← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4050–4089 · переход к 4055.

стр. 4050

واستدلَّ القائلونَ بعدم الوجوب بما أخرجه الترمذي (١)، وصححه أحمد (٢) والبيهقي (٣) وابن أبي شيبة (٤) وعبد بن حميد (٥) عن جابر: "أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: لا، وأن تعتمر خير لك". وفي رواية: "أولى لك". وأجيب عن الحديث بأن في إسناده الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف (٦). وتصحيح الترمذي له فيه نظر، لأن الأكثر على تضعيف الحجاج واتفقوا على أنه مدلس.

стр. 4051

قال النووي (١): ينبغي أن لا يُغتر بالترمذي في تصحيحه، فقد اتفق الحفاظ تضعيفه. انتهى. على أن تصحيح الترمذي له إنما ثبت في رواية الكروخي (٢) فقط، وقد نبه صاحب الإمام (٣) على أنه لم يرد على قوله حسن في جميع الروايات عنه إلا في رواية الكروخي. وقد قال ابن حزم (٤): إنه مكذوب باطل، وهو إفراط، لأن الحجاج وإن ضعيفًا فليس متهمًا بالوضع. وقد رواه البيهقي (٥) من حديث سعيد بن عُفير عن يحيى بن أيوب عن الله عن أبي الزبير عن جابر بنحوه. ورواه ابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر (٦). ورواه ابن عدي (٧) من طريق أبي عصمة عن ابن المنكدر عن أبي صالح عصمة قد كذبوه.

стр. 4052

وفي الباب عن أبي هريرة عند الدارقطني (١) وابن حزم (٢) والبيهقي (٣) أن رسول الله ﷺ قال: "الحجّ جهاد والعمرة تطوّع" وإسناده ضعيف، كما قال الحافظ (٤). وعن طلحة عند ابن ماجه (٥) بإسناد ضعيف.

стр. 4053

وعن ابن عباس عند البيهقي (١) قال الحافظ (٢): ولا يصحّ من ذلك شيء. وبهذا تعرف أن الحديث من قسم الحسن لغيره، وهو محتج به عند الجمهور ويؤيده ما عند الطبراني (٣) عن أبي أمامة مرفوعًا: "من مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوّع فأجره كعمرة". واستدلّ القائلون بوجوب العمرة بما أخرجه الدارقطني (٤) من حديث زيد بن

стр. 4054

ثابت بلفظ: "الحجّ والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت". وأجيب عنه بأن في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي (١) وهو ضعيف. وفي الحديث أيضًا انقطاع، ورواه البيهقي (٢) موقوفًا على زيد. قال الحافظ (٣): وإسناده أصحّ، وصححه الحاكم (٤). ورواه ابن عدي (٥) عن جابر، وفي إسناده ابن لهيعة. وفي الباب عن عمر في سؤال جبريل، وفيه: "وأن تحج وتعتمر"، أخرجه ابن خزيمة (٦) وابن حبان (٧) والدارقطني (٨) وغيرهم. وعن عائشة عند أحمد (٩) وابن ماجه (١٠): "قالت: يا رسول الله على النساء جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه: الحجّ والعمرة"، وسيأتي (١١). والحق عدم وجوب العمرة لأن البراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف، ولا دليل يصلح لذلك لا سيما مع اعتضادها بما تقدم من الأحاديث القاضية بعدم الوجوب

стр. 4055

ويؤيد ذلك اقتصاره ﷺ على الحجّ في حديث (١): "بُني الإِسلام على خمس". واقتصار الله ﷻ على الحج في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢). وقد استدل على الوجوب بحديث عمر الآتي (٣) قريبًا، وسيأتي الجواب عنه. وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٤)، فلفظ التمام مشعر بأنه إنما يجب بعد الإِحرام لا قبله. ويدل على ذلك ما أخرجه الشيخان (٥) وأهل السنن (٦) وأحمد (٧) والشافعي (٨) وابن أبي شيبة (٩) عن يعلى بن أمية قال: "جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجعرانة عليه جبة وعليها خَلوق فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله تعالى على النبيّ ﷺ الآية. فهذا السبب في نزول الآية، والسائل قد كان أحرم، وإنما سأل كيف يصنع. ٤/ ١٧٨٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله هَلْ على النِّساءِ مِنْ

стр. 4056

جِهادٍ؟ قالَ: "نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهادٌ لا قِتالَ فِيهِ: الحَجُّ وَالعُمْرَةُ". رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَابْنُ مَاجَهْ (٢) وَإسْنَادُهُ صَحِيح). [صيح] الحديث فيه دليل على أن الجهاد غير واجب على النساء، وسيأتي إن شاء الله الكلام على ذلك. وفيه إشارة إلى وجوب العمرة، وقد تقدم البحث عن ذلك. ٥/ ١٧٨٧ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ : أيُّ الأعمالِ أفْضَلُ؟ قالَ: "إيمَانٌ بالله [وَبِرَسُولِهِ] (٣) "، قالَ: ثُم مَاذَا؟ قالَ: "ثُم الجِهادُ في سَبيلِ الله"، قِيلَ: ثُم ماذَا؟ قالَ: "ثُم حَجٌّ مَبْرُورٌ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] وَهُوَ حُجَّةٌ لِمَنْ فَضَّلَ نَفْلَ الحَجّ على نَفْلِ الصدَقَةِ). ٦/ ١٧٨٨ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ جاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ما الإِسلام؟ قالَ: "الإسلام أنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وأنَّ محَمَّدًا رَسُولُ الله، وأنْ تُقِيمَ الصَّلاة وَتُؤْتي الزَّكاةَ، وتَحُجَّ البَيْتَ وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الجَنابَةِ، وَتُتِمَّ الوُضُوء وَتَصُومَ رَمَضَانَ"، وَذَكرَ بَاقِي الحَدِيثِ، وَأنَّهُ قالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ أتاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينكُمْ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٥) وَقَالَ: هَذَا

