← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 3805–3844 · переход к 3810.

стр. 3805

المديني، نقله الترمذي [في] (١) العلل (٢). وحديث شداد بن أوس أخرجه أيضًا النسائي (٣) وابن خزيمة (٤) وابن حبان (٥) وصححاه، وصححه أيضًا أحمد (٦) والبخاري (٧) وعلي بن المديني (٨). وحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا النسائي (٩) من طريق عبد الله بن بشر (١٠) عن الأعمش عن أبي صالح عنه. وله (١١) طريق أخرى عن شقيق بن ثور عن أبيه عنه. وحديث عائشة أخرجه أيضًا النسائي (١٢)، وفيه ليث بنُ أبي سليم (١٣) وهو ضعيف.

стр. 3806

وحديث أسامة أخرجه أيضًا النسائي (١) وفيه اختلاف. وحديث ثوبان الآخر أخرجه أيضًا النسائي (٢) وهو أحد ألفاظ حديثه المشار إليه أولًا. وحديث معقل بن سنان في إسناده عطاء بن السائب، وقد اختلط. ورواه الطبراني في الكبير (٣)، وأخرجه أيضًا النسائي (٤) وذكر الاختلاف فيه. وفي الباب عن أبي موسى عند النسائي (٥) والحاكم (٦) وصححه علي بن المديني. وقال النسائي (٥): رفعه خطأ. والموقوف أخرجه ابن أبي شيبة (٧) وعلقه البخاري (٨) ووصله أيضًا بدون ذكر: "أفطر الحاجم والمحجوم له". وعن بلال عند النسائي (٩). وعن علي عند النسائي (١٠) أيضًا. قال علي بن المديني: اختلف فيه على الحسن.

стр. 3807

وعن أنس (١)، وجابر (٢)، وابن عمر (٣)، وسعد بن أبي وقاص (٤)، وأبي زيد الأنصاري (٥)، وابن مسعود (٦)، عند ابن عديّ في الكامل والبزار وغيرهما.

стр. 3808

وقد استدل بأحاديث الباب القائلون بفطر الحاجم والمحجوم له ويجب عليهما القضاء وهم: عليّ، وعطاء، والأوزاعي، وأحمد، وإسحق، وأبو ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وأبو الوليد النيسابوري، وابن حبان، حكاه عن هؤلاء الجماعة صاحب الفتح (١)، وصرح بأنهم يقولون: إنه يفطر الحاجم والمحجوم له. وهو يرد ما قاله المهدي في البحر (٢)، وتبعه المغربي (٣) في شرح بلوغ المرام (٤)،

стр. 3809

وصاحب "ضوء النهار" (١) من أنه لم يقل أحد من العلماء بأن الحاجم يفطر. ومن القائلين بأنه يفطر الحاجم والمحجوم له أبو هريرة وعائشة. قال الزعفراني: إن الشافعي (٢) علق القول به على صحة الحديث، وبذلك قال الداودي من المالكية (٣). وذهب الجمهور إلى أن الحجامة لا تفسد الصوم، وحكاه في البحر (٤) عن جماعة من الصحابة منهم: عليّ وابنه الحسن وأنس وأبو سعيد الخدري، وزيد بن أرقم، وعن العترة وأكثر الفقهاء والحسن البصري وعطاء والصادق. قال الحازمي (٥): "ممن روينا عنه ذلك من الصحابة سعد بن أبي وقاص، والحسن بن عليّ، وابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن أرقم، وابن عمر، وأنس، وعائشة وأم سلمة. ومن التابعين والعلماء: الشعبي، وعروة، والقاسم بن محمد، وعطاء بن يسار، وزيد بن أسلم، وعكرمة، وأبو العالية وإبراهيم وسفيان ومالك، والشافعيّ وأصحابه إلا ابن المنذر". وأجابوا عن الأحاديث المذكورة بأنها منسوخة بالأحاديث التي ستأتي. وأجيب عن ذلك بما سنذكره في شرحها. وأجابوا أيضًا بما أخرجه الطحاوي (٦) وعثمان الدارمي (٧) والبيهقي في

стр. 3810

المعرفة (١) عن ثوبان أنه ﷺ إنما قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" لأنهما كانا يغتابان، وردَّ بأن في إسناده يزيد بن ربيعة (٢) وهو متروك، وحكم ابن المديني (٣) بأنه حديث باطل. قال ابن خزيمة (٤): "جاء بعضهم بأعجوبة، فزعم أنه ﷺ إنما قال: أفطر الحاجم والمحجوم" لأنهما كانا يغتابان، فإذا قيل له: فالغيبة تفطر الصائم؟ قال: لا، فعلى هذا لا يخرج من مخالفة الحديث بلا شبهة". وأجابوا أيضًا بأن المراد بقوله [ ﷺ ] (٥): "أفطر الحاجم والمحجوم"، أنهما سيفطران باعتبار ما يؤول الأمر إليه كقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٦). قال الحافظ (٧): ولا يخفى تكلف هذا التأويل. وقال البغوي في شرح السنة (٨): معنى "أفطر الحاجم والمحجوم" أي تعرَّضا للإفطار، أما الحاجم فلأنه لا يأمن وصول شيء من الدم إلى جوفه عند المص، وأما المحجوم فلأنه لا يأمن من ضعف قوته بخروج الدم، فيؤول أمره إلى أن يفطر، وهذا أيضًا جواب متكلف وسيأتي التصريح بما هو الحق. ٤/ ١٦٤٥ - (وَعَنِ ابْنِ عباسٍ: أن النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَاحْتَجَمَ

стр. 3811

وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) والبُخارِيُّ (٢). [صحيح] وفي لَفْظٍ: احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ صَائِمٌ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٣) وَابْنُ مَاجَهْ (٤) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) (٥). [ضعيف] ٥/ ١٦٤٦ - (وَعَنْ ثَابِتٍ البُنَانِيّ أنَّهُ قالَ لأنَسِ بْنِ مالِكٍ: أكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الحِجامَةَ للصَّائِمِ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ؟ قالَ: "لا إلَّا مِنْ أجْلِ الضَّعْفِ. رَوَاهُ البُخارِيّ) (٦). [صحيح] ٦/ ١٦٤٧ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أبي لَيْلَى عَنْ بَعْضِ أصْحابِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الوِصَالِ في الصّيام وَالحجامَةِ للصَّائِمِ إبْقاءً على أصْحابِهِ وَلَمْ يُحَرّمْهُما. رَوَاهُ أحْمَدُ (٧) وَأبُو دَاوُدَ) (٨). [صحيح] ٧/ ١٦٤٨ - (وَعَنْ أنَسٍ قالَ: أوَّلُ ما كُرِهَتِ الحِجَامَةُ للصَّائِمِ أن جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَمَرَّ بِهِ النَّبِي ﷺ فَقالَ: "أفْطَرَ هَذَانِ". ثُمَّ رَخصَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ في الحِجامَةِ للصائِمِ. وكانَ أنَسٌ يَحْتَجِمُ وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٩) وَقالَ: كُلُّهُمْ ثِقاتٌ وَلا أعْلَمُ لَهُ عِلَّةً). [حسن]

стр. 3812

حديث ابن عباس ورد على أربعة أوجه كما حكاه في التلخيص عن بعض الحفاظ. (الأول): احتجم وهو محرم. (الثاني): احتجم وهو صائم. (الثالث): كالرواية الأولى التي [ذكرها] (١) المصنف. (الرابع): كالرواية الثانية التي ذكرها. وقد أخرج اللفظ (الأول) من الأربعة الشيخان (٢) من حديث عبد الله بن بحينة، وله طرق شتى عند النسائي وغيره من حديث أنس (٣) وجابر (٤). و (الثاني): رواه أصحاب السنن من طريق الحكم عن مقسم (٥) عن ابن عباس، لكن أعلّ بأنه ليس من مسموع الحكم عن مقسم، وله طرق أخرى. و (الثالث): أخرجه من ذكر المصنف وكذلك (الرابع)، وأعله أحمد وعلي بن المديني وغيرهما، فقال أحمد (٦): ليس فيه صائم إنما هو محرم عند أصحاب ابن عباس. وقال أبو حاتم (٧): هذا خطأ، أخطأ فيه شريك.

стр. 3813

وقال الحميدي (١): إنه ﷺ لم يكن محرمًا صائمًا لأنه خرج في رمضان في غزاة الفتح ولم يكن محرمًا. انتهى. وإذا صح فينبغي أن يحمل على أن كل واحد من الصوم والإحرام وقع في حالة مستقلة، وهذا لا مانع منه. وقد صح "أن رسول الله ﷺ صام في رمضان وهو مسافر" (٢)، وزاد الشافعي (٣) وابن عبد البر (٤) وغير واحد: "أن ذلك في حجة الوداع". قال الحافظ (٥): وفيه نظر؛ لأن النبي ﷺ كان مفطرًا كما صح "أن أم الفضل أرسلت إليه بقدح لبن فشربه وهو واقف بعرفة" (٦). وعلى تقدير وقوع ذلك قد قال ابن خزيمة (٧): هذا الخبر لا يدل على أن الحجامة لا تفطر الصائم؛ لأنه إنما احتجم وهو صائم محرم في سفر لا في حضر، لأنه لم يكن قط محرمًا مقيمًا ببلد. قال (٨): وللمسافر أن يفطر ولو نوى الصوم ومضى عليه بعض النهار، خلافًا لمن أبى ذلك ثم احتج له.

стр. 3814

لكن تعقب عليه الخطابي (١) بأن قوله: وهو صائم دال على بقاء الصوم. قال الحافظ (٢): قلت: ولا مانع من إطلاق ذلك باعتبار ما كان عليه حالة الاحتجام لأنه على هذا التأويل إنما أفطر بالاحتجام. انتهى. وحديث أنس الأول (٣) اعترض على البخاري فيه بأنه سقط من إسناده حميد ما بين شعبة وثابت البناني. وقال الحافظ (٤): إن الخلل وقع فيه من غير البخاري وبيَّن وجه ذلك. وحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى أخرجه أيضًا عبد الرزاق (٥). قال في الفتح (٦): وإسناده صحيح، والجهالة بالصحابي لا تضر. وقوله: "إبقاء على أصحابه" يتعلق بقوله: نهى. وقد رواه ابن أبي شيبة (٧) عن وكيع عن الثوري بإسناده هذا، ولفظه: "عن أصحاب محمد ﷺ قالوا: إنما نهى النبي ﷺ عن الحجامة للصائم وكرهها للضعيف"، أي لئلا يضعف. وحديث أنس الآخر (٨) قال في الفتح (٩): رواته كلهم من رجال البخاري. وفي الباب عن أبي سعيد الخدري قال: "رخص النبي ﷺ في الحجامة [للصائم] (١٠) ". أخرجه النسائي (١١) وابن خزيمة (١٢) والدارقطني (١٣)، قال الحافظ (١٤): إسناده صحيح ورجاله ثقات، لكن اختُلِفَ في رفعه ووقفه،

стр. 3815

واستُشهد له بحديث أنس المذكور (١). وله حديث آخر عند الترمذي (٢) والبيهقي (٣) أنه ﷺ قال: "ثلاث لا يفطرن: القيء، والحجامة، والاحتلام"، وفي إسناده عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم وهو ضعيف. وقال الترمذي (٤): هذا الحديث غير محفوظ. وقد رواه الدراوردي (٥) وغير واحد عن زيد بن أسلم مرسلًا، ورواه أبو داود (٦) عن زيد بن أسلم عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، ورجحه

стр. 3816

أبو حاتم (١) وأبو زرعة (١) وقال: إنه أصح وأشبه بالصواب، وتبعهما البيهقي (٢). وقال الدارقطني (٣): رواه كامل بن طلحة عن مالك عن زيد موصولًا ثم رجع عنه، وليس هو من حديث مالك قال: ورواه هشام بن سعد عن زيد موصولًا ولا يصح، وأخرجه في السنن (٤). وفي الباب عن ابن عباس عند البزار (٥) وهو معلول. وعن ثوبان عند الطبراني (٦) وسنده ضعيف.

