← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4260–4299 · переход к 4265.

стр. 4260

الأثر أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (١) والبيهقي (٢) من طرق. وفي الباب عن جماعة من الصحابة منهم علي [﵇] (٣) عند الشافعي (٤)، وابن عمر عند ابن أبي شيبة (٥)، وعن عمر وعثمان عند الشافعي (٦) وابن أبي شيبة (٧) فهؤلاء قضى كل وحد منهم بشاة في الحمامة. وقد روي مثل ذلك عن جماعة من التابعين كعاصم بن عمر رواه عنه الشافعي (٨) والبيهقي (٩)، وسعيد بن المسيب رواه عنه البيهقي (١٠). وعن نافع بن عبد الحارث رواه عنه الشافعي (١١). وروى عن مالك أنه قال: في حمام الحرم الجزاء وفي حمام الحل القيمة. [الباب الثاني عشر] باب ما يقتل من الدواب في الحرم والإِحرام ٤٣/ ١٩٢١ - (عَنْ عائِشَة قالَت: أَمرَ رسُولُ رسول الله ﷺ بِقَتْلِ خَمْسِ فواسِقَ في الْحِلِّ وَالحَرَمِ: الغُرابِ والحِدَأَةِ والْعَقْرَب، والفأرةِ، والْكلْبِ العقورِ. مُتَّفقٌ عليه) (١٢). [صحيح] ٤٤/ ١٩٢٢ - (وعَنْ ابْنِ عُمَر أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "خمسٌ مِنَ الدَّوابِّ ليسَ على المُحْرِمِ في قَتْلِهِنَّ جُناحٌ: الغُرابُ والحدأةُ، والعَقْربُ، والفَأرَةُ، والكَلْبُ العَقورُ". روَاهُ الجَمَاعَةُ إلّا الترْمِذِيَّ (١٣) [صحيح]

стр. 4261

وفي لفظٍ: "خمْسٌ لا جُناحَ على منْ قتلهُنَّ في الحَرَمِ والإحْرامِ: الفَأرَةُ، والعَقْرَبُ، والغُرَابُ، والحُدَيَّا، والكَلْبُ العقورُ". رَواهُ أحمَدُ (١) ومُسْلِمٌ (٢) والنَّسائيُّ) (٣). [صحيح] ٤٥/ ١٩٢٣ - (وَعَنْ ابْنِ مَسْعودٍ أَنَّ النبيَّ ﷺ أَمَرَ مُحْرِمًا بِقَتْلِ حَيَّةٍ بِمِنًى. رَوَاهُ مُسلمٌ) (٤). [صحيح] ٤٦/ ١٩٢٤ - (وعَن ابْنِ عُمَرَ وسُئِلَ: ما يَقْتُلُ الرَّجُلُ مِنَ الدوَابِّ وهْو مُحْرِمٌ؟ فقالَ: حَدَّثَتْنِي إحْدَى نِسْوَةِ النبيِّ ﷺ : أَنَّهُ كانَ يَأمُرُ بِقَتْلِ الكَلْبِ العَقورِ، والفَأرَةِ، والعَقرَبِ، والحِدَأَةِ، والغُرابِ، والحَيَّةِ. رَواهُ مُسْلِمٌ (٥). [صحيح] ٤٧/ ١٩٢٥ - (وعَنِ ابْنِ عبَّاس عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "خَمْسٌ كلُّهُنَّ فاسِقَةً يَقْتُلُهُنَّ المُحْرِمُ ويُقتَلْنَ في الحَرَمِ: الفَأرَةُ، والعَقْرَبُ، والحَيَّةُ والكَلْبُ العَقورُ، والغُرابُ"، رَواهُ أحمدُ) (٦). [صحيح لغيره] حديث ابن عباس أورده في التلخيص (٧) وسكت عنه. وأخرجه أيضًا البزار (٨) والطبراني في الكبير (٩) والأوسط وفي إسناده ليث بن أبي سليم (١٠)، وهو ثقة ولكنه مدلس.

стр. 4262

قوله: (خمس) ذكر الخمس يفيد بمفهومه نفي هذا الحكم عن غيرها ولكنه ليس بحجة عند الأكثر، وعلى تقدير اعتباره فيمكن أن يكون قاله ﷺ أولًا ثم بين بعد ذلك أن غير الخمس [تشترك] (١) معها في ذلك الحكم. فقد ورد زيادة الحية وهي سادسة كما في حديث ابن عمر (٢)، وحديث ابن مسعود (٣)، وحديث ابن عباس (٤) المذكورة في الباب. وزاد أبو داود (٥) من حديث أبي سعيد: السبع العادي. وزاد ابن خزيمة (٦) وابن المنذر من حديث أبي هريرة: الذئب والنمر، فصارت تسعًا. قال في الفتح (٧): لكن أفاد ابن خزيمة عن الذهلي أن ذكر الذئب والنمر من تفسير الراوي للكلب العقور. قال: ووقع ذكر الذئب في حديث مرسل أخرجه ابن أبي شيبة (٨) وسعيد بن منصور وأبو داود (٩) من طريق سعيد بن المسيب قال: قال ﷺ : "يقتل المحرم الحية والذئب"، ورجاله ثقات.

стр. 4263

وأخرج أحمد (١) من طريق حجَّاجُ بنُ أرطاة عن وَبَرة عن ابن عمر أمر رسول الله ﷺ بقتل الذئب للمحرم. وحجاج ضعيف وقد خولف. وروي موقوفًا كما أخرجه ابن أبي شيبة (٢). قوله: (خمس فواسق) قال النووي (٣) هو بإضافة خمس لا تنوينه، وجوَّز ابن دقيق العيد (٤) الوجهين وأشار إلى ترجيح الثاني. قال النووي (٥): تسميته هذه الخمس فواسق تسمية صحيحة جارية على وفق اللغة، فإن أصل الفسق لغة: الخروج، ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن [قشرتها] (٦)، فوصفت بذلك لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله أو حل أكله أو خروجها بالإيذاءِ والإفساد. قوله: (في الحل والحرم)، ورد في لفظ عند مسلم (٧) أمر وعند أبي عوانة (٨) ليقتل المحرم. وظاهر الأمر الوجوب. ويحتمل الندب والإباحة. وقد روى البزار (٩) من حديث أبي رافع أن النبي ﷺ أمر بقتل العقرب والفأرة والحية والحدأة، وهذا الأمر ورد بعد نهي المحرم عن القتل وفي الأمر الوارد بعد النهي خلاف معروف في الأصول: هل يفيد الوجوب أو لا؟. وفي لفظ لمسلم "أذن"، وفي لفظ لأبي داود (١٠): "قتلهن حلال للمحرم". قوله: (الغراب) هذا الإطلاق مقيد بما عند مسلم (١١) من حديث عائشة بلفظ "الأبقع"، وهو الذي في ظهره أو بطنه بياض.

