الكتاب الرابع: كتاب الزكاة
أولًا: أبواب الأموال التي تجب فيها الزكاة.
ثانيًا: أبواب إخراج الزكاة.
ثالثًا: أبواب الأصناف الثمانية.
خاتمة: بدع الزكاة.
الكتاب الخامس: كتاب الصوم
أولًا: أبواب ما يثبت به الصوم والفطر، وعلى من يجب الصوم وممن يصح.
ثانيًا: أبواب ما يبطل الصوم ويكره وما يستحب للصائم.
ثالثًا: أبواب ما يبيح الفطر وأحكام القضاء.
رابعًا: أبواب صوم التطوع.
خامسًا: أبواب الاعتكاف.
خاتمة: بدع الصوم.
стр. 3539
الكتاب الرابع: كتاب الزكاة
أولًا: أبواب الأموال التي تجب فيها الزكاة.
الباب الأول: باب الحث عليها والتشديد في منعها.
الباب الثاني: باب صدقة المواشي.
الباب الثالث: باب لا زكاة في الرقيق والخيل والخمر.
الباب الرابع: باب زكاة الذهب والفضة.
الباب الخامس: باب زكاة الزرع والثمار.
الباب السادس: باب ما جاء في زكاة العسل.
الباب السابع: باب ما جاء في الركاز والمعدن.
ثانيًا: أبواب إخراج الزكاة.
الباب الأول: باب المبادرة إلى إخراجها.
الباب الثاني: باب ما جاء في تعجيلها.
الباب الثالث: باب تفرقة الزكاة في بلدها ومراعاة المنصوص عليه لا القيمة، وما يقال عند دفعها.
الباب الرابع: باب من دفع صدقته إلى من ظنه من أهلها فبان غنيًا.
الباب الخامس: باب براءة رب المال بالدفع إلى السلطان مع العدل والجور وأنه إذا ظلم بزيادة لم يحتسب به عن شيء.
الباب السادس: باب أمر الساعي أن يعد الماشية حيث ترد الماء ولا يكلفهم حشدها إليه.
الباب السابع: باب سمة الإمام المواشي إذا تنوعت عنده.
стр. 3540
ثالثًا: أبواب الأصناف الثمانية.
الباب الأول: باب ما جاء في الفقير والمسكين والمسألة والغني.
الباب الثاني: باب العاملين عليها.
الباب الثالث: باب المؤلفة قلوبهم.
الباب الرابع: باب قول الله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾.
الباب الخامس: باب الغارمين.
الباب السادس: باب الصرف في سبيل الله وابن السبيل.
الباب السابع: باب ما يذكر في استيعاب الأصناف.
الباب الثامن: باب تحريم الصدقة على بني هاشم ومواليهم دون موالي أزواجهم.
الباب التاسع: باب نهي المتصدق أن يشتري ما تصدق به.
الباب العاشر: باب فضل الصدقة على الزوج والأقارب.
الباب الحادي عشر: باب زكاة الفطر.
خاتمة: بدع الزكاة.
стр. 3541
الكتاب الخامس: كتاب الصوم
أولًا: أبواب ما يثبت به الصوم والفطر، وعلى من يجب الصوم وممن يصح.
الباب الأول: باب ما يثبت به الصوم والفطر من الشهود.
الباب الثاني: باب ما جاء في يوم الغيم والشك.
الباب الثالث: باب الهلال إذا رآه أهل بلد هل يلزم بقية البلاد الصوم؟
الباب الرابع: باب وجوب النية من الليل في الفرض دون النفل.
الباب الخامس: باب الصبي إذا أطاق، وحُكم من وجب عليه الصوم في أثناء الشهر أو اليوم.
ثانيًا: أبواب ما يبطل الصوم، وما يكره، وما يستحب للصائم.
الباب الأول: باب ما جاء في الحجامة.
الباب الثاني: باب ما جاء في القيء والاكتحال.
الباب الثالث: باب من أكل أو شرب ناسيًا.
الباب الرابع: باب التحفظ من الغيبة واللغو وما يقول إذا شُتم.
الباب الخامس: باب الصائم يتمضمض أو يغتسل من الحر.
الباب السادس: باب الرخصة في القبلة للصائم إلا لمن يخاف على نفسه.
