← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 3665–3704 · переход к 3670.

стр. 3665

وقد حكى في "التقرير" (١) عن أحمد بن عيسى (٢) والباقر مثل قول الجمهور، وكذلك عن المنصور وأبي مضر. وقد استدل للمانعين أيضًا بما رواه ابن أبي شيبة (٣) عن خيثمة قال: سألت ابن عمر عن الزكاة فقال: ادفعها إليهم، ثم سألته بعد ذلك فقال: لا تدفعها إليهم فإنهم قد أضاعوا الصلاة. وهذا مع كونه قول صحابي ولا حجة فيه ضعيف الإسناد لأنه من رواية جابر الجعفي. ومن جملة ما احتج به صاحب البحر (٤) للقائلين بالجواز: بأنها لم تزل تؤخذ كذلك ولا تعاد، وبأن عليًا لم يثن على من أعطى الخوارج، وأجاب عن

стр. 3666

الأول بأنه ليس بإجماع وعن الثاني بأن ذلك كان لعذر أو مصلحة إذ لا تصريح بالإجزاء، ولا يخفى ضعف هذا الجواب. والحق ما ذهب إليه الجمهور من الجواز والإجزاء (١). ١٥/ ١٥٧٨ - (وَعَنْ بَشِيرِ بْنِ الخَصَاصِيَةِ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ قَوْمًا مَنْ أَصْحَابِ الصَّدَقَةِ يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا، أَفَنَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرِ مَا يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا؟ فَقَالَ: "لا"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٢). [ضعيف] الحديث أخرجه أيضًا عبد الرزاق (٣) وسكت عنه أبو داود (٤) والمنذري (٥)، وفي إسناده ديسم السدوسي، ذكره ابن حبان في الثقات (٦). وقال في التقريب (٧): مقبول. وفي الباب عن جرير بن عبد الله وأبي هريرة عند البيهقي (٨). والحديث استدل به على أنه لا يجوز كتم شيء عن المصدقين وإن ظلموا وتعدوا. وقد عورض ذلك بقوله ﷺ : "من سئل فوق ذلك فلا يعطه"، كما تقدم في حديث أنس الطويل (٩) الذي رواه عن كتاب أبي بكر عن النبي ﷺ . وتقدم الجمع بين هذا الحديث وبين ذلك هنالك. قال ابن رسلان: لعل المراد بالمنع من الكتم أن ما أخذه الساعي ظلمًا يكون في ذمته لرب المال، فإن قدر المالك على استرجاعه منه استرجعه وإلا استقر في ذمته.

стр. 3667

[الباب السادس] باب أمر الساعي أن يعد الماشية حيث ترد الماء ولا يكلفهم حشدها إليه ١٦/ ١٥٧٩ - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ المُسْلِمِينَ عَلى مِيَاهِهِمْ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١). وفي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ (٢) وَأَبِي دَاوُدَ (٣): "لا جَلَبَ وَلا جَنَبَ، وَلا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُم إِلَّا فِي دِيَارِهِمْ"). [صحيح] الحديث سكت عنه أبو داود (٤) والمنذري (٥) والحافظ في التلخيص (٦)، وفي إسناده محمد بن إسحق وقد عنعن (٧). وفي الباب عن عمران بن حصين عند أحمد (٨) وأبي داود (٩) والنسائي (١٠) والترمذي (١١) وابن حبان (١٢) وصححاه بمثل حديث الباب.

стр. 3668

وعن أنس عند أحمد (١) والبزار (٢) وابن حبان (٣) وعبد الرزاق (٤) وأخرجه النسائي (٥) عنه من وجه آخر. قوله: (لا جلب) بفتح الجيم واللام (ولا جنب) بفتح الجيم والنون. قال ابن إسحق: معنى لا جلب: أن تصدق الماشية في موضعها ولا تجلب إلى المصدق. ومعنى لا جنب: أن يكون المصدق بأقصى مواضع أصحاب الصدقة فتجنب إليه، فنهوا عن ذلك. وفسر مالك الجلب: بأن تجلب الفرس في السباق فيحرك وراءه الشيء يستحث به فيسبق. والجنب: أن يجنب مع الفرس الذي سابق به فرسًا آخر حتى إذا دنا تحول الراكب على الفرس المجنوب فسبق. قال ابن الأثير (٦): له تفسيران فذكرهما، وتبعه المنذري (٧) في حاشيته. والحديث يدل على أن المصدق هو الذي يأتي للصدقات ويأخذها على مياه أهلها؛ لأن ذلك أسهل لهم. [الباب السابع] باب سمة الإمام المواشي إذا تنوعت عنده ١٧/ ١٥٨٠ - (عَنْ أَنَسٍ قَالَ: غَدَوْتُ إِلى رَسُولِ الله ﷺ بعَبْدِ الله بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ المِيسَمُ يَسِمُ إبلَ الصَّدَقَةِ. أَخْرَجَاهُ (٨). وَلِأَحْمَدَ (٩) وَابْنِ مَاجَهْ (١٠): دَخَلْتُ عَلى النبِي ﷺ وَهُوَ يَسِمُ غَنَمًا في آذَانِهَا). [صحيح]

стр. 3669

١٨/ ١٥٨١ - (وَعَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِعُمَرَ: إِنَّ فِي الظَّهْرِ نَاقَةً عَمْيَاءَ، فَقَالَ: أَمِنْ نَعَم الصَّدَقَةِ، أَوْ مِنْ نَعَمِ الجِزْيَةِ؟ قَالَ أَسْلَمُ: مِنْ نَعَمِ الجِزْيَةِ، وَقَالَ: إِنَّ عَلَيْهَا مِيسَمَ الجِزْيَةِ. رَوَاهُ الشَّافَعِيُّ) (١). [موقوف بسند صحيح] قوله: (والميسم) (٢) بكسر الميم وسكون الياء التحتية وفتح السين المهملة، وأصله موسم لأن فاءه واو، لكنها لما سكنت وكسر ما قبلها قلبت ياء، وهي الحديدة التي يوسم بها: أي يعلم بها، وهو نظير الخاتم. وفيه دليل على جواز وسم إبل الصدقة، ويلحق بها غيرها من الأنعام، والحكمة في ذلك تمييزها، وليردها من أخذها ومن التقطها وليعرفها صاحبها فلا يشتريها إذا تصدق بها مثلًا لئلا يعود في صدقته. قال في الفتح (٣): ولم أقف على تصريح بما كان مكتوبًا على ميسم النبي ﷺ إلا أن ابن الصباغ من الشافعية نقل إجماع الصحابة على أنه يكتب في ميسم الزكاة زكاة أو صدقة (٤). وقد كره بعض الحنفية (٥) الوسم بالميسم لدخوله في عموم النهي عن

стр. 3670

المثلة، وحديث الباب يخصص هذا العموم فهو حجة عليه. وفي الحديث اعتناء الإمام بأموال الصدقة وتوليها بنفسه، وجواز تأخير القسمة لأنها لو عجلت لاستغني عن الوسم. قوله: (إن عليها ميسم الجزية إلخ)، فيه دليل على أن وسم إبل الجزية كان يفعل في أيام الصحابة كما كان يوسم إبل الصدقة.

