← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 410–449 · переход к 415.

стр. 410

السلفُ في ذلكَ فمنهم مَنْ لم يحدَّ بحدٍّ بلْ قالَ: لا يتركُها إلى حدِّ الشهرةِ ويأخذُ منها، وكرِهَ مالكٌ طولَها جِدًّا، ومنهم مَنْ حدَّ بما زادَ على القبضَةِ فَيُزَالُ، ومنهم من كرِهَ الأخذَ منها إلا في حجٍّ أَو عُمرةٍ". قوله: (واستنشاقُ الماءِ) سيأتي الكلامُ عليه في الوضوءِ. قوله: (وغسْلُ البراجِمِ) هي بفتحِ الباءِ الموحدةِ وبالجيمِ جمعُ بُرْجُمَةٍ بضمِّ الباءِ والجيمِ، وهي عُقَدُ الأصابعِ ومعاطِفُها كلُّها وغسْلُها سنةٌ مستقِّلةٌ ليستْ بواجبةٍ. قالَ العلماءُ: ويلحَقُ بالبراجِمِ ما يجتمِعُ من الوسَخِ في معاطِفِ الأذُنِ وقَعْرِ الصَّماخِ فَيزيلُه بالمسحِ ونحوِه. قوله: (وانتقاصُ الماءِ) هو بالقافِ والصادِ المهملةِ. وقد ذكرَ المصنفُ تفسيرَهُ بأنهُ الاستنجاءُ وكذلكَ فسرهُ وكيعٌ. وقالَ أبو عُبيدٍ (١) وغيرُه: معناهُ: انتقاصُ البولِ بسببِ استعمالِ الماءِ في غسلِ مذاكيرهِ. وقيلَ: هو الانتِضَاحُ (٢). وقد جاءَ في روايةٍ بدلَ الانتقاصِ الانتضاحُ، والانتضاحُ: نضحُ الفرجِ بماءٍ قليلٍ بعدَ الوضوءِ لينفيَ عنه الوسواسَ، وذكرَ ابنُ الأثير (٣) أَنهُ روَى انتفاصُ بالفاءِ والصادِ المهملةِ، وقالَ في فصلِ الفاءِ قيلَ: الصوابُ أَنهُ بالفاءِ قالَ: والمرادُ نضحُهُ على الذكَرِ لقولِهم: لنضحِ الدمِ القليلِ نفصهُ وجمعُها نفُصٌ، قالَ النوويُّ (٤): وهذا الذي نقلَهُ شاذٌ. قوله: (ونسيتُ العاشرةَ إلَّا أَنْ تكونَ المضمضةُ) هذا شكٌ منهُ، قالَ القاضي عياضٌ (٥): ولعلَّها الخِتانُ المذكورُ معَ الخمسِ الأُوْلَى، قالَ النوويُّ (٦): وهو أَوْلَى وسيأتي الكلامُ على المضمضةِ في الوضوءِ. وقد استَدلَّ الرافعيُّ بالحديثِ على أَن المضمضةَ والاستنشاقَ سنةٌ. وَرَوَى الحديثَ بلفظِ: "عشرٌ مِنَ السنةِ"، وردَّه الحافظُ

стр. 411

في التلخيصِ (١) بأنَّ لفظَ الحديثِ: "عشرٌ مِنَ الفِطرةِ"، قالَ: بلْ ولو وردَ بلفظِ مِنَ السنةِ لم ينتهضْ دليلًا على عدمِ الوجوبِ لأنَّ المرادَ بهِ السنةُ أَي الطريقةُ لا السنةُ بالمعنى الاصطلاحيِّ الأصوليِّ". قالَ: وفي البابِ عن ابن عباسٍ مرفوعًا: "المضمضةُ والاستنشاقُ سنة" رواه الدارقطني (٢) وهو ضعيف. [الباب الخامس] باب الختان ١٤/ ١٣١ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أن النَّبِيّ ﷺ قالَ: "اخْتَتنَ إبْراهِيمُ خَلِيلُ الرَّحمن بَعْدَ ما أتتْ عَليهِ ثَمانُونَ سَنةً، وَاخْتَتَنَ بِالقَدُومِ". مُتَّفَقٌ عَليْهِ إلَّا أن مُسْلِمًا لمْ يَذْكُرِ السِّنينَ) (٣). [صحيح] قوله: (الخِتانُ) (٤) بكسرِ المعجمةِ وتخفيفِ المثناةِ مصدرُ خَتَنَ أَي قَطَعَ، والخَتْنُ بفتحٍ ثم سكونٍ قطعُ بعضٍ مخصوصٍ من عضوٍ مخصوصٍ، والاختِتَانُ والختانُ اسمٌ لِفِعْلِ الخاتنِ، ولموضِعِ الختانِ كما في حديثِ عائشةَ: "إذا التقَى الختانانِ" (٥).

стр. 412

قال الماوردِيُّ (١): ختانُ الذكرِ: قطعُ الجلْدَةِ التي تُغطي الحشفةَ، والمستحبُّ أَن تُستوعبَ من أَصْلِها عندَ أَولِ الحشفةِ، وأَقل ما يُجزئُ أَنْ لا يبقى منها ما يتغشَّى بهِ. وقالَ إمامُ الحرمين (٢): المستحقُّ في الرجالِ قطعُ القُلْفةِ وهي الجلْدةُ التي تغطي الحشفةَ حتى لا يبقَى من الجِلْدةِ شيءٌ يتدلَّى. وقالَ ابنُ الصَّبَّاغ (٣): حتى تنكشِفَ جميعُ الحشفةِ. وقالَ ابنُ كجٍّ (٤) فيما نقلَهُ الرافعيُّ: يتأدى الواجبُ بقطعِ شيءٍ مما فوقَ الحشفةِ وإنْ قلَّ بشرطِ أَنْ يستوعِبَ القطعُ تدويرَ رأسِها. قالَ النووي (٥): وهو شاذٌ والأولُ هو المعتمدُ. قالَ الإِمامُ: والمستحِقُّ من خِتَانِ المرأةِ ما ينطلِقُ عليهِ الاسمُ. وقالَ الماورديُّ (٦): خِتانُها [قطعُ جلدَةٍ تكونُ في أَعلَى فرجِها فوقَ مَدْخَلِ الذَّكَرِ، كالنواةِ أو كعُرفِ الديكِ، والواجِبُ] (٧) قطعُ الجلدةِ المستعليةِ منهُ دون استئصالِهِ. قالَ النووي ويُسمى خِتانُ الرجلِ: إِعْذَارًا بذالٍ معجمةٍ، وخِتانُ المرأةِ: خَفضًا بخاءٍ وضادٍ معجمتينِ (٨).

стр. 413

وقالَ أبو شامةَ: كلامُ أهلِ اللغةِ يقتضي تسميةَ الكلِّ إعذارًا، والخفضُ يختصُّ بالنساءِ. قالَ أَبو عُبيدٍ (١): عَذَرْتُ الجاريةَ والغلامَ وأعذرتُهما خَتنتُهما واخْتتنتُهما وَزْنًا ومعنًى. قالَ الجوهريُّ (٢): والأكثرُ خَفَضْتُ الجاريةَ، قالَ: وتزعمُ العربُ أن الولدَ إذا وُلِدَ في القمرِ اتسعتْ قَلفتهُ فصارَ كالمختونِ، وقد استحبَّ جماعةٌ مِنَ العلماءِ فيمنْ ولِدَ مختونًا أن يمر بالموسى على موضِعِ الخِتانِ من [غيرِ] (٣) قطعٍ. قالَ أَبو شامةَ: وغالبُ من يكونُ كذلكَ لا يكونُ خِتانهُ تامًّا بلْ يظهرُ طرفُ الحشفةِ فإنْ كانَ كذلكَ وجبَ تكميلُه. قوله: (بالقَدُومِ) هو بفتحِ القافِ وضمِّ الدالِ وتخفيفِها: آلةُ النِّجارَةِ، وقيلَ اسمُ الموضِعِ الذي اختتنَ فيه إبراهيمُ، وهو الذي في القاموسِ (٤). قوله: إلَّا أن مسلمًا لم يذكُرِ السنينُ يقالُ: قد ذكره في بابِ فضلِ إبراهيمَ الخليلِ من روايةِ أبي هريرةَ معَ ذكرِ السنينَ (٥). [أقوال العلماء في حكم الختان ووقته]: وأوردَ المصنفُ الحديثَ في هذا البابِ للاستدلالِ بهِ على أن مدةَ الخِتانِ لا تختصُّ بوقتٍ معينٍ، وهو مذهبُ الجمهورِ وليسَ بواجبٍ في حالِ الصِّغَرِ، وللشافعيةِ (٦) وجْهٌ أنه يجبُ على الوليِّ أن يختِنَ الصغيرَ قبلَ بلوغِهِ ويردُّهُ حديثُ ابن عباسٍ الآتي (٧)، ولهمْ أيضًا وجهٌ أنه يحرمُ قبلَ عشرٍ سنينَ ويردُّهُ حديثُ: "أن النبيَّ ﷺ ختنَ الحسنَ والحسينَ يومَ السابعِ من ولادتِهِمَا"، أخرجَهُ الحاكمُ (٨)

