← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 3980–4019 · переход к 3985.

стр. 3980

وقال (١): رواه ابن أبي حفصة وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري عن عروة عن عائشة مثل هذا يعني مرفوعًا. ورواه مالك بن أنس (٢) ومعمر (٣) وعبيد الله بن عمر (٤) وزياد بن سعد وغير واحد من الحفاظ عن الزهري عن عائشة مرسلًا، ولم يذكروا فيه عروة وهذا أصح. لأنه روي عن ابن جريج (٥) قال: سألت الزهري قلت له: أحدثك عروة عن عائشة؟ قال: لم أسمع من عروة في هذا شيئًا، ولكني سمعت في خلافة سليمان بن عبد الملك من أناس عن بعض من سأل عائشة عن هذا الحديث فذكره، ثم أسنده كذلك. وقال النسائي (٦): هذا خطأ. وقال ابن عيينة في روايته (٧): سئل الزهري عنه أهو عن عروة؟ فقال: لا. وقال الخلال (٧): اتفق الثقات على إرساله، وتوارد الحفاظ على الحكم بضعفه، وضعفه أحمد والبخاري (٨) والنسائي (٩) بجهالة زميل. وفي الباب عن عائشة غير الحديث المذكور "أن النبي ﷺ دخل عليها ذات يوم فقال: هل عندكم من شيء؟ فقدمت له حيسًا، فقال: لقد أصبحت صائمًا فأكل منه"، وقد تقدم (١٠) في باب وجوب النية، وزاد النسائي (١١): "فأكل وقال:

стр. 3981

أصوم يومًا مكانه". قال النسائي (١): هي خطأ: يعني الزيادة، ونسب الدارقطني الوهم فيها إلى محمد بن عمرو الباهلي، ولكن رواها النسائي (٢) من غير طريقه وكذا الشافعي (٣). وفي الباب أيضًا عن أبي سعيد عند البيهقي (٤) بإسناد قال الحافظ (٥): حسن، قال: "صنعت للنبي ﷺ طعامًا، فلما وضع قال رجل: أنا صائم، فقال رسول الله ﷺ : دعاك أخوك وتكلف لك، أفطر فصم مكانه إن شئت". والأحاديث المذكورة في الباب تدل على أنه يجوز لمن صام تطوعًا أن يفطر لا سيما إذا كان في دعوة إلى طعام أحد من المسلمين. ويدل على أنه يستحب للمتطوع القضاء لذلك اليوم. وقد ذهب إلى ذلك الجمهور من أهل العلم (٦). وحكى الترمذي (٧) عن قوم من أصحاب النبي ﷺ أنهم رأوا عليه القضاء إذا أفطر، قال: وهو قول مالك بن أنس (٨)، واستدلوا بحديث عائشة

стр. 3982

المذكور (١)، وبحديث أبي سعيد (٢) في الباب. وأجيب عن ذلك بما في حديث أم هانئ (٣) من التخيير، فيجمع بينه وبين حديث عائشة، وأبي سعيد بحمل القضاء على الندب. ويدل على جواز الإفطار وعدم وجوب القضاء حديث أبي جحيفة المتقدم (٤) لأن النبي ﷺ قرر ذلك ولم يبين لأبي الدرداء وجوب القضاء عليه. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (٥). قال ابن المنير (٦): ليس في تحريم الأكل في صوم النفل من غير عذر إلا الأدلة العامة كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٧) إلا أن الخاص يقدم على العام كحديث سلمان (٤). وقال ابن عبد البر (٨): من احتج في هذا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (٧)، فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإن الأكثر على أن المراد بذلك النهي عن الرياء كأنه قال: لا تبطلوا أعمالكم بالرياء بل أخلصوها لله. وقال آخرون: لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النهي عن إبطال ما لم يفرض الله عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر أو غيره لامتنع عليه الإفطار إلا بما يبيح الفطر من الصوم الواجب وهم لا يقولون بذلك (٩)، انتهى.

стр. 3983

ولا يخفى أن الآية عامة، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الأصول (١). فالصواب ما قال ابن المنير. قوله: (لا عليكما) فيه دليل على أنه يجوز لمن كان صائمًا عن قضاء أن يفطر ولا إثم عليه؛ لأنه ﷺ لم يستفصل هل الصوم قضاء أو تطوع؟ ويؤيد ذلك قوله في حديث أم هانئ (٢): "إن كان قضاء من رمضان فاقضي يومًا مكانه". قوله: (يعني)، هذه اللفظة ليست في متن الحديث. [الباب الحادي عشر] باب ما جاء في استقبال رمضان باليوم واليومين وغير ذلك ٤٤/ ١٧٤٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ) (٣). [صحيح] ٤٥/ ١٧٤٩ - (وَعَنْ مُعَاوَيةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقُولُ على المِنْبَرِ قَبْلَ شَهْرِ رَمَضَانَ: "الصيام يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَنَحْنُ مَتَقَدِّمون فَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَقَدَّمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَتَأخَّرْ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ (٤). [ضعيف]

стр. 3984

ويُحْمَلُ هَذَا على التَّقَدُّمِ بأكْثَر مِنْ يَوْمَيْنِ). ٤٦/ ١٧٥٠ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: "هَلْ صُمْتَ مِنْ سَرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟ "، قَالَ: لا، فَقَال رَسُولُ الله ﷺ : "فإذَا أفْطَرْتَ رَمَضَانَ فَصُمْ يَوْمَينِ مَكانَهُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وفي رِوَايَةٍ (٢) لَهُمْ: "مِنْ سَرَرِ شَعْبان". [صحيح] ويُحْمَلُ هَذَا على أن الرَّجُلَ كانَتْ لَهُ عادَةٌ بِصِيامِ سَرَرِ الشَّهْرِ أَوْ قَدْ نَذَرَهُ). حديث معاوية في إسناده القاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن مولى بني أمية (٣) وفيه مقال، والهيثم بن حميد (٤) وفيه أيضًا مقال. قوله: (لا يتقدمن أحدكم إلخ). قال العلماء: معنى الحديث: "لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان".

стр. 3985

قال الترمذي (١): لما أخرج هذا الحديث العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان بمعنى رمضان، انتهى. وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب فيمن يقصد ذلك. وقد قطع كثير من الشافعية (٢) بأن ابتداء المنع من أول السادس عشر من شعبان. واستدلوا بحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا"، أخرجه أصحاب السنن (٣) وصححه ابن حبان (٤) وغيره. وقال الروياني (٥) من الشافعية: يحرم التقدم بيوم أو يومين لحديث الباب، ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث الآخر. وقال جمهور العلماء (٦): يجوز الصوم تطوعًا بعد النصف من شعبان، وضعفوا الحديث الوارد في النهي عنه. وقد قال أحمد (٧) وابن معين: إنه منكر. وقد استدل البيهقي (٨) على ضعفه بحديث الباب، وكذا صنع قبله الطحاوي (٩) واستظهر بحديث أنس مرفوعًا: "أفضل الصيام بعد رمضان شعبان" لكن إسناده ضعيف كما تقدم.