стр. 3817

وقد استدل الجمهور (١) بالأحاديث المذكورة على أن الحجامة لا تفطر. ولكن حديث ابن عباس لا يصلح لنسخ الأحاديث السابقة. (أما أولًا): فلأنه لم يعلم تأخره لما عرفت من عدم انتهاض تلك الزيادة، أعني قوله في حجة الوداع. (وأما ثانيًا): فغاية فعل النبيّ ﷺ الواقع بعد عموم يشمله أن يكون مخصصًا له من العموم لا رافعًا لحكم العام. نعم حديث ابن أبي ليلى (٢)، وأنس (٣) وأبي سعيد (٤) يدل على أن الحجامة غير محرمة ولا موجبة لإفطار الحاجم ولا المحجوم. فيجمع بين الأحاديث بأن الحجامة مكروهة في حق من كان يضعف بها وتزداد الكراهة إذا كان الضعف يبلغ إلى حد يكون سببًا للإفطار. ولا تكره في حق من كان لا يضعف بها، وعلى كل حال تجنب الحجامة للصائم أولى، فيتعين حمل قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" (٥) على المجاز، لهذه الأدلة الصارفة له عن معناه الحقيقي (٦).

стр. 3818

[الباب الثاني] باب ما جاء في القيء والاكتحال ٨/ ١٦٤٩ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيّ ﷺ قالَ: "مَنْ ذَرَعَهُ القَىْء فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْض". رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ) (١). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان (٢) والدارقطني (٣) والحاكم (٤) وله ألفاظ. قال النسائي: وقفه عطاء على أبي هريرة. وقال الترمذي (٥): لا نعرفه إلا من [حديث] (٦) هشام عن محمد عن أبي هريرة تفرد به عيسى بن يونس. وقال البخاري (٧): لا أراه محفوظًا، وقد روي من غير وجه ولا يصح إسناده. وقال أبو داود (٨) وبعض الحفاظ: لا نراه محفوظًا. قال الحافظ (٩): وأنكره أحمد وقال في روايته: ليس من ذا شيء، يعني أنه

стр. 3819

غير محفوظ كما قال الخطابي (١)، وصححه الحاكم (٢) على شرطهما. وفي الباب عن ابن عمر موقوفًا عند مالك في الموطأ (٣) والشافعي (٤) بلفظ: "من استقاء وهو صائم فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فليس عليه القضاء". قوله: (من ذرعه) قال في التلخيص (٥): هو بفتح الذال المعجمة: أي غلبه. قوله: (من استقاء عمدًا) أي استدعى القيء وطلب خروجه تعمدًا. والحديث يدل على أنه لا يبطل صوم من غلبه القيء ولا يجب عليه القضاء، ويبطل صوم من تعمد إخراجه ولم يغلبه ويجب عليه القضاء. وقد ذهب إلى هذا عليّ وابن عمر وزيد بن أرقم وزيد بن عليّ والشافعي (٦) والناصر والإمام يحيى حكي ذلك عنهم في البحر (٧). وحكى ابن المنذر (٨) الإجماع على أن تعمد القيء يفسد الصيام. وقال ابن مسعود وعكرمة وربيعة والهادي والقاسم: إنه لا يفسد الصوم سواء كان غالبًا أو مستخرجًا ما لم يرجع منه شيء باختيار. واستدلوا بحديث أبي سعيد المتقدم (٩) في الباب الذي قبل هذا بلفظ: "ثلاث لا يفطرن: القيء، والحجامة، والاحتلام". وأجيب بأنه فيه المقال المتقدم فلا ينتهض معه للاستدلال. ولو سلم صلاحيته لذلك فهو محمول كما قال البيهقي على من ذرعه القيء، وهذا لا بد منه؛ لأن ظاهر حديث أبي سعيد (٩) أن القيء لا يفطر مطلقًا، وظاهر حديث أبي هريرة (١٠) أنه يفطر نوع منه خاص، فيبنى العام على الخاص.

стр. 3820

ويؤيد حديث أبي هريرة ما أخرجه أحمد (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) وابن الجارود (٥) وابن حبان (٦) والدارقطني (٧) والطبراني (٨) والبيهقي (٩) وابن منده (١٠) والحاكم (١١). ومن حديث أبي الدرداء: "أن رسول الله ﷺ قاء فأفطر"، قال معدان بن أبي طلحة الراوي له عن أبي الدرداء: "فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فقلت له: إن أبا الدرداء أخبرني، فذكره، فقال: صدق أنا صببت عليه وضوءه" (١٢).

стр. 3821

قال ابن منده (١): إسناده صحيح متصل، وتركه الشيخان لاختلاف في إسناده. قال الترمذي (٢): جوَّده حسين المعلم، وهو أصح شيء في هذا الباب. وكذلك قال أحمد: قال البيهقي (٣): هذا حديث مختلف في إسناده، فإن صح فهو محمول على القيء عامدًا، وكأنه كان ﷺ صائمًا تطوّعًا. وقال (٤) في موضع آخر: إسناده مضطرب ولا تقوم به حجة (٥).