стр. 4057

إسْنادٌ ثابِتٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ أبُو بَكْرٍ الجَوْزَقِي (١) فِي كِتابِهِ المُخْرَجِ على الصَّحِيحَينِ) (٢). [صحيح] ٧/ ١٧٨٩ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لَما بَيْنَهُما، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلا الجَنَّة". رَوَاهُ الجَماعَةُ إلا أبا دَاوُدَ) (٣). [صحيح] [قوله] (٤): (إيمان بالله .. ) إلخ، فيه دليل على أن الإِيمان بالله [وبرسوله] (٥) أفضل من الجهاد، والجهاد أفضل من الحج المبرور.

стр. 4058

وقد اختلفت الأحاديث المشتملة على بيان فاضل الأعمال من مفضولها، فتارة تجعل الأفضل الجهاد، وتارة الإِيمان، وتارة الصلاة، وتارة غير ذلك. وأحقّ ما قيل في الجمع بينهما: إن بيان الفضيلة يختلف باختلاف المخاطب، فإذا كان المخاطب ممن له تأثير في القتال وقوّة على مقارعة الأبطال قيل له: أفضل الأعمال الجهاد، وإذا كان كثير المال قيل له: أفضل الأعمال الصدقة، ثم كذلك يكون الاختلاف على حسب اختلاف المخاطبين. قوله: (مبرور) قال ابن خالويه: المبرور: المقبول. وقال غيره (١): الذي لا يخالطه شيء من الإِثم. ورجحه النووي (٢). وقيل غير ذلك. وقال القرطبي (٣): الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى، وهي أنه الحجّ الذي وفيت أحكامه وقع [موافقًا] (٤) لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل. ولأحمد (٥) والحاكم (٦) من حديث جابر: "قالوا: يا رسول الله ما بر الحجّ؟ قال: إطعام الطعام، وإفشاء السلام". قال في الفتح (٧): وفي إسناده ضعف، ولو ثبت كان هو المتعين دون غيره.

стр. 4059

قوله: (ما الإسلام) إلى قوله: "وتحج البيت"، قد تقدم الكلام على هذه الكلمات في أوائل كتاب الصلاة. قوله: (وتعتمر)، فيه متمسك لمن قال بوجوب العمرة، ولكنه لا يكون مجرد اقتران العمرة بهذه الأمور الواجبة دليلًا على الوجوب لما تقرر في الأصول من ضعف دلالة الاقتران (١)، لا سميما وقد عارضها ما سلف من الأدلة القاضية بعدم الوجوب.

стр. 4060

فإن قيل: إن وقوع العمرة في جواب من سأل عن الإِسلام يدلّ على الوجوب، فيقال: ليس كل أمر من الإِسلام واجبًا، والدليل على ذلك حديث شعب الإِسلام والإِيمان (١)، فإنه اشتمل على أمور ليست بواجبة بالإِجماع. قوله: (كفارة لما بينهما)، أشار ابن عبد البر (٢) إلى أن المراد تكفير الصغائر دون الكبائر. قال: وذهب بعض العلماء من عصرنا إلى أن المراد تعميم ذلك، ثم بالغ في الإِنكار عليه. وقد تقدم البحث عن مثل هذا في مواضع من هذا الشرح. وقد استشكل بعضهم كون العمرة كفارة مع أن اجتناب الكبائر يكفر الصغائر، [فماذا] (٣) تكفر العمرة؟. وأجيب بأن تكفير العمرة مقيد بزمنها، وتكفير الاجتناب للكبائر عام لجميع عمر العبد فتغايرا من هذه الحيثية.

стр. 4061

وقد جعل البخاري (١) هذا الحديث من جملة أدلة وجوب العمرة وفضلها وهو لا يصلح للاستدلال به على الوجوب. وقد قيل: إنه أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث المذكور وهو ما أخرجه الترمذي (٢) وغيره من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "تابعوا بين الحج والعمرة فإن متابعة بينهما تنفي الذنوب والفقر كما ينفي الكير خبث الحديد، وليس للحجة المبرورة جزاء إلا الجنة". فإن ظاهره التسوية بين أصل الحج والعمرة، ولكن الحقّ ما أسلفناه، لأن هذا استدلال بمجرد الاقتران وقد تقدم ما فيه، وأما الأمر بالمتابعة فهو مصروف عن معناه الحقيقي بما سلف. وفي الحديث دلالة على استحباب الاستكثار من الاعتمار خلافًا لقول من قال: يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرة كالمالكية (٣)، ولمن قال: يكره أكثر من مرة في الشهر من غيرهم.