стр. 3986

واستظهر أيضًا بحديث عمران بن حصين (١) المذكور في الباب لقوله فيه "من سرر شعبان". والسِرر بفتح السين المهملة ويجوز كسرها وضمها، ويقال أيضًا: سَرار بفتح أوله وكسره، ورجح الفراء (٢) الفتح وهو من الاستسرار. قال أبو عبيدة (٢) والجمهور المراد بالسرر هنا آخر الشهر، سميت بذلك لاستسرار القمر فيها وهي ليلة ثمان وعشرين وتسع وعشرين وثلاثين. ونقل أبو داود (٣) عن الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز أن سرره أوله. ونقل الخطابي (٤) عن الأوزاعي كالجمهور. وقيل: السرر وسط الشهر، حكاه أبو داود أيضًا ورجحه بعضهم. ووجهه بأن السرر جمع سرة، وسرة الشيء: وسطه. ويؤيده الندب إلى صيام البيض وهي وسط [الشهر] (٥)، وإنه لم يرد في صيام آخر الشهر ندب، بل ورد فيه نهي خاص بآخر شعبان لمن صامه لأجل رمضان. ورجحه النووي (٦) بأن مسلمًا أفرد الرواية التي فيها سرة هذا الشر عن بقية الروايات، وأردف بها الروايات التي فيها الحض على صيام البيض وهي وسط الشهر كما تقدم. وقد قال الخطابي (٤): إن بعض أهل العلم قال: [إن رسول الله ﷺ (سؤاله) عن ذلك] (٧) سؤال زجر وإنكار، لأنه قد نهى أن يستقبل الشهر بيوم أو يومين. وتعقب بأنه لو أنكر ذلك لم يأمره بقضائه.

стр. 3987

وأجاب الخطابي (١) باحتمال أن يكون الرجل أوجبها على نفسه، فلذلك أمره بالوفاء وأن يقضي ذلك في شوال. وقال آخرون: فيه دليل على أن النهي عن تقدم رمضان بيوم أو يومين إنما هو لمن يقصد به التحري لأجل رمضان. وأما من لم يقصد ذلك فلا يتناوله النهي، وهو خلاف ظاهر حديث النهي لأنه لم يستثن منه إلا من كانت له عادة. وقال القرطبي (٢): الجمع بين الحديثين ممكن بحمل النهي على من ليست له عادة بذلك، وحمل الأمر على من له عادة، وهذا هو الظاهر، وقد استثنى من له عادة في حديث النهي بقوله: "إلا أن يكون رجل كان يصوم صومًا فليصمه" فلا يجوز صوم النفل المطلق الذي لم تجر به عادة. وكذلك يحمل حديث معاوية (٣) المذكور في الباب بعد ثبوته على من كان معتادًا للصوم في ذلك الوقت. وأما قول المصنف (٤): إنه يحمل على المتقدم بأكثر من يومين، فغير ظاهر؛ لأن حديث العلاء بن عبد الرحمن المتقدم (٥) يدل على المنع من صوم النصف الآخر من شعبان. وقد جمع الطحاوي (٦) بين حديث النهي وحديث العلاء بأن حديث العلاء محمول على من يضعفه الصوم. وحديث الباب مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان. قال في الفتح (٧): وهو جمع حسن. وقد اختلف في الحكمة في النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين،

стр. 3988

فقيل: هي التقوي بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط، وفيه نظر لأن مقتضى الحديث أنه لو تقدمه بصوم ثلاثة أيام أو أربعة أيام جاز. وقيل: الحكمة خشية اختلاط النفل بالفرض، وفيه نظر لأنه يجوز لمن له عادة كما تقدم. وقيل: لأن الحكم معلق بالرؤية، فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم. قال في الفتح (١): وهذا هو المعتمد، ولا يرد عليه صوم من اعتاد ذلك لأنه قد أذن له فيه، وليس من الاستقبال في شيء، ويلحق به القضاء والنذر لوجوبهما. قال بعض العلماء: يستثنى القضاء والنذر بالأدلة القطعية على وجوب الوفاء بهما فلا يبطل القطعي بالظني. وفي حديث أبي هريرة بيان لمعنى قوله ﷺ في الحديث الماضي (٢): "صوموا لرؤيته"، فإن اللام فيه للتأقيت لا للتعليل (٣). قال ابن دقيق العيد (٤): ومع كونها محمولة على التأقيت فلا بد من ارتكاب مجاز؛ لأن وقت الرؤية وهي الليل لا يكون محل الصوم. وتعقبه الفاكهي (٥) بأن المراد بقوله: "صوموا" انووا الصيام، والليل كله ظرف للنية. قال الحافظ (٦): فوقع في المجاز الذي فر منه؛ لأن الناوي ليس صائمًا حقيقة، [بدليل أنه] (٧) يجوز له الأكل والشرب بعد النية إلى أن يطلع الفجر.

стр. 3989

[الباب الثاني عشر] باب النهي عن صوم العيدين وأيام التشريق ٤٧/ ١٧٥١ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ صَوْم يَوْمَيْن: يَوْمِ الفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وفِي لَفْظٍ لأحْمَدَ (٢) وَالبُخارِي (٣): "لا صَوْمَ في يَوْمَيْنِ". وَلِمُسْلِمٍ (٤): "لا يَصِح الصِّيامُ في يَوْمَيْنِ"). [صحيح] وفي الباب عن عمر بن الخطاب (٥) وأبي هريرة (٦) وابن عمر (٧) بنحو حديث الباب، وهي في صحيح البخاري ومسلم، وتفرد به مسلم (٨) من حديث عائشة. قال النووي في شرح صحيح مسلم (٩): وقد أجمع العلماء على تحريم صوم هذين اليومين بكل حال، سواء صامهما عن نذر أو تطوع أو كفارة أو غير ذلك. ولو نذر صومهما متعمدًا لعينهما، قال الشافعي (١٠) والجمهور: لا ينعقد نذره ولا يلزمه قضاؤهما. وقال أبو حنيفة (١١): ينعقد ويلزمه قضاؤهما، قال: فإن صامهما أجزأه، وخالف الناس كلهم في ذلك، انتهى. وبمثل قول أبي حنيفة قال المؤيد بالله (١٢) والإمام يحيى (١٢).