стр. 4264

ولا عذر لمن قال بحمل المطلق على المقيد من هذا، وقد اعتذر ابن بطال (١) وابن عبد البر (٢) عن قبول هذه الزيادة بأنها لا تصح لأنها من رواية قتادة وهو مدلس. وتعقب ذلك الحافظ (٣) بأن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم، وهذه الزيادة من رواية شعبة، بل صرّح النسائي بسماع قتادة. واعتذر ابن قدامة (٤) عن هذه الزيادة بأن الروايات المطلقة أصح، وهو اعتذار فاسد، لأن الترجيح فرع التعارض ولا تعارض بين مطلق ومقيد ولا بين مزيد وزيادة غير منافية. قال في الفتح (٥): وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير الذي يأكل الحب من ذلك ويقال له: غراب الزرع، وأفتوا بجواز أكله، فبقي ما عداه من الغربان ملحقًا بالأبقع، انتهى. قال ابن المنذر (٦): أباح كل من يحفظ عنه العلم قتل الغراب في الإِحرام إلا عطاء. قال الخطابي: لم يتابع أَحد عطاء على هذا. قوله: (والحدأة) بكسر الحاء المهملة وفتح الدال بعدها همزة بغير مد على وزن عنبة، وحكى صاحب المحكم (٧) فيه المد. قوله: (والعقرب) قال في الفتح (٨): هذا اللفظ للذكر والأنثى، وقد يقال: عقربة وعقرباء، وليس منها العقربان بل هي دويبة طويلة كثيرة القوائم. قال ابن المنذر (٩): لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب. قوله: (والفأرة) بهمزة ساكنة ويجوز فيها التسهيل، قال في الفتح (١٠): ولم

стр. 4265

يختلف العلماء في جواز قتلها للمحرم إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي فإنه قال: فيها جزاء إذا قتلها المحرم، أخرجه عنه ابن المنذر وقال: هذا خلاف السنة وخلاف قول جميع أهل العلم. قوله: (والكلب العقور)، اختلف في المراد بالكلب العقور [هنا] (١). فروى سعيد بن منصور عن أبي هريرة بإسناد حسن كما قال الحافظ (٢) إنه الأسد، وعن زيد بن أسلم أنه قال: وأي كلب أعقر من الحية؟ وقال زفر: المراد به هنا الذئب خاصة. وقال في الموطأ (٣): كل ما عقر النَّاس وعدَا عليهم، وأخافَهُم مثل الأسَد والنَّمِر والفهد والذئب فهو عقور. وكذا نقل أبو عبيد (٤) عن سفيان وهو قول الجمهور. وقال أبو حنيفة (٥): المراد به هنا الكلب خاصة ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب. احتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ (٦) فاشتقها من اسم الكلب، وبقوله ﷺ : "اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك" فقتله الأسد. أخرجه الحاكم (٧) بإسناد حسن. وغاية ما في ذلك جواز الإطلاق [لا أن] (٨) اسم الكلب هنا متناول لكل ما يجوز إطلاقه عليه وهو محل النزاع. فإن قيل: اللام في الكلب تفيد العموم قلنا: بعد تسليم ذلك لا يتم إلا إذا كان إطلاق الكلب على كل واحد منها حقيقة وهو ممنوع والسند أنه لا يتبادر عند إطلاق لفظ الكلب إلا الحيوان المعروف والتبادر علامة الحقيقة وعدمه علامة المجاز، والجمع بين الحقيقة والمجاز لا يجوز، نعم إلحاق ما عقر

стр. 4266

من السباع بالكلب العقور بجامع العقر صحيح، وأما أنه داخل تحت لفظ الكلب فلا. قوله: (من الدوابّ) بتشديد الباء الموحدة جمع دابة، وهي ما دَبَّ من الحيوان من غير فرق بين الطير وغيره، ومن أخرج الطير من الدواب فهذا الحديث من جملة ما يُرد به عليه. قوله: (والحديا) بضم أوله وتشديد الياء التحتانية مقصورًا وهي لغة حجازية؛ قال قاسم بن ثابت: الوجه [فيه] (١) الهمزة وكأنه سهّل ثم أدغم. قوله: (والحية) قال نافع لما قيل له: فالحية؟ قال: لا يختلف فيها. وفي رواية: ومن يشك فيها؟. وتعقبه ابن عبد البر بما أخرجه ابن أبي شيبة عن الحكم وحماد أنهما قالا: لا يقتل المحرم الحية ولا العقرب، والأحاديث ترد عليهما. وعند المالكية (٢) خلاف في قتل صغار الحيات والعقارب التي لا تؤذي. [الباب الثالث عشر] باب تفضيلِ مكَّةَ علي سائِرِ البِلَادِ ٤٨/ ١٩٢٦ - (عَنْ عَبْدِ الله بْن عَدِيِّ بْنِ الحَمْراءِ أَنَّهُ سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَقولُ وهو واقِفٌ بالحَزَوَّرَةِ في سوقِ مَكَّةَ: "والله إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ الله وَأَحَبُّ أرضِ الله إلى الله، ولَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنكِ ما خَرَجْتُ". رَوَاهُ أحمَدُ (٣) وابْنُ ماجهْ (٤) والتِّرمِذِيُّ وصَحَّحَهُ) (٥). [صحيح]

стр. 4267

٤٩/ ١٩٢٧ - (وعن ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: قال رسُولُ الله ﷺ لِمَكَّةَ: "ما أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إليَّ، ولَوْلا أن قَوْمِي أَخْرَجُوني مِنكِ ما سَكَنْتُ غَيْرَكِ". رَوَاهُ الترمِذيُّ وصَحَّحَهُ) (١). [صحيح] قوله: (بالحزوّرة) بفتح الحاء المهملة والزاي وفتح الواو المشددة بعدها راء ثم هاء، هي الرابية الصغيرة، وفي القاموس (٢): الحَزْوَرَةُ كقَسورةٍ: الناقةُ [المقبلة] (٣) المذلَّلَةُ، والرابيةُ الصغيرةُ. اهـ. قوله: (إنك لخير أرض الله)، فيه دليل على أن مكة خير أرض الله على الإطلاق وأحبها إلى رسول الله ﷺ ، وبذلك استدل من قال: إنها أفضل من المدينة. قال القاضي عياض (٤): إن موضع قبره ﷺ أفضل بقاع الأرض، وإن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض. واختلفوا في أفضلهما ما عدا موضع قبره ﷺ ، فقال أهل مكة والكوفة والشافعي وابن وهب وابن حبيب المالكيان: إن مكة أفضل، وإليه مال الجمهور وذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى أن المدينة أفضل (٥).

стр. 4268

واستدل الأولون بحديث عبد الله بن عدي المذكور في الباب. وقد أخرجه أيضًا ابن خزيمة (١) وابن حبان (٢) وغيرهم. قال ابن عبد البر (٣): هذا نص في محل الخلاف فلا ينبغي العدول عنه،

стр. 4269

وقد ادعى القاضي عياض (١) الاتفاق على استثناء البقعة التي قُبر فيها ﷺ وعلى أنها أفضل البقاع. قيل: لأنه قد روي أن المرء يدفن في البقعة التي أخذ منها ترابه عندما يخلق كما روى ذلك ابن عبد البر في تمهيده (٢) من طريق عطاء الخراساني (٣) موقوفًا. ويجاب عن هذا بأن أفضلية البقعة التي خلق منها ﷺ إنما كان بطريق الاستنباط ونصبه في مقابلة النص الصريح الصحيح غير لائق، على أنه معارض بما رواه الزبير بن بكار أن جبريل أخذ التراب الذي منه خلق ﷺ من تراب الكعبة فالبقعة التي خلق منها [ ﷺ ] (٤) من بقاع مكة وهذا لا يقصر عن الصلاحية لمعارضة ذلك الموقوف لا سيما وفي إسناده عطاء الخراساني، نعم إن صح الاتفاق الذي حكاه عياض (٥) كان هو الحجة عند من يرى أن الإجماع حجة. وقد استدل القائلون بأفضلية المدينة بأدلة منها حديث: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" كما في البخاري وغيره (٦)، مع قوله ﷺ :

