← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 3560–3599 · переход к 3565.

стр. 3560

القوم كانوا متأولين في منع الصدقة، وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) خطاب خاص في مواجهة النبي ﷺ دون غيره، وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه، وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما كان للنبي ﷺ ، ومثل هذه الشبهة إذا وجدت كان ذلك مما يعذر فيه أمثالهم ويرفع به السيف عنهم. وزعموا أن قتالهم كان عسفًا، وهؤلاء قوم لا خلاق لهم في الدين، وإنما رأس مالهم البهت والتكذيب والوقيعة في السلف، وقد بينا أن أهل الردة كانوا أصنافًا: (منهم) من ارتد عن الملة ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره. (ومنهم) من ترك الصلاة والزكاة وأنكر الشرائع كلها، وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة كفارًا، ولذلك رأى أبو بكر سبي ذراريهم، وساعده على ذلك أكثر الصحابة. واستولد علي بن أبي طالب جارية من سبي بني حنيفة فولدت له محمد بن الحنفية، ثم لم ينقض عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد لا يسبى (٢). فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين فإنهم أهل بغي، ولم يسموا على الانفراد كفارًا، وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين.

стр. 3561

وذلك أن الردة اسم لغوي، فكل من انصرف عن أمر كان مقبلًا عليه فقد ارتد عنه، وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق وانقطع عنه اسم الثناء والمدح وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقًّا. وأما قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١)، وما ادعوه من كون الخطاب خاصًّا برسول الله ﷺ ، فإن خطاب كتاب الله على ثلاثة أوجه: خطاب عام كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ (٢) الآية ونحوها. وخطاب خاص برسول الله ﷺ لا يشركه فيه غيره وهو ما أبين به عن غيره بسمة التخصيص وقطع التشريك، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ (٣)، وكقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤). وخطاب مواجهة للنبي ﷺ ، وهو وجميع أمته في المراد به سواء، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (٥)، وكقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٦)، ونحو ذلك. ومنه قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١)، وهذا غير مختص به بل يشاركه فيه الأمة. والفائدة في مواجهة النبي ﷺ بالخطاب أنه هو الداعي إلى الله والمبين عنه معنى ما أراد، فقدم اسمه ليكون سلوك الأمة في شرائع الدين على حسب ما ينهجه لهم. وأما (٧) التطهير والتزكية والدعاء منه ﷺ لصاحب الصدقة، فإن الفاعل لها قد ينال ذلك كله بطاعة الله وطاعة رسوله فيها، وكل ثواب [موعود] (٨) على عمل بر كان في زمنه ﷺ فإنه باق غير منقطع.

стр. 3562

قوله: (حتى يقولوا لا إله إلا الله إلخ)، المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلا الله، ويقاتلون ولا يرفع عنهم السيف. قوله: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكلاة). قال النووي (١): ضبطناه بوجهين: فرَّق وفرَّق بتشديد الراء وتخفيفها، ومعناه من أطاع في الصلاة وجحد في الزكاة أو منعها. قوله: (عناقًا) (٢) بفتح العين، بعدها نون: وهو الأنثى من أولاد المعز. وفي الرواية الأخرى: "عقالًا"، وقد اختلف في تفسيره (٣)، فذهب جماعة إلى أن المراد بالعقال: زكاة عام. قال النووي (٤): وهو معروف في اللغة كذلك، [وهذا] (٥) قول الكسائي (٦) والنضر بن شميل (٧) وأبي عبيد (٨) والمبرد (٩) وغيرهم من أهل اللغة، وهو قول جماعة من الفقهاء. قال: والعقال الذي هو الحبل الذي يعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة فلا يجوز القتال عليه، فلا يصح حمل الحديث على هذا.

стр. 3563

وذهب كثير من المحققين إلى أن المراد بالعقال: الحبل الذي يعقل به البعير، وهذا القول يحكى عن مالك وابن أبي ذئب وغيرهما، وهو اختيار صاحب التحرير وجماعة من حذاق المتأخرين. قال صاحب التحرير (١): قول من قال: المراد صدقة عام تعسف وذهاب من طريقة العرب لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد والمبالغة فيقتضي قلة ما علق به العقال وحقارته، وإذا حمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى. قال النووي (٢): وهذا الذي اختاره هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره، وكذلك أقول أنا. ثم اختلفوا في المراد بقوله: "منعوني عقالًا"، فقيل: قدر قيمته كما في زكاة الذهب والفضة والمعشرات والمعدن والركاز والفطرة والمواشي في بعض أحوالها، وهو حيث يجوز دفع القيمة. وقيل: زكاة عقال إذا كان من عروض التجارة. وقيل: المراد المبالغة ولا يمكن تصويره ويرده ما تقدم. وقيل: إنه العقال الذي يؤخذ مع الفريضة لأن على صاحبها تسليمها برباطها (٣). واعلم أنها قد وردت أحاديث صحيحة قاضية بأن مانع الزكاة يقاتل حتى يعطيها، ولعلها لم تبلغ الصدِّيق ولا الفاروق، ولو بلغتهما لما خالف عمر ولا احتج أبو بكر بتلك الججة التي هي القياس. فمنها ما أخرجه البخاري (٤) ومسلم (٥) من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا

стр. 3564

رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله". وأخرج البخاري (١) ومسلم (٢) والنسائي (٣) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله". وأخرج مسلم (٤) والنسائي (٥) من حديث جابر بن عبد الله نحوه. وفي الباب أحاديث (٦). ٤/ ١٥٣٣ - (وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ عَن أبيه عَن جَدِّهِ قالَ: سَمعت رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "في كُلّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ فِي كُلّ أَرْبَعِينَ ابنَة لَبُونٍ لَا تُفْرَقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا، مَنْ أَعْطَاهَا مُؤْتَجِرًا فَلَهُ أَجْرُهَا، وَمَنْ مَنَعَهَا فَإِنَّا آخِذُوها، وَشَطْرَ إِبِلِهِ

стр. 3565

عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا ﵎ لَا يَحِل لآل مُحَمَّدٍ مِنْهَا شَيْء"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالنَّسائي (٢) وأَبُو دَاوُد (٣) وقال: "وَشَطْرَ مالِهِ"، وَهُوَ حُجَّةٌ في أخْذِها مِنَ المُمْتَنِعِ وَوُقُوعِهِا مَوْقِعِها). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا الحاكم (٤) والبيهقي (٥). وقال يحيى بن معين (٦): إسناده صحيح إذا كان من دون بهز ثقة. وقد اختلف في بهز فقال أبو حاتم (٧): لا يحتج به. وروى [الحاكم] (٨) عن الشافعي (٩) أنه قال: ليس بهز حجة، وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولو ثبت لقلنا به، وكان قال به في القديم ثم رجع. وسئل أحمد عن هذا الحديث فقال: ما أدري [ما] (١٠) وجهه، وسئل عن إسناده فقال: صالح الإسناد. وقال ابن حبان (١١): لولا هذا الحديث لأدخلت بهزًا في الثقات. وقال ابن حزم (١٢): إنه غير مشهور العدالة. وقال ابن الطلاع: إنه مجهول. وتعقبا بأنه قد وثقه جماعة من الأئمة. وقال ابن عدي (١٣): لم أر له حديثًا منكرًا.