стр. 4062

واستدل للمالكية بأن النبي ﷺ لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة، وأفعاله على الوجوب أو الندب. وتعقب بأن المندوب لا ينحصر في أفعاله ﷺ ، فقد كان يترك الشيء وهو يستحب فعله لدفع المشقة عن أمته، وقد ندب إلى العمرة بلحفظه، فثبت الاستحباب من غير تقييد. واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن متلبسًا بالحج إلا ما نقل عن الحنفية (١) أنها تُكره في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق. وعن الهادي (٢) أنه تكره في أيام التشريق فقط، وعن الهادوية (٣) أنها تكره في أشهر الحج لغير المتمتع والقارن إذ يشتغل بها عن الحجّ. ويجاب بأن النبيّ ﷺ اعتمر في عمره ثلاث عمر مفردة كلها في أشهر الحجّ. وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب جواز العمرة في جميع السنة (٤). [الباب الثاني] باب [وجوب] (٥) الحج على الفور ٨/ ١٧٩٠ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "تَعَجَّلُوا إلى الحَجّ"، يَعْنِي الفَرِيضَةَ، "فإنَّ أحَدَكُمْ لا يَدْرِي ما يَعْرِضُ لَهُ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٦). [حسن] ٩/ ١٧٩١ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ الفَضْلِ أوْ أحَدِهِما عَنِ الآخَرِ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أرَادَ الحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ فإنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ

стр. 4063

المَرِيض وَتَضِلُّ الرَّاحِلَةُ وَتَعْرِضُ الحَاجَةُ". رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَابْنُ مَاجَهْ (٢) [حسن] وَسَيَأتِي قَوْلُهُ ﵇ (٣): "مَنْ كُسِرَ أوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الحَجُّ مِنْ قابِلٍ"). ١٠/ ١٧٩٢ - (وَعَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ: لَقَدْ هَمَمْتُ أن أبْعَثَ رِجالًا إلى هَذِهِ الأمْصَارِ [فَيَنْظُرُون] (٤) كُلَّ مَنْ كانَ لَهُ جِدَةٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِمُ الجِزْيَةَ ما هُمْ بِمُسْلِمِينَ، ما هُمْ بِمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ في سُنَنِهِ) (٥). [مرسل صحيح منقطع] حديث ابن عباس الآخر في إسناده إسماعيل بن خليفة العبسي أبو إسرائيل، وهو صدوق ضعيف الحفظ (٦).

стр. 4064

وقال ابن عديّ (١): عامة ما يرويه يخالف فيه الثقات. وحديث: "من كسر أو عرج"، يأتي إن شاء الله في باب الفوات والإِحصار (٢). وأثر عمر أخرجه أيضًا البيهقي (٣). وفي الباب عن أبي أمامة مرفوعًا عند سعيد بن منصور (٤) في سننه وأحمد (٥) وأبي يعلى (٦) والبيهقي (٧) بلفظ: "مَنْ لم يحبِسه مرضٌ أو حاجةٌ ظاهرةٌ أو مشقة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحجّ فليمت إن شاء يهوديًا وإن شاء نصرانيًا". ولفظ أحمد (٨): "من كان ذا يسار فمات ولم يحجّ"، ثم ذكره كما سلف. وفي إسناده ليث بن أبي سليم (٩) وهو ضعيف، وشريك وهو سيئ الحفظ (١٠). وقد خالفه سفيان الثوري فأرسله، رواه أحمد (١١) عن ابن سابط عن النبيّ ﷺ ، وكذا رواه ابن أبي شيبة (١٢) مرسلًا.

стр. 4065

وله طريق أخرى عن عليّ مرفوعًا عند الترمذي (١) بلفظ: "من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًا أو نصرانيًا، وذلك لأن الله قال في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٢). قال الترمذي (٣): غريب وفي إسناده مقال والحارث يضعف، وهلال بن عبد الله (٤) الراوي له عن أبي إسحاق مجهول.

стр. 4066

وقال العقيلي (١): لا يتابع عليه، وقد روي عن عليّ موقوفًا ولم يرو مرفوعًا من طريق أحسن من هذا. وقال المنذري (٢): طريق أبي أمامة على ما فيها أصلح من هذه. وقد روي من طريق ثالثة عن أبي هريرة رفعه عند ابن عديّ (٣) بلفظ: "من مات ولم يحجّ حجة الإِسلام في غير وجع حابس أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر، فليمت أي الميتتين شاء، إما يهوديًا أو نصرانيًا". وهذه الطرق يقوّي بعضها بعضًا، وبذلك يتبين مجازفة ابن الجوزي في عدّه لهذا الحديث من الموضوعات (٤)، فإن مجموع تلك الطرق لا يقصر عن كون الحديث حسنًا لغيره (٥) وهو محتج به عند الجمهور.

стр. 4067

ولا يقدح في ذلك قول العقيلي (١) والدارقطني (١): لا يصح في الباب شيء لأن نفي الصحة لا يستلزم نفي الحسن، وقد شد من عضد هذا الحديث الموقوف الأحاديث المذكورة في الباب (٢). قال الحافظ (٣): وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل ابن سابط عُلم أن لهذا الحديث أصلًا، ومحمله على من استحل الترك، ويتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع. انتهى. وقد استدل المصنف بما ذكره في الباب على أن الحجّ واجب على الفور. ووجه الدلالة من حديث ابن عباس الأول (٤) والثاني (٥) ظاهرة ووجهها من حديث (٦): "من كسر أو عرج". قوله: (وعليه الحجّ من قابل)، ولو كان على التراخي لم يعين العامّ القابل، ووجهها من أثر عمر (٧) ومن الأحاديث التي ذكرناها ظاهر. وإلى القول بالفور ذهب مالك (٨) وأبو حنيفة (٩) وأحمد (١٠) وبعض أصحاب

