← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 3875–3914 · переход к 3880.

стр. 3875

وعن قرة بن إياس المزني عند البزار (١) نحوه أيضًا. وعن ابن عباس عند ابن ماجه (٢) والحاكم (٣) بلفظ: "استعينوا بطعام السحر على صيام النهار، وبقيلولة النهار على قيام الليل". وله شاهد في علل ابن أبي حاتم (٤) وعنه (٥)، وتشهد [له] (٦) رواية لابن داسة في سنن أبي داود (٧). وأخرجه ابن حبان (٨) بلفظ: "نِعم سَحُورُ المؤمنِ التَّمْرُ". وعن ابن عمر عند ابن حبان (٩) بلفظ: "إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين".

стр. 3876

وفي رواية له (١) عنه (٢): "تسحروا ولو بجرعة من ماء". وعن زيد بن ثابت عند الشيخين (٣): "إنه كان بين تسحره ﷺ ودخوله في الصلاة قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية". وعن أنس عند البخاري (٤) بنحوه. وعن أبي سعيد عند أحمد (٥) بلفظ: "السحور بركة فلا تدعوه، ولو أن يجرع أحدكم جرعةً من ماء، فإنَّ الله وملائكته يصلون على المتسحِّرين". ولسعيد بن منصور (٦) من طريق أخرى: "تسحروا ولو بلقمة". قوله: (مما أخروا السحور) أي مدة تأخيرهم. وفيه دليل على مشروعية تأخير السحور. وقد تقدم قول ابن عبد البر أن أحاديث تأخير السحور صحاح متواترة. قوله: (فإن في السحور بركة) بفتح السين وضمها. قال في الفتح (٧): لأن المراد بالبركة الأجر والثواب فيناسب الضم لأنه مصدر، أو البركة كونه يقوي على الصوم وينشط له ويخفف المشقة فيه فيناسب الفتح لأنه اسم لما يتسحر به.

стр. 3877

وفيه دليل على مشروعية التسحر، وقد نقل ابن المنذر الإجماع (١) على ندبية السحور، انتهى. وليس بواجب لما ثبت عنه ﷺ وعن أصحابه أنهم واصلوا. ومن مقويات مشروعية السحور ما فيه من المخالفة لأهل الكتاب، فإنهم لا يتسحرون كما صرح بذلك حديث عمرو بن العاص (٢). وأقل ما يحصل به التسحر ما يتناوله المؤمن من مأكول أو مشروب ولو جرعة من ماء كما تقدم في الأحاديث. * * *

стр. 3878

[ثالثًا] أبواب ما يبيح الفطر وأحكام القضاء [الباب الأول] باب الفطر والصوم في السفر ١/ ١٦٧٧ - (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأسْلَمِيَّ قَالَ للنَّبِيّ ﷺ : أَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ: "إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ) (١). [صحيح] ٢/ ١٦٧٨ - (وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاء قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ على رَأسِهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ الله ﷺ وَعَبْدُ الله بْنُ رَوَاحَةَ) (٢). [صحيح] ٣/ ١٦٧٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ "، فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: "لَيْسَ مِنَ البِرّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ") (٣). [صحيح] ٤/ ١٦٨٠ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فَلَمْ يَعِبْ الصَّائِمُ على المُفْطِرِ، وَلَا المُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ) (٤). [صحيح] ٥/ ١٦٨١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشْرَةُ

стр. 3879

آلاف وَذلِكَ على رَأسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَنِصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ، فَسَارَ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَكَّةَ يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الكَدِيدَ، وَهُوَ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيدٍ، أَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالآخِرِ فَالآخِرِ (١). [صحيح] متفقٌ عَلى هَذِهِ الأَحَادِيثَ، إِلَّا أَنَّ مُسْلِمًا لَهُ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عَشْرَةِ آلافٍ وَلَا تَارِيخِ الخُرُوج). ٦/ ١٦٨٢ - (وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرِو الْأَسْلَمِيّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَجِدُ مِنِّي قُوَّةً عَلى الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ فَهَلْ عَلَيَّ جُناحٌ؟ فَقَالَ: "هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ تَعالَى، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فَحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ،، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢) والنَّسائيُّ (٣)، وَهُوَ قَوِيُّ الدَّلَالَةِ عَلَى فَضِيلَةِ الفِطْرِ). [صحيح] ٧/ ١٦٨٣ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ قَالا: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فَيَصُومُ الصَّائِمُ وَيُفْطِرُ المُفْطِرُ فَلَا يَعِيبُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٤). [صحيح] ٨/ ١٦٨٤ - (وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ قَالَ: سافَرْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أقْوَى لَكُمْ"، فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوّكُمْ وَالْفِطْرُ أَقْوى لَكُمْ فَأفْطِرُوا"، فَكَانَتْ

стр. 3880

عَزْمَةً فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فِي السَّفَرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ) (٣). [صحيح] قوله: (أأصوم) قال ابن دقيق العيد (٤): ليس فيه تصريح بأنه صوم رمضان فلا يكون فيه حجة على من منع صوم رمضان في السفر. قال الحافظ (٥): هو كما قال بالنسبة إلى سياق حديث الباب، لكن في رواية [لمسلم] (٦) أنه أجابه بقوله: "هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه"، وهذا يشعر بأنه سأل عن صيام الفريضة، لأن الرخصة إنما تطلق في مقابل ما هو واجب. وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود (٧) والحاكم (٨) عنه أنه قال: "يا رسول الله إني صاحب ظهر أعالجه أسافر عليه وأكريه، ربما صادفني هذا الشهر يعني رمضان وأنا أجد القوة وأجد لي أن الصوم أهون عليّ من أن أؤخره فيكون دينًا، فقال: أي ذلك شئت". وفي هذا الحديث (٩) دلالة على استواء الصوم والإفطار في السفر. قوله: (في شهر رمضان) هذا لفظ مسلم (١٠). وفي البخاري (١١): "خرجنا مع النبيّ ﷺ في بعض أسفاره".