стр. 414

والبيهقيُّ (١) من حديثِ عائشةَ، وأخرجَهُ البيهقيُّ (٢) من حديثِ جابرٍ. قالَ النوويُّ (٣) بعدَ أن ذكرَ هذينِ الوجهينِ: "وإذا قلْنا بالصحيحِ استُحِبَّ أنْ يُختتنَ في اليومِ السابعِ من ولادتِهِ، وهل يُحسبُ يومُ الولادَةِ من السبعِ أو يكونُ سبعةٌ سواهُ، فيه وجهانِ أظهرُهما يُحسبُ" انتهى. واختُلِفَ في وجوبِ الخِتانِ؛ فروى الإِمامُ يحيى عن العترةِ (٤) والشافعيِّ (٥) وكثيرٍ من العلماءِ أنه واجِبٌ في حقِّ الرجالِ والنساءِ. وعندَ مالكٍ (٦) وأبي حنيفةَ (٧) والمرتضى، قالَ النوويُّ (٨): وهو قولُ أكثَرِ العلماءِ أنهُ سنةٌ فيهما. وقالَ الناصِرُ والإِمامُ يحيى: إنه واجِبٌ في الرجالِ لا النساءِ. احتجَّ الأولونَ بما سيأتي من حديثِ عُثيمٍ (٩) بلفظِ: "أَلقِ عنكَ شعرَ الكفرِ واختَتِنْ"، وهو لا ينتهضُ لِلْحُجِّيَّةِ لما فيهِ من المقالِ الذي سنبينُهُ هنالِكَ. وبحديثِ أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ أسلَمَ فليختَتِنَ"، وقد ذكرَهُ الحافظُ في التلخيصِ (١٠)، ولم يضعِّفْهُ، وتُعُقِّبَ بقولِ ابن المنذِر (١١): ليسَ في الختانِ خبرٌ يُرجعُ إليه ولا سنةٌ تُتَّبَعُ. وبحديثِ أُمِّ عطيةَ - وكانتْ خافِضَةً أي خاتنة - بلفظِ: "أشْهي ولا تُنهكي"

стр. 415

عندَ الحاكمِ (١) والطبرانيِّ (٢) والبيهقيِّ (٣) وأبي نعيمٍ (٤) من حديثِ الضَّحَّاكِ بن قيسٍ. وقد اختُلِفَ فيهِ على عبدِ الملكِ بن عُميرٍ فقيلَ عنه عن الضحاكِ. وقيلَ عنهُ عن عطيةَ القُرظيِّ، رواهُ أَبو نعيم (٥). وقيلَ عنه عن أمِّ عطيةَ رواهُ أَبو داودَ في السننِ (٦)، وأعلَّه بمحمدِ بن حسانَ. فقالَ: إنه مجهولٌ ضعيفٌ، وتبعَهُ ابنُ عديٍّ (٧) في تجهيلِهِ، والبيهقيُّ (٨)، وخالفَهُم عبد الغنيِّ بنُ سعيدٍ فقالَ: هو محمدُ بنُ سعيدٍ (٩) المصلوبُ في الزندقَةِ. ورواهُ ابنُ عديٍّ (١٠) من حديثِ سالم بن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، والبزارُ (١١) من حديثِ نافعٍ، كلاهُما عن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ مرفوعًا بلفظِ: "يا نساءَ الأنصارِ اخْتَضِبْنَ غَمْسًا، واختَفِضْنَ ولا تُنهِكْنَ، وإياكُنَّ وكُفرانَ النعَمِ". قالَ الحافظُ (١٢):

стр. 416

وفي إسنادٍ أَبي نعيم مَندلُ بنُ عليٍّ (١) وهو ضعيفٌ، وفي إسنادِ ابن عديٍّ خالدُ بنُ عمرٍو القرشيُّ (٢) وهو أَضعفُ من مندل. ورواهُ الطبراني (٣) وابنُ عَدي (٤) من حديثِ أَنسٍ نحو حديثِ أَبي داود، قالَ ابنُ عديٍّ (٥): تفرَّدَ بهِ زائدةُ وهو منكرٌ، قالَهُ البخاري (٦) عن ثابت. وقال الطبراني (٧): تفرَّدَ بهِ محمدُ بنُ سلامٍ. واحتجَّ القائلونَ بأنهُ سنَّةٌ بحديث: "الختانُ سنةٌ في الرجال مَكْرمةٌ في النساءِ". رواهُ أَحمدُ (٨) والبيهقيُّ (٩) من حديثِ الحجاجِ بن أرطَاةَ عن أبي المليحِ بن أسامةَ عن أبيهِ، والحجاجُ مدلَّسٌ (١٠)، وقد اضطربَ فيه، فتارة رواهُ هكذا، وتارةً رواهُ بزيادةِ شدادِ بن أَوسِ بعدَ والدِ أبي المُليح، أخرجَهُ ابنُ أَبي شيبة (١١)، وابنُ أَبي حاتم في العللِ (١٢)، والطبراني في الكبيرِ (١٣)، وتارة رواهُ عن مكحولٍ عن أَبي

стр. 417

أَيوبَ، أخرجَهُ أحمدُ وذكرَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في العللِ (١)، وحكي عن أَبيهِ أنه خَطَأٌ من حجاجٍ أَو مِنَ الراوي عنهُ، وهو عبدُ الواحدِ بنُ زيادٍ. وقالَ البيهقي (٢): هو ضعيفٌ منقطعٌ. وقالَ ابنُ عبدِ البر في التمهيدِ (٣): "هذا الحديثُ يدورُ على حجاجِ بن أرطاةَ، وليسَ ممن يُحتجُّ بهِ". قالَ الحافظُ (٤): وله طريقٌ أخرى من غيرِ رواية حجاج، فقد رواة الطبرانيُّ في الكبيرِ (٥)، والبيهقيُّ (٦) من حديثِ ابن عباس مرفوعًا، وضعفَهُ البيهقي في السننِ، وقالَ في المعرفة (٧): "لا يصحُّ رفعُهُ، وهو من روايةِ الوليدِ عن أبي ثوبانَ عن ابن عجلانَ عن عِكرمَةَ عنه، ورواتُهُ موثقُونَ إلَّا أن فيهِ تدليسًا" اهـ. ومعَ كونِ الحديثِ لا يصلُحُ للاحتجاجِ لا حجةَ فيه على المطلوبِ؛ لأنَّ لفظةَ السنةِ في لسانِ الشارعِ أعمُّ من السنةِ في اصطِلاحِ الأصوليينَ (٨). واحتجَّ المفصِّلونَ [بوجوبِهِ] (٩) على الرجالِ بحججِ القول الأول. ولعدَمِ وجوبِه على النساءِ بما في الحديثِ الذي احتجَّ بهِ أَهل القولِ الثاني من قولِهِ: "مكرمةٌ في النِّساءِ"، والحقُّ أنه لم يقُم دليلٌ صحيحٌ يدلُّ على الوجوبِ، والمتيقَّنَ السنيَّةِ كما في حديثِ: "خمسٌ مِنَ الفِطْرَةِ" (١٠) ونحوه، والواجبُ الوقوفُ على المتيقَّنِ إلى أن يقومَ ما يوجِبُ (١١) الانتقالَ عنه.