الباب السابع: باب من أصبح جنبًا وهو صائم.
الباب الثامن: باب كفارة من أفسد صوم رمضان بالجماع.
الباب التاسع: باب كراهة الوصال.
الباب العاشر: باب آداب الإفطار والسحور.
стр. 3542
ثالثًا: أبواب ما يبيح الفطر وأحكام القضاء.
الباب الأول: باب الفطر والصوم في السفر.
الباب الثاني: باب من شرع في الصوم ثم أفطر في يومه ذلك.
الباب الثالث: باب من سافر في أثناء يوم هل يفطر فيه، ومتى يفطر؟
الباب الرابع: باب جواز الفطر للمسافر إذا دخل بلدًا ولم يجمع إقامة.
الباب الخامس: باب ما جاء في المريض والشيخ والشيخة والحامل والمرضع.
الباب السادس: باب قضاء رمضان متتابعًا ومتفرقًا وتأخيره إلى شعبان.
الباب السابع: باب صوم النذر عن الميت.
رابعًا: أبواب صوم التطوع.
الباب الأول: باب صوم ست من شوال.
الباب الثاني: باب صوم عشر ذي الحجة وتأكيد يوم عرفة لغير الحاج.
الباب الثالث: باب صوم المحرم وتأكيد عاشوراء.
الباب الرابع: باب ما جاء في صوم شعبان والأشهر الحرم.
الباب الخامس: باب الحث على صوم الاثنين والخميس.
الباب السادس: باب كراهة إفراد يوم الجمعة ويوم السبت بالصوم.
الباب السابع: باب صوم أيام البيض وصوم ثلاثة أيام من كل شهر وإن كانت سواها.
الباب الثامن: باب صيام يوم وفطر يوم وكراهة صوم الدهر.
الباب التاسع: باب تطوع المسافر والغازي بالصوم.
الباب العاشر: باب في أن صوم التطوع لا يلزم بالشروع.
الباب الحادي عشر: باب ما جاء في استقبال رمضان باليوم واليومين وغير ذلك.
الباب الثاني عشر: باب النهي عن صوم العيدين وأيام التشريق.
стр. 3543
خامسًا: أبواب الاعتكاف.
الباب الأول: الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، وأحكام المعتكف.
الباب الثاني: باب الاجتهاد في العشر الأواخر وفضل قيام ليلة القدر وما يدعي به فيها، وأي ليلة هي؟!
خاتمة: بدع الصوم.
* * *
стр. 3544
[الكتاب الرابع] كتاب الزكاة
[أبواب الأموال التي تجب فيها الزكاة]
الزكاة في اللغة (١): النماء، يقال: زكا الزرع، إذا نما؛ وترد أيضًا بمعنى التطهير، وتَرِدُ شرعًا بالاعتبارين معًا، أما بالأوّل فلأن إخراجها سبب للنماء في المال، أو بمعنى: أن الأَجر يكثر بسببها، أو بمعنى أن تعلُّقها بالأموال ذات النماء كالتجارة والزراعة.
ودليل الأوّل: "ما نقص مال من صدقة" (٢)، لأنها يضاعف ثوابها كما جاء "إنَّ الله تعالى يربي الصدقة" (٣).
وأما الثاني فلأنها طهرة النفس من رذيلة البخل وطهرة من الذنوب.
قال في الفتح (٤): وهي الركن الثالث من الأركان التي بني الإسلام عليها.
قال أبو بكر بن العربي (٥): تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنققة والعفو والحقّ. وتعريفها في الشرع: إعطاء جزء من النصاب إلى فقير ونحوه غير متصف بمانع شرعي يمنع من الصرف إليه.
ووجوب الزكاة أمر مقطوع به في الشرع يستغنى عن تكلف الاحتجاج له. وإنما وقع الاختلاف في بعض فروعها فيكفر جاحدها.
وقد اختُلف في الوقت الذي فرضت فيه، فالأكثر أنه بعد الهجرة.
стр. 3545
وقال ابن خزيمة (١): إنها فرضت قبل الهجرة.
واختلف الأوّلون؛ فقال النووي (٢): إن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة.
وقال ابن الأثير (٣): في التاسعة، قال في الفتح (٤): وفيه نظر لأنها ذكرت في حديث ضمام بن ثعلبة، وفي حديث وفد عبد القيس (٥)، وفي عدّة أحاديث.
