← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 3700–3739 · переход к 3705.

стр. 3700

وَفِي لَفْظٍ: "لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ رَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ غَارِمٍ، أَوْ غَازٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ مِسْكِينٍ تُصُدّقَ عَلَيْهِ بِهَا فَأَهْدَى مِنْهَا لِغنيّ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) وَابْنُ مَاجَهْ) (٢). [صحيح] الحديث [أيضًا] (٣) أخرجه أحمد (٤) ومالك في الموطأ (٥) والبزار (٦) وعبد بن حميد (٧) وأبو يعلى (٨) والبيهقي (٩) والحاكم وصححه (١٠). وقد أعلّ بالإرسال لأنه رواه بعضهم عن عطاء بن يسار عن النبي ﷺ ، ولكنه رواه الأكثر عنه عن أبي سعيد، والرفع زيادة يتعين الأخذ بها. قوله: (لغني)، قد قدمنا الكلام عليه في باب ما جاء في الفقير والمسكين. قوله: (إلا في سبيل الله)، أي للغازي في سبيل الله كما في الرواية الآخرة. قوله: (أو ابن السبيل)، قال المفسرون (١١): هو المسافر المنقطع يأخذ من

стр. 3701

الصدقة وإن كان غنيًا في بلده. وقال مجاهد: هو الذي قطع عليه الطريق. وقال الشافعي (١): وابن السبيل المستحق للصدقة هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة. قوله: (لعامل عليها)، قال ابن عباس: ويدخل في العامل: الساعي والكاتب والقاسم والحاشر الذي يجمع الأموال، وحافظ المال والعريف وهو كالنقيب للقبيلة وكلهم عمال، لكن أشهرهم الساعي والباقي أعوان له، وظاهر هذا أنه يجوز الصرف من الزكاة إلى العامل عليها، سواء كان هاشميًا أو غير هاشمي (٢). ولكن هذا مخصص بحديث المطلب بن ربيعة المتقدم (٣)، فإنه يدل على

стр. 3702

تحريم الصدقة على العامل الهاشمي، ويؤيده حديث أبي رافع الآتي (١) في باب تحريم الصدقة على بني هاشم، فإن النبي ﷺ لم يجوز له أن يصحب من بعثه رسول الله ﷺ على الصدقة لكونه من موالي بني هاشم. قوله: (أو رجل اشتراها بماله)، فيه إنه يجوز لغير دافع الزكاة شراؤها ويجوز لآخذها بيعها ولا كراهة في ذلك. وفيه دليل على أن الزكاة والصدقة إذا ملكها الآخذ تغيرت صفتها وزال عنها اسم الزكاة وتغيرت الأحكام المتعلقة بها. قوله: (أو غارم)، هو من غرم لا لنفسه بل لغيره، كإصلاح ذات البيت بأن يخاف وقوع فتنة بين شخصين أو قبيلتين فيستدين من يطلب صلاح الحال بينهما مالًا لتسكين الثائرة، فيجوز له أن يقضي ذلك من الزكاة وإن كان غنيًا. قال المصنف (٢) ﵀: ويحمل هذا الغارم على من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين كما في حديث قبيصة (٣) لا لمصلحة نفسه لقوله في حديث أنس (٤): "أو ذي غرم مفظع"، انتهى. قوله: (فأهدى منها لغني)، فيه جواز إهداء الفقير الذي صرفت إليه الزكاة بعضًا منها إلى الأغنياء، لأن صفة الزكاة قد زالت عنها. وفيه أيضًا دليل على جواز قَبول هدية الفقير للغني. وفي هذا الحديث دليل على أنها لا تحل الصدقة لغير هؤلاء الخمسة من الأغنياء، وما ورد بدليل خاص كان مخصصًا لهذا العموم كحديث عمر المتقدم (٥) في باب: ما جاء في الفقير والمسكين. ٢٥/ ١٦٠٦ - (وَعَنِ ابْنِ لَاسِ الخُزَاعِيّ قَالَ: حَمَلَنَا النَّبِيُّ ﷺ على إبلٍ مِنَ

стр. 3703

الصَّدَقَةِ إِلَى الْحَجِّ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا) (٢). [حسن] ٢٦/ ١٦٠٧ - (وَعَنْ أُمّ مَعْقِلٍ الأَسَدِيَّةِ أَنَّ زَوْجَهَا جَعَلَ بَكْرًا فِي سَبِيلِ الله وَأنها أرَادَتْ العُمْرَةَ، فَسَأَلَتْ زَوْجَهَا البَكْرَ فأبى، فأتَتِ النَّبِيّ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعْطِيهَا، وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الحَجُّ وَالعُمْرَةُ فِي سَبِيلِ الله"، رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٣). [صحيح بشواهده بدون "العمرة" وأما بها فشاذ] ٢٧/ ١٦٠٨ - (وَعَنْ يُوسُف بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامِ عَنْ جَدَّتِهِ أُمّ مَعْقِلِ قَالَتْ: لَمَّا حَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَجَّةَ الوَدَاعِ وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ فَجَعَلَهُ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ الله، وَأَصَابَنَا مَرَضٌ وَهَلَكَ أَبُو مَعْقل وَخَرَجَ النَّبِيّ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ حُجَّتِهِ جِئْتُهُ، فَقَال: "يَا أمّ مَعْقِلٍ مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجِي؟ "، قَالَتْ: لَقَدْ تَهَيَّأنا فَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ وَكَانَ لنَا جَمَلُ هُوَ الَّذِي نَحُجُّ عَلَيْهِ فَأَوْصَى بِهِ أَبُو مَعْقِلِ فِي سَبِيلِ الله، قَالَ: "فَهَلَّا خَرَجْتِ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الحَجَّ مِنْ سَبِيلِ اللهِ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٤). [صحيح بشواهده]

стр. 3704

حديث ابن لاس سيأتي الكلام عليه. وحديث أمّ معقل أخرجه بنحوه الرواية الأولى أبو داود (١) والنسائي (٢) والترمذي (٣) وابن ماجه (٤)، وفي إسناده رجل مجهول (٥). وفي إسناده أيضًا إبراهيم بن مهاجر (٦) عن جابر البجلي الكوفي وقد تكلم فيه غير واحد. وقد اختلف على أبي بكر بن عبد الرحمن فيه، فروى عنه عن رسول مروان الذي أرسله إلى أمّ معقل عنها (٧). وروي عنه عن أم معقل بغير واسطة (٨). وروي عنه عن أبي معقل (٩). والرواية الثانية التي أخرجها أبو داود (١٠) في إسنادها محمد بن إسحق وفيه مقال معروف (١١).