стр. 3566

وقال الذهبي (١): ما تركه عالم قط، وقد تكلم فيه أنه كان يلعب بالشطرنج. قال ابن القطان: وليس ذلك بضائر له، فإن استباحته مسألة فقهية مشتهرة. قال الحافظ: وقد استوفيت الكلام فيه في تلخيص التهذيب (٢). وقال البخاري (٣): بهز بن حكيم يختلفون فيه. وقال ابن كثير: الأكثر لا يحتجون به. وقال الحاكم: حديثه صحيح. وقد حسن له الترمذي عدة أحاديث. ووثقه واحتج به أحمد وإسحاق والبخاري خارج الصحيح، وعلق له فيه، وروى عن أبي داود أنه حجة عنده (٤). قوله: (في كل إبل سائمة)، يدل على أنه لا زكاة في المعلوفة. قوله: (في كل أربعين إلخ)، سيأتي تفصيل الكلام في ذلك. قوله: (لا تفرق إبل عن حسابها)، أي لا يفرق أحد الخليطين ملكه عن ملك صاحبه، وسيأتي أيضًا تحقيقه. قوله: (مؤتجرًا) أي طالبًا للأجر. قوله: (فإنا آخذوها)، استدل به على أنه يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة قهرًا إذا لم يرض رب المال، وعلى أنه يُكتفى بنية الإمام كما ذهب إلى ذلك الشافعي (٥) والهادوية (٦)، وعلى أن ولاية قبض الزكاة إلى الإمام، وإلى ذلك

стр. 3567

ذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه ومالك (١) والشافعي (٢) في أحد قوليه. قوله: (وشطر ماله) أي بعضه. وقد استدل به على أنه يجوز للإمام أن يعاقب بأخذ المال، وإلى ذلك ذهب الشافعي في القديم (٣) من قوليه ثم رجع عنه وقال: إنه منسوخ، وهكذا قال البيهقي (٤) وأكثر الشافعية (٥). قال في التلخيص (٦): وتعقبه النووي (٧) فقال: الذي أدعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الإسلام ليس بثابت ولا معروف، ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ. وقد نقل الطحاوي والغزالي الإجماع على نسخ العقوبة بالمال. وحكى صاحب ضوء النهار (٨) عن النووي أنه نقل الإجماع مثلهما وهو يخالف ما قدمنا عنه فينظر. وزعم الشافعي (٩) أن الناسخ حديث ناقة البراء (١٠)، لأنه ﷺ حكم عليه بضمان ما أفسدت، ولم ينقل أنه ﷺ في تلك القضية أضعف الغرامة.

стр. 3568

ولا يخفى أن تركه ﷺ للمعاقبة بأخذ المال في هذه القضية لا يستلزم الترك مطلقًا ولا يصلح للتمسك به على عدم الجواز وجعله ناسخًا البتة. وقد ذهب إلى جواز المعاقبة بالمال الإمام يحيى والهادوية (١).

стр. 3569

وقال في الغيث (١): لا أعلم في جواز ذلك خلافًا بين أهل البيت. واستدلوا بحديث بهز هذا (٢) وبهمِّ النبي ﷺ بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة (٣)، وقد تقدم في الجماعة. وبحديث عمر عند أبي داود (٤) قال: قال النبي ﷺ : "إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه"، وفي إسناده صالح بن محمد بن زائدة المديني (٥). قال البخاري (٦): عامة أصحابنا يحتجون به وهو باطل. وقال الدارقطني (٧): أنكروه على صالح ولا أصل له، والمحفوظ أن سالمًا أمر بذلك في رجل غل في غزاة مع الوليد بن هشام. قال أبو داود (٨): وهذا أصح. وبحديث ابن عمرو بن العاص عند أبي داود (٩) والحاكم (١٠) والبيهقي (١١) أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغالِّ وضربوه.

стр. 3570

وفي إسناده زهير بن محمد (١)، قيل: هو الخراساني، وقيل: غيره، وهو مجهول؛ وسيأتي الكلام على هذا الحديث في كتاب الجهاد (٢) وله شاهد مذكور هنالك. وبحديث أن سعد بن أبي وقاص سلب عبدًا وجده يصيد في حرم المدينة وقال: سمعت النبي ﷺ يقول: "من وجدتموه يصيد فيه فخذوا سلبه"، أخرجه مسلم (٣). وبحديث تغريم كاتم الضالة أن يردها ومثلها (٤). وحديث تضمين من أخرج غير ما يأكل من الثمر المعلق مثليه، كما أخرجه أبو داود (٥) وسكت عنه هو (٦) والمنذري (٧) من حديث عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ سئل عن الثمر المعلق فقال: "من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق

стр. 3571

منه شيئًا بعد أن تؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة"، وأخرج نحوه النسائي (١) والحاكم (٢) وصححه، وسيأتي في كتاب السرقة (٣). ومن الأدلة قضية المددي الذي أغلظ لأجله الكلام عوف بن مالك على خالد بن الوليد لما أخذ سلبه، فقال النبي ﷺ : "لا ترد عليه"، أخرجه مسلم (٤). وبإحراق عليِّ بن أبي طالب لطعام المحتكرين (٥)، ودور قوم يبيعون الخمر (٦)، وهدمه دار جرير بن عبد الله، ومشاطرة عمر لسعد بن أبي وقاص في ماله الذي جاء به من العمل الذي بعثه إليه، وتضمينه لحاطب بن أبي بلتعة مثلي قيمة الناقة التي غصبها عبيده وانتحروها (٧)، وتغليظه هو وابن عباس الدية على

