← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 3910–3949 · переход к 3915.

стр. 3910

قال عبد الحق في أحكامه: لا يصح في الإطعام شيء، يعني مرفوعًا، وكذا قال في الفتح (١). قوله: (فما أستطيع أن أقضي إلا في شعبان)، استدل بهذا على أن عائشة كانت لا تتطوع بشيء من الصيام ولا في عشر ذي الحجة ولا عاشوراء ولا غير ذلك، وهذا الاستدلال إنما يتم بعد تسليم أنها كانت ترى أنه لا يجوز صيام التطوع لمن عليه دين من رمضان، ومن أين لقائله ذلك؟ قوله: (وذلك لمكان رسول الله ﷺ ) هذا لفظ مسلم (٢). وفي لفظ البخاري (٣): "الشغل بالنبيّ ﷺ "، وفي رواية للترمذي (٤) وابن خزيمة (٥) أنها قالت: "ما قضيت شيئًا مما يكون علي من رمضان إلا في شعبان حتى قبض رسول الله ﷺ ". وفي الحديث دلالة على جواز تأخير قضاء رمضان مطلقًا، سواء كان لعذر أو لغير عذر لأن الزيادة، أعني قوله: "وذلك لمكان رسول الله ﷺ " قد جزم بأنها مدرجة جماعة من الحفاظ كما في الفتح (٦). ولكن الظاهر اطلاع النبي ﷺ على ذلك لا سيما مع توفر دواعي أزواجه إلى سؤاله عن الأحكام الشرعية، فيكون ذلك، أعني جواز التأخير مقيدًا بالعذر المسوغ لذلك. قوله: (ويطعم كل يوم مسكينًا)، استدل به وبما ورد في معناه من قال: بأنها تلزم الفدية من لم يصم ما فات عليه من رمضان حتى حال عليه رمضان آخر وهم الجمهور (٧). وروي عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر (٨) ................. ...........

стр. 3911

وابن عباس (١) وأبو هريرة (٢). وقال الطحاوي عن يحيى بن أكثم قال: وجدته عن ستة من الصحابة لا أعلم لهم مخالفًا. وقال النخعي (٣) وأبو حنيفة وأصحابه (٤): إنها لا تجب الفدية لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥)، ولم يذكرها. وأجيب بأنها قد ذكرت في الحديث كما تقدم، ويدل على ثبوتها قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ (٥). قال في البحر (٦): ونسخ التخيير لا ينسخ وجوبها على من أفطر مطلقًا إلا ما خصه الإجماع. وقال أبو العباس: إن ترك الأداء لغير عذر وجبت وإلا فلا. وحكي في البحر (٦) عن الشافعي أنه إن ترك القضاء حتى حال لغير عذر لزمه وإلا فلا.

стр. 3912

وأجيب عن هذين القولين بأن الحديث لم يفرق، وقد بينا أنه لم يثبت في ذلك عن النبي ﷺ شيء، وأقوال الصحابة لا حجة فيها، وذهاب الجمهور إلى قول لا يدل على أنه الحق، والبراءة الأصلية قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية حتى يقوم الدليل الناقل عنها ولا دليل ههنا، فالظاهر عدم الوجوب. وقد اختلف القائلون بوجوب الفدية هل يسقط القضاء بها أم لا؟ فذهب الأكثر منهم إلى أنه لا يسقط. وقال ابن عباس وابن عمر وقتادة وسعيد بن المسيب: إنه يسقط (١). والخلاف في مقدار الفدية ههنا كالخلاف في مقدارها في حق الشيخ العاجز عن الصوم وقد تقدم بيانه. قوله: (إذا مرض الرجل في رمضان إلخ)، استدل به على وجوب الإطعام من تركة من مات في رمضان بعد أن فات عليه بعضه، وفيه خلاف، والظاهر عدم الوجوب لأن قول [الصحابة] (٢) لا حجة فيه (٣).

стр. 3913

ووقع التردد فيمن مات آخر شعبان، وقد رجح في البحر (١) عدم الوجوب؛ لأن الأصل البراءة. قوله: (وإن نذر قضى عنه وليه)، سيأتي البحث عن هذا قريبًا. [الباب السابع] باب صوم النذر عن الميت ٢٦/ ١٧٠٢ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرأةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ نَذْرٍ أفَأصُومُ عَنْهَا؟ فَقَالَ: "أرأيْتِ لَوْ كَانَ على أمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكَانَ يُؤَدِّي ذلِكَ عَنْهَا؟ " قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: "فَصُومِي عَنْ أُمِّكِ" أخْرَجَاهُ (٢). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ: أن امْرَأَةً رَكِبَتِ البَحْرَ فَنَذَرَتْ إِن الله نَجَّاها أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فأنجاها الله فَلَمْ تَصُمْ حَتَّى مَاتَتْ، فَجَاءَتْ قَرَابَةٌ لَهَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ، فَقَالَ: "صُومِي عَنْهَا"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٣) وَالنَّسَائِيُّ (٤) وَأَبُو دَاوُدَ) (٥). [صحيح] ٢٧/ ١٧٠٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَليُّهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٦). [صحيح]

стр. 3914

٢٨/ ١٧٠٤ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: بَيْنَا أَنا جالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ وإِنَّهَا مَاتَتْ فَقَالَ: "وَجَبَ أجْرُكِ وَرَدَّهَا عَلَيْكِ المِيرَاثُ"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أَفأصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: "صُومِي عَنْهَا"، قَالَتْ: إنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: "حُجِّي عَنْهَا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٤). وَلمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ (٥): صَوْمُ شَهْرَيْنِ). [صحيح] قوله: (إن امرأة) هي من جهينة كما في البخاري. قوله: (وعليها نذر صوم)، في رواية للبخاري (٦): "وعليها صوم شهر"، وفي أخرى له: "أنه أتى رجل فسأل"، وفيه رواية (٧) له أيضًا: "وعليها خمسة عشر يومًا"، وفي رواية له أيضًا: "وعليها صوم شهرين متتابعين". قال في الفتح (٨): وقد ادعى بعضهم أن هذا اضطراب من الرواة، والذي يظهر تعدد الواقعة، وأما الاختلاف في كون السائل رجلًا أو امرأة والمسؤول عنه أختًا أو أمًا فلا يقدح في موضع الاستدلال من الحديث. قوله: (أرأيت) إلخ، فيه مشروعية القياس وضرب الأمثال ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه. وفيه تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتفق عليه. وفيه أنه يستحب للمفتي التنبيه على وجه الدليل إذا ترتب على ذلك مصلحة وهو أطيب لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه، وسيأتي مثل هذا في الحج إن شاء الله.