стр. 4068

الشافعي (١)، ومن أهل البيت (٢) زيد بن عليّ والهادي والمؤيد بالله والناصر. وقال الشافعي (٣) والأوزاعي (٤) وأبو يوسف (٥) ومحمد (٦)، ومن أهل البيت (٧) القاسم بن إبراهيم وأبو طالب: إنه على التراخي. واحتجوا بأنه ﷺ حجّ سنة عشر وفرض الحجّ كان سنة ست أو خمس. وأجيب بأنه قد اختلف في الوقت الذي فرض فيه الحجّ. ومن جملة الأقوال أنه فرض في سنة عشر فلا تأخير، ولو سلم أنه فرض قبل العاشر فتراخيه ﷺ إنما كان لكراهة الاختلاط في الحج بأهل الشرك لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبيت عراة، فلما طهر الله البيت الحرام منهم حجّ ﷺ ، فتراخيه لعذر، ومحل النزاع التراخي مع عدمه (٨). [الباب الثالث] باب وجوب الحجّ على المعضوب (٩) إذا أمكَنَتْهُ الاستِنَابَةُ وعن الميِّتِ إذا كانَ قَدْ وجبَ عليه ١١/ ١٧٩٣ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن امْرأةً مِنْ خَثْعَمٍ قالَتْ: يا رَسُولَ الله إنَّ أبي أدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الله في الحَجّ شَيْخًا كَبِيرًا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْتَوِيَ على ظَهْر بَعِيرِهِ،

стр. 4069

قالَ: "فَحُجِّي عَنْهُ". رَوَاهُ الجمَاعَةُ (١). [صحيح] ١٢/ ١٧٩٤ - (وَعَنْ عَليّ: أن النَّبِيَّ ﷺ جاءَتْهُ امْرأةٌ شابَّةٌ مِنْ خَثْعَمٍ فَقَالَتْ: إنَّ أبي كَبِيرٌ، وَقَدْ أفْنَدَ وأدْرَكَتْهُ فَريضَةُ الله في الحَجّ وَلا يَسْتَطِيعُ أدَاءَها، فَيُجْزِي عَنْهُ أنْ أُؤَدّيَها عَنْهُ؟ فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نَعَمْ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَالتِّرْمِذِي (٣) وَصَحَّحَهُ). [حسن] ١٣/ ١٧٩٥ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمٍ إلى رَسُولِ الله ﷺ فقالَ: إنَّ أبي أدْرَكَهُ الإِسلام وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ رُكُوبَ الرَّحْلِ، وَالحَجُّ مَكْتُوب عَلَيْهِ أفأحُجُّ عَنْهُ؟ قالَ: "أنْتَ كْبَرُ وَلَدِهِ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قالَ: "أرأيْتَ لَوْ كانَ على أبِيكَ دَيْنٌ فَقَضَيْتَه عَنْهُ أكانَ يُجْزِي ذلكَ عَنْهُ؟ "، [قالَ] (٤): نَعَمْ، قالَ: "فاحْجُجْ عَنْهُ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَالنَّسائي (٦) بِمَعْنَاهُ). [صحيح لغيره]

стр. 4070

حديث عليّ أخرجه أيضًا البيهقي (١). وحديث ابن الزبير قال الحافظ (٢): إن إسناده صالح. قوله: [(إن أبي أدركته فريضة الله في الحج)] (٣). قد اختلف هل المسؤول عنه رجل أو امبرأة، كما وقع الاختلاف في الروايات في السائل، ففي بعض الروايات أنه امرأة، وفي بعضها أنه رجل، وقد بسط ذلك في الفتح (٤). قوله: (شيخًا) قال الطيبي (٥): هو حال، والمعنى أنه وجب عليه الحجّ بأن أسلم وهو بهذه الصفة. قوله: (قال: فحجي عنه)، في رواية للبخاري (٦): "قال: نعم". قوله: (وقد أفند) بهمزة مفتوحة ثم فاء ساكنة بعدها نون مفتوحة ثم دال مهملة. قال في القاموس (٧): الفَنَد بالتحريك: الخرف وإنكار العقل لهرم أو مرض والخطأ في القول والرأي، والكذب كالإفناد، ولا تقل عجوز مفندة لأنها لم تكن ذات رأي أبدًا، وفنده تفنيدًا: أكذَبَهُ وعجَّزَهُ [وخطَّأَ رأيه كأفندَهُ] (٨). انتهى. قوله: (أنت أكبر ولده) فيه دليل على أن المشروع أن يتولى الحجّ عن الأب العاجز أكبر أولاده. قوله: (أرأيت .. ) إلخ، فيه مشروعية القياس وضرب المثل ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه. وفيه تشبيه ما اختلف فيه، وأشكل بما اتفق عليه.

стр. 4071

وفيه أنه يستحب التنبيه على وجه الدليل لمصلحة. وأحاديث الباب تدل على أنه يجوز الحجّ من الولد عن والده إذا كان غير قادر على الحجّ. وقد ادّعى بعضهم أن هذه القصة مختصة بالخثعمية كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بجواز إرضاع الكبير، حكاه ابن عبد البر (١). وتعقب بأن الأصل عدم الخصوص، وأما ما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب "الواضحة" (٢) بإسنادين مرسلين في هذا الحديث فزاد: " [حجي] (٣) عنه" وليس لأحد بعده، فلا حجة في ذلك لضعف إسنادهما مع الإِرسال (٤). والظاهر عدم اختصاص جواز ذلك بالابن، وقد ادّعى جماعة من أهل العلم أنه خاصّ به. قال في الفتح (٥): ولا يخفى أنه جمود. وقال القرطبي (٦): رأى مالك أن ظاهر حديث الخثعمية مخالف للقرآن فيرجح ظاهر القرآن، ولا شك في ترجحه من جهة تواتره. انتهى. ولكنه يقال: هو عموم مخصوص بأحاديث الباب، ولا تعارض بين عامّ وخاصّ، وهذه الأحاديث تردّ على محمد بن الحسن حيث قال: إن الحج يقع عن المباشر، وللمحجوج عنه أجر النفقة. وقد اختلفوا فيما إذا عوفي المعضوب، فقال الجمهور (٧): لا يجزئه لأنه تبين أنه لم يكن مأيوسًا عنه.