стр. 4270

"موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" (١)، وهذا أيضًا مع كونه لا ينتهض لمعارضة ذلك الحديث المصرح بالأفضلية هو أخص من الدعوى، لأن غاية ما فيه أن ذلك الموضع بخصوصه من المدينة فاضل وأنه غير محل النزاع. وقد أجاب ابن حزم (٢) عن هذا الحديث بأن قوله: إنها من الجنة، مجاز إذ

стр. 4271

لو كانت حقيقة لكانت كما وصف الله الجنة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ (١)، وإنما المراد أن الصلاة فيها تؤدي إلى الجنة كما يقال في اليوم الطيب: هذا من أيام الجنة، وكما قال ﷺ : "الجنة تحت ظلال السيوف" (٢). قال: ثم لو ثبت أنه على الحقيقة لما كان الفضل إلا لتلك البقعة خاصة. فإن قيل: أن ما قرب منها أفضل مما بعد لزمهم أن يقولوا: إن الجحفة أفضل من مكة ولا قائل به. ومن جملة أدلة القائلين بأفضلية مكة على المدينة حديث ابن الزبير عند أحمد (٣) وعبد بن حميد (٤) وابن زنجويه وابن خزيمة والطحاوي (٥) والطبراني (٦) والبيهقي (٧) وابن حبان (٨) وصححه قال: "قال رسول الله ﷺ : صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي بمائة صلاة"، وقد روي من طريق خمسة عشر من الصحابة (٩).

стр. 4272

ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن أفضلية المسجد لأفضلية الحل الذي هو فيه. ومن جملة ما استدلوا به حديث: "اللهم إنهم أخرجوني من أحب البلاد إليَّ فأسكني في أحب البلاد إليك"، أخرجه الحاكم في المستدرك (١). ويجاب بأن النزاع في الأفضل لا فيما هو أحب، والمحبة لا تستلزم الأفضلية، والاستنباط لا يقاوم النص. واعلم أن الاشتغال ببيان الفاضل من هذين الموضعين الشريفين كالاشتغال ببيان الأفضل من القرآن والنبي ﷺ والكل من فضول الكلام [التي لا تتعلق] (٢) به فائدة غير الجدال والخصام. وقد أفضى النزاع في ذلك وأشباهه إلى فتن وتلفيق حجج واهية كاستدلال المهلب (٣) على أفضلية المدينة بأنها هي التي أدخلت مكة وغيرها من القرى في الإسلام فصار الجميع في صحائف أهلها وبأنها تنفي الخبث كما ثبت في الحديث الصحيح (٤). وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة، فالفضل ثابت للفريقين ولا يلزم من ذلك تفضيل [إحدى] (٥) البقعتين. وعن الثاني بأن ذلك إنما هو في خاص من الناس ومن الزمان بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ (٦)، والمنافق خبيث بلا شك، وقد خرج من المدينة بعد النبي ﷺ معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة،

стр. 4273

ثم عليّ [﵇] (١) وطلحة والزبير وعمار وآخرون وهم من أطيب الخلق، فدل على أن المراد بالحديث تخصيص ناس دون ناس ووقت دون وقت، على أنه إنما يدل ذلك على أنها فضيلة لا أنها فاضلة. [الباب الرابع عشر] باب حرم المدينة وتحريم صيده وشجره ٥٠/ ١٩٢٨ - (عَنْ عَليٍّ ﵇ قالَ: قال رسُولُ الله ﷺ : "الْمَدِينةُ حَرَم ما بَيْنَ عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ". مُخْتصَرٌ مِنْ حَدِيثٌ مُتَّفَقٍ عَلَيهِ) (٢). [صحيح] ٥١/ ١٩٢٩ - (وفي حَدِيثِ عَليٍّ عَنِ النبيِّ ﷺ في المَدينَةِ: "لا يُخْتَلى خَلاها ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها، وَلا تُلْتَقَطُ لُقَطتُها إلَّا لِمَنْ أشادَ بها، وَلا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أن يَحْمِلَ فِيها السِّلاحَ لِقِتالٍ، وَلا يَصلُحُ أن تُقْطَعَ فِيها شَجَرَةٌ إلا أنْ يَعلِفَ رَجُلٌ بَعيرَهُ". رَوَاهُ أحمدُ (٣) وأبو دَاوُدَ) (٤). [صحيح لغيره] ٥٢/ ١٩٣٠ - (وَعَنْ عبَّادِ بْنِ تَميمٍ عَنْ عمّهِ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَدَعَا لَهَا وإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينة كما حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٥) [صحيح] ٥٣/ ١٩٣١ - (وَعَنْ أبي هرَيْرَةَ قالَ: حَرَّمَ رَسُولُ الله ﷺ ما بَيْنَ لابَتَي الْمَدِينةِ وَجَعَلَ اثْنَي عَشَرَ ميلًا حَوْلَ الْمَدِينةِ حِمًى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٦). [صحيح]

стр. 4274

٥٤/ ١٩٣٢ - (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ في الْمَدِينةِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يُحَرِّمُ شَجَرَها أنْ يُخْبَطَ أَوْ يُعْضَدَ. رَوَاهُ أحمَد) (١). [صحيح لغيره] ٥٥/ ١٩٣٣ - (وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَشْرَفَ على الْمَدِينَةِ، فقالَ: "اللَّهُمَّ إني أُحَرِّمُ ما بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ ما حَرَّمَ إبْرَاهِيمُ مكَّةَ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ في مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ"، مُتَّفَقٌ عَلَيه (٢). [صحيح] ولِلْبُخَارِيَّ (٣) عنْهُ أن النبيَّ ﷺ قالَ: "الْمَدِينَةُ حَرَم مِنْ كَذَا إلى كَذَا لَا يقْطَعُ شَجَرُها وَلَا يُحْدَثُ فِيها حَدَث، مَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والْمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ". [صحيح] ولمُسْلِمٍ (٤) عَنْ عاصِمٍ الأَحْوَلِ قالَ: سألتُ أَنَسًا: أَحَرَّمَ رَسُولُ الله ﷺ المَدِينَةَ؟ قالَ: نَعَم هِيَ حَرَامٌ وَلَا يُخْتَلى خَلَاها فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعنَةُ الله والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ). [صحيح] ٥٦/ ١٩٣٤ - (وعَن أبي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرامٌ ما بَيْنَ مَأْزِمَيْها أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيها سِلَاحٌ، ولَا يُخْبَطَ فيها شَجَرٌ إلَّا لِعَلْفٍ" (٥). [صحيح] ٥٧/ ١٩٣٥ - (وعَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ إبْرَاهِيمَ حَرّمَ مَكَّةَ

стр. 4275

وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لَابَتَيْهَا لَا يُقْطَعُ عِضاهُها وَلَا يُصادُ صيدُها" (١). رَواهُما مسُلمٌ). [صحيح] ٥٨/ ١٩٣٦ - (وعَنْ جابِرٍ أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في المَدِينَةِ: "حَرَامٌ ما بَينَ حَرَّتَيهَا وَحِمَاهَا كُلِّها لَا يُقطَعُ شَجَرُهَا إلَّا أن يُعلَفَ مِنهَا". رَوَاهُ أحمدُ) (٢). [صحيح لغيره] حديث علي الثاني رجاله رجال الصحيح، وأصله في الصحيحين (٣). وحديث جابر الآخر (٤) في إسناده ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه كلام معروف. قوله: (ما بين عَيْرٍ إلى ثَوْر)، أما عَيْر فهو بفتح العين المهملة وإسكان التحتية، وأما ثَوْر فهو بفتح المثلثة وسكون الواو بعدها راء، ومن الرواة من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا لأنهم اعتقدوا أن ذكره هنا خطأ. قال المازري (٥): قال بعض العلماء: ثور هنا وهم من الراوي، وإنما ثور بمكة قال: والصحيح إلى أحد. قال القاضي (٦): كذا قال أبو عبيد (٧): أصل الحديث من عير إلى أُحد انتهى.

