← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 375–414 · переход к 380.

стр. 375

وقالَ ابنُ بطال: لم أرَ هذا الحرفَ في اللغةِ يعني رِكْسٌ، وتعقبهُ أبو عبدِ الملكِ بأنَّ معناهُ الرد من حالةِ الطهارةِ إلى حالةِ النجاسةِ. قال الله تعالى: ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ (١) أي رُدُّوا. قال الحافِظُ (٢): "ولو ثبتَ ما قالَ لكانَ بفتحِ الراءِ يقالُ: أَرْكَسَهُ رِكْسًا إذا ردَّه. وفي روايةِ الترمذيِّ (٣): "هذا رِكْسٌ" يعني نَجسًا. وأغربَ النسائيُّ (٤) فقالَ: الرِّكْسُ: طعامُ الجِنِّ". قالَ الحافِظُ (٥): "وهذا إنْ ثبتَ في اللغةِ فهو مُزِيحٌ للإِشكالِ". وفي القاموس (٦): "الرِّكْسُ: رَدُّ الشيءِ مقلوبًا، وقلبُ أوَّله على آخِره، وشدُّ الرِّكاسِ، وهو حبلٌ يُشَدُّ في خَطْمِ الجَمَل إلى رُسْغِ يديْهِ فَيُضَيِّقُ عليهِ فيبقَى رأسُه معلقًا، وبالكسْر: [النَّجَسُ] (٧) انتهى. وقد ذكرَ الشَّاذَكوني (٨) أن في الحديثِ. تدليسًا (٩) وقالَ: إنه لم يسمعْ في التدليسِ بأخفى منهُ، وقد ردَّهُ في الفتح (١٠) فليرجَعْ إليه. والحديثُ يدلُّ على المنعِ من الاستجمارِ بالروثةِ، وقد تقدمَ الكلامُ عليهِ.

стр. 376

[الباب السادس عشر] باب الاستنجاء بالماء ٤٠/ ١١٤ - (عَنْ أنَس بْنِ مالكٍ ﵁ قالَ: كانَ رَسُولَ الله ﷺ يَدْخُلُ الخَلأَ فأحْمِلُ أنا وغُلامٌ نَحْوِي إداوَةً مِنْ ماءٍ وَعَنَزَة فيسْتَنْجِي بِالمَاء. مُتَّفَقٌ عَليْهِ) (١). [صحيح] قوله: (إِداوةً) هي بكسر الهمزة؛ إناءٌ صغيرٌ مِنْ جِلْدِ. قوله: (وعنزةً) هي بفتحِ النُّونِ، عَصَا أقصَرُ مِنَ الرمْحِ لها سِنَانٌ، وقيلَ: هي الحربةُ القصيرةُ. قوله: (فيستنجي). قالَ الأصيليُّ متعقبًا على البخاريِّ استِدْلالهُ بهذهِ الزيادةِ على الاستنجاءِ أنها مِنْ قولِ أبي الوليدِ أحدِ الرواةِ عن شُعبةَ لا مِنْ قولِ أنسٍ، قالَ: وقد رواهُ سليمانُ بنُ حَرْبٍ عن شعبةَ فلم يذكُرهَا، وقد ردَّه الحافِظُ (٢) بأنها قد ثبتتْ للإسماعيليِّ من طَريقِ عمرِو بن مرزوقٍ عن شعبةَ بلفظ: "فانطلقتُ أنا وغلامٌ من الأَنصارِ معنَا إداوةٌ فيها ماءٌ يستنجي منها النبيُّ ﷺ ". وللبخاريِّ (٣) من طريقِ رَوْحِ بن القاسِمِ عن عطاء بن أبي ميمونةَ بلفظ: "إذا تَبَرَّز أتيتُه بماءٍ فتغسَّل بهِ". ولمسلم (٤) من طريقِ خالدِ الحذَّاءِ عن عطاءِ عن أنسٍ بلفظ: "فخرجَ علينا رسولُ اللَّهِ ﷺ وقدِ استنجى بالماءِ"، قال: وقد بانَ بهذه الروايات الرد على الأصِيليِّ، وكذا فيهِ الردُّ على من زعمَ أن قولَهُ: يستنجي بالماء مدرجٌ من قول عطاء الراوي عن أنس، كما حكاهُ ابنُ التينِ عن أبي عبدِ الملكِ، فإن روايةَ خالدِ الحذَّاءِ السابقةَ تدلُّ على أنه قولُ أنس.

стр. 377

والحديثُ يدلُّ على ثبوتِ الاستنجاءِ بالماءِ، وقد أنكرَهُ مالكٌ (١) وأنكرَ أنْ يكونَ النبيُّ ﷺ استنجى بالماءِ. وقد روى ابنُ أبي شيبةَ (٢) بأسانيدَ صحيحةٍ عن حذيفةَ بن اليمانِ أنهُ سُئِلَ عن الاستنجاءِ بالماءِ فقالَ: إذًا لا يزالُ في يدي نتنٌ. وعن نافعٍ أن ابنَ عمرَ كانَ لا يستنجي بالماءِ (٣). وعن ابن الزبيرِ قالَ: ما كُنَّا نفعلُه (٤). وذكرَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٥): "أن سعيدَ بنَ المسيبِ سُئِلَ عن الاستنجاءِ بالماءِ فقالَ: إنما ذلكَ وضُوءُ النِّساءِ. قالَ: وعنْ غيرِهِ من السلفِ ما يُشعِرُ بذلكَ. والسنةُ دلَّتْ على الاستنجاءِ بالماءِ في هذا الحديثِ وغيرِه، فهي أوْلَى بالاتِّباعِ، قالَ: ولعلَّ سعيدًا ﵀ فَهِمَ مِنْ أحدٍ غلُوًّا في هذا البابِ بحيثُ يمنعُ الاستنجاءَ بالأحجارِ، فقصدَ في مقابلتِهِ أنْ يذكُرَ هذا اللفظَ لإِزالةِ ذلكَ الغُلُوِّ، وبالغَ بإيرادِهِ إياهُ على هذهِ الصيغةِ. وقد ذهبَ بعضٌ مِنْ أصحابِ مالكٍ إلى أن الاستجمارَ بالحجارَةِ إنما هو عندَ عدمِ الماءِ، وإذَا ذهبَ إليهِ بعضُ الفقهاءِ فلا يَبعُدُ أن يقعَ لغيرِهم ممنْ في زمانِ سعيدٍ ﵀" انتهى. [الكلام في الاكتفاء بالأحجار]: وقدِ اختلفَ العلماءُ في الاكتفاءِ بالأحجارِ وعدمِ تعيُّنِ الماءِ، فذهبتِ

стр. 378

الشافعيةُ (١) والحنفيةُ (٢) إلى عدمِ وجوبِ الماءِ وأنَّ الأحجارَ تَكفي إلَّا إذا تعدَّتِ النجاسةُ الشرْجَ أي حلَقَةَ الدُّبُرِ، وقال بقولِهم سعدُ بنُ أبي وقاصٍ، وابنُ الزبيرِ، وابنُ المسيبِ وعطاءٌ (٣)، واستدلُّوا بحديثِ: "إذا ذهبَ أحدُكم إلى الغائِطِ فليستَطِب بثلاثةِ أحجارٍ فإنها تجزئُ عنهُ" كما تقدم (٤)، وبنحوِهِ من أحاديثِ الاستطابةِ. وذهبتِ العترةُ والحسنُ البصريُّ، وابنُ أبي ليلى، والحسنُ بنُ صالح، وأبو على الجبائي إلى عدمِ الاجتزاءِ بالحجارةِ للصلاةِ ووجوبِ الماءِ وتعيُّنهِ (٥)، واحتجُّوا لذلكَ بقولهِ تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٦) وأُجِيبَ بأنَّ الآيةَ في الوضُوءِ، ولا شكَّ أن الماءَ متعينٌ له ولا يجزئُ التيممُ إلَّا عندَ عدمِهِ، وأما محلُّ النزاعِ فلا دلالةَ في الآيةِ عليهِ. قالوا: حديثُ البابِ ونحوُه مصرِّحٌ بأن النبيَّ ﷺ استنجى بالماءِ. قلنا: النزاعُ في تعيُّنهِ وعدمِ الاجتزاءِ بغيرهِ، ومجرَّدُ فِعْلِ النبيِّ لهُ لا يدلُّ على المطلوبِ، وإلَّا لزِمَكُم القولُ بتعيُّنِ الأحجارِ، لأن النبيَّ ﷺ فعلَهُ وهو عكسُ مطلوبِكم. قالوا: أخرجَ أحَمدُ (٧) والترمذيُّ (٨) وصحَّحَهُ، والنسائيُّ (٩) من حديثِ عائشةَ أنَّها قالتْ للنساءِ: "مُرْنَ أزواجَكُنَّ أنْ يستطِيبُوا بالماءِ فإني أستَحييهِم، وإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ فعلَهُ"، قلنا: صرَّحَتْ بالمستنَدِ وهو مجرَّدُ فعلِ النبيِّ له، ولم تنقُلْ عنهُ الأمرَ بهِ ولا حصْرَ الاستطابةِ عليهِ. قالوا: حديثُ قُباءَ وفيهِ الثناءُ عليهم لأنهم كانُوا يَستنْجُونَ بالماءِ كما سيأتي (١٠).

