← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4155–4194 · переход к 4160.

стр. 4155

وفي رِوَايَةٍ للبُخارِيّ (١): "وَقُلْ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ"). [صحيح] قوله: (أفرد الحجّ) قد تقدَّم أن رواية الإِفراد غير منافية لرواية القِران، لأن من روى القران ناقل للزيادة، وغاية الأمر أنه يجمع بأنه ﷺ أهلّ بالحجّ مفردًا ثم أضاف إليه العمرة. وأما قول ابن عمر: "أهللنا مع رسول الله ﷺ بالحجّ مفردًا"، فليس فيه ما ينافي قول من قال: إن حجه ﷺ كان قرانًا أو تمتعًا، لأنه أخبر عن إهلالهم جمع رسول الله ﷺ ولم يخبر عن إهلاله ﷺ . قوله: (يقول لبيك عمرة وحجًا)، هو من أدلة القائلين بأن حجه ﷺ كان قرانًا. وقد رواه عن أنس جماعة من التابعين منهم: الحسن البصري، وأبو قلابة، وحميد بن هلال، وحميد بن عبد الرحمن الطويل [وقتادة] (٢) ويحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني، وعبد العزيز بن صهيب، وسمليمان، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم، وأبو قدامة عاصم بن حسين، وسويد بن حجر الباهلي. قوله: (خرجنا نصرخ بالحج) فيه حجة للجمهور (٣) القائلين أنه يستحب رفع الصوت بالتلبية. وقد أخرج مالك في الموطأ (٤) وأصحاب السنن (٥) وصححه الترمذي (٦) وابن خزيمة (٧) والحاكم (٨) من طريق خلاد بن السائب عن أبيه مرفوعًا: "جاءني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي يرفعون أصواتهم بالإِهلال".

стр. 4156

وروى ابن القاسم عن مالك (١) أنه لا يرفع الصوت بالتلبية إلا عند المسجد الحرام ومسجد منى. قوله: (لو استقبلت .. ) إلخ. هو متفق على مثل معناه من حديث جابر، وبه استدل من قال بأن التمتع أفضل أنواع الحجّ، وقد تقدم البحث عن ذلك. قوله: (أتاني الليلة آتٍ) هو جبريل كما في الفتح (٢). قوله: (فقال: صل في هذا الوادي المبارك)، هو وادي العقيق (٣)، وهو بقرب العقيق بينه وبين المدينة أربعة أميال. وروى الزبير بن بكار في أخبار المدينة (٤) أن تُبّعًا لما انحدر في مكان عند رجوعه من المدينة قال: هذا عقيق الأرض فسمي العقيق. قوله: (وقل عمرة في حجة)، برفع عمرة في أكثر الروايات وبنصبها في بعضها بإضمار فعل: أي جعلتها عمرة، وهو دليل على أن حجه ﷺ كان قرانًا. وأبعد من قال: إن معناه أنه يعتمر في تلك السنة بعد فراغ حجه. وظاهر حديث عمر هذا أن حجه ﷺ القران كان بأمر من الله، فكيف يقول ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لجعلتها عمرة" (٥)، فينظر في هذا، فإن أجيب بأنه إنما قال ذلك تطييبًا لخواطر أصحابه فقد تقدم أنه تغرير لا يليق نسبة مثله إلى الشارع. ٤٠/ ١٨٥٠ - (وَعَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ قالَ: شَهِدْتُ عُثْمانَ وَعَليًّا، وعُثْمانُ يَنْهَى عَنِ المُتْعَةِ وأنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُما؛ فَلَمَّا رَأى ذلك عليٌّ أهَلَّ بِهِما لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَقالَ: ما كُنْتُ لأدَعَ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ بِقَوْلِ أحَدٍ. رَوَاهُ البُخارِيُّ (٦) وَالنَّسائيُّ (٧). [صحيح]

стр. 4157

٤١/ ١٨٥١ - (وَعَنِ الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا نَصْرَانِيًا فأسْلَمْتُ فأهْلَلْتُ بالحَجّ وَالعُمْرَةِ، قالَ: فَسَمِعَنِي زَيْدُ بْنُ صُوخَانَ، وَسَلْمانُ بْنُ رَبِيعَةَ وأنا أُهِلُّ بِهِما، فَقالا: لَهَذا أضَلُّ مِنْ بَعِيرِ أهْلِهِ، فَكأنَّمَا حُمِلَ عَليَّ بِكَلِمَتَيْهِما جَبَلٌ، فَقدِمْتُ على عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فأخْبَرْتُهُ، فأقْبَلَ عَلَيْهِما فَلامَهُمَا وَأقْبَلَ عليَّ، فَقالَ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ . رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَابْنُ ماجَهْ (٢) وَالنَّسائيُّ (٣). [صحيح] الحديث أخرج نحوه أبو داود (٤) وسكت عنه (٥) هو والمنذري (٦)، ورجال إسناده رجال الصحيح. قوله: (وأن يجمع بينهما) يحتمل أن تكون الواو عاطفة فيكون نهى عن التمتع والقران (٧) معًا. ويحتمل أن يكون عطفًا تفسيريًا وهو على ما تقدم أن السلف كانوا يطلقون على القران تمتعًا، فيكون المراد أن يجمع بينهما قرانًا أو إيقاعًا لهما في سنة واحدة بتقديم العمرة على الحجّ. وقد زاد مسلم (٨): "أن عثمان قال لعليّ: دعنا عنك، فقال عليّ: إني لا أستطيع أن أدعك". وقد تقدم في أول الباب (٩) أن عثمان قال: "أجل، ولكنا كنا خائفين". قوله: (عن الصبي) هو بضم الصاد المهملة وفتح الموحدة بعدها تحتية. قال في التقريب (١٠): صبي بالتصغير: ابن معبد التغلبي بالمثناة والمعجمة وكسر اللام: ثقة مخضرم، نزل الكوفة من الثانية.

стр. 4158

قوله: (زيد بن صُوخان) بضم الصاد المهملة بعدها واو ساكنة ثم معجمة مخففة. قوله: (فكأنما حمل عليّ بكلمتيهما جبل)، يعني أنه ثقل عليه ما سمعه منهما من ذلك اللفظ الغليظ. قوله: (هديت لسنة نبيك)، هو من أدلة القائلين بتفضيل القران، ولا يخفى أنه لا يصلح للاستدلال به على الأفضلية لأنه لا خلاف أن الثلاثة الأنواع ثابتة من سنته ﷺ إما بالقول أو بالفعل، ومجرّد نسبة بعضها إلى السنة لا يدلّ على أنه أفضل من غيره مع كونها مشتركة في ذلك. ٤٢/ ١٨٥٢ - (وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مالِكٍ (١) قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ"، قالَ: وَقَرَنَ رَسُولُ الله ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاعِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢). [صحيح لغيره] ٤٣/ ١٨٥٣ - (وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: لَمَّا قَدِمَ علِيٌّ مِنَ اليَمَنِ عَلى رَسُولِ الله ﷺ قالَ: وَجَدْتُ فاطِمَةَ قَدْ لَبِسَتْ ثِيابًا صَبِيغًا وَقَدْ نَضَحَتِ البَيْتَ بِنَضُوحٍ، فَقالَتْ: ما لَكَ؟ إنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَدْ أمَرَ أصْحابَهُ فَحَلُّوا، قالَ: قُلْتُ لَهَا: إني أهْلَلْتُ بإهْلالِ رَسُولِ الله ﷺ ، قالَ: فأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ لي: "كَيْفَ

стр. 4159

صَنَعْتَ؟ "، قالَ: قُلْتُ أهْلَلْتُ بإهْلالِ النَّبِي ﷺ فإني قَدْ سُقْتُ الهَدْيَ وَقَرَنْتُ، فَقالَ لي: "انْحَرْ مِنَ البُدْنِ سَبْعًا وَسِتِّينَ أوْ سِتًّا وَسِتِّينَ، وَانْسُكْ لِنَفْسِكَ ثَلاثًا وَثَلاِثينَ أوْ أرْبَعًا وَثَلاِثِينَ، وأمْسِكْ لي مِنْ كُلّ بَدَنَةٍ مِنْها بَضْعَةً". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١). [صحيح] حديث سراقة في إسناده داود بن يزيد الأودي (٢)، وهو ضعيف. وقد أخرج نحوه أحمد (٣) ومسلم (٤) وأبو داود (٥) والنسائي (٦) عن ابن عباس وسيأتي (٧) في باب فسخ الحجّ. وحديث البراء أخرجه أيضًا النسائي (٨). وفي إسناده يونس بن إسحاق السبيعي (٩)، وقد احتج به مسلم وأخرج له جماعة. وقال الإِمام أحمد (١٠): حديثه فيه زيادة على حديث الناس. وقال البيهقي (١١): "كذا في هذه الرواية "وقَرَنْتُ"، وليس ذلك في حديث جابر حين وصف قدوم عليّ [وإهلاله] (١٢).