стр. 3822

٩/ ١٦٥٠ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ النُّعْمانِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ هَوْذَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدّهِ عَنِ النَّبِيّ ﷺ : أنَّهُ أمَرَ بالإثْمِدِ المُرَوَّحِ عِنْدَ النَّوْمِ، وَقالَ: "لِيَتَّقِهِ الصَّائمُ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١) وَالبُخارِيُّ في تارِيخِه (٢)، وفي إسْنَادِهِ مَقالٌ قَرِيبٌ. [ضعيف] قالَ ابْنُ مَعِينٍ: عَبْدُ الرَّحْمنِ هَذَا ضَعِيفٌ. وَقَالَ أبُو حَاتِمٍ الرَّازِي: هُوَ صَدُوقٌ) (٣). الحديث قال ابن معين أيضًا: هو منكر (٤). وقال الذهبي: إنه روي عن سعيد بن إسحق فقلب اسمه أولًا فقال: عن إسحق بن سعيد بن كعب، ثم غلط في الحديث فقال: عن أبيه عن جده، ثم النعمان بن معبد (٥) غير معروف. وقد استدل بهذا الحديث ابن شبرمة (٦) وابن أبي ليلى (٧) فقالا: إن الكحل يفسد الصوم، وخالفهم العترة (٨) والفقهاء (٩) وغيرهم فقالوا: إن الكحل لا يفسد الصوم.

стр. 3823

وأجابوا عن الحديث بأنه ضعيف لا ينتهض للاحتجاج به. واستدل ابن شبرمة وابن أبي ليلى بما أخرجه البخاري (١) تعليقًا، ووصله البيهقي (٢) والدارقطني (٣) وابن أبي شيبة (٤) من حديث ابن عباس بلفظ: "الفطر مما دخل والوضوء مما خرج"، قال: وإذا وجد طعمه فقد دخل. ويجاب بأن في إسناده الفضل بن مختار (٥) وهو ضعيف جدًّا. وفيه أيضًا شعبة مولى ابن عباس وهو ضعيف. وقال ابن عدي (٦): الأصل في هذا الحديث أنه موقوف. وقال البيهقي: لا يثبت مرفوعًا، ورواه سعيد بن منصور موقوفًا من طريق الأعمش عن أبي ظبيان عنه. ورواه الطبراني (٧) من حديث أبي أمامة. قال الحافظ: وإسناده أضعف من الأول.

стр. 3824

ومن حديث ابن عباس مرفوعًا. واحتج الجمهور على أن الكحل لا يفسد الصوم بما أخرجه ابن ماجه (١) عن عائشة: "أن النبي ﷺ اكتحل في رمضان وهو صائم"، وفي إسناده بقية عن الزبيدي عن هشام عن عروة، والزبيدي المذكور اسمه سعيد بن أبي سعيد، ذكره ابن عدي (٢) وأورد هذا الحديث في ترجمته، وكذا قال البيهقي (٣) وصرح به في روايته، وزاد أنه مجهول. وقال النووي في شرح المهذب (٤): "رواه ابن ماجه (١) بإسناد ضعيف من رواية بقية عن سعيد بن أبي سعيد وهو ضعيف. وقال: وقد اتفق الحفاظ على أن رواية بقية عن المجهولين مردودة". انتهى. قال الحافظ (٥): "وليس سعيد بن أبي سعيد بمجهول بل هو ضعيف واسم أبيه عبد الجبار على الصحيح، وفرق ابن عدي بين سعيد بن أبي سعيد الزبيدي فقال: هو مجهول، وسعيد بن عبد الجبار فقال: هو ضعيف، وهما واحد". ورواه البيهقي (٦) من طريق محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده: "أن رسول الله ﷺ كان يكتحل وهو صائم". قال ابن أبي حاتم عن

стр. 3825

أبيه (١): هذا حديث منكر، وقال في محمد: إنه منكر الحديث، وكذا قال البخاري (٢). ورواه ابن حبان في الضعفاء (٣) من حديث ابن عمر، قال في التلخيص (٤): وسنده مقارب. ورواه ابن أبي عاصم في كتاب "الصيام" (٥) له من حديث ابن عمر أيضًا بلفظ: "خرج علينا رسول الله ﷺ وعيناه مملوءتان من الإثمد وذلك في رمضان وهو صائم"، ورواه الترمذي (٦) من حديث أنس في الإذن فيه لمن اشتكت عينه. وقال (٧): إسناده ليس بالقوي، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب شيء. ورواه أبو داود (٨) من فعل أنس،

стр. 3826

قال الحافظ (١): ولا بأس بإسناده. قال: وفي الباب عن بريرة مولاة عائشة في الطبراني (٢). وعن ابن عباس في شعب الإيمان للبيهقي (٣). والظاهر ما ذهب إليه الجمهور (٤) لأن البراءة الأصلية [لا تنتقل] (٥) عنها إلا بدليل، وليس في الباب ما يصلح للنقل لا سيما بعد أن شد هذا الحديث من عضدها، وعلى فرض صلاحية حديث الفطر مما دخل للاحتجاج به يكون اكتحال النبي ﷺ مخصصًا للكحل. وكذلك على فرض صلاحية حديث الباب يكون محمولًا على الأمر باجتناب الكحل المطيب؛ لأن المروح هو المطيب فلا يتناول ما لا طيب فيه. ويمكن أن يقال: حديث الاكتحال صارف للأمر عن حقيقته، أعني الوجوب، فيكون الاكتحال مكروهًا، ولكنه يبعد أن يفعل ﷺ ما هو مكروه. قوله: (بالإثمد) بكسر الهمزة: وهو حجر للكحل كما في القاموس (٦).