стр. 3671

[ثالثًا] أبواب الأصناف الثمانية [الباب الأول] باب ما جَاء في الفقير والمسكين والمسألة والغني ١/ ١٥٨٢ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، إِنَّما المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ، اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١) (٢). [صحيح] وفي لَفْظ: "لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلى النَّاس، تَرَدُّهُ اللُّقْمَةُ واللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلكِن الْمِسْكِينُ الَّذِي لا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلا يُفْطَنَ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيسْأَل النَّاسَ" (٣). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا). [صحيح] قوله: (ولا اللقمة واللقمتان)، في رواية للبخاري (٤): "الأكلة والأكلتان". قوله: (يغنيه) هذه صفة زائدة على الغنى المنفي، إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغنى به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر. وكأن [المعنى] (٥) نفي اليسار المقيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار. وفي الحديث دليل على أن المسكين هو الجامع بين عدم الغنى وعدم تفطن الناس له لما يظن به لأجل تعففه وتظهره بصورة الغني من عدم الحاجة، ومع هذا فهو مستعف عن السؤال. وقد استدل به من يقول: إن الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وإن المسكين الذي له شيء لكنه لا يكفيه، والفقير الذي لا شيء له، ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَمَّا

стр. 3672

السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ (١)، فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون فيها. وإلى هذا ذهب الشافعي (٢) والجمهور (٣) كما قال في الفتح (٤). وذهب أبو حنيفة (٥) والعترة (٦) إلى أن المسكين دون الفقير، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ (٧). قالوا: لأن المراد أنه يلصق التراب بالعرى. وقال ابن القاسم (٨): وأصحاب مالك (٨): إنهما سواء. وروي عن أبي يوسف ورجحه الجلال (٩) قال: لأن المسكنة لازمة للفقر، إذ ليس معناها الذل والهوان، فإنه ربما كان بغنى النفس أعز من الملوك الأكابر، بل معناها: العجز عن إدراك المطالب الدنيوية، والعاجز ساكن عن الانتهاض إلى مطالبه، انتهى. وقيل: الفقير الذي يسأل، والمسكين الذي لا يسأل، حكاه ابن بطال. وظاهره أيضًا أن المسكين من اتصف بالتعفف وعدم الإلحاف في السؤال، لكن قال ابن بطال (١٠) معناه: المسكين الكامل، وليس المراد نفي أصل المسكنة بل هو كقوله: "أتدرون من المفلس" (١١) الحديث، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ (١٢)، الآية، وكذا قرره القرطبي (١٣) وغير واحد.

стр. 3673

ومن جملة حجج القول الأول قوله ﷺ : "اللهم أحيني مسكينًا" (١)، مع تعوذه من الفقر. والذي ينبغي أن يعوَّل عليه أن يقال: المسكين من اجتمعت له الأوصاف المذكورة في الحديث، والفقير من كان ضد الغني كما في الصحاح (٢) والقاموس (٣) وغيرهما من كتب اللغة، وسيأتي تحقيق الغنى فيقال لمن عدم الغنى: فقير، ولمن عدمه مع التعفف عن السؤال وعدم تفطن الناس له: مسكين. وقيل: إن الفقير من يجد القوت، والمسكين من لا شيء له. وقيل: الفقير: المحتاج، والمسكين: من أذله الفقر، حكى هذين صاحب القاموس (٤). ٢/ ١٥٨٣ - (وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْمَسْأَلةُ لا تَحِلُّ إِلَّا لِثَلَاثةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمِ مُوجِعٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٥) وَأَبُو دَاوُدَ (٦). وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الغَارِمَ لَا يَأخذُ مَعَ الْغِنَىَ). [حسن لغيره] ٣/ ١٥٨٤ - (وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنيٍّ، وَلَا لِذِي مِرةٍ سَوِيّ"، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَالنَّسَائيَّ (٧). [صحيح]

стр. 3674

لَكِنَّهُ لَهُمَا (١) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلأَحْمَدَ الحَدِيثَانِ) (٢). [صحيح] ٤/ ١٥٨٥ - (وَعَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَدِيّ بْنِ الخِيَارِ: أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا أَتيَا النَّبِيَّ ﷺ يَسألانِهِ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَلَّبَ فِيهِمَا البَصَرَ وَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ فَقَالَ: "إِن شِئْتُمَا أَعْطَيْتُمَا وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيّ وَلا لِقَوِيّ مُكْتَسبٍ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وأبُو دَاوُدَ (٤) والنَّسَائِيُّ (٥). وَقَالَ أَحْمَدُ: هَذَا أجْوَدها إسْنادًا). [صحيح] حديث أنس أخرجه أيضًا ابن ماجه (٦) والترمذي (٧) وحسنه (٨) وقال: لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان، انتهى. والأخضر بن عجلان (٩) قال يحيى بن معين: صالح، وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه.

стр. 3675

وحديث عبد الله بن عمرو حسنه الترمذي (١)، وذكر أن شعبة لم يرفعه (٢). وفي إسناده ريحان بن يزيد (٣) وثقه يحيى بن معين. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ مجهول. وقال بعضهم: لم يصح إسناد هذا الحديث وإنما هو موقوف على عبد الله بن عمرو. وقال أبو داود (٤): الأحاديث الأخر عن النبي ﷺ بعضها لذي مرة سويّ وبعضها لذي مرّة قويّ. وحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار أخرجه أيضًا الدارقطني (٥). وروي عن أحمد (٦) أنه قال: ما أجوده من حديث. وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه المصنف أخرجه أيضًا ابن حبان (٧) والحاكم (٨). وفي الباب عن طلحة عند الدارقطني (٩). وعن ابن عمر عند ابن عدي (١٠).