стр. 4072

وقال أحمد (١) وإسحاق: لا تلزمه الإِعادة لئلا تفضي إلى إيجاب حجتين. وأجيب بأن العبرة بالانتهاء، وقد انكشف أن الحجة الأولى غير مجزئة (٢). ١٤/ ١٧٩٦ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أن امْرأةً مِنْ جُهَيْنَةَ جاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حتَّى ماتَتْ، أفأحُجُّ عَنْها؟ قالَ: "نَعَمْ حُجِّي عَنْها، أرأيْتِ لَوْ كانَ على أُمِّكِ دَيْنٌ كُنْتِ قاضِيَتَهُ؟ اقْضُوا الله، فالله أحَقُّ بِالوَفاءِ". رَوَاهُ البُخارِيُّ (٣) وَالنَّسائِيُّ (٤) بِمَعْنَاهُ. [صحيح] وفي رِوَايَةٍ لأحْمَدَ (٥) وَالبُخارِيّ (٦) بِنَحْوِ ذلكَ، وَفِيها قالَ: جاءَ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ أخْتِي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ. [صحيح] وَهُوَ يَدُلُّ على صحَّةِ الحَجّ عَنِ المَيِّتِ منَ الوَارِثِ وَغَيْرِهِ حَيْثُ لَمْ يَسْتَفْصِلْهُ أوَارِثٌ هُوَ أمْ لا، وَشَبَّهَهُ بالدَّيْنِ). ١٥/ ١٧٩٧ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: أتى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ أبي ماتَ وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإِسلام أفأحُجُّ عَنْهُ؟ قالَ: "أرأيْتَ لَوْ أن أباكَ تَرَكَ دَيْنًا عَلَيْهِ أقَضَيْتَهُ

стр. 4073

عَنْهُ؟ "، قالَ: نَعَمْ، قالَ: "فَاحْجُجْ عَنْ أبيكَ". رواه الدارقطني (١). [حسن] حديث ابن عباس الآخر أخرجه النسائي (٢) والشافعي (٣) وابن ماجه (٤). قوله: (إن أمي نذرت .. ) إلخ، قيل: إن هذا الحديث مضطرب لأنه قد روي أن هذه المرأة قالت: "إن أمي ماتت وعليها صوم شهر"، كما تقدم في الصيام (٥). وأجيب بأنه محمول على أن المرأة سألت عن كل من: الصوم والحجّ. ويؤيد ذلك ما عند مسلم (٦) عن بريدة أن امرأة قالت: "إن أمي"، وفيه: "يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال: "صومي عنها"، قالت: إنها لم تحج أفأحج عنها؟ قال: حج عنها". قوله: (قال: نعم)، فيه دليل على صحة النذر بالحج ممن لم يحجّ، فإذا

стр. 4074

حجّ أجزأ عن حجة الإِسلام عند الجمهور وعليه الحجّ عن النذر (١). وقيل: يجزئ عن النذر ثم يحج عن حجة الإِسلام. وقيل: يجزي عنهما. وفيه دليل أيضًا على إجزاء الحجّ عن الميت من الولد وكذلك من غيره. ويدلّ على ذلك قوله: "اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء". وروى سعيد بن منصور وغيره (٢) عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه: لا يحج أحد عن أحد، ونحوه عن مالك (٣) والليث. وعن مالك (٤): إن أوصى بذلك فليحجّ عنه وإلا فلا. قوله: (أكنت قاضيته)، فيه دليل على أن من مات وعليه حج وجب على وليه أن يجهز من يحجّ عنه من رأس ماله كما أن عليه قضاء ديونه. وقد أجمعوا على أن دين الآدمي من رأس المال (٥)، فكذلك ما شبه به في القضاء. ويلحق بالحجّ كل حقّ ثبت في ذمته من نذر أو كفارة أو زكاة أو غير ذلك. قوله: (فالله أحقّ بالوفاء)، فيه دليل على أن حق الله مقدم على حقّ الآدمي، وهو أحد أقوال الشافعي، وقيل بالعكس، وقيل [هما] (٦) سواء.

стр. 4075

قوله: (جاء رجل فقال: إن أخثي .. ) إلخ، لا منافاة بين هذه الرواية والأولى، لأنه يحتمل أن تكون القصة متعددة وأن تكون متحدة، ولكن النذر وقع من الأخت والأمّ، فسأل الأخ عن نذر أخته والبنت عن نذر الأمّ. وقد استدلّ المصنف بهذه الرواية على صحة الحج من غير الوارث لعدم استفصاله ﷺ للأخ هل هو وارث أو لا (١)؟ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما تقرر في الأصول (٢). واستدل بأحاديث الباب على أنه يصح ممن لم يحجّ أن يحجّ نيابة عن غيره لعدم استفصاله ﷺ لمن سأله عن ذلك، وبه قال الكوفيون، وخالفهم الجمهور (٣) فخصوه بمن حجّ عن نفسه، واستدلوا بحديث ابن عباس الآتي (٤) في باب من حجّ عن غيره ولم يكن حجّ عن نفسه، وسيأتي الكلام فيه. قوله: (إن أبي مات وعليه حجة الإسلام .. ) إلخ. فيه دليل على أنه يجوز للابن أن يحجّ عن أبيه حجة الإِسلام بعد موته وإن لم يقع منه وصية ولا نذر (٥). ويدلّ على الجواز من غير الولد حديث الذي سمعه النبيّ ﷺ يقول: لبيك عن شبرمة، وسيأتي (٤). [الباب الرابع] باب اعتبار الزاد والراحلة ١٦/ ١٧٩٨ - (عَنْ أنَسٍ: عن النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ

стр. 4076

إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١) قالَ: قِيلَ: يا رَسُولَ الله: ما السَّبِيلُ؟ قالَ: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٢). [ضعيف] ١٧/ ١٧٩٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ" يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٣). [ضعيف جدًّا] الحديث الأول أخرجه أيضًا الحاكم (٤) وقال: صحيح على شرطهما، والبيهقي (٥)، كلهم من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مرفوعًا. قال البيهقي (٥): الصواب عن قتادة عن الحسن مرسلًا.

стр. 4077

قال الحافظ (١): وسنده صحيح إلى الحسن، ولا أرى الموصول إلا وهمًا. وقد رواه الحاكم (٢) من حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس أيضًا، إلا أن الراوي عن حماد هو أبو قتادة عبد الله بن واقد الحراني، وهو منكر الحديث كما قال أبو حاتم (٣)، ولكنه قد وثقه أحمد. والحديث الثاني أخرجه أيضًا الدارقطنى (٤)، قال الحافظ (٥): وسنده ضعيف. ورواه ابن المنذر (٦) من قول ابن عباس. وفي الباب عن ابن عمر عند الشافعي (٧) والترمذي (٨) وحسّنه وابن ماجه (٩) والدارقطني (١٠). وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي (١١)، بخاء معجمة مضمومة ثم واو ثم زاي معجمة، وقد قال فيه أحمد والنسائي: متروك الحديث.

стр. 4078

وعن جابر (١) وعليّ بن أبي طالب (٢) وابن مسعود (٣) وعائشة (٤) وعبد الله بن

стр. 4079

عمرو (١) عند الدارقطني (٢) من طرق قال الحافظ (٣): كلها ضعيفة. وقد قال عبد الحق (٤): إن طرق الحديث كلها ضعيفة. وقال أبو بكر بن المنذر (٤): لا يثبت الحديث في ذلك مسندًا، والصحيح من الروايات رواية الحسن المرسلة. ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضًا فتصلح للاحتجاج بها، وبذلك استدلّ من قال: إن الاستطاعة المذكورة في القرآن هي الزاد والراحلة (٥).

стр. 4080

وقد حكي في البحر (١) عن الأكثر أن الزاد شرط وجوب، وهو أن يجد ما يكفيه ويكفي من يعول حتى يرجع. وحكي (٢) أيضًا عن ابن عباس وابن عمر والثوري والهادوية وأكثر الفقهاء أن الراحلة شرط وجوب. وقال ابن الزبير وعطاء وعكرمة ومالك: إن الاستطاعة: الصحة لا غير. وقال مالك (٣) والناصر والمرتضى، وهو مروي عن القاسم (٤): إن من قدر على المشي لزمه إن لم يجد راحلة لقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ [الحج: ٢٧]، قال مالك (٥): ومَن عادتَه السؤال لزمه وإن لم يجد الزاد. وفي كتب الفقه تفاصيل في قدر الاستطاعة ليس هذا محل بسطها، والذي دلّ عليه الدليل هو اعتبار الزاد والراحلة. [الباب الخامس] بابُ ركوبِ البحرِ للحجِّ إلا أَنْ يَغْلِبَ على ظَنِّهِ الهَلَاكُ بِهِ ١٨/ ١٨٠٠ - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَرْكَبِ البَحْرَ

стр. 4081

إلا حاجًّا أوْ مُعْتَمِرًا، أوْ غَازِيًا في سَبِيلِ الله فإنَّ تَحْتَ البَحْرِ نارًا، وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١) وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُور (٢) في سُنَنِهِمَا). [منكر] ١٩/ ١٨٠١ - (وَعَنْ أبِي عِمْرَانَ الجَوْنِيّ قالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ : وَغَزْوَنا نَحوَ فارِسَ، فَقالَ: قالَ رَسُولُ الله: "مَن بَاتَ فَوْقَ بَيْتٍ لَيْس لَهُ إجَّارٌ فَوَقَع فَمَاتَ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذّمَّةُ، وَمَنْ رَكِب البَحْرَ عِنْدَ ارْتجَاجِهِ فَمَاتَ بَرِئَتْ مِنْهُ الذّمَّةُ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٣). [إسناده ضعيف]

стр. 4082

الحديث الأول أخرجه أيضًا البيهقي (١). قال أبو داود (٢): رواته [أيضًا] (٣) مجهولون. وقال الخطابي (٤): ضعفوا إسناده. وقال البخاري (٥): ليس هذا الحديث بصحيح. ورواه البزار (٦) من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا، وفي إسناده ليث بن أبي سليم. والحديث الثاني في إسناده زهير بن عبد الله. قال الذهبي (٧): هو مجهول لا يعرف. وأخرج هذا الحديث أبو داود (٨) عن عبد الله بن عليّ، يعني شيبان قال: قال رسول الله ﷺ : "من بات على ظهر بيت ليس له حجار فقد برئت منه الذمة". وبوّب عليه أبو داود (٩) باب النوم على سطح غير محجر، وسكت عنه (١٠) هو والمنذري (١١). قوله: (ليس له إجار)، الإجار (١٢) بهمزة مكسورة بعدها جيم مشددة وآخره راء مهملة: هو ما يرد الساقط من البناء من حائط على السطح أو نحوه. ورواية أبي داود (٨): "ليس له حجار" كما تقدم. قال المنذري (١٣): هكذا وقع في روايتنا حجار براء مهملة بعد الألف،