стр. 3827

[الباب الثالث] باب من أكل أو شرب ناسيًا ١٠/ ١٦٥١ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فأكَلَ أوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فإنَّمَا الله أطْعَمَهُ وَسَقَاهُ". رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا النَّسَائِيَّ (١). [صحيح] وفِي لَفْظٍ: "إذَا أَكَلَ الصَّائمُ ناسِيًا، أوْ شَرِبَ نَاسِيًا، فإنَّمَا هُوَ رِزْقٌ ساقَهُ الله إلَيْهِ وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٢) وَقَالَ: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ. وَفِي لَفْظٍ آخر (٣): "مَنْ أفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلا كَفَّارَةَ". قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ مَرْزُوقٍ وَهُوَ ثِقَةٌ عَنِ الأَنْصَارِيّ). لفظ الدارقطني الأول (٢) أخرجه من رواية محمد بن عيسى بن الطباع عن ابن علية عن هشام عن ابن سيرين عنه وقال بعد قوله: إسناده صحيح إن رواته كلهم ثقات. واللفظ الثاني (٣) أخرجه أيضًا ابن خزيمة (٤) وابن حبان (٥) والحاكم (٦). قال الحافظ في بلوغ المرام (٧): وهو صحيح. وقد تُعقب قول الدارقطني أنه تفرد به محمد بن مرزوق عن الأنصاري بأن ابن خزيمة أيضًا أخرجه (٨) عن إبراهيم بن محمد الباهلي عن الأنصاري وبأن

стр. 3828

الحاكم أخرجه (١) من طريق أبي حاتم الرازي عن الأنصاري أيضًا، فالأنصاري هو المتفرد به، كما قال البيهقي (٢) وهو ثقة. قال في الفتح (٣): والمراد أنه انفرد بذكر إسقاط القضاء فقط لا بتعيين رمضان. وقد أخرج الدارقطني (٤) من حديث أبي سعيد مرفوعًا: "من أكل في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه". قال الحافظ (٥): وإسناده وإن كان ضعيفًا لكنه صالح للمتابعة، فأقل درجات الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنًا فيصلح للاحتجاج به، وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما هو دونه في القوة. ويعتضد أيضًا بأنه قد أفتى به جماعة من الصحابة من غير مخالف لهم كما قال ابن المنذر (٦) وابن حزم (٧) وغيرهما، منهم: عليّ، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وابن عمر، ثم هو موافق لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٨).

стр. 3829

فالنسيان ليس من كسب القلوب وموافق للقياس في إبطال الصلاة بعمد الأكل لا بنسيانه. انتهى. وقد ذهب إلى هذا الجمهور (١) فقالوا: من أكل ناسيًا فلا يفسد صومه ولا قضاء عليه ولا كفارة. وقال مالك (٢) وابن أبي ليلى والقاسمية: إن من أكل ناسيًا فقد بطل صومه ولزمه القضاء. واعتذر بعض المالكية عن الحديث بأنه خبر واحد مخالف للقاعدة وهو اعتذار باطل. والحديث قاعدة مستقلة في الصيام، ولو فتح باب رد الأحاديث الصحيحة بمثل هذا لما بقي من الحديث إلا القليل ولرد من شاء ما شاء. وأجاب بعضهم أيضًا بحمل الحديث على التطوع، حكاه ابن التين (٣) عن ابن شعبان، وكذا قاله ابن القصار (٤) واعتذر بأنه لم يقع في الحديث تعيين رمضان وهو حمل غير صحيح واعتذار فاسد يرده ما وقع في حديث الباب من التصريح بالقضاء. ومن الغرائب تمسك بعض المتأخرين في فساد الصوم ووجوب القضاء بما وقع في حديث المجامع (٥) بلفظ: "واقض يومًا مكانه". قال: ولم يسأله هل جامع عامدًا أو ناسيًا؟

стр. 3830

وهذا يرده ما وقع في أول الحديث، فإنه عند سعيد بن منصور (١) بلفظ: "فقال رسول الله ﷺ : تب إلى الله واستغفره وتصدق واقض يومًا مكانه"، والتوبة والاستغفار إنما يكونان عن العمد لا عن الخطأ، وأيضًا بعد تسليم تنزيل ترك الاستفصال منزلة العموم يكون حديث الباب مخصصًا له فلم يبق ما يوجب ترك العمل بالحديث. وأما اعتذار ابن دقيق العيد (٢) عن الحديث بأن الصوم قد فات ركنه وهو من باب المأمورات، والقاعدة أن النسيان لا يؤثر في المأمورات، فيجاب عنه بأن غاية هذه القاعدة المدعاة أن تكون بمنزلة الدليل فيكون حديث الباب مخصصًا لها. قوله: (فإنما الله أطعمه وسقاه) وهو كناية عن عدم الإثم؛ لأن الفعل إذا كان من الله كان الإثم منتفيًا. قوله: (من أفطر يومًا من رمضان) ظاهر يشمل المجامع. وقد اختلف فيه، فبعضهم لم ينظر إلى هذا العموم وقال: إنه ملحق بمن أكل أو شرب، وبعضهم منع من الإلحاق لقصور حالة المجامع عن حالة الآكل والشارب. وفرق بعضهم بين الأكل والشرب القليل والكثير، وظاهر الحديث عدم الفرق. ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد (٣) عن أمّ إسحق: "أنها كانت عند النبي ﷺ ،