стр. 3676

وعن حبشي بن جنادة عند الترمذي (١). وعن جابر عند الدارقطني (٢). وعن أبي زميل عن رجل من بني هلال عند أحمد (٣). وعن عبد الرحمن بن أبي بكر عند الطبراني (٤). قوله: (مدقع) (٥) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر القاف: وهو الفقر الشديد الملصق صاحبه بالدقعاء: وهي الأرض التي لا نبات بها. قوله: (أو لذي غرم مفظع)، الغرم (٦) بضم الغين المعجمة وسكون الراء: هو ما يلزم أداؤه تكلفًا لا في مقابلة عوض. والمفظع (٧) بضم الميم وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة وبالعين المهملة: وهو الشديد الشنيع الذي جاوز الحد. قوله: (أو لذي دم موجع) (٨)، هو الذي يتحمل دية عن قريبه أو حميمه أو نسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول، وإن لم يدفعها قتل قريبه أو حميمه الذي يتوجع لقتله وإراقة دمه. والحديث يدل على جواز المسألة لهؤلاء الثلاثة. قوله: (لا تحل الصدقة لغني)، قد اختلفت المذاهب في المقدار الذي يصير به الرجل غنيًا، فذهبت الهادوية (٩) والحنفية (١٠) إلى أن الغني من ملك النصاب فيحرم عليه أخذ الزكاة.

стр. 3677

واحتجوا بما تقدم في حديث معاذ (١) من قوله ﷺ : "تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم"، قالوا: فوصف من تؤخذ منه الزكاة بالغنى، وقد قال: "لا تحلّ الصدقة لغنيّ"، وقال بعضهم: هو من وجد ما يغديه ويعشيه، حكاه الخطابي (٢). واستدل بما أخرجه أبو داود (٣) وابن حبان (٤) وصححه عن سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار، قالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: قدر ما يغديه ويعشيه" وسيأتي (٥). وقال الثوري (٦) وابن المبارك (٦) وأحمد (٧) وإسحاق (٨) وجماعة من أهل العلم: هو من كان عنده خمسون درهمًا أو قيمتها. واستدلوا بحديث ابن مسعود عند الترمذي (٩) وغيرها (١٠) مرفوعًا: "من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش، قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: "خمسون درهمًا أو حسابها من الذهب" وسيأتي (١١). وقال الشافعي (١٢) وجماعة: إذا كان عنده خمسون درهمًا أو أكثر وهو محتاج فله أن يأخذ من الزكاة.

стр. 3678

وروي عن الشافعي (١) أن الرجل قد يكون غنيًا بالدرهم مع الكسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (٢): هو من وجد أربعين درهمًا، واستدل بحديث أبي سعيد الآتي (٣) بلفظ: "وله قيمة أوقية"، لأن الأربعين الدرهم قيمة الأوقية. وقيل: هو من لا يكفيه غلة أرضه للسنة، حكاه في البحر (٤) عن أبي طالب والمرتضى. قوله: (ولا لذي مرة سويّ)، المِرّة بكسر الميم وتشديد الراء، قال الجوهري (٥): المرّة: القوة وشدّة العقل أيضًا، ورجل [قوي] (٦) مرير: أي قوي ذو مِرَّة. وقال غيره: المِرّة: القوّة على الكسب والعمل، وإطلاق المِرَّة هنا وهي القوة مقيد بالحديث الذي بعده، أعني قوله: "ولا لقوي مكتسب"، فيؤخذ من الحديثين أن مجرد القوة لا يقتضي عدم الاستحقاق إلا إذا قرن بها الكسب. وقوله: "سويّ" أي مستوي الخلق، قاله الجوهري (٧)، والمراد استواء الأعضاء وسلامتها. قوله: (جلْدين) بإسكان اللام: أي قويين شديدين. قال الجوهري (٨): الجلْد بفتح اللام: هو الصلابة والجلادة، تقول منه: جلُد الرجل بالضم فهو جلْد، يعني بإسكان اللام، وجليد بين الجلد والجلادة. قوله: (مكتسب) أي يكتسب قدر كفايته. وفيه دليل على أنه يستحب للإمام أو المالك: الوعظ والتحذير وتعريف الناس بأن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي قوة على الكسب كما فعل رسول الله ﷺ ويكون ذلك برفق.

стр. 3679

٥/ ١٥٨٦ - (وَعَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَأَبُو دَاوُدَ (٢)، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي قَبُولِ قَوْلِ السَّائِلِ مِنْ غَيْرِ تَحْلِيفٍ وَإِحْسَانِ الظَّن بِهِ). [ضعيف] ٦/ ١٥٨٧ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ سَأَل وَلَهُ قِيمَةُ أُوقيَّةٍ فَقَدْ ألحَفَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣) وَأَبُو دَاوُدَ (٤) والنَّسائيُّ) (٥). [حسن]

стр. 3680

٧/ ١٥٨٨ - (وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ سَأَل وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: "مَا يُغَذِّيهِ أَوْ يُعَشِّيهِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَاحْتَجَّ بِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ (٢) وَقَالَ: "يُغَذّيهِ وَيُعَشِّيهِ"). [صحيح] ٨/ ١٥٨٩ - (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ سَأَل وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُدُوشًا أَوْ كُدُوشًا فِي وَجْهِهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَمَا غِنَاهُ؟ قَالَ: "خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ حِسَابُهَا مِنَ الذَّهَبِ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ (٣)، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ (٤) وَابْنُ مَاجَهْ (٥) وَالتّرْمِذِيُّ (٦)، فَقَالَ رَجُلٌ لِسُفْيَانَ: إِنَّ شُعْبَةَ لَا يُحَدّثُ عَنْ حَكِيمِ بْنِ

стр. 3681

جُبَيْرٍ، فَقَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثْنَاهُ زَبِيدٌ عَنْ مُحَمَّد بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ). [صحيح] أَما حديث الحسن بن عليّ فالذي وقفنا عليه في النسخ الصحيحة من هذا الكتاب أن الراوي للحديث الحسن بن عليّ. وفي سنن أبي داود (١) وغيرها أن الراوي للحديث الحسين بن علي. وهذا الحديث في إسناده يعلى بن أبي يحيى (٢)، سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال: مجهول. وقال أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن: قد روي من وجوه صحاح حضور الحسين بن عليّ عند رسول الله ﷺ ولعبه بين يديه وتقبيله إياه. فأما الرواية التي يرويها عن النبي ﷺ فكلها مراسيل. وقال أبو القاسم البغوي في معجمه (٣) نحوًا من ذلك. وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء: سمع رسول الله ﷺ ورآه، ولم يكن بينه وبين أخيه الحسن بن علي إلا طهر واحد. وحديث أبي سعيد سكت عنه أبو دَاود (٤) والمنذري (٥)، ورجال إسناده ثقات. وعبد الرحمن بن محمد بن أبي الرجال المذكور في إسناده قد وثقه أحمد (٦) والدارقطني وابن معين (٧)، وذكره ابن حبان في الثقات (٨) وقال: ربما أخطأ.