стр. 3990

وقال زيد بن علي (١) والهادوية (١): يصح النذر بصيامهما ويصوم في غيرهما، ولا يصح صومه فيهما، وهذا إذ نذر صومهما بعينهما كما تقدم. وأما إذا نذر صوم يوم الاثنين مثلًا فوافق يوم العيد، فقال النووي (٢): لا يجوز له [صوم] (٣) العيد بالإجماع. قال (٤): وهل يلزمه القضاء؟ فيه خلاف للعلماء، وفيه للشافعي (٥) قولان: أصحهما لا يجب قضاؤه؛ لأن لفظه لم يتناول القضاء، [وإنما] (٦) يجب قضاء الفرائض بأمر جديد على المختار عند الأصوليين اهـ. والحكمة في النهي عن صوم العيدين أن فيه إعراضًا عن ضيافة الله تعالى لعباده كما صرح بذلك أهل الأصول. ٤٨/ ١٧٥٢ - (وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أن رَسُولَ الله ﷺ بَعَثَهُ وأوْسَ بْنَ الحَدَثانَ أيَّامَ التَّشْرِيقِ فَنَادَيا أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلَّا مُؤْمِنٌ، وَأَيَّامُ مِنى أيَّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٧) وَمُسْلِمٌ) (٨). [صحيح] ٤٩/ ١٧٥٣ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ قَالَ: أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أنْ أُنادِيَ أيَّامَ مِنى إِنَّهَا أَيَّامُ أكلٍ وَشَرَابٍ وَلا صَوْمَ فِيها، يَعْنِي أيَّام التَّشْرِيقِ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (٩). [صحيح لغيره]

стр. 3991

٥٠/ ١٧٥٤ - (وَعَنْ أنَس: أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ صَوْم خَمْسَةِ أَيّامٍ في السَّنَةِ: يَوْمِ الفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ، وَثَلاثَةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. رَوَاهُ الدارَقُطْنِيُّ (١). [إسناده ضعيف] وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالا: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إلا لمَنْ لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢). [صحيح] وَلَهُ (٣) عَنْهُما أنهُما قالا: الصّيامُ لِمْن تَمَتَّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجّ إلى يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا وَلَمْ يَصُمْ صَامَ أيَّامَ مِنى). [صحيح] حديث سعد بن أبي وقاص أخرجه أيضًا البزار (٤). قال في مجمع الزوائد (٥): ورجالهما يعني أحمد والبزار رجال الصحيح. وحديث أنس في إسناده محمد بن خالد الطحان (٦) وهو ضعيف. وفي الباب عن عبد الله بن حذافة السهمي عند الدارقطني (٧) بلفظ: "لا تصوموا في هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وبعال"، يعني أيام منى، وفي إسناده الواقدي (٨). وعن أبي هريرة عند الدارقطني (٩)، وفي إسناده سعد بن سلام وهو قريب من الواقدي، وفيه أن المنادي بديل بن ورقاء.

стр. 3992

وأخرجه أيضًا ابن ماجه (١) من وجه آخر وابن حبان (٢). وعن ابن عباس عند الطبراني (٣) بنحو حديث عبد الله بن حذافة، وفيه: "والبعال وقاع النساء". وفي إسناده [إبراهيم بن (٤)] إسماعيل بن أبي [حبيبة] (٥) وهو ضعيف (٦). وعن عمر بن خلدة عن أبيه (٧) عند أبي يعلى، وعبد بن حميد، وابن أبي شيبة وإسحاق بن راهويه بنحوه، وفي إسناده موسى بن عبيدة الرَّبْذِي، وهو ضعيف. وعن ابن مسعود بن الحكم عن أمه عند النسائي (٨): "أنها رأت وهي بمنى

стр. 3993

في زمن رسول الله ﷺ راكبًا يصيح يقول: يا أيها الناس إنها أيام أكل وشرب ونساء وبعال وذكر الله، قالت فقلت: من هذا؟ فقالوا: علي بن أبي طالب". وأخرجه البيهقي (١) من هذا الوجه لكن قال: إن جدَّته حدَّثته. وأخرجه ابن يونس في تاريخ مصر من طريق يزيد بن الهاد عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قال يزيد: فسألت عنها، فقيل: إنها جدته. وعن نبيشة الهذلي عند مسلم في صحيحه (٢) بلفظ: "أيام التشريق أيام أكل وشراب". وأخرجه ابن حبان (٣) عن أبي هريرة بنحوه. وأخرجه النسائي (٤) عن بشر بن سحيم بنحوه. وعن عقبة بن عامر عند أصحاب السنن (٥) وابن حبان (٦)

стр. 3994

والحاكم (١) والبزار (٢) بلفظ: "إن النبي ﷺ قال: أيام التشريق أيام أكل وشرب وصلاة فلا يصومها أحد". وعن عمرو بن العاص عند أبي داود (٣): "أن النبيّ ﷺ كان يأمر بإفطارها وينهى عن صيامها". وقد استدل بهذه الأحاديث على تحريم أيام التشريق، وفي ذلك خلاف بين الصحابة فمن بعدهم. قال في الفتح (٤): وقد روى ابن المنذر وغيره عن الزبير بن العوام وأبي طلحة من الصحابة الجواز مطلقًا. وعن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص المنع مطلقًا، وهو المشهور عن الشافعي (٥). وعن ابن عمر وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين منعه إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدي، وهو قول مالك (٦) والشافعي (٧) في القديم. وعن الأوزاعي (٨) وغيره أيضًا يصومها المحصر والقارن، انتهى. واستدل القائلون بالمنع مطلقًا بأحاديث الباب التي لم تقيد بالجواز للمتمتع.

