← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4120–4159 · переход к 4125.

стр. 4120

وَابْنِ الزُّبَيْرِ) (١). [أثر ضعيف] ١٢/ ١٨٢٢ - (وَرُوِيَ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: بَعَثَني أبُو بَكْرٍ فيمَنْ يُؤَذّنُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمنى: لا يَحُجُّ بَعْدَ العامِ مُشْرِكٌ، وَلا يَطُوفُ بالْبَيْتِ عُرْيانٌ، ويَوْمُ الحَجّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْرِ. رَواهُ البُخارِيُّ (٢). [صحيح] ١٣/ ١٨٢٣ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ "أن النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَرَاتِ في الحَجَّةِ الَّتي حَجَّ فَقالَ: "أي يَوْمٍ هَذَا؟ "، فَقَالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ، قالَ: "هَذَا يَوْمُ الحَجّ الأكْبَرِ". رَوَاهُ البُخارِيُّ (٣) وَأبُو دَاوُدَ (٤) وَابْنُ ماجَهْ) (٥). [صحيح] قوله: (عن ابن عباس) علقه البخاري (٦) ووصله ابن خزيمة (٧) والحاكم (٨) والدارقطني (٩) من طريق الحكم عن مقسم عنه بلفظ: "لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحجّ أن يحرم بالحجّ في أشهره". ورواه ابن خزيمة (٧) من وجه آخر عنه بلفظ: "لا يصلح أن يحرم بالحجّ أحد إلا في أشهر الحجّ. قوله: (وعن ابن عمر) علقه البخاري (١٠) ووصله الطبري (١١) والدارقطني (١٢) من طريق ورقاء عن عبد الله بن دينار عنه.

стр. 4121

قوله: (ويوم الحج الأكبر يوم النحر)، إنما سمي بذلك لأن تمام أعمال الحج يكون فيه، أو [إشارة] (١) بالأكبر إلى الأصغر، أعني العمرة. وقد استدل المصنف بهذه الآثار على كراهة الإِحرام بالحج قبل أشهر الحج (٢). وقد روي مثل ذلك عن عثمان (٣).

стр. 4122

وقال ابن عمر (١) وابن عباس (٢) وجابر (٣) وغيرهم من الصحابة والتابعين: أنه لا يصح الإِحرام بالحجّ إلا فيها وهو قول الشافعي (٤). وقد تقرر في الأصول (٥) أن قول الصحابي ليس بحجة وليس في الباب إلا أقوال صحابة إلا أن يصحّ ما ذكرنا عن ابن عبّاس من قوله: "فإن من سنة الحج .. " إلخ، فإن هذه الصيغة لها حكم الرفع، وقد قدمنا في آخر باب المواقيت ما يدلّ على استحباب الإِحرام من دويرة الأهل. وظاهره عدم الفرق بين من يفارق دويرة أهله قبل دخول أشهر الحج أو بعد دخولها، إلا أنه يقوّي المنع من الإِحرام قبل أشهر الحج أن الله سبحانه ضرب لأعمال الحج أشهرًا معلومة. والإِحرام عمل من أعمال الحجّ، فمن ادّعى أنه يصحّ قبلها فعليه الدليل. وقد أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحجّ ثلاثة أولها شوّال، لكن اختلفوا هل هي بكمالها أو شهران وبعض الثالث؟ فذهب إلى الأول مالك (٦) وهو قول للشافعي (٧)، وذهب غيرهما من العلماء إلى الثاني (٨). ثم اختلفوا فقال ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وآخرون: عشر ليال من ذي الحجة، وهل يدخل يوم النحر أو لا؟ فقال أحمد (٨) وأبو حنيفة (٩): نعم. وقال الشافعي (١٠) في [المشهور] (١١) المصحح عنه: لا. وقال

стр. 4123

بعض أتباعه (١): تسع من ذي الحجة ولا يصح في يوم النحر ولا في ليلته وهو شاذّ. ويردّ على من أخرج يوم النحر من أشهر الحج قوله ﷺ في يوم النحر: "هذا يوم الحجّ الأكبر" كما في حديث ابن عمر (٢) المذكور في الباب (٣). [الباب الرابع] باب جواز العمرة في جميع السنة ١٤/ ١٨٢٤ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً". رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ (٤) لَكِنَّهُ لَهُ مِنْ حَدِيثِ أُمّ مَعْقِلٍ (٥). [صحيح] ١٥/ ١٨٢٥ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أن النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ أرْبَعًا إحْدَاهُنَّ في رَجَبَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ (٦). [صحيح] ١٦/ ١٨٢٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ: "أن النَّبِيَّ ﷺ اعْتَمَرَ عُمْرَتَيْنِ: عُمْرَةً في ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةً في شَوَّالٍ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٧). [صحيح]

стр. 4124

١٧/ ١٨٢٧ - (وَعَنْ عليّ ﵁ قالَ: في كُلّ شَهْرٍ عُمْرَةٌ. رَوَاهُ الشَّافِعِي (١). [موقوف وسنده ضعيف] حديث أمّ معقل أخرجه أيضًا النسائي (٢) من طريق مَعْمر، عن الزُّهريِّ، عن أبي بكرِ بن عبد الرحمن عن امرأةٍ من بني أسد يقال لها: أمُّ معقِل قالت: "أردتُ الحجَّ فاعتلّ بعيري، فسألتُ رسولَ الله ﷺ فقال: اعتمِري في شهر رمضانَ، فإن عمرة في رمضان تعدِلُ حجَّةً". وقد اختلف في إسناده، فرواه مالك (٣) عن سُمَيٍّ عن أبي بكرِ بن عبد الرحمن؛ قال: "جاءتِ امرأةٌ" فذكره مرسلًا. ورواه النسائي (٤) أيضًا من طريق عُمارة بن عمير وغيره عن أبي بكرِ بن عبد الرحمن عن أبي مَعْقِل. ورواه أبو داود (٥) من طريق إبراهيم بن مهاجر عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن رسول مروان عن أمّ معقل. ويجمع بين الروايتين بتعدد الواقعة. وأما حديث ابن عباس فقد قدمنا في باب المواقيت ما يخالفه. وحديث عائشة سكت عنه أبو داود (٦)، ورجال إسناده رجال الصحيح. وحديث عليّ أخرجه البيهقي (٧) من طريق الشافعي بإسناد صحيح.

стр. 4125

قوله: (تعدل حجة)، فيه دليل على أن العمرة في رمضان تعدل حجة في الثواب (١) لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض للإِجماع، على أن الاعتمار لا يجزئ عن حج الفرض. ونقل الترمذي (٢) عن إسحاق بن راهويه أن معنى هذا الحديث نظير ما جاء: "أن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن". وقال ابن العربي (٣): حديث العمرة هذا صحيح وهو فضل من الله ونعمة، فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها. وقال ابن الجوزي (٤): فيه أن [ثواب] (٥) العمل يزيد بزيادة شرف الوقت كما يزيد بحضور القلب وخلوص المقصد. قوله: (اعتمر أربعًا) قد تقدم الكلام في عدد عمره ﷺ والاختلاف في ذلك، وقد وقع خلاف، هل الأفضل العمرة في رمضان لهذا الحديث أو في أشهر الحج؟ لأن النبي ﷺ لم يعتمر إلا فيها، فقيل: إن العمرة في رمضان لغير النبي ﷺ أفضل، وأما في حقه فما صنعه فهو أفضل لأنه فعله للردّ على أهل الجاهلية الذين كانوا يمنعون من الاعتمار في [أشهر الحج] (٦). وأحاديث الباب وما ورد في معناها مما تقدم تدلّ على مشروعية العمرة في أشهر الحجّ. وإليه ذهب الجمهور وذهبت الهادوية (٧) إلى أن العمرة في أشهر الحج مكروهة، وعللوا ذلك بأنها [تشغل] (٨) عن الحجّ في وقته. وهذا من الغرائب التي يتعجب الناظر منها، فإن الشارع ﷺ إنما جعل عمره كلها في أشهر الحجّ (٩) لإِبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع الاعتمار فيها كما