стр. 3915

قوله: (فجاءت قرابة لها)، هذه الرواية مطلقة فينبغي أن تحمل على الرواية المقيدة بذكر البنت. قوله: (من مات وعليه صيام)، هذه الصيغة عامة لكل مكلف. وقوله: (صام عنه وليه)، خبر بمعنى الأمر تقديره فليصم. وفيه دليل على أنه يصوم الولي عن الميت إذا مات وعليه صوم أيّ صوم كان. وبه قال أصحاب الحديث (١) وجماعة من محدثي الشافعية (٢) وأبو ثور (٣). ونقل البيهقي (٤) عن الشافعي أنه علق القول به على صحة الحديث وقد صح. وبه قال الصادق والناصر والمؤيد بالله (٥) والأوزاعي (٦) وأحمد بن حنبل (٧) والشافعي في أحد قوليه (٨). قال البيهقي في الخلافيات (٩): هذه السنة ثابتة لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في صحتها، والجمهور على أن صوم الولي عن الميت ليس بواجب، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادعوا الإجماع على ذلك. وتعقب بأن بعض أهل الظاهر (١٠) يقول بوجوبه. وذهب مالك (١١) وأبو حنيفة (١٢) والشافعي في الجديد (١٣) إلى أنه لا يصام عن الميت مطلقًا، وبه قال زيد بن علي والهادي والقاسم (١٤).

стр. 3916

وقال الليث (١) وأحمد وإسحاق وأبو عبيد (١): إنه لا يصام عنه إلا النذر. وتمسك المانعون مطلقًا بما روي عن ابن عباس أنه قال: "لا يصل أحد عن أحد ولا يصم أحد عن أحد"، أخرجه النسائي (٢) بإسناد صحيح من قوله. وروى مثله عبد الرزاق (٣) عن ابن عمر من قوله، وبما أخرجه عبد الرزاق (٤) عن عائشة أنها قالت: "لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم". قالوا: فلما أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه دل ذلك على أن العمل على خلاف ما روياه. قال في الفتح (٥): وهذه قاعدة لهم معروفة، إلا أن الآثار عن عائشة وابن عباس فيها مقال، وليس فيها ما يمنع من الصيام إلا الأثر الذي عن عائشة وهو ضعيف جدًّا، انتهى. وهذا بناء من صاحب الفتح، على أن لفظ حديث ابن عباس (٦) باللفظ الذي ذكره هنالك وهو أنه قال: كان لا يصوم أحد عن أحد، ولكنه ذكره في التلخيص (٧) باللفظ الذي ذكرناه سابقًا. والحق أن الاعتبار بما رواه الصحابي لا بما رآه، والكلام في هذا مبسوط في الأصول (٨).

стр. 3917

والذي روي مرفوعًا صريح في الرد على المانعين، وقد اعتذروا بأن المراد بقوله: "صام عنه وليه"، أي فعل عنه ما يقوم مقام الصوم وهو الإطعام، وهذا عذر بارد لا يتمسك به منصف في مقابلة الأحاديث الصحيحة. ومن جملة أعذارهم أن عمل أهل المدينة على خلاف ذلك، وهو عذر أبرد من الأول. ومن أعذارهم أن الحديث مضطرب، وهذا إن تم لهم في حديث ابن عباس (١) لم يتم في حديث عائشة (٢)، فإنه لا اضطراب فيه بلا ريب، وتمسك القائلون بأنه يجوز في النذر دون غيره بأن حديث عائشة مطلق وحديث ابن عباس مقيد فيحمل عليه، ويكون المراد بالصيام صيام النذر. قال في الفتح (٣): وليس بينهما تعارض حتى يجمع بينهما، فحديث ابن عباس (١) صورة مستقلة يسأل عنها من وقعت له. وأما حديث عائشة (٢) فهو تقرير قاعدة عامة، وقد وقعت الإشارة في حديث ابن عباس إلى نحو هذا العموم حيث قال في آخره: "فدين الله أحق أن يقضى"، انتهى. وإنما قال: إن حديث، بن عباس صورة مستقلة، يعني أنه من التنصيص على بعض أفراد العام، فلا يصلح لتخصيصه ولا لتقييده كما تقرر في الأصول (٤). قوله: (صام عنه وليه)، لفظ البزار (٥): "فليصم عنه وليه إن شاء"، قال في مجمع الزوائد (٦): وإسناده حسن. قال في الفتح (٧): اختلف المجيزون في المراد بقوله: "وليه"، فقيل كل قريب. وقيل: الوارث خاصة. وقيل: عصبته.

стр. 3918

والأول أرجح، والثاني قريب، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت عن نذر أمها. قال: واختلفوا هل يختص ذلك بالولي لأن الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية ولأنها عبادة لا يدخلها النيابة في الحياة، فكذلك في الموت إلا ما ورد فيه الدليل، فيقتصر على ما ورد ويبقى الباقي على الأصل وهذا هو الراجح. وقيل: لا يختص بالولي، فلو أمر أجنبيًا بأن يصوم عنه أجزأ. وقيل: يصح استقلال الأجنبي بذلك وذكر الولي لكونه الغالب. وظاهر صنيع البخاري اختيار هذا الأخير، وبه جزم أبو الطيب الطبري (١)، وقوَّاه بتشبيهه ﷺ ذلك بالدَّين، والدَّين لا يختص بالقريب، انتهى. وظاهر الأحاديث أنه يصوم عنه وليه، وإن لم يوص بذلك، وأن من صدق عليه اسم الولي لغة أو شرعًا أو عرفًا صام عنه، ولا يصوم عنه من ليس بولي، ومجرد التمثيل بالدَّين لا يدل على أن حكم الصوم كحكمه في جميع الأمور. قوله: (وردها عليك الميراث)، فيه دليل على أنه يجوز لمن ملك قريبًا له عينًا من الأعيان ثم مات القريب بعد ذلك وورثه أن يتملك تلك العين، وقد سبق الكلام على هذا في كتاب الزكاة. قوله: (قال حجي عنها)، فيه دليل على أنه يجوز للابن أن يحج عن أمه أو أبيه وإن لم يوص، وسيأتي الكلام على ذلك في الحج. * * *

стр. 3919

[رابعًا] أبواب صوم التطوع [الباب الأول] باب صوم ست من شوال ١/ ١٧٠٥ - (عَنْ أبي أَيُّوبَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّال فَذَاكَ صِيَامُ الدَّهْرِ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إِلا الْبُخَارِيَّ وَالنَّسَائِيَّ (١). [صحيح] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ. [صحيح لغيره] ٢/ ١٧٠٦ - (وَعَنْ ثَوْبَانَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَسِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السُّنَةِ، مَنْ جَاءَ بالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) (٣). [صحيح]

стр. 3920

حديث ثوبان أخرجه أيضًا النسائي (١) وأحمد (٢) والدارمي (٣) والبزار (٤). وفي الباب عن جابر عند أحمد (٥) وعبد بن حميد (٦) والبزار (٧) وهو الذي أشار إليه المصنف (٨)، وفي إسناده عمرو بن جابر وهو ضعيف، كذا في مجمع الزوائد (٩). وعن أبي هريرة عند البزار (١٠) وأبي نعيم (١١) والطبراني (١٢). وعن ابن عباس عند الطبراني في الأوسط (١٣). وعن البراء بن عازب عند الدارقطني (١٤).