стр. 3881

وبرواية مسلم يتم المراد من الاستدلال، ويتوجه بها الرد على ابن حزم (١) حيث زعم أن حديث أبي الدرداء هذا لا حجة فيه لاحتمال أن يكون ذلك الصوم تطوعًا. وقد قيل: إن هذا السفر هو غزوة الفتح، وهو وهم؛ لأن أبا الدرداء ذكر أن عبد الله بن رواحة كان صائمًا في هذا السفر، وهو استشهد بمؤتة قبل غزوة الفتح بلا خلاف. وإن كانتا جميعًا في سنة واحدة. وأيضًا الذين صاموا في غزوة الفتح جماعة من الصحابة، ولم يستثن أبو الدرداء في هذه الرواية مع النبي ﷺ إلا عبد الله بن رواحة [وحده] (٢). وفي هذا الحديث دليل على أنه لا يكره الصوم لمن قوي عليه. قوله: (في سفر) في رواية للبخاري (٣) وابن خزيمة (٤) أنها غزوة الفتح. قوله: (ورجلًا قد ظلل عليه)، زعم مغلطاي أنه أبو إسرائيل، وعزا ذلك إلى مبهمات الخطيب (٥) ولم يقل ذلك في هذه القصة، وإنما قاله في قصة الذي نذر أن يصوم ويقوم في الشمس، وكان ذلك يوم الجمعة والنبيّ ﷺ يخطب. قال الحافظ (٦): لم نقف على اسم هذا الرجل. قوله: (ليس من البر إلخ)، قد أشار البخاري (٧) إلى أن السبب في قوله ﷺ هذه المقالة هو ما ذكر من المشقة التي حصلت للرجل الذي ظلل عليه. وفي ذلك دليل على أن الصيام في السفر لمن كان يشق عليه ليس بفضيلة. وقد اختلف السلف في هذه المسألة، أعني صوم رمضان في السفر،

стр. 3882

فقالت طائفة: لا يجزئ الصوم عن الفرض [في السفر] (١)، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر، وهو قول بعض الظاهرية (٢). وحكاه في البحر (٣) عن أبي هريرة وداود والإمامية. قال في الفتح (٤): وحكي عن عمر وابن عمر وأبي هريرة والزهري وإبراهيم النخعي وغيرهم، انتهى. واحتجُّوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥). قالوا: لأن ظاهر قوله: ﴿فَعِدَّةٌ﴾: أي فالواجب عليه عدة، وتأوله الجمهور بأن التقدير فأفطر فعدّة. واحتجوا أيضًا بما في حديث ابن عباس المذكور في الباب (٦) أن النبي ﷺ أفطر في السفر. وكان ذلك آخر الأمرين، وأن الصحابة كانوا يأخذون بالآخر فالآخر من فعله، فزعموا أن صومه ﷺ في السفر منسوخ. وأجاب الجمهور عن ذلك بأن هذه الزيادة مدرجة من قول الزهري كما جزم بذلك البخاري في الجهاد (٧)، وكذلك وقعت عند مسلم (٨) مدرجة. وبأن النبي ﷺ صام بعد هذه القصة كما في حديث أبي سعيد المذكور في آخر الباب (٩) بلفظ: "ثم لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله ﷺ بعد ذلك في السفر". واحتجوا أيضًا بما أخرجه مسلم (١٠) عن جابر: "أن النبيَّ ﷺ خرج عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء

стр. 3883

فرفعه حتى نظر الناس ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة". وفي رواية له: "إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر" الحديث، وسيأتي (١). وأجاب عنه الجمهور بأنه إنما نسبهم إلى العصيان لأنه عزم عليهم فخالفوا. واحتجوا أيضًا بما في حديث جابر المذكور في الباب (٢) من قوله ﷺ : "ليس من البر الصوم في السفر". وأجاب عنه الجمهور بأنه ﷺ إنما قال ذلك في حق من شق عليه الصوم كما سبق بيانه [في الفطر] (٣). ولا شك أن الإفطار مع المشقة الزائدة أفضل، وفيه نظر لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٤)، ولكن قيل: إن السياق والقرائن تدل على التخصيص (٥). قال ابن دقيق العيد (٦): وينبغي أن يُتنبه للفرق بين دلالة السبب والسياق والقرائن على تخصيص العام، وعلى مراد المتكلم، وبين مجرد ورود العام على سبب، فإن بين المقامين فرقًا واضحًا، ومن أجراهما مجرى واحدًا لم يصب، فإن مجرد ورود العام على سبب لا يقتضي التخصيص (٧) به كنزول آية السرقة في

стр. 3884

قصة رداء صفوان (١). وأما السياق والقرائن الدالة على مراد المتكلم فهي المرشدة إلى بيان المجملات كما في حديث الباب. وأيضًا نفي البر لا يستلزم عدم صحة الصوم. وقد قال الشافعي (٢): يحتمل أن يكون المراد ليس من البر المفروض الذي من خالفه أثم. وقال الطحاوي (٣): المراد بالبر هنا البر الكامل الذي هو أعلى المراتب، وليس المراد به إخراج الصوم في السفر عن أن يكون برًا؛ لأن الإفطار قد يكون أَبر من الصوم إذا كان للتقوي على لقاء العدو. وقال الشافعي (٢): نفي البر المذكور في الحديث محمول على من أبى قبول الرخصة. وقد روى الحديث النسائي (٤) بلفظ: "ليس من البر أن تصوموا في السفر وعليكم برخصة الله لكم فاقبلوا"، قال ابن القطان (٥): إسنادها حسن متصل، يعني الزيادة. ورواها الشافعي (٦) ورجح ابن خزيمة (٧) الأول.

стр. 3885

واحتجوا أيضًا بما أخرجه ابن ماجه (١) عن عبد الرحمن [بن] (٢) عوف مرفوعًا: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر". ويجاب عنه بأن في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف (٣). ورواه الأثرم (٤) من طريق أبي سلمة عن أبيه مرفوعًا. قال الحافظ (٥): والمحفوظ عن أبى سلمة عن أبيه موقوفًا، كذلك أخرجه النسائي (٦) وابن المنذر. ورجح وقفه ابن أبي حاتم (٧) والبيهقي (٨) والدارقطني (٩)، ومع وقفه فهو منقطع لأن أبا سلمة لم يسمع من أبيه. وعلى تقدير صحته فهو محمول على الحالة التي يكون الفطر فيها أولى من الصوم كحالة المشقة جمعًا بين الأدلة. واحتجوا أيضًا بما أخرجه أحمد (١٠) والنسائي (١١) والترمذي (١٢) وحسنه عن أنس بن مالك الكعبي بلفظ: "إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة".