стр. 4126

عرفت، فما الذي سوّغ مخالفة هذه الأدلة الصحيحة والبراهين الصريحة، وألجأ إلى مخالفة الشارع وموافقة ما كانت عليه الجاهلية ومجرد كونها تشغل عن أعمال الحجّ لا يصلح مانعًا ولا يحسن نصبه في مقابلة الأدلة الصحيحة، وكيف يجعل مانعًا وقد اشتغل بها المصطفى في أيام الحجّ وأمر غيره بالاشتغال بها فيها، ثم أيّ شغل لمن لم يرد الحجّ أو أراده وقدم مكة من أوّل شوّال، لا جرم من لم يشتغل بعلم السنّة المطهرة حقّ الاشتغال يقع في مثل هذه المضايق التي هي السّم القتَّال [والداء] (١) العُضال. وحكي في البحر (٢) عن الهادي أنها تكره في أيام التشريق. قال أبو يوسف: ويوم النحر، قال أبو حنيفة (٣): ويوم عرفة. [الباب الخامس] باب ما يصنع من أراد الإِحرام من الغسل والتطيب ونزع المخيط وغيره ١٨/ ١٨٢٨ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَ الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ : "إنَّ النُّفَسَاءِ وَالحائِضَ تَغْتَسِلُ وَتَحْرِمُ وَتَقْضِي المَناسِكَ كُلَّها غَيْرَ أنْ لا تَطُوفَ بالبَيْتِ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٤) وَالتِّرْمِذِيُّ (٥). [صحيح] ١٩/ ١٨٢٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: كُنْتُ أُطَيّبُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ إحْرامِهِ بأطْيَبِ ما أجِدُ (٦). [صحيح] وفي رِوَايَةِ (٧): كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا أرَادَ أنْ يُحْرِمَ تَطَيَّبَ بأطْيِبِ ما يَجِدُ ثُمَّ أرى وَبِيص الدُّهْنِ في رَأسِهِ وَلحْيَتِهِ بَعْدَ ذَلكَ. أخْرَجاهُمَا). [صحيح]

стр. 4127

حديث ابن عباس في إسناده خصيف بن عبد الرحمن الحراني، كنيته: أبو عون. قال المنذري (١): وقد ضعفه غير واحد. وقال في التقريب (٢): صدوقٌ سيئٌ الحِفظ خَلَطَ بأَخَرة ورُمِيَ بالإِرجاء. وقد استدلّ المصنف بهذا الحديث على أنه يشرع للمحرم الاغتسال عند ابتداء الإِحرام وهو محتمل لإِمكان أن يكون الغسل لأجل قذر الحيض. ولكن في الباب أحاديث تدلّ على مشروعية الغسل للإِحرام، وقد تقدمت في [أبواب] (٣) الغسل (٤) فليرجع إليها. قوله: (عند إحرامه) أي في وقت إحرامه. وللنسائي (٥): حين أراد أن يحرم. وفي البخاري (٦): لإِحرامه ولحله. قوله: (وبيص) بالموحدة المكسورة وبعدها تحتية ساكنة وآخره صاد مهملة وهو البريق. وقال الإِسماعيلي (٧): إن الوبيص: زيادة على البريق، وأن المراد به التلألؤ، وأنه يدلّ على وجود عين قائمة لا الريح [فقط] (٨). واستدلّ بالحديث على استحباب التطيب عند إرادة الإِحرام ولو بقيت رائحته عند الإِحرام، وعلى أنه لا يضر بقاء رائحته ولونه، وإنما المحرّم ابتداؤه بعد الإِحرام. قال في الفتح (٩): وهو قول الجمهور.

стр. 4128

وذهب ابن عمر (١) ومالك (٢)، ومحمد بن الحسن (٣) والزهري (٤) وبعض أصحاب الشافعي (٥)، ومن أهل البيت الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله وأبو طالب (٦) إلى أنه لا يجوز التطيب عند الإِحرام. واختلفوا هل هو محرم أو مكروه؟ وهل تلزمه الفدية أو لا؟. واستدلوا على عدم الجواز بأدلة منها ما وقع عند البخاري (٧) وغيره (٨) بلفظ: "ثم طاف على نسائه ثم أصبح محرمًا". والطواف: الجماع ومن لازمه الغسل بعده، فهذا يدل على أنه ﷺ اغتسل بعد أن تطيب. وأجيب عن هذا بما في البخاري (٩) أيضًا بلفظ: "ثم أصبح محرمًا ينضح طيبًا". وهو ظاهر في أن نضح الطيب وظهور رائحته كان في حال إحرامه. ودعوى بعضهم أن فيه تقديمًا وتأخيرًا، والتقدير: طاف على نسائه ينضح

стр. 4129

طيبًا ثم أصبح محرمًا خلاف الظاهر، ويرده قول عائشة (١) المذكور: "ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته بعد ذلك". [وفي رواية لها (١): "ثم أراه في رأسه ولحيته بعد ذلك". وفي رواية للنسائي (٢) وابن حبان (٣): "رأيت الطيب في مفرقه بعد ثلاث وهو محرم" (٤)]، [وفي رواية متفق (٥) عليها: "كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ بعد أيام" (٦)]، ولمسلم (٧): "وبيص المسك". وسيأتي ذلك في باب منع المحرم من ابتداء الطيب (٨). ومن أدلتهم نهيه ﷺ عن الثوب الذي مسه الورس والزعفران كما سيأتي في أبواب ما يتجنبه المحرم (٩). وأجيب بأن تحريم الطيب على من قد صار محرمًا مجمع عليه، والنزاع إنما هو في التطيب عند إرادة الإِحرام واستمرار أثره لا ابتدائه. ومنها أمره ﷺ للأعرابي بنزع المقطعة وغسلها عن الخلوق وهو متفق عليه (١٠). ويجاب عنه بمثل الجواب عن الذي قبله، ولا يخفى أن غاية هذين الحديثين تحريم لبس ما مسه الطيب.

стр. 4130

ومحل النزاع تطييب البدن، ولكنه سيأتي في باب (١) ما يصنع من أحرم في قميص أمره ﷺ لمن سأله بأنه يغسل الخلوق عن بدنه وسيأتي الجواب عنه. وقد أجاب عن حديث الباب المهلب، وأبو الحسن بن القصار، وأبو الفرج من المالكية، بأن ذلك من خصائصه (٢). ويردّه ما أخرجه أبو داود (٣) وابن أبي شيبة (٤) عن عائشة قالت: "كنا ننضح وجوهنا بالمسك الطيب قبل أن نحرم ثم نحرم فنعرق وشميل على وجوهنا ونحن مع رسول الله ﷺ فلا ينهانا". وهو صريح في بقاء عين الطيب وفي عدم اختصاصه بالنبيّ ﷺ . وسيأتي الحديث في باب منع المحرم من ابتداء الطيب (٥). قال في الفتح (٦): ولا يقال: إن ذلك خاصّ بالنساء لأنهم أجمعوا على أن النساء والرجال سواء في تحريم استعمال الطيب إذا كانوا محرمين. وقال بعضهم: كان ذلك طيبًا لا رائحة له لما وقع في رواية عن عائشة: "بطيب لا يشبه طيبكم"، قال بعض رواته: يعني لا بقاء له، أخرجه النسائي (٧). ويرده ما تقدم في الذي قبله، وأيضًا المراد بقولها: "لا يشبه طيبكم"، أي أطيب منه كما يدلّ على ذلك ما عند مسلم (٨) عنها بلفظ: "بطيب فيه مسك". وفي أخرى عنها له (٩): "كأني أنظر إلى وبيص المسك". وأوضح من ذلك قولها في حديث الباب (١٠): "بأطيب ما نجد".