стр. 379

قلنَا هو حجةٌ عليكُم لا لكُم، لأنَّ تخصيصَ أهلِ قُباءَ بالثناءِ يدلُّ على أن غيرهُم بخلافِهم ولو كانَ واجِبًا لشارَكُهم غيرُهُم. سلَّمْنَا فمجرَّدُ الثناء لا يدلُّ على الوجوبِ المدَّعَى وغايةُ ما فيهِ الأوْلَوِيَّةُ لأصالةِ الماءِ في التطهيرِ، وزيادةُ تأثيرهِ في إذْهَابِ أثرِ النجاسَةِ، على أن حديثَ قُباءَ فيهِ كلامٌ سيأتي في هذا الباب. قالَ المهديُّ في البحرِ (١): رادًّا على حُجةِ أهلِ القوِل الأوَّلِ ما لفظُه: "قلْنا: مُسَلَّمٌ فأينَ سقوطُ الماءِ" انتهى. ونقولُ له: ومتى ثبتَ وجوبُ الماءِ حتى نطلُبَ دليلَ سقوطِه، ثم إن السُّنَّةَ باعترافِكَ قد وردتْ بالاستطابَةِ بالأحجارِ، وأنها مُجزيةٌ فأينَ دليلُ عدمِ إجزائِها. وعن معاذةَ عن عائشةَ ﵂ أنها قالتْ: "مُرْنَ أزواجَكُنَّ أن يغْسِلوا عنهم أثرَ الغائِطِ والبولِ فإنَّا نستحِي منهم، وإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يفعلُه"، رواهُ أحمدُ والنسائيُّ والترمذيُّ وصحَّحَهُ (٢). الحديثُ يردُّ على من أنكَرَ الاستنجاءَ بالماءِ منهُ ﷺ ، والكلامُ عليه قد تقدّم في الذي قَبْلَهُ (٣). ٤١/ ١١٥ - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِ ﷺ قالَ: "نَزَلَتْ هذِهِ الآيَةُ في أهْلِ قُباءِ: ﴿فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾. قالَ: "كانُوا يَسْتَنجُونَ بِالمَاءِ فَنَزَلتْ فيهمْ هذِهِ الآيَةُ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٤) والتِّرْمذِي (٥) وابْنُ ماجَهْ) (٦). [صحيح لغيره] الحديثُ قالَ الترمذيُّ (٧): غريبٌ، وأخرجَهُ البزارُ في مسندِهِ (٨) من حديثِ

стр. 380

ابن عباسٍ بلفظ: (نزلتْ هذه الآيةُ في أهلِ قُبَاءَ: ﴿فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١)، فسألَهُمْ رسولُ اللَّهِ ﷺ فقالُوا: إنا نُتْبعُ الحجارةَ الماءَ". قالَ البزَّار (٢): "لا نعلَمُ أحدًا رواهُ عن الزهريِّ إلَّا محمدُ بنُ عبدِ العزيزِ، ولا عنهُ إلَّا ابنهُ". قالَ الحافِظُ (٣): "ومحمدُ بنُ عبدِ العزيز ضعَّفَهُ أبو حاتمٍ، فقالَ: ليسَ له ولا لأخوَيْهِ عِمْرانَ وعبدِ اللَّهِ حديثٌ مستقيمٌ، وعبدُ الله بنُ شبيبٍ الذي رواهُ البزارُ من طريقِهِ ضعيفٌ أيضًا. وقد روى الحاكمُ (٤) هذا الحديثَ، وليسَ فيه إلا ذكْرُ الاستنجاءِ بالماءِ فحسْبُ، وهكذا صرَّحَ النوويُّ (٥) وابنُ الرِّفعةِ (٦) بأنه ليسَ في الحديثِ أنَّهم كانوا يجمعُونَ بينَ الأحجارِ والماءِ ولا يُوجدُ هذا في كُتبِ الحديثِ، [و] (٧) كذَا قالَ المحبُّ الطبريُّ (٦). وروايةُ البزارِ وارِدَةٌ [عليهم] (٨) وإن كانتْ ضعيفةً. وحديثُ البابِ قالَ الحافِظُ (٩): هو بسندٍ ضعيفٍ. وروى أحمد (١٠) وابنُ خزيمةَ (١١) والطبرانيُّ (١٢) والحاكمُ (١٣) عن عُويمِ بن ساعدةَ نحوَهُ.

стр. 381

وأخرجَهُ الحاكمُ (١) من طريقِ مجاهدٍ قالَ: "لما نزلتِ الآيةُ بعثَ النبيُّ ﷺ إلى عُويم بن ساعدةَ فقالَ: ما هذا الطَّهُور الذي أثنى اللَّهُ عليكم بهِ؟ قالَ: ما خرجَ مِنَّا رجلٌ ولا امرأةٌ من الغائِطِ إلا غسَلَ دُبُرَهُ"، فقال ﷺ : "هو هذا" ورواهُ ابنُ ماجَهْ (٢) والحاكمُ (٣) من حديثِ أبي سُفيانَ طلحةَ بن نافعٍ قالَ: أخبرني أبو أيوبَ وجابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ وأنسُ بنُ مالكِ وإسنادُهُ ضعيفٌ. ورواهُ أحمدُ (٤) وابنُ أبي شيبةَ (٥)، وابنُ قانِعٍ (٦) من حديثِ محمدِ بن عبدِ اللَّهِ بن سَلامٍ. وحَكَى أبو نعيمٍ في معرفةِ الصحابةِ (٧) الخلافَ فيه على شَهْرِ بن حوشَبٍ. ورواهُ الطبرانيُّ (٨) من حديثِ أبي أمامةَ، وذكرهُ الشافعي في الأمِّ (٩) بغيرِ إسنادٍ.

стр. 382

والحديثُ يدلُّ على ثبوتِ الاستنجاءِ بالماءِ، والثناءِ على فاعلهِ لما فيه مِنْ كمالِ التطهيرِ، وقد تقدَّمَ الكلامُ عليهِ في أوَّلِ البابِ. [الباب السابع عشر] باب وجوب تقدمة الاستنجاء على الوضوء ٤٢/ ١١٦ - (عَنْ سُلْيمانَ بْنِ يَسارٍ قالَ: أرْسَلَ عَلى بْنُ أبي طالبٍ ﵁ المِقْدَادَ إلى رَسُولِ الله ﷺ يَسألُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ المَذْيَ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ثمَّ لِيَتَوَضَّأ". رَواهُ النَّسائيُّ) (١). [صحيح] الحديثُ قالَ ابنُ حَجَرٍ (٢): منقطعٌ. وقد ساقَهُ المصنِّفُ للاستدلالِ بهِ على وجوبِ تقديمِ الاستنجاءِ على الوضوءِ، ترجمَ البابَ بذلكَ لأنَّ لفظةَ (ثم) تُشْعِرُ بالترتيبُ، ويُشكِلُ عليهِ ما وقعَ في البخاري (٣) مِنْ تقديمِ الأمرِ بالوضوءِ على الغُسْلِ. قالَ الحافظُ (٤): "ووقعَ في العُمدةِ (٥) نسبةُ ذلكَ إلى البخاريِّ بالعكس". قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٦): "قد يؤخَذُ مِنْ قولِهِ ﷺ في بعضِ الرواياتِ: "توضَّأْ وانضَحْ فرجَكَ" (٧) جوازُ تأخيرِ الاستنجاءِ عن الوضوءِ، وقد صرَّحَ بهِ بعضُهم قال: وهذا يتوقفُ على القولِ بأن الواوَ للترتيبِ، وهو مذهبٌ ضعيفٌ" انتهى. وأنتَ خبيرٌ بأنَّ صحةَ استدلالِ ذلكَ البعضِ لا يتوقفُ على ما ذكرَهُ ابنُ دقيقِ العيدِ من كونِ الواوِ للترتيبِ بلْ يصحُّ على المذهبِ المشهورِ، وهو أن الواوَ

стр. 383

لمطلَقِ الجمعِ منْ غيرِ ترتيبٍ ولا معيَّةٍ، لأنَّ الواوَ على هذا تدلُّ على جوازِ تقدُّمِ ما قبلَها على ما بعدَها وعكسُهُ، وإيقاعُ الأمرينِ معًا فيما يمكنُ فيه ذلكَ، وليس مطلوبُ ذلكَ المستَدِلِّ إلَّا جوازَ التقديمِ، والعطفِ بالواوِ الجامعةِ [تدلُّ] (١) عليهِ من دونِ توقفِ ذلكَ على القولِ بكونِها للترتيب. ويمكنُ أن يُقالَ في جوابِ ذلكَ الإِشكالِ على حديثِ الباب بأنَّ رِوايةَ حديثِ البابِ مقيدةٌ والرواياتُ الوارِدَةُ بالواوِ مُطْلَقَةٌ، فيُحملُ المَطلَقُ على المقيَّدِ، ويصحُّ استدلالُ المصنفِ ﵀. وقد تقدَّمَ الكلامُ على المذي في بابِ ما جاءَ في المذي من أبوابِ تطهيرِ النجاسةِ (٢). ٤٣/ ١١٧ - (وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ أَنَّهُ قالَ: يَا رَسُولَ الله إذا جامَعَ الرَّجُلُ المرْأةَ فَلْم يُنْزِلْ، قالْ: "يَغْسلُ ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ ويصلي". أَخْرَجاهُ) (٣). [صحيح] الكلامُ على الحديثِ محلُّه الغُسْلُ وسيأتي الخلافُ في نسخِهِ وعدمِهِ. والمصنفُ ﵀ أوردَهُ هنا للاستدلالِ بهِ على وجوب تقديمِ الاستنجاءِ على الغُسْلِ لترتيبهِ الوضوءَ على غَسْلِ ما مسَّ المرأةَ منهُ. قالَ ﵀ (٤): "وحُكْمُ هذا الخبرِ في تركِ الغُسْلِ من ذلك منسوخٌ وسيُذْكَرُ في موضعِهِ" انتهى.