стр. 3705

قوله: (ابن لاس) هكذا في نسخ الكتاب الصحيحة [بلفظ] (١) ابن، والذي في البخاري (٢) أبي لاس، وكذا في التقريب (٣) في ترجمة عبد الله بن عَنَمة، ولاس بسين مهملة: خزاعي اختلف في اسمه فقيل: زياد، وقيل: عبد الله بن عنمة بمهملة ونون مفتوحتين، وقيل غير ذلك. له صحبة وحديثان هذا أحدهما، وقد وصله مع أحمد (٤) ابن خزيمة (٥) والحاكم (٦) وغيرهما (٧) من طريقه. قال الحافظ (٨): ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق (٩)، ولهذا توقف ابن المنذر في ثبوته.

стр. 3706

وأحاديث الباب تدل على أن الحج والعمرة من سبيل الله، وأن من جعل شيئًا من ماله في سبيل الله جاز له صرفه في تجهيز الحجاج والمعتمرين، وإذا كان شيئًا مركوبًا جاز حمل الحاجّ والمعتمر عليه. وتدل أيضًا على أنه يجوز صرف شيء من سهم سبيل الله من الزكاة إلى قاصدين الحجّ والعمرة. [الباب السابع] باب ما يذكر في استيعاب الأصناف ٢٨/ ١٦٠٩ - (عَنْ زِيادِ بن الحارِثِ الصُّدَائِيّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولُ الله ﷺ فَبَايَعْتُهُ، فَأَتى رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ الله لَمْ يَرْضَ بِحُكْمٍ نَبِيّ وَلا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١). [ضعيف] ويُرْوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِسَلَمَةَ بْنِ صَخْرِ: "اذْهَبْ إِلى صَاحِبِ صَدَقَةِ بَنِي زُريقٍ فَقُلْ لَهُ فَلْيَدْفَعْهَا إِلَيْكَ") (٢). [حسن] حديث زياد بن الحارث الصدائي في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي (٣)، وقد تكلم فيه غير واحد. وحديث سلمة بن صخر له طرق وروايات يأتي ذكر بعضها في الصيام (٤) وهذه إحداها.

стр. 3707

وقد أخرجها بهذا اللفظ أحمد في مسنده (١) بإسناد فيه محمد بن إسحق ولم يصرح بالتحديث، ومع هذا فهذه الرواية تعارض ما سيأتي من الروايات الصحيحة (٢): "أن النبي ﷺ أعانه بعرق من تمر من طريق جماعة من الصحابة". وإنما أورد المصنف هذه الرواية ههنا للاستدلال بها على أن الصرف في من لزمته كفارة من الزكاة جائز. قوله: (فجزَّأها) بتشديد الزاي. وهذا الحديث مع الآية يرد على المزني وأبي حفص بن الوكيل من أصحاب الشافعي (٣) حيث قالا: إنه يصرف خمس الزكاة إلى من يصرف إليه خمس الفيء والغنيمة. ويرد أيضًا على أبي حنيفة (٤) والثوري والحسن البصري حيث قالوا: يجوز صرفها إلى بعض الأصناف الثمانية حتى قال أبو حنيفة (٤): [إنه] (٥) يجوز صرفها إلى الواحد.

стр. 3708

وعلى مالك (١) حيث قال: يدفعها إلى أكثرهم حاجة، [أي] (٢) لأن كل الأصناف يدفع إليهم للحاجة فوجب اعتبار أمسهم حاجة. [الباب الثامن] باب تحريم الصدقة على بني هاشم ومواليهم دون موالي أزواجهم ٢٩/ ١٦١٠ - (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَخَذَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "كَخْ كَخْ، أَمَا عَلِمْتَ أنَّا لا نأكُل الصَّدَقَةَ؟ "، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). وَلمُسْلِمٍ (٤): "إِنَّا لا تَحِلُّ لنَا الصَّدَقَةُ"). [صحيح] قوله: (فجعلها في فيه) زاد في رواية (٥): "فلم يفطن له النبي ﷺ حتى قام ولعابه يسيل، فضرب النبي ﷺ شدقيه". قوله: (كخ كخ) (٦) بفتح الكاف وكسرها وسكون المعجمة مثقلًا ومخففًا وبكسرها منونة وغير منوّنة (٧)، فيخرج ذلك ستّ لغات. والثانية تأكيد للأولى وهي كلمة تقال لردع الصبي عند مناولة ما يستقذر، قيل: إنها عربية، وقيل: أعجمية، وزعم الداودي (٨) أنها معرّبة. وقد أوردها البخاري في باب: من تكلم بالفارسية (٩). قوله: (ارم بها)، في رواية لأحمد (١٠): "ألقها يا بني ألقها يا بني"، وكأنه

стр. 3709

كلمه أولًا بهذا فلما تمادى قال له: كخ كخ إشارة إلى استقذار ذلك، ويحتمل العكس. قوله: (لا تحل لنا الصدقة)، وفي رواية (١): "لا تحلّ لآل محمد الصدقة"، وكذا عند أحمد (٢) والطحاوي (٣) من حديث الحسن بن عليّ نفسه. قال الحافظ (٤): وإسناده قويّ. وللطبراني (٥) والطحاوي (٦) من حديث أبي ليلى الأنصاري نحوه. والحديث يدلّ على تحريم الصدقة عليه ﷺ . واختلف ما المراد بالآل هنا، فقال الشافعي (٧) وجماعة من العلماء: إنهم بنو هاشم وبنو المطلب. واستدلّ الشافعي على ذلك بأن النبي ﷺ أشرك بني المطلب مع بني هاشم في سهم ذوي القربى ولم يعط أحدًا من قبائل قريش غيرهم، وتلك العطية عوض عوّضوه بدلًا عما حرموه من الصدقة. كما أخرج البخاري (٨) من حديث جبير بن مطعم قال: "مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي ﷺ فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خُمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله ﷺ : إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد". وأجيب عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك لموالاتهم لا عوضًا عن الصدقة.