стр. 4131

ولهم جوابات أخر غير ناهضة فتركها أولى. والحق أن المُحَرَّمَ من الطيب على المُحْرِمِ هو ما تطيب به ابتداء بعد إحرامه لا ما فعله عند إرادة الإِحرام وبقي أثره لونًا وريحًا (١). ولا يصح أن يقال: لا يجوز استدامة الطيب قياسًا على عدم جواز استدامة اللباس، لأن استدامة اللبس ليس بخلاف استدامة الطيب، فليست بطيب سلمنا استواءهما، فهذا قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار. ٢٠/ ١٨٣٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ في حَدِيثٍ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "وَليُحْرِم أحَدُكُمْ في إزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ، فإنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُما أسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٢). [صحيح] هذا الحديث ذكره صاحب المهذب (٣) عن ابن عمر. قال الحافظ (٤): كأنه أخذه من كلام ابن المنذر فإنه ذكره كذلك بغير إسناد، وقد بيض له المنذري والنووي في الكلام على المهذب (٥). ووهم من عزاه إلى الترمذي، وقد عزاه المصنف إلى أحمد (٢). قال في مجمع الزوائد (٦): أخرجه الطبراني في الأوسط (٧) وإسناده حسن. وهو ببعض ألفاظه للجماعة كلهم كما سيأتي في باب: ما يتجنبه المحرم من اللباس (٨).

стр. 4132

وهو أيضًا متفق على بعض ما فيه من حديث ابن عباس (١). وفيه دليل على أنه يجوز للمحرم لبس الإِزار والرداء والنعلين. وفي البخاري (٢) من حديث ابن عباس قال: "انطلق النبي ﷺ من المدينة بعدما ترجّل وادّهن ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه فلم ينه عن شيء، من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرات التي تردع على الجلد". قوله: (وليقطعهما أسفل من الكعبين)، الكعبان: [هما] (٣) العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، وهذا هو المعروف عند أهل اللغة (٤). واستدل به على اشتراط القطع خلافًا للمشهور عن أحمد (٥) فإنه أجاز لبس الخفين من غير قطع. واستدلّ على ذلك بحديث ابن عباس الآتي (٦) في باب ما يتجنبه المحرم من اللباس بلفظ: "ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين". ويجاب عنه بأن حمل المطلق على المقيد لازم وهو من جملة القائلين به. وأجاب الحنابلة بجوابات أخر، لعله يأتي ذكر بعضها عند ذكر حديث ابن عباس. ٢١/ ١٨٣١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: "بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ على رَسُولِ الله ﷺ فيها ما أهَلَّ رَسُولُ الله ﷺ إلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجدِ، يَعْنِي مَسْجدَ ذِي الحُلَيْفَةِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٧). [صحيح] وفي لَفْظٍ: ما أهَلَّ إلَّا مِنْ عنْدِ الشَّجَرَةِ حَينَ قامَ بِه بَعيرُهُ. أخْرَجاهُ (٨). [صحيح]

стр. 4133

وَللبُخارِيّ (١): "أن ابْنَ عُمَرَ كانَ إذَا أرَادَ الخُرُوجَ إلى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْس لَهُ رَائحَةٌ طَيْبَةٌ، ثُمَّ يأتي مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْكَبُ، فإذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قائمَةً أحْرَمَ، ثُمَّ قالَ: هَكَذَا رأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يفْعَلُ). [صحيح] ٢٢/ ١٨٣٢ - (وَعَنْ أنَسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا عَلا على جَبَلِ البَيْدَاءِ أهَلَّ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٢). [صحيح] ٢٣/ ١٨٣٣ - (وَعَنْ جابِرٍ أن إهْلالَ رَسُولِ الله ﷺ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. رَوَاهُ البُخارِيُّ (٣). [صحيح] وَقالَ: رَوَاهُ أنَسٌ (٤). [صحيح] وَابْنُ عَبَّاسٍ) (٥). [صحيح] ٢٤/ ١٨٣٤ - (وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: عَجَبًا لاخْتِلَافِ أصْحابِ رَسُولِ الله ﷺ في إهْلالِهِ، فَقالَ: إني لأعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ، إنَّمَا كانَتْ مِنْهُ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَمِنْ هُنالِكَ اخْتَلَفُوا، خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ حاجًّا، فَلَمَّا صَلَّى في مَسْجِدِهِ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْهِ أوْجَبَ في مَجْلِسِهِ، فأهَلَّ بالحَجّ حِينَ فَرَغَ مِنْ رَكْعَتَيْهِ، فَسَمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ أقْوَامٌ فَحَفِظُوا عَنْهُ، ثُمَّ رَكِبَ، فَلَمَّا اسْتَقَلَّتْ بِهِ نَاقَتُهُ أهَلَّ فأدْرَكَ ذَلكَ مِنْهُ أقْوَامٌ فَحَفِظوا عَنْهُ، وَذلكَ أن النَّاسَ إنَّما كانُوا يأتُون أرْسالًا فَسَمِعُوا حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ ناقَتُهُ يُهِلُّ، فَقالُوا: إنَّمَا أهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ ناقَتُهُ، ثُمَّ مَضَى؛ فَلَمَّا عَلا على شَرَفِ البَيْدَاءِ أهَلَّ، فأدْرَكَ ذَاكَ أقْوَامُ، فَقالُوا:

стр. 4134

إِنَّمَا أهَل رَسُولُ الله ﷺ حِينَ عَلا على شَرَفِ البَيْدَاءِ، وَأَيْمُ الله لَقَدْ أوْجَبَ فِي مُصَلَّاهُ وَأهَلَّ حِينَ اسْتَقَلَّتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ وَأهَلَّ حِينَ عَلا شَرَفَ البَيْداءِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَأبُو دَاوُدَ (٢)، وَلبَقِيَّةِ الخَمْسَةِ (٣) مِنْهُ مُخْتَصَرًا: أن النَّبيَّ ﷺ أهَلَّ في دُبُرِ الصَّلاةِ). [ضعيف] حديث أنس (٤) [المذكور] (٥) الذي عزاه المصنف إلى أبي داود أخرجه أيضًا النسائي (٦). وسكت عنه أبو داود (٧) والمنذري (٨). ورجال إسناده رجال الصحيح إلا أشعث بن عبد الملك الحمراني (٩) وهو ثقة. وحديث ابن عباس الذي رواه عنه سعيد بن جبير في إسناده خصيف بن عبد الرحمن الحراني (١٠) وهو ضعيف، ومحمد بن إسحاق ولكنه صرح بالتحديث. وقد أخرجه الحاكم (١١) من هذا الوجه، وأخرجه الحاكم (١٢) من وجه آخر عن عطاء عن ابن عباس.

стр. 4135

وأخرج (١) أيضًا ما أخرجه الخمسة (٢) من حديثه مختصرًا. قوله: (بيداؤكم)، البيداء هذه فوق علمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي، قاله أبو عبيد البكري وغيره. وكان ابن عمر إذا قيل له الإِحرام من البيداء أنكر ذلك وقال: البيداء التي تكذبون فيه على رسول الله ﷺ ، يعني بقولكم إنه أهل منها، وإنما أهلّ من مسجد ذي الحليفة. وهو يشير إلى قول ابن عباس عند البخاري (٣) أنه ﷺ ركب راحلته حتى استوت على البيداء أهلّ. وإلى حديث أنس (٤) المذكور في الباب والتكذيب المذكور المراد به الإِخبار عن الشيء على خلاف الواقع وإن لم يقع على وجه العمد. قوله: (ادهن بدهن ليس له رائحة طيبة)، فيه جواز الادّهان بالأدهان التي ليست لها رائحة طيبة. وقد ثبت من حديث ابن عباس عند البخاري (٥): "أن النبي ﷺ ادهن ولم ينه عن الدهن". قال ابن المنذر (٦): أجمع العلماء على أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والشيرج، وأن يستعمل ذلك في جميع بدنه ورأسه ولحيته. وأجمعوا على أن الطيب (٧) لا يجوز استعماله في بدنه، وفرقوا بين الطيب