стр. 3682

وحديث سهل أخرجه ابن حبان (١) وصححه. وحديث ابن مسعود حسنه الترمذي (٢) وقال: وقد تكلم شعبة في حكيم بن جبير من أجل هذا الحديث. قوله: (وإن جاء على فرس) فيه الأمر بحسن الظن بالمسلم الذي امتهن نفسه بذل السؤال فلا يقابله بسوء الظن به واحتقاره، بل يكرمه بإظهار السرور له، ويقدر أن الفرس التي تحته عارية، أو أنه ممن يجوز له أخذ الزكاة مع الغنى كمن تحمل حمالة أو غرم غرمًا لإصلاح ذات البين. قوله: (وله قيمة أوقية)، قال أبو داود (٣): زاد هشام في روايته: وكانت الأوقية على عهد رسول الله ﷺ أربعين درهمًا. قوله: (فقد ألحف)، قال الواحدي (٤): الإلحاف في اللغة: هو الإلحاح في المسألة. قال أبو الأسود الدؤلي (٥): ليس للسائل الملحف مثل الرد. قال الزجاج (٦): معنى ألحف: شمل بالمسألة؛ والإلحاف في المسألة: هو أن يشتمل على وجوه الطلب بالمسألة كاشتمال اللحاف في التغطية. وقال غيره: معنى الإلحاف في المسألة مأخوذ من قولهم: ألحف الرجل: إذا مشى في لحف الجبل وهو أصله كأنه استعمل الخشونة في الطلب. قوله: (فإنما يستكثر) أي يطلب الكثرة. قوله: (ما يغديه) بفتح الغين المعجمة وتشديد الدال المهملة: أي من الطعام بحيث يشبعه. قوله: (ويعشيه) بفتح العين أيضًا. فعلى رواية التخيير يكون المعنى: أن الإنسان إذا حصل له أكلة في النهار غداء أو عشاء كفته واستغنى بها. وعلى رواية الجمع أن يكون المعنى: أنه إذا حصل له في يومه أكلتان كفتاه.

стр. 3683

قوله: (خدوشًا)، بضم الخاء المعجمة جمع خدش: وهو خمش الوجه بظفر أو حديدة أو نحوهما (١). قوله: (أو كدوشًا)، بضم الكاف والدال المهملة وبعد الواو شين معجمة جمع كدش وهو الخدش. قوله: (أو حسابها من الذهب) هذه رواية أحمد (٢)، ورواية أبي داود (٣): "أو قيمتها من الذهب". وهذه الأحاديث الثلاثة قد استدل بكل واحد منها طائفة من المختلفين في حد الغنى، وقد تقدم بيان ذلك، ويجمع بينها بأن القدر الذي يحرم السؤال عنده هو أكثرها، وهي الخمسون عملًا بالزيادة. ٩/ ١٥٩٠ - (وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إن المَسْأَلةَ كَدٌّ يَكِدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ إلا أنْ يَسْأَل الرَّجُلُ سُلْطَانًا أَوْ فِي أَمْرٍ لا بُدَّ مِنْهُ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٤) وَالنَسَائِيُّ (٥) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ) (٦). [صحيح] ١٠/ ١٥٩١ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لأنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْتَطِبَ على ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ، ويسْتَغْنيَ بِهِ عَنِ النَّاسِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَل رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ"، مُتفَق عَلَيْهِ (٧). [صحيح] وَعَنْهُ أيضًا عَنِ النَّبِي ﷺ : "مَنْ سَأَل النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تكَثُّرًا فَإنَّمَا يَسأل جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيسْتَكْثِرْ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٨) وَمُسْلِمٌ (٩) وَابْنُ مَاجَهْ) (١٠). [صحيح]

стр. 3684

قوله: (كدّ)، هذا لفظ الترمذي (١) وابن حبان في صحيحه (٢)، ولفظ أبي داود (٣): "كدح"، وهي آثار الخموش. قوله: (إلا أن يسأل الرجل سلطانًا)، فيه دليل على جواز سؤال السلطان من الزكاة أو الخمس أو بيت المال أو نحو ذلك، فيُخَصُّ به عموم أدلة تحريم السؤال. قوله: (أو في أمر لا بد منه)، فيه دليل على جواز المسألة عند الضرورة، والحاجة التي لا بد عندها من السؤال، نسأل الله السلامة. قوله: (وعن أبي هريرة الخ)، فيه الحث على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك، ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها. وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعط، ولما يدخل على المسؤول من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل. وأما قوله: (خير له)، فليست بمعنى أفعل التفضيل، إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب. والأصح عند الشافعية (٤) أن سؤال من هذا حاله حرام. ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل وتسمية الذي يعطاه خير وهو في الحقيقة شر. قوله: (تكثرًا)، فيه دليل على أن سؤال التكثر محرم، وهو السؤال لقصد الجمع من غير حاجة.

стр. 3685

قوله: (فإنما يسأل جمرًا إلخ)، قال القاضي عياض (١): معناه: أنه يعاقب بالنار. قال: ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن الذي يأخذه يصير جمرًا يكوى به كما ثبت في مانع الزكاة. ١١/ ١٥٩٢ - (وَعَنْ خَالِدِ بْنِ عَدِيّ الجُهَنِيّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَلَغَهُ مَعْرُوفٌ عَنْ أَخِيهِ عَنْ غَيْرِ مَسْأَلةٍ وَلا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَلْيَقْبَلْهُ وَلا يَرُدّهُ فإنّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ الله إِلَيْهِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٢). [إسناده صحيح] ١٢/ ١٥٩٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سِمَعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسولُ الله ﷺ يُعْطِينِي العَطَاءَ فأقُول: أعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنّي، فَقَالَ: "خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَال شَيْء وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ، وَمَا لا فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَك"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣) [صحيح] حديث خالد بن عدي أخرجه أيضًا أبو يعلى (٤) والطبراني في الكبير (٥). قال في مجمع الزوائد (٦): ورجال أحمد رجال الصحيح. قوله: (ولا إشراف نفس) الإشراف (٧) بالمعجمة: التعرّض للشيء والحرص عليه، من قولهم: أشرف على كذا إذا تطاول له، وقيل: للمكان المرتفع مشرف لذلك.

стр. 3686

قال أبو داود (١): سألت أحمد عن إشراف النفس فقال: بالقلب. وقال يعقوب بن محمد: سألت أحمد عنه فقال: هو أن يقول مع نفسه يبعث إلي فلان بكذا. وقال الأثرم (٢): يضيق عليه أن يرده إذا كان كذلك. قوله: (يعطيني)، سيأتي ما يدل على أن عطية النبي ﷺ لعمر بسبب العمالة كما في حديث ابن السعدي (٣). ولهذا قال الطحاوي (٤): ليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال، وليست هي من جهة الفقر، ولكن شيء من الحقوق، فلما قال عمر: أعطه من هو أفقر إليه مني لم يرض بذلك لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر. قال: ويؤيده قوله في رواية شعيب: "خذه فتموله" (٥)، فدل على أنه ليس من الصدقات. واختلف العلماء فيمن جاءه مال هل يجب قَبوله أم يندب على ثلاثة مذاهب، حكاه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بعد إجماعهم على أنه مندوب. قال النووي (٦): الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه مستحب في غير عطية السلطان، وأما عطية السلطان يعني الجائر فحرمها قوم وأباحها آخرون وكرهها قوم، والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت، وكذا إن أعطى من لا يستحق، وإن لم يغلب الحرام فمباح إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ. وقالت طائفة: الأخذ واجب من السلطان وغيره.

