← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 3945–3984 · переход к 3950.

стр. 3945

والظاهر الأول المراد بالناس الصحابة، فإن الشارع قد كان إذ ذاك محا آثار الجاهلية، ولكن غايته التقرير لهم على صومه، وهو لا يفيد زيادة على الجواز. وقد ورد ما يدل على مشروعية صومه على العموم والخصوص. أما العموم، فالأحاديث الواردة في الترغيب في صوم الأشهر الحرم وهو منها بالإجماع، وكذلك الأحاديث الواردة في مشروعية مطلق الصوم. وأما على الخصوص، فما أخرجه الطبراني (١) عن سعيد بن أبي راشد مرفوعًا بلفظ: "من صام يومًا من رجب فكأنما صام سنة، ومن صام منه سبعة أيام غلقت عنه أبواب جهنم، ومن صام منه ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام منه عشرة لم يسأل الله شيئًا إلا أعطاه، ومن صام منه خمسة عشر يومًا نادى مناد من السماء قد غفر لك ما مضى فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله"، ثم ساق (٢) حديثًا طويلًا في فضله. وأخرج الخطيب (٣) عن أبي ذر: "فمن صام يومًا من رجب عدل صيام شهر"، وذكر نحو حديث سعيد بن أبي راشد.

стр. 3946

وأخرج نحوه أبو نعيم وابن عساكر من حديث ابن عمر مرفوعًا. وأخرج أيضًا نحوه البيهقي في شعب الإيمان (١) عن أنس مرفوعًا. وأخرج الخلال (٢) عن أبي سعيد مرفوعًا: "رجب من شهور الحرم، وأيامه مكتوبة على أبواب السماء السادسة، فإذا صام الرجل منه يومًا وجدد صومه بتقوى الله نطق الباب ونطق اليوم وقالا: يا رب اغفر له، وإذا لم يتم صومه بتقوى الله لم يستغفرا له، وقيل: خدعتك نفسك".

стр. 3947

وأخرج أبو الفتح بن أبي الفوراس في "أماليه" (١) عن الحسن مرسلًا أنه قال ﷺ : "رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي". وحكى ابن السبكي عن محمد بن منصور السمعاني أنه قال: لم [يرد] (٢) في استحباب صوم رجب على الخصوص سنة ثابتة، والأحاديث التي تروى فيها واهية لا يفرح بها عالم. وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (٣) أن عمر كان يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجفان ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه [أهل] (٤) الجاهلية. وأخرج أيضًا (٥) من حديث زيد بن أسلم قال: "سئل رسول الله ﷺ عن صوم رجب فقال: أين أنتم من شعبان؟ وأخرج [عن] (٦) ابن عمر (٧) ما يدلّ على أنه كان يكره صوم رجب. ولا يخفاك أن الخصوصات إذا لم تنتهض للدلالة على استحباب صومه انتهضت العمومات، ولم يرد ما يدلّ على الكراهة حتى يكون مخصصًا لها. وأما حديث ابن عباس عند ابن ماجه (٨) بلفظ: "إن النبي ﷺ نهى عن

стр. 3948

صيام رجب"، ففيه ضعيفان: زيد بن عبد الحميد، وداود بن عطاء. ٢٠/ ١٧٢٤ - (وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ باهِلَةَ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله، أنا الرَّجُلُ الَّذِي أتَيْتُكَ عامَ الأوَّل، فَقالَ: "فَمَا لي أرَى جِسْمَكَ ناحِلًا؟ "، قالَ: يا رَسُولَ الله ما أكَلْتُ طَعامًا بالنَّهارِ ما أكَلْتُهُ إلَّا باللَّيْلِ، قالَ: "مَنْ أمَرَكَ أنْ تُعَذِّبَ نَفْسَكَ؟ "، قُلْتُ: يا رَسُولَ الله إني أقْوَى، قالَ: "صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ وَيَوْمًا بَعْدَهُ"، قُلْتُ: إني أقْوَى، قالَ: "صُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ ويَوْمَينِ بَعْدَهُ"، قلت: إني أقوى، قال: صم شهر الصبر وَثَلَاثةَ أيَّامٍ بَعْدَهُ، وَصُمْ أشْهُرَ الحُرُمِ". رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ (٢) وَابْنُ مَاجَهْ (٣) وَهذا لَفْظُهُ). [ضعيف] الحديث أخرجه أيضًا النسائي (٤). وقد اختلف في اسم الرجل الذي من باهلة، فقال أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة (٥): إن اسمه عبد الله بن الحرث، وقال: سكن البصرة وروى عن النبيّ ﷺ حديثًا ولم يسمه، وذكر في موضع آخر هذا الحديث. وكذلك قال ابن قانع في معجم الصحابة (٦): إن اسمه عبد الله بن الحرث،

стр. 3949

والراوي عنه مجيبة الباهلية بضم الميم وكسر الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبعدها باء موحدة مفتوحة وتاء تأنيث. ففي رواية أبي داود (١) عن أبيها أو عمها: يعني هذا الرجل، وهكذا قال أبو القاسم البغوي أنها قالت: حدثني أبي أو عمي. وفي رواية النسائي (٢) مجيبة الباهلي عن عمه، وقد ضعف هذا الحديث بعضهم لهذا الاختلاف. قال المنذري (٣): وهو متوجه وفيه نظر؛ لأن مثل هذا الإختلاف لا ينبغي أن يعد قادحًا في الحديث. قوله: (صم شهر الصبر) يعني شهر رمضان. قوله: (ويومًا بعده) إلى قوله: "وثلاثة أيام بعده"، فيه دليل على استحباب صوم يوم أو يومين أو ثلاثة بعد شهر رمضان، وقد تقدم أنه يستحب صيام ستة أيام [فلا] (٤) منافاة لأن الزيادة مقبولة. قوله: (وصم أشهر الحرم) هي شهر القعدة والحجة ومحرم ورجب. وفيه دليل على مشروعية صومها. أما شهر محرم ورجب، فقد قدمنا ما ورد فيهما على الخصوص، وكذلك العشر الأول من شهر ذي الحجة. وأما شهر القعدة وبقية شهر الحجة، فلهذا العموم، ولكنه ينبغي أن لا يستكمل صوم شهر منها ولا صوم جميعها، ويدل على ذلك ما عند أبي داود (٥) من الحديث بلفظ: "صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم منه الحرم واترك".