стр. 4083

ويدلّ عليه تبويب أبي داود على هذا الحديث كما تقدم، فإنه قال: على سطح غير محجر. والحجار جمع حِجر بكسر الحاء: أي ليس عليه شيء يستره ويمنعه من السقوط. ويقال احتجرت الأرض: إذا ضربت عليها منارًا تمنعها به عن غيرك، أو يكون من الحجر وهي حظيرة الإِبل وحجرة الدار، وهو راجع إلى المنع أيضًا (١). ورواه الخطابي (٢) بالياء "حجي"، وذكر أنه يروى بكسر الحاء وفتحها، وقال غيره: فمن كسر شبهه بالحِجى الذي هو العقل؛ لأن الستر يمنع من الفساد. ومن فتحه، قال: الحِجى مقصور الطرف والناحية، وجمعه أحجاء. قال المنذري (٣): وقد روي أيضًا أحجاب بالباء. قوله: (عند ارتجاجه) الارتجاج: الاضطراب (٤). والحديث الأوّل يدلّ على عدم جواز ركوب البحر لكل أحد إلا للحاجّ والمعتمر والغازي. ويعارضه حديث أبي هريرة المتقدّم (٥) في أول هذا الكتاب، لأن النبي ﷺ لم ينكر على الصيادين لما قالوا له: "إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء". وروى الطبراني في الأوسط (٦) من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة قال: "كان أصحاب رسول الله ﷺ يتجرون في البحر"، وفي سماع الحسن من سمرة مقال معروف، وغاية ما في ذلك أن يكون ركوب البحر للصيد والتجارة مما

стр. 4084

خصص به عموم مفهوم حديث الباب على فرض صلاحيته للاحتجاج. والحديث الثاني يدلّ عل عدم جواز المبيت على السطوح التي ليس لها حائط، وعلى عدم جواز ركوب البحر في أوقات اضطرابه. [الباب السادس] باب النهي عن سفر المرأة للحج وغيره إِلا بمحرم ٢٠/ ١٨٠٢ - (عَنِ ابْن عَبَّاس أنَّهُ سمِعَ النَّبِيَّ يَخْطُبُ يَقُولُ: "لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرأةٍ إلَّا وَمَعَها ذُو مَحْرَمٍ، وَلا تُسَافِرِ المَرْأةُ إلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ"، فَقَامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ الله إنَّ امْرَأتي خَرَجَتْ حاجَّةً وإني اكْتُتِبْتُ في غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، قالَ: "فَانْطَلِقْ فَحُجَّ مَعَ امْرأتِكَ" (١). [صحيح] ٢١/ ١٨٠٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تُسافِرِ المَرأةُ ثَلاثةً إلَّا وَمَعَها ذُو مَحْرَمٍ (٢) ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِم). [صحيح] ٢٢/ ١٨٠٤ - (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أنْ تُسَافِرَ المَرأةُ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ أوْ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَمَعَها زَوْجُها أوْ ذُو مَحْرَمٍ. مُتَّفَق عَلَيْهِ (٣). [صحيح] وفي لَفْظٍ قالَ: "لا يَحِلُّ لاِمْرأةٍ تُؤْمِنُ بالله وَاليَوْمِ الآخِرِ أنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلاثةَ أيَّامٍ فَصَاعِدًا إلَّا وَمَعَها أبُوها أوْ زَوْجُها أوِ ابْنُها أوْ أخُوها أوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا". رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخارِيَّ وَالنَّسائيَّ) (٤). [صحيح] ٢٣/ ١٨٠٥ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "لا يَحِلُّ لامْرأةٍ تسافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْها". مُتَّفَق عَلَيْهِ (٥). [صحيح]

стр. 4085

وفي رِوَايَةٍ (١): "مَسِيرَةَ يَوْمٍ". وفِي رِوَايَةٍ (٢): "مَسِيرَةَ لَيْلَةٍ". وفي رِوَايَةٍ (٣): "لا تُسافِرِ امْرأةٌ مَسِيرَةَ ثَلاثةِ أيَّامٍ إلَّا مَعَ ذِي مَحْرمٍ"، رَوَاهُنَّ أحْمَدُ وَمُسْلِمٌ. [صحيح] وَفي رِوَايَةٍ لأبي دَاوُدَ (٤): "بَرِيدًا"). [شاذ] قوله: (لا يخلون رجل بامرأة .. ) إلخ، فيه منع الخلو بالأجنبية وهو إجماع كما قال في الفتح (٥)، وتجوز الخلوة مع وجود المحرم. واختلفوا هل يقوم غير المَحْرم مقامه في هذا كالنسوة الثقات؟ فقيل: يجوز لضعف التهمة. وقيل: لا يجوز بل لا بدّ من المحرم، وهو ظاهر الحديث. قوله: (ولا تسافر المرأة) أطلق السفر ههنا وقيده في الأحاديث المذكورة بعده. قال في الفتح (٦): وقد عمل أكثر العلماء في هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقديرات. [قال] (٧) النووي (٨): ليس المراد من التحديد ظاهره، بل كل ما يسمى سفرًا، فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم، وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه.