стр. 4136

والزيت في هذا، فقياس كون المحرم ممنوعًا من استعماله الطيب في رأسه أن يباح له استعمال الزيت في رأسه، وقد تقدم الكلام في الطيب. قوله: (على حبل البيداء) بالحاء المهملة: هو الرمل المستطيل (١)، وهو المراد بقوله في الرواية الأخرى (٢): "على شرف البيداء". والشرف: المكان العالي. قوله: (فمن هناك اختلفوا .. ) إلخ، هذا الحديث يزول به الإِشكال. ويجمع بين الروايات المختلفة بما فيه، فيكون شروعه ﷺ في الإِهلال بعد الفراغ من صلاته بمسجد ذي الحليفة في مجلسه قبل أن يركب، فنقل عنه من سمعه يهلّ هنالك أنه أهلّ بذلك المكان. ثم أهلّ لما استقلت به راحلته، فظنّ من سمع إهلاله عند ذلك أنه شرع فيه في ذلك الوقت لأنه لم يسمع إهلاله بالمسجد فقال: إنما أهلّ حين استقلت به راحلته. ثم روى كذلك من سمعه يهلّ على شرف البيداء. وهذا يدلّ على أن الأفضل لمن كان ميقاته ذا الحليفة أن يهلّ في مسجدها بعد فراغه من الصلاة. ويكرر الإِهلال عند أن يركب على راحلته، وعند أن يمرّ بشرف البيداء. قال في الفتح (٣): وقد اتفق فقهاء الأمصار على جواز جميع ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل. [الباب السادس] باب الاشتراط في الإِحرام ٢٥/ ١٨٣٥ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن ضُباعَةَ بِنْتَ الزُّبَيْرِ قالَتْ: يا رَسُولَ الله إني امْرأةٌ ثَقِيلَةٌ، وإني أُرِيدُ الحَجَّ فَكَيْفَ تأمُرُنِي أُهِلُّ؟ فَقالَ: "أهِلِّي واشْتَرِطي أن

стр. 4137

مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَني"، قالَ: فأدْرَكَتْ. رَوَاهُ الجَماعَةُ إِلَّا البُخارِيَّ (١). [صحيح] وَللنَّسائيّ في رِوَايَةٍ (٢): "وَقالَ: فإنَّ لَكِ على رَبِّكِ ما اسْتَثْنَيْتِ"). [إسناده حسن] ٢٦/ ١٨٣٦ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ على ضُباعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ فَقالَ لَهَا: "لَعَلّكِ أرَدْتِ الحَجَّ؟ "، قالَتْ: وَالله ما أجِدُنِي إلَّا وَجِعَةً، فَقالَ لَهَا: "حُجِّي وَاشْتَرِطي وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي"، وَكانَتْ تَحْتَ المِقْدَادِ بْنِ الأسْوَدِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] ٢٧/ ١٨٣٧ - (وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ضُباعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَتْ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أحْرِمِي وَقُولي: إنَّ محلِّي حَيْثُ تَحْبِسُني، فإنْ حُبِسْتِ أوْ مَرِضْتِ فَقَدْ حَلَلْتِ مِنْ ذلكَ بِشَرْطِكِ عَلى رَبِّكِ ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٤). [صحيح] حديث عكرمة أخرجه أيضًا ابن خزيمة (٥). وفي الباب عن أنس عند البيهقي (٦). وعن جابر عنده (٧). وعن ابن مسعود وأمّ سليم عنده (٨) أيضًا. وعن أمّ سلمة عند أحمد (٩) والطبراني في الكبير (١٠) وفي إسناده ابن إسحاق ولكنه صرّح بالتحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح.

стр. 4138

وعن ابن عمر عند الطبراني في الكبير (١)، وفيه عليّ بن عاصم وهو ضعيف (٢). قال العقيلي (٣): روى عن ابن عباس قصة ضباعة بأسانيد ثابتة جياد. انتهى. وقد غلط الأصيلي غلطًا فاحشًا فقال: إنه لا يثبت في الاشتراط حديث، وكأنه ذهل عما في الصحيحين (٤). وقال الشافعي (٥): لو ثبت حديث، عائشة في الاستثناء لم أعْدُه إلى غيره لأنه لا يحل عند خلاف ما ثبت عن رسول الله ﷺ . قال البيهقي (٦): فقد ثبت هذا الحديث من أوجه. قوله: (ضباعة) بضم المعجمة بعدها موحدة. قال الشافعي: كنيتها أمّ حكيم وهي بنت عمّ النبي ﷺ أبوها الزبير بن عبد المطلب بن هاشم، ووهم الغزالي (٧) فقال: الأسلمية. وتعقبه النووي (٨) وقال: صوابه الهاشمية. قوله: (محلي) بفتح الميم وكسر المهملة: أي مكان إحلالي. وأحاديث الباب تدل على أن من اشترط هذا الاشتراط ثم عرض له ما

стр. 4139

يحبسه عن الحج جاز له التحلل، وأنه لا يجوز التحلل مع عدم الاشتراط، وبه قال جماعة من الصحابة منهم عليّ وابن مسعود وعمر وجماعة من التابعين، وإليه ذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور وهو المصحح للشافعي، كما قال النووي (١). وقال أبو حنيفة (٢) ومالك (٣) وبعض التابعين وإليه ذهب الهادي (٤): إنه لا يصح الاشتراط وهو مروي عن ابن عمر (٥). قال البيهقي (٦): لو بلغ ابن عمر حديث ضباعة لقال به ولم ينكر الاشتراط كما لم ينكره أبوه. انتهى. وقد اعتذروا عن هذه الأحاديث بأنها قصة عين وأنها مخصوصة بضباعة وهو يتنزل على الخلاف المشهور في الأصول (٧) في خطابه ﷺ لواحد هل يكونو غيره فيه مثله [أم] (٨) لا؟.

стр. 4140

وادّعى بعضهم أن الاشتراط منسوخ، روي ذلك عن ابن عباس لكن بإسناد فيه الحسن بن عمارة (١) وهو متروك. وادعى بعض: أنه لم يثبت، وقد تقدم الجواب عليه. [الباب السابع] باب التخيير بين التمتع والإِفراد والقران وبيان أفضلها ٢٨/ ١٨٣٨ - (عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فقالَ: "مَنْ أرَادَ مِنْكُمْ أنْ يُهِلَّ بِحَجّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، ومَنْ أرادَ انْ يُهِلَّ بحجٍ فليهلَّ، وَمَنْ أرَادَ أنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيَهِلَّ"، قالَتْ: وأهَلَّ رَسُولُ الله ﷺ بالحَجِّ وَأهَلَّ بِهِ ناسٌ مَعَهُ، وأهَلَّ مَعَهُ ناسٌ بالعُمْرَةِ وَالحَجّ، وَأهَلَّ ناسٌ بِعُمْرَةٍ، وكُنْتُ فِيمَنْ أهَلَّ بِعُمْرَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] ٢٩/ ١٨٣٩ - (وَعَنْ عِمْرَان بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: نَزَلَتْ آيَةُ المُتْعَةِ في كِتابِ الله تَعَالى فَفَعَلْنَاها مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَلمْ يَنْزِلْ قُرآنٌ يُحَرّمُهُ وَلمْ يَنْهَ عَنْهُ حتَّى ماتَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] ولأحْمَدَ (٤) وَمسلِمٍ (٥): نَزَلَتْ آيَةُ المُتْعَةِ في كِتابِ الله تَعالى، يَعْنِي مُتْعَةَ الحَجّ، وأمَرَنا بِها رَسُولُ الله ﷺ ، ثُمَّ لَمْ تَنْزِلْ آيَةٌ تَنْسَخُ آيَةَ مُتْعَةِ الحَجّ وَلمْ يَنْهَ عَنْها حتَّى ماتَ). [صحيح] ٣٠/ ١٨٤٠ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَقِيقٍ: أن عَليًّا كانَ يأمُرُ بالمُتْعَةِ وعُثْمان يَنْهَى عَنْها، فَقالَ عُثْمانُ كَلِمَةً، فَقالَ عَليٌّ: لَقَدْ عَلِمْتَ أنَا تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقالَ عُثْمانُ: أجَلْ، وَلَكِنَّا كُنَّا خائِفِينَ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَمُسْلِمٌ (٧). [صحيح]