стр. 3921

وقد استدلّ بأحاديث الباب على استحباب صوم ستة أيام من شوّال، وإليه ذهب الشافعي (١) وأحمد (٢) وداود وغيرهم، وبه قالت العترة. وقال أبو حنيفة (٣) ومالك (٤): يكره صومها. واستدلَّا على ذلك بأنه ربما ظن وجوبها وهو باطل لا يليق بعاقل فضلًا عن عالم نصب مثله في مقابلة السنة الصحيحة الصريحة، وأيضًا يلزم مثل ذلك في سائر أنواع الصوم المرغب فيها ولا قائل به. واستدلّ مالك على الكراهة بما قال في الموطأ (٥) من أنه ما رأى أحدًا من أهل العلم يصومها، ولا يخفى أن الناس إذا تركوا العمل بسنة لم يكن تركهم دليلًا تردّ به السنة. قال النووي في شرح مسلم (٦): قال أصحابنا: والأفضل أن تصام الستّ متوالية عقب يوم الفطر، قال: فإن فرَّقها أو أخَّرها عن أوائل شوّال إلى آخره حصلت فضيلة المتابعة لأنه يصدق أنه أتبعه ستًا من شوّال. قال (٧): قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر لأن الحسنة بعشر

стр. 3922

أمثالها فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين، وقد جاء هذا في حديث مرفوع في كتاب النسائي (١). قوله: (ستًا من شوّال) على صيغة المؤنث، ولو قال ستة بالهاء لكان صحيحًا؛ لأن المعدود المميز إذا كان غير مذكور لفظًا جاز تذكير مميزه وتأنيثه، يقال: صمنا ستًا وستة وخمسًا وخمسة، وإنما يلزم إثبات الهاء مع المذكر إذا كان مذكورًا لفظًا، وحذفها مع المؤنث إذا كان كذلك، وهذه قاعدة مسلوكة صرح بها أهل اللغة (٢) وأئمة الإعراب. قوله: (بعد الفطر) أي بعد اليوم الذي يفطر فيه وهو يوم عيد الإفطار فيحمل المطلق على المقيد، ويكون المراد بالست ثاني الفطر إلى آخر سابعه، ولكنه يبقى النظر في البعدية المذكورة هل يلزم أن تكون متصلة بيوم الفطر بلا فصل، أو يجوز إطلاقها على كل يوم من أيام شوّال لكونها بعد يوم الفطر. وهكذا يقال في قوله: "ثم أتبعه ستًا"، لأن الاتباع يحتمل أن يكون بلا فاصل بين التابع والمتبوع إلا بما لا يصلح للصوم وهو يوم الفطر، ويحتمل أن يجوز إطلاقه مع الفاصل وإن كثر مهما كان التابع في شوّال. [الباب الثاني] باب صوم عشر ذي الحجة وتأكيد يوم عرفة لغير الحاج ٣/ ١٧٠٧ - (عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: أَرْبَعٌ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ رَسُولُ الله ﷺ : صِيَامُ عَاشُورَاءَ، وَالْعَشْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلّ شَهْرٍ، وَالرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الغَدَاةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٣) وَالنَّسَائِيُّ (٤). [ضعيف دون "الركعتين قبل الغداة" فصحيح]

стр. 3923

٤/ ١٧٠٨ - (وَعَنْ أَبي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ مَاضِيَةً وَمُسْتَقْبَلِيَّةً، وَصَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً مَاضِيَةً"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إِلَّا البُخَارِيَّ وَالتِّرْمِذِيَّ) (١). [صحيح] ٥/ ١٧٠٩ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَاتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ) (٢). [ضعيف] ٦/ ١٧١٠ - (وَعَنْ أُمّ الفَضْلِ: أَنَّهُمْ شَكُّوا فِي صَوْمِ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِلَبَنٍ فَشَرِبَ وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ بِعَرَفَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] ٧/ ١٧١١ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَوْمُ عَرَفَةَ ويوْمُ النَّحْرِ وَأيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلُ الْإِسْلَامِ وَهِيَ أَيَّامُ أكَل وَشُرْبٍ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّا ابْنَ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ) (٤). [صحيح] حديث حفصة أخرجه أبو داود (٥) ولكنه لم يسمها، بل قال عن بعض أزواج النبي ﷺ ، ولفظه: "قالت: كان يصوم تسع ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر وأول اثنين من الشهر والخميس".

стр. 3924

وقد اختلف فيه على هنيدة بن خالد: فرواه عن امرأته عن بعض أزواج النبيّ ﷺ وروي عنه عن حفصة (١). وروي عنه عن أمّ سلمة (٢). وقد تقدم في كتاب العيدين أحاديث تدلّ على فضيلة العمل في عشر ذي الحجة (٣) على العموم والصوم مندرج تحتها. وأما ما أخرجه مسلم (٤) عن عائشة أنها قالت: "ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط". وفي رواية (٥): "لم يصم العشر قط"، فقال العلماء: المراد أنه لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أن عدم رؤيتها له صائمًا لا يستلزم العدم، على أنه قد ثبت من قوله ما يدلّ على مشروعية صومها كما في حديث الباب فلا يقدح في ذلك عدم الفعل. وحديث أبي قتادة روي من طريق جماعة من الصحابة. منهم زيد بن أرقم (٦)، وسهل بن سعد (٧)، وقتادة بن النعمان (٨)، وابن عمر (٩) عند الطبراني.