стр. 418

قالَ البيهقيُّ (١): "أَحسَنُ الحججِ أن يُحتجَّ بحديثِ أبي هريرةَ المذكورِ في الباب أن إبراهيم اختتنَ وهم ابنُ ثمانينَ سنة، وقد قالَ اللَّهُ تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ (٢). وصحَّ عن ابن عباسٍ (٣) أنَّ الكلماتِ التي ابتُلي بِهنَّ إبراهيمُ فأتمهنَّ هُنَّ خِصَالُ الفِطرةِ ومنهنَّ الخِتانُ. والابتلاءُ غالبًا إنما يقعُ بما يكونُ واجِبًا. وتُعُقِّبَ بأنه لا يلزمُ ما ذُكِرَ إلَّا إنْ كانَ إبراهيمُ فعلَهُ على سبيلِ الوجوبِ، فإنه من الجائِزِ أن يكونَ فعلُه على سبيلِ الندبِ فيحصلُ امتثالُ الأمرِ باتباعِهِ على وفْقِ ما فعلَ، وقد تقررَ أن الأفعالَ لا تدلُّ على الوجوبِ. وأيضًا فباقي الكلماتِ العشْرِ ليستْ واجبةً. وقالَ الماوردي: إنَّ إبراهيمَ لا يفعلُ ذلكَ في مثلِ سِنِّهِ إلا عنْ أمرٍ منَ اللَّهِ. والحاصلُ أن الاستدلالَ بفعلِ إبراهيمَ على الوجوبِ يتوقَّفُ على أنهُ كان عليهِ واجبًا، فإن ثبتَ ذلكَ استقامَ الاستدلالُ. ١٥/ ١٣٢ - (وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سئِلَ ابْنُ عَبَّاس: مِثْلُ مَنْ أنْتَ حِينَ قُبِضَ رَسُولُ الله ﷺ ، قالَ: أنا يَوْمَئذٍ مَخْتونٌ، وكانوا لا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ. رَواهُ البُخارِيُّ) (٤). [صحيح]

стр. 419

قوله: (حتى يُدركَ) الإدراكُ (١) في أصلِ اللُّغةِ بلوغُ الشيءِ وقتَهُ، وأرادَ بهِ هاهُنا البلوغَ. والحديثُ يدلُّ على ما أسلفناهُ مِنْ أن الختانَ غيرُ مختصٍّ بوقتٍ معينٍ، وقد تقدَّمَ الكلامُ فيه في الحديثِ الذي قبلَهُ، ومن فوائدِ هذا الحديثِ أن ابنَ عباسٍ كان عندَ موتِ النبيِّ ﷺ في سِن البلوغِ، وسيأتي ذِكْرُ الاختلافِ في عُمُرِهِ عندَ موتِ النبيِّ ﷺ في بابِ ما يقطَعُ الصلاةَ بمرورِهِ من أبوابِ السِّتْرَةِ (٢). ١٦/ ١٣٣ - (وعَن ابْنِ جُرَيْج قالَ: أخبِرْتُ عَنْ عُثيْمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّه جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: قَدْ أسْلَمْتُ، قالَ: "أَلْقِ عَنْكَ شَعَر الكُفْرِ"، يَقُولُ احْلِقْ، قالَ: وأخبَرَنِي آخَرُ معهُ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ - لِآخَرَ - "ألَقِ عَنْكَ شَعَر الكُفْرِ واخْتَتِنْ". رَواهُ أحْمَدُ (٣) وأبُو دَاودَ) (٤). [حسن بشواهده] وأخرجَهُ أيضًا الطبرانيُّ (٥)، وابنُ عديٍّ (٦) والبيهقيُّ (٧)، قالَ الحافظُ (٨): "وفيهِ انقطاعٌ، وعُثَيمٌ وأبوُه مجهولانِ، قالَهُ ابنُ القطانِ. وقالَ عبدَانُ: هو عُثَيم بنُ كثير بن كُليبٍ، والصحابيُّ هو كُليبٌ، وإنما نُسِبَ عُثيمٌ في الإِسنادِ إلى جدِّهِ، وقد

стр. 420

وقعَ مُبينًا في روايةِ الواقديِّ، أخرجَهُ ابنُ مندَهْ في المعرفةِ (١)، وقالَ ابنُ عديٍّ (٢): الذي أخبرَ ابنَ جُريجٍ بهِ هو إبراهيمُ بنُ أبي يحيى (٣)، وعُثيمٌ بضمِّ العينِ المهمَلةِ ثم ثاءٍ مثلثةٍ بلفظِ التصغير". والحديثُ استدلَّ بهِ من قالَ بوجوب الخِتانِ لما فيه من لفظِ الأمرِ بهِ، وقد تقدَّمَ الكلامُ عليه. (فائدة) اختُلِفَ في خِتانِ الخُنثى فقيلَ: يجبُ ختانُهُ في فرجيْهِ قبلَ البلوغِ. وقيلَ: لا يجوزُ حتى يتبينَ، وهو الأظهَرُ، قالَهُ النوويُّ (٤). وأما مَنْ له ذَكَرانِ فإن كانَا عاملينِ وجب خِتانُهما، وإن كانَ أحدُهما عاملًا دونَ الآخَرِ خُتِنَ، وإذا ماتَ إنسانٌ قبلَ أن يُختنَ فلأصحابِ الشافعي ثلاثةُ أوجهٍ: الصحيحُ المشهورُ: لا يُختنُ كبيرًا كانَ أو صغيرًا، والثاني: يُختنُ، والثالثُ: يُختنُ الكبيرُ دونَ الصغيرِ. [الباب السادس] باب أخذ الشارب وإعفاء اللحية ١٧/ ١٣٤ - (عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ لمْ يَأخذْ مِنْ شارِبِهِ فَليسَ مِنَّا". رَواهُ أحْمَد (٥) والنَّسائي (٦) والتِّرْمذِيُّ (٧) وقال حديثٌ: صَحيحٌ). [صحيح]

стр. 421

١٨/ ١٣٥ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "جُزُّوا الشَّوَاربَ وأرْخُوا اللِّحى، خالِفُوا المَجوسَ" رَوَاهُ أحْمَد (١) ومسْلِمٌ) (٢). [صحيح] ١٩/ ١٣٦ - (وعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : "خالفُوا المُشْرِكينَ: وَفِّرُوا اللِّحى وَأحْفُوا الشَّوَارِبَ". مُتَّفَقٌ عليهِ (٣). [صحيح] زَادَ البُخارِيُّ وكانَ ابْنُ عُمَرَ إذا حجَّ أو اعْتَمَرَ قبَضَ على لحيتِه فَما فَضَلَ أخَذَهُ). الكلامُ على ألفاظِ هذِه الأحاديثِ قد تقدَّمَ في بابِ سُننِ الفِطرةِ. وقد اختلفَ الناسُ في حدِّ ما يُقصُّ من الشاربِ، وقد ذهبَ كثيرٌ من السلفِ إلى استئصالِه وحلقِه لظاهِر قوله [ ﷺ ] (٤): "أحْفُوا وانهكُوا" وهو قولُ الكوفيينَ، وذهبَ كثيرٌ منهم إلى منعِ الحلقِ والاستئصالِ، وإليه ذهبَ مالكٌ (٥)، وكان يرى تأديبَ من حَلَقَهُ. وروى عنه ابنُ القاسمِ (٦) أنه قالَ: إحفاءُ الشاربِ مُثْلَةٌ. قالَ النووي (٧): المختارُ أنه يُقَصُّ حتى يبدُوَ طرفُ الشَّفةِ ولا يحفُّهُ من أصلِه، قالَ: وأما روايةُ: "احْفُوا الشواربَ"، فمعناهَا أحْفُوا ما طالَ عن الشفتينِ، وكذلكَ قالَ مالكٌ في الموطأِ (٨) يؤخذُ من الشاربِ حتى تبدُوَ أطرافُ الشفةِ. قالَ ابنُ القيم (٩): "وأما أبو حنيفةَ وزُفر وأبو يوسفَ ومحمدٌ، فكانَ مذهبُهم في شَعْرِ الرأسِ والشواربِ أن الإِحفاءَ أفضلُ مِنَ التقصيرِ، وذكرَ بعضُ المالكيةِ (١٠)