стр. 4276

قال النووي (١): وكذا قال أبو بكر الحازمي الحافظ وغيره من الأئمة أن أصله من عير إلى أحد. قال (٢): قلت: ويحتمل أن ثورًا كان اسمًا لجبل هناك إما أحد وإما غيره فخفي اسمه، وقال مصعب الزبيري ليس بالمدينة عير ولا ثور. قال عياض (٣): لا معنى لإنكار عير بالمدينة فإنه معروف، وكذا قال جماعة من أهل اللغة. قال ابن قدامة (٤): يحتمل أن يكون المراد مقدار ما بين عَيْر وثَوْر لا أنهما بعينيهما في المدينة، أو سمى النبي ﷺ الجبلين اللذين بطرفي المدينة عيرًا وثورًا ارتجالًا، وسبقه إلى الأوّل أبو عبيد على ما حكاه ابن الأثير (٥) عنه. وقال المحب الطبري في الأحكام (٦): قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره جانحًا إلى ورائه جبل صغير يقال له ثور، وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال فكل أخبر أن ذلك الجبل اسمه ثور وتواردوا على ذلك. قال: فعلمنا أن ذكر ثور المذكور في الحديث الصحيح صحيح وإن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه، وهذه فائدة جليلة، انتهى. وقد ذكر مثل هذا الكلام في القاموس (٧)، وقال أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في مختصره لأخبار المدينة: إن خَلَف أهل المدينة ينقلون عن سَلَفِهم أن خَلْفَ أُحُدٍ من جهة الشمال جبلًا صغيرًا إلى الحمرة بتدوير يسمى ثورًا، قال: وقد تحققته بالمشاهدة.

стр. 4277

قوله: (لا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها ولا تُلْتَقَط لُقَطَتُها)، قد تقدم تفسير هذه الألفاظ والكلام عليها في باب صيد الحرم وشجره. قوله: (إلا لمن أشاد بها)، أي رفع صوته بتعريفها أَبَدًا لا سَنَةً كما في غيرها ولعله يأتي في اللُّقَطَةِ بسط الكلام على لقطة مكة والمدينة وغيرهما. قوله: (ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال)، قال ابن رسلان: هذا محمول عند أهل العلم على حمل السلاح لغير ضرورة ولا حاجة، فإن كانت حاجة جاز. قوله: (ولا يصلح أن يقطع فيها شجرة)، استدلَّ بهذا وبما في الأحاديث المذكورة في الباب من تحريم شجرها وخبطه وعضده وتحريم صيدها وتنفيره الشافعي (١) ومالك (٢) وأحمد (٣) والهادي (٤) وجمهور أهل العلم (٥) على أن للمدينة حرمًا كحرم مكة يحرم صيدُه وشجرُه. [قال] (٦) الشافعي (٧) ومالك (٧): فإن قتل صيدًا أو قطع شجرًا فلا ضمان لأنه ليس بمحل للنسك فأشبه الحمى. وقال ابن أبي ذئب (٨) وابن أبي ليلى (٨): يجب فيه الجزاء كحرم مكة وبه

стр. 4278

قال بعض المالكية: وهو ظاهر قوله: كما حرم إبراهيم مكة. وذهب أبو حنيفة (١) وزيد بن علي والناصر إلى أن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة ولا تثبت له الأحكام من تحريم قتل الصيد وقطع الشجر. والأحاديث ترد عليهم. واستدلوا بحديث: "يا أبا عمير ما فعل النغير" (٢). وأجيب عنه بأن ذلك كان قبل تحريم المدينة [أو أنه] (٣) من صيد الحل. قوله: (إلا أن يعلف رجل بعيره)، فيه دليل على جواز أخذ الأشجار للعلف لا لغيره فإنه لا يحل كما سلف. قوله: (ما بين لابتي المدينة)، قال أهل اللغة (٤): اللَّابتان: الحرَّتان، واحدتها: لابة بتخفيف الموحدة وهي الحرة، والحرة: الحجارة السود، وللمدينة لابتان شرقية وغربية وهي بينهما. قوله: (وجعل اثني عشر ميلًا) إلخ، لفظ مسلم (٥) عن أبي هريرة قال: "حَرَّمَ رسولُ اللهِ ﷺ ما بينَ لابتي المدينَةِ. قال أبو هريرة: فلو وجدتُ الظّباءَ ما بينَ لابتيها ما ذعرتها، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى"، انتهى. والضمير في قوله (جعل) راجع إلى النبي ﷺ كما يدل على ذلك اللفظ الذي ذكره المصنف. ويدل عليه أيضًا ما عند أبي داود (٦) من حديث عدي بن زيد الجذامي قال:

стр. 4279

حمى رسول الله ﷺ كل ناحية من المدينة بَرِيدًا بَرِيدًا، وهذا مثل ما في الصحيحين لأن البريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال. وهذان الحديثان فيهما التصريح بمقدار حرم المدينة. قوله: (إن يخبط أو يعضد) الخبط ضرب الشجر ليسقط ورقه والعضد القطع كما تقدم، زاد أبو داود (١) في هذا الحديث إلا ما يساق به الجمل. قوله: (ما بين جبليها) قد ادّعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب لأنه وقع التحديد في بعض الروايات بالحرتين وفي بعضها باللابتين وفي بعضها بالجبلين وفي بعضها بعير وثور كما تقدم، وفي بعضها بالمأزمين كما سيأتي. قال في الفتح (٢): وتعقب بأن الجمع [بينها] (٣) واضح، وبمثل هذا لا ترد الأحاديث الصحيحة، فإن الجمع لو تعذر أمكن الترجيح، ولا شك أن [رواية] (٤) ما بين لابتيها أرجح لتوارد الرواة عليها، ورواية جبليها لا تنافيها، فيكون عند كل لابة جبل، أو لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة الشرق والغرب، وتسمية الجبلين في رواية أخرى لا تضر، والمأزم قد يطلق على الجبل نفسه كما سيأتي. قوله: (اللهم بارك لهم في مدّهم وصاعهم)، قال عياض (٥): البركة هنا بمعنى النماء والزيادة. وقال النووي (٦): الظاهر أن المراد البركة في نفس الكيل من المدينة بحيث يكفي المد فيها من لا يكفيه في غيرها. قوله: (من كذا إلى كذا) جاء هكذا مبهمًا في روايات البخاري (٧) كلها فقيل: إن البخاري أبهمه عمدًا لما وقع عنده أنه وهم، ووقع عند مسلم (٨) إلى

стр. 4280

ثور، فالمراد بهذا المبهم من عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ، وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: (من أحدث فيها حدثًا) أي عمل بخلاف السنة كمن ابتدع بها بدعة، زاد مسلم (١) وأبو داود (٢) في هذا الحديث: "أو آوى محدثًا". قوله: (فعليه لعنة الله) إلخ، أي اللعنة المستقرّة من الله على الكفار، وأضيف إلى الله على سبيل التخصيص، والمراد بلعنة الملائكة والناس المبالغة في الإبعاد عن رحمة الله. وقيل: [إن] (٣) المراد باللعن هنا: العذاب الذي يستحقه على ذنبه في أول الأمر وليس هو كلعن الكافر. واستدل بهذا على أن الحدث في المدينة من الكبائر. قوله: (ما بين مأزِميها) قال النووي (٤): المأزم بهمزة بعد الميم وكسر الزاي وهو الجبل، وقيل (٥): المضيق بين جبلين ونحوه، والأول هو الصواب هنا ومعناه ما بين جبليها، انتهى. قوله: (أن لا يهراق فيها دم)، فيه دليل على تحريم إراقة الدماء [بالمدينة] (٦) لغير ضرورة. قوله: (إلا لِعَلْف) هو بإسكان اللام مصدر علفت (٧). وأما العَلَف بفتح اللام فهو اسم للحشيش والتبن والشعير ونحوها. وفيه جواز أخذ أوراق الشجر للعلف لا خبط الأغصان وقطعها فإنه حرام.