стр. 3572

من قتل في الشهر الحرام في البلد الحرام (١). وقد أجيب عن هذه الأدلة بأجوبة: أما عن حديث بهز فبما فيه من المقال، وبما رواه ابن الجوزي في جامع المسانيد، والحافظ في التلخيص (٢) عن إبراهيم الحربي أنه قال: في سياق هذا المتن لفظة وهم فيها الراوي، وإنما هو: "فإنا آخذوها من شطر ماله"، أي يجعل ماله شطرين ويتخير عليه المصدق ويأخذ الصدقة من خير الشطرين عقوبة لمنعه الزكاة، فأما ما لا يلزمه فلا، [وبما] (٣) قال بعضهم: إن لفظة: "وشطر ماله" بضم الشين المعجمة وكسر الطاء المهملة فعل مبني للمجهول، ومعناه: جعل ماله شطرين يأخذ المصدق الصدقة من أي شطرين أراد. ويجاب عن القدح بما في الحديث من المقال بأنه مما لا يقدح بمثله (٤). وعن كلام الحربي وما بعده بأن الأخذ من خير الشطرين صادق عليه اسم العقوبة بالمال لأنه زائد على الواجب. وأما حديث هم النبي ﷺ بالإحراق (٥). فأجيب عنه بأن السنة أقوال وأفعال وتقريرات والهم ليس من الثلاثة. ويرد بأنه ﷺ لا يهم إلا بالجائز. وأما حديث عمر فيما فيه من المقال المتقدم (٦). وكذلك أجيب عن حديث ابن عمرو (٧). وأما حديث سعد بن أبي وقاص (٨) فبأنه من باب الفدية كما يجب على من

стр. 3573

يصيد صيد مكة، وإنما عين ﷺ نوع الفدية هنا بأنها سلب العاضد فيقتصر على السبب لقصور العلة التي هي هتك الحرمة عن التعدية. وأما حديث تغريم كاتم الضالة (١)، والمخرج غير ما يأكل من الثمر (٢). وقضية المددي (٣) فهي واردة على سبب خاص فلا يجاوز بها إلى غيره؛ لأنها وسائر أحاديث الباب مما ورد على خلاف القياس لورود الأدلة كتابًا وسنة بتحريم مال الغير. قال الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً﴾ (٤)، ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ (٥). وقال ﷺ خطبة حجة الوداع: "إنما دماؤكم وأموالكم وأعراضكم" الحديث قد تقدم (٦). وقال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" (٧).

стр. 3574

وأما تحريق عليّ طعام المحتكر ودور القوم وهدمه دار جرير فبعد تسليم صحة الإسناد إليه، وانتهاض فعله للاحتجاج به يجاب عنه بأن ذلك من قطع ذرائع الفساد كهدم مسجد الضرار وتكسير المزامير. وأما المروي عن عمر من ذلك. فيجاب عنه بعد ثبوته بأنه أيضًا قول صحابي لا ينتهض للاحتجاج به ولا يقوى على تخصيص عمومات الكتاب والسنة، وكذلك المروي عن ابن عباس. قوله: (عزمة من عزمات ربنا)، قال في البدر المنير: عزمة خبر مبتدأ محذوف تقديره ذلك عزمة. وضبطه صاحب "إرشاد الفقه" بالنصب على المصدر، وكلا الوجهين جائز من حيث العربية. ومعنى العزمة في اللغة: الجدّ في الأمر. وفيه دليل على أن أخذ ذلك واجب مفروض من الأحكام. والعزائم: الفرائض كما في كتب اللغة (١). [الباب الثاني] باب صدقة المواشي ٥/ ١٥٣٤ - (عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُمْ: إِنَّ هَذِهِ فَرَائِضَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ على المُسْلِمِينَ الَّتِي أَمَرَ الله بِهَا وَرَسُولُهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَ ذَلِكَ فَلَا يُعْطِهِ فِيمَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنَ الإِبِلِ، وَالغَنَمُ فِي كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ فَفِيها ابْنَةُ مَخَاضٍ إلى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ؛ فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًا وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا ابْنَةُ

стр. 3575

لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وأرْبَعِينَ، فإذا بَلَغَتْ سِتًّا وأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الفَحْلِ إلى سِتِّين؛ فإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ؛ فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ إِلى تِسْعِينَ؛ فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَتِسْعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الفَحْلِ إِلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ، فإِذَا زَادَتْ عَلى عِشْرِينَ وَمائَةٍ، فَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ؛ فَإِذَا تَبَايَنَ أَسْنَانُ الإِبِلِ فِي فَرَائِضِ الصَّدَقَاتِ، فَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ ويُجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنِ اسْتَيْسَرَتَا له أوْ عِشْرِينَ دِرْهمًا؛ وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ وعِنْدَهُ ابْنَةُ لبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ وَيجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا؛ وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا حِقَّةٌ فإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، ويُعْطِيه المُصَّدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ؛ وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ ابْنَةُ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ ابْنَةُ مَخَاضٍ فإنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ ويُجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا؛ وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةُ ابْنَةِ مَخَاضٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ إِلَّا ابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْء؛ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وفِي صَدَقَةِ الغَنَمِ فِي سَائِمَتِها إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ فَفِيهَا شَاةٌ إلى عِشْرِينَ وَمائَةٍ، فإذَا زَادَتْ فَفِيهَا شاتَانِ إلى مائَتَيْنِ، فإذَا زَادَتْ وَاحِدَةً فَفِيهَا ثَلاثُ شِياهٍ إلى ثَلاثِمائَةٍ، فإذَا زَادَتْ فَفِي كُلّ مائَةٍ شاةٌ؛ ولا يُؤْخَذُ فِي الصدَقَةِ هَرِمَةٌ وَلا ذَاتُ عَوَارٍ ولا تَيْسٌ إلَّا أنْ يَشَاءَ المُصَّدِّقُ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بالسَّوِيَّة؛ وإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيء إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. وَفِي الرِّقَةِ رُبْعُ العُشْرِ، فإذَا لَمْ يَكُنِ المَالُ إِلَّا تِسْعِينَ وَمائَةً فَلَيْسَ فِيهَا شَيْء إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١)

стр. 3576

وَالنَّسَائيُّ (١) وَأَبُو دَاوُدَ (٢) وَالبُخَارِيُّ وَقَطَعَهُ فِي عَشْرَةِ مَوَاضِعَ (٣). وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٤) كَذَلِكَ، وَلَهُ (٥) فِيهِ فِي رِوَايَةٍ فِي صَدَقَةِ الإِبِلِ: فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَمائَةً فَفِي كُلّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي كُلّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيح وَرُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثقَاتٌ). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا الشافعي (٦) والبيهقي (٧) والحاكم (٨). قال ابن حزم (٩): هذا كتاب في نهاية الصحة عمل به الصديق بحضرة العلماء ولم يخالفه أحد. وصححه ابن حبان (١٠) أيضًا وغيره. قوله: (أن أبا بكر كتب لهم)، في لفظ للبخاري (١١): "إن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله ﷺ على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله". قوله: (التي فرض رسول الله) معنى فرض هنا: أوجب أو شرع، يعني بأمر الله تعالى. وقيل: معناه قدر؛ لأن إيجابها ثابت بالكتاب فيكون المعنى أن رسول الله ﷺ بين ذلك. قال في الفتح (١٢): وقد يرد الفرض بمعنى البيان كقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ (١٣)، وبمعنى الإنزال كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ

стр. 3577

عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ (١)، وبمعنى الحل كقوله: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ (٢)، وكل ذلك لا يخرج عن معنى التقدير. ووقع استعمال الفرض بمعنى اللزوم حتى يكاد يغلب عليه وهو لا يخرج عن معنى التقدير. وقد قال الراغب (٣): كل شيء ورد في القرآن فرض على فلان فهو بمعنى الإلزام، وكل شيء ورد فرض له فهو بمعنى لم يحرمه عليه. وذكر أن معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ (١) أي أوجب عليك العمل به، وهذا يؤيد قول الجمهور أن الفرض مرادف للوجوب (٤). وتفريق

стр. 3578

الحنفية بين الفرض والواجب باعتبار ما يثبتان به لا مشاحة فيه، وإنما النزاع في حمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة على ذلك؛ لأن اللفظ السابق لا يحمل على الاصطلاح الحادث، انتهى. قوله: (ورسوله)، في نسخة: "رسوله" بدون واو، وهو الصواب كما في البخاري (١) وغيره (٢). قوله: (ومن سئل فوق ذلك فلا يعطه)، أي من سئل زائدًا على ذلك في سن أو عدد فله المنع. ونقل الرافعي (٣) الاتفاق على ترجيحه. وقيل: معناه: فليمنع الساعي وليتول هو إخراجه بنفسه أو يدفعها إلى ساع آخر، فإن الساعي الذي طلب الزيادة يكون بذلك متعديًا وشرطه أن يكون أمينًا. قال الحافظ (٤): لكن محل هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل، انتهى. ولعله يشير بهذا إلى الجمع بين هذا الحديث وحديث: "أرضوا مصدّقيكم" عند مسلم (٥) من حديث جرير، وحديث: "سيأتيكم ركب مبغضون فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم"، أخرجه أبو داود (٦) من حديث جابر بن عتيك.

стр. 3579

وفي لفظ للطبراني (١) من حديث سعد بن أبي وقاص: "ادفعوا إليهم ما صلوا الخمس"، فتكون هذه الأحاديث محمولة على أن للعامل تأويلًا في طلب الزائد على الواجب. قوله: (الغنم) هو مبتدأ وما قبله خبره، وهو يدل على أن إخراج الغنم فيما دون خمس وعشرين من الإبل متعين، واليه ذهب مالك (٢) وأحمد (٣) فلا يجزي عندهما إخراج بعير عن أربع وعشرين. وقال الشافعي (٤) والجمهور (٥): يجزي لأنه إذا أجزأ في خمس وعشرين فإجزاؤه فيما دونها بالأولى. قال في الفتح (٦): ولأن الأصل أن يجب في جنس المال، وإنما عدل عنه رفقًا بالمالك، فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه، فإن كانت قيمة البعير مثلًا دون قيمة أربع شياه ففيه خلاف عند الشافعية (٧) وغيرهم، والأقيس أنه لا يجزي، انتهى. قوله: (في كل خمس ذود شاة)، الذود (٨): بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها دال مهملة، قال الأكثر: هو من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له من لفظه. وقال أبو عبيد (٩): من الاثنين إلى العشرة. قال: وهو مختص بالإناث. وقال سيبويه (١٠): تقول ثلاث ذود؛ لأن الذود مؤنث وليس باسم كسر عليه مذكر.

стр. 3580

وقال القرطبي (١): أصله ذاد يذود إذا دفع شيئًا فهو مصدر، فكأن من كان عنده دفع عن نفسه معرة الفقر وشدة. الفاقة والحاجة. وقال ابن قتيبة (٢): إنه يقع على الواحد فقط، وأنكر أن يراد بالذود الجمع. وقال: لا يصح أن يقال خمس ذود، كما لا يصح أن يقال خمس ثوب، وغلطه بعض العلماء في ذلك. وقال أبو حاتم السجستاني (٣): تركوا القياس في الجمع فقالوا: خمس ذود لخمس من الإبل كما قالوا ثلثمائة على غير قياس. قال القرطبي (٤): وهذا صريح في أن الذود واحد في لفظه. قال الحافظ (٥): والأشهر ما قاله المتقدمون أنه لا يطلق على الواحد. قوله: (فإذا بلغت خمسًا وعشرين ففيها ابنة مخاض)، بنت المخاض بفتح الميم بعدها خاء معجمة خفيفة وآخره ضاد معجمة: هي التي أتى عليها حول ودخلت في الثاني وحملت أمها، والماخض: الحامل. والمراد أنه قد دخل وقت حملها وإن لم تحمل، وهذا يدل على أنه يجب في الخمس والعشرين إلى الخمس والثلاثين بنت مخاض، وإليه ذهب الجمهور (٦). وأخرج ابن أبي شيبة (٧) وغيره عن علي أن في الخمس والعشرين خمس شياه، فإذا صارت ستًا وعشرين كان فيها بنت مخاض. وقد روي عنه هذا مرفوعًا وموقوفًا.

стр. 3581

قال الحافظ (١): وإسناده المرفوع ضعيف. قوله: (فابن لبون ذكر) هو الذي دخل في السنة الثالثة، وصارت أمه لبونًا بوضع الحمل. وقوله ذكر تأكيد لقوله ابن لبون. وفيه دليل على جواز العدول إلى ابن اللبون عند عدم بنت المخاض. قوله: (ابنة لبون) زاد البخاري (٢): "أنثى". قوله: (حِقَّة)، الحقة بكسر المهملة وتشديد القاف والجمع حقاق بالكسر [والتخفيف] (٣)، وطروقة الفحل بفتح أوله: أي مطروقة كحلوبة بمعنى محلوبة، والمراد أنها بلغت أن يطرقها الفحل، وهي التي أتت عليها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة (٤). قوله: (ففيها جذعة)، الجذعة (٥): بفتح الجيم والذال المعجمة، وهي التي أتى عليها أربع سنين ودخلت في الخامسة. قوله: (ففي كل أربعين بنت لبون)، المراد أنه يجب بعد مجاوزة المائة والعشرين بواحدة في كل أربعين بنت لبون، فيكون الواجب في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وإلى هذا ذهب الجمهور (٦)، ولا اعتبار بالمجاوزة بدون واحدة كنصف أو ثلث أو ربع خلافًا للإصطخري (٧) فقال: يجب ثلاث بنات لبون بزيادة بعض واحدة.