стр. 4086

وقال ابن التين (١): وقع الاختلاف في مواطن بحسب السائلين. وقال المنذري (٢): يحتمل أن يقال إن اليوم المفرد والليلة المفردة بمعنى اليوم والليلة، يعني فمن أطلق يومًا أراد بليلته أو ليلة أراد بيومها. قال: ويحتمل أن يكون هذا كله تمثيلًا لأوائل الأعداد، فاليوم أول العدد، والاثنان أول التكثير، والثلاث أول الجمع. ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها، فيؤخذ بأقل ما ورد من ذلك، وأقله الرواية التي فيها ذكر البريد كما في رواية أبي هريرة (٣) المذكورة في الباب، وقد أخرجها الحاكم (٤) والبيهقي (٥). وقد ورد في حديث ابن عباس عند الطبراني (٦) ما يدلّ على اعتبار المحرم فيما دون البريد، ولفظه: "لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج أو ذي محرم". وهذا هو الظاهر: أعني الأخذ بأقل ما ورد لأن ما فوقه منهي عنه بالأولى، والتنصيص على ما فوقه كالتنصيص على الثلاث واليوم والليلة واليومين والليلتين لا ينافيه لأن الأقل موجود في ضمن الأكثر، وغاية الأمر أن النهي عن الأكثر يدل بمفهومه على أن ما دونه غير منهيّ عنه، والنهي عن الأقل منطوق وهو أرجح من المفهوم. وقالت الحنفية (٧): إن المنع مقيد بالثلاث لأنه متحقق، وما عداه مشكوك فيه فيؤخذ بالمتيقن. ونوقض بأن الرواية المطلقة شاملة لكل سفر فينبغي الأخذ بها وطرح ما

стр. 4087

سواها فإنه مشكوك فيه، والأولى أن يقال: إن الرواية المطلقة مقيدة بأقل ما ورد وهي رواية الثلاثة الأميال إن صحت، وإلا فرواية البريد. وقال سفيان: يعتبر المحرم في المسافة البعيدة لا القريبة. وقال أحمد (١): لا يجب الحجّ على المرأة إذا لم تجد محرمًا. وإلى كون المحرم شرطًا في الحج ذهبت العترة وأبو حنيفة (٢) والنخعي (٣) وإسحاق (٣) والشافعي في أحد قوليه على خلاف بينهم هل هو شرط أداء أو شرط وجوب؟ وقال مالك (٤) وهو مروي عن أحمد (٥): إنه لا يعتبر المحرم في سفر الفريضة. وروي عن الشافعي (٦) وجعلوه مخصوصًا من عموم الأحاديث بالإِجماع. ومن جملة سفر الفريضة سفر الحجّ. وأجيب بأن المجمع عليه إنما هو سفر الضرورة فلا يقاس عليه سفر الاختيار، كذا قال صاحب المغني (٧).

стр. 4088

وأيضًا قد وقع عند الدارقطني (١) بلفظ: "لا تحجَّن امرأة إلا ومعها زوج"، وصححه أبو عوانة (٢). وفي رواية للدارقطني (٣) أيضًا عن أبي أمامة مرفوعًا: "لا تسافر المرأة سفر ثلاثة أيام أو تحج إلا ومعها زوجها"، فكيف يخص سفر الحجّ من بقية الأسفار. وقد قيل: إن اعتبار المحرم إنما هو في حقّ من كانت شابة لا في حقّ العجوز لأنها لا تشتهى. وقيل: لا فرق لأن لكل ساقط لاقطًا، وهو مراعاة للأمر النادر. وقد احتج أيضًا من لم يعتبر المحرم في سفر الحج بما في البخاري (٤) من حديث عديّ بن حاتم مرفوعًا بلفظ: "يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا جوار معها". وتُعقّب بأنه يدلّ على وجود ذلك لا على جوازه. وأجيب عن هذا التعقب بأنه خبر في سياق المدح ورفع منار الإِسلام فيحمل على الجواز، والأولى حمله على ما قال المتعقب جمعًا بينه وبين أحاديث الباب.

стр. 4089

قوله: (إلا مع ذي محرم) يعني فيحل لها السفر. قال في الفتح (١): وضابط المحرم عند العلماء من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها، فخرج بالتأبيد [أخت الزوجة] (٢) والعمَّةِ، وبالمباح أم الموطوءة بشبهة وبنتها وبحرمتها الملاعنة. واستثنى أحمد (٣) الأب الكافر فقال: لا يكون محرمًا لبنته المسلمة لأنه لا يؤمن أن يفتنها عن دينها، ومقتضاه إلحاق سائر القرابة الكفار بالأب لوجود العلة. وروى عن البعض أن العبد كالمحرم وقد روى سعيد بن منصور (٤) من حديث ابن عمر مرفوعًا: "سفر المرأة مع عبدها ضيعة". قال الحافظ (٥): لكن في إسناده ضعف. قال: وينبغي لمن قال بذلك أن يقيده بما إذا كانا في قافلة بخلاف ما إذا كانا وحدهما فلا لهذا الحديث. قوله: (فحجّ مع امرأتك)، فيه دليل على أن الزوج داخل في مسمى المحرم أو قائم مقامه. قال في الفتح (٦): وقد أخذ بظاهر الحديث بعض أهل العلم، فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره.
следующие страницы →