стр. 3831

فاتي بقصعة من ثريد فأكلت [معه] (١) ثم تذكرت أنها صائمة، فقال لها ذو اليدين: الآن بعدما شبعت؟ فقال لها النبي ﷺ : أتمي صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك". [الباب الرابع] باب التحفظ من الغيبة واللغو وما يقول إذا شتم ١١/ ١٦٥٢ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "إذَا كانَ يَوْمَ صَوْمِ أحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثُ يَوْمَئِذٍ وَلا يَصْخَبُ، فَإنْ شاتَمَهُ أحَدٌ أوْ قاتلَهُ فَلْيَقُلْ: إني امْرؤ صَائِمٌ؛ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ الله مِنْ رِيحِ المِسْكِ، وَللصَّائمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُما: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَومِهِ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ) (٢). [صحيح] ١٢/ ١٦٥٣ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حاجَةٌ في أنْ يَدَعَ طَعامَهُ وَشَرَابَهُ". رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا مُسْلِمًا (٣) وَالنَّسائِيَّ) (٤). [صحيح]

стр. 3832

قوله: (فلا يرفث) (١) بضم الفاء وكسرها، ويجوز في ماضيه التثليث، والمراد به هنا الكلام الفاحش، وهو لهذا المعنى بفتح الراء والفاء، وقد يطلق على الجماع وعلى مقدماته، وعلى ذكر ذلك مع النساء أو مطلقًا. قال في الفتح (٢): ويحتمل أن يكون النهي لما هو أعم منها. وفي رواية (٣): "ولا يجهل" أي لا يفعل شيئًا من أفعال الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك. قوله: (ولا يصخب) الصخب (٤): هو الرجة واضطراب الأصوات للخصام. قال القرطبي (٥): لا يفهم من هذا أن غير يوم الصوم يباح فيه ما ذكر، وإنما المراد أن المنع من ذلك يتأكد بالصوم. قوله: (أو قاتله) يمكن حمله على ظاهره، ويمكن أن يراد بالقتل اللعن، فيرجع إلى معنى الشتم، ولا يمكن حمل قاتله وشاتمه على المفاعلة (٦)؛ لأن الصائم مأمور بأن يكف نفسه عن ذلك فكيف يقع ذلك. وإنما المعنى إذا جاء متعرضًا لمقاتلته أو مشاتمته كأن يبدأه بقتل أو شتم اقتضت العادة أن يكافئه عليها.

стр. 3833

فالمراد بالمفاعلة إرادة غير الصائم ذلك من الصائم، وقد تطلق المفاعلة على وقوع الفعل من واحد كما يقال: عالج الأمر وعاناه. قال في الفتح (١): وأبعدَ من حمله على ظاهره فقال: المراد إذا بدرت من الصائم مقابلة الشتم بشتم على مقتضى الطبع فلينزجر عن ذلك. ومما يبعد ذلك ما وقع في رواية (٢): "فإن شتمه أحد". قوله: (وإني امرؤ صائم)، في رواية لابن خزيمة (٣) بزيادة: "وإن كنت قائمًا فاجلس"، ومن الرواة من ذكر قوله: "إني امرؤ صائم مرتين". واختلف في المراد بقوله: "إني صائم"، هل يخاطب بها الذي يشتمه ويقاتله أو يقولها في نفسه. وبالثاني جزم المتولي (٤) ونقله الرافعي عن الأئمة. ورجح النووي في الأذكار (٥) لأول. وقال في شرح المهذب (٦): كل منهما حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمعها لكان حسنًا. وقال الروياني (٧): إن كان رمضان فليقل بلسانه، وإن كان غيره فليقله في نفسه. وادعى ابن العربي (٨) أن موضع الخلاف في التطوع، وأما في الفرض فليقله بلسانه قطعًا. قوله: (والذي نفس محمد بيده)، هذا القسم لقصد التأكيد. قوله: (لخلوف) بضم المعجمة واللام وسكون الواو بعدها فاء. قال عياض (٩): هذه الرواية الصحيحة وبعض الشيوخ يقوله بفتح الخاء. قال الخطابي (١٠): وهو خطأ، وحكي عن القابسي الوجهين، وبالغ النووي في شرح المهذب فقال: لا يجوز فتح الخاء.

стр. 3834

واحتج غيره لذلك بأن المصادر التي جاءت على فعول بفتح أوله قليلة، ذكرها سيبويه (١) وغيره وليس هذا منها، والخلوف: تغير رائحة الفم. قوله: (أطيب عند الله من ريح المسك)، اختلف في معناه، فقال المازري (٢): هو مجاز لأنها جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا، فاستعير ذلك لتقريب الصائم من الله، فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم: أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر (٣). وإنما جعل من باب المجاز لأن الله تعال منزّه عن استطابة الروائح؛ لأن ذلك من صفات الحيوان، والله يعلم الأشياء على ما هي عليه (٤). وقيل: المعنى: إن حكم الخلوف والمسك عند الله على خلاف ما عندكم. وقيل: المراد أن الله يجازيه في الآخرة فتكون نكهته أطيب من ريح المسك كما يأتي: "المكلوم وريح جرحه يفوح مسكًا" (٥). قاله القاضي

стр. 3835

عياض (١)، [والمراد] (٢) أن صاحبه ينال من الثواب ما هو أفضل من ريح المسك، حكاه القاضي عياض (١) أيضًا. وقال الداودي (٣) من المغاربة المعنى: إن الخلوف أكثر ثوابًا من المسك حيث ندب إليه في الجمع والأعياد ومجالس الذكر، ورجحه النووي (٤). وقد اختلف هل ذلك في الدنيا أو في الآخرة، فقال بالأول ابن الصلاح (٥)، وبالثاني ابن عبد السلام (٦). واحتج ابن الصلاح بما أخرجه ابن حبان (٧) بلفظ: "فم الصائم حين يخلف من الطعام"، وكذا أخرجه أحمد (٨). وبما أخرجه أيضًا الحسن بن سفيان في مسنده (٩) والبيهقي في الشعب (١٠) من