стр. 422

عن الشافعيِّ أن مذهبَهُ كمذهبِ أبي حنيفةَ في حلقِ الشاربِ، قال الطحاوِيُّ: ولم أجِدْ عن الشافعيِّ شيئًا منصوصًا في هذا، وأصحابهُ الذينَ رأيناهُم المزَنيُّ والربيعُ كانا يُحفيانِ شواربَهُما. ويدلُّ ذلكَ أنهما أخذَاهُ عن الشافعيِّ. وروى الأثرَمُ (١) عن الإِمامِ أحمدَ أنه كانَ يُحفي شاربَهُ إحفاءً شديدًا، وسمعتُه يسألُ عن السنةِ في إحفاءِ الشارب فقالُ: يُحفي. وقالَ حَنْبَلٌ (٢): قيل لأبي عبدِ اللَّهِ ترى للرجُلِ يأخذُ شاربهُ ويُحفيهِ أمْ كيفَ يأخُذه؟ قالَ: إن أحْفَا فلا بأسَ وإنْ أخذَهُ قصًّا فلا بأسَ. وقالَ أبو محمدٍ (٣) في المغني: هو مخيرٌ بينَ أنْ يُحْفِيَهُ وبينَ أنْ يقُصَّهُ. وقد روى النوويُّ في شرحِ مسلمٍ (٤) عن بعضِ العلماءِ أنه ذهبَ إلى التخييرِ بينَ الأمرينِ، الإِحفاءِ وعدمِه. وروى الطحاوي (٥) الإحفاءَ عن جماعةِ من الصحابةِ: أبي سعيدِ، وأبي أُسيدٍ، ورافعِ بن خُديجٍ، وسهلِ بن سعدٍ، وعبدِ اللَّهِ بن عمرَ، وجابرٍ، وأبي هريرة. قالَ ابنُ القيم (٦): "واحتجَّ من لم يرَ إحفاءَ الشاربِ بحديثِ عائشةَ وأبي هريرةَ المرفوعينِ: "عَشْرٌ مِنَ الفِطرةِ" (٧) فذكرَ منها قصَّ الشارب. وفي حديثِ أبي هريرةَ: "إنَّ الفِطرةَ خمسٌ" (٨) وذكرَ منها قصِّ الشاربِ. واحتجَّ المحفُونَ بأحاديثِ الأمرِ بالإحفاءِ، وهي صحيحة. وبحديثِ ابن عباسٍ (٩): أن رسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُحفي شارِبهُ" انتهى.

стр. 423

والإِحفاءُ ليس كما ذكرَهُ النوويُّ مِنْ أن معناهُ أحفوا ما طالَ عن الشفتينِ بل الإِحفاءُ: الاستئصالِ، كما في الصحاحِ (١) والقاموسِ (٢) والكشافِ (٣) وسائِر كتبِ اللغةِ. ورواية القص لا تنافيه؛ لأن القص قد يكون على جهة الإِحفاء. وقد لا يكون، ورواية الإِحفاء معينة للمراد، وكذلك حديث الباب الذي فيه: "مَنْ لم يأخذ من شارِبه فليس منا" (٤)، لا يعارض رواية الإِحفاء لأن فيها زيادة يتعين المصير إليها، ولو فرض التعارض من كل وجه لكانت رواية الإِحفاء أرجح لأنها في الصحيحين. وروى الطحاوي (٥) "أن رسول الله ﷺ أخذَ مِنْ شاربِ المغيرةِ على سواكِه قالَ: وهذا لا يكونُ معهُ إحفاءٌ. ويجابُ عنه بأنه مُحتمَلٌ، ودعوى أنه لا يكونُ معهُ إحفاءٌ ممنوعةٌ، وهو وإن صَحَّ كما ذُكِرَ لا يعارِضُ تلكَ الأقوال منهُ ﷺ . قوله: (وأرخُوا اللَّحَى) قالَ النووي (٦): "هو بقطعِ الهمزةِ والخاءِ المعجمةِ ومعناه اتركُوا ولا تتعرضُوا لها بتغيير، قالَ القاضي عياضٌ: (٧) وقعَ في روايةِ الأكثرينَ بالخاءِ المعجمةِ، ووقعَ عندَ ابن ماهانَ أرْجُوا بالجيم، قيل: هو بمعنى الأولِ، وأصلُه أرجِئُوا بالهمزةِ فحُذِفتْ تخفيفا ومعناهُ أخِّرُوهَا واتركُوهَا. قوله: (وفِّروا اللِّحى) هي إحدى الروايات. وقد حصلَ من مجموعِ الأحاديثِ

стр. 424

خمسُ رواياتٍ: أعفُوا، وأوْفُوا، وأرْخُوا، وأَرْجُوا، ووفِّروا، ومعناهَا كلُّها ترْكُها على حالِهَا. قالَ ابنُ السِّكِّيْتِ (١) وغيرُه: يُقالُ في جَمْعِ اللحيةِ لِحًى ولُحًى بِكسرِ اللامِ وضمِّها لغتانِ، والكسرُ أفصَحُ". قوله: (خالفُوا المجوسَ) قد سبقَ أنه كانَ من عادةِ الفرسِ قصُّ اللحيةِ فنهى الشرعُ عن ذلكَ. قوله: (فما فَضَلَ) بفتحِ الفاءِ والضادِ المعجمةِ ويجوزُ كَسْرُ الضادِ كَعَلِمَ، والأشهرُ الفتحُ. وقدِ استدل بذلكَ بعضُ أهلِ العلمِ، والرواياتُ المرفوعةُ تردُّهُ. ولكنَّه قد أخرجَ الترمذي (٢) مِنْ حديثِ عمرو بن شُعيب عن أبيهِ عن جدِّهِ: "أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يأخذُ من لحيتِهِ من عرضِها وطُولِها" وقالَ: غريبٌ، قالَ: "وسمعتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ - يعني البخاريَّ - يقولُ: عمرُ بنُ هارونَ - يعني المذكورَ في إسنادِهِ - مُقارَبُ الحديثِ، لا أعرِفُ له حديثًا ليسَ لَهُ أصلْ أو قالَ: ينفردُ بهِ إلَّا هذا الحديثَ [لا] (٣) نعرِفُهُ إلَّا مِنْ حديثِهِ" انتهى. [و] (٤) قالَ في التقريبِ (٥): إنَّهُ متروكٌ وكانَ حافِظًا مِنْ كِبارِ التاسِعَةِ، انتهى. فعلى هذا أنها لا تقومُ بالحديثِ حجةٌ. (فائدةٌ) قالَ النووي (٦): وقد ذكرَ العلماءُ في اللحيةِ عَشْرَ خِصَالِ مكروهَةٍ بعضُها أشدُّ مِنْ بعضٍ: الخِضابُ بالسوادِ لا لغرضِ الجهادِ.

стр. 425

والخِضابُ بالصُّفْرَةِ تشبُّهًا بالصالحينَ لا لاتباعِ السنةِ. وتَبْييضُها بالكبريتِ أو غيرهِ استعجالًا للشيخوخَةِ لأجلِ الرياسةِ والتعظيمِ وإيهامِ لقَي (١) المشايخِ. ونتفُها أولَ طلُوعِها إِيثارًا للمرودَةِ وحُسْنِ الصورةِ. ونتفُ الشيبِ. وتصفيفُها طاقةً فوقَ طاقةٍ تصنعًا لتستحسِنَهُ النساءُ وغيرهُنَّ. والزيادةُ فيها والنقصُ منها بالزيادةِ في شعرِ العِذَارْينِ من الصِّدْغَيْنِ أو أخذُ بعضِ العِذَارِ في حَلْقِ الرأسِ ونتفِ جانبي العنفقةِ وغيرُ ذلكَ. وتسريحُها تصنُّعًا لأجلِ الناسِ. وتركُها شَعِثةً منتفِشَةً إظهارًا للزهادَةِ وقِلَّةِ المبالاةِ بنفسهِ. هذهِ عَشْرٌ، والحاديةَ عَشْرَ: عقدُها وضفرُهَا. والثانيةَ عَشر: حلقُها إلَّا إذا نبتَ للمرأةِ لحيةٌ فيستحبُّ لها حلقُها. [الباب السابع] باب كراهة نتف الشيب ٢٠/ ١٣٧ - (عَن عَمْرو بْنِ شُعْيبٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "لَا تَنْتِفوا الشَّيْبَ فإنَّهُ نُورُ المُسْلِمِ، ما مِنْ مُسْلِمٍ يَشيِبُ شَيبَةً في الإِسلامِ إلَّا كَتَبَ الله له بها حَسَنَةً، وَرَفَعَهُ بِها دَرَجَةً، وَحَطَّ عنهُ بِها خَطِيئَةً". رَواهُ أحمَدُ (٢) وأبُو دَاوُدَ) (٣). [حسن] وأخرجَهُ أيضًا الترمذيُّ (٤) وقالَ: حسنٌ والنسائيُّ (٥)، وابنُ ماجَهْ (٦)، وابنُ