стр. 3925

ومن حديث عائشة عند أحمد (١). وفي الباب عن أنس وغيره (٢). وحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا أبو داود (٣) والنسائي (٤) والحاكم (٥) والبيهقي (٦) وصححه ابن خزيمة (٧) والحاكم (٨)، وفي إسناده مهدي الهجري (٩) وهو مجهول. ورواه العقيلي في الضعفاء (١٠) من طريقه وقال: لا يتابع عليه. قال (١١): وقد روي عن النبي ﷺ بأسانيد جياد أنه لم يصم يوم عرفة بها، ولا يصح عنه النهي عن صيامه (١٢).

стр. 3926

وحديث أمّ الفضل أخرج نحوه الشيخان (١) من حديث ميمونة. وأخرجه النسائي (٢) والترمذي (٣) وابن حبان (٤) من حديث ابن عمر بلفظ: "حَججْتُ مع رسول الله ﷺ فلم يصم ومع أبي بكر كذلك ومع عمر كذلك ومع عثمان فلم يصم، وأنا لا أصومه ولا آمر به ولا أنهى عنه". وأخرجه النسائي (٥) من حديث ابن عباس. وحديث عقبة في معناه أحاديث يأتي ذكر بعضها في باب النهي عن "صوم العيدين وأيام التشريق" (٦). قوله: (صيام عاشوراء) سيأتي البحث عنه (٧)، وكذلك يأتي الكلام على قوله: "وثلاثة أيام من كل شهر" (٨).

стр. 3927

قوله: (والعشر)، فيه دليل على استحباب صوم عشر ذي الحجة، وعلى أن النبيّ ﷺ كان يصوم يوم عرفة. ورواية أبي داود (١) التي قدمنا بلفظ: "تسع ذي الحجة". قوله: (صوم يوم عرفة يكفر سنتين إلخ)، في بعض ألفاظ الحديث أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده. وقد استشكل [تكفيره] (٢) السنة الآتية؛ لأن التكفير: التغطية، ولا تكون إلا لشيء قد وقع. وأجيب بأن المراد يكفره بعد وقوعه، أو المراد أنه يلطف به فلا يأتي بذنب فيها بسبب صيامه ذلك اليوم. وقد قيد ذلك جماعة من المعتزلة وغيرهم بالصغائر. قال النووي (٣): فإن لم تكن صغائر كفر من الكبائر، كان لم تكن كبائر كان زيادة في رفع الدرجات. والحديث يدلّ على استحباب صوم [يوم] (٤) عرفة، وكذلك الأحاديث الواردة في معناه التي قدمنا الإشارة إليها. وإلى ذلك ذهب عمر، وعائشة، وابن الزبير، وأسامة بن زيد، وعثمان بن أبي العاص، والعترة (٥)، وكان ذلك يعجب الحسن، ويحكيه عن عثمان. وقال قتادة: إنه لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء (٦)، ونقله البيهقي في

стр. 3928

المعرفة (١) عن الشافعي في القديم، واختاره الخطابي والمتولي من الشافعية. وحكي في الفتح (٢) عن الجمهور أنه يستحب إفطاره، حتى قال عطاء (٣): من أفطره ليتقوى به على الذكر كان له مثل أجر الصائم، وقال يحيى بن سعيد الأنصاري (٤): إنه يجب فطر يوم عرفة للحاج. واعلم أن ظاهر حديث أبي قتادة (٥) المذكور في الباب أنه يستحب صوم يوم عرفة مطلقًا. وظاهر حديث عقبة بن عامر (٦) المذكور في الباب أيضًا أنه يكره صومه مطلقًا لجعله قريبًا في الذكر ليوم النحر وأيام التشريق، وتعليل ذلك بأنها عيد وأنها أيام أكل وشرب. وظاهر حديث أبي هريرة (٧) أنه لا يجوز صومه بعرفات فيجمع بين الأحاديث بأن صوم هذا اليوم مستحب لكلّ أحد، مكروه لمن كان بعرفات حاجًا. والحكمة في ذلك أنه ربما كان مؤديًا إلى الضعف عن الدعاء والذكر يوم عرفة هنالك والقيام بأعمال الحجّ.

стр. 3929

وقيل: الحكمة أنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، ويؤيده حديث أبى قتادة (١). وقيل: إن النبيّ ﷺ إنما أفطر فيه لموافقته يوم الجمعة، وقد نهي عن إفراده بالصوم كما سيأتي (٢)، ويردّ هذا حديث أبي هريرة (٣) المصرّح بالنهي عن صومه مطلقًا. قوله: (فشرب وهو يخطب)، فيه دليل على جواز الأكل والشرب في المحافل من غير كراهة. وفي رواية للبخاري (٤) من حديث ميمونة: "أن النبيَّ ﷺ شربه والناس ينظرون إليه". قوله: (عيدنا أهل الإسلام)، فيه دليل على أن يوم عرفة وبقية أيام التشريق التي بعد يوم النحر أيام عيد. [الباب الثالث] باب صوم المحرم وتأكيد عاشوراء ٨/ ١٧١٢ - (قَدْ سَبَقَ أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الصّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ أَفْضلُ؟ قَالَ: "شَهْرُ الله المُحَرَّمُ") (٥). [صحيح] ٩/ ١٧١٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسُئِلَ عَنْ صوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلى الأَيَّامِ إِلَّا هَذَا اليَوْمَ، وَلَا شَهْرًا إِلَّا هَذَا الشَّهْرَ، يَعْنِي رَمَضَانَ) (٦). [صحيح]

стр. 3930

١٠/ ١٧١٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ يَوْمًا تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُومُهُ؛ "فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ وَأَمَرَ النَّاس بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ: "مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ") (١). [صحيح] ١١/ ١٧١٥ - (وَعَنْ سَلَمَة بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أذّنْ فِي النَّاسِ أَنَّ مَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ، فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ) (٢) [صحيح] ١٢/ ١٧١٦ - (وَعَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ دَخَلَ عَلَى عَبْدِ الله وَهُوَ يُطْعَمُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدَ الرَّحْمنِ إِنَّ اليَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: قَدْ كَانَ يُصَامُ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا نَزَلَ رَمَضَانُ تُرِكَ فَإنْ كُنْتَ مُفْطِرًا فاطْعَمْ) (٣). [صحيح] ١٣/ ١٧١٧ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَهْلَ الجاهِلِيَّةِ كَانُوا يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَنَّ رَسُولَ الله ﷺ صَامَهُ وَالْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ رَمَضَانُ؛ فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ يَوْمَ عَاشُورَاءِ يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللهِ فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ"، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَصُومُهُ إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صِيَامَهُ) (٤). [صحيح] ١٤/ ١٧١٨ - (وَعَنْ أبي مُوسَى قَالَ: كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تُعَظِّمُهُ اليَهُودَ وَتَتَّخِذُهُ عِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "صُومُوهُ أَنْتُمْ") (٥). [صحيح] ١٥/ ١٧١٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِي ﷺ فَرَأَى اليَهُودَ تَصُومُ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ "، قَالُوا: يَوْمٌ صَالِحٌ نَجَّى الله فِيهِ مُوسَى وَبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوّهِمْ فَصَامَهُ مُوسَى، فَقَالَ: "أَنا أحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ"، فَصَامَهُ