وكذا في مخاطبة أبي سفيان مع هرقل (٦) وكانت في أوّل السابعة، وقال فيها: يأمرنا بالزكاة.
وقد أطال الكلام الحافظ على هذا في أوائل كتاب الزكاة من الفتح (٧) فليرجع إليه.
[الباب الأول] باب الحث عليها والتشديد في منعها
١/ ١٥٣٠ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمَّا بَعَثَ مُعاذًا إلى اليَمَنِ قَالَ: "إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا الله، وَأَني
стр. 3546
رَسُولُ الله، فإِنْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأعْلِمْهُمْ أن الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَات فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ فَإنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فأعْلِمْهُمْ أَنَّ الله افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ [على] (١) فُقَرَائِهِمْ؛ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَإيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، واتق دَعْوَةَ المَظْلُومِ فإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجَاب"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ) (٢). [صحيح]
قوله: (لما بعث معاذًا)، كان بعثه سنة عشر قبل حجّ النبيّ ﷺ كما ذكره البخاري في أواخر المغازي (٣).
وقيل: كان ذلك في سنة تسع عند منصرفه من تبوك، رواه الواقدي (٤) بإسناده إلى كعب بن مالك.
وقد أخرجه ابن سعد في الطبقات (٥) عنه، ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر.
وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان.
واتفقوا على أنه لم يزل باليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر ثم توجه إلى الشام فمات بها.
واختلف هل كان واليًا أو قاضيًا؟ فجزم ابن عبد البر (٦) بالثاني، والغساني (٧) بالأوّل.
قوله: (تأتي قومًا من أهل الكتاب)، هذا كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا يكون في مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان.
стр. 3547
قوله: (فادعهم إلخ)، إنما وقعت البداءة بالشهادتين لأنهما أصل الدين الذي لا يصحّ بشيء غيرهما إلا بهما، فمن كان منهم غير موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحدًا فالمطالبة له بالجمع بينهما.
قوله: (فإن هم أطاعوك) إلخ، استدلّ به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع (١) حيث دعوا أوّلًا إلى الإيمان فقط، ثم دعوا إلى العمل، ورتب ذلك عليه بالفاء.
وتعقب بأن مفهوم الشرط مختلف في الاحتجاج به، وبأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب، كما أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب، وقد قدمت إحداهما على الأخرى في هذا الحديث، ورتبت الأخرى عليها بالفاء (٢).
قوله: (خمس صلوات)، استدلّ به على أن الوتر ليس بفرض، وكذلك تحية المسجد وصلاة العيد، وقد. [تقدم] (٣) البحث عن ذلك.
قوله: (فإن هم أطاعوك لذلك)، قال ابن دقيق العيد (٤): يحتمل وجهين:
(أحدهما): أن يكون المراد [إقرارهم] (٥) إن هم أطاعوك بوجوبها عليهم والتزامهم بها.
стр. 3548
(والثاني) أن يكون المراد الطاعة بالفعل.
وقد رجح الأوّل بأن المذكور هو الإخبار بالفريضة فتعود الإشارة إليها.
ويرجح الثاني أنهم لو أخبروا بالفريضة فبادروا إلى الامتثال بالفعل لكفى، ولم يشترط التلفظ، بخلاف الشهادتين فالشرط عدم الإنكار والإذعان للوجوب.
وقال الحافظ (١): المراد القدر المشترك بين الأمرين، فمن امتثل بالإقرار أو بالفعل كفاه، أو بهما فأولى.
وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر الصلاة: "فإذا صلوا"، وبعد ذكر الزكاة: "فإذا أقرّوا بذلك فخذ منهم".
قوله: "صدقة"، زاد البخاري في رواية (٢): "في أموالهم"، وفي رواية (٣) [له أخرى] (٤): "افترض عليهم زكاة في أموالهم".
قوله: (تؤخذ من أغنيائهم)، استدلّ به على أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما بنفسه وإما بنائبه، فمن امتنع منهم أخذت منه قهرًا.
قوله: (على فقرائهم)، استدلّ به لقول مالك (٥) وغيره (٦): إنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد.