стр. 3582

ويرد عليه ما عند الدارقطني (١) في آخر هذا الحديث وما في كتاب عمر الآتي (٢) بلفظ: "فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة"، ومثله في كتاب عمرو بن حزم (٣). وإلى ما قاله الجمهور ذهب الناصر والهادي في الأحكام (٤)، حكى ذلك عنهما المهدي في البحر (٥). وحكى في البحر (٦) أيضًا عن علي وابن مسعود والنخعي وحماد والهادي وأبي طالب والمؤيد بالله وأبي العباس أن الفريضة تستأنف بعد المائة والعشرين، فيجب في الخمس شاة ثم كذلك. واحتج لهم بقوله ﷺ : "وما زاد على ذلك استؤنفت الفريضة"، وهذا إن صح كان محمولًا على الاستئناف المذكور في الحديث: أعني إيجاب بنت اللبون في كل أربعين، والحقة في كل خمسين جمعًا بين الأحاديث. لا يقال: إنه يرجح حديث الاستئناف بمعنى الرجوع إلى إيجاب شاة في كل خمس إلى خمس وعشرين على حسب التفصيل المتقدم بأنه متضمن للإيجاب، يعني إيجاب شاة مثلًا في الخمس الزائدة على مائة وعشرين، وحديث الباب (٧) وما في معناه متضمن للإسقاط. لأنا نقول هو وهم ناشئ من قوله: "وإذا زادت ففي كل أربعين"، فظن أن معناه في كل أربعين من الزيادة فقط وليس كذلك، بل معناه في كل أربعين من الزيادة والمزيد.

стр. 3583

وحكى في الفتح (١) عن أبي حنيفة (٢) مثل قول علي وابن مسعود ومن معهما. وقيده في البحر (٣) بأنه يقول بذلك إلى مائة وخمس وأربعين، ثم له فيما زاد روايتان كالمذهب الأول وكالمذهب الثاني. قوله: (ويجعل معها شاتين إلخ)، فيه دليل على أنه يجب على المصدق قبول ما هو أدون، ويأخذ التفاوت من جنس غير جنس الواجب، وكذا العكس. وذهبت الهادوية (٤) إلى أن الواجب إنما هو زيادة فضل القيمة من المصدق أو رب المال، ويرجع في ذلك إلى التقويم. لكن أجاب الجمهور (٥) عن ذلك بأنه لو كان كذلك لم ينظر إلى ما بين السنين في القيمة، وكان العرض يزيد تارة وينقص أخرى لاختلاف ذلك في الأمكنة والأزمنة، فلما قدر الشارع التفاوت بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص كان ذلك هو الواجب في الأصل في مثل ذلك، ولولا تقدير الشارع بذلك لتعينت بنت المخاض مثلًا، ولم يجز أن تبدل ابن لبون مع التفاوت. وذهب أبو حنيفة (٦) إلى أنه يرجع إلى القيمة فقط عند التعذر. وذهب زيد بن علي إلى أن الفضل بين كل ستين شاة أو عشرة دراهم. قوله: (إلا أن يشاء ربها) أي إلا أن يتطوع متبرعًا. قوله: (فإذا زادت ففيها شاتان)، قد ورد ما يدل على تعيين أقل المراد من هذه الزيادة المطلقة؛ ففي كتاب عمرو بن حزم (٧): "فإذا كانت إحدى وعشرين حتى تبلغ مائتين ففيها شاتان"، وقد تقدم خلاف الإصطخري (٨) في ذلك.

стр. 3584

قوله: (ففي كل مائة شاة)، مقتضاه أنها لا تجب الشاة الرابعة حتى توفي أربعمائة شاة، وهو مذهب الجمهور (١). وعن بعض الكوفيين (٢) والحسن بن صالح (٣) ورواية عن أحمد (٤): إذا زادت على الثلثمائة واحدة وجبت الأربع. قوله: (هرمة) بفتحة الهاء وكسر الراء: هي الكبيرة التي سقطت أسنانها. قوله: (ولا ذات عوار) بفتح العين المهملة وضمها، وقيل: بالفتح (٥) فقط: أي معيبة، وقيل: بالفتح: العيب، وبالضم: العور. واختلف في مقدار ذلك، فالأكثر على أنه ما ثبت به الرد في البيع، وقيل: ما يمنع الإجزاء في الأضحية، ويدخل في المعيب المريض والذكر بالنسبة إلى الأنثى والصغير بالنسبة إلى سن أكبر منه (٦). قوله: (ولا تيس) بتاء فوقية مفتوحة وياء تحتية ساكنة ثم سين مهملة: وهو فحل الغنم (٧). قوله: (إلا أن يشاء المصدق)، قال في الفتح (٨): اختلف في ضبطه، يعني

стр. 3585

المصدق، فالأكثر على أنه بالتشديد، والمراد المالك وهذا اختيار أبي عبيد (١). وتقدير الحديث: لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلًا، ولا يأخذ التيس إلا برضا المالك لكونه محتاجًا إليه، ففي أخذه بغير اختياره إضرار به، وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث. ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد وهو الساعي، وكأنه أشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل فلا يتصرف بغير المصلحة فيتقيد بما تقتضيه القواعد، وهذا قول الشافعي (٢) انتهى. قوله: (ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة). قال في الفتح (٣): قال مالك في الموطأ (٤): معنى هذا أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة فيجمعونها حتى لا يجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخليطين مائتا شاة وشاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فيفرقونها حتى لا يكون على كل واحد منهما إلا شاة واحدة. وقال الشافعي (٥): هو خطاب لرب المال من جهة والساعي من جهة، فأمر كل واحد منهما ألَّا يحدث شيئًا من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر، فمعنى قوله: "خشية الصدقة" أي خشية أن تكثر أو تقل؛ فلما كان محتملًا للأمرين لم يكن الحمل على أحدهما أولى من الآخر، فحمل عليهما معًا، لكن الذي يظهر أن حمله على المالك أظهر. واستدل به على أنه من كان عنده دون النصاب من الفضة ودون النصاب من الذهب مثلًا أنه لا يجب ضم بعضه إلى بعض حتى يصير نصابًا كاملًا فيجب عليه فيه الزكاة.

стр. 3586

خلافًا لمن قال بالضم كالمالكية (١) والهادوية (٢) والحنفية (٣). واستدل به أحمد (٤) على أن من كان له ماشية ببلد لا تبلغ النصاب وله ببلد آخر ما يوفيه منها أنها لا تضم. قال ابن المنذر (٥) وخالفه الجمهور: فقالوا: تجمع على صاحب المال أمواله ولو كانت في بلدان شتى ويخرج منها الزكاة. واستدل به أيضًا على إبطال الحيل والعمل على المقاصد المدلول عليها بالقرائن. قوله: (وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)، قال في الفتح (٦): اختلف في المراد بالخليطين؛ فعند أبي حنيفة (٧) أنهما الشريكان، قال: ولا يجب على أحد منهما فيما يملك إلا مثل الذي كان يجب عليهما لو لم يكن خلط. وتعقبه ابن جرير بأنه لو كان تفريقها مثل جمعها في الحكم لبطلت فائدة الحديث، وإنما نهى عن أمر لو فعله كان فيه فائدة، ولو كان كما قال لم يكن لتراجع الخليطين بينهما بالسوية معنى. ومثل تفسير أبي حنيفة روى البخاري (٨) عن سفيان، وبه قال مالك (٩)