стр. 3886

ويجاب [عنه] (١) بأنه مختلف فيه كما قال ابن أبي حاتم، وعلى تسليم صحته فالوضع لا يستلزم عدم صحة الصوم في السفر وهو محل النزاع. وذهب الجمهور منهم مالك (٢) والشافعي (٣) وأبو حنيفة (٤) إلى أن الصوم أفضل لمن قوي عليه ولم يشق به، وبه قالت العترة (٥). وروي عن أنس (٦)، وعثمان بن أبي العاص (٧). وقال الأوزاعي وأحمد (٨) وإسحاق؛ إن الفطر أفضل عملًا بالرخصة وروي عن ابن عباس (٩) وابن عمر (١٠).

стр. 3887

وقال عمر بن عبد العزيز (١) واختاره ابن المنذر: أفضلهما أيسرهما، فمن يسهل عليه حينئذٍ ويشق عليه قضاؤه بعد ذلك فالصوم في حقه أفضل. وقال آخرون: وهو مخير مطلقًا، والأولى أن يقال: من كان يشق عليه الصوم ويضره، وكذلك من كان معرضًا عن قبول الرخصة فالفطر أفضل. أما الطرف الأول فلما قدمنا من الأدلة في حجج القائلين بالمنع من الصوم. وأما الطرف الثاني فلحديث: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه"، وقد تقدم (٢). ولحديث: "من رغب عن سنتي فليس مني" (٣). وكذلك يكون الفطر أفضل في حق من خالف على نفسه العجب أو الرياء إذا صام في السفر. وقد روى الطبراني (٤) عن ابن عمر أنه قال: "إذا سافرت فلا تصم، فإنك إن تصم قال أصحابك: اكفوا الصائم ادفعوا للصائم وقاموا بأمرك وقالوا: فلان صائم، فلا تزال كذلك حتى يذهب أجرك". وأخرج (٥) نحوه أيضًا من طريق أبي ذر.

стр. 3888

ومثل ذلك ما أخرجه البخاري (١) في الجهاد عن أنس مرفوعًا: "إن النبي ﷺ قال للمفطرين لما خدموا الصائمين: ذهب المفطرون اليوم بالأجر"، وما كان من الصيام خاليًا عن هذه الأمور فهو أفضل من الإفطار. ومن أحب الوقوف على حقيقة المسألة فليراجع: (قَبول البشرى في تيسير اليسرى) (٢) للعلامة محمد بن إبراهيم (٣). قوله: (الكديد) (٤) بفتح الكاف وكسر الدال المهملة. قوله: (وقديد) (٥) بضم القاف مصغرًا، وبين الكديد ومكة مرحلتان. قال عياض (٦): اختلفت الروايات في الموضع الذي أفطر فيه النبي ﷺ والكل في قضية واحدة، وكلها متقاربة والجميع من عمل عسفان. قوله: (أجد مني قوة)، ظاهره أن الصوم لا يشق عليه ولا يفوت به حق، وفي رواية لمسلم (٧): "إني رجل أسرد الصوم".

стр. 3889

وقد جعل المصنف رحمه الله تعالى هذا الحديث قوي الدلالة على فضيلة الفطر لقوله ﷺ : "فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح". فأثبت للأخذ بالرخصة الحسن، وهو أرفع من رفع الجناح. وأجاب الجمهور (١): بأن هذا فيمن يخاف ضررًا أو يجد مشقة كما هو صريح في الأحاديث، وقد أسلفنا تحقيق ذلك. قوله: (إنكم قد دنوتم من عدوكم والفطر أقوى لكم)، فيه دليل على أن الفطر لمن وصل في سفره إلى موضع قريب من العدو أولى؟ لأنه ربما وصل إليهم العدو إلى ذلك الموضع الذي هو مظنة ملاقاة العدو، ولهذا كان الإفطار أولى ولم يتحتم. وأما إذا كان لقاء العدو متحققًا فالإفطار عزيمة؛ لأن الصائم يضعف عن منازلة الأقران ولا سيما عند غليان مراجل الضراب والطعان، ولا يخفى ما في ذلك من الإهانة لجنود المحقين وإدخال الوهن على عامة المجاهدين من المسلمين. فائدة: المسافة التي يباح الإفطار فيها هي المسافة التي يباح القصر فيها، والخلاف هنا كالخلاف هنالك، وقد قدمنا تحقيق ذلك في باب القصر فليرجع إليه. [الباب الثاني] باب من شرع في الصوم ثم أفطر في يومه ذلك ٩/ ١٦٨٥ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الغَمِيمِ وَصَامَ النَّاسُ مَعَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِم الصِّيَامُ، وَإِنَ النَّاسَ يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَشَرِبَ وَالنَّاس يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ وَصَامَ بَعْضُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ ناسًا صَامُوا فَقَالَ:

стр. 3890

"أُولَئِكَ الْعُصَاةُ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) وَالنَّسَائِيُّ (٢) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) (٣). [صحيح] ١٠/ ١٦٨٦ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَتى رَسُولُ الله ﷺ على نَهْرٍ مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَالنَّاسُ صِيَامٌ فِي يَوْمٍ صَائِفٍ مُشَاةٌ وَنَبِيُّ الله ﷺ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ، فَقَالَ: "اشْرَبُوا أَيُّهَا النَّاسُ"، قَالَ: فَأَبَوْا، قَالَ: "إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِني أَيْسَرُكُمْ، إِني رَاكِبٌ"، فَأبَوْا، فَثَنَى رَسُولُ الله ﷺ فَخِذَهُ فَنَزَلَ فَشَرِبَ وَشَرِبَ النَّاسُ، وَمَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَشْرَبَ) (٤). [إسناده صحيح] ١١/ ١٦٨٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ عامَ الفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى مَرَّ بِغَدِيرٍ فِي الطَّرِيقِ وَذَلِكَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ: فَعَطِشَ النَّاسُ، وَجَعَلُوا يَمُدُّونَ أَعْنَاقَهُمْ وَتَتُوقُ أَنْفُسُهُمْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ الله ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَأَمْسَكَهُ عَلَى يَدِهِ حَتَّى رَآهُ النَّاسُ، ثُمَّ شَرِبَ فَشَرِب النَّاس (٥)، رَوَاهُمَا أَحْمَدُ). [إسناده صحيح] حديث ابن عباس أخرج نحوه البخاري في المغازي (٦) من طريق خالد الحذاء عن عكرمة عن ابن عباس قال: "خرج النبي ﷺ في رمضان والناس صائم ومفطر؛ فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحلته ثم نظر الناس"، وسيأتي (٧). وزاد في رواية أخرى (٨) من طريق طاوس عن ابن عباس: "ثم دعا بماء فشرب نهارًا".