стр. 4160

وحديث جابر أصحّ سندًا وأحسن سياقة، ومع حديث جابر حديث أنس". يريد أن حديث أنس ذكر فيه قدوم عليّ وذكر إهلاله وليس فيه قرنت، وهو في الصحيحين (١). قوله: (دخلت العمرة في الحجّ)، قد تقدم أنه يدلّ على أفضلية القران لمصير العمرة جزءًا من الحجّ أو كالجزء. قوله: (صبيغًا) فعيل هاهنا بمعنى مفعول: أي مصبوغات. قوله: (وقد نَضَحت) (٢) بفتح النون والضاد المعجمة والحاء المهملة. قوله: (بنضوح) بفتح النون وضم الضاد المعجمة بعد الواو حاء مهملة: [وهي] (٣) ضربٌ من الطيب. قوله: (فقالت)، ههنا كلام محذوف تقديره فأنكر عليها صبغ ثيابها ونضح بيتها بالطيب، فقالت .. إلخ. قوله: (قد أمر أصحابه فحلوا) في رواية مسلم (٤): "فوجد فاطمة ممن حلت ولبست ثيابًا صبيغًا واكتحلت فأنكر ذكر عليها، قالت: أمرني أبي بهذا". قوله: (أو ستًا وستين) هكذا في سنن أبي داود (٥)، وكان جملة الهدي الذي قدم به عليّ من اليمن والذي أتى به رسول الله ﷺ مائة كما في صحيح مسلم (٦). وفي لفظ لمسلم (٤): "فنحر ثلاثًا وستين بيده ثم أعطى عليًا فنحر ما غبر". قال النووي (٧) والقرطبي (٨): ونقله القاضي (٩) عن جميع الرواة: إن هذا هو الصواب لا ما وقع في رواية أبي داود.

стр. 4161

قوله: (بَضعة) (١) بفتح الباء الموحدة: وهي القطعة من اللحم. وفي صحيح مسلم (٢): "ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر وطبخت، فأكل هو وعليّ من لحمها وشربا من مرقها". واستدلّ بحديث سراقة (٣) والبراء (٤) من قال: إن حجه ﷺ كان قرانًا. وقد تقدم الكلام على ذلك، واستدل بحديث عليّ على صحة الإِحرام معلقًا، وعلى جواز الاشتراك في الهدي وسيأتي الكلام على ذلك. [الباب الثامن] باب إدخال الحج على العمرة ٤٤/ ١٨٥٤ - (عَنْ نَافِعٍ قالَ: أرَادَ ابْنُ عُمَرَ الحَجَّ عامَ حَجَّةِ الحَرُورِيَّةِ في عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ النَّاسَ كائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ فَنَخَافُ أنْ يَصُدُّوكَ فَقالَ: لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله ﷺ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، إذَنْ أصْنَعُ كما صَنَعَ رَسُولُ الله ﷺ ، أُشْهِدُكُمْ أني قَدْ أوْجَبْتُ عُمْرَةً، ثُمَّ خَرَجَ حتَّى إذَا كانَ بِظاهِرِ البَيْدَاءِ قالَ: ما شأنُ الحَجّ وَالعُمْرَةِ إلَّا وَاحِدٌ، أشْهِدُكُمْ أني قَدْ جَمَعْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتي، وأهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ بِقُدَيْدٍ، وَانْطَلَقَ حتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَطافَ بالبَيْتِ وَبالصَّفا، وَلَمْ يَزِدْ على ذلكَ وَلَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيء حَرُمَ مِنْهُ حتَّى يَوْمِ النَّحْرِ فَحَلَقَ وَنَحَرَ، وَرَأى أنْ قَدْ قَضَى طَوَافَ الحَجّ وَالعُمْرَةِ بِطَوَافِهِ الأوّل، ثُمَّ قالَ: هَكَذَا صَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] قوله: (حجة الحرورية) هم الخوارج (٦)، ولكنهم حجوا في السنة التي مات

стр. 4162

فيها يزيد بن معاوية سنة أربع وستين وذلك قبل أن يتسمّى ابن الزبير بالخلافة، ونزل الحجاج بابن الزبير في سنة ثلاث وسبعين وذلك في آخر أيام ابن الزبير. فإما أن يحمل على أن الراوي أطلق على الحجاج وأتباعه حرورية لجامع ما بينهم من الخروج على أئمة الحقّ. وإما أن يحمل على تعدد القصة، وأن الحرورية حجت سنة أخرى. ولكنه يؤيد الأول ما في بعض طرق البخاري (١) من طريق الليث عن نافع بلفظ: "حين نزل الحجاج بابن الزبير"، وكذا لمسلم (٢) من رواية يحيى القطان. قوله: (كما صنع رسول الله ﷺ ) في رواية للبخاري (٣): "كما صنعنا مع رسول الله ﷺ ". قوله: (أشهدكم أني قد أوجبت عمرة) يعني من أجل أن النبي ﷺ كان أهلّ بعمرة عام الحديبية. قال النووي (٤): معناه إن صددت عن البيت وأحصرت تحللت من العمرة كما تحلل النبيّ ﷺ من العمرة. وقال عياض (٥): يحتمل أن المراد أنه أوجب عمرة كما أوجب النبي ﷺ ، ويحتمل أنه أراد الأمرين من الإِيجاب والإِحلال. قال الحافظ (٦): وهذا هو الأظهر. قوله: (ما شأن الحج والعمرة إلا واحد)، يعني فيما يتعلق بالإِحصار والإِحلال.

стр. 4163

قوله: (ولم يزد على ذلك)، هذا يقتضي أنه اكتفى بطواف القدوم عن طواف الإِفاضة وهو مشكل. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام عليه. وفي الحديث فوائد منها ما بوّب له المصنف من جواز إدخال الحج على العمرة، وإليه ذهب الجمهور (١) لكن بشرط أن يكون الإِدخال قبل الشروع في طواف العمرة. وقيل: إن كان قبل مضي أربعة أشواط صح وهو قول الحنفية (٢). وقيل: ولو بعد تمام الطواف وهو قول المالكية. ونقل ابن عبد (٣) البر أن أبا ثور شذ فمنع إدخال الحج على العمرة قياسًا على منع إدخال العمرة على الحجّ. (ومنها) أن القارن يقتصر على طواف واحد. (ومنها) أن القارن يهدي، وشذ ابن حزم (٤) فقال: لا هدي على القارن. (ومنها) جواز الخروج إلى النسك في الطريق المظنون خوفه إذا رجا السلامة، قاله ابن عبد البر (٥). (ومنها) أن الصحابة كانوا يستعملون القياس ويحتجون به، ٤٥/ ١٨٥٥ - (وَعَنْ جابِرٍ أنَّهُ قالَ: أقْبَلْنا مُهِلِّينَ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بِحَجّ مُفْرَدٍ، وأقْبَلَتْ عائِشَةُ بِعُمْرَةٍ حتَّى إذَا كُنَّا بِسَرِف عَرَكَتْ حتَّى إذَا قَدِمْنا مَكَّةَ طُفْنا بالكَعْبَةِ وَالصَّفا وَالمَرْوَةِ، فأمَرَنا رَسُولُ الله ﷺ أنْ يَحِلَّ مِنَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ، قالَ: فَقُلْنا: حِلُّ ماذَا؟ قالَ: "الحِلُّ كُلُّهُ"، فَوَاقَعْنا النِّساء، وتَطَيَّبْنا بالطِّيبِ، وَلَبِسْنا ثِيابَنا، وَلَيْسَ بَيْنَنا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إلَّا أرْبَعُ لَيالٍ، ثُمَّ أهْلَلْنا يَوْمَ الترْوِيَةِ، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ على عائِشَةَ فَوَجَدَها تَبْكِي، فَقالَ: "ما شأنُكِ؟ "، قالَتْ: شأنِي أني قَدْ حِضْتُ، وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أحْلُلْ وَلمْ أطف بالبَيْتِ وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إلى الحَجَّ