стр. 3836

حديث جابر بلفظ: "فإن خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك". قال المنذري (١): إسناده مقارب. واحتج ابن الصلاح أيضًا بأن ما قاله هو ما ذهب إليه الجمهور. واحتج ابن عبد السلام على ما قاله بما في مسلم (٢) وأحمد (٣) والنسائي (٤): "أطيب عند الله يوم القيامة"، وأخرج أحمد (٥) هذه الزيادة من وجه آخر. ويترتب على هذا الخلاف القول بكراهة السواك للصائم، وقد تقدم البحث عنه في موضعه. قوله: (للصائم فرحتان إذا أفطر .. ) إلخ. قال القرطبي (٦): معناه فرح بزوال جوعه وعطشه حيث أبيح له الفطر، وهذا الفرح طبيعي وهو السابق إلى الفهم. وقيل: إن فرحه لفطره إنما هو من حيث إنه تمام صومه وخاتمة عبادته. قال في الفتح (٧): ولا مانع من الحمل على ما هو أعم مما ذكر، ففرح كل أحد بحسبه لاختلاف مقامات الناس في ذلك، فمنهم من يكون فرحه مباحًا وهو الطبيعي، ومنهم من يكون مستحبًا وهو أن يكون لتمام العبادة. والمراد بالفرح إذا لقي ربه أنه يفرح بما يحصل له من الجزاء والثواب. قوله: (الزور والعمل به)، زاد البخاري (٨) في رواية: "والجهل". وأخرج الطبراني (٩) من حديث أنس: "من لم يدع الخنى

стр. 3837

والكذب". قال الحافظ (١): ورجاله ثقات. والمراد بالزور: الكذب. قوله: (فليس لله حاجة .. ) إلخ. قال ابن بطال (٢): ليس معناه أنه يؤمر بأن يدع صيامه، وإنما التحذير من قول الزور وما ذكر معه. قال في الفتح (٣): ولا مفهوم لذلك، فإن الله لا يحتاج إلى شيء وإنما معناه فليس لله إرادة في صيامه، فوضع الحاجة موضع الإرادة. وقال ابن المنير في حاشيته على البخاري (٤): بل هو كناية عن عدم القبول كما يقول المغضب لمن رد عليه شيئًا طلبه منه فلم يقم به لا حاجة لي في كذا. وقال ابن العربي (٥): مقتضى هذا الحديث أنه لا يثاب على صيامه، ومعناه أن ثواب الصيام لا يقوم في الموازنة بإثم الزور وما ذكر معه. واستدلّ بهذا الحديث على أن هذه الأفعال تنقص ثواب الصوم، وتعقب بأنّها صغائر تكفر باجْتناب الكبائر. [الباب الخامس] باب الصائم يتمضمض أو يغتسل من الحر ١٣/ ١٦٥٤ - (عَنْ عُمَرَ قالَ: هَشِشْتُ يَوْمًا فَقَبَّلْتُ وأنا صَائِمٌ، فأتَيْت النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: صَنَعْتُ اليَوْمَ أمْرًا عَظيمًا، قَبَّلْتُ وأنا صَائِمٌ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أرأيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ وأنْتَ صَائِم؟ "، قُلْتُ: لا بأسَ بِذَلِكَ، فَقالَ ﷺ : "فَفِيم؟ ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وأبُو دَاوُدَ) (٧). [صحيح]

стр. 3838

١٤/ ١٦٥٥ - (وَعَنْ أبي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَصُبُّ المَاءَ على رأسِهِ مِنَ الحر وَهُوَ صَائِمٌ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ) (٢). [صحيح] الحديث الأول أخرجه أيضًا النسائي (٣) وقال: إنه منكر. وقال أبو بكر البزار (٤): لا نعلمه يروى عن عمر إلا من هذا الوجه، وصححه ابن خزيمة (٥) وابن حبان (٦) والحاكم (٧). والحديث الثاني أخرجه النسائي (٨) ورجال إسناده رجال الصحيح.

стр. 3839

قوله: (هششت) بشينين معجمتين أي نشطت وارتحت، والهشاش في الأصل: الارتياح والخفة والنشاط، كذا في القاموس (١). قوله: (أرأيت لو تمضمضت .. ) إلخ؟ فيه إشارة إلى فقه بديع وهو أن المضمضة لا تنقض الصوم وهي أول الشرب ومفتاحه، فكذلك القبلة لا تنقضه وهي من دواعي الجماع وأوائله التي تكون مفتاحًا له، والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع، فكما ثبت عن عمر أن أوائل الشرب لا تفسد الصيام كذلك أوائل الجماع لا تفسده. وسيأتي الخلاف في التقبيل. قوله: (يصب الماء على رأسه من الحر .. ) إلخ، فيه دليل على أنه يجوز للصائم أن يكسر الحر بصب الماء على بعض بدنه أو كله. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور (٢)، ولم يفرقوا بين الأغسال الواجبة والمسنونة والمباحة. وقالت الحنفية (٣): إنه يكره الاغتسال للصائم، واستدلوا بما أخرجه عبد الرزاق (٤) عن عليّ من النهي عن دخول الصائم الحمام، وهو مع كونه أخص من محل النزاع في إسناده ضعف كما قال الحافظ (٥). واعلم أنه يكره للصائم المبالغة في المضمضة والاستنشاق لحديث الأمر بالمبالغة في ذلك إلا أن يكون صائمًا وقد تقدم (٦). واختلف إذا دخل من ماء المضمضة والاستنشاق إلى جوفه خطأ، فقالت