стр. 3687

وقال آخرون: هو مندوب في عطية السلطان دون غيره. وحديث خالد بن عدي (١) يرده. قال الحافظ (٢): ويؤيده حديث سمرة في السنن (٣) إلا أن يسأل ذا سلطان. قال: والتحقيق في المسألة أن من علم كون ماله حلالًا فلا تردّ عطيته، ومن علم كون ماله حرامًا فتحرم عطيته، ومن شكّ فيه فالاحتياط ردّه وهو الورع. ومن أباحه أخذ بالأصل، انتهى. قال ابن المنذر: واحتجّ من رخص فيه بأن الله تعالى قال في اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٤)، وقد رهن الشارع ﷺ درعه عند يهودي (٥) مع علمه بذلك. وكذا أخذ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير والمعاملات الفاسدة. قال الحافظ (٦): وفي حديث الباب أن للإمام أن يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجهًا وإن كان غيره أحوج إليه منه، وأن ردّ عطية الإمام ليس من الأدب ولا سيما من الرسول ﷺ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٧). قوله: (من هو أفقر إليه مني)، ظاهره أن عمر لم يكن غنيًا لأن صيغة أفعل تدل على الاشتراك في الأصل وهو الافتقار إلى المال، ولكن ظاهر أمره ﷺ له بالأخذ إذا لم يكن مستشرفًا ولا سائلًا أنه لا فرق بين كونه غنيًا أو فقيرًا، [وهكذا في قبول المال من غير السلطان لا فرق فيه بين الغني والفقير] (٨) على

стр. 3688

ظاهر حديث خالد بن عديّ (١)، وسيكرر المصنف [ذكر] (٢) حديث خالد بن عديّ هذا في كتاب الهبة (٣)، ونذكر بقية الكلام عليه هنالك [إن شاء الله] (٤). [الباب الثاني] باب العاملين عليها ١٣/ ١٥٩٤ - (عنْ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ ابْنَ السَّعْدِيّ المَالِكِيّ قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّيْتُها إِلَيْهِ أَمَرَ لِي بِعُمالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنّمَا عَمِلْتُ لله، فَقَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي عَمِلْتُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا أُعْطِيتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَل فَكُلْ وَتَصَدَّقَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٥). [صحيح] قوله: (أن ابن السعدي)، هو أبو محمد عبد الله بن وقدان (٦) بن عبد الله بن عبد ودّ بن نضر بن مالك بن حِسْل بن عامر بن لؤيّ بن غالب. وإنما قيل له السعدي لأن أباه استرضع في بني سعد بن هوازن، وقد صحب رسول الله ﷺ قديمًا وقال: "وفدت في نفر من بني سعد بن بكر إلى رسول الله ﷺ "، والمالكي نسبة إلى مالك بن حِسْل. قوله: (بعمالة) قال الجوهري (٧): العُمالة بالضم: رزق العامل على عمله.

стр. 3689

قوله: (فعمَّلني) بتشديد الميم: أي أعطاني أجرة عملي وجعل لي عمالة. قوله: (من غير أن تسأل)، فيه دليل على أنه لا يحل أكل ما حصل من المال عن مسألة. وفي الحديث دليل على أن عمل الساعي سبب لاستحقاقه الأجرة كما أن وصف الفقر والمسكنة هو السبب في ذلك، وإذا كان العمل هو السبب اقتضى قياسَ قواعد الشرع أن المأخوذ في مقابلته أجرة، ولهذا قال أصحاب الشافعي (١) تبعًا له: إنه يستحق أجرة المثل، وفيه أيضًا دليل على أن من نوى التبرع يجوز له أخذ الأجرة بعد ذلك، ولهذا قال المصنف (٢) ﵀: وفيه دليل على أن نصيب العامل يطيب له وإن نوى التبرع أو لم يكن مشروطًا. اهـ. ١٤/ ١٥٩٥ - (وَعَنِ المُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ وَالْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ انْطَلَقَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ أَحَدُنَا فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله جِئْنَاكَ لِتُؤَمِّرَنا على هَذِهِ الصَّدَقَات، فَنُصِيبَ مَا يُصِيبُ النَّاس مِنَ المَنْفَعَةِ، وَنُؤَدّي إِلَيْكَ مَا يُؤَدّى النَّاسُ، فَقَالَ: "إِن الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ"، مُخْتَصَرٌ لِأَحْمَدَ (٣) وَمُسْلِمَ (٤). [صحيح] وفي لَفْظٍ لَهُمَا (٥): "لَا تَحِلّ لِمُحَمَّدِ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ"). [صحيح] قوله: (أوساخ الناس)، هذا بيان لعلة التحريم والإرشاد إلى تنزه الآل عن أكل الأوساخ. وإنما سميت أوساخًا لأنها تطهرة لأموال الناس ونفوسهم كما قال تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٦)، فذلك من التشبيه. وفيه إشارة إلى أن المحرم على الآل إنما هو الصدقة الواجبة التي يحصل بها تطهير المال. وأما صدقة التطوّع فنقل الخطابي (٧) وغيره (٨) الإجماع على أنها

стр. 3690

محرّمة على النبيّ ﷺ . وللشافعي (١) قول أنها تحلّ، وتحل للآل على قول الأكثر، وللشافعي (١) قول بالتحريم، وسيأتي الكلام في تحريم الصدقة الواجبة على بني هاشم (٢). وظاهر هذا الحديث أنها لا تحل لهم، ولو كان أخذهم لها من باب العمالة، وإليه ذهب الجمهور (٣). وقال أبو حنيفة (٤) والناصر (٥): العمالة معاوضة بمنفعة، والمنافع مال، فهي كما لو اشتراها بماله، وهذا قياس فاسد الاعتبار لمصادمته للنصّ. قال النووي (٦): وهذا ضعيف أو باطل، وهذا الحديث صريح في ردّه. قال المصنّف (٧) ﵀ بعد أن ساق هذا الحديث ما لفظه: وهو يمنع جعل العامل من ذوي القربى، انتهى. وتعقب بأن الحديث إنما يمنع دخول ذوي القربى في سهم العامل ولا يمنع من جعلهم عمالًا عليها (٨) ويعطون من غيرها فإنه جائز بالإجماع. وقد استعمل علي ﵇ بني العباس ﵁.