стр. 3891

وأخرجه (١) من طريق أبي الأسود عن عكرمة أوضح من سياق خالد، ولفظه: "فلما بلغ الكديد بلغه أن الناس شق عليهم الصيام، فدعا بقدح من لبن فأمسكه بيده حتى رآه الناس وهو على راحلته، ثم شرب فأفطر فناوله رجلًا إلى جنبه فشرب". والأحاديث في هذا المعنى يشهد بعضها لبعض. قوله: (كُراع الغميم) (٢) هو بضم الكاف، والغميم بفتح الغين المعجمة وهو اسم واد أمام عسفان وهو من أموال أعالي المدينة. وفيه دليل على أنه يجوز للمسافر أن يفطر بعد أن نوى الصيام من الليل وهو قول الجمهور. قال في الفتح (٣): وهذا كله فيما لو نوى الصوم في السفر، فأما لو نوى الصوم وهو مقيم ثم سافر في أثناء النهار فهل له أن يفطر في ذلك النهار؟ منعه الجمهور (٤). وقال أحمد (٥) وإسحاق بالجواز، واختاره المزني وهذا هو الحق لحديث جابر المذكور في الباب (٦) لما تقدم من أن كراع الغميم من أموال أعالي المدينة. ولحديث ابن عباس الذي سيأتي (٧) في الباب بعد هذا: "أنه ﷺ أفطر حين استوى على راحلته". وهذا الحديث أيضًا يرد ما روي عن بعض السلف أن من استهل رمضان في الحضر ثم سافر بعد ذلك فليس له أن يفطر (٨).

стр. 3892

وقد روي عن عليّ ﵇ نحو ذلك بإسناد ضعيف، والجمهور على الجواز وهو الحقّ. واستدل المانع من الإفطار بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١). قوله: (فشرب إلخ)، فيه دليل على أن فضيلة الفطر لا تختص بمن أجهده الصوم أو خشي العجب والرياء أو ظن به الرغبة عن الرخصة بما يلتحق بذلك من يقتدي به ليتابعه من وقع له شيء من هذه الأمور الثلاثة، ويكون الفطر في تلك الحال في حقه أفضل لفضيلة البيان. ويدل على هذا قوله في حديث أبي سعيد (٢): "وما كان يريد أن يشرب". قوله: (أولئك العصاة)، استدل به من قال بأن الفطر في السفر متحتم ومن قال بأنه أفضل، وقد تقدم الجواب عن ذلك. [قوله] (٣): (في يوم صائف) فيه أن الإفطار عند اشتداد الحر [كما] (٤) يكون في أيام الصيف أفضل لأنه مظنة المشقة، وأنه يشرع لمن مع المسافرين من إمام أو عالم أن يفطر ليقتدي به الناس وإن لم يكن محتاجًا إلى الإفطار لما تقدم. قوله: (إني أيسركم إني راكب)، يعني أني أيسركم مشقَّة، ثم بين ذلك بقوله: "إني راكب". قوله: (في نحر الظهيرة) أي في أوّل الظهيرة. قال في القاموس (٥): نحر النهار والشهر أوله، الجمع نحور، انتهى. قوله: (تتوق أنفسهم) أي تشتاق.

стр. 3893

قال في القاموس (١): تاق إليه توقًا وتؤقًا وتياقةً وتوقانًا: اشتاق، انتهى. قوله: (فأمسكه على يده)، في رواية للبخاري (٢): "فرفعه إلى يده"، قال الحافظ (٣): وهذه الرواية مشكلة لأن الرفع إنما يكون باليد. وأجاب الكرماني (٤) بأن المعنى يحتمل أن يكون رفعه إلى أقصى طول يده: أي انتهى الرفع إلى أقصى غايتها. وفي رواية لأبي داود (٥) "فرفعه إلى فيه". قوله: (حتى رآه الناس) في رواية للبخاري (٢): "ليراه الناس". وفيه رواية للمستملي (٦) "ليريه الناس" بضم أوله وكسر الراء وفتح التحتانية، والناس بالنصب على المفعولية. [الباب الثالث] باب من سافر في أثناء يوم هل يفطر فيه، ومتى يفطر؟ ١٢/ ١٦٨٨ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ في رَمَضَانَ إلى حُنَيْنٍ، وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ، فَصَائِمٌ وَمُفْطِرٌ، فَلَمَّا اسْتَوَى على رَاحِلَتِهِ دَعا بإناءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ، فَوَضَعَهُ على رَاحِلَتِهِ أَوْ رَاحَتِهِ ثُمَّ نَظَرَ [إلى] (*) النَّاسِ فَقَالَ المُفْطِرُونَ للصُّوَّامِ أَفْطِرُوا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) (٧). [صحيح] هذا أحد ألفاظ حديث ابن عباس، وقد ورد بألفاظ مختلفة في البخاري وغيره، وقد تقدم ذكر بعضها، وذكره المصنف ههنا للاستدلال به على أنه يجوز للمسافر الإفطار عند ابتداء السفر لقوله فيه: "فلما استوى على راحلته إلخ". وقال الشافعي (٨): من أصبح في حضر مسافرًا فليس له أن يفطر إلا أن يثبت حديث النبي ﷺ أنه أفطر يوم الكديد (٩)، انتهى.

стр. 3894

والحديث المذكور قد ثبت كما تقدم ولكنها لا تقوم به الحجة على إفطار من أصبح في حضر مسافرًا؛ لأن بين الكديد والمدينة ثمانية أيام، بل هو حجة على أنه يجوز لمن صام أيامًا في سفره أن يفطر، وقد ترجم البخاري (١) عليه باب: إذا صام أيامًا من رمضان ثم سافر. والذي تقوم به الحجة على جواز إفطار من أصبح في حضر مسافرًا هو حديث الباب (٢). وكذلك حديث جابر (٣) المتقدم في الباب الأول كما تقدم تحقيق ذلك. قال المصنف (٤) ﵀ بعد أن ساق الحديث: قال شيخنا عبد الرزاق بن عبد القادر: صوابه خيبر أو مكة لأنه قصدهما في هذا الشهر، فأما حنين فكانت بعد الفتح بأربعين ليلة، انتهى. والفتح كان لعشر بقين من رمضان، وقيل: لتسع عشرة ليلة خلت منه. قال في الفتح (٥): وهو الذي اتفق عليه أهل السير، وكان خروجه ﷺ من المدينة في عاشر رمضان، فإذا كانت حنين بعده بأربعين ليلة لم يستقم أن يكون السفر إليها في رمضان. ١٣/ ١٦٨٩ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا وَقَدْ رُحِّلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، فَقُلْتُ لَهُ: سُنَةٌ؟ فَقَالَ: سُنَّةٌ ثُمَّ رَكِبَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) (٦). [صحيح لغيره] ١٤/ ١٦٩٠ - (وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ جَبْرٍ قَالَ: رَكِبْتُ مَعَ أَبي بُصْرَةَ الغِفَارِيّ فِي سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ فِي رَمَضَانَ فَدَفَعَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ ثُمَّ قَالَ: اقْتَربَ، فَقُلْتُ:

стр. 3895

أَلَسْتَ بَيْنَ البُيُوتِ؟ فَقَالَ أَبُو بُصْرَةَ: أَرَغِبْتَ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ الله ﷺ ؟ رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَأَبُو دَاوُدَ) (٢). [صحيح لغيره] الحديث الأول ذكره الحافظ في التلخيص (٣) وسكت عنه، وفي إسناده عبد الله بن جعفر (٤) والد عليّ بن المديني وهو ضعيف. والحديث الثاني سكت عنه أبو داود (٥) والمنذري (٦) والحافظ في التلخيص (٧) ورجال إسناده ثقات. وأخرج البيهقي (٨) عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل أنه كان يسافر وهو صائم فيفطر من يومه. قوله: (من الفسطاط) هو اسم علم لمصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص. والحديثان يدلان على أنه يجوز للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه. قال ابن العربي في العارضة (٩): هذا صحيح، ولم يقل به إلا أحمد (١٠)، أما علماؤنا فمنعوا منه، لكن اختلفوا إذا أكل هل عليه كفارة؟ فقال مالك (١١): لا، وقال أشهب (١٢): هو متأول. وقال غيرهما: يكفِّر، ونحب أن لا يكفِّر

стр. 3896

لصحة الحديث ولقول أحمد: عذر يبيح الإفطار فطر بأنه على الصوم يبيح الفطر كالمرض، وفرق بأن المرض لا يمكن دفعه بخلاف السفر. قال ابن العربي (١): وأما حديث أنس فصحيح يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر، ثم ذكر أن قوله من السنة لا بد من أن يرجع إلى التوقيف، والخلاف في ذلك معروف في الأصول. والحق أن قول الصحابي من السنة ينصرف إلى سنة الرسول ﷺ . وقد صرح هذان الصحابيان بأن الإفطار للمسافر قبل مجاوزة البيوت من السنة. [الباب الرابع] باب جواز الفطر للمسافر إذا دخل بلدًا ولم يجمع إقامة ١٥/ ١٦٩١ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَزَا غَزْوَةَ الفَتْحِ فِي رَمَضَانَ وَصَامَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ الكَدِيدَ المَاء الَّذِي بَيْنَ قُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ أَفْطَرَ فَلَمْ يَزَلْ مُفْطِرًا حَتَّى انْسَلَخَ الشَّهْرُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢). [صحيح] وَوَجْهُ الحُجَّةِ مِنْهُ أَنَّ الفَتْحَ كَانَ لِعَشْرٍ بَقَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، هَكَذَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] الكديد وقديد قد تقدم (٤) ضبطهما وتفسيرهما. والحديث يدل على أن المسافر إذا أقام ببلد مترددًا جاز له أن يفطر مدة تلك الإقامة.

стр. 3897

كما يجوز له أن يقصر، وقد عرَّفناك في باب قصر الصلاة أن من حط رحله في بلد وأقام به يتم صلاته لأن مشقة السفر قد زالت عنه ولا يقصر إلا إلى مقدار المدة التي قصر فيها [النبي] (١) ﷺ مع إقامته، ولا شك أن قصره ﷺ في تلك المدة لا ينفي القصر فيما زاد عليها، ولكن ملاحظة الأصل منعت من مجاوزتها لأن القصر للمقيم لم يشرعه الشارع فلا يثبت له إلا بدليل، وقد دل الدليل على أنه يقصر في مثل المدة التي أقام فيها ﷺ ، وقد تقدم الخلاف في مقدارها فيقتصر على ذلك. وهكذا يقال في الإفطار: الأصل في المقيم أن لا يفطر لزوال مشقة السفر عنه إلا لدليل يدل على جوازه له، وقد دل الدليل على أن من كان مقيمًا ببلد وفي عزمه السفر يفطر مثل المدة التي أفطرها ﷺ بمكة وهي عشرة أيام أو أحد عشر على اختلاف الروايات، فيقتصر على ذلك ولا يجوز الزيادة عليه إلا بدليل. فإن قيل: الاعتبار بإطلاق اسم المسافر على المقيم المتردد، وقد أطلقه عليه ﷺ فقال: "إنا قوم سفر"، كما تقدم (٢) في القصر لا بالمشقة، لعدم انضباطها، قلنا: قد تقدم الجواب عن ذلك في القصر فليرجع إليه. [الباب الخامس] باب ما جاء في المريض والشيخ والشيخة والحامل والمرضع ١٦/ ١٦٩٢ - (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ الكَعْبِيّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِنَّ الله وَضَعَ عَنِ المُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلاةِ، وَعَنِ الحُبْلَى وَالمُرْضِعِ الصَّوْمَ" رَوَاهُ الخَمْسَةُ (٣)، وَفِي لَفْظِ بَعْضِهِمْ: "وَعَنْ الحامِلِ وَالمُرْضِعِ"). [حسن]

стр. 3898

الحديث حسنه الترمذي (١) وقال: [ولا يعرف] (٢) لابن مالك هذا عن النبي ﷺ غير هذا الحديث الواحد، انتهى. وقال ابن أبي حاتم في علله (٣): سألت أبي عنه، يعني الحديث فقال: اختلف فيه، والصحيح عن أنس بن مالك القشيري، انتهى. قال المنذري (٤): ومن يسمى بأنس بن مالك من رواة الحديث خمسة: صحابيان هذا وأبو حمزة أنس بن مالك الأنصاري خادم رسول الله ﷺ ، وأنس بن مالك والد الإمام مالك بن أنس روي عنه حديث في إسناده نظر، والرابع شيخ حمصي حدث، والخامس كوفي حدث عن حماد بن أبي سليمان والأعمش وغيرهما، انتهى. وينبغي أن يكون أنس بن مالك القشيري الذي ذكره ابن أبي حاتم سادسًا إن لم يكن هو الكعبي.