стр. 3710

وقال أبو حنيفة (١) ومالك (٢) والهادوية (٣): هم بنو هاشم فقط. وعن أحمد (٤) في (بني المطلب) روايتان. وعن المالكية (٥) فيما بين هاشم وغالب بن فهر قولان: فعن أصبغ منهم هم بنو قصي، وعن غيره بنو غالب بن فهر، كذا في الفتح (٦). والمراد ببني هاشم آل عليّ وآل عقيل وآل جعفر وآل العباس وآل الحرث، ولم يدخل في ذلك آل أبي لهب لما قيل: من أنه لم يسلم أحد منهم في حياته ﷺ . ويردّه ما في جامع الأصول (٧) أنه أسلم عتبة، ومعتب ابنا أبي لهب عام

стр. 3711

الفتح وسرّ ﷺ بإسلامهما ودعا لهما، وشهدا معه حنينًا والطائف، ولهما عقب عند أهل النسب (١). قال ابن قدامة (٢): لا نعلم خلافًا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة، وكذا قال أبو طالب من أهل البيت، حكي ذلك عنه في البحر (٣)، وكذا حكى الإجماع ابن رسلان. وقد نقل الطبري (٤) الجواز عن [أبي حنيفة (٥)] (٦). وقيل: عنه: تجوز لهم إذا حرموا سهم ذوي القربى، حكاه الطحاوي (٧) ونقله بعض المالكية عن الأبهري منهم. قال في الفتح (٨): وهو وجه لبعض الشافعية، وحكى فيه أيضًا عن أبي يوسف أنها تحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم. وحكاه في البحر (٩) عن زيد بن عليّ والمرتضى وأبي العباس والإمامية. وحكاه في الشفاء (١٠) عن ابني الهادي والقاسم العياني. قال الحافظ (١١): وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة: الجواز، المنع، وجواز التطوّع دون الفرض، عكسه.

стр. 3712

والأحاديث الدالة على التحريم على العموم ترد على الجميع. وقد قيل: إنها متواترة تواترًا معنويًا، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ (١)، وقوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ (٢)، ولو أحلها لآله أوشك أن يطعنوا فيه، ولقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٣). وثبت عنه ﷺ : "أن الصدقة أوساخ الناس"، كما رواه مسلم (٤). وأما ما استدلّ به القائلون بحلها للهاشمي من الهاشمي من حديث العباس الذي أخرجه الحاكم في النوع السابع والثلاثين من "علوم الحديث" (٥) بإسناد كله من بني هاشم: "أن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله إنك حرمت علينا صدقات الناس، هل تحلّ لنا صدقات بعضنا لبعض؟ قال: نعم". فهذا الحديث قد اتهم به بعض رواته، وقد أطال صاحب الميزان (٦) الكلام على ذلك، فليس بصالح لتخصيص تلك العمومات الصحيحة. وأما قول العلامة محمد بن إبراهيم الوزير (٧) بعد أن ساق الحديث ما

стр. 3713

لفظه: وأحسب له متابعًا لشهرة القول به. قال: والقول به قول جماعة وافرة من أئمة العترة وأولادهم وأتباعهم، بل ادّعى بعضهم أنه إجماعهم، ولعلّ توارث هذا بينهم يقوّي الحديث، انتهى. فكلام ليس على قانون الاستدلال؛ لأن مجرّد الحسبان أن له متابعًا، وذهاب جماعة من أهل البيت إليه لا تدلّ على صحته. وأما دعوى أنهم أجمعوا عليه فباطل باطل، ومطوّلات مؤلفاتهم ومختصراتها شاهدة لذلك (١). وأما قول الأمير في المنحة (٢): إنها سكنت نفسه إلى هذا الحديث بعد وجدان سنده، وما عضده من دعوى "الإجماع فقد عرفت بطلان دعوى الإجماع، وكيف يصح إجماع لأهل البيت والقاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله وجماعة من أكابرهم بل جمهورهم خارجون عنه (٣). أما مجرد وجدان السند للحديث بدون كشف عنه فليس مما يوجب سكون النفس.

стр. 3714

والحاصل أن تحريم الزكاة على بني هاشم معلوم من غير فرق أن يكون المزكي هاشميًا أو غيره، فلا يتفق من المعاذير عن هذا [المحرّم] (١) المعلوم إلا ما صحّ عن الشارع؛ لا ما لفَّقه الواقعون في هذه الورطة من الأعذار الواهية التي لا تخلص، ولا ما لم يصحّ من الأحاديث المروية في التخصيص، ولكثرة أكلة الزكاة من آل هاشم في بلاد اليمن خصوصًا أرباب الرياسة، قام بعض العلماء منهم في الذب عنهم، وتحليل ما حرم الله عليهم مقامًا لا يرضاه الله ولا نقاد العلماء، فألف في ذلك رسالة هي في الحقيقة كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا وصار يتسلَّى بها أرباب النباهة منهم. وقد يتعلل بعضهم بما قاله البعض منهم: إن أرض اليمن خراجية، وهو لا يشعر أن هذه المقالة مع كونها من أبطل الباطلات ليست مما يجوز التقليد فيه على مقتضى أصولهم، فالله المستعان، ما أسرع الناس إلى متابعة الهوى وإن خالف ما هو معلوم من الشريعة المطهرة. واعلم أن ظاهر قوله: "لا تحل لنا الصدقة"، عدم حل صدقة الفرض والتطوّع، وقد نقل جماعة منهم الخطابي (٢) الإجماع على تحريمها عليه ﷺ . وتُعقِّب بأنه قد حكى غير واحد عن الشافعي في التطوّع قولًا. وكذا في رواية عن أحمد. وقال ابن قدامة (٣): ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة.