стр. 3587

والشافعي (١) وأحمد (٢) وأصحاب الحديث: إذا بلغت ماشيتهما النصاب زكيا، والخلط عندهم أن يجتمعا في المسرح والمبيت والحوض والفحل، والشركة أخص منها. ومثل ذلك روى سفيان في جامعه (٣) عن عمر، والمصير إلى هذا التفسير متعين. ومما يدل على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكًا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ (٤)، وقد بينه قبل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ (٥). واعتذر بعضهم عن الحنفية بأن الحديث لم يبلغهم، أو أرادوا أن الأصل "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" (٦)، وحكم الخليط يخالفه، يرده بأن ذلك مع الانفراد وعدم الخلطة، لا إذا انضم ما دون الخمس إلى عدد الخليط يكون به الجميع نصابًا فإنه يجب تزكية الجميع لهذا الحديث وما ورد في معناه، ولا بد من الجمع بهذا. ومعنى التراجع كما قال الخطابي (٧) أن يكون بينهما أربعون شاة مثلًا لكل واحد منهما عشرون قد عرف كل منهما عين ماله، فيأخذ المصدق من أحدهما شاة فيرجع المأخوذ من ماله على خليطه بقيمة نصف شاة وهي تسمى خلط الجوار. قوله: (وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة)، لفظ الشاة

стр. 3588

الأول منصوب على أنه مميز عدد أربعين، ولفظ الشاة الثاني منصوب أيضًا على أنه مميز نسبة ناقصة إلى السائمة. قوله: (وفي الرقة) بكسر الراء وتخفيف القاف: هي الفضة الخالصة، سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة (١). قال الحافظ (٢): قيل: أصلها الورِق فحذفت الواو وعوضت الهاء، وقيل: تطلق على الذهب والفضة بخلاف الورق، وعلى هذا قيل: إن الأصل في زكاة النقدين نصاب الفضة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا درهم فضة خالصة وجبت فيه الزكاة وهي ربع العشر (٣)، وهذا قول الزهري، وخالفه الجمهور، وسيأتي البحث عن ذلك في باب زكاة الذهب والفضة (٤). ٦/ ١٥٣٥ - (وَعَنِ الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قدْ كَتَبَ الصَّدَقَةَ وَلَمْ يُخْرِجْهَا إلى عُمَّالِهِ حَتى تُوُفِّيَ، قَالَ: فَأَخْرَجَها أَبُو بَكْرٍ مِنْ بَعْدِهِ فَعَمِلَ بِهَا حَتَّى تُوُفِّيَ؛ ثُمَّ أَخْرَجَهَا عُمَرُ مِنْ بَعْدِهِ فَعَمِلَ بِهَا، قَالَ: فَلَقَدْ هَلَكَ عُمَرُ يَوْمَ هَلَكَ وَإِنَّ ذَلِكَ لَمَقْرُونٌ بِوَصِيَّتِهِ، قَالَ: فَكَانَ فِيهَا فِي الْإِبِلِ فِي خَمْسٍ شَاةٍ حَتَّى تَنْتَهِي إِلَى أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ؛ فَإذَا بَلَغَتْ إِلى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ بِنْتُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ؛ فَإِذَا زَادَتْ على خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ، فَإِذَا زَادَتْ وَاحِدَة فَفِيهَا حِقَّةٌ إِلى سِتِّينَ؛ فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا جَذَعَةٌ إِلى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ؛ فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا ابْنَتَا لَبُونٍ إلَى تِسْعِينَ؛ فإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا حِقَّتَانِ إِلى عِشْرِينَ وَمائَةٍ؛ فَإِذَا كَثُرَتِ الْإِبِلُ فَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّة وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ ابْنَةُ لَبُونٍ. وَفِي الغَنَمِ مِنْ أَرْبَعِينَ شاةً شاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ شَاةٌ فَفِيهَا شَاتَانِ إلَى مائَتَيْنِ، فَإِذَا زَادَتْ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلَاثِمَائَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ بَعْدُ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ حَتَّى تَبْلُغَ أَرْبَعَمائَةٍ، فَإِذَا كَثُرَتْ الغَنَمُ فَفِي كُلّ مائَةٍ شَاةٌ، وَكَذَلِكَ لا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ مَخَافَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ

стр. 3589

فَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بِالسَّوِيَّةِ لا تُؤْخَذُ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَيْبٍ مِنَ الْغَنَمِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَأَبُو دَاوُدَ (٢) وَالتِّرْمِذِيُّ (٣) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ [صحيح] وَفِي هَذَا الخَبَرِ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيّ عَنْ سَالِمٍ مُرْسَلًا: فَإِذَا كَانَتْ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَمائَةً فَفِيها ثَلاثُ بَناتٍ لَبُونٍ حتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَعِشْرينَ وَمائَةً، فإذَا كَانَتْ ثَلَاثِينَ وَمائَةً فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ وَحِقَّةٌ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَثَلاثِينَ وَمائَةً، فَإِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ وَمائَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَبِنْتُ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَأَرْبَعِينَ وَمائَةً، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلاثُ [حِقَاقٍ] (٤) حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَخَمْسِينَ وَمِائَةً، فَإِذَا كَانَتْ ستّينَ وَمِائَةً فَفِيهَا أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَسِتِّينَ وَمائَةً، فَإِذَا كانَتْ سَبْعِينَ وَمائَةً فَفِيها ثلَاثٌ بَنَاتٍ لَبُونٍ وَحِقَّةٌ حتى تبلُغَ تِسْعًا وَسَبْعِينَ ومائَةً فَإِذَا بَلَغَتْ ثَمَانِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا حِقَّتَانِ وَابْنَتَا لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَثَمَانِينَ وَمِائةً، فَإِذَا كَانَتْ تِسْعِينَ وَمِائَةً فَفِيهَا ثَلاثُ حِقَاقٍ وَابْنَةُ لَبُونٍ حَتَّى تَبْلُغَ تِسْعًا وَتِسْعِينَ وَمائَةٍ، فَإِذَا كَانَتْ مائَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ أَيُّ السِّنَّينَ وَجَدْتَ أَخَذْتَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٥). [صحيح] الحديث أخرج المرفوع منه أيضًا الدارقطني (٦) والحاكم (٧) والبيهقي (٨). ويقال: تفرد بوصله سفيان بن حسين (٩) وهو ضعيف في الزهري خاصة، والحفاظ من أصحاب الزهري لا يصلونه.