стр. 3691

١٥/ ١٥٩٦ - (وَعَنْ أَبي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الخَازِنَ المُسْلِمَ الْأَمِينَ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَقَّرًا طَيبَةً بِهِ نَفْسُهُ، حَتى يَدْفَعَهُ إلى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] قوله: (طيبة به نفسه)، هذه الأوصاف لا بدّ من اعتبارها في تحصيل أجرة الصدقة للخازن، فإنه إذا لم يكن مسلمًا لم تصح منه نية التقرّب، وإن لم يكن أمينًا كان عليه وزر الخيانة، فكيف يحصل له أجر الصدقة، وإن لم تكن نفسه بذلك طيبة لم يكن له نية فلا يؤجر. قوله: (أحد المتصدقين)، قال القرطبي (٢): لم نروه إلا بالتثنية، ومعناه أن الخازن بما فعل متصدق وصاحب المال متصدق آخر فهما متصدقان. قال (٢): ويصح أن يقال على الجمع فتكسر القاف ويكون معناه أنه متصدّق من جملة المتصدّقين. والحديث يدل على أن المشاركة في الطاعة توجب المشاركة في الأجر، ومعنى المشاركة أن له أجرًا كما أن لصاحبه أجرًا. وليس معناه أنه يزاحمه في أجره، بل المراد المشاركة في أصل الثواب، فيكون لهذا ثواب ولهذا ثواب وإن كان أحدهما أكثر، ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سواء بل قد يكون ثواب هذا أكثر وقد يكون عكسه، فإذا أعطى المالك خازنه مائة درهم أو نحوها ليوصلها إلى مستحق للصدقة على باب داره فأجر المالك أكثر. وإن أعطاه رمانة أو رغيفًا أو نحوهما حيث ليس له كثير قيمة ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة، بحيث يقابل ذهاب الماشي إليه أكثر من الرمانة ونحوها فأجر الخازن أكثر. وقد يكون الذهاب مقدار الرمانة فيكون الأجر سواء. قال ابن رسلان: ويدخل في الخازن من يتخذه الرجل، على عياله من وكيل وعبد وامرأة وغلام، ومن يقوم على طعام الضيفان.

стр. 3692

١٦/ ١٥٩٧ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْد ذَلِكَ فَهْوَ غُلُولٌ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (١). [صحيح] الحديث سكت عنه أبو داود (٢) والمنذري (٣) ورجال إسناده ثقات. وفيه دليل على أنه لا يحل للعامل زيادة على ما فرض له من استعمله، وأن ما أخذه بعد ذلك فهو من الغلول، وذلك بناء على أنها إجارة ولكنها فاسدة يلزم فيها أجرة المثل، ولهذا ذهب البعض إلى أن الأجرة المفروضة من المستعمل للعامل تؤخذ على حسب العمل فلا يأخذ زيادة على ما يستحقه. وقيل: يأخذ ويكون من باب الصرف. وفي الحديث أيضًا دليل على أنه يجوز للعامل أن يأخذ حقه من تحت يده. ولهذا قال المصنف (٤) ﵀: وفيه تنبيه على جواز أن يأخذ العامل حقه من تحت يده، فيقبض من نفسه لنفسه، انتهى. [الباب الثالث] باب المؤلفة قلوبهم ١٧/ ١٥٩٨ - (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَكُنْ يُسْألُ شَيْئًا عَلى الْإِسْلَامِ إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَأتَاهُ رَجُل فَسَألَهُ، فَأمَرَ لَهُ بِشَاءٍ كَثِيرٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مِنْ شَاءِ الصَّدَقَةِ، قَالَ: فَرَجَعَ إِلى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا فإنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءَ مَنْ لا يَخْشَى الفَاقَةَ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ). [صحيح] ١٨/ ١٥٩٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أُتِيَ بِمَالٍ أَوْ سَبْيٍ

стр. 3693

فَقَسَمَهُ، فَأعْطَى رِجالًا وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ فَوَالله إِنِّي لأُعْطِي الرجُلَ، وَأَدَع الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَع أَحَبُّ إِلي مِنَ الَّذِي أُعْطِي، وَلَكِنِّي أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ وَالْهَلَعِ، وأكِلُ أَقْوَامًا إلى ما جُعِلَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى وَالْخَيْرِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِب"، فَوَالله مَا أُحِبُّ أن لي بِكَلِمَةِ رَسُولِ الله ﷺ حُمْرَ النَّعَمِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالْبُخَارِيُّ) (٢). [صحيح] الحديثان يدلان على جواز التأليف لمن لم يرسخ إيمانه من مال الله . وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة: (منها): إعطاؤه ﷺ أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصين والأقرع بن حابس وعباس بن مرداس كل إنسان منهم مائة من الإبل (٣). وروي أيضًا: "أنه أعطى علقمة بن علاثة مائة (٤)، ثم قال للأنصار لما عتبوا عليه: ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟ ثم قال لما بلغه أنهم قالوا: يعطي صناديد نجد ويدعنا: إنما فعلت ذلك لأتالفهم"، كما في صحيح مسلم (٥). وقد ذهب إلى جواز التأليف: العترة (٦) والجبائي والبلخي وابن مبشر. وقال الشافعي (٧): لا نتألف كافرًا، فأما الفاسق فيعطى من سهم التأليف. وقال أبو حنيفة (٨) وأصحابه: قد سقط بانتشار الإسلام وغلبته.

стр. 3694

واستدلوا على ذلك بامتناع أبي بكر من إعطاء أبي سفيان وعيينة والأقرع وعباس بن مرداس. والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه، فإذا كان في زمن الإمام قوم لا يطيعونه إلا للدنيا ولا يقدر على إدخالهم تحت طاعته بالقسر والغلب فله أن يتألفهم ولا يكون لفشوّ الإسلام تأثير لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة (١). وقد عد ابن الجوزي أسماء المؤلفة قلوبهم في جزء مفرد فبلغوا نحو الخمسين نفسًا. [الباب الرابع] باب قول الله تعالي ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ ١٩/ ١٦٠٠ - (وَهُوَ يَشْمَلُ بِعُمُومِهِ المُكَاتَبَ وَغَيْرَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأسَ أَنْ يَعْتِقَ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، ذَكَرَهُ عَنْهُ أَحْمَدُ (٢) وَالْبُخَارِي) (٣). ٢٠/ ١٦٠١ - (وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ: دُلَّنِي على عَمَلٍ يُقَرّبُنِي مِنَ الجَنَّةِ، وَيُبْعِدُنِي مِنَ النَّارِ، فَقَالَ: "أَعْتِق النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ"، قَالَ: يَا رَسُولَ الله أَوَلَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: "لا؛ عِتْقُ النَّسَمَةِ أَنْ تُفْرَدَ بِعِتْقِهِا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وَالدَّارَقُطْنِيُّ) (٥). [صحيح]