стр. 3950

[الباب الخامس] باب الحث على صوم الاثنين والخميس ٢١/ ١٧٢٥ - (عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: إنَّ النَّبِيّ ﷺ كانَ يَتَحَرى صِيامَ الاثْنَيْنِ وَالخَمِيسِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ (١) إلا أبا دَاوُدَ. [صحيح] لكِنَّهُ لَهُ مِنْ رِوَايَةِ أُسامَةَ بْنِ زيدٍ) (٢). [المرفوع صحيح بطرقه وشواهده] ٢٢/ ١٧٢٦ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِي ﷺ قالَ: "تُعْرَض الأعْمالُ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ فأُحِبُّ أنْ يُعْرَض عَمَلِي وأنَا صَائِمٌ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ (٤)، وَلابْنِ ماجَهْ (٥) مَعْناهُ. [صحيح لغيره]

стр. 3951

ولأحْمَدَ (١) وَالنَّسَائِيِّ (٢) هَذَا المَعْنَى مِنْ حَدِيث أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ). [صحيح بطرقه وشواهده] ٢٣/ ١٧٢٧ - (وَعَنْ أبي قَتادَةَ: أن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْم يَوْمِ الاثْنَيْنِ فَقالَ: "ذلكَ يَوْمٌ وَلِدْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ (٤) وَأبُو دَاوُدَ) (٥). [صحيح] حديث عائشة أخرجه أيضًا ابن حبان وصححه (٦) وأعله ابن القطان (٧) بالراوي عنها وهو ربيعة الجرشي وإنه مجهول. قال الحافظ (٨): وأخطأ في ذلك فهو صحابي. قال الترمذي (٩): حديث عائشة هذا حسن صحيح. وحديث أسامة أخرجه أيضًا النسائي (١٠) وفي إسناده رجل مجهول ولكنه صحح الحديث ابن خزيمة (١١).

стр. 3952

وحديث أبي هريرة قال الترمذي (١): حديث غريب، وأورده الحافظ في التلخيص (٢) وسكت عنه. وحديث أبي قتادة أخرجه من ذكر المصنف. وفي الباب عن حفصة عند أبي داود (٣). وأحاديث الباب تدلّ على استحباب صوم يوم الاثنين والخميس لأنهما يومان تعرض فيهما الأعمال. قوله: (فقال ذلك يوم ولدت فيه وأنزل عليّ فيه)، الولادة والإنزال إنما كانا في يوم الاثنين كما جاء في الأحاديث (٤).

стр. 3953

[الباب السادس] باب كراهة إفراد يوم الجمعة ويوم السبت بالصوم ٢٤/ ١٧٢٨ - (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ قالَ: سألْتُ جابِرًا: أنَهَى النَّبِي ﷺ عَنْ صَوْم يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ قالَ: نَعَمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَللْبُخَارِيِّ (٢) في رِوَايَة: أنْ يُفْرَدَ بِصَوْمٍ). [صحيح] ٢٥/ ١٧٢٩ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَصُومُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ إلَّا وَقَبْلَهُ يَوْمٌ، أوْ بَعْدَهُ يَوْمٌ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلَّا النَّسائيَّ (٣). [صحيح] وَلِمُسْلمٍ (٤): "وَلا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ بِقِيامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيالي، وَلا تَخْتَصُّوا يَوْمَ الجُمُعَةِ بِصِيامٍ مِنْ بَيْنِ الأيَّام إلَّا أنْ يَكُونَ في صَوْمٍ يَصُومُهُ أحَدُكُمْ". [صحيح] وَلأحْمَدَ (٥): "يَوْمُ الجُمُعَةِ يَوْمُ عِيدٍ فَلا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيدِكُمْ يَوْمَ صِيامِكُمْ إلا أنْ تَصُومُوا قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ"). [إسناده حسن] ٢٦/ ١٧٣٠ - (وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ عَلَيْها في يَوْمِ الجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ فَقالَ [لها] (٦): "أصُمْتِ أمْس؟ "، قَالَتْ: لا، قالَ:

стр. 3954

"تَصُومِينَ غَدًا؟!، قا لَتْ: لا، قالَ: "فافْطِرِي". رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالبُخارِيُّ (٢) وَأبُو دَاوُدَ (٣). [صحيح] وَهُوَ دَلِيلٌ على أن التَّطَوُّعَ لا يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ). ٢٧/ ١٧٣١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِي ﷺ قالَ: "لا تَصُومُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَحْدَهُ") (٤). [حسن لغيره] ٢٨/ ١٧٣٢ - (وَعَن جُنَادَةَ الأزْدِيِّ قالَ: دَخَلْتُ على رَسُولِ الله ﷺ في يَوْمِ جُمُعَةٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الأزْدِ أنا ثامِنُهُمْ وَهُوَ يَتَغَدَّى، فَقالَ: "هَلُمُّوا إلى الغَدَاءِ"، فَقُلْنا: يا رَسُولَ الله: إنَّا صِيامٌ، فَقالَ: "أصُمْتُمْ أمْس؟ "، قُلْنا: لا، قالَ: "أفَتَصُومُونَ غَدًا؟ "، قُلْنا: لا، قالَ: "فأفْطِرُوا"، فأكَلْنَا مَعَهُ؟ فَلَمَّا خَرَجَ وَجَلَسَ عَلى المِنْبَرِ دَعا بإناءٍ مِنْ ماءٍ فَشَرِبَ وَهُو على المِنْبَرِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ يُرِيهِم أنَّهُ لا يَصُومُ يَوْمَ الجُمُعة (٥). رَوَاهُمَا أحْمَدُ). [صحيح لغيره]

стр. 3955

حديث ابن عباس (١) هو مثل حديث أبي هريرة (٢) المتقدم، وفي إسناده الحسين بن عبد الله بن عبيد (٣) الله. وثقه ابن معين وضعفه الأئمة. وحديث جنادة (٤) الأزدي هو مثل حديث جويرية (٥)، وأخرجه أيضًا الحاكم (٦)، وأخرجه أيضًا النسائي (٧) بإسناد رجاله رجال الصحيح إلا حذيفة البارقي (٨) وهو مقبول. قوله: (قال: نعم)، زاد مسلم (٩) وأحمد (١٠) وغيرهما قالا: نعم ورب هذا البيت. وفي رواية النسائي (١١): "ورب الكعبة" ووهم صاحب العمدة (١٢) فعزاها إلى مسلم (١٣).