стр. 4281

قوله: (عضاهها) العضاه بالقصر وكسر العين المهملة وتخفيف الضاد المعجمة: كل شجر فيه شوك واحدتها عضاهة وعضهة (١). قوله: (وحماها كلها) فيه دليل على أن حكم حمى المدينة حكمها في تحريم صيده وشجره، وقد تقدم بيان مقدار الحمى أنه من كل ناحية من نواحي المدينة بريد. ٥٩/ ١٩٣٧ - (وعَنْ عامِرِ بْنِ سَعدٍ عَنْ أَبيهِ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إِنِّي أُحَرِّمُ ما بَيْنَ لَابَتَي المَدِينَةِ أنْ يُقطَعَ عِضاهُها أوْ يقْتَلَ صَيْدُها") (٢). [صحيح] ٦٠/ ١٩٣٨ - (وعَنْ عامِر بْنِ سَعْدٍ أن سَعْدًا رَكِبَ إلى قَصْرِهِ بالعَقِيقِ فَوَجَدَ عَبدًا يَقطَعُ شَجَرًا أَوْ يُخْبِطُهُ فَسَلَبَهُ فَلمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جاءَهُ أَهلُ العَبدِ فَكَلَّمُوهُ أن يَرُدّ على غُلَامِهِم أو عَلَيهِمْ ما أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِم، فقالَ: مَعَاذَ الله أن أَرُدّ شيئًا نَفَّلَنيهِ رسُول الله ﷺ وأَبى أن يَرُدّ عَليهِم (٣). رَوَاهُما أحمَدُ ومُسلمٌ). [صحيح] ٦١/ ١٩٣٩ - (وعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أبي عبْدِ الله قالَ: رَأيتُ سَعْدَ بْنَ أبي وقّاصٍ أخَذَ رجُلًا يَصِيدُ في حَرَمِ المَدِينَةِ الّذِي حَرّمَ رسُولُ الله ﷺ فَسَلبهُ ثِيَابَهُ فَجَاءَ مَوَاليهِ فقالَ: إنّ رسُولَ الله ﷺ حَرّمَ هذا الحَرَمَ وقالَ: "مَن رأيتُمُوهُ يَصِيدُ فِيهِ شَيئًا فَلَكُمْ سَلَبُهُ"، فَلَا أَرُدُّ علَيكُم طُعمَةً أطْعمَنِيهَا رسُولُ الله ﷺ ، ولكن إنْ شِئْتُم أُعْطِيَكُمْ ثَمَنَهُ [أعْطَيتُكُم] (٤)، رَوَاهُ أحمدُ (٥)، وأبُو دَاوُدَ (٦) وقالَ فِيهِ:

стр. 4282

من [أخَذَ] (١) أحَدًا يَصيدُ فِيهِ فَلْيسلُبْهُ ثِيَابَهُ). [صحيح دون قوله: يصيد فمنكر] الحديث الأول قد تقدم الكلام عليه. والحديث الثالث أخرجه أيضًا الحاكم (٢) وصححه وفي إسناده سليمان بن أبي عبد الله المذكور. قال أبو حاتم (٣): ليس بمشهور ولكن يعتبر بحديثه. قال الذهبي (٤): تابعي وُثق، وقد وهم البزار (٥) فقال: لا نعلم روى هذا الحديث عن النبي ﷺ إلا سعد ولا عنه إلا عامر، وهذا يرد عليه، وقد أخرجه أيضًا أبو داود (٦) عن مولى لسعد عنه، ووهم أيضًا الحاكم (٧) فقال في حديث سعد: إن الشيخين لم يخرّجاه وهو في مسلم (٨) كما عرفت. قوله: (فسلبه) أي أخذ ما عليه من الثياب. قوله: (نفلنيه) أي أعطانيه، قال في القاموس (٩): نفَلَهُ النفل ونفَّله وأنفَلهُ أعطاه إياه، وقال أيضًا: [والنفل] (١٠) محركة: الغنيمة والهبة. قوله: (طعمة) بضم الطاء وكسرها (١١)، ومعنى الطعمة الأكلة، وأما الكسر فجهة الكسب وهيئته. قوله: (فليسلبه ثيابه)، هذا ظاهر في أنها تؤخذ ثيابه جميعها.

стр. 4283

وقال الماوردي (١): يبقي له ما يستر عورته، وصححه النووي (٢) واختاره جماعة من أصحاب الشافعي. وبقصة سعد هذه احتج من قال: إن من صاد من حرم المدينة أو قطع من شجرها أخذ سلبه، وهو قول الشافعي في القديم (٣). قال النووي (٤): وبهذا قال سعد بن أبي وقاص وجماعة من الصحابة، انتهى. وقد حكى ابن قدامة (٥) عن أحمد في إحدى الروايتين القول به قال وروي ذلك عن ابن أبي ذئب وابن المنذر، انتهى. وهذا يرد على القاضي عياض (٦) حيث قال: ولم يقل به أحد بعد الصحابة إلا الشافعي في قوله القديم، وقد اختلف في السلب فقيل: إنه لمن سلبه. وقيل: لمساكين المدينة. وقيل: لبيت المال، وظاهر الأدلة أنه للسالب وأنه طعمة لكل من وجد فيه أحدًا يصيد أو يأخذ من شجره. [الباب الخامس عشر] باب ما جاء في صيد وج ٦٢/ ١٩٤٠ - (عَن محمّدِ بن عبدِ الله بن شَيْبَانَ عَن أبِيهِ عَن عُروَةَ بن الزُّبَيرِ عَنِ الزُّبَيرِ أن النبيّ ﷺ قالَ: "إنّ صَيدَ وَجٍّ وَعِضاهَهُ حَرمٌ محَرّمٌ لله ". رَواهُ أحمَدُ (٧) وأَبُو دَاودَ (٨) والبُخاريُّ في تَاريخهِ (٩)، ولَفظُهُ: إنّ صَيدَ وَجٍّ حَرامٌ. قالَ البُخاريُّ (٩): ولَا يُتَابَعُ عَلَيهِ). [ضعيف]

стр. 4284

الحديث سكت عنه أبو داود، وحسنه المنذري، وسكت عنه عبد الحق أيضًا. وتعقب بما نقل عن البخاري (١) أنه لم يصح، وكذا قال الأزدي، وذكر الذهبي أن الشافعي صححه، وذكر الخلال أن أحمد ضعفه. وقال ابن حبان (٢): محمد بن عبد الله المذكور كان يخطئ، ومقتضاه تضعيف الحديث فإنه ليس له غيره، فإن كان أخطأ فيه فهو ضعيف. وقال العقيلي (٣): لا يتابع إلا من جهة تقاربه في الضعف. وقال النووي في شرح المهذب (٤): إسناده ضعيف، قال: وقال البخاري: لا يصح، وذكر الخلال في العلل أن أحمد ضعفه. قوله: (ابن شيبان) هكذا في النسخ الصحيحة من هذا الكتاب، والصواب ابن إنسان كما في سنن أبي داود (٥) وتاريخ البخاري (٦)، وكذا قال ابن حبان (٢) والذهبي (٧) والخزرجي في الخلاصة (٨). قال الذهبي في ترجمة محمد بن عبد الله بن شيبان (٩): هذا صوابه ابن إنسان، وقال في ترجمة عبد الله بن إنسان (٩): له حديث في صيد وج: قال: ولم يرو عن النبي ﷺ إلا هذا الحديث.