стр. 3590

رواه أبو داود (١) والدارقطني (٢) والحاكم (٣) عن أبي كريب عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري قال: هذه نسخة كتاب رسول الله ﷺ الذي كتب في الصدقة وهي عند آل عمر. قال ابن شهاب: أقرأنيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها على وجهها، وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله وسالم ابني عبد الله بن عمر فذكر الحديث. وقال البيهقي (٤): تابع سفيان بن حسين على وصله سليمان بن كثير. وأخرجه [أيضًا] (٥) ابن عدي (٦) من طريقه، ولكنه كما قال الحافظ (٧): لين في الزهري. وقد اتفق الشيخان على إخراج حديث سليمان بن كثير (٨) والاحتجاج به. وأخرج مسلم حديث سفيان بن حسين واستشهد به البخاري (٩). قال الترمذي في كتاب العلل (١٠): سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: أرجو أن يكون محفوظًا وسفيان بن حسين صدوق، انتهى. وضعف ابن معين هذا الحديث وقال: تفرد به سفيان بن حسين، ولم يتابع

стр. 3591

سفيان أحد عليه، وسفيان (١) ثقة دخل مع يزيد بن المهلب خراسان وأخذوا عنه. وفي رواية للدارقطني (٢) في هذا الحديث: "إن في خمس وعشرين خمس شياه"، وضعفها لأنها من طريق سليمان بن أرقم (٣) عن الزهري وهو ضعيف. واعلم أن المرفوع من هذا الحديث هو بعض من حديث أنس السابق وقد تقدم شرحه. قوله: (ففيها بنتا لبون وحقة)، الحقة عن خمسين وبنتا اللبون عن ثمانين، وكذلك إذا بلغت مائة وأربعين ففيها حقتان عن مائة وبنت لبون عن أربعين. وإذا بلغت مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق عن كل خمسين حقة، وإذا بلغت مائة وستين ففيها أربع بنات لبون عن كل أربعين واحدة. وإذا بلغت مائة وسبعين ففيها ثلاث بنات لبون عن مائة وعشرين، وحقة عن خمسين. وإذا بلغت مائة وثمانين ففيها حقتان عن مائة وابنتا لبون عن ثمانين. وإذا بلغت مائة وتسعين ففيها ثلاث حقاق عن مائى وخمسين وبنت لبون عن أربعين. وإذا بلغت مائتين ففيها أربع حقاق عن كل خمسين حقة أو خمس بنات لبون عن كل أربعين واحدة". وهذا لا يخالف ما تقدم في حديث أنس لأن قوله فيه: "ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة" معناه مثل هذا لا فرق بينه وبينه إلا أنه مجمل وهذا مفصل. وزاد أبو داود (٤) في هذا الحديث بعد قوله: "ولا ذات عيب" فقال: وقال

стр. 3592

الزهري: إذا جاء المصدق قسمت الشياه أثلاثًا: ثلثًا شرارًا، وثلثًا خيارًا، وثلثًا وسطًا، فيأخذ المصدق من الوسط. ٧/ ١٥٣٦ - (وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله ﷺ إِلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلّ ثَلَاثِينَ مِنَ البَقَرِ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ كُلّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلّ حَالِمٍ دِينارًا أَوْ عِدْلِهِ مَعافِر. رَوَاهُ الخَمْسَةُ (١) وَلَيْسَ لابْنِ مَاجَهْ فِيهِ حُكْمُ الحالِمِ). [صحيح] ٨/ ١٥٣٧ - (وَعَنْ يَحْيَى بْنِ الحَكَمِ أن مُعَاذًا قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ الله ﷺ أَصْدُقُ أَهْلَ اليَمَنِ، فَأَمَرَنِي أن آخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مِنْ كُلّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، وَمِنْ كُلّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، فَعَرَضُوا عَلَيَّ أَنْ آخُذَ مَا بَيْنَ الأَرْبَعِينَ وَالْخَمْسِينَ، وَمَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ، وَمَا بَيْنَ الثَّمَانِينَ وَالتِّسْعِينَ، فَقَدِمْتُ فَأخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ فأَمَرَنِي أن لا آخُذَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَزَعَمَ أن الأَوْقَاصَ لا فَرِيضَةَ فِيهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٢). [بسند ضعيف] الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان (٣) وصححه الدارقطني (٤)

стр. 3593

والحاكم (١) وصححه أيضًا من رواية أبي وائل عن مسروق عن معاذ. ورواه أبو داود (٢) والنسائي (٣) من رواية أبي وائل عن معاذ، ورجح الترمذي (٤) والدارقطني (٥) الرواية المرسلة، ويقال: إن مسروقًا لم يسمع من معاذ، وقد بالغ ابن حزم (٦) في تقرير ذلك. وقال ابن القطان (٧): وهو على الاحتمال، وينبغي أن يحكم لحديثه بالاتصال على رأي الجمهور. وقال ابن عبد البر في التمهيد (٨): إسناده متصل صحيح ثابت. ووهم عبد الحق (٧) فنقل عنه أنه قال: مسروق لم يلق معاذًا. وتعقبه ابن القطان بأن أبا عمر (٩) إنما قال ذلك في رواية مالك عن حميد بن قيس عن طاوس عن معاذ. وقد قال الشافعي (١٠): طاوس عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذًا، وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافًا انتهى. قال الحافظ في التلخيص (١١): ورواه البزار (١٢) والدارقطني (١٣) من طريق ابن عباس بلفظ: "لما بعث النبي ﷺ معاذًا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعًا أو تبيعة جذعًا أو جذعة" الحديث لكنه من طريق بقية عن المسعودي وهو ضعيف.

стр. 3594

والرواية الثانية المذكورة عن معاذ أخرجها أيضًا البزار (١)، وفي إسنادها الحسن بن عمارة وهو ضعيف، ويدل على ضعفه ذكره فيها لقدوم معاذ على النبي ﷺ ولم يقدم إلا بعد موته. وقد أخرج نحو هذه الرواية مالك في الموطأ (٢) من طريق طاوس عن معاذ، وليس عنده أن معاذًا قدم قبل موت النبي ﷺ بل صرح فيها أن النبي ﷺ مات قبل قدومه. وحكى الحافظ (٣) عن عبد الحق أنه قال: ليس في زكاة البقر حديث متفق على صحته: يعني في النُّصُب (٤). وحكي أيضًا عن ابن جرير الطبري (٥) أنه قال: صح الإجماع المتيقَّن المقطوع به الذي لا اختلاف فيه أن في كل خمسين بقرة بقرة فوجب الأخذ بهذا، وما دون ذلك مختلف فيه ولا نص في إيجابه. وتعقبه صاحب الإمام بحديث عمرو بن حزم (٦) الطويل في الديات وغيرها، فإن فيه في كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة، وفي كل أربعين باقورة بقرة. وحكى أيضًا عن ابن عبد البر أنه قال في الاستذكار (٧): لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ، وأنه النصاب المجمع عليه فيها انتهى. قوله: (من كل ثلاثين من البقر)، فيه دليل على أن الزكاة لا تجب فيما دون الثلاثين، وإليه ذهبت العترة (٨) والفقهاء (٩). وحكي في البحر (١٠) عن سعيد بن المسيب والزهري أنها تجب في خمس