стр. 3995

واستدل القائلون بالجواز للمتمتع بحديث عائشة وابن عمر المذكور في الباب (١)، وهذه الصيغة لها حكم الرفع. وقد أخرجه الدارقطني (٢) والطحاوي (٣) بلفظ: "رخص رسول الله ﷺ للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق"، وفي إسناده يحيى بن سلام وليس بالقويّ، ولكنه يؤيد ذلك عموم الآية. قالوا: وحمل المطلق على المقيد واجب (٤)، وكذلك بناء العام على الخاص، وهذا أقوى المذاهب. وأما القائل بالجواز مطلقًا فأحاديث الباب جميعًا ترد عليه. قال في الفتح (٥): وقد اختلف في كونها، يعني أيام التشريق يومين أو ثلاثة. قال: وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرَّق فيها: أي تنشر في الشمس. وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس. وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند شروق الشمس. وقيل: التشريق: التكبير دبر كل صلاة، انتهى. وحديث أنس (٦) المذكور في الباب يدل على أنها ثلاثة أيام بعد يوم النحر. * * *

стр. 3996

[خامسًا] [أبواب] (١) الاعتكاف [الباب الأول الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان وأحكام المعتكف] ١/ ١٧٥٥ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله (٢). [صحيح] ٢/ ١٧٥٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: "كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (٣). ولمُسْلِمٍ (٤): قَالَ نافِعٌ: وَقَدْ أرَانِي عَبْدُ الله المَكَانَ الَّذِي كَانَ يَعْتَكِفُ فِيهِ رَسُولُ الله ﷺ ). [صحيح] ٣/ ١٧٥٧ - (وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَة الأوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، فَلَمَّا كَانَ فِي العامِ المُقْبِلِ اعْتَكَفَ عِشْرينَ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَالتِّرْمِذِيُّ (٦) وَصححَهُ. [صحيح]

стр. 3997

ولأحْمَدَ (١) وأَبي دَاوُدَ (٢) وَابْنِ مَاجَهْ (٣) هَذَا المَعْنَى مِنْ رِوَايةِ أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ). [صحيح] هذه الأحاديث فيها دليل على مشروعية الاعتكاف، وهو متفق عليه كما قال النووي (٤) وغيره. قال مالك (٥): فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأثر فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته، ولم يبلغني عن أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن، انتهى. ومن كلام مالك هذا أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز، وأنكر ذلك عليهم ابن العربي (٦) وقال: إنه سنة مؤكدة. وكذا قال ابن بطال (٧) في مواظبة النبيّ ما يدل على تأكده. وقال أبو داود (٨) عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أنه مسنون. وتعقب الحافظ في الفتح (٩) قول مالك: إنه لم يعتكف من السلف إلا أبو بكر بن عبد الرحمن وقال: لعله أراد صفة مخصوصة وإلا فقد حكي عن غير واحد من الصحابة أنه اعتكف.

стр. 3998

واعلم أنه لا خلاف في عدم وجوب الاعتكاف إلا إذا نذر به. قوله: (يعتكف) الاعتكاف في اللغة (١): هو الحبس واللزوم والمكث والإقامة والاستدارة. قال العجاج: فَهُنَّ يَعْكِفْنَ بِهِ إِذَا حَجَا … عَكْفَ النَّبِيْط يَلْعَبُوْنَ الفَنْزَجَا والنبيط (٢): قوم من العجم، والفنزج (٣) بالفاء والنون والزاي والجيم: لعبة للعجم يأخذ كل واحد منهم بيد صاحبه ويستديرون راقصين. قوله: (حَجَا) أي: أقام بالمكان. وفي الشرع (٤): المكث في المسجد من شخص مخصوص بصفة مخصوصة. قول: (العشر الأواخر من رمضان)، فيه دليل على استحباب مداومة الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان لتخصيصه ﷺ ذلك الوقت بالمدوامة على اعتكافه. قوله: (اعتكف عشرين)، فيه دليل على أن من اعتاد اعتكاف أيام ثم لم يمكنه أن يعتكفها أنه يستحب له قضاؤها، وسيأتي أن النبي ﷺ اعتكف لما لم يعتكف العشر الأواخر من رمضان العشر الأواخر من شوال (٥). ٤/ ١٧٥٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذَا أَرَادَ أنْ يَعْتَكِف صَلَّى الفَجْرَ ثُم دَخَل مُعْتَكَفَهُ، وَأنَّهُ أمَرَ بِخِباء فَضُرِبَ لَمَّا أرادَ الاعْتِكَافَ في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فأمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبائها فَضُرِبَ وَأمَرَتْ غيرها مِنْ أزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِخِبائها فَضُرِبَ؛ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ الفَجْرَ نَظَرَ، فَإذَا الأخْبِيَةُ، فَقَالَ: "آلبِرَّ يُرِدْنَ؟ "، فأمَرَ "بِخِبائِهِ فَقُوّضَ وَتَرَكَ الاعْتِكافَ في شَهْرِ رَمَضَانَ

стр. 3999

حتَّى اعْتَكَفَ فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ شَوال. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (١) إلا التِّرْمِذِي (٢)، لَكِنْ لَهُ مِنْهُ: كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الفَجْرَ ثُم دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ). [صحيح] قوله: (صلى الفجر ثم دخل معتكفه)، استُدِلَّ به على أن أوّل وقت الاعتكاف من أوّل النهار، وبه قال الأوزاعي (٣) والليث والثوري. وقال الأئمة الأربعة وطائفة (٤): يدخل قبيل غروب الشمس، وأوَّلوا الحديث على أنه دخل من أول الليل، ولكن إنما يخلو بنفسه في المكان الذي أعده الاعتكاف بعد صلاة الصبح. قوله: (بخباء) بخاء معجمة [مكسورة] (٥) ثم باء موحدة. قوله: (وأمرت غيرها إلخ)، هذا يقتضي تعميم الأزواج وليس كذلك، فقد فسر قوله: "من أزواج النبي" بعائشة وحفصة وزينب فقط. ويؤيد ذلك ما وقع في رواية للبخاري (٦) بلفظ: "أربع قباب"، وفي رواية للنسائي (٧): "فلما صلى الصبح إذا هو بأربعة أبنية، قال: لمن هذه؟ قالوا: لعائشة وحفصة وزينب" [الحديث] (٨)، والرابع خباؤه ﷺ . قوله: (آلبر) بهمزة استفهام ممدوة وبغير مد وبنصب الراء.

стр. 4000

قوله: (يردن) بضم أوله وكسر الراء وسكون الدال ثم نون النسوة. وفي رواية للبخاري (١): "انزعوها فلا أراها". قوله: (فقوض) بضم القاف وتشديد الواو المكسورة بعدها ضاد معجمة: أي نقض. قوله: (وترك الاعتكاف) كأنَّ الحامل له ﷺ على ذلك خشية أن يكون الحامل للزوجات المباهاة [و] (٢) التنافس الناشئ عن الغيرة حرصًا على القرب منه خاصة، فيخرج الاعتكاف عن موضوعه. أو الحامل له على ذلك أنه يكون باعتبار اجتماع النسوة عنده يصير كالجالس في بيته، وربما يشغله ذلك عن التخلي لما قصد من العبادة فيفوت مقصوده بالاعتكاف. قوله: (في العشر الأواخر من شوال)، في رواية في البخاري (٣): "حتى اعتكف في العشر الأول من شوال". ويجمع بينه وبين الرواية الأولى بأن المراد بقوله: في العشر الأواخر من شوال انتهاء اعتكافه. قال الإسماعيلي (٤): فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم؛ لأن أول شوال هو يوم الفطر وصومه حرام، وسيأتي الكلام عليه. وقال غيره: في اعتكافه في شوال دليل على أن النوافل المعتادة إذا فاتت تقضى. قال المصنف (٥) ﵀: وفيه أن النذر لا يلزم بمجرد النية، وأن السنن تقضى، وأن للمعتكف أن يلزم من المسجد مكانا بعينه، وأن من التزم اعتكاف أيام معينة لم يلزمه أول ليلة لها، انتهى. واستدل به أيضًا على الجواز الخروج من العبادة بعد الدخول فيها.