стр. 4164

الآنَ، فَقالَ: "إنَّ هَذَا أمْرٌ كَتَبَهُ الله على بَناتِ آدَمَ فاغْتَسِلي، ثُمَّ أهِلِّي بالحَجّ" فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتِ المَوَاقِفَ حتَّى إذَا طَهَرَتْ طافَتْ بالكَعْبَةِ وَبِالصَّفا وَالمَرْوَةِ ثُمَّ قالَ: "قدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وعُمْرَتكِ جَمِيعًا"، فَقالَتْ: يا رَسُولَ الله إني أجدُ في نَفْسِي أني لَمْ أطفْ بالبَيْتِ حِينَ حَجَجْتُ، قالَ: "فاذْهَبْ بِها يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ فأعْمِرْها مِنَ التَّنْعِيم"، وَذلكَ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] قوله: (بحجّ مفرد) استدل به من قال: إن حجه ﷺ كان مفردًا وليس فيه ما يدل على ذلك، لأن غاية ما فيه أنهم أفردوا الحجّ مع النبيّ ﷺ ، وليس فيه أن النبيّ ﷺ أفرد الحجّ، ولو سلم أنه يدل على ذلك فهو مؤول بما سلف. قوله: (عركت) (٢) بفتح العين المهملة والراء: أي حاضت. يقال: عركت تعرك [عروكًا] (٣) كقعدت تقعد قعودًا. قوله: (حلّ ماذا) بكسر الحاء المهملة وتشديد اللام وحذف التنوين للإِضافة وما استفهامية: أي الحلّ من أي شيء ذا، وهذا السؤال من جهة من جواز أنه حل من بعض الأشياء دون بعض. قوله: (الحلّ كله) أي الحلّ الذي لا يبقى معه شيء من ممنوعات الإِحرام بعد التحلل المأمور به. قوله: (ثم أهللنا يوم التروية) هو اليوم الثامن من ذي الحجة. قوله: (أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي) إلخ، هذا الغسل. قيل: هو الغسل للإِحرام، ويحتمل أن يكون الغسل من الحيض. قوله: (حتى إذا طهَرت) بفتح الهاء وضمها والفتح أفصح. قوله: (من حجتك وعمرتك) هذا تصريح بأن عمرتها لم تبطل ولم تخرج منها، وأن ما وقع في بعض الروايات من قوله: "ارفضي عمرتك" (٤)،

стр. 4165

وفي بعضها: "دعي عمرتك" (١) متأول. قال النووي (٢): إن قوله: "حتى إذا طهرت طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال: قد حللت من حجتك وعمرتك"، يستنبط منه ثلاث مسائل حسنة. (أحدها): أن عائشة كانت قارنة ولم تبطل عمرتها، وأن الرفض المذكور متأول. (الثانية): أن القارن يكفيه طواف واحد، وهو مذهب الشافعي (٣). والجمهور (٤). وقال أبو حنيفة (٥) وطائفة: يلزمه طوافان وسعيان. (الثالثة): أن السعي بين الصفا والمروة يشترط وقوعه بعد طواف صحيح. وموضع الدلالة أن رسول الله ﷺ أمرها أن تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت، ولم تسع كما لم تطف؛ فلو لم يكن السعي متوقفًا على تقدم الطواف عليه لما أخرته. قال (٦): واعلم أن طهر عائشة هذا المذكور كان يوم السبت وهو يوم النحر في حجة الوداع، وكان ابتداء حيضها هذا يوم السبت أيضًا لثلاث خلون من ذي الحجة سنة إحدى عشرة، ذكره أبو محمد بن حزم في كتابه حجة الوداع. قوله: (فاذهب بها يا عبد الرحمن .. ) إلخ. قد تقدم شرح هذا في أول كتاب الحج. والحديث ساقه المصنف ها هنا ﵀ للاستدلال به على جواز إدخال الحج على العمرة، وقد تقدم ما فيه من الخلاف والاشتراط. وللحديث فوائد يأتي ذكرها في مواضعها.

стр. 4166

[الباب التاسع] باب من أحرم مطلقًا أو قال: أحرمت بما أحرم به فلان ٤٦/ ١٨٥٦ - (عَنْ أنَسٍ قالَ: قَدِمَ علِيٌّ على النَّبِيّ ﷺ مِنَ اليَمن فَقالَ: "بِم أهْلَلْتَ يا علِيّ؟ "، فَقالَ: أهْلَلْتُ بإهْلالٍ كإهْلالِ النَّبِيّ ﷺ ، قالَ: "لَوْلا أن مَعِي الهَدْيَ لأحْلَلْتُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وَرَوَاهُ النَّسائي (٢) مِنْ حَدِيثِ جابِرٍ وَقالَ: فَقالَ لِعَلِيٍّ: "بِمَ أهْلَلْتَ؟ "، قالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إني أُهِل بِمَا أهَلَّ بِهِ رَسُولُ الله ﷺ ). [صحيح] ٤٧/ ١٨٥٧ - (وَعَنْ أبي مُوسَى قالَ: قَدِمْتُ على النَّبِيّ ﷺ وَهُوَ مُنِيخٌ بالبَطْحاء فَقالَ: "بِمَ أهْلَلْتَ؟ " قالَ: قُلْتُ: أهْلَلْتُ بإهْلالي … النَّبِيّ ﷺ ، قالَ: "سُقْتَ مِنْ هَدْي؟ "، قُلْتُ: لا، قالَ: "فَطُفْ بالبَيْتِ وَبالصَّفا وَالمَرْوة ثُمَّ [أحِلَّ] (٣) ": فَطُفْتُ بالبَيْتِ وَبالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ أتَيْتُ امْرأة مِنْ قَوْمِي فَمَشَطَتْنِي وَغَسَلَتْ رَأسِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). وفي لَفْظٍ قالَ: "كَيْفَ قُلْتَ حِينَ أحْرَمْتَ؟ "، قالَ: قُلْتُ: لَبَّيْكَ بإهْلالٍ كإهْلال النَّبِيّ ﷺ . وَذَكَرَهُ أخْرَجَاهُ (٥). [صحيح] قوله: (في حديث عليّ: لولا أن معي الهدي لأحللت)، قال البخاري (٦): زاد محمد بن بكر عن ابن جريج قال له النبيّ ﷺ : "بم أهللت يا عليّ؟ قال: بما أهل به النبيّ ﷺ ، قال: فاهد وامكث حرامًا كما أنت". قوله: (ثم أتيت امرأة من قومي) في رواية للبخاري (٧): "امرأة من قيس"،

стр. 4167

والمتبادر من هذا الإِطلاق أنها من قيس عيلان وليس بينهم وبين الأشعري نسبة. وفي رواية (١): "من نساء بني قيس". قال الحافظ (٢): فظهر لي من ذلك أن المراد بقيس أبوه قيس بن سليم والد أبي موسى الأشعري، وأن المرأة زوج بعض إخوته، فقد كان لأبي موسى من الإِخوة أبو رهم وأبو بردة، قيل: ومحمد. والحديثان يدلان على جواز الإِحرام كإحرام شخص يعرفه من أراد ذلك. وأما مطلق الإِحرام على الإِبهام فهو جائز ثم يصرفه المحرم إلى ما شاء لكونه ﷺ لم ينه عن ذلك وإلى ذلك ذهب الجمهور (٣). وعن المالكية (٤) لا يصح الإِحرام على الإِبهام وهو قول الكوفيين. قال ابن المنير (٥): وكأنه مذهب البخاري لأنه أشار في صحيحه عند الترجمة لهذين الحديثين إلى أن ذلك خاص بذلك الزمن، وأما الآن فقد استقرت الأحكام وعرفت مراتب الإِحرام فلا يصح ذلك. وهذا الخلاف يرجع إلى قاعدة أصولية (٦) وهي هل يكون خطابه ﷺ لواحد أو لجماعة مخصوصة في حكم الخطاب العام للأمة أو لا. فمن ذهب إلى الأول جعل حديث عليّ (٧) وأبي موسى (٨) شرعًا عامًا ولم يقبل دعوى الخصوصية إلا بدليل. ومن ذهب إلى الثاني قال: إن هذا الحكم مختص بهما، والظاهر الأول.