стр. 384

خامسًا: أبواب السواك وسنن الفطرة [الباب الأول] باب الحث على السواك وذكر ما يتأكد عنده ١/ ١١٨ - (عَنْ عائِشةَ ﵂ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "السِّواكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِّ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ". رَواهُ أحْمَدُ (١) وَالنَّسائِيُّ (٢) وَهُوَ للبُخارِيِّ تَعلِيقٌ) (٣). [صحيح] وأخرجَهُ أيضًا ابنُ حِبَّانَ (٤) موصولًا من حديثِ عبدِ الرحمنِ بن أَبي عَتيقِ سمعتُ أبي سمعتُ عائشةَ بهذا، قالَ ابنُ حبانَ (٥): أَبو عتيق هذا [هو] (٦) محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن أبي بكرِ بن أبي قُحافَة. وقالَ الحافِظُ (٧): إنَّما هو مِنْ روايةِ ابنهِ عبدِ اللَّهِ [عنها] (٨) قالَ: ورواهُ أحمدُ بنُ حَنبلٍ عن عبدِ اللَّهِ عنها، وقد طوَّلَ الكلامَ عليهِ في التلخيصِ (٩). قوله: ([أَبوابُ] (١٠) السواكِ وسُننِ الفِطرةِ) قال أَهلُ اللغةِ (١١): "السِّواكُ بِكَسْرِ السينِ، وهو يُطلقُ على الفِعْلِ، وعلى العودِ الذي يُتَسَوَّكُ بهِ وهو مُذكَّرٌ. قال

стр. 385

الليثُ: وتؤنثهُ العربُ، قالَ الأزهريُّ (١): هذا مِنْ أغاليطِ الليثِ القبيحةِ. وذكرَ صاحبُ المحكَمِ (٢) أنهُ يؤنثُ ويذكَّرُ، والسِّواكُ فِعلكَ بالمِسْوَاكِ، ويقالُ: ساكَ فمَهُ يسُوكُه سَوْكًا. فإنْ قلتَ: استاكَ لم تذكُرِ الفمَ. وجمعُ السِّواكِ: سُوُكٌ بضمتينِ ككتابٍ وَكُتُب. وذكرَ صاحبُ المحكَمِ (٢) أنه يجوزُ: سُؤُكٌ، [بالهمزةِ] (٣). قالَ النوويُّ (٤) ثمَ قيلَ: إنَّ السواكَ مأخوذٌ مِنْ ساكَ إذا دَلَكَ. وقيلَ: من جاءتِ الإِبلُ تستاكُ أي تتمايلُ هُزَالًا. وهو في اصطلاحِ العلماءِ: استعمالُ عودٍ أَو نحوهِ في الأسنانِ [ليُذهبَ] (٥) الصفرةَ وغيرَها عنها". [ما المراد بالفطرة]: وأما الفطرةُ فقدِ اختلفَ العلماءُ في المرادِ بها هاهنا، قالَ الخطابيُّ (٦): ذهبَ أكثرُ العلماءِ إلى أَنها السنةُ، وكذا [ذكرَ] (٧) جماعةٌ غيرَ الخطابي. وقيلَ: هي الدِّينُ، حكاهُ في الفتحِ (٨) عن طائفةِ من العلماءِ وبه جزمَ أبو نعيم في المستخرجِ. وقالَ الراغِبُ (٩): "أصْلُ الفطرةِ الشقُّ طولًا" ويطلَقُ على الوهي وعلى الاختراع. وقال أبو شامةَ (١٠): (أَصلُ الفطرةِ الخِلْقَةُ المبتدَأَةُ ومنهُ - ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١١). أَي مُبتدِئُ خلقهنَّ، والمرادُ بقولهِ ﷺ : "كلُّ مولودٍ يُولدُ على الفِطرةِ" (١٢) أي

стр. 386

على ما ابتدأ اللَّهُ خلقَهُ عليهِ، وفيه إشارة إلى قولهِ تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (١). والمعنى أَن كل أَحدٍ لو تُرِكَ في وقتِ ولادتِهِ وما يُؤديهِ إليه نظرهُ لأدَّاهُ إلى الدينِ الحقِّ وهو التوحيدُ. ويؤيدُه أَيضًا قولُه تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ (١)، وإليه يشيرُ في بقيةِ الحديثِ حيثُ عقَّبَهُ بقولهِ: "فأبواهُ يُهوِّدانِه ويُنصِّرانِه" (٢). والحديث يدلُّ على مشروعيةِ السواكِ لأنه سببٌ لتطهير الفمِ وموجِبٌ لرضَا اللَّهِ على فاعِلِهِ، وقد أطلَقَ فيهِ السواكَ ولم يخصَّهُ بوقتٍ معيَّنٍ، ولا بحالةٍ مخصوصةٍ فأشعرَ بمطلقِ شرعيتِهِ، وهو من السنن المؤكدةِ، وليسَ بواجبٍ في حالٍ من الأحوالِ لما سيأتي في حديثِ أبي هريرة (٣): "لولا أَنْ أشقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواكِ" ونحوِه. قال النوويُّ (٤) "بإجماع مَنْ يُعتدُّ بهِ في الإجماعِ. وحكَى أبو حامدٍ الإِسفراينيُّ عن داودَ الظاهريِّ أنه أَوجبَهُ في الصلاةِ، وحكَى الماورديُّ عنه أنه واجبٌ لا تبطلُ الصلاةُ بتركِهِ، وحُكِيَ عن إسحاق بن رَاهَوَيْه أنه واجبٌ تبطلُ الصلاةُ بتركهِ عمدًا". قالَ النوويُّ (٥): "وقد أنكرَ أَصحابنا المتأخرونَ على الشيخِ أبي حامدٍ وغيرهِ نَقْلَ الوجوبِ عن داودَ وقالوا: مذهبُهُ أنه سنةٌ كالجماعةِ، ولو صحَّ إيجابُه عن داودَ لم يضرَّ مخالفته في انعقادِ الإِجماعِ على المختارِ الذي عليه المحققونَ والأكثرونَ. قالَ: وأما إسحاقُ فلم يصحَّ هذا المحكيُّ عنه" انتهى. وعدمُ الاعتدادِ بخلافِ داودَ (٦) مع علمِهِ وورعِهِ وأخذِ جماعةِ من الأئمةِ

стр. 387

الأكابرِ بمذهبِهِ من التعصُّباتِ التي لا مستنَدَ لها إلا مجرَّدُ الهوى والعصبيةِ، وقد كثُرَ هذا الجنْسُ في أهلِ المذاهبِ، وما أدري ما هوَ البرهانُ الذي قامَ لهؤلاءِ المحققينَ حتى أخرجُوهُ من دائرةِ علماءِ المسلمينِ، فإنْ كانَ لِمَا وقعَ منهُ مِنَ المقالاتِ المستبعدَةِ فهي بالنسبةِ إلى مقالاتِ غيرهِ المؤسَّسَةِ على محضِ الرأي المضادَّةِ لصريحِ الروايةِ في حيِّزِ القِلَّةِ المتبالغةِ، فإنَّ التعويلَ على الرأي وعدمَ الاعتناءِ بعلم الأدلَّةِ قد أفضى بقومٍ إلى التمذهُبِ بمذاهبَ لا يوافِقُ الشريعةَ منها إلا القليلُ النادرُ، وأمَّا داودُ فما في مذهبِهِ من البدَع التي أوقعَهُ فيها تمسُّكُه بالظاهِرِ، وجمودُهُ عليه هي في غايةِ النُدْرةِ، ولكنْ: لِهوى النفوسِ سريرةٌ لا تُعْلَمُ [الأوقات التي يستحب فيها السواك]: قالَ النوويُّ (١): "والسِّواكُ مستحبٌ في جميعِ الأوقاتِ، لكنْ في خمسةِ أوقاتٍ أشدُّ استحبابًا، (أحدُها): عندَ الصلاةِ سواءٌ كانَ متطهِّرًا بماءٍ أَو بترابٍ أَو غيرِ متطهرٍ كمنْ لم يجد ماءً ولا تُرابًا. (الثاني): عند الوضوءِ. (الثالث): عندَ قراءَةِ القرآنِ. (الرابع): عندَ الاستيقاظِ من النومِ. (الخامسُ): عندَ تغيُّرِ الفَم، وتغيرهُ يكونُ بأشياءَ منها تركُ الأكلِ والشُّربِ، ومنها أَكلُ ما له رائحةٌ كريهةٌ، ومنها طولُ السُّكوتِ، ومنها كثرةُ الكلامِ". وقد قامتِ الأدلةُ على استحبابهِ في جميعِ هذه الحالاتِ التي ذكر. وسيأتي ذكرُ بعضِها في هذا البابِ.

стр. 388

قال (١): "ومذهبُ الشافعيُّ أن السواكَ يُكرهُ للصائمِ بعدَ زوالِ الشمسِ لئلّا تزولَ رائحةُ الخلُوفِ المستحبةِ - وسيأتي الكلامَ عليه في بابِ السواكُ للصائمِ (٢) إن شاءَ اللَّهُ - ويُستحبُّ أنْ يستاكَ بعودِ من أَراكٍ، وبأيِّ شئٍ استاكَ مما يزيلُ التغيرَ حصلَ السواكُ كالخِرقَةِ الخشِنَةِ والأشنانِ" (٣). وللفقهاءِ في السواكِ آدابٌ وهيئاتٌ لا ينبغي للفطِنِ الاغترارُ بشيءٍ منها إلَّا أن يكونَ موافقًا لما وردَ عن الشارعِ، ولقد كرهوهُ في أوقاتٍ وعلى حالاتٍ حتى كاد يُفضي ذلكَ إلى تركِ هذهِ السنةِ الجليلةِ وإطراحِها، وهي أَمرٌ مِنْ أُمورِ الشريعةِ ظهرَ ظهورَ النهارِ، وقبلَهُ من سكانِ البسيطةِ أَهلِ الأنجادِ والأغوارِ. قوله: (مطهرةٌ للفمِ) المِطْهرةُ بكسرِ الميمِ وتُفتحُ. قالَ في الديوانِ: الفتحُ أَفصَحُ. ٢/ ١١٩ - (وَعَنْ زيدِ بْنِ خالِدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْلا أنْ أشُقَّ على أُمَّتِي لأخَّرْتُ صَلاةَ العِشاءِ إلى ثُلُثِ الليلِ وَلأمَرْتُهُمِ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ". رَواهُ أحمدُ (٤) والتِّرْمذِيُّ وَصَحَّحَهُ) (٥). [صحيح] الحديثُ رواهُ الحاكِمُ (٦) من حديثِ أبي هريرةَ بلفظ: "لفرضْتُ عليهمُ السِّواكَ مع الوضوءِ، ولأخَّرْتُ صلاةَ العشاءِ إلى نصفِ الليلِ". وروى النسائي (٧) الجملةَ الأولَى، ورواهُ العقيليُّ (٨) وأبو نعيمٍ (٩) والبيهقيُّ (١٠) من طريقٍ أخرى عن سعيدٍ بهِ.