стр. 3931

وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ) (١). [صحيح] ١٦/ ١٧٢٠ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ هَذَا يَوْمُ عَاشُورَاءَ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ صِيَامُهُ وأنا صَائِمٌ فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ") (٢). [صحيح] مُتَّفقٌ على هذهِ الأحاديثِ كُلِّها، وأكْثرُها يَدُلُّ على أَنَّ صَوْمَهُ واجبٌ ثمَّ نُسِخَ، ويُقالُ: لم يجبْ بحالٍ بدليلِ خبرِ معاويةَ، وإنَّما نُسِخَ تأكيدُ استحبَابِهِ. قوله: (قد سبق أنه ﷺ سئل إلخ)، هذا الحديث ذكره المصنف رحمه الله تعالى في باب ما جاء في قيام الليل من أبواب صلاة التطوع (٣) وهو للجماعة إلا البخاري عن أبي هريرة. وفيه دليل على أن أفضل صيام التطوّع صوم شهر المحرّم، ولا يعارضه حديث أنس عند الترمذي (٤) قال: "سئل رسول الله ﷺ أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: "شعبان لتعظيم رمضان"، لأن في إسناده صدقة بن موسى (٥) وليس بالقويّ. ومما يدلّ على فضيلة الصيام في المحرّم ما أخرجه الترمذي (٦) عن علي،

стр. 3932

وحسنه: "أنه سمع رجلًا يسأل رسول الله ﷺ وهو قاعد فقال: يا رسول الله أي شهر تأمرني أن أصوم بعد شهر رمضان؟ فقال: إن كنت صائمًا بعد شهر رمضان فصم المحرم فإنه شهر الله، فيه يوم تاب فيه على قوم ويتوب فيه على قوم". وقد استشكل قوم إكثار النبي ﷺ من صوم شعبان دون المحرم مع كون الصيام فيه أفضل من غيره. وأجيب عن ذلك بجوابين: (الأول): أنه ﷺ إنما علم فضل المحرم في آخر حياته. (والثاني): لعله كان يعرض له فيه سفر أو مرض أو غيرهما. قوله: (عن صوم عاشوراء)، قال في الفتح (١): هو بالمدّ على المشهور، وحكي فيه القصر. وزعم ابن دريد (٢) أنه اسم إسلامي وأنه لا يعرف في الجاهلية. وردّ ذلك ابن دحية بأن ابن الأعرابي حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، [كذا في الفتح (٣)] (٤). وبحديث عائشة المذكور في الباب (٥): "إن [أهل] (٦) الجاهلية كانوا يصومونه"، ولكن صومهم له لا يستلزم أن يكون مسمى عندهم بذلك الاسم. قال في الفتح (١) أيضًا: واختلف أهل الشرع في تعيينه فقال الأكثر: هو اليوم العاشر. قال القرطبي (٧): عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة الليلة العاشرة لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد، واليوم مضاف إليها، فإذا قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما

стр. 3933

عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الاسمية فامتنعوا عن الموصوف فحذفوا الليلة، فصار هذا اللفظ عَلَمًا على اليوم العاشر. وذكر أبو منصور الجواليقي (١) أنه لم يسمع فاعولاء إلا هذا، وضاروراء وساروراء وذالولاء من الضارّ والسارّ والذال. قال الزين ابن المنيِّر (١): الأكثر على أن عاشور هو اليوم العاشر من شهر الله المحرّم وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول اليوم مضاف لليلة الماضية، وعلى الثاني هو مضاف لليلة الآتية. وقيل إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذًا من أوراد الإبل كانوا إذا رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا: وردنا عِشرًا بكسر العين. وروى مسلم (٢) من حديث الحكم بن الأعرج: "انتهيت إلى ابن عباس وهو متوسد رداءه، فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيت هلال المحرّم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائمًا، فقلت: أهكذا كان النبيّ ﷺ يصوم؟ قال: نعم". وهذا ظاهره أن يوم عاشوراء هو التاسع انتهى كلام الفتح. وقد تأول قول ابن عباس هذا الزين ابن المنير بأن معناه أنه ينوي الصيام في الليلة المتعقبة للتاسع، وقواه الحافظ (٣) بحديث ابن عباس الآتي (٤): "أنه ﷺ قال: إذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع"، فلم يأت العام المقبل حتى توفي، قال: فإنه ظاهر في أنه ﷺ كان يصوم العاشر وهمَّ بصوم التاسع فمات قبل ذلك. وأقول: الأولى أن يقال: إن ابن عباس أرشد السائل له إلى اليوم الذي يصام فيه وهو التاسع ولم يجب عليه بتعيين يوم عاشوراء أنه اليوم العاشر؛ لأن ذلك مما لا يُسأل عنه ولا يتعلق بالسؤال عنه فائدة، فابن عباس لمّا فهم من

стр. 3934

السائل أن مقصوده تعيين اليوم الذي يصام فيه أجاب عليه بأنه التاسع. وقوله: "نعم" بعد قول السائل: "أهكذا كان النبيّ ﷺ يصوم؟ "، بمعنى نعم هكذا كان يصوم لو بقي؛ لأنه قد أخبرنا بذلك ولا بد من هذا؛ لأنه ﷺ مات قبل صوم التاسع. وتأويل ابن المنير في غاية البعد لأن قوله: "وأصبح يوم التاسع صائمًا لا يحتمله". وسيأتي لكلام ابن عباس تأويل آخر. قوله: (ما علمت إلخ) هذا يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصيام بعد رمضان، ولكن ابن عباس أسند ذلك إلى علمه فليس فيه ما يرد علم غيره. وقد تقدم أن أفضل الصوم بعد رمضان على الإطلاق صوم المحرّم (١)، وتقدم أيضًا في الباب الذي قبل هذا أن صوم يوم عرفة يكفر سنتين (٢) وصوم يوم عاشوراء يكفر سنة (٢)، وظاهره أن [صيام] (٣) يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء. قوله: (فلما قدم المدينة صامه)، فيه تعيين الوقت الذي وقع فيه الأمر بصيام عاشوراء، وهو أول قدومه المدينة، ولا شك أن قدومه كان في ربيع الأول. وحينئذٍ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية، وفي السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصوم عاشوراء إلا في سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى المتطوع. قوله: (من شاء صامه ومن شاء تركه)، هذا يرد على من قال ببقاء فرضية صوم عاشوراء، كما نقله القاضي عياض (٤) عن بعض السلف. ونقل ابن عبد البر (٥) الإجماع على أنه ليس الآن بفرض، والإجماع على