стр. 4001

وأجيب عن ذلك بأنه ﷺ لم يدخل المعتكف ولا شرع في الاعتكاف وإنما هم به ثم عرض له المانع المذكور فتركه فيكون دليلًا على جواز ترك العبادة إذا لم يحصل إلا مجرد النية كما قال المصنف. ٥/ ١٧٥٩ - (وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أن النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ لَهُ فِرَاشُهُ أوْ يُوضَعَ لَهُ سَرِيرُهُ وَرَاءَ أُسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ. رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ) (١). [ضعيف] الحديث رجال إسناده في سنن ابن ماجه ثقات. وقد ذكره الحافظ في الفتح (٢) عن نافع: "أن ابن عمر كان إذا اعتكف إلخ"، ولم يذكر أنه مرفوع. وفي صحيح مسلم (٣) عن نافع أنه قال: وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان رسول الله ﷺ يعتكف فيه من المسجد". وفيه دليل على جواز طرح الفراش ووضع السرير للمعتكف في المسجد، وعلى جواز الوقوف في مكان معين من المسجد في الاعتكاف، فيكون مخصصًا للنهي عن إيطان المكان في المسجد، [يعني] (٤) ملازمته، وقد تقدم الحديث في الصلاة. ٦/ ١٧٦٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أنَّهَا كانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ ﷺ وَهِيَ حائِضٌ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ وَهِيَ في حُجْرَتِها يُناوِلُها رأسَهُ، وَكَانَ لا يَدْخُل البَيْتَ إلَّا لحاجَةِ الإنْسانِ إذَا كَانَ مُعْتَكِفًا) (٥). [صحيح] ٧/ ١٧٦١ - (وَعَنْها أيْضًا قَالَتْ: إنْ كُنْتُ لأدْخُلُ البَيْتَ للحاجَةِ وَالمَرِيضُ

стр. 4002

فيه فَمَا أسألُ عَنْهُ إلَّا وأنا مارَّةٌ) (١). [صحيح] ٨/ ١٧٦٢ - (وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيّ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ مُعْتَكِفًا، فأتَيْتُهُ أزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ ثُم قُمْتُ لأنْقَلِبَ، فَقَام مَعِي ليَقْلِبَنِي، وَكَان مَسْكنُها في دَارِ أسامَةَ بْنِ زَيْدٍ (٢). مُتَّفَقٌ عَلَيْهنَّ). [صحيح] قوله: (ترجل)، الترجيل (٣) بالجيم: بالمشط والدهن. فيه دليل على أنه يجوز للمعتكف التنظيف والطيب والغسل والحلق والتزيين إلحاقًا بالترجيل. والجمهور (٤) على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد. وعن مالك (٥): يكره الصنائع والحرف حتى طلب العلم. وفيه دليل على أن من أخرج بعض بدنه من المسجد لم يكن ذلك قادحًا في صحة الاعتكاف.

стр. 4003

قوله: (إلا لحاجة الإنسان) فسَّرها الزهري (١) بالبول والغائط، وقد وقع الإجماع على استثنائهما، واختلفوا في غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، ويلحق بالبول والغائط: القيء والفصد والحجامة لمن احتاج إلى ذلك، وسيأتي الكلام على الخروج للحاجات ولغيرها. قوله: (فما أسأل عنه)، سيأتي الكلام على الخروج لزيارة المريض. قوله: (ثم [قمت] (٢) لأنقلب)، أي ترجع إلى بيتها. قوله: (ليقلبني) بفتح أوله وسكون القاف: أي يردها إلى منزلها. وفيه دليل على جواز خروج المعتكف من مسجد اعتكافه لتشييع الزائر. قوله: (في دار أسامة بن زيد)، أي التي صارت له بعد ذلك؛ لأن أسامة إذ ذاك ليس له دار مستقلة بحيث تسكن فيها صفية، وكانت بيوت أزواج النبي ﷺ ﷺ حوالي أبواب المسجد. ٩/ ١٧٦٣ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَمُرُّ بالمَرِيضِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ وَلا يُعَرّجُ يَسْألُ عَنْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٣). [ضعيف] ١٠/ ١٧٦٤ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: السُّنَّةُ على المُعْتَكِفِ أن لا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلا يَشْهَدَ جَنازَةً، وَلَا يَمَسَّ امْرأةً وَلا يُباشِرَها، وَلا يَخْرُجَ لِحاجَةٍ إلا لِمَا لا بُدَّ مِنْهُ، ولا اعْتِكافَ إلا بِصَوْمٍ، وَلا اعْتِكافَ إلا في مَسْجِدٍ جامِعٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٤). [إسناده حسن]

стр. 4004

الحديث الأول في إسناده ليث بن أبي سليم (١) وفيه مقال. قال الحافظ (٢): والصحيح عن عائشة من فعلها أخرجه مسلم (٣) وغيره. وقال (٤): صح ذلك عن علي. والحديث الثاني أخرجه أيضًا النسائي (٥) وليس فيه "قالت السنة"، وأخرجه أيضًا من حديث مالك (٦) وليس فيه ذلك. قال أبو داود (٧): غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه "قالت السنة". وجزم الدارقطني (٨) بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها: لا يخرج، وما عداه ممن دونها، انتهى. وكذلك رجح ذلك البيهقي (٩)، ذكره ابن كثير في الإرشاد (١٠). وعبد الرحمن بن إسحاق هذا هو القرشي المدني يقال له: عباد (١١)، قد أخرج له مسلم في صحيحه ووثقه يحيى بن معين وأثنى عليه غيره وتكلم فيه بعضهم. الحديثان استدل بهما على أنه لا يجوز للمعتكف أن يخرج من معتكفه لعيادة المريض ولا لما يماثلها من القرب كتشييع الجنازة وصلاة الجمعة.