стр. 426

حِبَّانَ في صحيحِهِ (١). وقد أخرجَ مسلمٌ في الصحيحِ (٢) من حديثِ قتادةَ عن أنسٍ بن مالكٍ قالَ: كُنَّا نَكْرَهُ أن ينتِفَ الرَّجُلُ الشعرةَ البيضاءَ من رأسهِ ولحيتِهِ". وفي روايةِ عمروِ بن شعيبِ عن أبيهِ عن جدِّهِ مقالٌ معروفٌ عندَ المحدثينَ (٣). والحديثُ يدلُّ على تحريمِ نتفِ الشيبِ لأنه مُقتضى النهي حقيقةٌ عندَ المحققينَ، وقد ذهبتِ الشافعية (٤) والمالكية (٥) والحنابلة (٦) وغيرُهم إلى كراهةِ ذلكَ لهذا الحديثِ، ولما أخرجَهُ الخلَّالُ في جامعِهِ (٧) عن

стр. 427

[طلق] (١) بن حبيبٍ أن حجَّامًا أخذَ من شارِب النبيِّ ﷺ فرأى شيبةً في لحيتِهِ فأهوى بيدِهِ إليهَا ليأخذَها فأمسكَ النبيُّ ﷺ يدَهُ وقالَ: "مَنْ شابَ شيبة في الإسلامِ كانتْ له نورًا يومَ القيامَةِ". ولما أخرجَهُ البزارُ (٢) والطبرانى (٣) عن فُضالةَ بن عُبيدٍ أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "مَنْ شابَ شيبةً في الإِسلامِ كانتْ له نورًا يومَ القيامةِ"، فقالَ له رجلٌ عندَ ذلكَ: فإنَّ رِجالًا ينتفُونَ الشيبَ فقالَ: "من شاءَ فلينتِفْ نورَهُ". قالَ النوويُّ (٤): لو قيلَ: يحرم النتفُ للنهي الصريحِ الصحيحِ لم يبعدْ. قالَ: ولا فرقَ بينَ نتفِهِ من اللحيةِ والرأسِ والشاربِ والحاجِبِ والعِذَارِ، ومن الرجلِ والمرأةِ. قوله: (فإنه نورُ المسلمِ) في تعليلِهِ بأنهُ نورُ المسلمِ ترغيبٌ بليغٌ في إبقائه وتركِ التعرُّضِ لإِزالَتِهِ. وتعقيبُهُ بقولِه: "ما مِنْ مسلمٍ يشيبُ شيبةً في الإِسلام" والتصريحُ بكَتْبِ الحسنةِ ورفعِ الدرجةِ وحطِّ الخطيئةِ نداءٌ بشرَفِ الشيبِ وأهلِه وأنَّه من أسبابِ كَثْرَةِ الأجُورِ، وإيماءٌ إلى أن الرغُوب عنهُ بنتفِهِ رغوبٌ عن المثوبةِ العظيمةِ. وقد أخرجَ الترمذيُّ (٥) من حديثِ كعبِ بن مرَّةَ وحسنهُ قالَ: سمعتُ

стр. 428

رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "مَنْ شابَ شيبةً في الإِسلامِ كانتْ له نورًا يومَ القيامةِ". وأخرجَهُ (١) بهذا اللفظِ مِنْ حديثِ عمرِو بن عَبْسَةَ وقالَ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ. [الباب الثامن] باب تغيير الشيب بالحناء والكتم ونحوهما وكراهة السواد ٢١/ ١٣٨ - (عَنْ جابِرِ بْنِ عبْدِ الله قالَ: جِيء بأبي قُحافَةَ يَوْمَ الفَتْحِ إلى رَسُولِ الله ﷺ وَكأنَّ رَأسَهُ ثَغامَةٌ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اذْهبُوا بهِ إلى بَعْضِ نِسائِهِ فلْتُغيِّرْهُ بِشَيءٍ وَجَنِّبُوهُ السَّوادَ"، رَوَاهُ الجمَاعَةُ إلَّا البُخارِيَّ والتِّرْمذِيَّ) (٢). [صحيح] قوله: (بأبي قُحافةَ) هو والِدُ أبي بكرٍ الصديقِ ﵁. قوله: (ثَغَامةٌ) بثاءٍ مثلثةٍ مفتوحةٍ ثم غينٍ معجمةٍ مخففةٍ. قالَ أبو عبيدٍ (٣): "هو نبتٌ أبيضُ الزهْرِ والثَّمرِ يُشَبَّهُ بياضُ المشيبِ بهِ". وقال ابنُ الأعرابيِّ: هو شجرٌ مبيض كأنهُ الثلجُ، قالَ في القاموسِ (٤): الثَّغَامُ كَسَحَابٍ: نبتٌ واحدتُه بِهَاءٍ،

стр. 429

وأثغِمَاءُ اسمُ الجمعِ، وأثغمَ الوادي أنبتَهُ، والرأسُ صارَ كالثغَامَةِ بياضًا. ولونٌ ثاغِمٌ أبيضُ كالثغامِ. والحديثُ يدلُّ على مشروعيةِ تغييرِ الشيبِ وأَنه غيرُ مختصٍّ باللحيةِ، وعلى كراهَةِ الخِضابِ بالسَّوادِ، قالَ بذلكَ جماعةٌ مِنَ العلماءِ. قالَ النووي (١): "والصحيحُ بل الصوابُ أنه حرامٌ - يعني الخضابَ بالسوادِ -، وممنّ صرَّحَ بهِ صاحِبُ الحاوي" (٢) انتهى. وقد أخرجَ أبو داودَ (٣) والنسائيُّ (٤) مِنْ

стр. 430

حديثِ ابن عباسٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ ﷺ : "قومٌ يخضبونَ في آخِرِ الزمانِ بالسوادِ كحواصِلِ الحمامِ لا يريحون رائحة الجنة". قال المنذري (١): "وفي إسناده عبد الكريم ولم ينسبه أبو داود ولا النسائي" انتهى، وهو الجزري كما وقع في بعض نسخ السنن. وقد ورد في استحباب خضاب الشيب وتغييره أحاديث سيأتي بعضها: منها ما أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) والنسائي (٤) وأبو داود (٥) من حديث ابن

стр. 431

عباس بلفظ: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم" وأخرجه الترمذي (١) بلفط: "غيِّروا الشيب ولا تشبَّهوا باليهود". وأخرج أبو داود (٢) والترمذي (٣) وحسنه، والنسائي (٤) وابن ماجه (٥) من حديث أبي ذَرٍّ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أحسن ما غيِّر به هذا الشيب الحناء والكتم" وسيأتي (٦). وعن ابن عمر ﵄: "أنه كان يصبغ لحيته بالصفرة ويقول: رأيت النبي ﷺ يصبغ بها، ولم يكن أحب إليه منها، وكان يصبغ بها ثيابه". أخرجه أبو داود (٧) والنسائي (٨)، ويعارضه ما سيأتي عن أنس قال: "ما خضب رسول الله ﷺ ، وإنَّهُ لم يبلُغْ منه الشيب إلا قليلًا قالَ: ولو شئت أن أعد شَمَطَاتٍ كن في رأسه لفعلت". والحديث أَخرجه الشيخان (٩).

стр. 432

وأخرج أبو داود (١) والنسائي (٢) من حديث ابن مسعود قال: "كان رسول الله ﷺ يكره عشر خلال: الصفرة - يعني الخلوق - وتغيير الشيب" الحديث، ولكنه لا ينتهض لمعارضة أحاديث تغيير الشيب قولًا وفعلًا. قال القاضي عياض (٣): "اختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب وفي جنسه، فقال بعضهم: ترك الخضاب أفضل، وروى حديثًا عن النَّبي ﷺ في

стр. 433

النهي عن تغيير الشيب، ولأنه ﷺ لم يغير شيبه، روي هذا عن عُمَرَ وعَلّي (١) وأبي بكر وآخرين. وقال آخرون: الخضاب أفضل، وخضب جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم للأحاديث الواردة في ذلك. ثم اختلف هؤلاء فكان أكثرهم يخضب بالصفرة منهم: ابن عمر وأبو هريرة وآخرون (٢)، وروي ذلك عن علي (٣)، وخضب جماعة منهم بالحناء والكتم، وبعضهم بالزعفران. وخضب جماعة بالسواد، روي ذلك عن عثمان (٤) والحسن (٥) والحسين (٦) ابني عليّ، وعقبة بن

стр. 434

عامر (١)، وابن سيرين وأبي بردة وآخرين" (٢). [و] (٣) قال الطبري (٤): "الصواب أن الأحاديث الواردة عن النَّبيِّ ﷺ بتغيير الشيب، وبالنهي عنه، كلها صحيحة وليس فيها تناقض، بل الأمر بالتغيير لمن شيبه كشيب أبي قحافة، والنهي لمن له شمط فقط. قال: واختلاف السلف في فعل الأمرين بحسب اختلاف أحوالهم في ذلك مع أن الأمر والنهي في ذلك ليس للوجوب بالإِجماع، ولهذا لم ينكر بعضهم على بعض". ٢٢/ ١٣٩ - (وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرينَ قالَ: سُئِلَ أنَسُ بْنُ مالكٍ عَنْ خِضابِ رَسُولِ الله ﷺ فقالَ: إن رَسُولَ الله ﷺ لمْ يَكُنْ شابَ إلَّا يَسِيرًا، وَلكِن أبا بكر وعُمَرَ بَعْدَهُ خضَّبا بِالحِناءِ وَالكَتمِ. مُتَّفَقٌ عَليْهِ (٥).