стр. 4168

[الباب العاشر] باب التلبية وصفتها وأحكامها ٤٨/ ١٨٥٨ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أن النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قائِمَةً عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ أهَلَّ فَقالَ: "اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالمُلْكَ لَكَ، لا شَرِيكَ لَكَ"؛ وكانَ عَبْدُ الله يَزِيدُ مَعَ هَذَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالخَيْرُ بِيَدَيْكَ، وَالرَّغْباءُ إلَيكَ وَالعَمَلُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] ٤٩/ ١٨٥٩ - (وَعَنْ جابِرٍ قالَ: "أهَلَّ رَسُولُ الله ﷺ فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ مِثْلَ حَدِيث ابْنِ عُمَرَ، قالَ: وَالنَّاسُ يَزِيدونَ ذَا المَعارج وَنَحْوَهُ مِنَ الكَلامِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَسْمَعُ فَلا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَأبُو دَاوُدَ (٣) وَمُسْلِمٌ (٤) بِمَعْنَاهُ). [صحيح] ٥٠/ ١٨٦٠ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ في تَلْبِيَتِهِ: "لَبَّيْكَ إلَهَ الحَقّ لَبَّيْكَ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَابْنُ ماجَهْ (٦) وَالنَّسائيُّ (٧). [صحيح] حديث أبي هريرة صححه ابن حبان (٨) والحاكم (٩). قوله: (فقال: لبيك)، قال في الفتح (١٠): هو لفظ مثنى عند سيبويه (١١) ومن

стр. 4169

تبعه، وقال يونس: هو اسم مفرد وألفه إنما انقلبت ياء لاتصالها بالضمير كلديَّ وعليّ. ورد بأنها قلبت ياء مع المظهر. وعن الفراء (١): هو منصوب على المصدر وأصله لبًّا لَكَ، فثني على التأكيد: أي إلبابًا بعد إلباب، وهذه التثنية ليست حقيقية بل هي للتكثير والمبالغة، ومعناه إجابة بعد إجابة، أو إجابة لازمة.

стр. 4170

وقيل: معناه غير ذلك. قال ابن عبد البر (١): قال جماعة من أهل العلم: معنى التلبية إجابة دعوة إبراهيم حين أذن في الناس بالحجّ. وهذا قد أخرجه عبد بن حميد (٢) وابن جرير (٣) وابن أبي حاتم (٤) بأسانيدهم في تفاسيرهم عن ابن عباس ومجاهد وعطاء وعكرمة وقتادة وغير واحد. قال الحافظ (٥): والأسانيد إليهم قوية، وهذا مما ليس للاجتهاد فيه مسرح فيكون له حكم الرفع. قوله: (إن الحمد) بكسر الهمزة على الاستئناف وبفتحها على التعليل. قال في الفتح: والكسر أجود عند الجمهور. قال ثعلب: لأن من كسر جعل معناه أن الحمد لك على كل حال، ومن فتح قال: معناه لبيك لهذا السبب الخاص، ومثله قال ابن دقيق العيد (٦). وقال ابن عبد البر (٧): معناهما واحد وتعقب. ونقل الزمخشري أن الشافعي (٨) اختار الفتح وأبا حنيفة اختار الكسر. قوله: (والنعمة لك) المشهور فيه النصب، ويجوز الرفع على الابتداء ويكون الخبر محذوفًا، قاله ابن الأنباري (٩) وكذلك (المُلْكَ) المشهور فيه النصب ويجوز الرفع. قوله: (وكان عبد الله .. ) إلخ. أخرج ابن أبي شيبة (١٠) من طريق المسور بن مخرمة قال: "كانت تلبية عمر" فذكر مثل المرفوع، وزاد: "لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك ذا النعماء والفضل الحسن".

стр. 4171

قال الطحاوي (١) بعد أن أخرجه من حديث عمر وابن مسعود وعائشة وجابر وعمرو بن معديكرب: أجمع المسلمون جميعًا على ذلك غير أن قومًا قالوا: لا بأس أن يزيد فيها من الذكر لله تعالى ما أحب، وهو قول محمد والثوري والأوزاعي. واحتجوا بما في الباب من حديث أبي هريرة وجابر وبالآثار المذكورة. وخالفهم آخرون فقالوا: لا ينبغي أن يزاد على ما علَّمه رسول الله ﷺ الناس، وبجواز الزيادة قال الجمهور (٢). وحكى ابن عبد البر (٣) عن مالك الكراهة وهو أحد قولي الشافعي (٤). وقد اختلف في حكم التلبية فقال الشافعي (٥) وأحمد (٦): إنها سنة. وقال ابن أبي هريرة: واجبة. وحكاه ابن قدامة (٧) عن بعض المالكية، والخطابي (٨) عن مالك وأبي حنيفة. واختلف هؤلاء في وجوب الدم لتركها. وقال ابن شاس (٩) من المالكية، وصاحب الهداية (١٠) من الحنفية: إنها واجبة يقوم مقامها فعل يتعلق بالحجّ كالتوجه على الطريق.

стр. 4172

وحكى ابن عبد البر (١) عن الثوري وأبي حنيفة وابن حبيب من المالكية والزبيري من الشافعية (٢) وأهل الظاهر (٣): إنها ركن في الإِحرام لا ينعقد بدونها. وأخرج ابن سعد عن عطاء بإسناد صحيح أنها فرض. وحكاه ابن المنذر (٤) عن ابن عمر وطاوس وعكرمة. ٥١/ ١٨٦١ - (وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أتانِي جِبْرِيلُ فأمَرَنِي أنْ آمُرَ أصْحابي أنْ يَرْفَعُوا أصْوَاتَهُمْ بالإِهْلالِ وَالتَّلْبِيةِ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ (٥) وصَحَّحهُ التِّرْمِذِيُّ. [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ: إنَّ جِبْرِيلَ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: كُنْ عَجَّاجًا ثَجَّاجًا. وَالعَجُّ: التَّلْبِيَةُ، وَالثَّجُّ: نَحْرُ البُدْنِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٦). [حسن] ٥٢/ ١٨٦٢ - (وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّه كانَ إذَا فَرَغَ مِنْ

стр. 4173

تَلْبِيَتِهِ سألَ الله رِضْوانَهُ وَالجَنَّة، وَاسْتَعاذَ بِرَحْمَتِهِ مِن النَّارِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (١) وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٢). [ضعيف] ٥٣/ ١٨٦٣ - (وَعَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: كانَ يُسْتَحَبُّ للرَّجُلِ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ أنْ يُصَلِّيَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (٣). [ضعيف] ٥٤/ ١٨٦٤ - (وَعَنِ الفَضْلِ بْنِ العَبَّاسِ قالَ: كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ الله ﷺ منْ جُمْعٍ إلى مِنًى، فَلَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (٤). [صحيح] وَعَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: يَرْفَعُ الحَدِيثَ: إنَّهُ كانَ يُمْسِكُ عَنِ التَّلْبِيَةِ فِي العُمْرَةِ إذَا اسْتَلَمَ الحَجَرَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ (٥). [موقوف صحيح] ٥٥/ ١٨٦٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "يُلَبِّي المُعْتَمِرُ حتَّى يَسْتَلِمَ الحَجَرَ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٦). [ضعيف] حديث السائب بن خلاد أخرجه أيضًا مالك في الموطأ (٧) والشافعي (٨) عنه

стр. 4174

وابن حبان (١) والحاكم (٢) والبيهقي (٣) وصححوه. وأخرج نحوه الحاكم (٤) عن أبي هريرة مرفوعًا. وأحمد (٥) من حديث ابن عباس. وأخرج ابن أبي شيبة (٦) عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: "كان أصحاب النبي ﷺ يرفعون أصواتهم حتى تبحّ أصواتهم". وأخرج الترمذي (٧) وابن ماجه (٨) والحاكم (٩) من حديث أبي بكر الصديق: "أفضل الحجّ العجّ والثجّ"، واستغربه الترمذي (١٠). وحكى الدارقطني (١١) الاختلاف فيه. وأشار الترمذي (١٢) إلى نحوه من حديث جابر. ووصله أبو القاسم في الترغيب والترهيب (١٣)، وراويه متروك وهو إسحاق بن

стр. 4175

أبي فروة. وروى ابن المقري في مسند أبي حنيفة (١) عن ابن مسعود نحوه. وأخرجه أبو يعلى (٢). وحديث خزيمة في إسناده صالح بن محمد بن أبي زائدة وهو مدني ضعيف (٣)، وفيه أيضًا إبراهيم بن أبي يحيى (٤)، ولكنه قد تابعه عليه عبد الله بن عبيد الله الأموي، وأخرجه البيهقي (٥) والدارقطني (٦). وحديث ابن عباس الأوّل في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٧)، وفيه مقال. وحديثه الثاني قال المنذري (٨): أخرجه الترمذي وقال: صحيح، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى (٧). وقد تكلم فيه جماعة من [الأئمة] (٩)، انتهى كلام المنذري. وليس في الترمذي إلا الحديث الأول الذي عزاه إليه المصنف، وهو والذي بعده حديث واحد، ولكنه لما اختلف لفظهما جعلهما المصنف حديثين. قوله: (أن آمر أصحابي .. ) إلخ. استدلّ به على استحباب رفع الصوت للرجل بالتلبية بحيث لا يضر نفسه، وبه قال الجمهور (١٠) قال ابن رسلان: وخرج