стр. 4141

٣١/ ١٨٤١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: أهَلَّ النَّبِيُّ بِعُمْرَةٍ وأهَلَّ أصْحابُهُ بالحَجّ، فَلَمْ يَحِلَّ النَّبِيُّ ﷺ وَلا مَنْ سَاقَ الهَدْيَ مِنْ أصْحابِهِ وَحَلَّ بَقِيَّتُهُمْ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِم (٢). [صحيح] وفي رِوَايَةٍ قالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ الله ﷺ وَأبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وعُثْمانُ كَذَلِكَ، وَأوَّلُ مَنْ نَهَى عَنْها مُعاوِيَةُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ (٤). [إسناده ضعيف] الرواية الأخرى حسنها الترمذي (٥). قوله: (فقال من أراد منكم أن يهلّ .. ) إلخ، فيه الإِذن منه ﷺ بالحجّ إفرادًا وقرانًا وتمتعًا. والإِفراد: هو الإِهلال بالحجّ وحده والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحجّ لمن شاء، ولا خلاف في جوازه. والقران: هو الإِهلال بالحجّ والعمرة معًا، وهو أيضًا متفق على جوازه أو الإِهلال بالعمرة، ثم يدخل عليها الحجّ أو عكسه وهذا مختلف فيه. والتمتع هو الاعتمار في أشهر الحجّ ثم التحلل من تلك العمرة والإِهلال بالحجّ في تلك السنة، ويطلق التمتع في عرف السلف على القران. قال ابن عبد البرّ (٦): ومن التمتع أيضًا القران، ومن التمتع أيضًا فسخ الحجّ إلى العمرة. انتهى. وقد حكى النووي في شرح مسلم (٧) الإِجماع على جواز الأنواع الثلاثة، وتأول ما ورد من النهي عن التمتع [عن] (٨) بعض الصحابة. قوله: (وأهلّ رسول الله ﷺ بالحجّ)، احتج به من قال: كان حجه ﷺ مفردًا.

стр. 4142

وأجيب بأنه لا يلزم من إهلاله بالحج أن لا يكون أدخل عليه العمرة. واعلم أنه قد اختلف في حجه ﷺ هل كان قرانًا أو تمتعًا أو إفرادًا، وقد ختلفت الأحاديث في ذلك؛ فروي أنه حج قرانًا من جهة جماعة من الصحابة: (منهم) ابن عمر عند الشيخين (١). وعنه عند مسلم (٢). وعائشة عندهما (٣) أيضًا. وعنها عند أبي داود (٤). وعنها عند مالك في الموطأ (٥). وجابر عند الترمذي (٦). وابن عباس عند أبي داود (٧). وعمر بن الخطاب عند البخاري وسيأتي (٨). والبراء بن عازب عند أبي داود وسيأتي (٩). وعليّ عند النسائي (١٠). وعنه عند الشيخين (١١) وسيأتي. وعمران بن حصين عند مسلم (١٢).

стр. 4143

وأبو قتادة عند الدارقطني (١). قال ابن القيم (٢): وله طرق صحيحة. وسراقة بن مالك عند أحمد وسيأتي (٣)، ورجال إسناده ثقات. وأبو طلحة الأنصاري عند أحمد (٤) وابن ماجه (٥)، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة. والهرماس بن زياد الباهلي عند أحمد (٦) أيضًا. وابن أبي أوفى عند البزار (٧) بإسناد صحيح. وأبو سعيد عند البزار (٨). وجابر بن عبد الله عند أحمد (٩) وفيه الحجاج بن أرطاة. وأمّ سلمة عنده (١٠) أيضًا. وحفصة عند الشيخين (١١).

стр. 4144

وسعد بن أبي وقاص عند النسائي (١) والترمذي (٢) وصححه. وأنس عند الشيخين وسيأتي (٣). وأما حجه تمتعًا فروي عن عائشة (٤) وابن عمر (٥) عند الشيخين وسيأتي. وعليّ وعثمان عند مسلم وأحمد كما في الباب (٦). وابن عباس عند أحمد والترمذي كما في الباب (٧) أيضًا. وسعد بن أبي وقاص كما سيأتي (٨). وأما حجه إفرادًا فروي عن عائشة كما في حديث الباب (٩). وعنها عند البخاري (١٠) كما سيأتي. وعن ابن عمر عند أحمد ومسلم كما سيأتي (١١) أيضًا. وابن عباس عند مسلم (١٢). وجابر عند ابن ماجه (١٣)، وعنه عند مسلم (١٤). وقد اختلفت الأنظار واضطربت الأقوال لاختلاف هذه الأحاديث. فمن أهل العلم من جمع بين الروايات كالخطابي (١٥) فقال: إن كلًّا أضاف إلى النبي ﷺ ما أمر به اتساعًا، ثم رجع أنه أفرد الحجّ.

стр. 4145

وكذا قال عياض (١) وزاد فقال: وأما إحرامه فقد تظافرت الروايات الصحيحة بأنه كان مفردًا. وأما روايات من روى التمتع فمعناه أنه أمر به لأنه صرّح بقوله: "ولولا أن معي الهدي لأحللت"، فصح أنه لم يتحلل. وأما رواية من روى القران فهو إخبار عن آخر أحواله لأنه أدخل العمرة على الحجّ لما جاء إلى الوادي (٢). وقيل [له] (٣): قُل عمرة في حجة. قال الحافظ (٤): وهذا الجمع هو المعتمد، وقد سبق إليه قديمًا ابن المنذر (٥)، وبيّنه ابن حزم (٦) في حجة الوداع بيانًا شافيًا. ومهده المحب الطبري (٥) تمهيدًا بالغًا يطول ذكره. ومحصله أن كل من روى عنه الإِفراد حمل على ما أهلّ به في أول الحال، وكل من روى عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روى عنه القران أراد ما استقر عليه الأمر. وجمع شيخ الإِسلام ابن تيمية (٧) جمعًا حسنًا فقال ما حاصله: إن التمتع عند الصحابة يتناول القران فتحتمل عليه رواية من روى أنه حجّ تمتعًا، وكل من روى الإِفراد [قد] (٨) روى أنه حجّ ﷺ تمتعًا وقرانًا، فيتعين الحمل على القران وأنه أفراد أعمال الحجّ ثم فرغ منها وأتى بالعمرة. ومن أهل العلم من صار إلى التعارض فرجح نوعًا وأجاب عن الأحاديث

стр. 4146

القاضية بما يخالفه، وهي جوابات طويلة أكثرها متعسفة، وأورد كل منهم لما اختاره مرجحات أقواها وأولاها مرجحات القران فإنه لا يقاومها شيء من مرجحات غيره. (منها) أن أحاديثه مشتملة على زيادة على من روى الإِفراد وغيره، والزيادة مقبولة إذا خرجت من مخرج صحيح، فكيف إذا ثبتت من طرق كثيرة عن جمع من الصحابة. (ومنها) أن من روى الإِفراد والتمتع اختلف عليه في ذلك لأنهم جميعًا روي عنهم أنه ﷺ حجّ قرانًا. (ومنها) أن روايات القران لا تحتمل التأويل بخلاف روايات الإِفراد والتمتع فإنها تحتمله كما تقدم. (ومنها) أن رواة القران أكثر كما تقدم. (ومنها) أن فيهم من أخبر عن سماعه لفظًا صريحًا، وفيهم من أخبر عن إخباره ﷺ بأنه فعل ذلك، وفيهم من أخبر عن أمر ربه له بذلك. (ومنها) أنه النسك الذي أمر به كل من ساق الهدي، فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدي، ثم يسوق هو الهدي ويخالفه. وقد ذكر صاحب الهدي (١) مرجِّحات غير هذه، ولكنَّه مرجِّحات باعتبار أفضلية القران على التمتع والإِفراد، لا باعتبار أنه ﷺ حجّ قرانًا، وهو بحث آخر قد اختلفت فيه المذاهب اختلافًا كثيرًا. فذهب جمع من الصحابة والتابعين وأبو حنيفة (٢) وإسحاق ورجحه جماعة من الشافعية منهم النووي (٣) والمزني (٣) وابن المنذر (٣) وأبو إسحاق المروزي وتقي الدين السبكي إلى أن القران أفضل.