стр. 4285

قوله: (وجّ) بفتح الواو وتشديد الجيم، قال ابن رسلان: هو أرض بالطائف عند أهل اللغة (١). وقال أصحابنا: هو واد بالطائف، وقيل: كل الطائف، انتهى. وقال الحازمي في المؤتلف والمختلف في الأماكن (٢): وج اسم لحصون الطائف، وقيل: لواحد منها، وإنما اشتبه وَجَّ بِوَحٍّ بالحاء المهملة وهي ناحية [بعُمان] (٣). قوله: (وعضاهه) بكسر العين كما سلف. قال الجوهري (٤): العضاه كل شجر يعظم وله شوك. قوله: (حرم) بفتح الحاء والراء الحرام كقولهم: زمن وزمان. قوله: (محرم لله تعالى) تأكيد للحرمة. والحديث يدل على تحريم صيد وج وشجره، وقد ذهب إلى كراهته الشافعي (٥) والإمام يحيى (٦). قال الشافعي (٥) في الإملاء: أكره صيد وج. قال في البحر (٧) بعد أن ذكر هذا الحديث: إن صح فالقياس التحريم لكن منع [منه] (٨) الإجماع، انتهى. وفي دعوى الإجماع نظر، فإنه قد جزم جمهور أصحاب الشافعي (٩) بالتحريم وقالوا: أن مراد الشافعي بالكراهة كراهة التحريم. قال ابن رسلان في شرح السنن بعد أن ذكر قول الشافعي في الإملاء:

стр. 4286

وللأصحاب فيه طريقان: (أصحهما) وهو الذي أورده الجمهور القطع بتحريمه قالوا: ومراد الشافعي بالكراهة كراهة التحريم، ثم قال: وفيه طريقان أصحهما وهو قول الجمهور يعني من أصحاب الشافعي أنه يأثم فيؤدبه الحاكم على فعله ولا يلزمه شيء لأن الأصل عدم الضمان إلا فيما ورد به الشرع ولم يرد في هذا شيء. (والطريق الثاني) حكمه في الضمان حكم المدينة وشجرها، وفي وجوب الضمان فيه خلاف (١)، انتهى. وقد قدمنا الخلاف في ضمان صيد المدينة وشجرها. قال الخطابي (٢): ولستُ أعلم لتحريمه معنى إلا أن يكون ذلك على سبيل الحمى لنوع من منافع المسلمين، وقد يحتمل أن ذلك التحريم إنما كان في وقت معلوم إلى مدة محصورة ثم نسخ. قال أبو داود في السنن (٣): وكان ذلك يعني تحريم وَجّ قبل نزوله ﷺ الطائف وحصاره ثقيفًا، انتهى. والظاهر من الحديث تأبيد التحريم، ومن ادعى النسخ فعليه الدليل لأن الأصل عدمه. وأما ضمان صيده وشجره على حد ضمان صيد الحرم المكي فموقوف على ورود دليل يدل على ذلك لأن الأصل براءة الذمة ولا ملازمة بين التحريم والضمان. * * *

стр. 4287

[رابعًا]: أبواب دخول مكة وما يتعلق به [الباب الأول] باب من أين يدخل إليها ١/ ١٩٤١ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ إذَا دَخَلَ مَكّةَ دَخلَ مِنَ الثّنيَّةِ الْعُليَا الَّتي بالْبَطْحاءِ، وإِذَا خرَجَ خَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى. رَواهُ الجَمَاعَةُ إلّا التِّرْمِذِيّ) (١). [صحيح] ٢/ ١٩٤٢ - (وعَنْ عائشةَ أنّ النَّبيّ ﷺ لمّا جاءَ مَكّةَ دَخلَ مِنْ أعْلَاهَا وَخَرَجَ مِنْ أسْفَلِها. وفي روايَةٍ: دَخَلَ عامَ الفَتْحِ مِنْ كَدَاءَ الّتي بأعْلَى مَكّةَ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِما) (٢). [صحيح] وَرَوَى الثَّانِيَ أَبُو داودَ (٣): وَزَادَ: وَدَخَلَ في الْعُمْرَةِ مِنْ كُدًى). [صحيح] قوله: (من الثنية العليا) الثنية كل عقبة في طريق أو جبل فإنها تسمى ثنية وهذه الثنية المعروفة بالثنية العليا هي التي ينزل منها إلى باب المعلى مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها الحَجون بفتح المهملة وضم الجيم، وكانت صعبة المرتقى فسهَّلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدي على ما ذكره الأزرقي (٤)، ثم سهَّلها كلها سلطان مصر الملك المؤيد. قوله: (من الثنية السفلى) هي عند باب الشبيكة بقرب شعب الشاميين من ناحية قعيقعان، وعليها باب بني في القرن السابع.

стр. 4288

قوله: (من كَداء) بفتح الكاف والمد، قال أبو عبيدة: لا تصرف وهي الثنية العليا المتقدّم ذكرها. قوله: (ودخل في العمرةْ من كُدى) بضم الكاف والقصر وهي الثنية السفلى المتقدم ذكرها. قال عياض (١) والقرطبي (٢) وغيرهما (٣): اختلف في ضبط كداء وكدى فالأكثر على أن العليا بالفتح والمد والسفلى بالقصر والضم، وقيل: بالعكس. قال النووي (٤): وهو غلط، قالوا: واختلف في المعنى الذي لأجله خالف ﷺ بين طريقيه. فقيل: ليتبرك به وذكروا شيئًا مما تقدم في العيد. وقد تقدم بسطه هنالك وبعضه لا يتأتى اعتباره هنا. وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة بجهة العلو عند الدخول (٥) لما فيه من تعظيم المكان وعكسه الإشارة إلى فراقه. وقيل: لأن إبراهيم لما دخل مكة دخل منها. وقيل: لأنه ﷺ خرج منها مختفيًا في الهجرة، فأراد أن يدخلها ظافرًا غالبًا. وقيل: لأن من جاء من تلك الجهة كان مستقبلًا للبيت ويحتمل أن يكون ذلك لكونه دخل منها يوم الفتح فاستمر على ذلك. [الباب الثاني] باب رفع اليدين إذا رأى البيت وما يقال عند ذلك ٣/ ١٩٤٣ - (عَن جابِرٍ وسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَرَى البَيتَ يَرفَعُ يَدَيهِ فقالَ: قدَ حَجَجنا مَعَ رسُولِ الله ﷺ فَلم يَكُن يَفْعَلُهُ. رَواهُ أبُو داوُد (٦) والنَّسائيُّ (٧) والترمِذِيُّ) (٨). [ضعيف]

стр. 4289

٤/ ١٩٤٤ - (وعَنِ ابن جُرَيجٍ قالَ: حُدِّثتُ عَن مُقَسِّمٍ عَنِ ابن عَبَّاسٍ عَن النبيِّ ﷺ قالَ: "تُرْفَعُ الأيْدِي في الصَّلاةِ، وإذا رأى البَيْتَ، وعَلى الصَّفا والمَرْوةِ، وعَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وبِجَمْعٍ، وعندَ الجَمْرَتَيْنِ، وعلى الميِّتِ" (١). [ضعيف] ٥/ ١٩٤٥ - (وعَنِ ابْنِ جُرَيجٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا رأى البَيْت رَفع يَدَيْهِ وقال: "اللَّهُمَّ زِدْ هذَا البَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وتَكْرِيمًا ومَهابَةً، وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وكَرَمِهِ مِمَّنْ حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ تَشريفًا وتَعْظيمًا وتَكْرِيمًا وبِرًا" (٢). رَواهُما الشَّافِعِيُّ في مُسْنَدِهِ". [ضعيف] حديث جابر قال الترمذي (٣) إنما نعرفه من حديث شعبة. وذكر الخطابي (٤) أن سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه ضعفوا حديث جابر هذا لأن في إسناده مهاجر بن عكرمة المكي وهو مجهول عندهم. وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا البيهقي (٥) من حديث سفيان الثوري عن