стр. 4176

بقوله: "أصحابي" النساء فإن المرأة لا تجهر بها بل تقتصر على إسماع نفسها. قال الروياني (١): فإن رفعت صوتها لم يحرم لأنه ليس بعورة على المصحح بل يكون مكروهًا، وكذا قال أبو الطيب (٢) وابن الرفعة. وذهب داود (٣) إلى أن رفع الصوت واجب وهو ظاهر قوله: "فأمرني أن آمر أصحابي"، لا سيما وأفعال الحجّ وأقواله بيان لمجمل واجب هو قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٤)، وقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" (٥). قوله: (حتى رمى جمرة العقبة)، فيه دليل على أن التلبية تستمر إلى رمي جمرة العقبة، وإليه ذهب الجمهور (٦). وقالت طائفة: يقطع المحرم التلبية إذا دخل الحرم وهو مذهب ابن عمر (٧)، لكن يعاود التلبية إذا خرج من مكة إلى عرفة. وقالت طائفة: يقطعها إذا راح إلى الموقف، رواه ابن المنذر (٨) وسعيد بن منصور بأسانيد صحيحة عن عائشة (٩)، وسعد بن أبي وقاص

стр. 4177

وعليّ (١)، وبه قال مالك (٢)، وقيده بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي (٣) والليث (٣). وعن الحسن البصري (٣) مثله لكن قال: "إذا صلى الغداة يوم عرفة". واختلف الأولون هل يقطع التلبية مع رمي أول حصاة أو عند تمام الرمي؟ فذهب جمهورهم (٤) إلى الأول وإلى الثاني أحمد (٥) وبعض أصحاب الشافعي (٦). ويدل لهم ما [روى] (٧) ابن خزيمة (٨) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن عليّ بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل قال: "أفضت مع النبيّ ﷺ من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة ويكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة". قال ابن خزيمة (٩): هذا حديث صحيح مفسر لما أبهم في الروايات الأخرى، وأن المراد حتى رمى جمرة العقبة: أي أتم رميها. اهـ. والأمر كما قال ابن خزيمة، فإن هذه زيادة مقبولة خارجة من مخرج صحيح غير منافية للمزيد وقبولها متفق عليه كما تقرر في الأصول (١٠). قوله: (حتى يستلم الحجر) ظاهره أنه يلبي في حال دخوله المسجد وبعد رؤية البيت وفي حال مشيه حتى يشرع في الاستلام، ويستثنى منه الأوقات التي فيها دعاء مخصوص.

стр. 4178

وقد ذهب إلى ما دلّ عليه الحديث من ترك التلبية عند الشروع في الاستلام أبو حنيفة (١) والشافعي في الجديد وقال في القديم: يلبي ولكنه يخفض صوته وهو قول ابن عباس وأحمد (٢). [الباب الحادي عشر] باب ما جاءَ في فسخ الحج إلى العمرة ٥٦/ ١٨٦٦ - (عَنْ جابِرٍ قالَ: أهْلَلْنا بالحَجّ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ أمَرَنا أنْ نَحِلَّ ونَجْعَلَها عُمْرَةً، فكَبُرَ ذلكَ عَلَيْنا وَضَاقَتْ بِهِ صُدُورُنا، فَقالَ: "يا أيُّها النَّاسُ أحِلُّوا فَلَوْلا الهَدْيُ مَعِي فَعَلْتُ كما فَعَلْتُمْ"، قالَ: فأحْلَلْنا حتَّى وَطِئْنا النِّساءَ وَفَعَلْنا كما يَفْعَلُ الحَلالُ، حتَّى إذَا كانَ يَوْمَ التَّرْوَيةِ وَجَعَلْنا مَكَّةَ بِظَهْرٍ أهْلَلْنا بالحَجّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح]

стр. 4179

وفي رِوَايَةٍ: أهْلَلْنا مَعَ النَّبِيّ ﷺ بالحَجّ خالِصًا لا يُخالِطُهُ شَيْء، فَقَدِمْنا مَكَّةَ لأرْبَعِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحَجَّةِ، فَطُفْنا وَسَعَيْنا، ثُمَّ أمَرَنا رَسُولُ الله ﷺ أنْ نُحِلَّ وَقالَ: "لَوْلا هَدْيي لحَلَلْتُ"، ثُمَّ قامَ سُرَاقَةُ بْنُ مالِكٍ فَقالَ: يا رَسُولَ الله أرأيت مُتْعَتُنا هَذهِ لعامنا هَذَا أمْ للأبَد؟ فَقالَ: "بَلْ هِيَ للأبَد". رَوَاهُ البُخارِيُّ (١) وأبُو دَاوُدَ (٢) وَلمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ (٣). [صحيح] ٥٧/ ١٨٦٧ - (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ قالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ وَنَحْنُ نَصْرُخُ بالحَجّ صُرَاخًا؛ فَلَمَّا قَدِمْنا مَكَّةَ أمَرَنا أنْ نَجْعَلَها عُمْرَةً إلَّا مَنْ ساقَ الهَدْيَ؛ فَلَمَّا كانَ يَوْمُ التَّرْوِيةِ وَرُحْنا إلى مِنًى أهْلَلْنا بالحَجّ. رَوَاهُ أحْمَد (٤) وَمُسْلِم (٥). [صحيح] ٥٨/ ١٨٦٨ - (وَعَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبي بَكْرٍ قالَتْ: خَرَجْنا مُحْرِمِينَ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَيُقِمْ على إحْرَامِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ"، فَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ فَحَلَلْتُ، وكانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَدْيٌ فَلَمْ يَحْلِلْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٦) وَابْنُ مَاجَهْ (٧). [صحيح] ولمُسْلِمٍ (٨) في رِوَايَةٍ: قَدِمْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ مُهِلِّينَ بالحَجّ). [صحيح] قوله: (وجعلنا مكة بظهر) أي جعلناها وراء أظهرنا، وذلك عند إرادتهم الذهاب إلى منى.

стр. 4180

قوله: (لا يخالطه شيء) يعني من العمرة ولا القران ولا غيرهما. قوله: (من ذي الحجة) بكسر الحاء على الأفصح. قوله: (أرأيت متعتنا هذه)، أي أخبرني عن فسخنا الحجّ إلى عمرتنا هذه التي تمتعنا فيها بالجماع والطيب واللبس. قوله: (لعامنا هذا)، أي مخصوصة به لا تجوز في غيره، أم للأبد: أي جميع الأعصار. وقد استدلّ بهذه الأحاديث وبما يأتي بعدها مما ذكره المصنف من قال: إنه يجوز فسخ الحجّ إلى العمرة لكل أحد. وبه قال أحمد (١) وطائفة من أهل الظاهر (٢). وقال مالك (٣) وأبو حنيفة (٤) والشافعي (٥). قال النووي (٦) وجمهور العلماء من السلف والخلف: إن فسخ الحج إلى العمرة هو مختصّ بالصحابة في تلك السنة لا يجوز بعدها، قالوا: وإنما أمروا به في تلك السنة ليخالفوا ما كانت عليه الجاهلية من تحريم العمرة في أشهر الحجّ. واستدلوا بحديث أبي ذر (٧) وحديث الحارث بن بلال (٨) عن أبيه وسيأتيان ويأتي الجواب عنهما. قالوا: ومعنى قوله: "للأبد" جواز الاعتمار في أشهر الحجّ أو القران فهما جائزان إلى يوم القيامة. وأما فسخ الحجّ إلى العمرة فمختص بتلك السنة. وقد عارض المجوِّزون للفسخ ما احتج به المانعون بأحاديث كثيرة عن أربعة عشر من الصحابة قد ذكر المصنف في هذا الباب منها أحاديث عشرة منهم:

стр. 4181

وهم: جابر (١)، وسراقة بن مالك (٢)، وأبو سعيد (٣)، وأسماء (٤)، وعائشة (٥)، وابن عباس (٦)، وأنس (٧)، وابن عمر (٨)، والربيع بن سبرة (٩)، والبراء (١٠). وأربعة لم يذكر أحاديثهم وهم: حفصة (١١) وعليّ (١٢) وفاطمة (١٣) بنت رسول الله ﷺ وأبو موسى (١٤). قال في الهدي (١٥): "وروى ذلك عن هؤلاء الصحابة طوائف من كبار التابعين، حتى صار منقولًا عنهم نقلًا يرفع الشكّ، ويوجب اليقين، ولا يُمكن أحدًا أن ينكره أو يقول لم يقع، وهو مذهبُ أهل بيت رسول الله ﷺ . ومذهبُ حَبْر [الأمة] (١٦) وبحرها ابن عباس وأصحابه، ومذهب أبي موسى الأشعري، ومذهب إمام أهل السنة والحديث أحمد بن حنبل (١٧)، وأهل الحديث معه، ومذهب عبد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة ومذهب أهل الظاهر" (١٨). انتهى. واعلم أن هذه الأحاديث قاضية بجواز الفسخ، وقول أبي ذر لا يصلح