стр. 4147

وذهب جمع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم كمالك (١) وأحمد (٢) والباقر والصادق والناصر وأحمد بن عيسى (٣)، وإسماعيل بن جعفر الصادق وأخيه موسى والإِمامية (٤) إلى أن التمتع أفضل. وذهب جماعة من الصحابة وجماعة ممن بعدهم وجماعة من الشافعية وغيرهم، ومن أهل البيت الهادي والقاسم والإِمام يحيى (٥) وغيرهم من متأخريهم إلى أن الإِفراد أفضل. وحكى القاضي عياض عن بعض العلماء أن الأنواع الثلاثة في الفضل سواء. قال في الفتح (٦): وهو مقتضى تصرف ابن خزيمة في صحيحه، وقال أبو يوسف: القران والتمتع في الفضل سواء، وهما أفضل من الإِفراد. وعن أحمد (٧): من ساق الهدي فالقران أفضل له ليوافق فعل النبيّ ﷺ ، ومن لم يسق الهدي فالتمتع أفضل له ليوافق ما تمناه وأمر به أصحابه. زاد بعض أتباعه: ومن أراد أن ينشئ لعمرته من بلد سفره فالإِفراد أفضل له.

стр. 4148

قال: وهذا أعدل المذاهب وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة، ولكن المشهور عن أحمد (١) أن التمتع أفضل مطلقًا. وقد احتج القائلون بأن القران أفضل بحجج: (منها) أن الله اختاره لنبيه. (ومنها) أن قوله ﷺ : "دخلت العمرة في الحجّ إلى يوم القيامة" (٢)، يقتضي أنها قد صارت جزءًا منه أو كالجزء الداخل فيه بحيث لا يفصل بينها وبينه ولا يكون ذلك إلا مع القران. (ومنها) أن النسك الذي اشتمل على سَوق الهدي أفضل. واستدلّ من قال: بأن التمتع أفضل بما اتفق عليه من حديث جابر وغيره أن النبيّ ﷺ قال: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" (٣)، قالوا: ورسول الله ﷺ لا يتمنى إلا الأفضل، واستمراره في القران إنما كان لاضطرار السَّوق إليه وهذا هو الحقّ، فإنه لا يظن أن نسكًا أفضل من نسك اختاره ﷺ لأفضل الخلق وخير القرون. وأما ما قيل من أنه ﷺ إنما قال كذلك تطييبًا لقلوب أصحابه لحزنهم على فوات موافقته ففاسد، لأن المقام مقام تشريع للعباد، وهو لا يجوز عليه ﷺ أن يخبر بما يدل على أن ما فعلوه من التمتع أفضل مما استمرّ عليه من القران والأمر على خلاف ذلك، وهل هذا إلا تغرير يتعالى عنه مقام النبوة؟ وبالجملة لم يوجد في شيء من الأحاديث ما يدل على أن بعض الأنواع أفضل من بعض غير هذا الحديث، فالتمسك به متعين، ولا ينبغي أن يلتفت إلى غيره من المرجحات فإنها في مقابلته ضائعة. واحتج من قال بأن الإِفراد أفضل أن الخلفاء الراشدين ﵃ أفردوا الحجّ وواظبوا على إفراده، فلو لم يكن أفضل لم يواظبوا عليه، وبأن الإِفراد لا يجب فيه دم.

стр. 4149

قال النووي (١): بالإِجماع وذلك لكماله، ويجب الدم في التمتع والقران، وهو دم جبران لفوات الميقات وغيره فكان ما لا يحتاج إلى جبران أفضل. (ومنها) أن الأمة أجمعت على جواز الإِفراد من غير كراهة؛ وكره (٢) عمر وعثمان وغيرهما التمتع وبعضهم القران. ويجاب عن هذا كله بأن الإِفراد لو كان أفضل لفعله النبيّ ﷺ أو تمنى فعله بعد أن صار ممنوعًا بالسوق والكل ممنوع، والسند ما سلف من أنه ﷺ حجّ قرانًا وأظهر أنه كان يودّ أن يكون حجه تمتعًا. وهذان البحثان: أعني تعيين ما حجه ﷺ من الأنواع، وبيان ما هو الأفضل منها من المضايق ومواطن البسط، وفيما حررناه مع كونه في غاية الإيجاز ما يغني اللبيب. ٣٢/ ١٨٤٢ - (وَعَنْ حَفْصَةَ أُمّ المُؤْمِنِينَ قالَتْ: قُلْتُ للنَّبِيّ ﷺ : ما شأنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ مَنْ عُمْرَتِكَ؟ قالَ: "إني قَلَّدْتُ هَدْيي، وَلَبَّدْتُ رأسِي، فَلا أحِلُّ حتَّى أحِلَّ مِنَ الحَجّ". رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ (٣). [صحيح] ٣٣/ ١٨٤٣ - (وَعَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ المَازِنيّ قالَ: سألْتُ سَعْدَ بْنِ أبي وَقَّاصٍ عَنِ المُتْعَةِ في الحَجّ، فَقالَ: فَعَلْناها وَهَذَا يَوْمَئِذٍ كافِرٌ [بالعُرُش] (٤)، يَعْنِي بُيُوتَ مَكَّةَ، يَعْنِي مُعاوِيَةَ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَمُسْلِمٌ (٦). [صحيح] ٣٤/ ١٨٤٤ - (وَعَنِ الزُّهْرِيّ عَنْ سالمٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ الله ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجّ وأهْدَى، فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ،

стр. 4150

وَبدأ رَسُولُ الله ﷺ فأهَلَّ بالعُمْرَةِ ثُمَّ أهَلَّ بالحَجّ، وتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بالعُمْرَةِ إلى الحَجّ، فَكانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أهْدَى فَساقَ الهَدْيَ، وَمنْهُمْ مَنْ لَمْ يَهْدِ؛ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ مكَّةَ قالَ للنَّاسِ: "مَنْ كانَ مِنْكُمْ أهْدَى فإنَّهُ لا يَحِل مِنْ شَيء حَرُمَ مِنْهُ حتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أهْدَى فَلْيَطُفْ بالبَيْتِ وَبِالصَّفا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحِلَّ ثُمَّ لْيُهِلَّ بالحَجّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَصِيَامُ ثَلاثةِ أيَّامٍ في الحَجِّ، وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعَ إلى أهْلِهِ"، وَطافَ رَسُولُ الله ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ فاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أوَّلَ شَيء، ثُمَّ خَبَّ ثَلاثَةَ أشْوَاطٍ مِنَ السَّبْعِ، وَمَشَى أرْبَعَةَ أطْوَافٍ، ثُمَّ رَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بالبَيْتِ عِنْدَ المَقامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فانْصَرَفَ، فأتى الصَّفا فَطافَ بالصَّفا والمَرْوَةِ سَبْعَةَ أطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَتَحَلَّلْ مِنْ شَيْء حَرُمَ مِنْهُ حتَّى قَضَى حَجَّهُ ونَحَر هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وأفاضَ فَطافَ بالبَيْتِ ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلّ شَيْء حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ ما فَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ مَنْ أهْدَى فَساقَ الهَدْيَ (١). [صحيح] وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ مِثْلُ حَدِيثِ سالمٍ عَنْ أبِيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٢). [صحيح] قوله: (ولم تحل) في رواية للبخاري (٣): "ولم [تحلل] (٤) "بلامين وهو إظهار شاذ، وفيه لغة معروفة. قوله: (لبدت) (٥) بتشديد الموحدة: أي شعر رأسي، وهو أن يجعل فيه شيء ملتصق ويؤخذ منه استحباب ذلك للمحرم.