стр. 3715

وأما آل النبي ﷺ فقال أكثر الحنفية (١) وهو المصحح عن الشافعية (٢) والحنابلة (٣) وكثير من الزيدية (٤): إنها تجوز لهم صدقة التطوّع دون الفرض، قالوا: لأن المحرّم عليهم إنما هو أوساخ الناس وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوّع. وقال في البحر (٥): إنه خصَّص صدقةَ التطوع القياس على الهبة والهدية والوقف، وقال أبو يوسف وأبو العباس: إنها تحرم عليهم كصدقة الفرض لأن الدليل لم يفصِّل. ٣٠/ ١٦١١ - (وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلى رَسُولِ الله ﷺ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي

стр. 3716

مَخْزُومٍ على الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِع: اصْحَبْنِي كَيما تُصِيب مِنْهَا، قالَ: لا، حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فأسألَهُ، وَانْطَلَقَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "إِن الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لَنَا، وَإن مَوَالِيَ القَوْم مِنْ أَنْفُسِهِمْ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلا ابْنَ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) (١). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا ابن خزيمة (٢) وابن حبان (٣) وصححاه. وفي الباب عن ابن عباس عند الطبراني (٤). قوله: (من أنفسهم) بضم الفاء، ولفظ الترمذي (٥): "مولى القوم منهم"، أي حكمه كحكمهم. الحديث يدلّ على تحريم الصدقة على النبي ﷺ وتحريمها على آله، وقد تقدم الكلام على ذلك [قريبًا] (٦). ويدل على تحريمها على موالي آل هاشم (٧)، ولو كان الأخذ على جهة العمالة وقد سلف ما فيه.

стр. 3717

قال الشافعي (١): حرم على مواليه من الصدقة ما حرّم على نفسه، وبه قال أبو حنيفة (٢) وأصحابه، وإليه ذهب المؤيد (٣) بالله وأبو طالب (٣)، وهو مروي عن الناصر (٣) وابن الماجشون (٣). وقال مالك (٤) والإمام يحيى: وهو مرويّ أيضًا عن الناصر والشافعي في قول له إنها تحلّ لهم. قال في البحر (٥): لأن علة التحريم مفقودة وهي الشرف. قلنا: الخبر يدفع ذلك، انتهى. ونصب هذه العلة في مقابل هذا الدليل الصحيح من الغرائب التي يعتبر بها المتيقظ. ٣١/ ١٦١٢ - (وَعَنْ أُمّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ بِشَاةٍ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَبَعَثْتُ إِلَى عَائِشَةَ مِنْهَا بِشَيْءٍ؛ فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: "هَلْ عِنْدَكمْ مِنْ شَيْءٍ؟ "، فَقَالَتْ: لَا إِلَّا أَنَّ نُسَيْبَةَ بَعَثَتْ إِلَيْنَا مِنَ الشَّاةِ الَّتِي بَعَثْتُمْ بِهَا إِلَيْهَا، فَقَالَ: "إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا"، مُتَّفقٌ عَلَيْهِ) (٦). [صحيح] ٣٢/ ١٦١٣ - (وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ: "هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟ "، فَقَالَتْ: لَا وَالله مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ إِلَّا عَظْمٌ مِنْ شَاةٍ أَعْطَيْتُهَا مَوْلَاتِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَال: "قَدِّمِيهَا فَقَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٧) وَمُسْلِمٌ) (٨). [صحيح] قوله: (هل عندكم من شيء) أي من الطعام. قوله: (نُسيبة)، قال في الفتح (٩): بالنون والمهملة والموحدة مصغرًا: اسم أم عطية، انتهى.

стр. 3718

وأما نسيبة بفتح النون وكسر السين فهي أم عمارة. قوله: (بلغت محلها)، أي أنها لما تصرفت فيها بالهدية لصحة ملكها لها انتقلت عن حكم الصدقة فحلت محل الهدية وكانت تحل لرسول الله ﷺ بخلاف الصدقة كما تقدم، كذا قال ابن بطال (١). قال في الفتح (٢): وضبطه بعضهم بكسرها من الحلول: أي بلغت مستقرها، والأول أولى، انتهى. والحديث الثاني يدل على أن موالي أزواج بني هاشم ليس حكمهم كحكم موالي بني هاشم فتحل لهم الصدقة. وقد نقل ابن بطال (٣) اتفاق الفقهاء على عدم دخول الزوجات في ذلك وفيه نظر؛ لأن ابن قدامة (٤) ذكر أن الخلَّال أخرج من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة أنها قالت: "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة" (٥). قال (٦): وهذا يدلّ على تحريمها. قال الحافظ (٧): وإسناده إلى عائشة حسن. وأخرجه ابن أبي شيبة (٥) أيضًا وهذا لا يقدح فيما نقله ابن بطال، وذكر ابن المنير أنها لا تحرم الصدقة على الأزواج قولًا واحدًا. ولا يقال إن قول البعض بدخولهن في الال يستلزم تحريم الصدقة عليهنّ، فإن ذلك غير لازم. وفي الحديثين أيضًا دليل على أنه يجوز لمن تحرم عليه الصدقة الأكل منها بعد مصيرها إلى المصرف وانتقالها عنه بهبة أو هدية أو نحوهما.

стр. 3719

وفي الباب عن عائشة عند البخاري (١) وغيره (٢): "أن النبي ﷺ أتي بلحم، فقالت له: هذا ما تصدّق به على بريرة، فقال: هو لها صدقة ولنا هدية". [الباب التاسع] باب نهي المتصدق أن يشتري ما تصدق به ٣٣/ ١٦١٤ - (عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قَالَ: حَمَلْتُ على فَرَسٍ فِي سَبِيل الله فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَريَهُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرِخَصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لَا تَشْتَرِهِ، وَلَا تَعُدْ فِي صدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صدَقَتِهِ كَالعَائِدِ في قَيْئِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] ٣٤/ ١٦١٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ حَمَلَ عَلَى فَرَس فِي سَبِيلِ الله. وَفِي لَفْظٍ: تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيل الله، ثمَّ رآها تُباعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيهَا، فَسَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ يَا عُمَرُ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (٤). زَادَ البُخَارِيُّ (٥): فَبِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا جَعَلَهُ صَدَقَةً). [صحيح] قوله: (عن عمر) هذا يقتضي أن الحديث من مسند عمر، والرواية الأخرى تقتضي أنه من مسند ابن عمر. ورجح الدارقطني الثاني. قوله: (حملت على فرس)، المراد أنه ملكه إياه ولذلك ساغ له بيعه. ومنهم من قال عمر قد حبسه، وإنما ساغ للرجل بيعه؛ لأنه حصل فيه هزال عجز بسببه عن اللحاق بالخيل وضعف عن ذلك، وانتهى إلى حالة عدم الانتفاع به؛ ويرجِّح الأوّل.