стр. 435

وزادَ أحمدُ (١) قالَ: وَجاءَ أبُو بَكرٍ بأبي قُحافَةَ إلى رَسُولِ الله ﷺ يَومَ فَتْحِ مَكَّةَ يَحْمِلَهُ حتَّى وَضعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله ﷺ ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ لأبي بَكرٍ: "لَوْ أقْررتَ الشَّيْخ في بَيِتِهِ لأَتيْناهُ"، تَكْرِمَةً لِأبي بَكرٍ، فأسْلمَ، ولِحيَتُهُ وَرَأسُهُ كالثَّغَامةِ بَيَاضًا، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "غَيِّرُوهما وَجَنِّبُوهُ السَّوادَ"). [صحيح] قصة أبي قحافة قد تقدَّم الكلام عليها، وفي هذه الرواية زيادة الأمر بتغيير بياض اللحية. وحديث أَنس وإنكاره لخضاب النَّبي ﷺ يعارضه ما سيأتي من حديث ابن عمر (٢): "أَن النبي ﷺ كان يصفر لحيته بالوَرْس والزعفران"، وما سبق من حديثه (٣): "أَنه كان يصبغ بالصفرة"، وما في الصحيحين (٤)، وإن كان أرجح مما كان خارجًا عنهما، ولكن عدم علم أنس بوقوع الخضاب منه ﷺ لا يستلزم العدم، ورواية من أَثبت أَولى من روايته؛ لأن غاية ما في روايته أَنه لم يعلم وقد علم غيره (٥). وأَيضًا قد ثبت في صحيح البخاري (٦) ما يدل على اختضابه كما سيأتي، على أنه لو فرض عدم ثبوت اختضابه لما كان قادحًا في سنية الخضاب؛ لورود الإِرشاد إليها قولًا في الأحاديث الصحيحة. قال ابن القيم (٧): (واختلف الصحابة في خِضابه ﷺ فقال أَنس: لم يخضِبْ. وقال أبو هريرة: خضب. وقد روى حماد بن سلمة عن حُميد عن أنس قال: "رأيت شعر رسول الله ﷺ مخضوبًا"، قال حماد: وأخبرني عبد الله بن محمد بن

стр. 436

عقيل، قال: "رأيت شعر رسول الله، عند أنس بن مالك مخضوبًا". وقالت طائفة: "كان رسول الله ﷺ مما يكثر الطيب قد احمرَّ شعره فكان يظن مخضوبًا ولم يخضب" انتهى. وقد أثبت اختضابه ﷺ مع ابن عمر أبو رمثة كما سيأتي (١). قوله: (الكتم)، في القاموس (٢): "والكَتَمُ محركةَ والكُتمانُ بالضم، نَبْتٌ يُخْلَطُ بالحِنَّاءِ، ويُخضبُ به الشعرُ". انتهى. وهو النبت المعروف بالوسمة يعني ورق النيل (٣)، وفي كتب الطب أنه نبت من نبت الجبال وورقه كورق الآس يخضب به مدقوقًا. ٢٣/ ١٤٠ - (وعَنْ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ مَوْهَبٍ قالَ: دَخلْنا على أُمِّ سَلمَةَ فأخْرَجَتْ إليْنا مِنْ شَعَرِ النَّبيِّ ﷺ ، فإِذا هُوَ مَخْضُوبٌ بالحِنَّاءِ وَالكَتْمِ. رَوَاهُ أحمدُ (٤) وابْنُ ماجهْ (٥) والبُخارِيُّ (٦) وَلمْ يَذْكُرْ بِالحنَّاءِ وَالكَتْمِ). [صحيح] ٢٤/ ١٤١ - (وعَنْ نافِعٍ عَنِ ابن عُمَرَ أن النَّبِيَّ ﷺ كان يلْبسُ النِّعالَ السِّبْتيَّةَ ويُصَفِّرُ لِحْيتَهُ بِالوَرْسِ وَالزَّعْفَرانِ. وكانَ ابْنُ عمَرَ يَفْعَل ذلكَ. رَواهُ أبو دَاوُدَ (٧) والنَّسائيُّ) (٨). [صحيح] الحديث الأول يدل على أن النَّبيَّ ﷺ خضب، وقد تقدم الكلام عليه (٩). وقد أجيب بأن الحديث ليس فيه بيان أن النبي ﷺ هو الذي خضب بل يحتمل أن

стр. 437

يكون احمرّ بعده لما خالطه من طيب فيه صفرة. وأيضًا كثير من الشعور التي تنفصل عن الجسد إذا طال العهد يؤول سوادها إلى الحمرة، كذا قال الحافظ (١). وأَيضًا هذا الحديث معارض لحديث أنس المتقدم، وقد سبق البحث عن ذلك، وقال الطبري في الجمع بين الحديثين (٢): من جزم بأنه خضب فقد حكى ما شاهد، وكان ذلك في بعض الأحيان، ومن نفى ذلك فهو محمول على الأكثر الأغلب من حاله ﷺ . والحديث الثاني في إسناده عبد العزيز بن أبي رواد (٣)، وفيه مقال معروف وهو في صحيح البخاري (٤) بأطول من هذا، ذكره في أبواب الوضوء، ولكنه لم يقل يصفر لحيته بل قال: "وأَما الصفرة فإني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها فأنا أحب أن أَصبغ بها". الحديث. وأخرجه أيضًا مسلم (٥). قوله: (السِّبتية) بكسر السين "جُلُودُ البَقَرِ، وكُلُّ جِلْدٍ مَدْبُوغٍ، أو بالقَرَظِ" ذكره في القاموس (٦)، وإنما قيل لها سبتية أخذًا من السبت، وهو الحلق، لأن شعرها قد حلق عنها وأزيل. قوله: (ويصفر لحيته) قال الماوردي: لم ينقل عنه ﷺ أَنه صبغ شعره، ولعله لم يقف على هذا الحديث وهو مبيِّن للصبغ المطلق في الصحيحين (٧)، وكذا قال ابن عبد البر (٨): "لم يكن رسول الله ﷺ يصبغ بالصفرة إلا ثيابه"، وردَّه ابن قدامة في المغني (٩).

стр. 438

قوله: (بالورس والزعفران) الورس بفتح الواو نبت أصفر يزرع باليمن ويصبغ به. والزعفران معروف، وظاهر العطف أنه كان يصبغ لحيته بالزعفران، ويحتمل أَن يكون التقدير أنه كان يصفر لحيته بالورس وثيابه بالزعفران. وقد روى أبو داود (١) من طرق صحاح ما يدل على أن ابن عمر كان يصبغ لحيته وثيابه بالصفرة، ولفظه: "أن ابن عمر كان يصبغ لحيته بالصفرة حتى تملأ ثيابه فقيل له في ذلك فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ يصبغ بها ولم يكن شيء أحب إليه منها كان يصبغ ثيابه بها حتى عمامته". والحديث يدل على أن تغيير الشيب سنة، وقد تقدم الكلام عليه. ٢٥/ ١٤٢ - (وعَنْ أبِي ذَرّ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ أحْسَنَ ما غَيَّرْتُمْ بِهِ هذا الشَّيبَ الحنّاء وَالكَتْمُ". رَوَاهُ الخمسةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذيُّ) (٢). [صحيح] ٢٦/ ١٤٣ - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ اليَهُودَ والنَّصارَى لا يَصْبُغُونَ فَخالِفُوهُمْ". رَواهُ الجماعةُ) (٣). [صحيح]

стр. 439

[يغير الشيب بالكتم والحناء]: الحديث الأول يدل على أن الحناء (١) والكتم (٢) من أحسن الصباغات التي يغيَّر بها الشيب، وأن الصبغ غير مقصور عليهما لدلالة صيغة التفضيل على مشاركة غيرهما من الصباغات لهما في أصل الحسن، وهو يحتمل أَن يكون على التعاقب ويحتمل الجمع. وقد أخرج مسلم (٣) من حديث أنس قال: "اخْتَضَبَ أَبو بَكْرٍ بالحِنَّاءِ والكَتَمِ، واختَضَب عمرُ بالحِنَّاءِ بَحْتًا" أي: منفردًا. وهذا يُشعر بأن أبا بكر كان يجمع بينهما دائمًا، والكتم نبات باليمن يخرج الصبغ أسود يميل إلى الحمرة، وصبغ الحناء أحمر، فالصبغ بهما معًا يخرج بين السواد والحمرة (٤)، واستنبط ابن أبي عاصم من قوله: "جنِّبوه السواد" في حديث جابر (٥) أَن الخضاب بالسواد كان من عادتهم.