стр. 4182

للاحتجاج به على أنها مختصة بتلك السنة وبذلك الركب، وغاية ما فيه أنه قول صاحبي فيما هو مسرح للاجتهاد فلا يكون حجة على أحد على فرض أنه لم يعارضه غيره، فكيف إذا عارضه رأي غيره من الصحابة: كابن عباس فإنه أخرج عنه مسلم (١) أنه كان يقول: "لا يطوف بالبيت حاجّ إلا حَلَّ". وأخرج عنه عبد الرزاق (٢) أنه قال: "مَنْ جاءَ مُهِلًّا بالحجِّ فإنَّ الطوافَ بالبيتِ يُصَيِّرُه إلى عُمْرة شاءَ أم أَبَى، فقيل له: إنَّ الناسَ يُنْكِرونَ ذلِكَ عليكَ، فقال: هي سُنَّةُ نَبِيِّهِمْ وإنْ رَغِمُوا (٣)، وكأبي موسى فإنه كان يفتي بجواز الفسخ في خلافة عمر كما في صحيح البخاري (٤)، على أن قول أبي ذر معارض بصريح السنة كما تقدم في جوابه ﷺ لسراقة بقوله: للأبد لما سأله عن متعتهم تلك بخصوصها مشيرًا إليها بقوله: "مُتعتنا هذه"، فليس في المقام متمسك بيد المانعين يعتد به ويصلح لنصبه في مقابلة هذه السنة المتواترة. وأما حديث الحارث بن بلال عن أبيه فسيأتي (٥) أنه غير صالح للتمسك به على فرض انفراده، فكيف إذا وقع معارضًا لأحاديث أربعة عشر صحابيًا كلها صحيحة، وقد أبعد من قال: إنها منسوخة لأن دعوى النسخ [تحتاج] (٦) إلى نصوص صحيحة متأخرة عن هذه النصوص، وأما مجرد الدعوى فأمر لا يعجز عنه أحد. وأما ما رواه البزار (٧) عن عمر أنه قال: "إن رسول الله ﷺ أحل لنا المتعة ثم حرمها علينا"، فقال ابن القيم (٨): إن هذا الحديث لا سند [له] (٩) ولا متن. أما سندُه فمما لا تقومُ به حُجة عند أهلِ الحديث. وأما متنه، فإن المراد بالمتعة فيه مُتعة النساء.

стр. 4183

ثم استدلّ على أن المراد ذلك بإجماع الأمة على أن متعة الحجّ غير محرمة، وبقول عمر: لو حججت لتمتعت كما ذكره الأثرم في سننه (١)، وبقول عمر لما سئل: "هل نهي عن مُتعة الحجّ؟ فقال: لا، أَبَعْدَ كِتاب الله؟ "، أخرجه عنه عبد الرزاق (٢)، وبقوله ﷺ (٣): "بل للأبد" فإنه قطع لتوهم ورود النسخ عليها. واستدلّ على النسخ بما أخرجه أبو داود (٤): "أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ أتى عمر بن الخطاب فشهد عنده أنه سمع رسول الله ﷺ في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحجّ". وهو من رواية سعيد بن المسيب عن الرجل المذكور وهو لم يسمع من عمر. وقال أبو سليمان الخطابي (٥): في إسناد هذا الحديث مقال. وقد اعتمر رسول الله ﷺ قبل موته. وجوز ذلك إجماع أهل العلم، ولم يذكر فيه خلافًا. انتهى. إذا تقرر لك هذا علمت أن هذه السنة عامة لجميع الأمة، وسيأتي في آخر هذا الباب بقية متمسكات الطائفتين. وقد اختلف هل الفسخ على جهة الوجوب أو الجواز! فمال بعض إلى أنه واجب. قال ابن القيم في الهدي (٦) بعد [أن] (٧) ذكر حديث البراء الآتي (٨)

стр. 4184

وغضبه ﷺ لما لم يفعلوا ما أمرهم به من الفسخ ونحن نشهد الله علينا أنا لو أحرمنا بحجّ لرأينا فرضًا علينا فسخه إلى عمرة تفاديًا من غضب رسول الله ﷺ واتباعًا لأمره. فوالله ما نسخ هذا في حياته [ولا بعده] (١)، ولا صحّ حرف واحد يعارضه ولا خصّ به أصحابه دون من بعدهم، بل أجرى الله على لسان سراقة (٢) أن سأله هل ذلك مختصّ بهم؟ فأجابه بأن ذاك كائن لأبد الأبد، فما ندري ما يقدم على هذه الأحاديث، وهذا الأمر المؤكد الذي غضب رسول الله ﷺ على من خالفه. انتهى. والظاهر أن الوجوب رأي ابن عباس لقوله فيما تقدم: إن الطواف بالبيت يصيره إلى عمرة شاء أم أبى. ٥٩/ ١٨٦٩ - (وَعَنِ الأسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قالَتْ: خَرَجْنا مَعَ النَّبِيّ ﷺ وَلا نَرَى إلا أنَّهُ الحَجُّ: فَلَمَّا قَدِمْنا تَطَوَّفْنا بالبَيْتِ، وأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ ساقَ الهَدْيَ أنْ يَحِلَّ فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ ساقَ، وَنِساؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ فأحْلَلْنَ، قالَتْ عائِشَةُ: فَحِضْتُ فَلَمْ أطُفْ بالبَيْتِ، وَذَكَرَتْ قِصَّتَها. مُتَّفَقٌ عَلَيْه (٣). [صحيح] ٦٠/ ١٨٧٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: كانُوا يَرَوْنَ العُمْرَةَ في أشْهُرِ الحَجّ مِنْ أفْجَرِ الفُجُورِ في الأرْضِ وَيَجْعَلُونَ المُحَرَّمَ صَفَرْ، ويقُولُونَ: إذَا بَرأ الدَّبَرْ، وَعَفا الأَثَرْ، وَانْسَلَخَ صَفَرْ، حَلَّتِ العُمْرَةُ لمَنِ اعْتَمَرْ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحَابُهُ صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ مُهِلّينَ بالحَجّ، فأمَرَهُمْ أنْ يَجْعَلُوها عُمْرَةً، فَتَعَاظَمَ ذلكَ عِنْدَهُمْ فَقالُوا: يا رَسُولَ الله أيُّ الحلّ؟ قال: "حلٌّ كُلُّهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] ٦١/ ١٨٧١ - (وَعَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِها، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ هَدْيٌ فَلْيُحْلِلْ الحِلَّ كُلَّهُ، فإنَّ العُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ في الحَجّ إلى

стр. 4185

يَوْمِ القِيامَةِ". رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ (٢) وَأبُو دَاوُدَ (٣) وَالنَّسائيُّ (٤). [صحيح] ٦٢/ ١٨٧٢ - (وَعَنْهُ أيْضًا: أنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الحَجّ، فَقالَ: أهَلَّ المُهاجِرُونَ وَالأنْصَارُ وأزْوَاجُ النَّبِيِّ ﷺ في حَجَّةِ الوَدَاع وَأهْلَلْنا؛ فَلَمَّا قَدِمْنا مَكَّةَ قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اجْعَلُوا إهْلالَكُمْ بالحَجّ عُمْرَةً إلّا مَنْ قَلَّدَ الهَدْي"، فَطُفْنا بالبَيْتِ وَبالصَّفا وَالمَرْوَةِ، وأتَيْنا النِّساءَ وَلَبِسْنا الثِّيابَ، وَقالَ: "مَنْ قَلَّدَ الهَدْي فإنَّهُ لا يَحِلُّ لَهُ حتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ"، ثُمَّ أمَرَنا عَشِيَّةَ التَّرْوِيَةِ أنْ نُهِلَّ بالحَجّ وَإذا فَرَغْنا مِنَ المَنَاسِكِ جِئْنا طُفْنا بالبَيْتِ وَبالصَّفا وَالمَرْوَةِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّنا وَعَلَيْنا الهَدْيُ كما قالَ تَعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٥) إلى أمْصَارِكُمْ. رَوَاهُ البُخارِيُّ (٦). [صحيح] قوله: (ولا نرى إلا أنه الحجّ)، في لفظ لمسلم (٧): "ولا نذكر إلا الحجّ".