стр. 3695

٢١/ ١٦٠٢ - (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: "ثلَاثة كُلُّهُمْ حَقٌّ على الله عَوْنُهُ: الغازي في سَبِيلِ الله، والمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأدَاءَ، وَالنَّاكِحُ المُتَعَفِّفُ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا أَبا دَاوُدَ) (١). [حسن] حديث البراء بن عازب قال في مجمع الزوائد (٢): رجاله ثقات. وحديث أبي هريرة قال الترمذي (٣): حسن صحيح. قوله: (المكاتب وغيره)، قد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ (٤)، فروي عن عليّ بن أبي طالب (٥)، وسعيد بن جبير (٥)، والليث (٥) والثوري (٥)، والعترة (٦) والحنفية (٧) والشافعية (٨) وأكثر أهل العلم أن المراد به المكاتبون يعانون من الزكاة على الكتابة. وروي عن ابن عباس (٩)، والحسن البصري (٩)، ومالك (١٠) وأحمد بن حنبل (١١) وأبي ثور (٩) وأبي عبيد (١٢)، وإليه مال البخاري وابن المنذر أن المراد بذلك أنها تشترى رقاب لتعتق. واحتجوا بأنها لو اختصت بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين لأنه غارم، وبأن شراء الرقبة لتعتق أولى من إعانة المكاتب لأنه قد يعان ولا يعتق؛ لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولأن الشراء يتيسر في كل وقت بخلاف الكتابة.

стр. 3696

وقال الزهري: إنه يجمع بين الأمرين، وإليه أشار المصنف وهو الظاهر لأن الآية تحتمل الأمرين، وحديث البراء المذكور فيه دليل على أن فك الرقاب غير عتقها، وعلى أن العتق وإعانة المكاتبين على مال الكتابة من الأعمال المقرّبة من الجنة والمبعدة من النار. قوله: (حقّ على الله)، فيه دليل على أن الله يتولى إعانة هؤلاء الثلاثة ويتفضل عليهم بأن لا يحوجهم لكن بشرط أن يكون الغازي غازيًا في سبيل الله، والمكاتب مريدًا للأداء والناكح متعففًا. وقد اختلف في المكاتب إذا كان فاسقًا هل يعان على الكتابة أم لا؟ فذهبت الهادوية (١) إلى أنه لا يعان، قالوا: لأنه لا قربة في إعانته. وقال الشافعي والإمام يحيى والمؤيد بالله: إنَّه يعان، وهو الظاهر (٢).

стр. 3697

[الباب الخامس] باب الغارمين ٢٢/ ١٦٠٣ - (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ المَسْأَلةَ لا تَحِل إلَّا لِثَلَاثةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمِ مُوجِعٍ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَأَبُو دَاوُدَ) (٢). [حسن لغيره] ٢٣/ ١٦٠٤ - (وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الهِلَالِيّ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمالةً، فأتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ أسأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: "أَقِمْ حَتَّى تَأْتِينَا الصَّدَقَةَ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا"، ثُمَّ قَالَ: "يا قَبِيصَةُ إِنَّ المَسْأَلةَ لَا تَحِلُّ إِلا لأَحَدِ ثَلَاثةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ المَسْأَلةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِك، وَرَجُلٍ أَصَابَتْهُ جَائِحَة اجْتاحَتْ مالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ المَسأَلةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، وَرَجُل أَصَابَتْهُ فَاقَة، حَتى يَقُولَ ثَلاثةُ مِنْ ذَوِي الحجا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أَصَابَتْ فُلانًا فاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ المَسأَلةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ، أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ المَسْأَلةِ يَا قَبِيصَةُ فَسُحْتٌ يَأكلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ (٤) وَالنَّسَائِي (٥) وأَبُو دَاوُدَ) (٦). [صحيح]

стр. 3698

حديث أنس قد تقدم في باب ما جاء في الفقير والمسكين والمسألة (١)، وتقدم الكلام عليه هنالك. قوله: (حمالة) (٢) بفتح الهاء المهملة، وهو ما يتحمله الإنسان ويلتزمه في ذمته بالاستدانة ليدفعه في إصلاح ذات البين، وإنما تحل له المسألة بسببه ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية. وإلى هذا ذهب الحسن البصري والباقر والهادي وأبو العباس وأبو طالب (٣). وروي عن الفقهاء الأربعة (٤) والمؤيد بالله أنه يعان لأن الآية لم تفصل، وشرط بعضهم أن الحمالة لا بد أن تكون لتسكين فتنة، وقد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية أو غيرها قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق، وكانوا إذا علموا أن أحدهم تحمل حمالة بادروا إلى معونته أو أعطوه ما تبرأ به ذمته، وإذا سأل لذلك لم يعد نقصًا في قدره بل فخرًا. قوله: (فنأمر لك) بنصب الراء. قوله: (لرجل)، يجوز فيه الجر على البدل والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف. قوله: (جائحة) (٥) هي ما اجتاح المال وأتلفه إتلافًا ظاهرًا كالسيل والحريق. قوله: (قوامًا) (٦) بكسر القاف: هو ما تقوم به حاجته ويستغني به، وهو بفتح القاف: الاعتدال.

стр. 3699

قوله: (سدادًا) هو بكسر السين: ما تسد به الحاجة والخلل. وأما السداد بالفتح فقال الأزهري (١): هو الإصابة في النطق والتدبير والرأي، ومنه سداد من عوز. قوله: (من ذوي الحجا)، بكسر الحاء المهملة مقصور العقل، وإنما جعل العقل معتبرًا لأن من لا عقل له لا تحصل الثقة بقوله، وإنما قال: "من قومه" لأنهم أخبر بحاله وأعلم بباطن أمره، والمال مما يخفى في العادة ولا يعلمه إلا من كان خبيرًا بحاله وظاهره اعتبار شهادة ثلاثة على الإعسار. وقد ذهب إلى ذلك ابن خزيمة (٢) وبعض أصحاب الشافعي. وقال الجمهور (٣): تقبل شهادة عدلين كسائر الشهادات غير الزنا، وحملوا الحديث على الاستحباب. قوله: (فاقة) قال الجوهري (٤): الفاقة: الفقر والحاجة. قوله: (فسحت) (٥) بضم السين وسكون الحاء المهملتين، وروي بضم الحاء: وهو الحرام، وسمي سحتًا لأنه يسحت: أي يمحق. وهذا الحديث مخصص بما في حديث سمرة (٦) من جواز سؤال الرجل للسلطان وفي الأمر الذي لا بد منه، فيزادان على هذه الثلاثة ويكون الجميع خمسة. [الباب السادس] باب الصرف في سبيل الله وابن السبيل ٢٤/ ١٦٠٥ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَحِل الصَّدَقَةُ لِغَنِيّ إِلَّا فِي سَبِيلِ اللهِ، أوِ ابْنِ السَّبِيلِ، أَوْ جَارٍ فَقِيرٍ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ فَيُهْدِي لَكَ أَوْ يَدْعُوكَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٧). [صحيح]