стр. 440

والحديث الثاني يدل على أن العلة في شرعية الصباغ وتغيير الشيب هي مخالفة اليهود والنصارى وبهذا يتأكد استحباب الخضاب، وقد كان رسول الله ﷺ يبالغ في مخالفة أهل الكتاب ويأمر بها، وهذه السنة قد كثر اشتغال السلف بها، ولهذا ترى المؤرخين في التراجم لهم يقولون: وكان يخضب وكان لا يخضب. قال ابن الجوزي (١): قد اختضب جماعة من الصحابة والتابعين. وقال أحمد بن حنبل (٢) وقد رأى رجلًا قد خضب لحيته: إني لأرى رجلًا يحمى ميتًا من السنة، وفرح به حين رآه صبغ بها. قال النووي (٣): "مذهبنا استحباب خضاب الشيب للرجل والمرأَة بصفرة أَو حُمرة، ويحرم خضابه بالسواد على الأصح. قال: وللخضاب فائدتان: إحداهما: تنظيف الشعر مما تعلَّق به، والثانية: مخالفة أهل الكتاب. قال في الفتح (٤): "وقد رخَّص فيه - أي في الخضب بالسواد - طائفة من السلف منهم سعد بن أبي وقاص وعقبة بن عامر والحسن والحسين وجرير وغير واحد، واختاره ابن أبي عاصم في "كتاب الخضاب"، وأجاب عن حديث ابن عباس (٥) رفعه: "يكون قوم يخضبون بالسواد لا يجدون ريح الجنة" بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد بل فيه الإخبار عن قوم هذه صفتهم.

стр. 441

وعن حديث جابر (١): "جنِّبوه السواد" بأنه ليس في حق كل أحد. وقد أخرج الطبراني (٢) وابن أبي عاصم (٣) من حديث أبي الدرداء رفعه: "من خضب بالسواد سوّد الله وجهه يوم القيامة". قال الحافظ (٤): وسنده لين، ويمكن تعقب الجواب الأول بأن يقال: ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، وقد وصف القوم المذكورين بأنهم يخضبون بالسواد، ويمكن تعقب الجواب الثاني بأنه مبني على أن حكمه على الواحد ليس حكمًا على الجماعة، وفيه خلاف معروف في الأصول. ٢٧/ ١٤٤ - (وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: مَرَّ على النَّبيِّ ﷺ رَجُلٌ قَدْ خَضَّبَ بالحِنَّاءِ، فقالَ: "ما أحْسَنَ هذا"، فَمَرَّ آخَر قدْ خَضَّبَ بالحنَّاءِ والكَتْمِ، فقالَ: "هذا أحسن مِنْ هذا"، فَمَرَّ آخَرُ، وقدْ خَضَّبَ بِالصُّفْرَةِ، فقالَ: "هذا أحْسَنُ مِنْ هذا كُلِّهِ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٥) وابْنُ ماجَهْ) (٦). [ضعيف] في إسناده حميد بن وهب القرشي (٧) الكوفي وهو منكر الحديث، ومحمد بن طلحة الكوفي (٨) وكان ممن يخطئ، حتى خرج عن حد التعديل، ولم

стр. 442

يغلب خطؤه صوابه حتى يستحق الترك وهو ممن يحتج به إلا بما انفرد. كذا قاله المنذري (١). والحديث يدل على حسن الخضب بالحناء على انفراده، فإن انضم إليه الكتم كان أحسن، ويدل على أن الخضب بالصفرة أحب إلى رسول الله ﷺ وأحسن في عينه من الحنَّاء على انفراده ومع الكتم. وقد سبق حديث ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ خضب بالصفرة" وتقدم الكلام فيه (٢). ٢٨/ ١٤٥ - (وَعَنْ أبي رَمْثَةَ قالَ: "كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْضِبُ بالحِنَّاءِ والكَتمِ وكانَ شَعْرهُ يَبْلُغُ كَتِفَيْهِ أَوْ مَنْكِبَيْهِ". رَوَاهُ أحمدُ (٣)، وفي لفْظٍ لأحمدَ (٤) وَالنَّسائي (٥) وأبي دَاودَ (٦): "أتَيتُ النَّبيَّ ﷺ مَعَ أبي وَلَه لِمَّةٌ بها رَدْعٌ مِنْ حِنَّاءٍ". [صحيح] رَدْعٌ (٧) بالعَيْنِ المهملةِ: أي لَطْخٌ، يُقالُ: بهِ رَدْعٌ مِنْ دَمٍ أو زَعْفَرانٍ). وفي لفظ من حديث أبي رَمْثَة: "أتيتُ رسولَ اللهِ ﷺ معَ ابنٍ لي فقالَ: ابنُكَ؟ قلتُ: نعم. أشهدُ بهِ، فقالَ: لا تجني عليه ولا يجني عليكَ. قالَ: ورأيتُ الشَّيْبَ أحمرَ" (٨). قالَ الترمذي (٩): "هذا أحسَنُ شيءٍ رُوِيَ فِي هذا الباب وأفْسَرُه، لأنَّ الرواياتِ الصحيحةَ أن النبيَّ ﷺ لم يبلُغِ الشَّيبَ". قالَ حمادُ بنُ سلمةَ عن سِمَاكِ بن حَرْبٍ: "قيلَ لجابرِ بن سمرةَ:

стр. 443

أكانَ في رأسِ رسولِ اللهِ ﷺ شيبٌ؟ قالَ: لم يكُنْ في رأسه شيبٌ إلا شَعْرَاتٌ في مَفْرِق رأسهِ، إذَا ادَّهَنِ وَارَاهُنَّ الدُّهْنُ" (١). قالَ أنس: وكان رسول الله ﷺ يكثر دهن رأسه ولحيته. قوله: (لِمَّة) بكسر اللام وتشديد الميم هي الشعر المجاوز شحمة الأذن، كذا في القاموس (٢). وفي رواية لأبي داود (٣) من هذا الحديث: "وكان - يعني النبي ﷺ قد لطخ لحيته بالحناء". قوله: (رَدْعٌ) (٤) هو بالراء المهملة المفتوحة والدال المهملة الساكنة. [الباب التاسع] باب جواز اتخاذ الشعر وإكرامه واستحباب تقصيره ٢٩/ ١٤٦ - (عَنْ عائِشةَ ﵂ قالتْ: كانَ شعْرُ رَسُول الله ﷺ فَوْقَ الوَفْرَةِ ودُونَ الجُمَّةِ. رَوَاهُ الخمسةُ إلا النسائي، وصحَّحَهُ التِّرْمذِيُّ) (٥). [صحيح] ولفظ ابن ماجه (٦): "فوق الجمة"، قال الترمذي (٧): "هو حديثٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه. وقد رُوِيَ من غيرِ وجهٍ عن عائشةَ أنها قالتْ: "كُنتُ أغتِسلُ