стр. 4005

قال في الفتح (١): وروينا عن عليّ ﵇ والنخعي والحسن البصري: إن شهد المعتكف جنازة أو عاد مريضًا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون وابن المنذر في الجمعة. وقال الثوري والشافعي (٢) وإسحاق: إن شرط شيئًا من ذلك في ابتداء اعتكافه لم يبطل اعتكافه بفعله وهو رواية عن أحمد (٣)، انتهى. وعند الهادوية (٤) أنه يجوز الخروج لتلك الأمور ونحوها ولكن في وسط النهار قياسًا على الحاجة المذكورة في حديث عائشة المتقدم (٥) وهو فاسد الاعتبار لأنه في مقابلة النص. قوله: (ولا يمس امرأة ولا يباشره (١) (١)، المراد بالمباشرة هنا الجماع بقرينة ذكر المس قبلها. وقد نقل ابن المنذر الإجماع (٦) على ذلك، ويؤيده ما روى الطبري (٧) وغيره من طريق قتادة في سبب نزول الآية، يعني قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (٨)، أنهم كانوا إذا اعتكفوا فخرج رجل لحاجته فلقي امرأته جامعها إن شاء فنزلت. قوله: (ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه)، فيه دليل على المنع من الخروج لكل حاجة من غير فرق بين ما كان مباحًا أو قربة أو غيرهما، إلا الذي لا بد منه كالخروج لقضاء الحاجة وما في حكمها. قوله: (ولا اعتكاف إلا بصوم)، فيه دليل على أنه لا يصح الاعتكاف إلا بصوم، وأنه شرط، حكاه في البحر (٩) عن العترة جميعًا، وابن عباس (١٠) وابن

стр. 4006

عمر (١) ومالك (٢) والأوزاعي والثوري (٣) وأبو حنيفة (٤). وحكي في البحر (٥) أيضًا عن ابن مسعود والحسن البصري والشافعي (٦) وأحمد (٧) وإسحاق أنه ليس بشرط، قالوا: يصح اعتكافه ساعة واحدة ولحظة واحدة. واستدلوا بما تقدم (٨) من "أنه ﷺ اعتكف العشر الأول من شوال ومن جملتها يوم الفطر"، وبحديث عمر الآتي (٩). وأجابوا عن حديث عائشة (١٠) المذكور في الباب ما تقدم من الكلام عليه وهذا هو الحق، لا كما قال ابن القيم (١١): إن الراجح الذي عليه جمهور السلف أن الصوم شرط في الاعتكاف. وقد روي عن عليّ وابن مسعود (١٢) أنه ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه. ويدل على ذلك حديث ابن عباس الآتي (١٣). ويؤيد قول من قال بجواز الاعتكاف ساعة أو لحظة حديث: "من اعتكف فواق ناقة فكأنما أعتق نسمة"، رواه العقيلي في الضعفاء (١٤) من حديث عائشة وأنس.

стр. 4007

قال في البدر المنير (١): هذا حديث غريب لا أعرفه بعد البحث الشديد عنه. وقال الحافظ (٢): هو منكر؛ ولكنه أخرجه الطبراني في الأوسط (٣). قال الحافظ (٤): لم أر في إسناده ضعفًا إلا أن فيه وجادة (٥) وفي المتن نكارة شديدة. وذهبت العترة (٦) وأبو حنيفة (٧) إلى أن أقل مدة الاعتكاف يوم. قوله: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع)، فيه دليل على أن المسجد شرط للاعتكاف. قال في الفتح (٨): واتفق العلماء على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي، فأجازه في كل مكان. وأجاز الحنفية (٩) للمرأة أن تعتكف في مسجد بيتها وهو المكان المعد للصلاة. وفيه قول للشافعي (١٠) قديم.

стр. 4008

وفي وجه لأصحابه وللمالكية: يجوز للرجال والنساء، لأن التطوع في البيوت أفضل. وذهب أبو حنيفة (١) وأحمد (٢) إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات. وخصه أبو يوسف بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد. وقال الجمهور (٣) بعمومه في كل مسجد، انتهى كلام الفتح. وسيأتي قول من قال: إنه يختص بالمساجد الثلاثة. ١١/ ١٧٦٥ - (وَعَنِ ابْن عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ سأَل النَّبِيَّ ﷺ قالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ في الجَاهِلِيَّةِ أنْ أعْتَكِفَ لَيْلَةً في المَسْجِدِ الحَرَامِ؟ قَالَ: "فأوْفِ بِنَذْرِكَ" متَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤)، وَزَادَ البُخارِيُّ (٥): "فاعْتَكِفْ لَيْلَةً"). [صحيح] ١٢/ ١٧٦٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ على المُعْتَكِفِ صِيامٌ إلا أنْ يَجْعَلَهُ عَلى نَفْسِهِ"، رَوَاهُ الدَّارَقطْنِيُّ (٦) وَقَال: رَفَعَهُ أبُو بَكْرٍ السُّوسِي وَغَيْرُهُ لا يَرْفَعُهُ). [ضعيف]

стр. 4009

الحديث الثاني رجح الدارقطني (١) والبيهقي (٢) وقفه. وأخرجه الحاكم (٣) مرفوعًا وقال: صحيح الإسناد. قوله: (إن عمر سأل) لم يذكر مكان السؤال. وفي رواية للبخاري (٤) أن ذلك كان بالجعرانة لما رجعوا من حنين. ويستفاد منه الرد على من زعم أن اعتكاف عمر كان قبل المنع من الصيام في الليل؛ لأن غزوة حنين متأخرة عن ذلك. قوله: (نذرت في الجاهلية) زاد مسلم (٥): "فلما أسلمت سألت"، وفي ذلك رد على من زعم أن المراد بالجاهلية ما قبل فتح مكة وإنه إنما نذر في الإسلام. وأصرح من ذلك ما أخرجه الدارقطني (٦) بلفظ: "نذر أن يعتكف في الشرك". قوله: (أن اعتكف ليلة)، استدلّ به على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن الليل ليس بوقت صوم، وقد أمره ﷺ أن يفي بنذره على الصفة التي أوجبها.