стр. 4151

قوله: (فلا أحل [حتى أحله] (١) من الحج) يعني حتى يبلغ الهدي محله، واستدل به على [أن] (٢) من اعتمر فساق هديًا لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. قوله: (بالعُرُش) جمع عرش، يقال لمكة وبيوتها كما قال في القاموس (٣). قوله: (تمتع رسول الله .. ) إلخ. قال المهلب (٤): معناه أمره بذلك لأنه كان ينكر على أنس قوله: إنه قرن، ويقول: إنه كان مفردًا. قوله: (فأهلّ بالعمرة) قال المهلب (٤): معناه أمرهم بالتمتع وهو أن يهلوا بالعمرة [أولًا ويقدموها] (٥) قبل الحج. قال: ولا بد من [هذا] (٦) التأويل لدفع التناقض عن ابن عمر. [و] (٧) قال ابن المنير (٨): إن حمل قوله تمتع على معنى أمر من أبعد التأويلات والاستشهاد عليه بقوله رجم: وإنما أمر بالرجم من أوهن [الاستشهادات] (٩)، لأن الرجم وظيفة الإِمام، والذي يتولاه إنما يتولاه نيابة عنه. وأما أعمال الحجّ من إفراد وقران وتمتع فإنه وظيفة كل أحد عن نفسه. ثم أورد تأويلًا آخر وهو أن الراوي عهد أن الناس لا يفعلون إلا كفعله لا سيما مع قوله: "خذوا عني مناسككم" (١٠)، فلما تحقق أن الناس تمتعوا ظن أنه ﷺ تمتع فأطلق ذلك.

стр. 4152

قال الحافظ (١): ولا يتعين هذا أيضًا، بل يحتمل أن يكون معنى قوله تمتع محمولًا على مدلوله اللغوي: وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها وغيره. قال النووي (٢): إن هذا هو المتعين. قوله: (بالعمرة إلى الحجّ)، قال المهلب (٣) أيضًا: أي أدخل العمرة على الحج. قوله: (فإنه لا يحلّ من شيء حرم [منه]) (٤) تقدم بيانه. قوله: (وليقصِّر) قال النووي (٥): معناه أنه بفعل الطواف والسعي والتقصير يصير حلالًا. وهذا دليل على أن الحلق والتقصير نسك وهو الصحيح. وقيل: استباحة محظور، قال: وإنما أمره بالتقصير دون الحلق مع أن الحلق أفضل ليبقى له شعر يحلقه في الحج. قوله: (وليحلّ) هو أمر معناه الخبر: أي قد صار حلالًا، فله فعل كل ما كان محظورًا عليه في الإِحرام. ويحتمل أن يكون أمرًا على الإِباحة لفعل ما كان عليه حرامًا قبل الإِحرام. قوله: (ثم ليهلّ بالحجّ)، أي يحرم وقت خروجه إلى عرفة، ولهذا أتى بثم الدالة على التراخي، فلم يرد أنه يهلّ بالحجّ عقب إحلاله من العمرة. قوله: (وليهد) أي هدي التمتع. قوله: (فمن لم يجد .. ) إلخ، أي لم يجد الهدي بذلك المكان، أو لم يجد ثمنه، أو كان يجد هديًا ولكن يمتنع صاحبه من بيعه أو يبيعه لغلاء، فينتقل إلى الصوم كما هو نصّ القرآن؛ والمراد بقوله تعالى: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ (٦) أي بعد الإِحرام به.

стр. 4153

قال النووي (١): هذا هو الأفضل. وإن صامها قبل الإِهلال بالحجّ أجزأه على الصحيح. وأما قبل التحلل من العمرة فلا على الصحيح. وجوّزه الثوري وأهل الرأي. قوله: (ثم خبّ) سيأتي الكلام عليه في الطواف، ويأتي الكلام أيضًا على صلاة الركعتين، والسعي بين الصفا والمروة، ونحر الهدي، والإِفاضة، وسوق الهدي. وقد استدل بالأحاديث المذكورة على أن حجَّه ﷺ كان تمتعًا، وقد تقدم الكلام على ذلك في أول الباب. قوله: (من أهدى فساق الهدي) الموصول فاعل قوله: فعل: أي فعل من أهدى فساق الهدي مثل ما فعل رسول الله ﷺ . وأغرب الكرماني (٢) فشرحه على أن فاعل فعل هو ابن عمر راوي الخبر، وفصل في رواية (أبي الوقت) (٣) بين قوله: فعل وبين قوله: من أهدى بلفظ باب. قال في الفتح (٤): وهذا خطأ شنيع. وقال أبو الوليد (٥): أمرنا أبو ذر أن نضرب على هذه الترجمة، يعني قوله: من أهدى وساق الهدي وذلك لظنه بأنها ترجمة من البخاري فحكم عليها بالوهم (٦). ٣٥/ ١٨٤٥ - (وَعَنِ القاسِمِ عَنْ عائِشَةَ: أن النَّبِيَّ ﷺ أفْرَدَ الحَجَّ. رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخارِيَّ) (٧). [صحيح]

стр. 4154

٣٦/ ١٨٤٦ - (وَعَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أهْلَلْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بالحَجّ مُفْرَدًا. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢). وَلمُسْلِمٍ (٣): أن النَّبِيَّ ﷺ أهَلَّ بالحَجّ مُفْرِدًا). [صحيح] ٣٧/ ١٨٤٧ - (وَعَنْ بَكْرٍ المُزَنِيّ عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُلبِّي بالحَجّ وَالعُمْرَةِ جَمِيعًا يَقُولُ: "لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا". مُتَّفَق عَلَيْهِ (٤). [صحيح] ٣٨/ ١٨٤٨ - (وَعَنْ أنَسٍ أيْضًا قالَ: خَرَجْنَا نَصْرُخُ بالحَجّ، فَلَمَّا قَدِمْنا مَكَّةَ أمَرَنا رَسُولُ الله ﷺ أنْ نَجْعَلها عُمْرَةً وَقالَ: "لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ لجَعَلْتُها عُمْرَةً، وَلَكِنْ سُقْتُ الهَدْي وَقَرَنْتُ بَيْنَ الحَجّ وَالعُمْرَةِ". رَوَاهُ أحْمَدُ) (٥). [صحيح] ٣٩/ ١٨٤٩ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ وَهُوَ بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: "أتانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبّي فَقالَ: صَلّ في هَذَا الوَادِي المُبارَك، وَقُلْ عُمْرَة في حَجَّةٍ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَالبُخارِيُّ (٧) وَابْنُ مَاجَهْ (٨) وأبُو دَاوُدَ (٩).

стр. 4155

وفي رِوَايَةٍ للبُخارِيّ (١): "وَقُلْ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ"). [صحيح] قوله: (أفرد الحجّ) قد تقدَّم أن رواية الإِفراد غير منافية لرواية القِران، لأن من روى القران ناقل للزيادة، وغاية الأمر أنه يجمع بأنه ﷺ أهلّ بالحجّ مفردًا ثم أضاف إليه العمرة. وأما قول ابن عمر: "أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحجّ مفردًا"، فليس فيه ما ينافي قول من قال: إن حجه ﷺ كان قرانًا أو تمتعًا، لأنه أخبر عن إهلالهم جمع رسول الله ﷺ ولم يخبر عن إهلاله ﷺ . قوله: (يقول لبيك عمرة وحجًا)، هو من أدلة القائلين بأن حجه ﷺ كان قرانًا. وقد رواه عن أنس جماعة من التابعين منهم: الحسن البصري، وأبو قلابة، وحميد بن هلال، وحميد بن عبد الرحمن الطويل [وقتادة] (٢) ويحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني، وعبد العزيز بن صهيب، وسمليمان، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم، وأبو قدامة عاصم بن حسين، وسويد بن حجر الباهلي. قوله: (خرجنا نصرخ بالحج) فيه حجة للجمهور (٣) القائلين أنه يستحب رفع الصوت بالتلبية. وقد أخرج مالك في الموطأ (٤) وأصحاب السنن (٥) وصححه الترمذي (٦) وابن خزيمة (٧) والحاكم (٨) من طريق خلاد بن السائب عن أبيه مرفوعًا: "جاءني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي يرفعون أصواتهم بالإِهلال".