стр. 3720

قوله: "لا تعد في صدقتك" ولو كان حبسًا لعلله به. قوله: (فأضاعه)، أي لم يحسن القيام عليه وقصر في مؤنته وخدمته. وقيل: لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته. وقيل معناه: استعمله في غير ما جعل له، والأول أظهر. قوله: (وإن أعطاكه بدرهم)، هو مبالغة في تنقيصه وهو الحامل له على شرائه. قوله: (لا تعد) إنما سمي شراؤه برخص عودًا في الصدقة من حيث إن الغرض منها ثواب الآخرة، فإذا اشتراها برخص فكأنه اختار عرض الدنيا على الآخرة فيصير راجعًا في ذلك المقدار الذي سومح فيه. قوله: (كالعائد في قيئه)، استدل به على تحريم ذلك لأن القيء حرام (١). قال القرطبي: (٢) وهذا هو الظاهر من سياق الحديث. ويحتمل أن يكون التشبيه للتنفير خاصة لكون القيء مما يستقذر وهو قول الأكثر. ويلحق بالصدقة الكفارة والنذر وغيرهما من القربات. قوله: (لا يترك أن يبتاع إلخ)، أي [كان] (٣) إذا اتفق له أن يشتري شيئًا مما تصدَّق به لا يتركه في ملكه حتى يتصدق به، فكأنه فهم أن النهي عن شراء الصدقة إنما هو لمن أراد أن يتملكها لا لمن يردها صدقة. والحديث يدل على كراهة الرجوع عن الصدقة وأن شراءها برخص نوع من الرجوع فيكون مكروهًا. وقد قيل: إنه يعارض هذا الحديث المتقدِّم عن أبي سعيد (٤) في حل الصدقة لرجل اشتراها بماله. وجمع بينهما بحمل هذا على كراهة التنزيه.

стр. 3721

ولهذا قال المصنف (١) ﵀: وحمل قوم هذا على التنزيه، واحتجوا بعموم قوله: "أو رجل اشتراها بماله" في خبر أبي سعيد (٢)، ويدل عليه ابتياع ابن عمر وهو راوي الخبر، ولو فهم منه التحريم لما فعله وتقرّب بصدقة تستند إليه، انتهى. والظاهر أنه لا معارضة بين هذا وبين حديث أبي سعيد المتقدم (٢) لأن هذا في صدقة التطوع وذاك في صدقة الفريضة. فيكون الشراء جائزًا في صدقة الفريضة لأنه لا يتصور الرجوع فيها حتى يكون الشراء مشبهًا له، بخلاف صدقة التطوّع فإنه يتصوّر الرجوع فيها، فكره ما يشبهه وهو الشراء. نعم يعارض حديث الباب في الظاهر ما أخرجه مسلم (٣) وأبو داود (٤) والترمذي (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧): "أن امرأة أتت رسول الله ﷺ فقالت: كنت تصدّقت على أمي بوليدة وإنها ماتت وتركت تلك الوليدة، قال: [قد] (٨) وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث". ويجمع بجواز تملك الشيء المتصدّق به بالميراث؛ لأن ذلك ليس مشبهًا للرجوع عن الصدقة دون سائر المعاوضات (٩).

стр. 3722

[الباب العاشر] باب فضل الصدقة على الزوج والأقارب ٣٥/ ١٦١٦ - (عَنْ زينَبَ امْرأة عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ"، قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللهِ فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتَ اليَدِ، وإنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَدْ أَمَرَنا بالصَّدَقَةِ فَأتِهِ فاسأَلْهُ، فإنْ كَانَ ذَلِكَ يُجْزِئ عَنِّي وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلى غَيْرِكُمْ؛ قَالَتْ: فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: بَلِ ائْتيهِ أَنْتَ، قَالَت: فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا امْرَأة مِنَ الْأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ الله ﷺ حَاجَتِي حَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ المَهابَةُ، قَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلالٌ فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ الله ﷺ فَأخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ بِالْبَابِ يَسْألَانِكَ: أَتُجْزِئ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا، وَعَلَى أَيْتَام فِي حُجُورِهِما، وَلَا تُخْبِرْ مَنْ نَحْنُ، قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلالٌ فَسَأَلَهُ، قَالَ لَهُ: "مَنْ هُمَا؟ "، فَقَالَ: امْرأةٌ مِنَ الْأنْصَارِ وَزَيْنَبُ، فَقَالَ: "أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ "، فَقَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ، فَقَالَ: "لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَفي لَفْظ الْبُخَارِيّ (٢): أَيُجْزِئُ عَني أنْ أُنْفِقَ عَلى زَوْجِي، وَعَلى أيْتَامٍ لي في حِجْري؟). [صحيح] قوله: (إنك رجل خفيف ذات اليد) هذا كناية عن الفقر. وفي لفظ للبخاري (٢): "إن زينب كانت تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها، فقالت لعبد الله: سل رسول الله ﷺ أيجزئ عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ الحديث.

стр. 3723

قوله: (فإذا امرأة من الأنصار)، زاد النسائي (١) والطيالسي (٢): "يقال لها زينب"، وفي رواية للنسائي (١): "انطلقت امرأة عبد الله، يعني ابن مسعود وامرأة أبي مسعود، يعني عقبة بن عمرو الأنصاري". استدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة أن تدفع زكاتها إلى زوجها، وبه قال الثوري (٣) والشافعي (٤) وصاحبا أبي حنيفة (٥) وإحدى الروايتين عن مالك (٦)، وعن أحمد (٧)، وإليه ذهب الهادي (٨) والناصر (٨) والمؤيد بالله (٨). وهذا إنما يتم دليلًا بعد تسليم أن هذه الصدقة صدقة [واجبة] (٩)، وبذلك جزم المازري (١٠). ويؤيد ذلك قولها: "أيجزئ عني". وتعقبه عياض (١١) بأن قوله: "ولو من حليكن"، وكون صدقتها كانت من صناعتها يدلان على التطوّع، وبه جزم النووي (١٢). وتأوّلوا قولها: "أيجزئ عني"، أي في الوقاية من النار، كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا يحصل لها المقصود. وما أشار إليه من الصناعة احتج به الطحاوي (١٣) لقول أبي حنيفة (١٤): إنها لا تجزئ زكاة المرأة في زوجها.