стр. 3935

أنه مستحب. وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثم انعقد الإجماع بعده على الاستحباب. قوله: (وعن سلمة بن الأكوع)، قد تقدم شرح الحديث في باب الصبي يصوم (١) إذا أطاق. قوله: (إن أهل الجاهلية كانوا يصومون إلخ)، في حديث عائشة (٢) أنها كانت تصومه قريش. قال في الفتح (٣): وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة وغير ذلك. قال الحافظ (٣): ثم رأيت في المجلس الثالث من "مجالس الباغندي الكبير" عن عكرمة أنه سئل عن ذلك فقال: أذنبت قريش ذنبًا في الجاهلية فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا عاشوراء يكفر ذلك انتهى. قوله: (فرأى اليهود تصوم عاشوراء)، في رواية لمسلم (٤): "فوجد اليهود صيامًا"، وقد استشكل ظاهر هذا الخبر لاقتضائه أنه ﷺ حين قدومه المدينة وجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء. وإنما قدم المدينة في ربيع الأول. وأجيب بأن المراد أن أول علمه بذلك وسؤاله عنه كان بعد أن قدم المدينة أو يكون في الكلام حذف وتقديره: قدم النبيّ ﷺ المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء فوجد اليهود فيه صيامًا. ويحتمل أن يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين الشمسية، فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي [قدم فيه ﷺ المدينة] (٥).

стр. 3936

قوله: (فصامه وأمر بصيامه)، قد استشكل رجوعه ﷺ إلى اليهود في ذلك. وأجاب المازري (١) باحتمال أن يكون أوحي إليه بصدقهم أو تواتر عنده الخبر بذلك. [زاد عياض] (٢) أو خبَّره به من أسلم منهم كابن سلام، ثم قال: ليس في الخبر أنه إبتداء الأمر بصيامه، بل في حديث عائشة (٣) التصريح بأنه كان يصومه قبل ذلك. فغاية ما في القصة أنه لم يحدث له بقول اليهود تجديد حكم، ولا مخالفة بينه وبين حديث عائشة أن أهل الجاهلية كانوا يصومون كما تقدم. إذ لا مانع من توارد الفريقين على صيامه مع اختلاف السبب في ذلك. قال القرطبي (٤): وعلى كل حال فلم يَصُمه اقتداء بهم، فإنه كان يصومه قبل ذلك، وكان ذلك في الوقت الذي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه. قوله: (ولم يكتب عليكم صيامه إلخ) هذا كله من كلام النبي ﷺ كما بيَّنه النسائي، واستدلّ به على أنه لم يكن فرضًا قط كما قال المصنف (٥). قال الحافظ (٦): ولا دلالة فيه لاحتمال أن يريد: ولم يكتب عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان، وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه. ويؤيد ذلك أن معاوية إنما صحب النبي ﷺ من سنة الفتح، والذين شهدوا أمره بصيام عاشوراء والنداء بذلك شهدوه في السنة الأولى أول العام الثاني. ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكيد الأمر بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال.

стр. 3937

ومقول ابن مسعود الثابت في مسلم (١): لما فرض رمضان ترك عاشوراء مع العلم بأنه ما ترك استحبابه بل هو باق، فدلّ على أن المتروك وجوبه. وأما قول بعضهم: المتروك تأكيد استحبابه والباقي مطلق الاستحباب فلا يخفى ضعفه بل تأكُّد استحبابه باق ولا سيما مع استمرار الاهتمام به، حتى في عام وفاته ﷺ حيث قال: "لئن بقيت لأصومن التاسع" كما سيأتي (٢)، ولترغيبه فيه وإخباره بأنه يكفر سنة (٣)، فأي تأكيد أبلغ من هذا؟ ١٧/ ١٧٢١ - (وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا صَامَ رَسُولُ الله ﷺ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وأمَرَ بِصيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ: " [فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ] (٤) إِنْ شَاءَ الله صُمْنَا اليَوْمَ التَّاسِعَ"، قَالَ: فَلَمْ يَأْتِ العامُ المُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ الله ﷺ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٥) وَأَبُو دَاوُدَ (٦). [صحيح] وفِي لَفْظٍ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَئِنْ بَقِيتُ إِلى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ"، يَعْنِي يَوْمَ عاشُورَاءَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٧) وَمُسْلِمٌ (٨). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا اليَهُودَ، صُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا وَبَعْدَهُ يَوْمًا" رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٩). [ضعيف]

стр. 3938

رواية أحمد هذه ضعيفة منكرة من طريق داود بن علي (١) عن أبيه عن جده، رواها عنه ابن أبي ليلى (٢). قوله: (تعظِّمه اليهود والنصارى)، استشكل هذا بأن التعليل بنجاة موسى وغرق فرعون مما يدلّ على اختصاص ذلك بموسى واليهود. وأجيب باحتمال أن يكون سبب تعظيم النصارى له أن عيسى كان يصومه، وهو مما لم يُنْسَخْ من شريعة موسى؛ لأن كثيرًا منها ما نسخ بشريعة عيسى لقوله تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٣)، وأكثر الأحكام الشرعية إنما يتلقاها النصارى من التوراة (٤).