стр. 389

ورواهُ أبو داودَ (١) ومسلمٌ (٢) بلفظ: "لولا أنْ أشقُّ على المؤمنينَ لأمرتُهم بتأخيرِ العشاءِ، والسِّواكِ عندَ كلِّ صلاةٍ". ورواهُ أيضًا أبو داود (٣) عن زيدِ بن خالدٍ باللفظ الذي في الكتابِ. ورواهُ البزارُ (٤) وأحمد (٥) مِنْ حديثِ عليٍّ نحَوهُ، وروى الجملةَ الأولى أيضًا الترمذيُّ (٦) وأحمدُ (٧) وأبو داودَ (٨) وابنُ ماجه (٩) وابنُ حِبان (١٠) من حديثِ أبي هريرةَ. ولفظُ الترمذيِّ: "إلى ثُلُثِ الليلِ أو نصفِهِ"، ولفظُ أحمدَ وابنِ حِبَّانَ: "إلى ثُلُثِ الليلِ" ولم يشكَّ، وروى الجملةَ الثانيةَ النسائيُّ (١١) وأحمدُ (١٢) وابنُ خزيمةَ (١٣) من حديثِ أبي هريرةَ وعلَّقَهَا البخاريُّ (١٤). وروى ابنُ حبانَ في صحيحهِ (١٥) من حديثِ عائشةَ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لولا أنْ أشقَّ على أمتي لأمرتُهمْ بالسواكِ معَ الوضوءِ عندَ كُلِّ صلاة" وروى ابنُ أبي خيثمةَ في تاريخهِ (١٦)

стр. 390

بسندٍ حسنٍ عن أمِّ حبيبةَ: "لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواكِ عندَ كُلِّ صلاةٍ كما يتوضَّأون". [يندب تأخير العشاء]: والحديثُ يدلُّ على ندبيةِ تأخيرِ العشاءِ إلى ثُلُثِ الليلِ، لأنَّ (لولا) لامتناع الثاني لوجودِ الأوَّلِ، فإذا ثبتَ وجودُ الأولِ ثبتَ امتناعُ الثاني وبقيَ الندبُ. ومحلُّ الكلامِ على هذه الجملةِ الصلاةُ إنْ شاءَ اللَّهُ. ويدلُّ أيضًا على ندبيةِ السواكِ بمثلِ ما ذكرناهُ في صلاةِ العشاءِ، ويردُّ على من قالَ: لا يُستحبُّ السواكُ للصلاةِ، وقد نسبهُ في البحرِ (١) إلى الأكثرِ ويردُّ مذهبَ الظاهريةِ القائلينَ بالوجوبِ إن صحَّ عنهم (٢)، وقد سبقَ كلامُ النوويِّ في ذلكَ. ٣/ ١٢٠ - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لَوْلا أنْ أشُقَّ على أُمَّتِي لأمَرْتُهمْ بِالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ صلاةٍ". رَواه الجمَاعَةُ (٣)، وفي رِوايةٍ لأحمدَ (٤): "لأمَرْتُهمْ بِالسِّواكِ معَ كَلِّ وُضُوءٍ"، وَللبُخارِيِّ تَعْليقًا (٥): "لأمَرْتُهُمْ بالسِّوَاكِ عِنْد كُلِّ وُضُوءٍ". قالَ: ويُرْوَى نَحْوُهُ عَنْ جابِرٍ وَزيدِ بْنِ خالِدٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ ). [صحيح] الحديثُ قالَ ابن مندَهْ (٦): إسنادُه مجمعٌ على صحتِهِ. وقالَ النوويُّ (٧): "غَلِطَ بعضُ الأئمةِ الكبارِ فزعمَ أن البخاريُّ لم يخرِّجْهُ وهو خطأ منهُ، وقد أخرجه

стр. 391

من حديثِ مالكٍ عن أبي الزنادِ عن الأعرجِ عن أبي هريرةَ. وليس هو في الموطأ من هذا الوجهِ (١)، بل هو فيه (٢) عن ابن شهابٍ عن حُميدٍ عن أبي هريرةَ، قالَ: "لولا أن أشُقَّ على أمتي لأمرتُهم بالسواكِ معَ كل وضوءٍ" ولم يصرِّحْ برفعِهِ. قالَ ابنُ عبدِ البرِّ (٣): وحكمهُ الرفعُ. وقد رواهُ الشافعيُّ (٤) عن مالكٍ مرفوعًا. وفي البابِ عن زيدِ بن خالدٍ عندَ الترمذي (٥)، وأبي داود (٦)، وعن علي عندَ أحمدَ (٧)، وعن أم حبيبةَ عندَ أحمدَ (٨) أيضًا، وعن عبدِ اللَّهِ بن عمرِو، وسهلِ بن سعدٍ، وجابرٍ، وأنسٍ، عندَ أبي نعيمٍ (٩). قال الحافظُ (١٠): وإسنادُ بعضِها حَسَنٌ. وعن ابن الزبيرِ عندَ الطبراني (١١)، وعن ابن عمر (١٢)، وجعفرِ بن أبي طالبٍ عندَ الطبراني (١٣) أيضًا.

стр. 392

[ما يستفاد من حديث أبي هريرة]: والحديثُ يدلُّ على أن السواكَ غيرُ واجبٍ، وعلى شرعيتِهِ عندَ الوضوءِ، وعندَ الصلاةِ لأنهُ إذا ذهبَ الوجوبُ بقيَ الندبُ كما تقدَّم. وعلى أن الأمرَ للوجوبِ، لأنَّ كلمةَ لولا تدلُّ على انتفاءِ الشيءِ لوجودِ غيره فيدلُّ على انتفاءِ الأمْرِ لوجودِ المشقةِ والمنفيُّ لأجلِ المشقةِ، إنما هوَ الوجوبُ لا الاستحبابُ، فإن استحبابَ السواكِ ثابتٌ عندَ كلِّ صلاةٍ فيقتضي ذلكَ أن الأمرَ للوجوبِ، وفيهِ خلافٌ في الأصولِ على أقوالٍ. ويدلُّ الحديثُ أيضًا على أن المندوبَ غيرُ مأمورٍ به لمثلِ ما ذكرناهُ، وفيه أيضًا خلافٌ في الأصولِ مشهورٌ. ويدلُّ أيضًا على أن للنبيِّ ﷺ أن يحكمَ بالاجتهادِ ولا يتوقفُ حكْمُهُ على النصِّ لجعلهِ المشقةَ سببًا لعدمِ الأمر منهُ، ولو كانَ الأمرُ موقوفًا على النصِّ لكانَ سببُ [عدمِ] (١) الأمرِ منهُ عدمَ النصِّ لا مجرد المشقةِ، وفيه احتمالٌ للبحثِ والتأويلِ (٢)، كما قاله ابنُ دقيقِ العيدِ (٣). وهو أيضًا يدلُّ بعمومهِ على استحبابِ السواكِ للصائمِ بعدَ الزوالِ، لأن الصلاتينِ الواقعتينِ بعدَهُ داخلتانِ تحتَ عمومِ الصلاةِ، فلا تتم دعوى الكراهةِ إلا بدليلٍ يخصِّصُ هذا العمومَ وسيأتي الكلامُ على ذلكَ. ٤/ ١٢١ - (وعَنِ المِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبيهِ قالَ: قُلت لِعائشةَ ﵂: بأيِّ شَيْءٍ كانَ يَبْدأُ النَّبيُّ ﷺ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قالتْ: بِالسِّواكِ. رَواهُ الجمَاعَةُ إلا البُخارِيَّ والتِّرْمذِيَّ) (٤). [صحيح]

стр. 393

الحديثُ رواهُ ابنُ حبانَ في صحيحهِ (١). وفيه بيانُ فضيلةِ السواكِ في جميعِ الأوقاتِ وشِدَّةِ الاهتمامِ بهِ وتكرارُهُ لعدمِ تقييدِهِ بوقتِ الصلاةِ والوضُوءِ. ٥/ ١٢٢ - (وعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ إذا قامَ منَ اللَّيْلِ يَشُوص فاه بِالسَّواكِ. رَواهُ الجمَاعَةُ إلا التِّرْمِذِيَّ (٢). والشَّوْصُ: الدَّلْكُ. وللنسائي (٣) عَنْ حُذيْفَةَ قالَ: كُنا نُؤمَرُ بالسِّواكِ إذا قُمنْا مِنَ الليْلِ). [صحيح] الحديثُ متفقٌ عليهِ من حديثِ حُذيفةَ بلفظ: "كانَ إذا قامَ من النومِ يَشوصُ فاهُ بالسواكِ". وفي لفظِ لمسلمٍ (٤): "كان إذا قامَ ليتهجدَ يشوصُ فاهُ بالسواكِ" واستغربَ ابنُ مندَه (٥) هذهِ الزيادةَ، وقد رواها الطبرانيُّ (٦) من وجهٍ آخرَ بلفظ: "كُنا نُؤمرُ بالسواكِ إذا قُمنا مِنَ الليلِ"، ورواه أيضًا النسائي (٧) كما في حديثِ البابِ، ورواهُ مسلمُ (٨) وأبو داود (٩) وابنُ ماجَه (١٠) والحاكمُ (١١) من حديثِ ابن عباسٍ في قصَّةِ نومهِ عندَ النبيِّ ﷺ قالَ: "فلمَّا استيقظَ من منامِهِ أتى طَهُورَهُ فأخذَ سواكُهُ

стр. 394

فاستَاكَ". وفي روايةِ أبي داود (١) التصريحُ بتكرارِ ذلكَ. وفي روايةِ للطبراني (٢): "كان يستاكُ من الليلِ مرتينِ أو ثلاثًا". وفي روايةٍ له (٣) عن الفضلِ بن عباسٍ: "لم يكن النبيُّ ﷺ يقومُ إلى الصلاةِ بالليلِ إلا استنَّ". ورواهُ أبو داود (٤) من حديثِ عائشةَ بلفظ: "كانَ يُوضعُ له سواكُهُ ووضوؤهُ فإذا قامَ من الليلِ تخلَّى ثم استاكَ". وصحَّحَهُ ابن مندَه (٥). ورواه ابنُ ماجه (٦) والطبراني (٧) من وجهٍ آخرَ عن ابن أبي مُليكةَ عنها، وصححه الحاكم (٨) وابن السكن (٩). ورواهُ أبو داودَ (١٠) عن عائشةَ أيضًا بلفظ: "كان لا يرقُدُ مِنْ ليلٍ ولا نهارٍ فيستيقظُ إلَّا تسوَّكَ قبلَ أن يتوضأ" وفيه علي بن زيد (١١). وفي البابِ عن ابن عمرَ عندَ أحمد (١٢)، وعن معاويةَ عندَ الطبراني (١٣) وإسنادهُ ضعيفٌ، وعن أنسٍ عندَ البيهقي (١٤)، وعن أبي أيوبَ عندَ أبي نعيم (١٥)، قالَ الحافظ (١٦): وكلُّها ضعيفةٌ.