стр. 3724

فأخرج (١) من طريق رائطة امرأة ابن مسعود أنها كانت امرأة [صنعاء] (٢) اليدين، فكانت تنفق عليه وعلى ولده، [وقال] (٣) فهذا يدل على أنها صدقة تطوّع. واحتجوا أيضًا على أنها صدقة تطوّع بما في البخاري (٤) من حديث أبي سعيد: "أن النبي ﷺ قال لها: زوجك وولدك أحقّ من تصدّقت عليهم"، قالوا: لأن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة بالإجماع كما نقله ابن المنذر (٥) والمهدي في البحر (٦) وغيرهما. وتعقب [هذا] (٧) بأن الذي [يمتنع] (٨) إعطاؤه من الصدقة الواجبة من تلزم المعطي نفقته، والأم لا يلزمها نفقة ابنها مع وجود أبيه. قال المصنف (٩) ﵀ بعد أن ساق الحديث: وهذا عند أكثر أهل العلم في صدقة التطوّع، انتهى. والظاهر أنه يجوز للزوجة صرف زكاتها إلى زوجها: أما أولًا: فلعدم المانع من ذلك، ومن قال إنه لا يجوز فعليه الدليل. وأما ثانيًا: فلأن ترك استفصاله ﷺ لها ينزل منزلة العموم، فلما لم يستفصلها عن الصدقة هل هي تطوّع أو واجب فكأنه قال: يجزي عنك فرضًا كان أو تطوّعًا. وقد اختلف في الزوج هل يجوز له أن يدفع زكاته إلى زوجته؟ فقال ابن المنذر (١٠): أجمعوا على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة

стр. 3725

شيئًا لأن نفقتها واجبة عليه (١). ويمكن أن يقال إن التعليل بالوجوب على الزوج لا يوجب امتناع الصرف إليها لأن نفقتها واجبة عليه غنية كانت أو فقيرة، فالصرف إليها لا يسقط عنه شيئًا. وأما الصدقة على الأصول والفصول (٢)، وبقية القرابة (٣) فسيأتي الكلام عليها. ٣٦/ ١٦١٧ - (وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وَابْنُ مَاجَه (٥) وَالتِّرْمِذِيُّ (٦). [صحيح لغيره] ٣٧/ ١٦١٨ - (وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ أفضَلَ الصَّدَقَةِ الصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الكَاشِحِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٧). [صحيح لغيره]

стр. 3726

وَلَهُ (١) مِثْلُهُ مِنْ حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ). [صحيح لغيره] ٣٨/ ١٦١٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا كَانَ ذَوُو قَرَابَةٍ لا تَعُولُهُمْ فأعْطِهِمْ مِنْ زَكاةِ مَالِكَ، وَإِنْ كُنْتَ تَعُولُهُمْ فَلا تُعْطِهِمْ وَلَا تَجْعَلْهَا لِمَنْ تَعُولُ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ فِي سُنَنِهِ). حديث سلمان أخرجه أيضًا النسائي (٢) وابن حبان (٣) والدارقطني (٤) والحاكم (٥) وحسنه الترمذي (٦). قال الحافظ (٧): وفي الباب عن أبي طلحة (٨) وأبي أمامة (٩) عند الطبراني. قوله: (الكاشح) (١٠) هو المضمر للعداوة.

стр. 3727

وقد استدل بالحديثين على جواز صرف الزكاة إلى الأقارب سواء كانوا ممن تلزم لهم النفقة أم لا، لأن الصدقة المذكورة فيهما لم تقيد بصدقة التطوّع. ولكنه قد تقدّم عن ابن المنذر (١) وصاحب البحر (٢) أنهما حكيا الإجماع على عدم جواز صرف الزكاة إلى الأولاد، وكذا سائر الأصول والفصول كما في البحر (٣) فإنه قال: (مسألة) ولا تجزئ في أصوله وفصوله مطلقًا إجماعًا. وقال صاحب ضوء النهار (٤): إن دعوى الإجماع وهم، قال: وكيف ومحمد بن الحسن ورواية عن العباس أنها تجزئ في الآباء والأمهات ثم قال: قلت: والمسألة في البحر (٣) لم تنسب إلى قائل فضلًا عن الإجماع. وهذا وهم منه ﵀. فإن صاحب البحر (٢) صرح بنسبتها إلى الإجماع كما حكيناه سالفًا، فقد نسبت إلى قائل وهم أهل الإجماع، إلا أنه يدل لما روي عن أبي العباس ومحمد بن الحسن ما في البخاري (٥) وأحمد (٦) عن معن بن يزيد قال: "أخرج أبي دنانير يتصدق بها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها، فقال: والله ما إياك أردت فجئت فخاصمته إلى رسول الله ﷺ فقال: لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن". وسيأتي هذا الحديث في كتاب الوكالة (٧). ولكنه يحتمل أن تكون الصدقة صدقة تطوع بل هو الظاهر. وقد روي عن مالك (٨) أنه يجوز الصرف في بني البنين وفيما فوق الجدّ والجدة. وأما غير الأصول والفصول من القرابة الذين تلزم نفقتهم فذهب الهادي (٩) والقاسم (٩) والناصر (٩) والمؤيد بالله (٩): ومالك (١٠) والشافعي (١١) إلى أنه لا يجزي الصرف إليهم.

стр. 3728

وقال أبو حنيفة (١) وأصحابه والإمام يحيى (٢): يجوز ويجزئ إذ لم يفصل الدليل لعموم الأدلة المذكورة في الباب. وقال الأولون: إنها مخصصة بالقياس ولا أصل له. وأما الأثر المروي عن ابن عباس فكلام صحابي ولا حجة فيه لأن للاجتهاد في ذلك مسرحًا. ويؤيد الجواز والإجزاء الحديث الذي تقدم عند البخاري (٣) بلفظ: "زوجك وولدك أحق من تصدّقت عليهم"، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزَّل منزلة العموم في المقال (٤) كما سلف، ثم الأصل عدم المانع، فَمَن زعم أن القرابة أو وجوب النفقة مانعان فعليه الدليل ولا دليل. [الباب الحادي عشر] باب زكاة الفطر ٣٩/ ١٦٢٠ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ علَى الْعَبْدِ وَالْحُرّ، وَالذَكَّرِ وَالْأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (٥). وَلأَحْمَدَ (٦) وَالْبُخَارِيّ (٧) وَأَبِي دَاوُدَ (٨) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي التَّمْرَ إلا عامًا وَاحِدًا أعْوَزَ التَّمرُ فَأَعْطَى الشَّعِيرَ.