стр. 4186

وظاهر هذا أن عائشة مع غيرها من الصحابة كانوا محرمين بالحجّ، وقد تقدم قولها (١): "فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهل بالحجّ والعمرة، ومنا من أهلّ بالحجّ". فيحتمل أنها ذكرت ما كانوا يعتادونه من ترك الاعتمار في أشهر الحجّ، فخرجوا لا يعرفون إلا الحجّ، ثم بيّن لهم النبيّ ﷺ وجوه الإِحرام، وجوّز لهم الاعتمار في أشهر الحجّ. قوله: (ونساؤه لم يسقن) أي الهدي. قوله: (وذكرت قصتها) وهي كما في البخاري (٢) وغيره (٣): "فلما كانت ليلة الحصبة قلت: يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة [وأرجع (٤) أنا] بحجة؟ قال: وما طفتِ ليالي قدمنا مكة؟ قلت: لا، قال: فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلّي بعمرة ثم موعدك كذا وكذا، فقالت صفية: ما أراني إلا حابستهم، قال: عَقْرَى حَلْقَى، أو ما طفت يوم النحر؟ قالت: قلت: بلى، قال: لا بأس انفري، قالت عائشة: فلقيني النبيّ ﷺ وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها أو أنا مصعدة وهو منهبط منها". قوله: (من أفجر الفجور)، هذا من أباطيلهم المستندة إلى غير أصل كسائر أخواتها. قوله: (ويجعلون المحرّم صفر) قال في الفتح (٥): كذا هو في جميع الأصول من الصحيحين. قال النووي (٦): كان ينبغي أن يكتب بالألف ولكن على تقدير حذفها لا بدّ من قراءته منصوبًا لأنه مصروف بلا خلاف، يعني والمشهور في اللغة الربيعية كتابة المنصوب بغير الألف فلا يلزم من كتابته بغير ألف أن لا يصرف فيقرأ

стр. 4187

بالألف، وسبقه عياض (١) إلى نفي الخلاف فيه، لكن في المحكم (٢) [كان] (٣) أبو عبيدة [لا يصرفه] (٤)، فقيل: لا يمنع الصرف حتى يجتمع علتان فما هما؟ قال: المعرفة والساعة، وفسره المظفري (٥) بأن مراده بالساعة الزمان، والأزمنة ساعات، والساعات مؤنثة. انتهى. وإنما جعلوا المحرّم صفرًا لما كانوا عليه من النسيء في الجاهلية، فكانوا يسمون المحرّم صفرًا ويحلونه، ويؤخرون تحريم المحرّم لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة فيضيق عليهم فيها ما يعتادون من المقاتلة والغارة والنهب، فضلَّلهم الله في ذلك فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٦). قوله: (إذا برأ الدَّبَر) (٧) بفتح الدال المهملة والموحدة: أي ما كان يحصل بظهور الإِبل من الحمل عليها ومشقة السفر فإنه كان يبرأ عند انصرافهم من الحجّ. قوله: (وعفا الأثر)، أي اندرس أثر الإِبل وغيرها في سيرها ويحتمل أثر الدبر المذكور (٨)، وهذه الألفاظ تقرأ ساكنة الراء لإِرادة السجع. ووجه تعليق جواز الاعتمار بانسلاخ صفر مع كونه ليس من أشهر الحجّ أنهم لما جعلوا المحرّم صفرًا وكانوا لا يستقرّون ببلادهم في الغالب ويبرأ دبر إبلهم إلا عند انسلاخه ألحقوه بأشهر الحجّ على طريق التبعية، وجعلوا أوّل أشهر الاعتمار شهر المحرّم الذي هو في الأصل صفر، والعمرة عندهم في غير أشهر الحجّ.

стр. 4188

قوله: (قال حلّ كله) أي الحلّ الذي يجوز معه كل محظورات الإِحرام حتى الوطء للنساء. قوله: (هذه عمرة استمتعنا بها)، هذا من متمسكات من قال: إن حجه ﷺ كان تمتعًا وتأوّله من ذهب إلى خلافه بأنه أراد به من تمتع من أصحابه كما يقول الرجل الرئيس في قومه: فعلنا كذا وهو لم يباشر ذلك، وقد تقدم الكلام على حجه ﷺ . قوله: (فإن العمرة قد دخلت في الحجّ إلى يوم القيامة)، قيل: معناه سقط فعلها بالدخول في الحج، وهو على قول من لا يرى العمرة واجبة. وأما من يرى أنها واجبة فقال النووي (١): قال أصحابنا وغيرهم: فيه تفسيران: (أحدهما): معناه دخلت أفعال العمرة في أفعال الحجّ إذا جمع بينهما بالقران. (والثاني): معناه لا بأس بالعمرة في أشهر الحجّ. قال الترمذي (٢): هكذا قال الشافعي (٣) وأحمد (٤) وإسحاق. وهذه الأحاديث من أدلة القائلين بالفسخ، وقد تقدم البحث في ذلك. ٦٣/ ١٨٧٣ - (وَعَنْ أنَسٍ: أن النَّبِيَّ ﷺ باتَ بِذِي الحُلَيْفَةِ حتَّى أصْبَحَ، ثُمَّ أهَلَّ بِحَجّ وَعُمْرَةٍ وأهَلَّ النَّاسُ بِهِما؛ فَلَمَّا قَدِمْنا أمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا حتَّى كانَ يَومُ التَّرْوِيةِ أهَلُّوا بالحَجّ، قالَ: وَنَحَر النَّبِيّ ﷺ سَبْعَ بَدَناتٍ بِيَدهِ قِيامًا وَذَبَحَ بالمُدْيَةِ كَبْشَيْنِ أمْلَحَيْن. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَالبُخارِيُّ (٦) وأبُو دَاوُدَ (٧). [صحيح] ٦٤/ ١٨٧٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ مَكَّةَ وأصْحابُهُ

стр. 4189

مُهِلِّينَ بالحَجّ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ شَاءَ أنْ يَجْعَلَها عُمْرَةً إلَّا مَنْ كانَ مَعَهُ الهَدْيُ"، قالُوا: يا رَسُولَ الله أيَرُوحُ أحَدُنا إلى مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا؟ قالَ: "نعَمْ وَسَطَعَتِ المَجامِرُ". رَوَاهُ أحْمَدُ (١). [صحيح] حديث ابن عمر هذا قال في مجمع الزوائد (٢): رجال أحمد رجال الصحيح وهو في الصحيح باختصار، وهو من أحاديث الفسخ التي قال ابن القيم (٣) كلها صحاح، وهو أحد الأحاديث التي قال أحمد بن حنبل (٤): إن عنده في الفسخ أحد عشر حديثًا صحاحًا. قوله: (بات بذي الحليفة حتى أصبح)، فيه استحباب المبيت بميقات الإِحرام. قوله: (وأهلَّ الناس بهما)، فيه استحباب أن تكون تلبية الناس بعد تلبية كبير القوم، ولفظ أبي داود (٥): " [ثم] (٦) أهلّ الناس بهما". قوله: (فحلوا)، أي أمر من فسخ الحجّ إلى العمرة ممن كان معه أن يحلّ من عمرته. قوله: (يوم التروية)، وهو اليوم الثامن من ذي الحجة كما تقدم. قوله: (قيامًا)، فيه استحباب نحر الإِبل قائمة. قوله: (وذبح بالمدية كبشين)، فيه مشروعية الأضحية، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى، ويأتي إن شاء الله تفسير الأملح. قوله: (وذكره يقطر منيًا)، فيه إشارة إلى قرب العهد بوطء النساء.