стр. 3595

وعشرين منها كالإبل، ورده بأن النُّصُب لا تثبت بالقياس، وإن سلم فالنص مانع. قوله: (تبيعًا أو تبيعة)، التبيع على ما في القاموس (١) والنهاية (٢): ما كان في أول سنة، وفي حديث عمرو بن حزم (٣): "جذع أو جذعة". قوله: (مسنة) حكي في النهاية (٤) عن الأزهري أن البقرة والشاة يقع عليهما اسم المسن إذا كان في السنة الثانية، والاقتصار على المسنة في الحديث يدل على أنه لا يجزئ المسن، ولكنه أخرج الطبراني (٥) عن ابن عباس مرفوعًا: "وفي كل أربعين مسنة أو مسن". قوله: (ومن كل حالم دينارًا)، فسَّره أبو داود بالمحتلم، والمراد به أخذ الجزية ممن لم يسلم. قوله: (معافر) بالعين المهملة: حي من همدان لا ينصرف لما فيه من صيغة منتهى الجموع، وإليهم تنسب الثياب المعافرية (٦)، والمراد هنا: الثياب المعافرية كما فسره بذلك أبو داود (٧). قوله: (إن الأوقاص إلخ) هي جمع وقص بفتح الواو والقاف، ويجوز إسكانها وإبدال الصاد سينًا: وهو ما بين الفرضين (٨) عند الجمهور (٩)، واستعمله الشافعي (١٠) فيما دون النصاب الأول. وقد وقع الاتفاق على أنه لا يجب فيها شيء في البقر إلا في رواية عن أبي

стр. 3596

حنيفة (١)، فإنه أوجب فيما بين الأربعين والستين ربع مسنة، وروي عنه وهو المصحح له أنه يجب قسطه من المسنة. ٩/ ١٥٣٨ - (وَعَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: سِعْرٌ عَنْ مُصَدِّقِي رَسُولِ اللهِ ﷺ أنهما قالا: نَهَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ نأخُذَ شافِعًا، وَالشَّافِعُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا وَلَدُها) (٢). [ضعيف] ١٠/ ١٥٣٩ - (وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قَالَ: أَتَانَا مُصَدّقُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ فِي عَهْدِي أَنْ لَا نَأْخُذُ مِنْ رَاضِعِ لَبَنٍ، وَلَا نُفَرِّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، وَلَا نَجْمَعُ بَيْنَ مُفْتَرِقٍ، وَأَتَاهُ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ كَوْمَاءَ فأبَى أَنْ يَأْخُذَهَا. رَوَاهُمَا أَحْمَدُ (٣) وَأَبُو دَاوُدَ (٤) وَالنَّسَائيُّ) (٥). [أحسن] الحديث الأول أخرجه أيضًا الطبراني (٦) وسكت عنه أبو داود (٧) والمنذري (٨) والحافظ في التلخيص (٩)، ورجال إسناده ثقات. والحديث الثاني أخرجه أيضًا الدارقطني (١٠) والبيهقي (١١)، وفي إسناده هلال بن خباب (١٢)، وقد وثقه غير واحد، وتكلم فيه بعضهم. قوله: (يقال له سِعْر)، بكسر السين المهملة وسكون العين المهملة وآخره راء، كذا في جامع الأصول (١٣) ومختصر المنذري (١٤).

стр. 3597

وفي كتاب ابن عبد البر (١) بفتح السين وهو ابن ديسم بفتح الدال المهملة وسكون الياء التحتية وفتح السين المهملة الكناني الديلي، روى عنه ابنه جابر هذا الحديث، وذكر الدارقطني وغيره أن له صحبة، وقيل: كان في زمن النبي ﷺ على ما جاء في هذا الحديث. قوله: (من راضع لبن)، فيه دليل على أنها لا تؤخذ الزكاة من الصغار التي ترضع اللبن، وظاهره سواء كانت منفردة أو منضمة إلى الكبار. ومن أوجبها فيها عارض هذا بما أخرجه مالك في الموطأ (٢) والشافعي (٣) وابن حزم (٤) أن عمر قال لساعيه سفيان بن عبد الله الثقفي: اعتد عليهم بالسخلة

стр. 3598

التي يروح بها [الراعي] (١) على يده ولا تأخذها كما سيأتي (٢). وهو مبني على جواز التخصيص بمذهب الصحابي، والحقّ خلافه (٣). قوله: (كوماء) بفتح الكاف وسكون الواو: هي الناقة العظيمة السنام (٤). والحديثان يدلان على أنه لا يجوز للمصدق أن يأخذ من خيار الماشية، وقد أخرج الشيخان (٥) من حديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: "إياك وكرائم أموالهم". وقد تقدم الكلام على قوله: "ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين مفترق" (٦). ١١/ ١٥٤٠ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُعَاوِيَةَ الغَاضِرِي مِنْ غَاضِرَة

стр. 3599

قَيْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ طَعِمَ طَعْمَ الإِيمَانِ: مَنْ عَبَدَ الله وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ لَا إِلهَ إِلَّا الله، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ رَافِدَةً عَلَيْهِ كُلَّ عَامٍ، وَلَا يُعْطي الهَرِمَةَ وَلَا الدَّرِنَةَ وَلَا الْمَرِيضَةَ وَلَا الشَّرَطَ اللَّئِيمَةَ، ولكِنْ مِنْ وَسَطِ أَمْوَالِكُمْ، فَإِنَّ الله لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ بِشَرِّهِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (١). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا الطبراني (٢) وجوَّد إسناده، وسياقه أتم سندًا ومتنًا. وذكره أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٣) مسندًا، وعبد الله هذا له صحبة وهو معدود في أهل حمص، قيل: إنه لم يرو عن النبي ﷺ إلا حديثًا واحدًا؛ والغاضري بالغين والضاد المعجمتين. قوله: (رافدة) الرافدة (٤): المعينة والمعطية، والمراد هنا المعنى الأول: أي معينة له على أداء الزكاة. قوله: (ولا الدرنة) (٥) بفتح الدال المهملة مشددة بعدها راء مكسورة ثم نون وهي الجرباء، قاله الخطابي (٦). وأصل الدرن: الوسخ كما في القاموس (٧) وغيره (٨). قوله: (ولا الشرط اللئيمة)، الشرط بفتح الشين المعجمة والراء. قال أبو عبيد (٩): هي صغار المال وشراره.
следующие страницы →