стр. 4290

أبي سعيد الشامي عن مكحول به مرسلًا، وأبو سعيد هذا هو المصلوب وهو كذاب. ورواه الأزرقي في تاريخ مكة (١) من حديث مكحول أيضًا بزيادة: مهابة وبرًّا في الموضعين، وكذا ذكره الغزالي في الوسيط (٢). وتعقبه الرافعي (٣) بأن البر لا يتصور من البيت. وأجاب النووي بأن معناه: أكثِر برّ زائريه. ورواه سعيد بن منصور في السنن [له] (٤) من طريق برد بن سنان، سمعت ابن قسامة يقول: إذا رأيت البيت فقل: اللهم زد. فذكره مثله. ورواه الطبراني (٥) في مسند حذيفة بن أسيد مرفوعًا وفي إسناده عاصم [الكُوْزِي] (٦) وهو كذاب. وحديث ابن جريج هو معضل فيما بين ابن جريج والنبي ﷺ ، وفي إسناده سعيد بن سالم [القداح] (٧) وفيه مقال.

стр. 4291

قال الشافعي (١) بعد أن أورده: ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت شيء فلا أكرهه ولا أستحبه. قال البيهقي: فكأنه لم يعتمد على الحديث لانقطاعه. والحاصل أنه ليس في الباب ما يدل على مشروعية رفع اليدين عند [رؤية] (٢) البيت وهو حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل. وأما الدعاء عند رؤية البيت، فقد رويت فيه أخبار وآثار منها ما في الباب. ومنها ما أخرجه ابن المغلس أن عمر كان إذا نظر إلى البيت قال: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحيِّنا ربنا بالسلام (٣). ورواه سعيد بن منصور في السنن (٤) عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد ولم يذكر عمر. ورواه الحاكم عن عمر أيضًا، وكذلك رواه البيهقي (٥) عنه. [الباب الثالث] باب طواف القدوم والرمل والاضطباع فيه ٦/ ١٩٤٦ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أن النبيَّ ﷺ كان إذا طاف بالبَيْتِ الطَّواف

стр. 4292

الأوّلَ خَبَّ ثَلاثًا، ومَشى أرْبَعًا، وكان يَسْعى بِبطْنِ المَسيل إذا طافَ بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ (١). [صحيح] وفي رِوايَةٍ (٢): رَمَلَ رسُولُ الله ﷺ مِنَ الحِجْرِ إلى الحِجْرِ ثَلاثًا، ومَشى أرْبَعًا. [صحيح] وفي رِوايَة (٣): رأيْتُ رسُولَ الله ﷺ إذا طاف في الحَجِّ والعُمْرَةِ أوَّلَ ما يَقْدُمُ فإنَّهُ يَسْعى ثَلاثَةَ أطْوافٍ بالبَيْتِ وَيمْشي أرْبَعَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيهِنَّ). [صحيح] قوله: (الطواف الأوّل)، فيه دليل على أن الرمل إنما يشرع في طواف القدوم لأنه الطواف الأول. قال أصحاب الشافعي (٤): ولا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة. أما إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا رَمَلَ. قال النووي (٥): بلا خلاف، ولا يشرع أيضًا في كل طوافات الحجّ بل إنما يشرع في واحدٍ منها، وفيه قولان مشهوران للشافعي (٦). (أصحهما): طوافٌ تعقبه سعي، ويتصور ذلك في طواف القدوم، وفي طواف الإفاضة، ولا يتصوّر في طواف الوداع. (والقول الثاني): أنه لا يشرع إلا في [طواف] (٧) القدوم، وسواء أراد السعي بعده أم لا، ويشرع في طواف العمرة إذ ليس فيها إلا طواف واحد. قوله: (خبّ ثلاثًا ومشى أربعًا) الخَبَب (٨) بفتح المعجمة والموحدة بعدها موحدة أخرى: هو إسراع المشي مع تقارب الخطا، وهو كالرَّمَل.

стр. 4293

وفيه دليل على مشروعية الرمل في الطواف الأول وهو الذي عليه الجمهور (١)، قالوا: هو سنة. وقال ابن عباس (٢): ليس هو بسنة، من شاء رمل ومن شاء لم يرمل. وفيه أيضًا دليل على أن السنة أن يرمل في الثلاثة الأول ويمشى على عادته في الأربعة الباقية. قوله: (وكان يسعى) إلخ، سيأتي الكلام على السعي. قوله: (من الحجر إلى الحجر)، فيه دليل على أنه يرمل في ثلاثة أشواط كاملة. قال في الفتح (٣): ولا يشرع تدارك الرمل فلو تركه في الثلاثة لم يقضه في الأربعة لأن هيئتها السكينة ولا تتغير، وكذا قالت الهادوية (٤). قال: ويختص بالرجال فلا رمل على النساء، ويختص بطواف يتعقبه سعي على المشهور، ولا فرق في استحبابه بين ماش وراكب، ولا دم بتركه عند الجمهور (٥). واختلف في ذلك المالكية، وقد روي عن مالك (٦) أن عليه دمًا ولا دليل على ذلك. واعلم أنه قد اختلف في وجوب طواف القدوم فذهبت العترة (٧) ومالك (٨) وأبو ثور (٩) وبعض أصحاب الشافعي (١٠) إلى أنه فرض.

стр. 4294

لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١)، ولفعله ﷺ وقوله: "خذوا عني مناسككم" (٢). وقال أبو حنيفة (٣): إنه سنة، وقال الشافعي (٤): [هو] (٥) كتحية المسجد، قالا: لأنه ليس فيه إلا فعله ﷺ وهو لا يدل على الوجوب. وأما الاستدلال على الوجوب بالآية فقال شارح البحر (٦): إنها لا تدل على طواف القدوم لأنها في طواف الزيارة إجماعًا. والحق الوجوب، لأن فعله ﷺ مبين لمجملٍ واجب هو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ [مَنِ اسْتَطَاعَ] (٧)﴾، وقوله ﷺ : "خذوا [عني] (٨) مناسككم" (٢)، وقوله: "حجوا كما رأيتموني أحج" (٩)، وهذا الدليل يستلزم وجوب كل فعل فعله ﷺ في حجه إلا ما خصه دليل؛ فمن ادعى عدم وجوب شيء من أفعاله في الحج فعليه الدليل على ذلك، وهذه كلية فعليك بملاحظتها في جميع الأبحاث التي ستمرّ بك. ٧/ ١٩٤٧ - (وعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّ النبيَّ ﷺ طاف مُضْطبعًا وعَليهِ بُرْدٌ. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ (١٠)، والترْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ (١١)، وأبُو دَاوُدَ (١٢) وقال: بِبُرْدٍ لهُ أخْضَرَ، وأحْمَدُ (١٣)