стр. 3956

قوله: (أن يفرد بصوم)، فيه دليل على أن النهي المطلق في الرواية الأولى مقيد بالإفراد لا إذا لم يفرد الجمعة بالصوم كما يأتي في بقية الروايات. قوله: (إلا وقبله يوم أو بعده يوم)، أي إلا أن تصوموا قبله يومًا أو تصوموا بعده يومًا. وبهذا وقع في رواية الإسماعيلي (١) فقال: "إلا أن تصوموا قبله أو بعده". وفي رواية لمسلم (٢): "إلا أن تصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا"، وهذه الروايات تقيد مطلق النهي أيضًا. قوله: (ولا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي)، فيه دليل على عدم جواز تخصيص ليلة الجمعة بقيام أو صلاة من بين الليالي. قال النووي في شرح مسلم (٣): وهذا متفق على كراهته. قال: واحتج به العلماء على كراهة هذه الصلاة المبتدعة التي تسمى الرغائب (٤) قاتل الله واضعها ومخترعها، فإنها بدعة منكرة من البدع التي هي ضلالة وجهالة وفيها منكرات ظاهرة. وقد صنف جماعة من الأئمة مصنفات نفيسة في تقبيحها (٥) وتضليل مصليها ومبتدعها، ودلائل قبحها وبطلانها وتضليل فاعلها أكثر من أن تحصر، والله أعلم. انتهى. واستدلّ بأحاديث الباب على منع إفراد يوم الجمعة بالصيام. وقد حكاه ابن المنذر (٦) وابن حزم (٧) عن عليّ وأبي هريرة وسلمان وأبي ذرّ.

стр. 3957

قال ابن حزم (١): ولا نعلم لهم مخالفًا في الصحابة. ونقله أبو الطيب الطبري (٢) عن أحمد وابن المنذر وبعض الشافعية. وقال ابن المنذر (٢): ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد وهذا يشعر بأنه يرى تحريمه. وقال أبو جعفر الطبري: ويفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد على تحريم صوم يوم العيد، ولو صام قبله أو بعده، وذهب الجمهور إلى أن النهي فيه للتنزيه. وقال مالك (٣) وأبو حنيفة (٤): لا يكره، واستدلا بحديث ابن مسعود الآتي (٥): "أن النبيّ ﷺ قلّ ما كان يفطر يوم الجمعة". قال في الفتح (٦): وليس فيه حجة لأنه يحتمل أنه كان لا يتعمّد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها، ولا يضاد ذلك كراهة إفراده بالصوم جمعًا بين الخبرين. قال: ومنهم من عدّه من الخصائص وليس بجيد لأنها لا تثبت بالاحتمال. انتهى. ويمكن أن يقال: بل دعوى اختصاص صومه به ﷺ جيدة لما تقرر في الأصول من أن فعله ﷺ لما نهى عنه نهيًا يشمله يكون مخصصًا له وحده من العموم، ونهيًا يختص بالأمة لا يكون فعله معارضًا له، إذا لم يقم دليل يدل على التأسِّي به في ذلك الفعل لخصوصه لا مجرد أدلة التأسِّي العامة فإنها مخصصة بالنهي للأمة لأنه أخص منها مطلقًا. ومن غرائب المقام ما احتج به بعض المالكية على عدم كراهة صوم يوم

стр. 3958

الجمعة، فقال: يوم لا يكره صومه مع غيره فلا يكره وحده، وهذا قياس فاسد الاعتبار لأنه منصوب في مقابلة النصوص [الصحيحة] (١). وأغرب من ذلك قول مالك في الموطأ (٢): لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدي به ينهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن، وقد رأيت بعضهم يصومه وأراه كان يتحراه. قال النووي (٣): والسنَّة مقدَّمة على ما رآه هو وغيره. وقد ثبت النهي عن صوم الجمعة فيتعين القول به، ومالك معذور فإنه لم يبلغه. قال الداودي (٤) من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث ولو بلغه لم يخالفه. وقد اختلف في سبب كراهة إفراد يوم الجمعة بالصيام على أقوال ذكرها صاحب الفتح (٥): (منها): لكونه عيدًا، ويدلّ على ذلك رواية أحمد (٦) المذكورة في الباب، واستشكل التعليل بذلك بوقوع الإذن من الشارع بصومه مع غيره. وأجاب ابن القيم (٧) وغيره بأن [تشبيهه] (٨) بالعيد لا يستلزم الاستواء من كل وجه، ومن صام معه غيره انتفت عنه صورة التحري بالصوم. (ومنها): لئلا يضعف عن العبادة، ورجحه النووي (٩). قال في الفتح (١٠): وتعقب ببقاء المعنى المذكور مع صوم غيره معه. وأجاب النووي (٩) بأنه يحصل بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل به يوم صومه من فتوى أو تقصير.

стр. 3959

قال الحافظ (١): وفيه نظر، فإن الجبر لا ينحصر في الصوم بل يحصل بجميع أفعال الخير، فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيرًا كثيرًا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده كمن أعتق رقبة فيه مثلًا ولا قائل بذلك، وأيضًا فكأنَّ النهي يختصّ بمن يُخْشى عليه الضعف لا من يتحقق منه القوة. ويمكن الجواب عن هذا بأن المظنة أقيمت مقام المئنة كما في جواز الفطر في السفر لمن لم يشق عليه. (ومنها): خوف المبالغة في تعظيمه، فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت. قال في الفتح (٢): وهو منتقض بثبوت تعظيمه بغير الصيام، (ومنها) خوف اعتقاد وجوبه. قال في الفتح (٢) أيضًا: وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس. (ومنها): خشية أن يفرض عليهم كما خشي ﷺ من قيام الليل ذلك، قاله المهلب (٣). قال في الفتح (٢): وهو منتقض بإجازة صومه مع غيره، وبأنه لو كان السبب ذلك لجاز صومه بعده ﷺ لارتفاع الخشية. (ومنها): مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم. قال في الفتح (٢): وهو ضعيف. وأقوى الأقوال وأولاها بالصواب الأول لما تقدَّم من حديث أبي هريرة (٤)، وقد أخرجه الحاكم (٥) أيضًا. ولما أخرجه ابن أبي شيبة (٦) بإسناد حسن عن عليّ ﵇ قال: "من