стр. 3899

والحديث يدل على أن المسافر لا صوم عليه، وقد تقدم البحث عن ذلك وأنه يصلي قصرًا وقد تقدم تحقيقه. وأنه يجوز للحبلى والمرضع الإفطار، وقد ذهب إلى ذلك العترة (١) والفقهاء (٢) إذا خافت المرضعة على الرضيع والحامل على الجنين وقالوا: إنها تفطر حتمًا. قال أبو طالب (٣): ولا خلاف في الجواز. وقال الترمذي (٤): العمل على هذا عند أهل العلم. وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع يفطران ويقضيان ويطعمان وبه يقول سفيان ومالك والشافعي وأحمد. وقال بعضهم: يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا ولا طعام عليهما، وبه يقول إسحاق اهـ. وقد قال بعدم وجوب الكفارة مع القضاء الأوزاعي والزهري والشافعي (٥) في أحد أقواله. وقال مالك (٦) والشافعي (٧) في أحد أقواله: إنها تلزم المرضع لا الحامل إذ هي كالمريض (٨).

стр. 3900

١٧/ ١٦٩٣ - (وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١)، كانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَفْطرَ وَيفْتَدِيَ حَتَّى أُنْزِلَتْ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلا أَحْمَدُ) (٢). [صحيح] ١٨/ ١٦٩٤ - (وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ بِنَحْوِ حَدِيثِ سَلَمَةَ وَفِيهِ: ثُمَّ أَنْزَلَ الله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٣)، فأثْبَتَ الله صِيَامَهُ على المُقِيمِ الصَّحِيحِ، وَرَخَّصَ فِيهِ لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ، وَثَبَتَ الإِطْعَامُ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصّيامَ. مُخْتَصَرٌ لأحْمَدَ (٤) وَأَبِي دَاوُدَ) (٥). [ضعيف] ١٩/ ١٦٩٥ - (وَعَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأْ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (١)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةً، هِيَ للشَّيْخِ الكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الكَبِيرَةِ لا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلّ يَوْمٍ مِسْكِينًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ) (٦). [صحيح] ٢٠/ ١٦٩٦ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: أُثْبِتَتْ لِلْحُبْلَى والمُرْضِع. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٧). [صحيح] حديث معاذ قد اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا.

стр. 3901

قوله: (الآية التي بعدها) هي الآية المذكورة في حديث معاذ الذي بعده. قوله: (فنسختها)، قد روي عن ابن عمر كما روي عن سلمة من النسخ ذكر ذلك البخاري عنه معلقًا (١) وموصولًا (٢). وقد أخرج أبو نعيم في المستخرج (٣) والبيهقي (٤) "أن النبي ﷺ قدم المدينة ولا عهد لهم بالصيام، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كل شهر حتى نزل رمضان فاستكثروا ذلك وشق عليهم، فكان من يطعم مسكينًا كل يوم ترك الصيام ممن يطيقه رخص لهم في ذلك، ثم نسخه قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٥)، فأمروا بالصيام". وهذا الحديث أخرجه أيضًا أبو داود (٦) من طريق شعبة والمسعودي عن الأعمش مطولًا، وقد اختلف في إسناده اختلافًا كثيرًا، وإذا تقرر أن الإفطار والإطعام كان رخصة ثم نسخ لزم أن يصير الصيام حتمًا واجبًا، فكيف يصح الاستدلال على ذلك بقوله: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٥)، والخيرية لا تدل على الوجوب لدلالة قوله: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ على المشاركة في أصل الخير. وأجاب عن ذلك الكرماني (٧) جوابًا متكلفًا حاصله أن المراد أن الصوم خير من التطوع بالفدية والتطوع بها كان سنة والخير من السنة لا يكون واجبًا: أي لا يكون شيء خيرًا من السنة إلا الواجب، كذا قال. فالأولى ما روي عن سلمة بن الأكوع (٨) وابن عمر (٩) أن الناسخ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (١٠)، وإلى النسخ في حق غير الكبير ممن يطيق الصيام ذهب الجمهور (١١)، قالوا: وحكم الإطعام باق في حق من لم يطق الصيام.

стр. 3902

وقال جماعة من السلف منهم مالك (١) وأبو ثور (٢) وداود أن جميع الإطعام منسوخ، وليس على الكبير إذا لم يطق إطعام. وقال قتادة (٣): كانت الرخصة لكبير يقدر على الصوم ثم نسخ فيه وبقي فيمن لا يطيق. وقال ابن عباس (٤): إنها محكمة لكنها مخصوصة بالشيخ الكبير كما وقع في الباب عنه. وقال زيد بن أسلم والزهري ومالك: هي محكمة نزلت في المريض يفطر ثم يبرأ فلا يقضي حتى يدخل رمضان آخر فيلزمه صومه ثم يقضي بعده ويطعم عن كل يوم مدًا من حنطة، فإن اتصل مرضه برمضان الثاني فليس عليه إطعام، بل عليه القضاء فقط. وقال الحسن البصري وغيره: الضمير في "يطيقونه" عائد على الإطعام لا على الصوم ثم نسخ بعد ذلك. قوله: (سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾) (٥)، هكذا في هذا الكتاب، وهو لا يناسب قوله آخر الكلام: هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما إلا أن يكون مراد ابن عباس أن ذلك من مجاز الحذف كما روي عن بعض العلماء، والأصل وعلى الذين لا يطيقونه. وقد روي عن ابن عباس (٦) أنه كان يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ (٥): أي يكلَفُونه ولا يطيقونه، وهو المناسب لآخر الكلام (٧).

стр. 3903

وقد روي عن ابن عباس أنه قال: رخص للشيخ الكبير أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا ولا قضاء عليه. رواه الدارقطني (١) والحاكم (٢) وصححاه. وفيه مع ما في الباب عنه وعن معاذ دليل على أنه يجوز للشيخ الكبير العاجز عن الصوم أن يفطر ويكفِّر. وقد اختلف في قدر إطعام المسكين، فقيل: نصف صاع عن كل يوم من أي قوت، وبه قال أبو طالب وأبو العباس وغيرهما من الهادوية (٣). وقيل: صاع من غير البر ونصف صاع منه، وبه قال أبو حنيفة (٤) والمؤيد بالله (٣). وقيل: مد من بر أو نصف صاع من غيره، وبه قال الشافعي (٥) وغيره، وليس في المرفوع ما يدل على التقدير. قوله: (أثبتت للحبلى والمرضع)، لفظ أبي داود (٦) أن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ (٧) قال: كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكينًا، والحبلى والمرضع إذا خافتا يعني على أولادهما أفطرتا وأطعمتا. وأخرجه البزار (٨) كذلك، وزاد في آخره: وكان ابن عباس يقول لأم ولد له حبلى: أنت بمنزلة الذي لا يطيقه فعليك الفداء ولا قضاء عليك، وصحح الدارقطني (٩) إسناده.