стр. 4295

ولَفْظُهُ: لَمَّا قَدِمَ مَكّةَ طافَ بالبَيْتِ وهْوَ مضْطَبعٌ بِبُرْدٍ لهُ حَضْرميٍّ). [حسن] ٨/ ١٩٤٨ - (وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن رَسُولَ الله ﷺ وأصْحَابَهُ اعْتَمروا منْ جِعْرانَةَ فَرَمَلوا بالبَيْتِ وَجعَلوا أرْدِيَتَهُمْ تَحتَ آباطِهِمْ، ثمَّ قَذَفوها على عواتِقِهِمُ اليُسْرَى. رَوَاهُ أحمَدُ (١) وأَبُو داوُدَ) (٢). [صحيح] حديث يعلى بن أمية صححه الترمذي (٣) كما [ذكره] (٤) المصنف، وسكت عنه أبو داود (٥) والمنذري (٦). وحديث ابن عباس أخرج نحوه الطبراني (٧)، وسكت عنه أيضًا أبو داود (٨) والمنذري (٩) والحافظ في التلخيص (١٠) ورجاله رجال الصحيح، وقد صحح حديث الاضطباع النووي في شرح مسلم (١١). قوله: (مضطبعًا) هو افتعال من الضبع [بإسكان] (١٢) الباء الموحدة، وهو العضد، وهو أن يدخل إزاره تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على منكبه الأيسر ويكون منكبه الأيمن مكشوفًا، كذا في شرح مسلم للنووي (١٣) وشرح البخاري للحافظ (١٤)، وهذه الهيئة هي المذكورة في حديث ابن عباس المذكور. والحكمة في فعله أنه يعين على إسراع المشي، وقد ذهب إلى استحبابه الجمهور (١٥) سوى مالك، قاله ابن المنذر (١٦).

стр. 4296

قال أصحاب الشافعي (١): وإنما يستحب الاضطباع في طواف يسن فيه الرمل. قوله: (بِبُردٍ له حضرمي)، لفظ أبي داود (٢): ببرد أخضر. قوله: (تحت آباطهم)، قال ابن رسلان: المراد أن يجعله تحت عاتقه الأيمن. قوله: (ثم قذفوها)، أي طرحوا طرفيها. قوله: (على عواتقهم)، العاتق: المنكب (٣). ٩/ ١٩٤٩ - (وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: قَدِمَ رسُولُ الله ﷺ وأصحابُهُ فقال المُشرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فأمَرَهُمُ النبيُّ ﷺ أنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ الثلَاثَةَ وَأَنْ يَمْشُوا ما بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ أنْ يأمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ كُلَّها إلَّا الإبقاءَ عَلَيْهِمْ"، مُتَّفَقٌ عَليهِ) (٤) [صحح] ١٠/ ١٩٥٠ - (وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: رَمَلَ رسُولُ الله ﷺ في حَجَّته وفي عُمَرِهِ كُلِّهَا وأبُو بَكْرِ وَعُمَرُ والخُلَفاءُ. رواهُ أحمَدُ) (٥). [إسناده صحيح] ١١/ ١٩٥١ - (وعَنْ عُمرَ قالَ: فِيما الرَّمَلَانُ الآنَ والْكَشْفُ عَن المَناكِبِ وقَدْ أَطَّأ اللهُ الإسلام وَنَفى الكفْرَ وَأهْلَهُ؟ ومَعَ ذلِكَ لا نَدَع شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ على عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ . رواهُ أحمدُ (٦) وأبُو دَاوُدَ (٧) وابْنُ ماجَهْ) (٨). [صحيح لغيره]

стр. 4297

١٢/ ١٩٥٢ - (وعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ أن النبيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ في السَّبْعِ الذِي أَفاضَ فيهِ. رواهُ أبُو دَاودَ (١) وابْنُ ماجَهْ) (٢). [صحيح] حديث ابن عباس الثاني أخرجه أحمد (٣) من طريق أبى معاوية، عن ابن جريج، عن عطاء، عنه، وذكره في التلخيص (٤)، وسكت عنه. وأثر عمر أخرجه أيضًا لبزار (٥) والحاكم (٦) والبيهقي (٧) وأصله في البخاري (٨) بلفظ: "ما لنا وللرمل إنما كنا راءينا المشركين وقد أهلكهم الله تعالى"، ثم قال: شيء صنعه رسول الله ﷺ فلا نحب أن نتركه. وعزاه البيهقي إليه ومراده أصله. وحديث ابن عباس الثالث أخرجه أيضًا لنسائي (٩) والحاكم (١٠). قوله: (يقدم) بفتح الدال، هاما بضم الدال فمعناه يتقدم. قوله: (وهمتهم) بتخفيف الهاء، وقد يستعمل رباعيًا، قال الفراء (١١): يقال: وهذه الله وأوهنه، ومعنى هَنَتهم: أضعفتهم. قوله: (حمى يثرب) هو اسم المدينة في الجاهلية، وسُمِّيت في الإسلام المدينة (١٢) وطَيْبة (١٣) وطابة (١٤).

стр. 4298

قوله: (الأشواط) بفتح الهمزة وسكون المعجمة جمع شوط وهو الجري مرة إلى الغاية، والمراد به هنا الطوفة حول الكعبة، وهذا دليل على جواز تسمية الطواف شوطًا. وقال مجاهد (١) والشعبيُّ: إنه يكره تسميته شوطًا والحديث يرد عليهما (٢). قوله: (إلا الإبقاء) بكسر الهمزة وبالموحدة والقاف: الرفق والشفقة وهو بالرفع على أنه فاعل لم يمنعه ويجوز النصب. وفي الحديث جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهابًا لهم ولا يعد ذلك من الرياء المذموم. وفيه جواز المعاريض بالفعل كما [تجوز] (٣) بالقول. قال في الفتح (٤): وربما كانت بالفعل أولى. قوله: (وفي عمره كلها)، فيه دليل على مشروعية الرمل في طواف العمرة. قوله: (فيما الرملان) بإثبات ألف ما الاستفهامية وهي لغة والأكثر يحذفونها والرملان مصدر رمل. قوله: (والكشف عن المناكب) هو الاضطباع. قوله: (أطَّأ) أصله وطَّأ فأبدلت الواو همزة كما في وقَّت وأقَّت ومعناه مهَّد وثبَّت (٥).

стр. 4299

قوله: (ومع ذلك لا ندع شيئًا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ )، زاد الإسماعيلي في آخره: ثم رمل. وحاصله أن عمر كان قد همّ بترك الرمل في الطواف لأنه عرف سببه وقد انقضى؛ فهمّ أن يتركه لفقد سببه ثم رجع عن ذلك لاحتمال أن يكون له حكمة ما اطلع عليها فرأى أن الاتباع أولى. ويؤيد مشروعية الرمل على الإطلاق ما ثبت في حديث ابن عباس أنهم رملوا في حجة الوداع مع رسول الله ﷺ ، وقد نفى الله في ذلك الوقت الكفر وأهله عن مكة. والرمل في حجة الوداع ثابت أيضًا في حديث جابر الطويل عند مسلم (١) وغيره (٢). [الباب الرابع] باب ما جاء في استلام الحجر الأسود وتقبيله وما يقال حينئذٍ ١٣/ ١٩٥٣ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يأتي هذا الْحَجَرُ يَوْمَ القِيَامَةِ لهُ عَيْنَان يُبْصِرُ بهما، وَلسانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمهُ بِحَقٍّ". رَوَاه أحمَدُ (٣) وابْنُ ماجَهْ (٤) والتِّرمذِيُّ) (٥). [صحيح] ١٤/ ١٩٥٤ - (وعَنْ عُمَر أنَّهُ كانَ يُقَبِّلُ الحَجرَ وَيَقُولُ: إنِّي لأعلَمُ أنَكَ
следующие страницы →