стр. 3960

كان منكم متطوعًا من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة فإنه يوم طعام وشراب وذكر". ٢٩/ ١٧٣٣ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ عَنْ أُخْتهِ وَاسْمُها الصَّمَّاءُ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلَّا فِيما افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فإنْ لَمْ يَجِدْ أحَدُكُمْ إلَّا عُودَ عِنَبٍ أوْ لِحاءَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضِغْهُ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائِيَّ) (١). [صحيح] ٣٠/ ١٧٣٤ - (وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ: أن النَّبِيَّ ﷺ قَلَّما كانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الجُمُعَةِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا أبا دَاوُدَ (٢). [حسن] ويُحْمَلُ [هَذا] (٣) على أنَّهُ كانَ يَصومُهُ مَعَ غَيْرِهِ). الحديث الأول أخرجه أيضًا ابن حبان (٤) والحاكم (٥) والطبراني (٦) والبيهقي (٧) وصححه ابن السكن (٨). قال أبو داود في السنن (٩): قال مالك: هذا الحديث كذب، وقد أعلّ

стр. 3961

بالاضطراب كما قال النسائي (١) لأنه روي كما ذكر المصنف. وروي عن عبد الله بن بسر وليس فيه عن أخته كما وقع لابن حبان (٢). قال الحافظ (٣): وهذه ليست بعلة قادحة فإنه أيضًا صحابي، وقيل: عنه عن أبيه بسر، وقيل: عنه عن أخته الصماء عن عائشة. قال الحافظ (٣): ويحتمل أن يكون عند عبد الله عن أبيه وعن أخته، وعند أخته بواسطة، قال: ولكن هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد الواحد مع اتخاذ المخرج يوهن الرواية وينبئ عن قلة ضبطه إلا أن يكون من الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالًا على قلة ضبطه، وليس الأمر هنا كذا بل اختلف فيه أيضًا على الراوي عبد الله بن بسر. وقد ادعى أبو داود (٤) أن هذا الحديث منسوخ. قال في التلخيص (٣): ولا يتبين وجه النسخ فيه، ثم قال: يمكن أن يكون أخذه من كون النبيّ ﷺ كان يحبّ موافقة أهل الكتاب في أوّل الأمر ثم في آخر الأمر، قال: خالفوهم. والنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى وصيامه إياه يوافق الحالة الثانية، وهذه صورة النسخ والله أعلم. انتهى. وقد أخرج النسائي (٥) والبيهقي (٦) وابن حبان (٧) والحاكم (٨) عن كريب: "أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ بعثوه إلى أم سلمة يسألها عن الأيام التي كان رسول الله ﷺ أكثر لها صيامًا، فقالت: يوم السبت والأحد، فرجعت إليهم فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها فسألوها، فقالت: صدق، وكان يقول: إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أريد أن أخالفهم. وصحح الحاكم (٨) إسناده

стр. 3962

وصححه أيضًا ابن خزيمة (١). وروى الترمذي (٢) من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس"، وسيأتي (٣). وقد جمع صاحب البدر المنير بين هذه الأحاديث فقال: النهي متوجه إلى الإفراد والصوم باعتبار انضمام ما قبله أو بعده إليه (٤). ويؤيد هذا ما تقدم من إذنه ﷺ لمن صام الجمعة أن يصوم السبت بعدها والجمع مهما أمكن أولى من النسخ.

стр. 3963

والحديث الثاني حسّنه الترمذي (١). وقال ابن عبد البر (٢): هو صحيح، ولا مخالفة بينه وبين الأحاديث السابقة وأنه محمول على أنه كان يصله بيوم الخميس. وروي بسنده إلى أبي هريرة أنه قال: "من صام الجمعة كتب له عشرة أيام، من أيام الآخرة لا يشاكلهن أيام الدنيا". وروى ابن أبي شيبة (٣) عن ابن عباس قال: "ما رأيت رسول الله ﷺ مفطرًا يوم الجمعة قط". وقد تقدم الكلام على صوم [يوم] (٤) الجمعة. قوله: (أو لحاء شجرة) اللحاء بكسر اللام بعدها حاء مهملة: قشر الشجر (٥). [الباب السابع] باب صوم أيام البيض وصوم ثلاثة أيام من كل شهر وإن كانت سواها ٣١/ ١٧٣٥ - (عَنْ أبي ذَرّ قال: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يا أبا ذَرّ إذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلاثَةَ فَصُمْ ثَلاثَ عَشَرَةَ وَأرْبَعَ عَشَرَةَ وَخَمْسَ عَشَرَةَ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَالنَّسائيُّ (٧) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٨). [حسن]

стр. 3964

٣٢/ ١٧٣٦ - (وَعَنْ أبي قَتَادَةَ قال: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ثَلاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ فَهَذَا صِيامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ". رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وأبُو دَاوُدَ (٣) [صحيح] ٣٣/ ١٧٣٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالأحَدَ وَالاثْنَيْنِ، وَمِنَ الشَّهْرِ الآخَرِ الثَلاثاءَ وَالأرْبِعَاءَ وَالخَمِيسَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٤) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ). [ضعيف] ٣٤/ ١٧٣٨ - (وَعَنْ أبي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ صَامَ مِنْ كُلّ شَهْر ثَلاثَةَ أيَّام فَذَلِكَ صيامُ الدَّهْرِ، فأنْزَلَ الله تَصْدِيق ذلكَ في كتابِهِ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٥) اليَوْمُ بِعَشَرَةِ". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٦) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٧). [صحيح] حديث أبي ذر الأول أخرجه أيضًا ابن حبان وصححه (٨). ولفظه عند النسائي (٩) والترمذي (١٠) قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. وأخرجه أيضًا النسائي (١١) وابن حبان وصححه (١٢) من حديث أبي هريرة.