стр. 395

قوله: (يشُوصُ) بضمِّ المعجمةِ [وبسكونِ] (١) الواوِ، وشاصَهُ يشوصُهُ، وماصَهُ يموصُهُ إذا غسلَهُ، والشَّوصُ بالفتحِ: الغَسْلُ والتنظيفُ، كذا في الصحاحِ (٢). وقيلَ: الغَسْلُ. وقيلَ: التنقيةُ. وقيلَ: الدلكُ. وقيلَ: الإمرارُ على الأسنانِ من أسفلَ إلى فوقَ، وعكسَهُ الخطابيُّ (٣) فقالَ: هو دلكُ الأسنانِ بالسواكِ أو الأصابعِ عرضًا. والحديثُ يدلُّ على استحباب السواكِ عندَ القيامِ منَ النومِ لأنهُ مقتضٍ لتغيُّرِ الفمِ لما يتصاعدُ إليه من أبخِرَةِ المَعِدَةِ، والسواكُ ينظِّفُهُ ولهذا أرشدَ إليه. وظاهرُ قولهِ منَ الليلِ ومنَ النومِ العمومُ لجميع الأوقاتِ. قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ (٤): ويحتملُ أن يخصَّ بما إذا قامَ إلى الصلاةِ، قالَ الحافظُ (٥): ويدلُّ عليه روايةُ البخاري (٦) بلفظ: "إذا قام للتهجُّدِ"، ولمسلم (٧) نحوُهُ" انتهى. فيحمَلُ المطلَقُ على المقيدِ، ولكنه بعدَ معرفةِ أن العِلَّةَ التنظَيفُ لا يتمُّ ذلكَ لأنه مندوبٌ إليه في جميعِ الأحوالِ. ٦/ ١٢٣ - (وعَنْ عائشةَ ﵂ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ لا يَرْقُدُ لَيْلًا وَلا نَهارًا فَيَسْتَيقظُ إلَّا تَسَوَّكَ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٨) وأبُو دَاودَ) (٩). [حسن. دون قوله: "ولا نهار"] الحديثُ أخرجَهُ أيضًا ابن أبي شيبة (١٠) وقد تقدم الكلام عليه وعلى فقهه في الذي قبله.

стр. 396

[الباب الثاني] باب تسوك المتوضئ بأصبعه عند المضمضة ٧/ ١٢٤ - (عَن عَليِّ بْنِ أبي طالبٍ ﵁ أنّه دَعا بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ ثَلاثًا، وَتَمَضْمَضَ ثَلاثًا، فأدْخَلَ بَعْضَ أصَابِعِهِ في فِيهِ، وَاستنْشَقَ ثَلاثًا، وغَسَلَ ذِراعَيْهِ ثلاثًا، ومَسَحَ رَأسَهُ واحِدَةً، وذَكَرَ باقِي الحَدِيثِ وقالَ: هكَذا كانَ وضُوءُ نَبيِّ الله ﷺ . رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [صحيح] الحديثُ يأتي الكلامُ على أطرافِهِ في الوضوءِ، وقد ساقَهُ المصنِّفُ للاستدلالِ بقولهِ: "فأدخلَ بعضَ أصابعه في فِيْهِ" على أنه يُجزئ التسوكُ بالأصبعِ. وقد روى ابنُ عدي (٢) والدارقطني (٣) والبيهقي (٤) من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن المثنى عن النضْرِ بن أنسٍ عن أنسٍ مرفوعًا بلفظ: "يُجزئ من السواكِ الأصابعُ"، قالَ الحافظ (٥): وفي إسنادِهِ نظر. وقال الضياءُ (٦): لا أرى بسندِهِ بأسًا، وقالَ البيهقي (٧): المحفوظُ عن ابن المثنى عن بعضِ أهلِ بيتهِ عن أنسٍ نحوُهُ. ورواه أبو نعيم (٨) والطبراني (٩) وابن عدي (١٠) من حديثِ عائشةَ، وفيه المثنى بنُ الصباحِ. ورواهُ أبو نعيم (١١) أيضًا من حديثِ كثيرِ بن عبدِ اللَّهِ بن

стр. 397

عمرِو بن عوفِ عن أبيهِ عن جدهِ، وكثير (١) ضعفوه. قالَ الحافظ (٢): وأصحُّ من ذلكَ ما رواه أحمد في مسنده (٣) من حديثِ علي بن أبي طالبٍ وذكرَ حديثَ البابِ. وروى أبو عُبيدِ في كتابِ "الطهور" (٤) عن عثمانَ أنهُ كانَ إذا توضَّأ يسوكُ فاهُ بأصبعِهِ، وروى الطبراني في الأوسط (٥) من حديثِ عائشةَ: "قلتُ يا رسولَ اللَّهِ، الرجلُ يذهبُ فُوْهُ أيستاكُ؟ قالَ: نعم، قلتُ: كيفَ يصنعُ؟ قالَ: يُدْخِلُ أصبعَهُ في فيهِ" رواهُ بإسنادٍ فيه عيسى بنُ عبدِ اللَّهِ الأنصاريُّ (٦)، وقالَ: لا يُروى إلا بهذا الإِسنادِ، قالَ الحافظ (٧): "وعيسى ضعفه ابنُ حبان (٨)، وذكرَ له ابنُ عدي (٩) هذا الحديثَ مِنْ مناكيرِهِ".

стр. 398

[الباب الثالث] باب السواك للصائم ٨/ ١٢٥ - (عَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ ما لا أحْصي يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صائِمٌ. رَواهُ أحْمَدُ (١) وَأبُو دَاوُدَ (٢) والترْمذِيُّ (٣) وقالَ: حديثٌ حَسَنٌ). [ضعيف] قال الحافظُ (٤): رواهُ أصحابُ السننِ (٥) وابنُ خزيمةَ (٦) وعلَّقهُ البخاري (٧)، وفيه عاصمُ بنُ عُبيدِ اللَّهِ وهو ضعيف (٨)، قالَ ابنُ خزيمة (٩): وأنا أبرأُ مِنْ عُهْدَتِهِ. لكنْ حسَّنَ الحديثَ غيرُهُ. وقالَ الحافظُ أيضًا: إسنادهُ حسنٌ (١٠). والحديثُ يدلُّ على استحبابِ السواكِ للصائمِ مِنْ غيرِ تقييدِ بوقتٍ دونَ وقتٍ، وهو يردُّ على الشافعيِّ قولَهُ بالكراهةِ بعدَ الزوالِ للصائمِ مستدلًا بحديثِ الخلوفِ الذي سيأتي (١١). وقد نقلَ الترمذي (١٢) أنَّ الشافعيَّ قالَ: لا بأسَ بالسواكِ

стр. 399

للصائمِ أوَّلَ النهارِ وآخِرَهُ. واختارَهُ جماعة من أصحابهِ منهم: أبو شامةَ (١) وابنُ عبدِ السلامِ والنووي (٢) والمزنيُّ. قالَ ابنُ عبدِ السلامِ في قواعدِهِ الكُبرى (٣): "وقد فضَّل الشافعيُّ تحمُّلَ الصائمِ مشقةَ رائحةِ الخلُوفِ على إزالتهِ بالسواكِ مستدِلًا بأن ثوابَهُ أطيبُ من ريحِ المسكِ، ولا يُوافَقُ الشافعيُّ [في] (٤) ذلكَ إذ لا يلزمُ من ذكرِ ثوابِ العملِ أَنْ يكونَ أفضلَ من غيرهِ، لأنه لا يلزمُ من ذكرِ الفضيلةِ حصولُ الرُّجْحَانِ بالأفضليةِ، ألا ترى أن الوترَ عندَ الشافعيِّ في قولهِ الجديدِ أفضلُ من رَكعتي الفجرِ معَ قولهِ ﵇: "رَكْعَتَا الفجْرِ خيرٌ مِنَ الدُّنيا وما فيها (٥) "وكم من عبادةٍ قد أثنى الشارعُ عليها وذكرَ فضيلتَها، وغيرُهَا أَفضلُ منها، وهذا من بابِ تزاحُم المصلحتينِ اللتينِ لا يمكنُ الجمعُ بينهما، فإنَّ السواكَ نوعٌ من التطهرِ المشروعِ لأَجلِ الربِّ سبحانَه، لأن مخاطبةَ العُظماءِ مع طهارةِ الأفواهِ تعظيمٌ لا شك فيهِ، ولأجلِه شُرعَ السواكُ، وليسَ في الخلوفِ تعظيمٌ ولا إجلالٌ فكيفَ يُقالُ: إنَّ فضيلةَ الخلوفِ تربُو على تعظيمِ ذي الجلالِ بتطييبِ الأفواهِ؟! إلى أنْ قالَ: والذي ذكرَهُ الشافعيُّ ﵀ تخصيصٌ للعامٌ (٦) بمجرَّدِ الاستدلالِ المذكورِ المعارَضِ بما ذَكَرْنَا". قال الحافِظُ في التلخيصِ (٧): "استدلالُ أصحابِنَا بحديثِ خلوف فمِ الصائمِ على كراهةِ الاستياكِ بعدَ الزوالِ لمن يكونُ صائمًا فيه نَظَرٌ؛ لكنْ في روايةِ