وفيه بحث كما قال ابن دقيق العيد (٧): لاحتمال أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب في ذلك وللمطابقة بينهم وبين الأغنياء.
قال الخطابي: وقد يستدلّ به من لا يرى على المديون زكاة [ما في يده] (٨) إذا لم يفضل من الدين الذي عليه قدر نصاب لأنه ليس بغنيّ، إذ إخراج ماله مستحقّ لغرمائه.
стр. 3549
قوله: (فإياك وكرائم أموالهم)، كرائم منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره، والكرائم جمع كريمة: أي نفيسة (١).
وفيه دليل على أنه لا يجوز للمصدق أخذ خيار المال لأن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك الإجحاف بالمالك إلا برضاه.
قوله: (واتق دعوة المظلوم)، فيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم.
والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ كرائم الأموال الإشارة إلى أن أخذها ظلم.
قوله: (حجاب)، أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع، والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيًا كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد (٢) مرفوعًا:
стр. 3550
"دعوةُ المظلوم مستجابةٌ، وإن كان فاجرًا ففجره على نفسه"، قال الحافظ (١): وإسناده حسن، وليس المراد أن لله تعالى حجابًا يحجبه عن الناس.
قال المصنف (٢) ﵀ بعد أن ساق الحديث: وقد احتجَّ به على وجوب صرف الزكاة في بلدها، واشتراط إسلام الفقير، وأنها تجب في مال الطفل الغني عملًا بعمومه كما تصرف فيه مع الفقر، انتهى.
وفيه أيضًا دليل على بعث السعاة، وتوصية الإمام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام، وقبول خبر الواحد ووجوب العمل به (٣).
стр. 3551
وإيجاب الزكاة في مال المجنون (١) للعموم أيضًا، وأن من ملك نصابًا لا يعطى من الزكاة من حيث إنه جعل أن المأخوذ منه غنيّ وقابله بالفقير، وأن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة لإضافة الصدقة إلى المال.
وقد استشكل عدم ذكر الصوم والحجّ في الحديث مع أن بعث معاذ كان في آخر الأمر كما تقدم.
وأجاب ابن الصلاح (٢) بأن ذلك تقصير من بعض الرواة.
وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية لاحتمال الزيادة والنقصان.
وأجاب الكرماني (٣) بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر ولهذا كُرِّرا في القرآن، فمن ثَمَّ لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام.
وقيل: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منه بشيء كحديث: "بني الإسلام على خمس" (٤)، فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفى بالأركان الثلاثة: الشهادة والصلاة والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الحج والصوم لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ (٥)، مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج.
٢/ ١٥٣١ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا مِنْ صَاحِبِ
стр. 3552
كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي زَكاتَهُ إِلَّا أُحْمِيَ عَلَيْهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبَاهُ وَجَبْهَتُهُ حَتّى يَحْكُمَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا، إِلَّا بُطِحَ لَهَا بِقَاع قَرْقَرٍ كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ تَسْتَنُّ عَلَيْهِ، كُلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاهَا حَتَّى يَحْكمَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمِ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، ثُمَّ يُرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلى الجَنَّةِ، وَإِمَّا إِلى النَّارِ، وَمَا مِنْ صَاحِبِ غَنَمٍ لا يُؤَدِّي زَكَاتها إلا بُطِحَ لَهَا بِقَاع قَرْقَرٍ كَأَوْفَرِ مَا كَانَتْ فَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ، كَلَّمَا مَضَى عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولاها، حَتَّى يَحْكُمَ الله بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّون، ثُمَّ يُرَى سَبيلهُ، إِمَّا إلى الجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ". قَالُوا: فالخَيْلُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: "الخَيْلُ في نَوَاصِيهَا"؛ أَوْ قَالَ: "الخَيْلُ مَعْقُود في نَوَاصِيهَا الخيْرُ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ؛ الخَيْلُ ثَلاثةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ أجْرٌ، وَبرَجُلٍ سِتْرٌ، وَبرَجُلٍ وِزْرٌ، فأمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ، فَالرَّجُلُ يَتَخِذُها فِي سَبِيلِ اللهِ وَيُعدُّهَا لَهُ فَلا تُغَيِّبُ شَيْئًا فِي بُطُونِهَا إِلَّا كَتَبَ الله لَهُ أَجْرًا، وَلَوْ رَعَاهَا فِي مَرْجٍ فَمَا أَكَلْتَ مِنْ شَيْءٍ إلّا كَتَبَ الله لَهُ بَهَا أجْرًا وَلَوْ سَقَاها مِنْ نَهْرٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ قَطْرةٍ تُغَيِّبُها فِي بُطُونِهَا أَجْرٌ" حتى ذكر الأجْرَ في أَبْوَالِهَا وَأَوْرَاثِها، "وَلَوْ اسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كُتِبَ لَهُ بِكُلّ خَطْوةٍ تَخْطُوهَا أجْرٌ. وَأمَّا الَّذِي هِيَ لَهُ ستْرٌ فَالرَّجُلُ يَتَّخِذُهَا تَكَرُّمًا وَتَجَمُّلًا وَلا يَنْسَى حَقَّ ظُهُورِهَا وَبُطُونِهَا فَي عُسْرِهَا وَيُسْرِها. وَأمَّا الَّتِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ، فَالَّذِي يَتَّخِذُهَا أَشَرًا وَبَطَرًا وَبَذَخًا وَرِياءَ النَّاسِ، فَذَلِكَ الَّذِي هِيَ عَلَيْهِ وِزْرٌ"، قالُوا: فالحُمُرُ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "ما أنْزَلَ الله عَلَيَّ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا هَذِهِ الآيَةَ الجامِعَةَ الفاذَّةَ: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ (١) "، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وَمُسْلِمٌ) (٣). [صحيح]
قوله: (ما من صاحب كنز)، قال الإمام أبو جعفر الطبراني (٤): الكنز كل شيء مجموع بعضه على بعض سواء كان في بطن الأرض أو في ظهرها.
стр. 3553
قال صاحب العين (١) وغيره (٢): وكان مخزونًا.
قال القاضي عياض (٣): اختلف السلف في المراد بالكنز المذكور في القرآن وفي الحديث، فقال أكثرهم: هو كل مال وجبت فيه صدقة الزكاة فلم تؤد. فأما مال أخرجت زكاته فليس بكنز.
وقيل: الكنز هو المذكور عن أهل اللغة، ولكن الآية منسوخة بوجوب الزكاة (٤).
وقيل: المراد بالآية أهل الكتاب المذكورون قبل ذلك.
وقيل: كل ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز وإن أديت زكاته.
وقيل: هو ما فضل عن الحاجة، ولعل هذا كان في أول الإسلام وضيق الحال.
واتفق أئمة الفتوى على القول الأول لقوله ﷺ : "لا تؤدّى زكاته".
وفي صحيح مسلم (٥): "من كان عنده مال لم يؤد [زكاته] (٦) مُثِّلَ
стр. 3554
له [شجاعًا] (١) أقرع"، وفي آخره: "فيقول: أنا كنزك".
وفي لفظ لمسلم (٢) بدل قوله: "ما من صاحب كنز": "ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منهما حقهما".
قوله: (ثم يرى سبيله)، قال النووي (٣): هو بضم الياء التحتية من يرى وفتحها وبرفع لام سبيله ونصبها.
قوله: (إلا بطح لها بقاع قرقر)، القاع: المستوى الواسع في سوي الأرض.
قال الهروي (٤): وجمعه قيعة وقيعان مثل جار وجيرة وجيران. والقرقر بقافين مفتوحتين وراءين أولاهما ساكنة: المستوي أيضًا من الأرض الواسع.
والبطح قال جماعة من أهل اللغة (٥): معناه الإلقاء على الوجه.
قال القاضي عياض (٦): وقد جاء في رواية للبخاري (٧): "تخبط وجهه بأخفافها"، قال: وهذا يقتضي أنه ليس من شرط البطح أن يكون على الوجه، وإنما هو في اللغة بمعنى البسط والمد فقد يكون على وجهه وقد يكون على ظهره، ومنه سميت بطحاء مكة لانبساطها.
قوله: (كأوفر ما كانت)، يعني لا يفقد منها شيء. وفي رواية لمسلم (٨): "أعظم ما كانت".
قوله: (تستن عليه)، أي تجري عليه (٩)، وهو بفتح الفوقية وسكون السين المهملة بعدها فوقية مفتوحة ثم نون مشددة.