стр. 3904

[الباب السادس] باب قضاء رمضان متتابعًا ومتفرقًا وتأخيره إلى شعبان ٢١/ ١٦٩٧ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "قَضَاءُ رَمَضَانَ إِنْ شَاءَ فَرَّقَ، وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١). [إسناده ضعيف] قال البُخَارِيُّ (٢): قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لا بأسَ أَنْ يُفَرّقَ لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾) (٣). ٢٢/ ١٦٩٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نَزَلَتْ ﴿فعدة من أيام آخر متتابعات﴾، فَسَقَطَتْ مُتَتَابِعَاتٍ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٤): وَقَالَ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ). [إسناده صحيح] حديث ابن عمر في إسناده سفيان بن بشر (٥) وقد تفرد بوصله. قال الدارقطني (٦): ورواه عطاء عن عبيد بن عمير مرسلًا. قال الحافظ (٧): وفي إسناده ضعف أيضًا. وقد صحح الحديث ابن الجوزي (٨) وقال: ما علمنا أحدًا طعن في سفيان بن بشر.

стр. 3905

ورواه الدارقطني (١) أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو، وفي إسناده الواقدي وابن لهيعة. ورواه (٢) من حديث محمد بن المنكدر قال: "بلغني أن رسول الله ﷺ سئل عن تقطيع قضاء شهر رمضان فقال: ذاك إليك، أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين ألم يكن قضاء؟ والله أحق أن يعفو". وقال (٣): هذا إسناد حسن لكنه مرسل، وقد روي موصولًا ولا يثبت. وفي الباب عن أبي عبيد (٤)، ومعاذ بن جبل (٥)، وأنس (٦)، وأبي هريرة (٧)، ورافع بن خديج (٨)، أخرجها البيهقي (٩). وهذه الطرق وإن فينت كل واحدة منها لا تخلو عن مقال فبعضها يقوي بعضًا فتصلح للاحتجاج به على جواز التفريق وهو قول الجمهور. وحكاه في البحر (١٠) عن علي وأبي هريرة وأنس ومعاذ، ونقل ابن

стр. 3906

المنذر (١) عن علي وعائشة وجوب التتابع قال [في] (٢) الفتح (٣): وهو قول بعض أهل الظاهر (٤). وروى عبد الرزاق (٥) بإسناده عن ابن عمر أنه قال: يقضيه تباعًا. وحكاه في البحر (٦) عن النخعي والناصر وأحد قولي الشافعي (٧). وتمسكوا بالقراءة المذكورة، أعني قوله: ﴿متتابعات﴾ قال في الموطأ (٨): هي قراءة أبي بن كعب … وأجيب عن ذلك بما تقدم عن عائشة (٩) أنها سقطت، على أنه قد اختلف في الاحتجاج بقراءة الآحاد كما تقرر في الأصول (١٠). وإذا سلم أنها لم تسقط فهي منزلة عند من قال بالاحتجاج بها منزلة أخبار الآحاد، وقد عارضها ما في الباب من الأحاديث. وقال القاسم بن إبراهيم (١١): إن فرق أساء وأجزأ. وحكى في البحر (١٢) عن داود أن القاضي يطابق وقت الفوات من أول الشهر وآخره ووسطه. ومما احتج به للتتابع ما أخرجه الدارقطني (١٣) عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: "من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يقطعه"، لكنه قال البيهقي (١٤): لا يصح.

стр. 3907

وفي إسناده عبد الرحمن بن إبراهيم (١) القاضي وهو مختلف فيه. قال الدارقطني: ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي روى حديثًا منكرًا. قال عبد الحق: يعني هذا، وتعقبه ابن القطان بأنه لم ينص عليه فلعله غيره، قال: ولم يأت من ضعفه بحجة، والحديث حسن. قال الحافظ (٢): قد صرح ابن أبي حاتم عن أبيه بأنه أنكر هذا الحديث بعينه على عبد الرحمن. قوله: (قال ابن عباس) وصله عبد الرزاق (٣) وأخرجه الدارقطني (٤) عنه من وجه آخر. ٢٣/ ١٦٩٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ، وَذلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ الله ﷺ . رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (٥). [صحيح] ويُرْوَى بإسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي رَجُلٍ مَرِضَ فِي رَمَضَانَ فَأَفْطَرَ، ثُمَّ صَحَّ وَلَمْ يَصُمْ حَتَّى أَدْرَكَهُ رَمَضَانُ آخَرُ، فَقَالَ: "يَصُومُ الَّذِي أدْرَكَهُ، ثُمَّ يَصُومُ الشَّهْرَ الَّذِي أفطَرَ فِيهِ، وَيُطْعِمُ [مَكَانَ] (٦) كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا" (٧). [ضعيف]

стр. 3908

وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (١) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ قَوْلِهِ، وَقَالَ: إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَوْقُوفٌ). [إسناد صحيح موقوف] ٢٤/ ١٧٠٠ - (وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ"، وإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفٌ) (٢). [ضعيف] ٢٥/ ١٧٠١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا مَرِضَ الرَّجُلُ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ مَاتَ وَلَمْ يَصُمْ أُطْعِمَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَإِنْ نَذَرَ قَضَى عَنْهُ وَليُّهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٣). [صحيح] حديث أبي هريرة أخرجه الدارقطني (٤)، وفي إسناده عمر بن موسى بن

стр. 3909

وجيه (١) وهو ضعيف جدًّا، والراوي عنه إبراهيم بن نافع (٢) وهو أيضًا ضعيف. وروى (٣) عنه موقوفًا وصححه الدارقطني كما ذكر المصنف وغيره. وحديث ابن عمر أخرجه الترمذي (٤) عن قتيبة عن عبثر بن القاسم عن أشعث عن محمد عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا. وقال (٥): غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، والصحيح أنه موقوف على ابن عمر. قال (٥): وأشعث هو ابن سوار، ومحمد هو ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى. قال الحافظ (٦) ورواه ابن ماجه (٧) من هذا الوجه ووقع عنده عن محمد بن سيرين بدل محمد بن عبد الرحمن وهو وهم منه أو من شيخه. وقال الدارقطني (٨): المحفوظ وقفه على ابن عمر، وتابعه البيهقي (٩) على ذلك. وأثر ابن عباس صححه الحافظ (١٠) وأخرجه الدارقطني (١١) وسعيد بن منصور والبيهقي (١٢) وعبد الرزاق (١٣) موصولًا، وعلقه البخاري (١٤).