стр. 3840

الحنفية (١) والقاسمية ومالك (٢) والشافعي (٣) في أحد قوليه والمزني (٤): إنه يفسد الصوم. وقال أحمد بن حنبل (٥) وإسحق (٦) والأوزاعي (٦) والناصر (٧) والإمام يحيى (٧) وأصحاب الشافعي (٨): إنه لا يفسد الصوم كالناسي. وقال زيد بن عليّ: يفسد الصوم بعد الثلاث المرّات. وقال الصادق: يفسد إذا كان التمضمض لغير قربة. وقال الحسن البصري (٩) والنخعي (٩): إنه يفسد إن لم يكن لفريضة. [الباب السادس] باب الرخصة في القبلة للصائم إلا لمن يخاف على نفسه ١٥/ ١٦٥٦ - (عَنْ أُمّ سَلَمَةَ: أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يُقَبّل وَهُوَ صَائمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١٠) [صحيح] ١٦/ ١٦٥٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ وَيُباشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، ولَكِنَّهُ كانَ أمْلَكَكُمْ لإرْبِهِ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلَّا النَّسائيَّ (١١). [صحيح] وفي لَفْظٍ: كانَ يُقَبِّلُ في رَمَضَانَ وَهُوَ صَائمٌ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١٢) وَمُسْلِمٌ) (١٣). [صحيح]

стр. 3841

١٧/ ١٦٥٨ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ: أنَّهُ سألَ رَسُولَ الله ﷺ : أيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فَقالَ لَهُ: "سَلْ هَذِهِ" لأمّ سَلَمَةَ، فَأخْبَرَتْهُ أن رَسُولَ الله ﷺ يَفْعَلُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا رَسُولَ الله قدْ غَفَرَ الله لكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تأخَّرَ، فَقالَ لَهُ: "أمَا والله إني لأتْقاكُمْ لله وأخْشاكُمْ لَهُ" رَواهُ مُسْلِمٌ (١)، وفيه أن أفْعَالَهُ حُجَّةٌ). [صحيح] ١٨/ ١٦٥٩ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ: أن رَجُلًا سألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ المُباشَرَةِ للصَّائِمِ، فَرَخَّصَ لَهُ، وأتاهُ آخَرٌ فَنَهاهُ عَنْها، فَإذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَإذَا الَّذِي نَهَاهُ شابّ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٢). [صحيح لغيره] حديث أبي هريرة سكت عنه أبو داود (٣) والمنذري (٤) والحافظ في التلخيص (٥)، وفي إسناده أبو العنبس الحارث بن عبيد سكتوا عنه. وقال في التقريب (٦): مقبول. وقد أخرجه ابن ماجه (٧) من حديث ابن عباس ولم يصرح برفعه. والبيهقي (٨) من حديث عائشة مرفوعًا. وأخرج نحوه أحمد (٩) من حديث عبد الله بن عمرو.

стр. 3842

قوله: (كان يقبلها [وهو صائم]) (١)، فيه دليل على أنه يجوز التقبيل للصائم ولا يفسد به الصوم. قال النووي (٢): ولا خلاف أنها لا تبطل الصوم إلا إن أنزل بها، ولكنه متعقب بأن ابن شبرمة أفتى بإفطار من قبَّل. ونقله الطحاوي (٣) عن قوم ولم يسمِّهم. وقد قال بكراهة التقبيل والمباشرة على الإطلاق قوم وهو المشهور عند المالكية (٤). وروى ابن أبي شيبة (٥) بإسناد صحيح عن ابن عمر أنه كان يكره القبلة والمباشرة. ونقل ابن المنذر (٦) وغيره عن قوم تحريمهما، وأباح القبلة مطلقًا قوم (٧).

стр. 3843

قال في الفتح (١): وهو المنقول صحيحًا عن أبي هريرة (٢)، قال سعيد (٣) وسعد بن أبي وقاص (٤) وطائفة وبالغ بعض الظاهرية (٥) فقال: إنها مستحبة. وفرق آخرون بين الشاب والشيخ، فأباحوها للشيخ دون الشاب تمسكًا بحديث أبي هريرة المذكور في الباب (٦) وما ورد في معناه، وبه قال ابن عباس وأخرجه عنه مالك (٧) وسعيد بن منصور وغيرهما.

стр. 3844

وفرق آخرون بين من يملك نفسه ومن لا يملك. واستدلوا بحديث عائشة المذكور في الباب (١) وبه قال سفيان والشافعي (٢)، ولكنه ليس إلا قول لعائشة، نعم نهيه ﷺ للشاب وإذنه للشيخ يدل على أنه لا يجوز التقبيل لمن خشي أن تغلبه الشهوة وَظَنَّ أنه لا يملك نفسه عند التقبيل، ولذلك ذهب قوم إلى تحريم التقبيل على من كان تتحرك به شهوته، والشاب مظنة لذلك. ويعارض حديث أبي هريرة (١) ما أخرجه النسائي (٣) عن عائشة قالت: "أهوى النبيّ ﷺ ليقبلني، فقلت: إني صائمة، فقال: وأنا صائم فقبَّلني"، وعائشة كانت شابة حينئذ. إلا أن يكون حديث أبي هريرة مختصًا بالرجال ولكنه بعيد؛ لأن الرجال والنساء سواء في هذا الحكم. ويمكن أن يقال: إن النبيّ ﷺ علم من حال عائشة أنها لا تتحرك شهوتها بالتقبيل. وقد أخرج ابن حبان في صحيحه (٤): "أنه ﷺ كان لا يمس شيئًا من وجهها وهي صائمة"، فدل على أنه كان يجنبها ذلك إذا صامت تنزيهًا منه لها عن تحرك الشهوة لكونها ليست مثله. وقد دل حديث عمرو بن أبي سلمة (٥) المذكور على جواز التقبيل للصائم من غير فرق بين الشاب وغيره.
следующие страницы →