قوله: (كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها)، وقع في رواية لمسلم (١٠): "كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها".
стр. 3555
قال القاضي عياض (١): وهو تغيير وتصحيف، وصوابه الرواية الأخرى، يعني المذكورة في الكتاب.
قوله: (ليس فيها عقصاء إلخ)، قال أهل اللغة (٢): العقصاء: ملتوية القرنين، وهي بفتح العين المهملة وسكون القاف بعدها صاد مهملة ثم ألف ممدودة.
والجلحاء بجيم مفتوحة ثم لام ساكنة ثم حاء مهملة: التي لا قرن لها.
قوله: (تنطحه) بكسر الطاء وفتحها لغتان حكاهما الجوهري (٣) وغيره (٤) والكسر أفصح وهو المعروف في الرواية.
قوله: (الخيل في نواصيها الخير)، جاء تفسيره في الحديث الآخر في الصحيح بأنه الأجر والمغنم. وفيه دليل على بقاء الإسلام والجهاد إلى يوم القيامة، والمراد قبيل القيامة بيسير وهو وقت إتيان الريح الطيبة من قبل اليمن التي تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة كما ثبت في الصحيح (٥).
قوله: (فأما التي هي له أجر) هكذا في أكثر نسخ مسلم، وفي بعضها: "فأما الذي هي له [أجرًا] (٦) "، وهي أوضح وأظهر.
قوله: (في مرج) بميم مفتوحة وراء ساكنة ثم جيم، وهو الموضع الذي ترعى فيه الدواب (٧).
قوله: (ولو استنت شرفًا أو شرفين) أي جرت، والشرف (٨) بفتح الشين المعجمة والراء: وهو العالي من الأرض؛ وقيل: المراد طلقًا أو طلقين.
قوله: (أشرًا وبطرًا وبذخًا) قال أهل اللغة: الأشر (٩) بفتح الهمزة والشين المعجمة: المرح واللجاج.
стр. 3556
البطر (١) بفتح الباء [الموحدة] (٢) من أسفل والطاء المهملة ثم راء: هو الطغيان عند الحق.
والبذخ (٣) بفتح الباء الموحدة والذال المعجمة بعدها خاء معجمة: هو بمعنى الأشر والبطر.
قوله: (إلا هذه الآية الفاذة الجامعة)، المراد بالفاذة: القليلة النظير (٤)، وهي بالذال المعجمة المشددة.
والجامعة: العامة المتناولة لكل خير ومعروف. ومعنى ذلك أنه لم ينزل عليّ فيها نص بعينها، ولكن نزلت هذه [الآية] (٥) العامة.
وقد يحتج بهذا من قال: لا يجوز الاجتهاد للنبي ﷺ .
ويجاب بأنه لم يظهر له فيها شيء، ومحل ذلك الأصول (٦).
والحديث يدل على وجوب الزكاة في الذهب والفضة والإبل والغنم.
وقد زاد مسلم (٧) في هذا الحديث: "ولا صاحب بقر إلخ"، قال النووي (٨): وهو أصح حديث ورد في زكاة البقر.
وقد استدل به أبو حنيفة (٩) على وجوب الزكاة في الخيل لما وقع في رواية لمسلم (٧) عند ذكر الخيل: "ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها".
وتأول الجمهور هذا الحديث على أن المراد يجاهد بها.
стр. 3557
وقيل: المراد بالحق في رقابها: الإحسان إليها والقيام بعلفها وسائر مؤنها، والمراد بظهورها إطراق فحلها إذا طلبت عاريته.
وقيل: المراد حق الله مما يكسبه من مالى العدو على ظهورها وهو خُمس الغنيمة، وسيأتي الكلام على هذه الأطراف التي دل الحديث عليها.
قال المصنف (١) ﵀: وفيه دليل أن تارك الزكاة لا يقطع له بالنار وآخره دليل في إثبات العموم، انتهى.