стр. 3965

ورواه النسائي (١) من حديث جرير مرفوعًا، قال الحافظ (٢): وإسناده صحيح. ورواه ابن أبي حاتم في العلل (٣) عن جرير موقوفًا، وصُحِّح عن أبي زرعة وقفه. وأخرجه أبو داود (٤) والنسائي (٥) من طريق ابن ملحان القيسي عن أبيه. وأخرجه البزار (٦) من طريق ابن البيلماني عن أبيه عن ابن عمر. وحديث عائشة روي موقوفًا، قال في الفتح (٧): وهو أشبه. وحديث أبي ذر الآخر حسّنه الترمذي (٨). وفي الباب عن ابن مسعود عند أصحاب السنن (٩) وصححه ابن خزيمة (١٠) أن النبيّ ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من غرة كل شهر. وعن حفصة عند أبي داود (١١) والنسائي (١٢): "كان رسول الله ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى.

стр. 3966

وعن عائشة غير حديث الباب عند مسلم (١) قالت: "كان ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي من أي الشهر صام". وعن أبي هريرة غير حديثه الأول عند الشيخين (٢) بلفظ: "أوصاني خليلي بصيام ثلاثة أيام". وعن ابن عباس عند النسائي (٣) بلفظ: "كان رسول الله ﷺ لا يفطر أيام البيض في حضر ولا سفر" وسيأتي (٤). وعن قرة بن إياس المزني (٥)، وأبي عقرب (٦)، وعثمان بن أبي العاص (٧)

стр. 3967

أشار إلى ذلك الترمذي (١). قوله: (فصم ثلاثة عشرة .. ) إلخ، فيه دليل على استحباب صوم أيام البيض وهي الثلاثة المعينة في الحديث. وقد وقع الاتفاق بين العلماء على أنه يستحب أن تكون الثلاث المذكورة في وسط الشهر كما حكاه النووي (٢). واختلفوا في تعيينها، فذهب الجمهور إلى أنها ثالثءعشر، ورابع عشر، وخامس عشر. وقيل: هي الثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر. وحديث أبي ذر المذكور في الباب (٣) وما ذكرناه من الأحاديث الواردة في معناه يرد ذلك. قوله: (ثلاث من كل شهر .. ) إلخ، اختلفوا في تعيين هذه الثلاثة الأيام المستحبة من كل شهر، ففسرها عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأبو ذر، وغيرهم من الصحابة وجماعة من التابعين وأصحاب الشافعي (٤) بأيام البيض.

стр. 3968

ويشكل على هذا قول عائشة المتقدم (١): "لا يبالي من أي الشهر صام". وأجيب عن ذلك بأن النبي ﷺ لعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز وكل ذلك في حقه أفضل والذي أمر به قد أخبر به أمته ووصاهم به وعينه لهم، فيحمل مطلق الثلاث على الثلاث المقيدة بالأيام المعينة. واختار النخعي وآخرون أنها آخر الشهر واختار الحسن البصري وجماعة أنها من أوله. واختارت عائشة وآخرون صيام السبت والأحد والاثنين من عدة شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من الشهر الذي بعده للحديث المذكور في الباب (٢) عنها. وقال البيهقي (٣): "كان النبيّ ﷺ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام لا يبالي من أي الشهر صام، كما في حديث عائشة (٤)، قال: فكل من رآه فعل نوعًا ذكره، وعائشة رأت جميع ذلك فأطلقت. وقال الروياني (٥): صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، فإن اتفقت أيام البيض كان أحب. وفي حديث رفعه ابن عمر (٦): "أول اثنين في الشهر وخميسان بعده". وروي عن مالك (٧) أنه يكره تعيين الثلاث. قال في الفتح (٨): وفي كلام غير واحد من العلماء: إن استحباب صيام أيام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. انتهى. وهذا هو الحقّ، لأن حمل المطلق على المقيد ههنا متعذر.

стр. 3969

وكذلك استحباب السبت والأحد والاثنين من شهر، والثلاثاء والأربعاء والخميس من شهر غير استحباب ثلاثة أيام من كل شهر. وقد حكى الحافظ في الفتح (١) في تعيين الثلاثة الأيام المطلقة عشرة أقوال، وقد ذكرنا أكثرها. والحق أنها تبقى على إطلاقها فيكون الصائم مخيرًا، وفي أي وقت صامها فقد فعل المشروع لكن لا يفعلها في أيام البيض. فالحاصل من أحاديث الباب استحباب صيام تسعة أيام من كل شهر: ثلاثة مطلقة، وأيام البيض، والسبت والأحد والاثنين في شهر، والثلاثاء والأربعاء والخميس في شهر. قوله: (فذالك صيام الدهر)، وذلك لأن الحسنة بعشرة أمثالها، فيعدل صيام الثلاثة الأيام من كل شهر صيام الشهر كله، فيكون كمن صام الدهر. [الباب الثامن] باب صيام يوم وفطر يوم وكراهة صوم الدهر ٣٥/ ١٧٣٩ - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "صُمْ في كُلّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أيَّامِ"، قُلْتُ: أني أقْوَى مِنْ ذلكَ، فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُنِي حتَّى قالَ: "صُمْ يَوْمًا وأفْطر يَوْمًا فإنَّهُ أفْضَل الصّيامُ، وَهُوَ صَوْمُ أخِي دَاوُدَ ﵇") (٢). [صحيح] ٣٦/ ١٧٤٠ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا صَامَ مَنْ صَامَ الأبَدَ" (٣). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما). [صحيح] ٣٧/ ١٧٤١ - (وَعَنْ أبي قَتَادَةَ قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ الله كَيْفَ بِمَنْ صَامَ

стр. 3970

الدَّهْرَ؟ قالَ: "لا صَامَ وَلا أفْطَرَ"، أوَ: "لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلَّا البُخارِيَّ وَابْنَ ماجَهْ) (١). [صحيح] ٣٨/ ١٧٤٢ - (وَعَنْ أبِي مُوسَى عَنِ النَّبِي ﷺ قالَ: "مَن صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمَ هَكَذَا" وَقَبَضَ كَفَّهُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢). [صحيح] ويُحْمَل هَذا على مَنْ صَامَ الأيَّامَ المَنْهِي عَنْها). حديث أبي موسى أخرجه أيضًا ابن حبان (٣) وابن خزيمة (٤) والبيهقي (٥) وابن أبي شيبة (٦)، ولفظ ابن حبان: "ضيقت عليه جهنم هكذا، وعقد تسعين". وأخرجه أيضًا البزار (٧) والطبراني (٨). قال في مجمع الزوائد (٩): ورجاله رجال الصحيح. وفي البابِ عن عبد الله بن الشخير عن أحمد (١٠) وابن حبان (١١) بلفظ: "من صام الأبد فلا صام ولا أفطر".