стр. 400

للدارقطنيِّ (١) عن أبي هريرةَ قالَ: "لكَ السواكُ إلى العصرِ، فإذا صليتَ فألقِهِ فإني سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: "لخلُوفُ فمِ الصائمِ … " الحديث، قالَ: وقد عارضَهُ حديث عامرِ بن ربيعةَ (٢) يعني حديثَ البابِ، وقالَ: وفي البابِ حديثُ عليٍّ: "إذا صمتُم فاستاكُوا بالغداةِ ولا تستاكوا بالعشيِّ، فإنه ليسَ من صائم تيبسُ شفتاهُ بالعشيِّ إلَّا كانَتَا له نورًا بين عينيهِ يومَ القيامةِ" أخرجَهُ البيهقي (٣) قالَ الحافظُ (٤): وإسنادُهُ ضعيفٌ" انتهى. وقولُ أبي هريرةَ معَ كونهِ لا يدلُّ على المطلوبِ لا حجَّةَ فيهِ على أن فيه عمرَ بنَ قَيسٍ (٥) وهو متروكٌ، وكذلكَ حديثُ عليٍّ معَ ضعفهِ لم يصرِّحْ فيه، بالرفعِ. فالحق أنه يُستحبُّ السواكُ للصائمِ أوَّلَ النهارِ وآخِرَهُ، وهو مذهبُ جمهورِ الأئمةِ. ٩/ ١٢٦ - (وعَنْ عائِشةَ ﵂ قالتْ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "مِنْ خَير خِصالِ الصَّائِم السِّواكُ". رَواهُ ابْنُ ماجهْ (٦). [ضعيف] قالَ البُخاريُّ (٧): وقالَ ابْنُ عمَرَ يَسْتاكُ أوَّلَ النهارِ وآخِرَهُ). الحديثُ قالَ في التلخيصِ (٨): هو ضعيفٌ، ورواهُ أبو نعيمٍ (٩) من طريقين

стр. 401

أُخْرييْنِ عنها، وروى النسائيُّ في الكُنى (١)، والعقيليُّ (٢) وابنُ حِبانَ في الضعفاءِ (٣) والبيهقي (٤) من طريقِ عاصمٍ عن أَنسٍ: "يَستاكُ الصائمُ أَوَّلَ النهارِ وآخِرَهُ بِرَطْبِ السواكِ ويابسِهِ" ورفعهُ. وفيهِ إبراهيمُ بنُ بيطارِ الخوارزميُّ، قالَ البيهقيُّ (٥): انفردَ به إبراهيمُ بنُ بيطارٍ، ويقالُ: إبراهيمُ بنُ عبدِ الرحمنِ قاضي خوارِزْمَ وهو مُنكرُ الحديثِ. وقالَ ابنُ حبان (٦): لا يصحُّ، ولا أصْلَ له من حديثِ النبي ﷺ ولا من حديثِ أنسٍ، وذكرَهُ ابنُ الجوزيِّ في الموضوعاتِ (٧). قالَ الحافظُ (٨): قلتُ: له شاهدٌ من حديثِ معاذٍ رواهُ الطبرانيُّ في الكبيرِ (٩)، وقالَ أحمدُ بنُ منيعٍ في مُسندِهِ (١٠): حدثنا الهيثمُ بنُ خارجةَ حدَّثنا يحيى بنُ حمزةَ عن النعمانِ بن المنذرِ

стр. 402

عنْ عطاءٍ وطاوسٍ ومجاهدٍ عن ابن عباسٍ: "أَنَّ النبيَّ ﷺ تسوَّكَ وهو صائمٌ". الحديث يدلُّ على أن السواكَ من خيرِ خصالِ الصائمِ من غيرِ فرقِ بينَ قَبْلِ الزوالِ وبعدَهُ، وقدْ تقدَم الكلامُ على ذلكَ في الحديث الأول (١). ١٠/ ١٢٧ - (وعَنِ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائمِ أطيَبُ عِنْدَ الله مِنْ ريح المِسْكِ". مُتَّفَقٌ عَليْهِ) (٢). [صحيح] الحديثُ له طُرقٌ وأَلفاظٌ، ورواهُ مسلمٌ (٣) من حديث أبي سعيدِ، والبزارُ (٤) من حديثِ عليٍّ، وابن حِبان (٥) من حديثِ الحارث الأشعري، وأحمدُ (٦) من حديث ابن مسعود، والحسنُ بنُ سفيان (٧) من حديثِ جابرٍ.

стр. 403

قوله: (لخُلُوفُ) بضمِّ الخاءِ، قالَ القاضي عياض (١): قيَّدناه عن المتقنينَ بالضمِّ، وأكثرُ المحدِّثين يفتحونَ خَاءَهُ وهو خطأ. وعدَّهُ الخطابي في غَلَطَاتِ المحدثينَ (٢)، وهو تغيُّرُ رائحةِ الفمِ. وقدِ استدلَّ الشافعيُّ بالحديثِ على كَراهةِ الاستياكِ بعدَ الزوالِ للصائمِ، لأنه يُزيلُ الخلُوفَ الذي هو أَطيبُ عندَ اللَّهِ من ريحِ المسكِ، وهذا الاستدلالُ لا ينتهضُ لتخصيصِ الأحاديثِ القاضيةِ باستحبابِ السواكِ على العمومِ، ولا على معارضَةِ تلكَ الخصوصياتِ. وقد سبقَ الكلامُ على ذلكَ في حديثِ عامرِ بن ربيعةَ (٣). قال المصنِّفُ (٤) ﵀: وبهِ احتجَّ مَنْ كَرِهَ السواك للصائمِ بعدَ الزَّوالِ اهـ. [الباب الرابع] باب سنن الفطرة ١١/ ١٢٨ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الاسْتِحْدَادُ، وَالخِتانُ، وَقصُّ الشَّاربِ، وَنَتْف الإِبْطِ وَتَقْلِيمُ الأظفارِ". رواهُ الجمَاعَةُ) (٥). [صحيح] قوله: (خمسٌ مِنَ الفِطْرةِ) قد تقدَّم الكلامُ فيه في أوَّلِ أبوابِ السواكِ (٦). والمرادُ بقولهِ: "خمسٌ مِنَ الفِطْرَةِ" في حديثِ البابِ أن هذهِ الأشياءَ إذا

стр. 404

فُعِلَتْ اتَّصفَ فاعِلُها بالفِطْرةِ التي فطرَ اللَّهُ العبادَ عليها، وحثَّهم عليها واستَحَبَّها لهم ليكونُوا على أكْمَلِ الصفاتِ وأَشرَفِها صورةً. وقد ردَّ البيضاويُّ (١) الفِطْرةَ في حديثِ البابِ إلى مجموعِ ما وردَ في معناهُ ممَّا تقدَّمَ فقالَ: "هي السنةُ القديمةُ التي اختارَهَا الأنبياءُ واتفقتْ عليها الشرائعُ فكأنَّها أَمْرٌ جِبِلِّيٌّ ينطَوُوْنَ عليها"، وسوَّغَ الابتداءَ بالنكرةِ في قولهِ: خمسٌ أَنه صفةُ موصوفٍ محذوفٍ والتقديرُ: خصالٌ خمسٌ، ثم فسَّرَها، أوْ على الإِضَافَةِ: أَي خمسُ خصلٍ، ويجوزُ أنْ يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ والتقديرُ: الذي شُرعَ لكم خمسٌ. قوله: (الاستحدادُ) هو حَلْقُ العانةِ سُمِّيَ استحدادًا لاستعمالِ الحديدةِ وهي الموسَى وهو سنةٌ بالاتفاقِ، ويكونُ بالحلْقِ والقصِّ والنَّتْفِ والنُّورَةِ. قالَ النووي (٢): والأفضلُ الحلقُ، والمرادُ بالعانَةِ الشعرُ فوقَ ذَكَرِ الرجُلِ وحَوَالَيْهِ، وكذلكَ الشعرُ الذي حَوْلَ فرَجِ المرأَةِ. ونُقِلَ عن أبي العباسِ (٣) بن سُريجٍ أَنهُ الشعرُ النابتُ حولَ حَلَقةِ الدُّبُرِ. قال النووي (٤): "فيحصُلُ من مجموعِ هذا استحبابُ حلقِ جميعِ ما على القُبُلِ والدُّبُرِ وحَوْلَهُمَا" انتهى. وأقولُ: الاستحدادُ إنْ كانَ في اللغةِ حلق العانةِ كما ذكره النووي فلا دليلَ على سُنيةِ حلقِ الشعْرِ النابتِ حولَ الدبُرِ، وإن كانَ الاحْتِلاقُ بالحديدِ كما في القاموس (٥) فلا شكَ أنه أعمُّ من حلقِ العانةِ، ولكنه وقعَ في مسلمٍ (٦) وغيرِه بدلَ الاستحدادِ في حديثِ: "عشرٌ مِنَ الفطرةِ: حلقُ العانةِ" فيكونُ مبينًا لإطلاقِ الاستحدادِ في حديثِ: "خمسٌ مِنَ الفِطْرَةِ" فلا يتمُّ دعوى سنيةِ حلقِ شعرِ الدبُرِ أَو استحبابِه إلا بدليلٍ، ولم نَقِفْ على حلقِ شعرِ الدبُرِ مِنْ فعلِهِ ﷺ ولا مِنْ فِعلِ أحدٍ مِنْ أصحابِه.