٣/ ١٥٣٢ - (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ لَمَّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ عُمَرَ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إِلَّا الله، فَمَنْ قَالَهَا فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللهِ تَعَالَى"، فَقَالى: والله لأقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَق المَالِ، وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عَناقًا كَانُوا يُؤَدونَها إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ مَا هُوَ إِلا أَنْ قَدْ شَرَحَ الله صَدْرَ أَبي بَكْرٍ لِلْقِتَال، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إِلَّا ابْنِ مَاجَهْ (٢)، لَكِنْ فِي لَفْظِ مُسْلِمٍ (٣) وَالتّرْمِذِيِّ (٤) وَأَبي دَاوُدَ (٥): لَوْ مَنَعُونِي عِقالًا كانُوا يُؤدُّونَهُ، بَدَلَ العَنَاقِ). [صحيح]
قوله: (وكفر من كفر من العرب)، قال الخطابي (٦): أهل الردة كانوا صنفين: صنفًا ارتدوا عن الدين ونبذوا الملة وعدلوا إلى الكفر وهم الذين عناهم أبو هريرة.
وهذه الفرقة طائفتان:
стр. 3558
(إحداهما) أصحاب مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبوة، وأصحاب الأسود العنسي ومن استجابه من أهل اليمن، وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا محمد ﷺ مدعية النبوة لغيره، فقاتلهم أبو بكر حتى قتل مسيلمة باليمامة والعنسي بصنعاء وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم.
(والطائفة الأخرى) ارتدوا عن الدين فأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرهما من أمور الدين وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن يسجد لله في الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس.
قال (١): والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة وبين الزكاة فأنكروا وجوبها ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء على الحقيقة أهل البغي.
وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمان خصوصًا لدخولهم في غمار أهل الردة، وأضيف الاسم في الجملة إلى أهل الردة إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما.
وأرخ [مبتدأ] (٢) قتال أهل البغي من زمن علي بن أبي طالب، إذ كانوا منفردين في زمانه، [يختلطوا] (٣) بأهل الشرك.
وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة [ولا] (٤) يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع فإنهم قد كانوا جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر، فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم.
وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر بن الخطاب، فراجع أبو بكر وناظره واحتج عليه بقول النبي ﷺ : "أمرت أنا أقاتل الناس" (٥) الحديث، وكان هذا من عمر تعلقًا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه،
стр. 3559
فقال له أبو بكر: إن الزكاة حق المال يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال متعلقة بأطراف شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها، فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة، ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه.
وقد اجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم، ومن أبي بكر بالقياس، ودلَّ على ذلك أن العموم يُخَصّ بالقياس (١) وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبر صحته، فلما استقر عند عمر صحة رأي أبي بكر وبان له صوابه تابعه على قتال القوم، وهو معنى قوله: "فعرفت أنه الحق"، يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها والبرهان الذي أقامه نصًا ودلالة.
وقد زعم زاعمون من الرافضة (٢) أن أبا بكر أول من سبى المسلمين، وأن
стр. 3560
القوم كانوا متأولين في منع الصدقة، وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) خطاب خاص في مواجهة النبي ﷺ دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه، وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما كان للنبي ﷺ ، ومثل هذه الشبهة إذا وجدت كان ذلك مما يعذر فيه أمثالهم ويرفع به السيف عنهم.
وزعموا أن قتالهم كان عسفًا، وهؤلاء قوم لا خلاق لهم في الدين، وإنما رأس مالهم البهت والتكذيب والوقيعة في السلف، وقد بينا أن أهل الردة كانوا أصنافًا:
(منهم) من ارتد عن الملة ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره.
(ومنهم) من ترك الصلاة والزكاة وأنكر الشرائع كلها، وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة كفارًا، ولذلك رأى أبو بكر سبي ذراريهم، وساعده على ذلك أكثر الصحابة.
واستولد علي بن أبي طالب جارية من سبي بني حنيفة فولدت له محمد بن الحنفية، ثم لم ينقض عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد لا يسبى (٢).
فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين فإنهم أهل بغي، ولم يسموا على الانفراد كفارًا، وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين.
стр. 3561
وذلك أن الردة اسم لغوي، فكل من انصرف عن أمر كان مقبلًا عليه فقد ارتد عنه، وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق وانقطع عنه اسم الثناء والمدح وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقًّا.
وأما قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١)، وما ادعوه من كون الخطاب خاصًّا برسول الله ﷺ ، فإن خطاب كتاب الله على ثلاثة أوجه:
خطاب عام كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٢) الآية ونحوها.