стр. 4190

وفيه دليل على جواز استعمال الكلام في المبالغة. قوله: (وسطعت المجامر) في رواية لابن أبي شيبة (١) عن أسماء بنت أبي بكر ما لفظه: "جئنا مع رسول الله ﷺ حجاجًا فجعلناها عمرة، فحللنا الإِحلال كله حتى سطعت المجامر (٢) بين الرجال والنساء". والمراد: أنهم تبخروا، والبخور نوع من أنواع الطيب. ٦٥/ ١٨٧٥ - (وَعَنِ الرَّبِيع بْنِ سَبُرَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ حتَّى إذَا كانَ بعُسْفانَ قالَ لَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مالِكٍ المُدْلجِيُّ: يا رَسُولَ الله اقْضِ لنَا قَضَاءَ قَوْمٍ كأنَّمَا وُلِدُوا اليَوْمَ، فَقَالَ: "إِنَّ الله قَدْ أدْخَلَ عَلَيْكُمْ في حَجِّكُمْ عُمْرَةً، فإذا قَدِمْتُمْ فَمَنْ تَطَوَّفَ بالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفا وَالمَرْوةِ فَقَدْ حَلَّ إلَّا مَنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٣). [صحيح] ٦٦/ ١٨٧٦ - (وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ وأصحَابُهُ، قالَ: فأحْرَمْنا بالحَجّ، فَلَمَّا قَدِمْنا مَكَّةَ قَالَ: "اجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً"، قالَ: فَقالَ النَّاسُ: يا رَسُولَ الله قَدْ أحْرَمْنا بالحَجّ كَيْفَ نَجْعَلُها عُمْرَةً؟ قالَ: "انْظُرُوا ما آمُرُكُمْ بِهِ فافْعَلُوا"، فَرَدُّوا عَلَيْهِ القَوْلَ فَغَضِبَ، ثُمَّ انْطَلَقَ حتَّى دَخَلَ على عائِشَةَ وَهُوَ غَضْبانُ، فَرَأتِ الغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَقالَتْ: مَنْ أغْضَبَكَ أغْضَبَهُ الله؟ قالَ: "وَما لي لا أغْضَبُ وأنا آمُرُ بالأمْرِ فَلا أُتَّبَعُ؟ ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَابْنُ ماجَهْ (٥). [ضعيف]

стр. 4191

الحديث الأوّل سكت عنه أبو داود (١) والمنذري (٢) ورجاله رجال الصحيح. والحديث الثاني أخرجه أيضًا أبو يعلى (٣) ورجاله رجال الصحيح، كما قال في مجمع الزوائد (٤)، وهو من الأحاديث في الفسخ التي صححها أحمد (٥) وابن القيم (٦). قوله: (بعسفان) قرية بين مكة والمدينة على نحو مرحلتين من مكة (٧). قال في الموطأ: بين مكة وعسفان أربع برد. قوله: (اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم)، أي أعلمنا علم قوم كأنما وجدوا الآن. وفي رواية لأبي داود: "كأنما وفدوا اليوم، أي كأنما وردوا عليك الآن". قوله: (إلا من كان معه هدي)، يعني فإنه لا يحل حتى يبلغ الهدي محله. قوله: (فغضب)، استدلّ به من قال بوجوب الفسخ، لأن الأمر لو كان أمر ندب لكان المأمور مخيرًا بين فعله وتركه، ولما كان يغضب رسول الله ﷺ عند مخالفته، لأنه لا يغضب إلا لانتهاك حرمة من حرمات الدين لا لمجرد مخالفة ما أرشد إليه على جهة الندب، ولا سيما وقد قالوا له: "قد أحرمنا بالحجّ كيف نجعلها عمرة؟ فقال لهم: انظروا ما آمركم به فافعلوا"، فإن ظاهر هذا أن ذلك أمر حتم، لأن النبيّ ﷺ لو كان أمره ذلك لبيان الأفضل أو لقصد الترخيص لهم لأبان لهم بعد هذه المراجعة أن ما أمرتكم به هو الأفضل، أو قال لهم: إني أردت الترخيص لكم والتخفيف عنكلم. ٦٧/ ١٨٧٧ - (وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن عَنِ الحَارِثِ بْنِ بِلالٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله، فَسْخُ الحَجّ لنَا خاصَّةً أمْ للنَّاسِ عامَّةً؟ قالَ: "بَلْ لَنَا خَاصَّةً".

стр. 4192

رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ (١)، وَهُوَ بِلالُ بْنُ الحارِثِ المُزَنيُّ). [ضعيف منكر] ٦٨/ ١٨٧٨ - (وَعَنْ سُلَيْمِ بْنِ الأسْوَدِ أن أبا ذَرّ كانَ يَقُولُ فِيمَنْ حَجَّ ثُمَّ فَسَخَها بِعُمْرَةٍ: لَمْ يَكُنْ ذلكَ إلَّا للرَّكْبِ الَّذِينَ كانُوا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ . رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢). [صحيح موقوف شاذ] وَلمُسْلِمٍ (٣) وَالنَّسائيّ (٤) وَابْنِ ماجَهْ (٥) عَنْ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبي ذَرّ قالَ: كانَتِ المُتْعَةُ فِي الحَجّ لأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خاصَّة. [صحيح موقوف] قالَ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (٦): حَدِيثُ بِلالٍ بن الحارِثِ عِنْدِي لَيْسَ يَثْبُتُ، وَلا أقُولُ بِهِ، وَلا يُعْرَفُ هَذَا الرَّجُلُ يَعْنِي الحارِثَ بْنَ بِلالٍ. وَقالَ: أرأيْتَ لَوْ عُرِفَ الحارِثُ بْنُ بِلالٍ إلَّا أن أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يَرَوْنَ ما يَرَوْنَ مِنَ الفَسْخِ، أيْنَ يَقَعُ الحارِثُ بْنُ بِلالٍ مِنْهُمْ؟. وَقال فِي رِوَايَةِ أبي دَاوُدَ (٧): لَيْسَ يَصِحُّ حَدِيثٌ في أن الفَسْخَ كانَ لَهُمْ

стр. 4193

خاصَّةً، وَهَذَا أبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ يُفْتِي بِهِ في خِلافَةِ أبي بَكْرٍ وَشَطْرًا مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ. قُلْتُ: وَيَشْهَدُ لما قَالَهُ قوله في حَدِيثِ جابِرٍ (١): "بَلْ هِيَ للأبَدِ". وَحَدِيثُ أبي ذَرّ (٢) مَوْقُوفٌ، وَقَدْ خالَفَهُ أبُو مُوسَى وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُما). أما حديث بلال بن الحارث ففيه ما نقله المصنف عن أحمد. وقال المنذري (٣): إن الحارث شبه المجهول. وقال الحافظ (٤): الحارث بن بلال من ثقات التابعين. وقال ابن القيم (٥): نحن نشهَدُ باللهِ أن حديث بلال بن الحارث هذا لا يصح عن رسول الله ﷺ وهو غلط عليه. قال (٦): ثم كيف يكون هذا ثابتًا عن رسول الله ﷺ وابن عباس يُفتي بخلافه ويناظر عليه طول عمره بمشهد من الخاصّ والعامّ، وأصحابُ رسول الله ﷺ متوافِرون ولا يقول له رجل واحد منهم: هذا كان مختصًا بنا ليس لغيرنا. انتهى. وقد روى عن عثمان (٧) مثل قول أبي ذر في اختصاص ذلك بالصحابة، ولكنهما جميعًا مخالفان للمروي عن النبيّ ﷺ أن ذلك للأبد بمحض الرأي، قد حُمل ما قالاه على محامل:

стр. 4194

(أحدها): أنهما أرادا اختصاص وجوب ذلك بالصحابة، وهو قول ابن تيمية حفيد المصنف، لا مجرّد الجواز والاستحباب فهو للأمة إلى يوم القيامة. (وثانيها): أنه ليس لأحد بعد الصحابة أن يبتدئ حجًا قارنًا أو مفردًا بلا هدي يحتاج معه إلى الفسخ، ولكن فرض عليه أن يفعل ما أمر به النبيّ ﷺ وهو التمتع لمن لم يسق الهدي والقران لمن ساقه، وليس لأحد بعدهم أن يحرم بحجة مفردة ثم يفسخها ويجعلها متعة، وإنما ذلك خاص بالصحابة، وهذان المحملان يعارضان ما حمل المانعون كلامهما عليه من أن المراد أن الجواز مختص بالصحابة إذا لم يكن منهما مرادًا لهم وهما راجحان عليه، وأقل الأحوال أن يكونا مساويين له فتسقط معارضة الأحاديث الصحيحة به. وأما ما في صحيح مسلم (١) عن أبي ذرّ من أن المتعة في الحجّ كانت لهم خاصة فيردّه إجماع المسلمين على جوازها إلى يوم القيامة، فإن أراد بذلك متعة الفسخ ففيه تلك الاحتمالات. ومن جملة ما احتجّ به المانعون من الفسخ أن مثل ما قاله عثمان وأبو ذرّ لا يقال بالرأي. ويجاب بأن هذا من مواطن الاجتهاد، ومما للرأي فيه مدخل، على أنه قد ثبت في الصحيحين (٢) عن عمران بن حصين أنه قال: "تمتعنا مع رسول الله ﷺ ونزل القرآن فقال رجل برأيه ما شاء"، فهذا تصريح من عمران أن المنع من التمتع بالعمرة إلى الحجّ من بعض الصحابة إنما هو من محض الرأي، فكما أن المنع من التمتع على العموم من قبيل الرأي كذلك دعوى اختصاص التمتع الخاصّ أعني الفسخ بجماعة مخصوصة. ومن جملة ما تمسك به المانعون من الفسخ حديث عائشة المتقدم (٣) حيث قالت: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فمنا من أهلّ
следующие страницы →