стр. 405

قوله: (والخِتَانُ) اخْتُلِفَ في وجوبِه وسيأتي الكلامُ عليه في البابِ الذي بعدَ هذا (١). والختانُ: قَطْعُ جميعِ الجِلْدَةِ التي تُغَطِّي الحشفةَ حتى ينكشِفَ جميعُ الحشفةِ، وفي المرأةِ قطعُ أَدنى جُزْءٍ مِنَ الجِلْدةِ التي في أَعْلَى الفَرْجِ. قوله: (وقصُّ الشَّارب) هو سنةٌ بالاتفاقِ والقاصُّ مخيرٌ بينَ أَن يتولَّى ذلكَ بنفسِه أو يُوْلِيْهِ غيرَهُ لحصَولِ المقصودِ بخلافِ الإِبطِ والعانةِ، وسيأتي مقدارُ ما يُقَصُّ منه في بابِ أخذِ الشارِبِ (٢). قوله: (ونتفُ الإبطِ) هو سنةٌ بالاتفاقِ أيضًا. قال النووي (٣): والأفضلُ فيهِ النتفُ إنْ قويَ عليهِ، وتحصل أيضًا بالحلقِ والنُّوْرَةِ. وحُكِيَ عن يونُسَ بن عبدِ الأَعلَى قالَ: دخلتُ على الشافعيُّ وعندَهُ المزيِّن يحلِقُ إبطَهُ، فقالَ الشافعيُّ: علمتُ أنَّ السنةَ النتفُ ولكنْ لا أَقوى على الوجَعِ، ويُستحبُّ أن يَبدأَ بالإِبطِ الأيمنِ لحديثِ التيمُّنِ وفيهِ: "كانَ يُعجِبُهُ التيمُّنُ في تَنَعُّلِه وترجُّلِه وطَهُورِهِ وفي شأنِهِ كلِّهِ" (٤) وكذلكَ يُستحبُّ أَنْ يَبدأَ في قصِّ الشاربِ بالجانبِ الأيمنِ لهذا الحديث. قوله: (تقليمُ الأظفارِ) وقعَ في الروايةِ الآتيةِ في صحيح مسلمٍ (٥) وغيرِه قصُّ الأظفار وهوَ سنةٌ بالاتفاقِ أيضًا، والتقليمُ تفعيل مِنَ القلمِ وهو القطعُ. قال النوويُّ (٦): "ويُستحبُّ (٧) أَن يَبدأَ باليدينِ قبلَ الرِّجْلَيْنِ فيبدأُ بمسبِّحَةِ يدِهِ اليمنى، ثم

стр. 406

الوسْطى ثم البُنْصُرِ، ثم الخُنْصُرِ، ثم الإبهامِ، ثم يعودُ إلى اليسرى فيبدأُ بخنصُرِهَا، ثم بُنْصُرِها إلى آخره، ثم يعودُ إلى الرِّجْلِ اليمنى فيبدأُ بِخُنْصُرِها ويختِمُ بِخُنْصُرِ اليُسرى" انتهى. ١٢/ ١٢٩ - (وعَنْ أنسٍ بْنِ مالِكٍ قالَ: وُقِّتَ لنا في قَصِّ الشارِبِ، وَتَقْلِيم الأظْفارِ، وَنَتْفِ الإِبْطِ، وَحَلْقِ العانَةِ أنْ لا نَتْرُكَ أكْثَرَ مِنْ أرْبَعينَ لَيْلةً. رَواهُ مُسْلِمْ (١) وابْنُ ماجَهْ (٢). وَرَواهُ أحمدُ (٣) والتِّرْمذِيُّ (٤) والنسائي (٥) وأبُو دَاوُدَ (٦) وَقالُوا: وَقَّتَ لنا رَسُولُ الله ﷺ ). [صحيح] قوله: (وُقِّتَ لنا) في الروايةِ الأُولى على البناءِ للمجهولِ، وقد وقعَ خلافٌ في علمِ الأصولِ والاصطلاحِ هل هي صيغةُ رفعٍ أو لا؟ ولأكثرُ أَنَّها صيغةُ رفعٍ إلى النبيِّ ﷺ إذا قالها الصحابيُّ مِثْلَ قولِهِ: أُمِرْنَا بكذَا [و] (٧) نُهينا عن كذَا (٨). وقدْ صرَّحَ في الروايةِ الثانيةِ من حديثِ البابِ بأن الموقِّتَ هو النبيُّ ﷺ فارتفعَ الاحتمالُ، لكن في إسنادِها صَدَقَةُ بنُ موسى (٩) أبو المغيرةِ، ويقالُ: أبو محمدٍ السُّلميُّ البصريُّ الدقيقيُّ (١٠)، قال يحيى بنُ معينٍ: ليسَ بشيءٍ. وقالَ مرَّةً: ضعيفٌ. وقالَ النسائي ضعيفٌ. وقالَ الترمذيُّ: ليسَ بالحافِظِ. وقالَ أبو حاتمٍ

стр. 407

الرازيُّ: لينُ الحديثِ يُكتبُ حديثهُ ولا يُحتجُّ بهِ، ليسَ بالقويِّ وقالَ أبو حاتم بنُ حِبانَ: كان شيخًا صالِحًا إلَّا أن الحديثَ لم يكنْ صناعتَهُ فكانَ إذا روى قَلَبَ الأخبارَ حتى خرجَ عن حدِّ الاحتجاجِ بهِ. وقد أخرَجَ الروايةَ الأُولى في صحيحِ مسلمٍ (١) عنْ يحيى بن يحيى وقتيبة كلاهُما عنْ جعفرِ بن سليمانَ، عن أبي عِمْرَانَ الجونيِّ عن أنسٍ بن مالكٍ بذلكَ اللفظِ. قالَ القاضي عِيَاضٌ (٢): قالَ العقيليُّ (٣): في حديثِ جعفرٍ هذا نَظَرٌ. وقالَ أبو عمرَ بنُ عبدِ البرِّ: لم يروِهِ إلا جعفرُ بنُ سليمانَ وليسَ بِحُجَّةٍ لسوءِ حفظِهِ وكثرةِ غلطِهِ. قالَ النوويُّ (٤): وقد وثَّقَ كثيرٌ مِنَ الأئمةِ المتقدِّمينَ جعفرَ بنَ سليمانَ، ويكفي في توثيقِهِ احتجاجُ مسلمٍ بِهِ، وقد تابعَهُ غيرُه انتهى. قوله: (أنْ لا نَتْرُكَ) قالَ النوويُّ (٥): معناهُ: "تركًا نتجاوزُ بهِ أربعينَ لا أنهُ وقَّتَ لهم التركَ أَربعينَ، قالَ: والمختارُ أَنهُ يُضبطُ بالحاجَةِ والطُّولِ، فإذا طالَ حلقَ" انتهى. قلتُ: بل المختارُ أنه يُضبطُ بالأربعينَ التي ضبط بها رسولُ اللَّهِ ﷺ فلا يجوزُ تجازُوها ولا يُعَدُّ مخالِفًا للسنةِ مَنْ تَرَكَ القصَّ ونحوَهُ بعدَ الطوُّلِ إلى انتهاءِ تلكَ الغايةِ.

стр. 408

١٣/ ١٣٠ - (وَعَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أبِي زائِدَةَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ طَلْق بْنِ حَبِيبٍ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشةَ ﵂ قالتْ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفاءُ اللِّحْيَةِ وَالسِّواكُ، وَاسْتِنْشاقُ الماء، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وغَسْلُ البَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ العانة، وَانْتِقاصُ الماءِ" يَعْنِي الاسْتِنْجاءَ - قالَ زَكَرِيَّا: قالَ مُصْعَبٌ ونَسيتُ العاشِرَة إلا أنْ تَكُونَ المَضْمَضَةَ. رَواهُ أحمدُ (١) ومُسْلِمٌ (٢) والنسائيُّ (٣) والترمذِيُّ) (٤). [حسن] الحديثُ أخرجَهُ أيضًا أبو داودَ (٥) من حديثِ عمَّارٍ وصححهُ ابنُ السَّكَنِ

стр. 409

قالَ الحافظُ (١): وهو معلولٌ. ورواهُ الحاكمُ (٢) والبيهقيُّ (٣) من حديثِ ابن عباسٍ موقوفًا في تفسيرِ قولهِ تعالَى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ (٤) - "قال: خمسٌ في الرأْسِ، وخمسٌ في الجسدِ" فَذَكَرهُ. وقد تقدمَ الكلامُ على قصِّ الشاربِ، والسِّواك، وقصِّ الأظفار، ونتفِ الإِبطِ، وحَلْقِ العانَةِ. قوله: (وإعفاءُ اللحيةِ) إعفاءُ اللحيةِ توفيرُهَا كما في القاموسِ (٥)، وفي روايةٍ للبخاري (٦): "وفِّروا اللِّحى"، وفي روايةٍ أُخرى لمسلمٍ (٧): "أوْفُوا اللِّحى"، وهو بمعناهُ. وكانَ مِنْ عادةِ الفُرْسِ قصُّ اللِّحيةِ فنهى الشارعُ عن ذلكَ وأَمرَ بإعفائها، قالَ القاضي عياضٌ (٨): "يُكرَهُ حلقُ اللِّحيةِ وقصُّها وتحريقُها. وأما الأخذُ من طولِها وعرضِها فحسنٌ وتُكرهُ الشهرةُ في تعظيمِها كما تُكرهُ في قصِّها وجزِّها. وقد اختلفَ