стр. 444

أنا ورسولَ الله ﷺ في إناءٍ واحدٍ" (١)، ولم يذكُروا فيهِ هذا الحرفَ: "وكانَ لَهُ شَعْرٌ فوقَ الجمةِ"، وإنما ذكره عبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو ثقة حافظ"، انتهى. وعبد الرحمن مدني سكن بغداد وحدَّث بها إلى حين وفاته، وثقه الإِمام مالك بن أنس، واستشهد به البخاري، وتكلم فيه غير واحد (٢). قوله: (فوق الوفرة) بفتح الواو، قال في القاموس (٣): "الوَفْرَةُ: الشَّعْرُ المجتمعُ على الرأسِ، أو ما سالَ على الأذنينِ منه أو ما جاوَزَ شحمةِ الأذُنِ، ثم الجُمَّةُ ثم اللِّمَّةُ، والجمع وِفارٌ"، وقال (٤) في الجُمّة: "إنها مُجْتَمَعُ شعرِ الرأسِ، وهي بضم الجيم وتشديد الميم". قال ابن رسلان في شرح السنن: إنها قريب المنكبين. قال المصنف (٥) ﵀: الوفرة: الشعر إلى شَحْمة الأذن، فإذا جاوزها فهو اللِّمَّةَ، فإذا بلغ المنكبين فهو الجُمَّة، انتهى. والحديث يدل على استحباب ترك الشعر على الرأس إلى أن يبلغ ذلك المقدار. ٣٠/ ١٤٧ - (وعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أن النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَضْرِبُ شَعْرُهُ مَنْكِبَيْهِ. وفي لفَظٍ: كانَ شَعْرُهُ رَجِلًا ليْسَ بِالجَعْدِ ولا السَّبْطِ؛ بيْنَ أُذُنَيْهِ وعاتِقِهِ. أخرَجاهُ. (٦) [وَلأَحمد (٧) ومُسْلِمٍ (٨): كانَ شَعْرُه إلى أنْصافِ أُذُنَيْهِ)] (٩). [صحيح] قوله: (كان شعره رَجِلًا) براء مهملة مفتوحة وجيم مكسورة: هو الشعر بين

стр. 445

السبوطة والجعودة. والسَّبْط بسين مهملة مفتوحة وباء موحدة ساكنة وتحرك وتكسر، قال في القاموس (١): وهو نقيض الجعودة. وفي المشارق (٢) وهو المسترسل كشعر العجم. والجعد قال في القاموس (٣): خلاف السبط، وفي المشارق (٤) هو المتكسر، فإذا كان شديد التكسر فهو القطط مثل شعر السودان. والحديث يدل على استحباب ترك الشعر وإرساله بين المنكبين أو بين الأذنين والعاتق. وقد أخرج مسلم (٥) وأبو داود (٦) والترمذي (٧) والنسائي (٨) وابن ماجه (٩) من حديث البراء قال: "ما رأيت من ذي لمة أحسن في حلة حمراء من رسول الله ﷺ قال أبو داود (١٠): (زاد محمد بن سليمان: "له شعر يضرب مَنكِبيهِ". قالَ: وكذا رواه إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء "يضرب منكبيه"، وقال شعبة: "تبلغ شحمة أذنيه"). [قال أبو داود (١١): وهِمَ شعبة فيه] (١٢). وأخرج مسلم (١٣) وأبو داود (١٤) والنسائي (١٥) من حديث أنس قال: "كان شعر رسول الله ﷺ إلى أنصاف أذنيه".

стр. 446

وأخرج البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) من حديث البراء قال: "كان رسول الله ﷺ له شعر يبلغ شحمة أذنيه". قال القاضي (٥): "الجمع بين هذه الروايات: أن ما يلي الأذن هو الذي يبلغ شحمة أذنيه وهو الذي بين أذنه وعاتقه، وما خلفه هو الذي يضرب منكبيه. وقيل: كان ذلك لاختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب وإذا قصرها كانت إلى أنصاف أذنيه. وكان يقصر ويطول بحسب ذلك". ٣١/ ١٤٨ - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ كانَ لهُ شَعرٌ فلْيُكْرِمْهُ" رَواهُ أبُو دَاوُدَ) (٦). [حسن لغيره] الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري، وقد صرَّح أبو داود أيضًا أنه لا يسكت إلَّا عن ما هو صالح للاحتجاج به (٧). ورجال إسناده أئمة ثقات. قال في "الفتح" (٨): وإسناده حسن، وله شاهد من حديث عائشة [﵂] (٩) في الغيلانيات (١٠) وإسناده حسن أيضًا. اهـ.

стр. 447

وفيه دلالة على استحباب إكرام الشعر بالدهن والتسريح، وإعفائه عن الحلق، لأنه يخالف الإِكرام إلا أن يطول، كما ثبت عند أبي داود (١) والنسائي (٢) وابن ماجه (٣) من حديث وائل بن حجر قال: "أتيت النبي ﷺ ولي شعر طويل فلما رآني قال: "ذباب (٤) ذبابٌ، قالَ: فرجعت فجززته ثم أتيته من الغد فقال: "إني لم أعنِكَ وهذا أحْسَنُ"، وفي إسناده عاصم بن كُلَيب الجَرْمي (٥)، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وقال الإمام أحمد: لا بأس بحديثه. وقال أبو حاتم الرازي: صالح، وقال علي بن المديني: لا يحتج به إذا انفرد. وأخرج مالك (٦) عن عطاء بن يسار قال: "أتى رجل النبي ﷺ ثائر الرأس واللحية فأشار إليه رسول الله ﷺ كأنه يأمره بإصلاح شعره ولحيته ففعل، ثم رجع فقال ﷺ : ""أليس هذا خيرًا من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان". والثائر: الشَعِث بعيد العهد بالدهن والترجيل (٧). ٣٢/ ١٤٩ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ المُغفَّلِ قالَ: نَهى رَسُول الله ﷺ عَنْ

стр. 448

التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبًّا. رَواهُ الخمْسَةُ إلا ابْنَ ماجهْ، وصحَّحه التِّرْمذِي) (١). [حسن] الحديث صححه أيضًا ابن حبان (٢)، قال المنذري (٣): "ولكن أخرجه النسائي مرسلًا. وأخرجه (٤) عن الحسن البصري وعن محمد بن سيرين من قولهما. وقال أبو الوليد الباجِي (٥): هذا وإن كان رواته ثقات إلا أنه لا يثبت، وأحاديث الحسن عن عبد الله بن مغفل فيها نظر. وفيما قاله نظر؛ فقد قال الإِمام أحمد ويحيى بن معين وأبو حاتم الرازي: إن الحسن سمع من عبد الله بن مغفل، غير أن الحديث في إسناده اضطراب". قوله: (عن التّرَجُّل) (٦) التَّرَجُّل والتَّرجيل: تَسريحُ الشَّعَر، وقيل: الأول المشْط؛ والثاني: التَسريحُ. وقوله: (إلا غِبًا) أي في كل أسبوع مرة، كذا روي عن الحسن. وفسَّره الإِمام أحمد بأن يسرحه يومًا ويدعه يومًا (٧)، وتبعه غيره. وقيل: المراد به في وقت دون وقت. وأَصل الغب في إيراد الإبل، أن ترد الماء يومًا وتدعه يومًا (٨). وفي القاموس (٩): الغِبُّ في الزيارَةِ أن تكونَ كُلَّ أُسبوعٍ، ومِنَ الحُمَّى ما تأخُذُ يَومًا وتَدَع يومًا. والحديث يدل على كراهة الاشتغال بالترجل في كل يوم لأنه نوع من الترفه، وقد ثبت من حديث فضالة بن عبيد عند أبي داود (١٠)

стр. 449

[قال] (١): "إن رسول الله ﷺ كان ينهانا عن كثير من الإِرفاه (٢) وفي ترك الترجيل الأيام نوع من البذاذة" (٣)، وقد ثبت عند أبي داود (٤) وابن ماجه (٥) من حديث أبي أمامة قال: ذكر أصحاب رسول الله ﷺ يومًا عنده الدنيا فقال رسول الله ﷺ : "ألا تسمعون؟ ألا تسمعون؟ إن البذاذة من الإِيمان، إن البذاذة من الإِيمان". قال أبو داود في سننه (٦): إن البذاذة التقحل. وفي النهاية (٧): "قَحِل: إذا التزَق جلْدُه بعَظْمِه من الهُزال والبِلى" انتهى. والإرْفَاهِ الاستكثار من الزينة، وأن لا يزال يهيء نفسه، وأصله من الرِّفْه، [وهو] (٨): أَن ترد الإِبل الماء كل يوم فإذا وردت يومًا ولم ترد يومًا فذلك الغب، قاله الخطابي في المعالم (٩). وحديث أبي أمامة، في إسناده محمد بن إسحاق، ولم يصرح بالتحديث، بل عنعن، وفيه مقال مشهور (١٠). وقال أبو عمر النمري (١١): إنه اختلف في إسناد هذا الحديث اختلافًا سقط معه الاحتجاج ولا يصح من جهة الإِسناد. ٣٣/ ١٥٠ - (وَعَنْ أبي قَتادةَ أنَّهُ كانَتْ له جُمَّةٌ ضَخْمَة فسأل النَّبيَّ ﷺ فَأَمَرَهُ
следующие страницы →