стр. 3700

وَفِي لَفْظٍ: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدّقَ عَلَيْهِ بِهَا فَأَهْدَى مِنْهَا لِغنيّ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَابْنُ مَاجَهْ) (٢). [صحيح] الحديث [أيضًا] (٣) أخرجه أحمد (٤) ومالك في الموطأ (٥) والبزار (٦) وعبد بن حميد (٧) وأبو يعلى (٨) والبيهقي (٩) والحاكم وصححه (١٠). وقد أعلّ بالإرسال لأنه رواه بعضهم عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ ، ولكنه رواه الأكثر عنه عن أبي سعيد، والرفع زيادة يتعين الأخذ بها. قوله: (لغني)، قد قدمنا الكلام عليه في باب ما جاء في الفقير والمسكين. قوله: (إلا في سبيل الله)، أي للغازي في سبيل الله كما في الرواية الآخرة. قوله: (أو ابن السبيل)، قال المفسرون (١١): هو المسافر المنقطع يأخذ من

стр. 3701

الصدقة وإن كان غنيًا في بلده. وقال مجاهد: هو الذي قطع عليه الطريق. وقال الشافعي (١): وابن السبيل المستحق للصدقة هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة. قوله: (لعامل عليها)، قال ابن عباس: ويدخل في العامل: الساعي والكاتب والقاسم والحاشر الذي يجمع الأموال، وحافظ المال والعريف وهو كالنقيب للقبيلة وكلهم عمال، لكن أشهرهم الساعي والباقي أعوان له، وظاهر هذا أنه يجوز الصرف من الزكاة إلى العامل عليها، سواء كان هاشميًا أو غير هاشمي (٢). ولكن هذا مخصص بحديث المطلب بن ربيعة المتقدم (٣)، فإنه يدل على

стр. 3702

تحريم الصدقة على العامل الهاشمي، ويؤيده حديث أبي رافع الآتي (١) في باب تحريم الصدقة على بني هاشم، فإن النبي ﷺ لم يجوز له أن يصحب من بعثه رسول الله ﷺ على الصدقة لكونه من موالي بني هاشم. قوله: (أو رجل اشتراها بماله)، فيه إنه يجوز لغير دافع الزكاة شراؤها ويجوز لآخذها بيعها ولا كراهة في ذلك. وفيه دليل على أن الزكاة والصدقة إذا ملكها الآخذ تغيرت صفتها وزال عنها اسم الزكاة وتغيرت الأحكام المتعلقة بها. قوله: (أو غارم)، هو من غرم لا لنفسه بل لغيره، كإصلاح ذات البيت بأن يخاف وقوع فتنة بين شخصين أو قبيلتين فيستدين من يطلب صلاح الحال بينهما مالًا لتسكين الثائرة، فيجوز له أن يقضي ذلك من الزكاة وإن كان غنيًا. قال المصنف (٢) ﵀: ويحمل هذا الغارم على من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين كما في حديث قبيصة (٣) لا لمصلحة نفسه لقوله في حديث أنس (٤): "أو ذي غرم مفظع"، انتهى. قوله: (فأهدى منها لغني)، فيه جواز إهداء الفقير الذي صرفت إليه الزكاة بعضًا منها إلى الأغنياء، لأن صفة الزكاة قد زالت عنها. وفيه أيضًا دليل على جواز قَبول هدية الفقير للغني. وفي هذا الحديث دليل على أنها لا تحل الصدقة لغير هؤلاء الخمسة من الأغنياء، وما ورد بدليل خاص كان مخصصًا لهذا العموم كحديث عمر المتقدم (٥) في باب: ما جاء في الفقير والمسكين. ٢٥/ ١٦٠٦ - (وَعَنِ ابْنِ لَاسِ الخُزَاعِيّ قَالَ: حَمَلَنَا النَّبِيُّ ﷺ على إبلٍ مِنَ

стр. 3703

الصَّدَقَةِ إِلَى الْحَجِّ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا) (٢). [حسن] ٢٦/ ١٦٠٧ - (وَعَنْ أُمّ مَعْقِلٍ الأَسَدِيَّةِ أَنَّ زَوْجَهَا جَعَلَ بَكْرًا فِي سَبِيلِ الله وَأنها أرَادَتْ العُمْرَةَ، فَسَأَلَتْ زَوْجَهَا البَكْرَ فأبى، فأتَتِ النَّبِيّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيهَا، وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الحَجُّ وَالعُمْرَةُ فِي سَبِيلِ الله"، رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٣). [صحيح بشواهده بدون "العمرة" وأما بها فشاذ] ٢٧/ ١٦٠٨ - (وَعَنْ يُوسُف بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامِ عَنْ جَدَّتِهِ أُمّ مَعْقِلِ قَالَتْ: لَمَّا حَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الوَدَاعِ وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ فَجَعَلَهُ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ الله، وَأَصَابَنَا مَرَضٌ وَهَلَكَ أَبُو مَعْقل وَخَرَجَ النَّبِيّ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حُجَّتِهِ جِئْتُهُ، فَقَال: "يَا أمّ مَعْقِلٍ مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجِي؟ "، قَالَتْ: لَقَدْ تَهَيَّأنا فَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ وَكَانَ لنَا جَمَلُ هُوَ الَّذِي نَحُجُّ عَلَيْهِ فَأَوْصَى بِهِ أَبُو مَعْقِلِ فِي سَبِيلِ الله، قَالَ: "فَهَلَّا خَرَجْتِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الحَجَّ مِنْ سَبِيلِ اللهِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٤). [صحيح بشواهده]

стр. 3704

حديث ابن لاس سيأتي الكلام عليه. وحديث أمّ معقل أخرجه بنحوه الرواية الأولى أبو داود (١) والنسائي (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤)، وفي إسناده رجل مجهول (٥). وفي إسناده أيضًا إبراهيم بن مهاجر (٦) عن جابر البجلي الكوفي وقد تكلم فيه غير واحد. وقد اختلف على أبي بكر بن عبد الرحمن فيه، فروى عنه عن رسول مروان الذي أرسله إلى أمّ معقل عنها (٧). وروي عنه عن أم معقل بغير واسطة (٨). وروي عنه عن أبي معقل (٩). والرواية الثانية التي أخرجها أبو داود (١٠) في إسنادها محمد بن إسحق وفيه مقال معروف (١١).
следующие страницы →