стр. 3729

وَللْبُخَارِيّ (١): وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ). [صحيح] ٤٠/ ١٦٢١ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ زكاة الفِطْرِ صاعًا مِنْ طَعَامٍ، أوْ صاعًا مِنْ شَعِير، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبِ. أخرجاه (٢). وفي رِوَايَة: كُنَّا نُخْرِجُ زكاة الفِطْرِ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ الله ﷺ صاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا مُعَاوِيَةُ المَدِينَةَ، فَقَالَ: إني لأَرَى مُدَّيْنِ مِنْ سَمْرَاءِ الشَّامِ يَعْدِلُ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، فَأَخَذَ النَّاسُ بِذَلِكَ؛ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلا أَزَالُ أُخْرِجُهُ كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهُ. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ (٣). لكِنِ البُخَارِيُّ (٤) لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَلَا أَزَالُ إلخ. وَابْنُ مَاجَهْ (٥) لَمْ يَذْكُرْ لَفْظَةَ: أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ. وللنَّسائيّ (٦) عَنْ أَبي سَعِيدٍ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ الله ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أقِطٍ، وَهُوَ حُجَّةٌ فِي أَنْ الأقِطَ أَصْلٌ. [صحيح] وللدارَقُطْنِيّ (٧) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةُ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ الله عَن أبي

стр. 3730

سَعِيدٍ قَالَ: ما أخْرَجْنَا على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ إلا صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ سُلْتٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، أوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، فَقَالَ ابْنُ المَدِينِي لسُفْيَانَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إن أحَدًا لا يَذْكُرُ فِي هَذَا الدقِيقِ، فَقَالَ: بَلَى هُوَ فِيهِ. رَوَاهُ الدارَقُطْنِيُّ (١) واحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ على إِجْزَاءِ الدَّقِيقِ). [شاذ] قوله: (فرض)، فيه دليل على أن صدقة الفطر من الفرائض، وقد نقل ابن المنذر (٢) وغيره الإجماع على ذلك، ولكن الحنفية (٣) يقولون بالوجوب دون الفرضية على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب، قالوا: إذ لا دليل [قاطع] (٤) تثبت به الفرضية. ثم قال الحافظ (٥): وفي نقل الإجماع نظر؛ لأن إبراهيم بن علية وأبا بكر بن كيسان الأصمّ قالا: إن وجوبها نسخ. واستدل لهما بما روى النسائي (٦) وغيره (٧) عن قيس بن سعد بن عبادة قال: "أمرنا رسول الله ﷺ بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله".

стр. 3731

قال: وتعقب بأن في إسناده راويًا مجهولًا (١). وعلى تقدير الصحة فلا دليل فيه على النسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول، لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر. ونقل المالكية (٢) عن أشهب أنها سنة مؤكدة، وهو قول بعض أهل الظاهر (٣) وابن اللبان من الشافعية (٤). قالوا: ومعنى قوله في الحديث "فرض"، أي قدّر وهو أصله في اللغة كما قال ابن دقيق العيد (٥)، لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب، فالحمل عليه أولى. وقد ثبت أن قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ (٦) نزلت في زكاة الفطر كما روى ذلك ابن خزيمة (٧). قوله: (زكاة الفطر)، أضيفت الزكاة إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان، كذا قال في الفتح (٨). وقال ابن قتيبة: والمراد بصدقة الفطر صدقة النفوس، مأخوذ من الفطرة التي هي أصل الخلقة. قال الحافظ (٩): والأول أظهر. ويؤيده قوله في بعض طرق الحديث: "زكاة الفطر في رمضان" (١٠).

стр. 3732

وقد استدل بقوله: "زكاة الفطر"، على أن وقت وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر، لأنه وقت الفطر من رمضان. وقيل: وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد؛ لأن الليل ليس محلًا للصوم، وإنما يتبين الفطر الحقيقي بالأكل بعد طلوع الفجر. والأول قول الثوري وأحمد (١) وإسحق، والشافعي في الجديد (٢) وإحدى الروايتين عن مالك (٣). والثاني قول أبي حنيفة (٤) والليث والشافعي في القديم (٥). والرواية الثانية عن مالك (٣)، وبه قال الهادي (٦) والقاسم (٦) والناصر (٦) والمؤيد بالله (٦). ويقويه قوله في حديث ابن عمر الآتي (٧): أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة، ولكنها لم تقيد القبلية بكونها في يوم الفطر. قال ابن دقيق العيد (٨): الاستدلال بقوله: "زكاة الفطر" على الوقت ضعيف لأن الإضافة إلى الفطر لا تدلّ على وقت الوجوب بل تقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان. وأما وقت الوجوب فيطلب من أمر آخر. قوله: (صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير)، قال في الفتح (٩): انتصب صاعًا على التمييز أو أنه مفعول ثان. قوله: (على العبد والحرّ)، ظاهره يدلّ على أن العبد يخرج عن نفسه، ولم يقل به إلا داود (١٠) فقال: يجب على السيد أن يمكن عبده من الاكتساب لها.

стр. 3733

ويدلّ على ما ذهب إليه الجمهور من كون الوجوب على السيد حديث: "ليس على المرء في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر" (١)، ولفظ مسلم (٢): "ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر". قوله: (والذكر والأنثى)، ظاهره وجوبها على المرأة سواء كان لها زوج أم لا، وبه قال الثوري (٣) وأبو حنيفة (٤) وابن المنذر (٥). وقال مالك (٦) والشافعي (٧) والليث (٨) وأحمد (٩) وإسحاق (١٠): تجب على زوجها تبعًا للنفقة.