стр. 3971

وعن عمران بن حصين أشار إليه الترمذي (١). قوله: (فإنه أفضل الصيام) مقتضاه أن الزيادة على ذلك من الصوم مفضولة، وسيأتي البحث عن ذلك. قوله: (لا صام من صام الأبد)، استدل به على كراهية صوم الدهر. قال ابن التين (٢): استدل على الكراهة من وجوه نهيه ﷺ عن الزيادة، وأمر بأن يصوم ويفطر، وقوله: "لا أفضل من ذلك"، ودعاؤه على من صام الأبد. وقيل: معنى قوله: "لا صام"، النفي، أي ما صام كقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١)﴾ (٣). ويدلّ على ذلك ما عند مسلم (٤) من حديث أبي قتادة بلفظ: "ما صام وما أفطر". وما عند الترمذي (٥) بلفظ: "لم يصم ولم يفطر". قال في الفتح (٦): والمعنى أنه لم يحصل أجر الصوم لمخالفته، ولم يفطر لأنه أمسك. وإلى كراهة صوم الدهر مطلقًا ذهب إسحق وأهل الظاهر (٧) وهو رواية عن أحمد (٨).

стр. 3972

وقال ابن حزم (١): يحرم، ويدلّ للتحريم حديث أبي موسى (٢) المذكور في الباب لما فيه من الوعيد الشديد. وذهب الجمهور كما في الفتح (٣) إلى استحباب صومه. وأجابوا عن حديث ابن عمرو (٤) وحديث أبي قتادة (٥) بأنه محمول على من كان يدخل على نفسه مشقة أو يفوت حقًّا، قالوا: ولذلك لم ينه ﷺ حمزة بن عمرو الأسلمي، وقد قال له: "يا رسول الله إني أسرد الصوم". ويجاب عن هذا بأن سرد الصوم لا يستلزم صوم الدهر، بل المراد أنه كان كثير الصوم كما وقع في رواية الجماعة المتقدمة (٦) في باب الفطر والصوم في السفر. ويؤيد عدم الاستلزام ما أخرجه أحمد (٧) من حديث أسامة: "أن النبيّ ﷺ كان يسرد الصوم مع ما ثبت أنه لم يصم شهرًا كاملًا إلا رمضان. وأجابوا عن حديث أبي موسى (٢) بحمله على من صامه جميعًا ولم يفطر في الأيام المنهي عنها كالعيدين وأيام التشريق، وهذا هو اختيار ابن المنذر وطائفة. وأجيب عنه بأن قول النبيّ ﷺ : "لا صام ولا أفطر لمن سأله عن صوم الدهر أن معناه: أنه لا أجر له ولا إثم عليه، ومن صام الأيام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنه أثم بصومها بالإجماع. وحكى الأثرم عن مسدد أنه قال: معنى حديث أبي موسى (٢): "ضيقت عليه جهنم فلا يدخلها". وحكى مثله ابن خزيمة (٨) عن المزني ورجحه الغزالي (٩). والملجئ إلى هذا التأويل أن من ازداد لله عملًا صالحًا ازداد عنده رفعة وكرامة.

стр. 3973

قال في الفتح (١): وتعقب بأن ليس كل عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد من الله تقربًا، بل ربّ عمل صالح إذا ازداد منه ازداد بعدًا كالصلاة في الأوقات المكروهة. انتهى. وأيضًا لو كان المراد ما ذكروه لقال: ضيقت عنه. واستدلوا على الاستحباب بما وقع في بعض طرق حديث عبد الله بن عمرو (٢) بلفظ: "فإن الحسنة بعشرة أمثالها"، وذلك مثل صيام الدهر. وبما تقدم في حديث (٣): "من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوّال فكأنما صام الدهر". وبما تقدم (٤) في صيام أيام البيض أنه مثل صوم الدهر. قالوا: والمشبه به أفضل من المشبه، فكان صيام الدهر أفضل من هذه المشبهات فيكون مستحبًا وهو المطلوب. قال الحافظ (٥): وتعقب بأن التشبيه في الأمر المقدر لا يقتضي جواز المشبه به فضلًا عن استحبابه، وإنما المراد حصول الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلثمائة وستين يومًا. ومن المعلوم أن المكلف لا يجوز له صيام جميع السَّنة فلا يدل التشبيه على أفضلية المشبه به من كل وجه. واختلف المجوِّزون لصيام الدهر، هل هو الأفضل، أو صيام يوم وإفطار يوم؟ فذهب جماعة منهم إلى أن صوم الدهر أفضل، واستدلوا على ذلك بأنه أكثر عملًا فيكون أكثر أجرًا. وتعقبه ابن دقيق العيد (٦) بأن زيادة الأجر بزيادة العمل ههنا معارضة باقتضاء

стр. 3974

العادة التقصير في حقوق أخرى، فالأولى التفويض إلى حكم الشارع. وقد حكم بأن صوم يوم وإفطار يوم أفضل الصيام، هذا معنى كلامه. ومما يرشد إلى أن صوم الدهر من جملة الصيام المفضل عليه صوم يوم وإفطار يوم: "أن ابن عمرو (١) طلب أن يصوم زيادة على ذلك المقدار، فأخبره النبي ﷺ بأنه أفضل الصيام". [الباب التاسع] باب تطوع المسافر والغازي بالصوم ٣٩/ ١٧٤٣ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ لا يُفْطِرُ أيَّامَ البِيض في حَضَرٍ وَلا سَفَر. رَوَاهُ النَّسائيُّ) (٢). [حسن] ٤٠/ ١٧٤٤ - (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ قال: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ صَامَ يَوْمًا في سَبِيلِ الله بَعَّدَ الله وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا". رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا أبا دَاوُدَ) (٣). [صحيح] الحديث الأول في إسناده يعقوب بن عبد الله القُمِّي (٤)، وجعفر بن أبي المغيرة القمي (٥)، وفيهما مقال.