стр. 3939

وقد أخرج أحمد عن ابن عباس أن السفينة استوت على الجوديّ فيه، فصامه ونوح وموسى شكرًا لله تعالى، وكأنَّ ذكر موسى دون غيره [هنا] (١) لمشاركته له في الفرح باعتبار نجاتهما وغرق أعدائهما. قوله: (صمنا اليوم التاسع) يحتمل أن المراد أنه لا يقتصر عليه بل يضيفه إلى اليوم العاشر، إما احتياطًا له وإما مخالفة لليهود والنصارى. ويحتمل أن المراد أن يقتصر على صومه، ولكنه ليس في اللفظ ما يدل على ذلك. ويؤيد الاحتمال الأول قوله في آخر الحديث: "صوموا قبله يومًا وبعده يومًا" (٢)، فإنه صريح في مشروعية ضم اليومين إلى يوم عاشوراء. وقد أخرج الحديث المذكور - بمثل اللفظ الذي رواه أحمد (٢) -

стр. 3940

البيهقي (١) وذكره في التلخيص (٢) وسكت عنه. وقال بعض أهل العلم: إن قوله: "صمنا التاسع"، يحتمل أنه أراد نقل العاشر إلى التاسع، وأنه أراد أن يضيفه إليه في الصوم،. فلما توفي قبل ذلك كان الاحتياط صوم اليومين، انتهى. والظاهر أن الأحوط صوم ثلاثة أيام التاسع والعاشر والحادي عشر، فيكون صوم عاشوراء على ثلاث مراتب: الأولى: صوم العاشر وحده. والثانية: صوم التاسع معه. والثالثة: صوم الحادي عشر معهما، وقد ذكر معنى هذا الكلام صاحب الفتح (٣). قوله: (يعني يوم عاشوراء) قد تقدم تأويل كلام ابن عباس بأن يوم عاشوراء هو اليوم التاسع، وتأوله النووي (٤) بأنه مأخوذ من إظماء الإبل، فإن العرب تسمي اليوم الخامس من أيامه رابعًا، وكذا باقي الأيام، وعلى هذه النسبة فيكون التاسع عاشرًا. قال (٥): وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المحرم، ممن قال بذلك سعيد بن المسيب (٦) والحسن البصري (٦) ومالك (٧) وأحمد (٦) وإسحاق (٦) وخلائق. قال (٥): وهذا ظاهر الأحاديث ومقتضى اللفظ، وأما تقدير أخذه من الإظماء فبعيد، انتهى.

стр. 3941

[الباب الرابع] باب ما جاءَ في صوم شعبان والأشهر الحرم ١٨/ ١٧٢٢ - (عَنْ أُمّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَصُومُ مِنَ السَّنَةِ شَهْرًا تامًّا إلَّا شَعْبَانَ يَصِلُ بِهِ رَمَضَانَ. رَوَاهُ الْخَمْسَةَ (١). وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ (٢): كَانَ يَصُومُ شَهْرَيْ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ). [صحيح] ١٩/ ١٧٢٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ فَإِنَّهُ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ (٣). [صحيح] وفي لَفْظ: ما كانَ يَصُومُ فِي شَهْرٍ، ما كَانَ يَصُومُ فِي شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُهُ إِلَّا قَلِيلًا، بَلْ كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ (٤). [صحيح] وفي لَفْظٍ: ما رأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيامَ شَهْرٍ قَطُّ إلَّا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَما رأيْتُهُ في شَهْرٍ أكْثَرَ مِنْهُ صِيامًا في شَعْبان (٥). مُتَّفَقٌ على ذلكَ كُلِّهِ). [صحيح] حديث أم سلمة حسّنه الترمذي (٦). قوله: (شهرًا تامًّا إلا شعبان)، وكذا قول عائشة: "فإنه كان يصومه كله". وقولها: "بل كان يصومه كله"، ظاهره يخالف قول عائشة: "كان يصومه إلا قليلًا"، وقد جمع بين هذه الروايات بأن المراد بالكل والتمام الأكثر. وقد نقل الترمذي (٧) عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلامِ العرب، إذا

стр. 3942

صامَ أكثرَ الشهرِ أن يقال: صام الشهر كله، ويقال: قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره. قال الترمذي (١): كأنَّ ابن المبارك جمع بين الحديثين بذلك. وحاصله أن رواية الكل والتمام مفسرة برواية الأكثر ومخصصة بها، وأن المراد بالكل الأكثر وهو مجاز قليل الاستعمال. واستبعده الطيبي (٢) قال: لأن لفظ كل تأكيد لإرادة الشمول ورفع التجوز، فتفسيره بالبعض مناف له. قال: فيحمل على أنه كان يصوم شعبان كله تارة، ويصوم معظمه أخرى لئلا يتوهم أنه واجب كله كرمضان. وقيل: المراد بقولها: "كله" أنه كان يصوم من أوله تارة ومن آخره أخرى، ومن أثنائه طورًا فلا يخلي شيئًا منه من صيام ولا يخص بعضًا منه بصيام دون بعض. وقال الزين بن المنير (٣): إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة، والمراد الأكثر، وإما أن يجمع بأن قولها: "إنه كان يصومه كله" متأخر عن قولها: "إنه كان يصوم أكثره"، وأنها أخبرت عن أول الأمر ثم أخبرت عن آخره. ويؤيد الأول قولها: "ولا صام شهرًا كاملًا قط منذ قدم المدينة غير رمضان" أخرجه مسلم (٤) والنسائي (٥). واختلف في الحكمة في إكثاره ﷺ من صوم شعبان فقيل: كان يشتغل عن صيام الثلاثة الأيام من كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان، أشار إلى ذلك ابن بطال (٦).

стр. 3943

ويؤيده ما أخرجه الطبراني في الأوسط (١) عن عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أخّر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان"، ولكن في إسناده ابن أبي ليلى وهو ضعيف. وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان. ويؤيده ما أخرجه الترمذي (٢) عن أنس قال: "سئل رسول الله ﷺ : أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ فقال: شعبان لتعظيم رمضان"، ولكن إسناده ضعيف لأن فيه صدقة بن موسى (٣) وليس بالقويّ. وقيل: الحكمة في ذلك أن نساءه كنّ يقضين ما عليهن من رمضان في شعبان، فكان يصوم معهن. وقيل: الحكمة أنه يتعقبه رمضان وصومه مفترض، فكان يكثر من الصوم في شعبان قدر ما يصوم في شهرين غيره لما يفوته من التطوع الذي يعتاده بسبب صوم رمضان. والأولى أن الحكمة في ذلك غفلة الناس عنه لما أخرجه النسائي (٤) وأبو داود (٥) وصححه ابن خزيمة (٦) من حديث أسامة قال: "قلت: يا رسول الله لم

стр. 3944

أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان، قال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم"، ونحوه من حديث عائشة عند أبي يعلى (١). ولا تعارض بين ما روي عنه ﷺ من صوم كل شعبان أو أكثره ووصله برمضان، وبين أحاديث النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء من النهي عن صوم نصف شعبان الثاني، فإن الجمع بينها ظاهر بأن يحمل النهي على من لم يدخل تلك الأيام في صيام يعتاده، وقد تقدم تقييد أحاديث النهي عن التقدم بقوله ﷺ : "إلا أن يكون شيئًا يصومه أحدكم" (٢). فائدة: ظاهر قوله في حديث أسامة (٣): "إن شعبان شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان" أنه يستحب صوم رجب؛ لأن الظاهر أن المراد أنهم يغفلون عن تعظيم شعبان بالصوم كما يعظمون رمضان ورجبًا به. ويحتمل أن المراد غفلتهم عن تعظيم شعبان بصومه كما يعظمون رجبًا بنحر النحائر فيه، فإنه كان يعظم بذلك عند الجاهلية وينحرون فيه العتيرة (٤) كما ثبت في الحديث.