стр. 3734

قال الحافظ (١): وفيه نظر، لأنهم قالوا: إن أعسر وكانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على السيد بخلاف النفقة فافترقا. واتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزمه، وإنما احتج الشافعي (٢) بما رواه من طريق محمد بن علي الباقر مرسلًا: "أدوا صدقة الفطر عمن تموِّنون"، وأخرجه البيهقي (٣) من هذا الوجه، فزاد في إسناده ذكر علي وهو منقطع. وأخرجه (٤) من حديث ابن عمر وإسناده ضعيف. وأخرجه أيضًا عنه الدارقطني (٥).

стр. 3735

قوله: (والصغير والكبير)، وجوب فطرة الصغير في ماله والمخاطب بإخراجها وليه إن كان للصغير مال، وإلا وجبت على من تلزمه النفقة وإلى هذا ذهب الجمهور (١). وقال محمد بن الحسن (٢): هي على الأب مطلقًا، فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه. وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري (٣): لا تجب إلا على من صام. واستدل لهما بحديث ابن عباس الآتي (٤) بلفظ: "صدقة الفطر طهرة للصائم". قال في الفتح (٥): وأجيب بأن ذكر التطهير خرج مخرج الغالب كما أنها تجب على من لا يذنب كمتحقق الصلاح أو من أسلم قبل غروب الشمس بلحظة. قال فيه (٦): ونقل ابن المنذر (٧) الإجماع على أنها لا تجب على الجنين، وكان أحمد (٨) يستحبه ولا يوجبه.

стр. 3736

قوله: (من المسلمين)، فيه دليل على اشتراط الإسلام في وجوب الفطرة فلا تجب على الكافر. قال الحافظ (١): وهو أمر متفق عليه، وهل يخرجها عن غيره كمستولدته المسلمة؟ نقل ابن المنذر (٢) فيه الإجماع على عدم الوجوب، لكن فيه وجه للشافعية (٣) ورواية عن أحمد (٤)، وهل يخرجها المسلم عن عبده الكافر؟ قال الجمهور (٥): لا، خلافًا لعطاء والنخعي والثوري والحنفية وإسحق (٦). واستدلوا بقوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر" (٧). وأجاب الجمهور بأنه يبنى عموم قوله: "في عبده" على خصوص قوله: "من المسلمين" في حديث الباب. ولا يخفى أن قوله: "من المسلمين" أعم من قوله: "في عبده" من وجه، وأخص من وجه، فتخصيص أحدهما بالآخر تحكم. ولكنه يؤيد اعتبار الإسلام ما عند مسلم (٨) بلفظ: "على كل نفس من المسلمين حرّ أو عبد".

стр. 3737

واحتجّ بعضهم على وجوب إخراجها عن العبد بأن [ابن] (١) عمر راوي الحديث كان يخرج عن عبده الكافر وهو أعرف بمراد الحديث. وتعقبه بأنه لو صحّ حمل على أنه كان يخرج عنهم تطوعًا ولا مانع منه. وظاهر الأحاديث عدم الفرق بين أهل البادية وغيرهم، وإليه ذهب الجمهور (٢). قال الزهري وربيعة والليث: إن زكاة الفطر تختص بالحاضرة ولا تجب على أهل البادية. قوله: (أعوز التمر) (٣) بالمهملة والزاي: أي احتاج، يقال: أعوزني الشيء: إذا احتجت إليه فلم أقدر عليه. وفيه دليل على أن التمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر. قوله: (بيوم أو يومين)، فيه دليل على جواز تعجيل الفطرة قبل يوم الفطر. وقد جوزه الشافعي (٤) من أول رمضان،

стр. 3738

وجوزه الهادي (١) والقاسم (١) وأبو حنيفة (٢) وأبو العباس (١) وأبو طالب (١) ولو إلى عامين عن البدن الموجود. وقال [الكرخي] (٣) وأحمد بن حنبل (٤): لا تقدم على وقت وجوبها إلا ما يغتفر كيوم أو يومين. وقال مالك (٥) والناصر (١) والحسن بن زياد (١): لا يجوز التعجيل مطلقًا كالصلاة قبل الوقت. وأجاب عنهم في البحر (٦) بأن ردها إلى الزكاة أقرب. وحكى الإمام [يحيى] (٧) إجماع السلف على جواز التعجيل. قوله: (صاعًا من طعام إلخ)، ظاهره المغايرة بين الطعام وبين ما ذكر بعده. وقد حكى الخطابي (٨) أن المراد بالطعام هنا الحنطة، وأنه اسم خاصّ له. قال هو وغيره: قد كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام، فهم منه سوق القمح. وإذا غلب العرف نُزِّل اللفظ عليه؛ لأنه لما غلب استعمال اللفظ فيه كان [حضوره] (٩) عند الإطلاق أغلب.

стр. 3739

قال في الفتح (١): وقد ردّ ذلك ابن المنذر وقال: ظن بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد (٢): "صاعًا من طعام" حجة لمن قال: صاع من حنطة، وهذا غلط منه، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره. ثم أورد طريق حفص بن ميسرة عند البخاري (٣) وغيره أن أبا سعيد قال: "كنا نخرج في عهد النبي ﷺ يوم الفطر صاعًا من طعام"، قال أبو سعيد: وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر، وهي ظاهرة فيما قال. وأخرج الطحاوي (٤) نحوه من طريق أخرى. وأخرج ابن خزيمة (٥) والحاكم (٦) في صحيحيهما أن أبا سعيد قال لما ذكروا عنده صدقة رمضان: "لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله ﷺ صاع تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع أقط، فقال له رجل من القوم: أو مدين من قمح؟ فقال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها". قال ابن خزيمة: ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد هذا غير محفوظ ولا أدري ممن الوهم، ويدلّ على أنه خطأ. قوله: (فقال رجل إلخ)، إذ لو كان أبو سعيد أخبر أنهم كانوا يخرجون منها (٧) صاعًا لما قال الرجل: "أو مدّين من قمح"، وقد أشار أيضًا أبو داود (٨) إلى أن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ. قوله: (حتى قدم معاوية)، زاد مسلم (٩): (حاجًا أو معتمرًا وكلم الناس على المنبر). وزاد ابن خزيمة (١٠) "وهو يومئذ خليفة".
следующие страницы →