стр. 3975

وفيه دليل على استحباب صيام أيام البيض في السفر، ويلحق بها صوم سائر التطوعات المرغب فيها. والحديث الثاني يدل على استحباب صوم المجاهد؛ لأن المراد بقوله في سبيل الله: الجهاد. قال النووي (١): وهو محمول على من لا يتضرر به ولا يفوِّت به حقًّا ولا يختل قتاله ولا غيره من مهمات غزوه. ومعناه المباعدة عن النار والمعافاة منها مسيرة سبعين سنة (٢). [الباب العاشر] باب في أن صوم التطوع لا يلزم بالشروع ٤١/ ١٧٤٥ - (عَنْ أبي جُحَيْفَةَ قالَ: آخَى النَّبيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمانَ وأبي الدَّرْدَاء، فَزَارَ سَلْمَانُ أبا الدَّرْدَاء، فَرأى أُمَّ الدَّرْدَاء مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: ما شأنُكِ؟ قالَتْ: أخُوكَ أبُو الدَّرْدَاء لَيْسَ لَهُ حاجَةٌ في الدُّنْيا، فَجاءَ أبُو الدَّرْدَاء فَصَنَعَ لَهُ طَعامًا، فَقالَ: كُلْ فإني صَائِمٌ، فَقالَ: ما أنا بِآكِلٍ حتَّى تأكُلَ فأكَلَ، فَلَمَّا كانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبُو الدَّرْدَاء يَقُومُ، قالَ: نَمْ فَنامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقالَ: نَمْ؛ فَلَمَّا كانَ

стр. 3976

مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ. قالَ سَلْمانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيا، فَقالَ لهُ سَلْمانُ: إنَّ لِربّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فأعْطِ كُلَّ ذِي حَقّ حَقَّهُ؛ فأتَى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذلكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "صَدَقَ سَلْمَانُ". رَوَاهُ البُخارِيُّ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ) (٢). [صحيح] قوله: (متبذلة) (٣) بفتح المثناة الفوقية والموحدة بعدها وتشديد الذال المعجمة المكسورة. أي لابسة ثياب البذلة - بكسر الموحدة وسكون الذال - وهي المهنة وزنًا ومعنًى، والمراد أنها تاركة للبس ثياب الزينة. وفي رواية للكشميهني (٤): "مبتذلة" بتقديم الموحدة وتخفيف الذال المعجمة والمعنى واحد. قوله: (ليست له حاجة في الدنيا)، زاد ابن خزيمة (٥): "يصوم النهار ويقوم الليل". قوله: (فقال: كُلْ)، القائل أبو الدرداء على ظاهر هذه الرواية وهي لفظ الترمذي (٦)، ولفظ البخاري (٧): "فقال: "كُلْ، قال: فإني صائم"، فيكون القائل سلمان. قوله: (فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل) [و] (٨) في رواية للبزار (٩): "فقال: أقسمت عليك لتفطرن"، وكذا رواه ابن خزيمة (١٠) والدارقطني (١١) والطبراني (١٢) وابن حبان (١٣).

стр. 3977

قوله: (فلما كان من آخر الليل)، [و] (١) في رواية ابن خزيمة (٢): "فلما كان عند السحر"، وعند الترمذي (٣): "فلما كان عند الصبح"، وللدارقطني (٤): "فلما كان في وجه الصبح". قوله: (ولأهلك عليك حقًّا)، زاد الترمذي (٣) وابن خزيمة (٢): "ولضيفك عليك حقًّا"، وزاد الدارقطني (٤): "فصم وأفطر وصل ونم وائت أهلك". قوله: (صدق سلمان)، فيه دليل على مشروعية النصح للمسلم وتنبيه من غفل. وفضل قيام آخر الليل. وثبوت حق المرأة على الزوج في حسن العشرة. وجواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل وتفويت الحقوق المطلوبة، وكراهة الحمل على النفس في العبادة، وجواز الفطر من صوم التطوع (٥)، وسيأتي الكلام عليه. ٤٢/ ١٧٤٦ - (وَعَنْ أُمّ هانئ: أن رَسُولَ الله ﷺ دَخَلَ عَلَيْها فَدَعا بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، ثُمَّ نَاوَلَهَا فَشَرِبَتْ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، أما إني كُنْتُ صَائمةً؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الصَّائِمُ المُتَطَوّعُ أمِيرُ نَفْسِهِ، إنْ شَاءَ صَامَ، وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦) والتِّرْمِذِيُّ (٧). [إسناده ضعيف] وفي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ شَرِبَ شَرَابًا، فَنَاوَلَها لتَشْرَبَ، فَقَالَتْ: إني

стр. 3978

صَائَمةٌ وَلَكنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَرُدَّ سُؤْرَكَ، فَقَالَ: يَعْنِي "إنْ كَانَ قَضَاءً مِنْ رَمَضَانَ فاقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ، وَإِنْ كَانَ تَطَوّعًا، فَإِنْ شِئْتِ فاقْضِي، وَإِنْ شِئْتِ فَلَا تَقْضِي"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَأَبُو دَاوُدَ (٢) بِمَعْناهُ). [إسناده ضعيف] ٤٣/ ١٧٤٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "أُهْدِيَ لحَفْصَةَ طَعامٌ وَكُنَّا صَائِمَتَيْنِ فأفْطَرْنا ثُمَّ دَخَل رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقُلْنا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا أُهْدِيتْ لَنَا هَدِيَّةٌ وَاشْتَهَيْنَاها فَأَفْطَرْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لا عَلَيْكُمَا صُومَا مَكَانَهُ يَوْمًا آخَرَ"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (٣). وَهَذَا أَمْرُ نَدْبٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: "لا عَلَيْكُمَا"). [ضعيف] حديث أم هانئ أخرجه أيضًا الدارقطني (٤) والطبراني (٥) والبيهقي (٦) وفي إسناده سماك وقد اختلف عليه فيه. وقال النسائي (٧): سماك ليس يعتمد عليه إذا انفرد. وقال البيهقي: في إسناده مقال، وكذلك قال الترمذي (٨). وفي إسناده أيضًا هارون ابن أم هانئ. قال ابن القطان (٩): لا يعرف.