стр. 3945

والظاهر الأول المراد بالناس الصحابة، فإن الشارع قد كان إذ ذاك محا آثار الجاهلية، ولكن غايته التقرير لهم على صومه، وهو لا يفيد زيادة على الجواز. وقد ورد ما يدل على مشروعية صومه على العموم والخصوص. أما العموم، فالأحاديث الواردة في الترغيب في صوم الأشهر الحرم وهو منها بالإجماع، وكذلك الأحاديث الواردة في مشروعية مطلق الصوم. وأما على الخصوص، فما أخرجه الطبراني (١) عن سعيد بن أبي راشد مرفوعًا بلفظ: "من صام يومًا من رجب فكأنما صام سنة، ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه أبواب جهنم، ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام منه عشرة لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، ومن صام منه خمسة عشر يومًا نادى مناد من السماء قد غفر لك ما مضى فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله"، ثم ساق (٢) حديثًا طويلًا في فضله. وأخرج الخطيب (٣) عن أبي ذر: "فمن صام يومًا من رجب عدل صيام شهر"، وذكر نحو حديث سعيد بن أبي راشد.

стр. 3946

وأخرج نحوه أبو نعيم وابن عساكر من حديث ابن عمر مرفوعًا. وأخرج أيضًا نحوه البيهقي في شعب الإيمان (١) عن أنس مرفوعًا. وأخرج الخلال (٢) عن أبي سعيد مرفوعًا: "رجب من شهور الحرم، وأيامه مكتوبة على أبواب السماء السادسة، فإذا صام الرجل منه يومًا وجدد صومه بتقوى الله نطق الباب ونطق اليوم وقالا: يا رب اغفر له، وإذا لم يتم صومه بتقوى الله لم يستغفرا له، وقيل: خدعتك نفسك".

стр. 3947

وأخرج أبو الفتح بن أبي الفوراس في "أماليه" (١) عن الحسن مرسلًا أنه قال ﷺ : "رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي". وحكى ابن السبكي عن محمد بن منصور السمعاني أنه قال: لم [يرد] (٢) في استحباب صوم رجب على الخصوص سنة ثابتة، والأحاديث التي تروى فيها واهية لا يفرح بها عالم. وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٣) أن عمر كان يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه [أهل] (٤) الجاهلية. وأخرج أيضًا (٥) من حديث زيد بن أسلم قال: "سئل رسول الله ﷺ عن صوم رجب فقال: أين أنتم من شعبان؟ وأخرج [عن] (٦) ابن عمر (٧) ما يدلّ على أنه كان يكره صوم رجب. ولا يخفاك أن الخصوصات إذا لم تنتهض للدلالة على استحباب صومه انتهضت العمومات، ولم يرد ما يدلّ على الكراهة حتى يكون مخصصًا لها. وأما حديث ابن عباس عند ابن ماجه (٨) بلفظ: "إن النبي ﷺ نهى عن

стр. 3948

صيام رجب"، ففيه ضعيفان: زيد بن عبد الحميد، وداود بن عطاء. ٢٠/ ١٧٢٤ - (وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ باهِلَةَ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله، أنا الرَّجُلُ الَّذِي أتَيْتُكَ عامَ الأوَّل، فَقالَ: "فَمَا لي أرَى جِسْمَكَ ناحِلًا؟ "، قالَ: يا رَسُولَ الله ما أكَلْتُ طَعامًا بالنَّهارِ ما أكَلْتُهُ إلَّا باللَّيْلِ، قالَ: "مَنْ أمَرَكَ أنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ؟ "، قُلْتُ: يا رَسُولَ الله إني أقْوَى، قالَ: "صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَيَوْمًا بَعْدَهُ"، قُلْتُ: إني أقْوَى، قالَ: "صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ ويَوْمَينِ بَعْدَهُ"، قلت: إني أقوى، قال: صم شهر الصبر وَثَلَاثةَ أيَّامٍ بَعْدَهُ، وَصُمْ أشْهُرَ الحُرُمِ". رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ (٢) وَابْنُ مَاجَهْ (٣) وَهذا لَفْظُهُ). [ضعيف] الحديث أخرجه أيضًا النسائي (٤). وقد اختلف في اسم الرجل الذي من باهلة، فقال أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٥): إن اسمه عبد الله بن الحرث، وقال: سكن البصرة وروى عن النبيّ ﷺ حديثًا ولم يسمه، وذكر في موضع آخر هذا الحديث. وكذلك قال ابن قانع في معجم الصحابة (٦): إن اسمه عبد الله بن الحرث،

стр. 3949

والراوي عنه مجيبة الباهلية بضم الميم وكسر الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء موحدة مفتوحة وتاء تأنيث. ففي رواية أبي داود (١) عن أبيها أو عمها: يعني هذا الرجل، وهكذا قال أبو القاسم البغوي أنها قالت: حدثني أبي أو عمي. وفي رواية النسائي (٢) مجيبة الباهلي عن عمه، وقد ضعف هذا الحديث بعضهم لهذا الاختلاف. قال المنذري (٣): وهو متوجه وفيه نظر؛ لأن مثل هذا الإختلاف لا ينبغي أن يعد قادحًا في الحديث. قوله: (صم شهر الصبر) يعني شهر رمضان. قوله: (ويومًا بعده) إلى قوله: "وثلاثة أيام بعده"، فيه دليل على استحباب صوم يوم أو يومين أو ثلاثة بعد شهر رمضان، وقد تقدم أنه يستحب صيام ستة أيام [فلا] (٤) منافاة لأن الزيادة مقبولة. قوله: (وصم أشهر الحرم) هي شهر القعدة والحجة ومحرم ورجب. وفيه دليل على مشروعية صومها. أما شهر محرم ورجب، فقد قدمنا ما ورد فيهما على الخصوص، وكذلك العشر الأول من شهر ذي الحجة. وأما شهر القعدة وبقية شهر الحجة، فلهذا العموم، ولكنه ينبغي أن لا يستكمل صوم شهر منها ولا صوم جميعها، ويدل على ذلك ما عند أبي داود (٥) من الحديث بلفظ: "صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم منه الحرم واترك".
следующие страницы →