стр. 3910

قال عبد الحق في أحكامه: لا يصح في الإطعام شيء، يعني مرفوعًا، وكذا قال في الفتح (١). قوله: (فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان)، استدل بهذا على أن عائشة كانت لا تتطوع بشيء من الصيام ولا في عشر ذي الحجة ولا عاشوراء ولا غير ذلك، وهذا الاستدلال إنما يتم بعد تسليم أنها كانت ترى أنه لا يجوز صيام التطوع لمن عليه دين من رمضان، ومن أين لقائله ذلك؟ قوله: (وذلك لمكان رسول الله ﷺ ) هذا لفظ مسلم (٢). وفي لفظ البخاري (٣): "الشغل بالنبيّ ﷺ "، وفي رواية للترمذي (٤) وابن خزيمة (٥) أنها قالت: "ما قضيت شيئًا مما يكون علي من رمضان إلا في شعبان حتى قبض رسول الله ﷺ ". وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا، سواء كان لعذر أو لغير عذر لأن الزيادة، أعني قوله: "وذلك لمكان رسول الله ﷺ " قد جزم بأنها مدرجة جماعة من الحفاظ كما في الفتح (٦). ولكن الظاهر اطلاع النبي ﷺ على ذلك لا سيما مع توفر دواعي أزواجه إلى سؤاله عن الأحكام الشرعية، فيكون ذلك، أعني جواز التأخير مقيدًا بالعذر المسوغ لذلك. قوله: (ويطعم كل يوم مسكينًا)، استدل به وبما ورد في معناه من قال: بأنها تلزم الفدية من لم يصم ما فات عليه من رمضان حتى حال عليه رمضان آخر وهم الجمهور (٧). وروي عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر (٨) ................. ...........

стр. 3911

وابن عباس (١) وأبو هريرة (٢). وقال الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم مخالفًا. وقال النخعي (٣) وأبو حنيفة وأصحابه (٤): إنها لا تجب الفدية لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥)، ولم يذكرها. وأجيب بأنها قد ذكرت في الحديث كما تقدم، ويدل على ثبوتها قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٥). قال في البحر (٦): ونسخ التخيير لا ينسخ وجوبها على من أفطر مطلقًا إلا ما خصه الإجماع. وقال أبو العباس: إن ترك الأداء لغير عذر وجبت وإلا فلا. وحكي في البحر (٦) عن الشافعي أنه إن ترك القضاء حتى حال لغير عذر لزمه وإلا فلا.

стр. 3912

وأجيب عن هذين القولين بأن الحديث لم يفرق، وقد بينا أنه لم يثبت في ذلك عن النبي ﷺ شيء، وأقوال الصحابة لا حجة فيها، وذهاب الجمهور إلى قول لا يدل على أنه الحق، والبراءة الأصلية قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية حتى يقوم الدليل الناقل عنها ولا دليل ههنا، فالظاهر عدم الوجوب. وقد اختلف القائلون بوجوب الفدية هل يسقط القضاء بها أم لا؟ فذهب الأكثر منهم إلى أنه لا يسقط. وقال ابن عباس وابن عمر وقتادة وسعيد بن المسيب: إنه يسقط (١). والخلاف في مقدار الفدية ههنا كالخلاف في مقدارها في حق الشيخ العاجز عن الصوم وقد تقدم بيانه. قوله: (إذا مرض الرجل في رمضان إلخ)، استدل به على وجوب الإطعام من تركة من مات في رمضان بعد أن فات عليه بعضه، وفيه خلاف، والظاهر عدم الوجوب لأن قول [الصحابة] (٢) لا حجة فيه (٣).

стр. 3913

ووقع التردد فيمن مات آخر شعبان، وقد رجح في البحر (١) عدم الوجوب؛ لأن الأصل البراءة. قوله: (وإن نذر قضى عنه وليه)، سيأتي البحث عن هذا قريبًا. [الباب السابع] باب صوم النذر عن الميت ٢٦/ ١٧٠٢ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرأةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أفَأصُومُ عَنْهَا؟ فَقَالَ: "أرأيْتِ لَوْ كَانَ على أمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذلِكَ عَنْهَا؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ" أخْرَجَاهُ (٢). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ: أن امْرَأَةً رَكِبَتِ البَحْرَ فَنَذَرَتْ إِن الله نَجَّاها أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فأنجاها الله فَلَمْ تَصُمْ حَتَّى مَاتَتْ، فَجَاءَتْ قَرَابَةٌ لَهَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "صُومِي عَنْهَا"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٣) وَالنَّسَائِيُّ (٤) وَأَبُو دَاوُدَ) (٥). [صحيح] ٢٧/ ١٧٠٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَليُّهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٦). [صحيح]

стр. 3914

٢٨/ ١٧٠٤ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: بَيْنَا أَنا جالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وإِنَّهَا مَاتَتْ فَقَالَ: "وَجَبَ أجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ المِيرَاثُ"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفأصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: "صُومِي عَنْهَا"، قَالَتْ: إنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: "حُجِّي عَنْهَا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٤). وَلمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ (٥): صَوْمُ شَهْرَيْنِ). [صحيح] قوله: (إن امرأة) هي من جهينة كما في البخاري. قوله: (وعليها نذر صوم)، في رواية للبخاري (٦): "وعليها صوم شهر"، وفي أخرى له: "أنه أتى رجل فسأل"، وفيه رواية (٧) له أيضًا: "وعليها خمسة عشر يومًا"، وفي رواية له أيضًا: "وعليها صوم شهرين متتابعين". قال في الفتح (٨): وقد ادعى بعضهم أن هذا اضطراب من الرواة، والذي يظهر تعدد الواقعة، وأما الاختلاف في كون السائل رجلًا أو امرأة والمسؤول عنه أختًا أو أمًا فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث. قوله: (أرأيت) إلخ، فيه مشروعية القياس وضرب الأمثال ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه. وفيه تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتفق عليه. وفيه أنه يستحب للمفتي التنبيه على وجه الدليل إذا ترتب على ذلك مصلحة وهو أطيب لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه، وسيأتي مثل هذا في الحج إن شاء الله.
следующие страницы →