стр. 3979

وفي إسناده أيضًا يزيد بن أبي زياد الهاشمي. قال ابن عدي (١): يكتب حديثه. وقال الذهبي (٢): صدوق رديء الحفظ. وقد غلط سماك في هذا الحديث فقال في بعض الروايات: إن ذلك كان يوم الفتح وهي عند النسائي (٣) والطبراني (٤)، ويوم الفتح كان في رمضان فكيف يتصور أن تكون صائمة قضاء أو تطوعًا. وحديث عائشة أخرجه أيضًا النسائي (٥)، وفي إسناده زميل (٦). قال النسائي: ليس بالمشهور. وقال الخطابي: لا يعرف لزميل سماع من عروة ولا ليزيد، يعني يزيد بن الهاد سماع من زميل ولا تقوم به الحجة. وقال الخطابي (٧): إسناده ضعيف وزميل مجهول. وأخرج الحديث الترمذي (٨) بلفظ: "اقضيا يومًا آخر مكانه".

стр. 3980

وقال (١): رواه ابن أبي حفصة وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة عن عائشة مثل هذا يعني مرفوعًا. ورواه مالك بن أنس (٢) ومعمر (٣) وعبيد الله بن عمر (٤) وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلًا، ولم يذكروا فيه عروة وهذا أصح. لأنه روي عن ابن جريج (٥) قال: سألت الزهري قلت له: أحدثك عروة عن عائشة؟ قال: لم أسمع من عروة في هذا شيئًا، ولكني سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من أناس عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث فذكره، ثم أسنده كذلك. وقال النسائي (٦): هذا خطأ. وقال ابن عيينة في روايته (٧): سئل الزهري عنه أهو عن عروة؟ فقال: لا. وقال الخلال (٧): اتفق الثقات على إرساله، وتوارد الحفاظ على الحكم بضعفه، وضعفه أحمد والبخاري (٨) والنسائي (٩) بجهالة زميل. وفي الباب عن عائشة غير الحديث المذكور "أن النبي ﷺ دخل عليها ذات يوم فقال: هل عندكم من شيء؟ فقدمت له حيسًا، فقال: لقد أصبحت صائمًا فأكل منه"، وقد تقدم (١٠) في باب وجوب النية، وزاد النسائي (١١): "فأكل وقال:

стр. 3981

أصوم يومًا مكانه". قال النسائي (١): هي خطأ: يعني الزيادة، ونسب الدارقطني الوهم فيها إلى محمد بن عمرو الباهلي، ولكن رواها النسائي (٢) من غير طريقه وكذا الشافعي (٣). وفي الباب أيضًا عن أبي سعيد عند البيهقي (٤) بإسناد قال الحافظ (٥): حسن، قال: "صنعت للنبي ﷺ طعامًا، فلما وضع قال رجل: أنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر فصم مكانه إن شئت". والأحاديث المذكورة في الباب تدل على أنه يجوز لمن صام تطوعًا أن يفطر لا سيما إذا كان في دعوة إلى طعام أحد من المسلمين. ويدل على أنه يستحب للمتطوع القضاء لذلك اليوم. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور من أهل العلم (٦). وحكى الترمذي (٧) عن قوم من أصحاب النبي ﷺ أنهم رأوا عليه القضاء إذا أفطر، قال: وهو قول مالك بن أنس (٨)، واستدلوا بحديث عائشة

стр. 3982

المذكور (١)، وبحديث أبي سعيد (٢) في الباب. وأجيب عن ذلك بما في حديث أم هانئ (٣) من التخيير، فيجمع بينه وبين حديث عائشة، وأبي سعيد بحمل القضاء على الندب. ويدل على جواز الإفطار وعدم وجوب القضاء حديث أبي جحيفة المتقدم (٤) لأن النبي ﷺ قرر ذلك ولم يبين لأبي الدرداء وجوب القضاء عليه. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٥). قال ابن المنير (٦): ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٧) إلا أن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان (٤). وقال ابن عبد البر (٨): من احتج في هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٧)، فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء بل أخلصوها لله. وقال آخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يفرض الله عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر أو غيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب وهم لا يقولون بذلك (٩)، انتهى.

стр. 3983

ولا يخفى أن الآية عامة، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول (١). فالصواب ما قال ابن المنير. قوله: (لا عليكما) فيه دليل على أنه يجوز لمن كان صائمًا عن قضاء أن يفطر ولا إثم عليه؛ لأنه ﷺ لم يستفصل هل الصوم قضاء أو تطوع؟ ويؤيد ذلك قوله في حديث أم هانئ (٢): "إن كان قضاء من رمضان فاقضي يومًا مكانه". قوله: (يعني)، هذه اللفظة ليست في متن الحديث. [الباب الحادي عشر] باب ما جاء في استقبال رمضان باليوم واليومين وغير ذلك ٤٤/ ١٧٤٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ) (٣). [صحيح] ٤٥/ ١٧٤٩ - (وَعَنْ مُعَاوَيةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ على المِنْبَرِ قَبْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ: "الصيام يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَنَحْنُ مَتَقَدِّمون فَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَقَدَّمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَأخَّرْ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ (٤). [ضعيف]

стр. 3984

ويُحْمَلُ هَذَا على التَّقَدُّمِ بأكْثَر مِنْ يَوْمَيْنِ). ٤٦/ ١٧٥٠ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: "هَلْ صُمْتَ مِنْ سَرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟ "، قَالَ: لا، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "فإذَا أفْطَرْتَ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَينِ مَكانَهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وفي رِوَايَةٍ (٢) لَهُمْ: "مِنْ سَرَرِ شَعْبان". [صحيح] ويُحْمَلُ هَذَا على أن الرَّجُلَ كانَتْ لَهُ عادَةٌ بِصِيامِ سَرَرِ الشَّهْرِ أَوْ قَدْ نَذَرَهُ). حديث معاوية في إسناده القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن مولى بني أمية (٣) وفيه مقال، والهيثم بن حميد (٤) وفيه أيضًا مقال. قوله: (لا يتقدمن أحدكم إلخ). قال العلماء: معنى الحديث: "لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان".
следующие страницы →