стр. 4010

وتعقب بأن في رواية لمسلم (١) "يومًا" بدل ليلة. وقد جمع ابن حبان (٢) وغيره بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها، ومن أطلق يومًا أراد بليلته. وقد ورد الأمر بالصوم في رواية أبي داود (٣) والنسائي (٤) بلفظ: "أن النبي ﷺ قال له: اعتكف وصم"، أخرجه أبو داود (٣) والنسائي (٤) من طريق عبد الله بن بديل ولكنه ضعيف. وقد ذكر ابن عدي (٥) والدارقطني (٦) أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار. قال في الفتح (٧): ورواية من روى يومًا شاذة، وقد وقع في رواية سليمان بن بلال عند البخاري (٨): "فاعتكف ليلة". فدّل على أنه لم يزد على نذره شيئًا، وأن الاعتكاف لا صوم فيه، وأنه لا يشترط له حدٌّ معين. قوله: (ليس على المعتكف صيام)، استدلّ به القائلون بأنه لا يشترط الصوم في الاعتكاف، وقد تقدم ذكرهم (٩). وقد استدلّ بعض القائلين بأن الصوم شرط في الاعتكاف بقوله تعالى:

стр. 4011

﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ (١)، قال: فذكر الاعتكاف عقب الصوم. وتعقب بأنه ليس فيها ما يدل على تلازمهما، وإلا لزم ألَّا صوم إلا باعتكاف ولا قائل به. وفي حديث عمر المذكور في الباب (٢) رد على من قال: إن أقل الاعتكاف عشرة أيام. وفيه أيضًا دليل على أن النذر من الكافر لا يسقط عنه بالإسلام، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك. ١٣/ ١٧٦٧ - (وَعَنْ حُذَيْفَة أنَّهُ قَالَ لابْنِ مَسْعُودٍ: لَقَدْ عَلِمْتَ أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لا اعْتِكافَ إلا فِي المَساجِدِ الثَّلاثَةِ" أَوْ قَالَ: "في مَسْجِدِ جَماعَةٍ"، رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ) (٣). [صحيح]

стр. 4012

١٤/ ١٧٦٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ اعْتكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسائِهِ وَهِي مُسْتَحاضَةٌ تَرَى الدَّمَ، فَرُبَّما وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَها مِنَ الدَّم. رَوَاهُ البُخارِي (١). وفِي رِوَايَةٍ: اعْتَكَفَ مَعَهُ امْرأةٌ مِنْ أزْوَاجِهِ وَكانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَها وَهِي تُصَلِّي. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَالبُخارِي (٣) وأبُو دَاوُدَ) (٤). [صحيح] الحديث الأول أخرجه ابن أبي شيبة (٥) ولكن لم يذكر المرفوع منه، واقتصر

стр. 4013

على المراجعة التي فيه بين حذيفة وابن مسعود ولفظه: "إن حذيفة جاء إلى عبد الله فقال: ألا أعجبك من قوم عكوف بين دارك ودار الأشعري، يعني المسجد، قال عبد الله: فلعلهم أصابوا وأخطأت". فهذا يدل على أنه لم يستدل على ذلك بحديث عن النبي ﷺ (١) وعلى أن عبد الله يخالفه ويجوز الاعتكاف في كل مسجد، ولو كان ثم حديث عن النبي ﷺ ما خالفه. وأيضًا الشك الواقع في الحديث مما يضعف الاحتجاج بأحد شقيه. وقد استشهد لحديث حذيفة بحديث أبي سعيد (٢)، وأبي هريرة (٣) وغيرهما مرفوعًا بلفظ: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى"، وهو متفق عليه. ولكن ليس فيه ما يشهد لحديث حذيفة؛ لأن أفضلية المساجد الثلاثة واختصاصها بشد الرحال إليها لا تستلزم اختصاصها بالاعتكاف. وقد حكي في الفتح (٤) عن حذيفة أن الاعتكاف يختص بالمساجد الثلاثة، ولم يذكر هذا الحديث. وحكي عن عطاء (٥) أنه يختص بمسجد مكة، وعن ابن المسيب (٦) بمسجد المدينة.

стр. 4014

وقوله: (أو قال: في مسجد جماعة)، قيل: فيه دليل لمذهب أبي حنيفة (١) وأحمد (٢) المتقدم. قوله: (بعض نسائه)، قال ابن الجوزي: ما عرفنا من أزواج النبي ﷺ من كانت مستحاضة. قال: والظاهر أن عائشة أشارت بقول: من نسائه، أي من النساء المتعلقات به، وهي أم حبيبة بنت جحش أخت زينب. ولكنه يرد عليه ما وقع في البخاري (٣) في كتاب الاعتكاف بلفظ: "امرأة مستحاضة من أزواجه"، ووقع في رواية سعيد بن منصور عن عكرمة أن أمّ سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة، وهذه الرواية تفيد تعيينها. وقد حكى ابن عبد البر (٤) أن بنات جحش الثلاث كن مستحاضات: زينب وحمنة وأم حبيبة. ويدل على ذلك ما وقع عند أبي داود (٥) عن عائشة أنها قالت: "استحيضت زينب بنت جحش"، وقد عد مغلطاي (٦) في المستحاضات: سودة بنت زمعة، وقد روى ذلك أبو داود (٧) تعليقًا، وذكر البيهقي (٨) أن ابن خزيمة أخرجه موصولًا، فهذه ثلاث مستحاضات من أزواج النبيّ ﷺ . قوله: (من الدم)، أي: لأجل الدم. والحديث يدل على جواز مكث المستحاضة في المسجد وصحة اعتكافها وصلاتها وجواز حدثها في المسجد عند أمن التلويث، ويلحق بها دائم الحدث ومن به جرح يسيل، وقد تقدم البحث عن ذلك.

стр. 4015

[الباب الثاني] باب الاجتهاد في العشر الأواخر وفضل قيام ليلة القدر وما يدعى به فيها وأي ليلة هي؟ ١٥/ ١٧٦٩ - (عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا دَخَلَ العَشْرُ الأوَاخِرُ أحْيا اللَّيْلَ وَأيْقَظَ أهْلَهُ وَشدَّ المِئْزَرَ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] ولأحْمَدَ (٢) وَمُسْلِمٍ (٣): كَانَ يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأوَاخِرِ ما لَا يَجْتَهِدُ في غَيْرِه (١). [صحيح] [قوله: (أحيا الليل)، فيه استعارة الإحياء للاستيقاظ: أي سهره فأحياه بالطاعة وأحيا نفسه بسهره فيه، لأن النوم أخو الموت] (٤). قوله: (وأيقظ أهله) أي: للصلاة. وفي الترمذي (٥) عن أم سلمة: "لم يكن ﷺ إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع أحدًا من أهله يطيق القيام إلا أقامه". قوله: (وشد المئزر)، أي: اعتزل النساء كما رواه عبد الرزاق (٦) عن الثوري وابن أبي شيبة (٧) عن أبي بكر بن عياش. وحكى في الفتح (٨) عن الخطابي (٩) أنه يحتمل أن يراد به الجد في العبادة كما يقال: شددت لهذا الأمر مئزري: أي شمرت له. ويحتمل أن يراد التشمير والاعتزال معًا. ويحتمل أن يراد حقيقته، والمجاز كمن يقول: طويل النجاد لطويل القامة، وهو طويل النجاد حقيقة.

