، وأخرجَهُ البزارُ في مسندِهِ (٨) من حديثِ
следующие страницы →