стр. 410

السلفُ في ذلكَ فمنهم مَنْ لم يحدَّ بحدٍّ بلْ قالَ: لا يتركُها إلى حدِّ الشهرةِ ويأخذُ منها، وكرِهَ مالكٌ طولَها جِدًّا، ومنهم مَنْ حدَّ بما زادَ على القبضَةِ فَيُزَالُ، ومنهم من كرِهَ الأخذَ منها إلا في حجٍّ أَو عُمرةٍ". قوله: (واستنشاقُ الماءِ) سيأتي الكلامُ عليه في الوضوءِ. قوله: (وغسْلُ البراجِمِ) هي بفتحِ الباءِ الموحدةِ وبالجيمِ جمعُ بُرْجُمَةٍ بضمِّ الباءِ والجيمِ، وهي عُقَدُ الأصابعِ ومعاطِفُها كلُّها وغسْلُها سنةٌ مستقِّلةٌ ليستْ بواجبةٍ. قالَ العلماءُ: ويلحَقُ بالبراجِمِ ما يجتمِعُ من الوسَخِ في معاطِفِ الأذُنِ وقَعْرِ الصَّماخِ فَيزيلُه بالمسحِ ونحوِه. قوله: (وانتقاصُ الماءِ) هو بالقافِ والصادِ المهملةِ. وقد ذكرَ المصنفُ تفسيرَهُ بأنهُ الاستنجاءُ وكذلكَ فسرهُ وكيعٌ. وقالَ أبو عُبيدٍ (١) وغيرُه: معناهُ: انتقاصُ البولِ بسببِ استعمالِ الماءِ في غسلِ مذاكيرهِ. وقيلَ: هو الانتِضَاحُ (٢). وقد جاءَ في روايةٍ بدلَ الانتقاصِ الانتضاحُ، والانتضاحُ: نضحُ الفرجِ بماءٍ قليلٍ بعدَ الوضوءِ لينفيَ عنه الوسواسَ، وذكرَ ابنُ الأثير (٣) أَنهُ روَى انتفاصُ بالفاءِ والصادِ المهملةِ، وقالَ في فصلِ الفاءِ قيلَ: الصوابُ أَنهُ بالفاءِ قالَ: والمرادُ نضحُهُ على الذكَرِ لقولِهم: لنضحِ الدمِ القليلِ نفصهُ وجمعُها نفُصٌ، قالَ النوويُّ (٤): وهذا الذي نقلَهُ شاذٌ. قوله: (ونسيتُ العاشرةَ إلَّا أَنْ تكونَ المضمضةُ) هذا شكٌ منهُ، قالَ القاضي عياضٌ (٥): ولعلَّها الخِتانُ المذكورُ معَ الخمسِ الأُوْلَى، قالَ النوويُّ (٦): وهو أَوْلَى وسيأتي الكلامُ على المضمضةِ في الوضوءِ. وقد استَدلَّ الرافعيُّ بالحديثِ على أَن المضمضةَ والاستنشاقَ سنةٌ. وَرَوَى الحديثَ بلفظِ: "عشرٌ مِنَ السنةِ"، وردَّه الحافظُ

стр. 411

في التلخيصِ (١) بأنَّ لفظَ الحديثِ: "عشرٌ مِنَ الفِطرةِ"، قالَ: بلْ ولو وردَ بلفظِ مِنَ السنةِ لم ينتهضْ دليلًا على عدمِ الوجوبِ لأنَّ المرادَ بهِ السنةُ أَي الطريقةُ لا السنةُ بالمعنى الاصطلاحيِّ الأصوليِّ". قالَ: وفي البابِ عن ابن عباسٍ مرفوعًا: "المضمضةُ والاستنشاقُ سنة" رواه الدارقطني (٢) وهو ضعيف. [الباب الخامس] باب الختان ١٤/ ١٣١ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أن النَّبِيّ ﷺ قالَ: "اخْتَتنَ إبْراهِيمُ خَلِيلُ الرَّحمن بَعْدَ ما أتتْ عَليهِ ثَمانُونَ سَنةً، وَاخْتَتَنَ بِالقَدُومِ". مُتَّفَقٌ عَليْهِ إلَّا أن مُسْلِمًا لمْ يَذْكُرِ السِّنينَ) (٣). [صحيح] قوله: (الخِتانُ) (٤) بكسرِ المعجمةِ وتخفيفِ المثناةِ مصدرُ خَتَنَ أَي قَطَعَ، والخَتْنُ بفتحٍ ثم سكونٍ قطعُ بعضٍ مخصوصٍ من عضوٍ مخصوصٍ، والاختِتَانُ والختانُ اسمٌ لِفِعْلِ الخاتنِ، ولموضِعِ الختانِ كما في حديثِ عائشةَ: "إذا التقَى الختانانِ" (٥).

стр. 412

قال الماوردِيُّ (١): ختانُ الذكرِ: قطعُ الجلْدَةِ التي تُغطي الحشفةَ، والمستحبُّ أَن تُستوعبَ من أَصْلِها عندَ أَولِ الحشفةِ، وأَقل ما يُجزئُ أَنْ لا يبقى منها ما يتغشَّى بهِ. وقالَ إمامُ الحرمين (٢): المستحقُّ في الرجالِ قطعُ القُلْفةِ وهي الجلْدةُ التي تغطي الحشفةَ حتى لا يبقَى من الجِلْدةِ شيءٌ يتدلَّى. وقالَ ابنُ الصَّبَّاغ (٣): حتى تنكشِفَ جميعُ الحشفةِ. وقالَ ابنُ كجٍّ (٤) فيما نقلَهُ الرافعيُّ: يتأدى الواجبُ بقطعِ شيءٍ مما فوقَ الحشفةِ وإنْ قلَّ بشرطِ أَنْ يستوعِبَ القطعُ تدويرَ رأسِها. قالَ النووي (٥): وهو شاذٌ والأولُ هو المعتمدُ. قالَ الإِمامُ: والمستحِقُّ من خِتَانِ المرأةِ ما ينطلِقُ عليهِ الاسمُ. وقالَ الماورديُّ (٦): خِتانُها [قطعُ جلدَةٍ تكونُ في أَعلَى فرجِها فوقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ، كالنواةِ أو كعُرفِ الديكِ، والواجِبُ] (٧) قطعُ الجلدةِ المستعليةِ منهُ دون استئصالِهِ. قالَ النووي ويُسمى خِتانُ الرجلِ: إِعْذَارًا بذالٍ معجمةٍ، وخِتانُ المرأةِ: خَفضًا بخاءٍ وضادٍ معجمتينِ (٨).

стр. 413

وقالَ أبو شامةَ: كلامُ أهلِ اللغةِ يقتضي تسميةَ الكلِّ إعذارًا، والخفضُ يختصُّ بالنساءِ. قالَ أَبو عُبيدٍ (١): عَذَرْتُ الجاريةَ والغلامَ وأعذرتُهما خَتنتُهما واخْتتنتُهما وَزْنًا ومعنًى. قالَ الجوهريُّ (٢): والأكثرُ خَفَضْتُ الجاريةَ، قالَ: وتزعمُ العربُ أن الولدَ إذا وُلِدَ في القمرِ اتسعتْ قَلفتهُ فصارَ كالمختونِ، وقد استحبَّ جماعةٌ مِنَ العلماءِ فيمنْ ولِدَ مختونًا أن يمر بالموسى على موضِعِ الخِتانِ من [غيرِ] (٣) قطعٍ. قالَ أَبو شامةَ: وغالبُ من يكونُ كذلكَ لا يكونُ خِتانهُ تامًّا بلْ يظهرُ طرفُ الحشفةِ فإنْ كانَ كذلكَ وجبَ تكميلُه. قوله: (بالقَدُومِ) هو بفتحِ القافِ وضمِّ الدالِ وتخفيفِها: آلةُ النِّجارَةِ، وقيلَ اسمُ الموضِعِ الذي اختتنَ فيه إبراهيمُ، وهو الذي في القاموسِ (٤). قوله: إلَّا أن مسلمًا لم يذكُرِ السنينُ يقالُ: قد ذكره في بابِ فضلِ إبراهيمَ الخليلِ من روايةِ أبي هريرةَ معَ ذكرِ السنينَ (٥). [أقوال العلماء في حكم الختان ووقته]: وأوردَ المصنفُ الحديثَ في هذا البابِ للاستدلالِ بهِ على أن مدةَ الخِتانِ لا تختصُّ بوقتٍ معينٍ، وهو مذهبُ الجمهورِ وليسَ بواجبٍ في حالِ الصِّغَرِ، وللشافعيةِ (٦) وجْهٌ أنه يجبُ على الوليِّ أن يختِنَ الصغيرَ قبلَ بلوغِهِ ويردُّهُ حديثُ ابن عباسٍ الآتي (٧)، ولهمْ أيضًا وجهٌ أنه يحرمُ قبلَ عشرٍ سنينَ ويردُّهُ حديثُ: "أن النبيَّ ﷺ ختنَ الحسنَ والحسينَ يومَ السابعِ من ولادتِهِمَا"، أخرجَهُ الحاكمُ (٨)

стр. 414

والبيهقيُّ (١) من حديثِ عائشةَ، وأخرجَهُ البيهقيُّ (٢) من حديثِ جابرٍ. قالَ النوويُّ (٣) بعدَ أن ذكرَ هذينِ الوجهينِ: "وإذا قلْنا بالصحيحِ استُحِبَّ أنْ يُختتنَ في اليومِ السابعِ من ولادتِهِ، وهل يُحسبُ يومُ الولادَةِ من السبعِ أو يكونُ سبعةٌ سواهُ، فيه وجهانِ أظهرُهما يُحسبُ" انتهى. واختُلِفَ في وجوبِ الخِتانِ؛ فروى الإِمامُ يحيى عن العترةِ (٤) والشافعيِّ (٥) وكثيرٍ من العلماءِ أنه واجِبٌ في حقِّ الرجالِ والنساءِ. وعندَ مالكٍ (٦) وأبي حنيفةَ (٧) والمرتضى، قالَ النوويُّ (٨): وهو قولُ أكثَرِ العلماءِ أنهُ سنةٌ فيهما. وقالَ الناصِرُ والإِمامُ يحيى: إنه واجِبٌ في الرجالِ لا النساءِ. احتجَّ الأولونَ بما سيأتي من حديثِ عُثيمٍ (٩) بلفظِ: "أَلقِ عنكَ شعرَ الكفرِ واختَتِنْ"، وهو لا ينتهضُ لِلْحُجِّيَّةِ لما فيهِ من المقالِ الذي سنبينُهُ هنالِكَ. وبحديثِ أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ أسلَمَ فليختَتِنَ"، وقد ذكرَهُ الحافظُ في التلخيصِ (١٠)، ولم يضعِّفْهُ، وتُعُقِّبَ بقولِ ابن المنذِر (١١): ليسَ في الختانِ خبرٌ يُرجعُ إليه ولا سنةٌ تُتَّبَعُ. وبحديثِ أُمِّ عطيةَ - وكانتْ خافِضَةً أي خاتنة - بلفظِ: "أشْهي ولا تُنهكي"
следующие страницы →