стр. 4016

يعني شد مئزره حقيقة واعتزل النساء وشمر للعبادة، يعني فيكون كناية وهو يجوز فيها إرادة اللازم والملزوم. وقد وقع في رواية: "شد مئزره واعتزل النساء"، فالعطف بالواو يقوي الاحتمال الأول كما قال الحافظ (١). والحديث فيه دليل على مشروعية الحرص على مداومة القيام في العشر الأواخر من رمضان وإحيائها بالعبادة واعتزال النساء وأمر الأهل بالاستكثار من الطاعة فيها. ١٦/ ١٧٧٠ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمانًا وَاحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلا ابْنَ ماجَهْ) (٢). [صحيح] ١٧/ ١٧٧١ - (وَعَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَرَأَيْتَ إنْ عَلِمْتُ أيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ ما أقُولُ فِيها؟ قَالَ: "قُولي: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فاعْفُ عَنِي"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ (٣)، وَأحْمَدُ (٤) وَابْنُ مَاجَهْ (٥) وَقَالا فِيهِ: أَرَأَيْتَ إنْ وافَقْتُ لَيْلَةَ القَدْرِ). [صحيح] الحديث الأول قد تقدم مع شرحه في باب صلاة التراويح، وأورده المصنف ههنا للاستدلال به على مشروعية قيام ليلة القدر.

стр. 4017

والحديث الثاني صححه الترمذي (١) كما ذكر المصنف. وفيه دليل على إمكان معرفة ليلة القدر وبقائها، وسيأتي الكلام على ذلك. قوله: (ليلة القدر) اختلف في المراد بالقدر الذي أضيفت إليه الليلة، فقيل: هو التعظيم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٢)، والمعنى أنها ذات قدر لنزول القرآن فيها، أولما يقع فيها من نزول الملائكة، أو لما ينزل فيها من البركة والرحمة والمغفرة، أو أن الذي يحييها يصير ذا قدر. وقيل القدر هنا: التضييق، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ (٣)، ومعنى التضييق فيها إخفاؤها عن العلم بتعيينها. وقيل: القدر هنا بمعنى القدر بفتح الدال: الذي هو مؤاخي القضاء. والمعنى أنه يقدر فيها أحكام تلك السنة لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ (٤)، وبه صدر النووي (٥) كلامه فقال: قال العلماء: سميت ليلة القدر لما يكتب فيها الملائكة من الأقدار لقوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ﴾ (٦) الآية. ورواه عبد الرزاق (٧) وغيره من المفسرين بأسانيد صحيحة عن مجاهد وعكرمة وقتادة وغيرهم. وقال التوربشتي (٨): إنما جاء القدر بسكون الدال، وإن كان الشائع في القدر الذي يؤاخي القضاء فتح الدال ليعلم أنه لم يرد به ذلك وإنما أريد به تفصيل ما جرى به القضاء وإظهاره وتحديده في تلك السنة لتحصيل ما يلقى إليهم فيها مقدارًا بمقدار. قوله: (إنك عفو) بفتح العين وضم الفاء وتشديد الواو، صيغة مبالغة، وفيه دليل على استحباب الدعاء في هذه الليلة بهذه الكلمات.

стр. 4018

١٨/ ١٧٧٢ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قالَ رَسُول الله ﷺ : "مَنْ كانَ مُتَحَرّيَها فَلْيَتَحَرّها لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ"، أوْ قَالَ: "تحَرُّوها لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ"، يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْرِ. رَوَاهُ أحْمَدُ بإسْنَادٍ صَحِيحٍ) (١). [بسند صحيح] ١٩/ ١٧٧٣ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أن رَجُلًا أتى نَبِيَّ الله ﷺ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ الله إِني شَيْخٌ كَبِيرٌ عَلِيلٌ يَشُقُّ عَليَّ القيامُ، فأمُرْنِي بِلَيْلةٍ لَعَلَّ الله يُوَفِّقُنِي فِيها للَيْلَةِ القَدْرِ، فَقَال: "عَلَيْكَ بالسَّابِعَةِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٢). [بسند صحيح]. ٢٠/ ١٧٧٤ - (وَعَنْ مُعاوَيةَ بْنِ أبي سُفْيانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في لَيْلَةِ القَدْرِ قَالَ: "لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٣). [صحيح] ٢١/ ١٧٧٥ - (وَعَنْ زِرّ بْنِ حُبَيْش قَالَ: سَمِعْتُ أبيّ بْنَ كَعْبٍ يَقُولُ وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ عَبْدَ الله بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ قامَ السَّنَةَ أصَابَ لَيْلَةَ القَدْرِ، فَقَالَ أُبَيٌّ: وَالله الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ إِنَّها لَفِي رَمَضَانَ، يَحْلِفُ ما يَسْتَثْنِي، وَوَالله إِني لأَعْلَمُ أيَّ لَيْلَةٍ هِيَ، هِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي أمَرَنا رَسُولُ الله ﷺ بِقِيامِها، هِيَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِين، وأمارَتُها أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ في صَبِيحَةِ يَوْمِها بَيْضَاءَ لا شُعَاعَ لَهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وَمُسْلِمُ (٥) وأَبُو دَاوُدَ (٦) وَالترمِذِي (٧) وَصَحَّحَهُ). [صحيح]

стр. 4019

حديث ابن عباس أخرجه أيضًا الطبراني في الكبير (١). قال في مجمع الزوائد (٢): ورجال أحمد رجال الصحيح. وقد أخرج نحوه عبد الرزاق (٣) عن ابن عمر مرفوعًا، والمراد بالسابعة: إما لسبع بقين، أو لسبع مضين بعد العشرين. وحديث معاوية سكت عنه أبو داود (٤) والمنذري (٥). ورجال إسناده رجال الصحيح. - وفي الباب عن جابر بن سمرة عند الطبراني في الأوسط (٦) بنحو حديث ابن عمر. وعن ابن مسعود عند الطبراني (٧) قال: "سئل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر فقال: أيكم يذكر ليلة الصهبا؟ قلت: أنا، وذلك ليلة سبع وعشرين". ورواه ابن أبي شيبة (٨) عن عمر وحذيفة وناس من الصحابة. وروى عبد الرزاق (٩) عن ابن عباس قال: "دعا عمر أصحاب رسول الله ﷺ وسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر.
следующие страницы →