وخطاب خاص برسول الله ﷺ لا يشركه فيه غيره وهو ما أبين به عن غيره
بسمة التخصيص وقطع التشريك، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً
لَكَ﴾ (٣)، وكقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤).
وخطاب مواجهة للنبي ﷺ ، وهو وجميع أمته في المراد به سواء، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٥)، وكقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٦)، ونحو ذلك.
ومنه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١)، وهذا غير مختص به بل يشاركه فيه الأمة.
والفائدة في مواجهة النبي ﷺ بالخطاب أنه هو الداعي إلى الله والمبين عنه معنى ما أراد، فقدم اسمه ليكون سلوك الأمة في شرائع الدين على حسب ما ينهجه لهم.
وأما (٧) التطهير والتزكية والدعاء منه ﷺ لصاحب الصدقة، فإن الفاعل لها قد ينال ذلك كله بطاعة الله وطاعة رسوله فيها، وكل ثواب [موعود] (٨) على عمل بر كان في زمنه ﷺ فإنه باق غير منقطع.
стр. 3562
قوله: (حتى يقولوا لا إله إلا الله إلخ)، المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلا الله، ويقاتلون ولا يرفع عنهم السيف.
قوله: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكلاة).
قال النووي (١): ضبطناه بوجهين: فرَّق وفرَّق بتشديد الراء وتخفيفها، ومعناه من أطاع في الصلاة وجحد في الزكاة أو منعها.
قوله: (عناقًا) (٢) بفتح العين، بعدها نون: وهو الأنثى من أولاد المعز.
وفي الرواية الأخرى: "عقالًا"، وقد اختلف في تفسيره (٣)، فذهب جماعة إلى أن المراد بالعقال: زكاة عام.
قال النووي (٤): وهو معروف في اللغة كذلك، [وهذا] (٥) قول الكسائي (٦) والنضر بن شميل (٧) وأبي عبيد (٨) والمبرد (٩) وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء.
قال: والعقال الذي هو الحبل الذي يعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة فلا يجوز القتال عليه، فلا يصح حمل الحديث على هذا.
стр. 3563
وذهب كثير من المحققين إلى أن المراد بالعقال: الحبل الذي يعقل به البعير، وهذا القول يحكى عن مالك وابن أبي ذئب وغيرهما، وهو اختيار صاحب التحرير وجماعة من حذاق المتأخرين.
قال صاحب التحرير (١): قول من قال: المراد صدقة عام تعسف وذهاب من طريقة العرب لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد والمبالغة فيقتضي قلة ما علق به العقال وحقارته، وإذا حمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى.
قال النووي (٢): وهذا الذي اختاره هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره، وكذلك أقول أنا.
ثم اختلفوا في المراد بقوله: "منعوني عقالًا"، فقيل: قدر قيمته كما في زكاة الذهب والفضة والمعشرات والمعدن والركاز والفطرة والمواشي في بعض أحوالها، وهو حيث يجوز دفع القيمة.
وقيل: زكاة عقال إذا كان من عروض التجارة.
وقيل: المراد المبالغة ولا يمكن تصويره ويرده ما تقدم.
وقيل: إنه العقال الذي يؤخذ مع الفريضة لأن على صاحبها تسليمها برباطها (٣).
واعلم أنها قد وردت أحاديث صحيحة قاضية بأن مانع الزكاة يقاتل حتى يعطيها، ولعلها لم تبلغ الصدِّيق ولا الفاروق، ولو بلغتهما لما خالف عمر ولا احتج أبو بكر بتلك الججة التي هي القياس.
فمنها ما أخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥) من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا
стр. 3564
رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله".
وأخرج البخاري (١) ومسلم (٢) والنسائي (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله".
وأخرج مسلم (٤) والنسائي (٥) من حديث جابر بن عبد الله نحوه.
وفي الباب أحاديث (٦).
٤/ ١٥٣٣ - (وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ عَن أبيه عَن جَدِّهِ قالَ: سَمعت رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "في كُلّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ فِي كُلّ أَرْبَعِينَ ابنَة لَبُونٍ لَا تُفْرَقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوها، وَشَطْرَ إِبِلِهِ