стр. 4156

وروى ابن القاسم عن مالك (١) أنه لا يرفع الصوت بالتلبية إلا عند المسجد الحرام ومسجد منى. قوله: (لو استقبلت .. ) إلخ. هو متفق على مثل معناه من حديث جابر، وبه استدل من قال بأن التمتع أفضل أنواع الحجّ، وقد تقدم البحث عن ذلك. قوله: (أتاني الليلة آتٍ) هو جبريل كما في الفتح (٢). قوله: (فقال: صل في هذا الوادي المبارك)، هو وادي العقيق (٣)، وهو بقرب العقيق بينه وبين المدينة أربعة أميال. وروى الزبير بن بكار في أخبار المدينة (٤) أن تُبّعًا لما انحدر في مكان عند رجوعه من المدينة قال: هذا عقيق الأرض فسمي العقيق. قوله: (وقل عمرة في حجة)، برفع عمرة في أكثر الروايات وبنصبها في بعضها بإضمار فعل: أي جعلتها عمرة، وهو دليل على أن حجه ﷺ كان قرانًا. وأبعد من قال: إن معناه أنه يعتمر في تلك السنة بعد فراغ حجه. وظاهر حديث عمر هذا أن حجه ﷺ القران كان بأمر من الله، فكيف يقول ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة" (٥)، فينظر في هذا، فإن أجيب بأنه إنما قال ذلك تطييبًا لخواطر أصحابه فقد تقدم أنه تغرير لا يليق نسبة مثله إلى الشارع. ٤٠/ ١٨٥٠ - (وَعَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ قالَ: شَهِدْتُ عُثْمانَ وَعَليًّا، وعُثْمانُ يَنْهَى عَنِ المُتْعَةِ وأنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُما؛ فَلَمَّا رَأى ذلك عليٌّ أهَلَّ بِهِما لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَقالَ: ما كُنْتُ لأدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِ أحَدٍ. رَوَاهُ البُخارِيُّ (٦) وَالنَّسائيُّ (٧). [صحيح]

стр. 4157

٤١/ ١٨٥١ - (وَعَنِ الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا نَصْرَانِيًا فأسْلَمْتُ فأهْلَلْتُ بالحَجّ وَالعُمْرَةِ، قالَ: فَسَمِعَنِي زَيْدُ بْنُ صُوخَانَ، وَسَلْمانُ بْنُ رَبِيعَةَ وأنا أُهِلُّ بِهِما، فَقالا: لَهَذا أضَلُّ مِنْ بَعِيرِ أهْلِهِ، فَكأنَّمَا حُمِلَ عَليَّ بِكَلِمَتَيْهِما جَبَلٌ، فَقدِمْتُ على عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فأخْبَرْتُهُ، فأقْبَلَ عَلَيْهِما فَلامَهُمَا وَأقْبَلَ عليَّ، فَقالَ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ . رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَابْنُ ماجَهْ (٢) وَالنَّسائيُّ (٣). [صحيح] الحديث أخرج نحوه أبو داود (٤) وسكت عنه (٥) هو والمنذري (٦)، ورجال إسناده رجال الصحيح. قوله: (وأن يجمع بينهما) يحتمل أن تكون الواو عاطفة فيكون نهى عن التمتع والقران (٧) معًا. ويحتمل أن يكون عطفًا تفسيريًا وهو على ما تقدم أن السلف كانوا يطلقون على القران تمتعًا، فيكون المراد أن يجمع بينهما قرانًا أو إيقاعًا لهما في سنة واحدة بتقديم العمرة على الحجّ. وقد زاد مسلم (٨): "أن عثمان قال لعليّ: دعنا عنك، فقال عليّ: إني لا أستطيع أن أدعك". وقد تقدم في أول الباب (٩) أن عثمان قال: "أجل، ولكنا كنا خائفين". قوله: (عن الصبي) هو بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة بعدها تحتية. قال في التقريب (١٠): صبي بالتصغير: ابن معبد التغلبي بالمثناة والمعجمة وكسر اللام: ثقة مخضرم، نزل الكوفة من الثانية.

стр. 4158

قوله: (زيد بن صُوخان) بضم الصاد المهملة بعدها واو ساكنة ثم معجمة مخففة. قوله: (فكأنما حمل عليّ بكلمتيهما جبل)، يعني أنه ثقل عليه ما سمعه منهما من ذلك اللفظ الغليظ. قوله: (هديت لسنة نبيك)، هو من أدلة القائلين بتفضيل القران، ولا يخفى أنه لا يصلح للاستدلال به على الأفضلية لأنه لا خلاف أن الثلاثة الأنواع ثابتة من سنته ﷺ إما بالقول أو بالفعل، ومجرّد نسبة بعضها إلى السنة لا يدلّ على أنه أفضل من غيره مع كونها مشتركة في ذلك. ٤٢/ ١٨٥٢ - (وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مالِكٍ (١) قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ"، قالَ: وَقَرَنَ رَسُولُ الله ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢). [صحيح لغيره] ٤٣/ ١٨٥٣ - (وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: لَمَّا قَدِمَ علِيٌّ مِنَ اليَمَنِ عَلى رَسُولِ الله ﷺ قالَ: وَجَدْتُ فاطِمَةَ قَدْ لَبِسَتْ ثِيابًا صَبِيغًا وَقَدْ نَضَحَتِ البَيْتَ بِنَضُوحٍ، فَقالَتْ: ما لَكَ؟ إنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَدْ أمَرَ أصْحابَهُ فَحَلُّوا، قالَ: قُلْتُ لَهَا: إني أهْلَلْتُ بإهْلالِ رَسُولِ الله ﷺ ، قالَ: فأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ لي: "كَيْفَ

стр. 4159

صَنَعْتَ؟ "، قالَ: قُلْتُ أهْلَلْتُ بإهْلالِ النَّبِي ﷺ فإني قَدْ سُقْتُ الهَدْيَ وَقَرَنْتُ، فَقالَ لي: "انْحَرْ مِنَ البُدْنِ سَبْعًا وَسِتِّينَ أوْ سِتًّا وَسِتِّينَ، وَانْسُكْ لِنَفْسِكَ ثَلاثًا وَثَلاِثينَ أوْ أرْبَعًا وَثَلاِثِينَ، وأمْسِكْ لي مِنْ كُلّ بَدَنَةٍ مِنْها بَضْعَةً". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١). [صحيح] حديث سراقة في إسناده داود بن يزيد الأودي (٢)، وهو ضعيف. وقد أخرج نحوه أحمد (٣) ومسلم (٤) وأبو داود (٥) والنسائي (٦) عن ابن عباس وسيأتي (٧) في باب فسخ الحجّ. وحديث البراء أخرجه أيضًا النسائي (٨). وفي إسناده يونس بن إسحاق السبيعي (٩)، وقد احتج به مسلم وأخرج له جماعة. وقال الإِمام أحمد (١٠): حديثه فيه زيادة على حديث الناس. وقال البيهقي (١١): "كذا في هذه الرواية "وقَرَنْتُ"، وليس ذلك في حديث جابر حين وصف قدوم عليّ [وإهلاله] (١٢).
следующие страницы →