← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4330–4369 · переход к 4335.

стр. 4330

ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة، فقد وقع عند الدارقطني (١) عنها: أخبرتني نسوة من بني عبد الدار فلا يضره الاختلاف. وحديث صفية بنت شيبة قال في "مجمع الزوائد" (٢): في إسناده موسى بن عبيدة وهو ضعيف، والعمدة في الوجوب قوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" (٣). قوله: (تجراة) قال في الفتح (٤): بكسر المثناة وسكون الجيم بعدها راء ثم ألف ساكنة ثم هاء وهي إحدى نساء بني عبد الدار. قوله: (تدور به إزاره)، في لفظ آخر: "وإن مئزره ليدور من شدة السعي" (٥) والضمير في قوله: به، يرجع إلى الركبتين، أي: تدور إزاره بركبتيه. قوله: (فإن الله كتب عليكم السعي) استدل به من قال بأن السعي فرض وهم الجمهور. وعند الحنفية (٦) أنه واجب يجبر بالدم، وحكاه في البحر (٧) عن العترة وبه قال الثوري (٨) في الناسي خلاف العامد، وبه قال عطاء (٩)، وعنه (١٠) أنه سنة لا يجب بتركه شيء، وبه قال أنس فيما نقله عنه ابن المنذر. واختلف عن أحمد (١١) كهذه الأقوال الثلاثة. وقد أغرب الطحاوي فقال: قد أجمع العلماء على أنه لو حج ولم يطف بالصفا والمروة أن حجه قد تمّ وعليه دم.

стр. 4331

والذي حكاه صاحب الفتح (١) وغيره عن الجمهور أنه ركن لا يجبر بالدم ولا يتم الحج بدونه. وأغرب ابن العربي فحكى أن السعي ركن في العمرة بالإجماع، وإنما الخلاف في الحج. وأغرب أيضًا المهدي في البحر (٢) فحكى الإجماع على الوجوب. قال ابن المنذر (٣): إن ثبت يعني حديث حبيبة فهو حجة في الوجوب (٤). قال في الفتح (٥): العمدة في الوجوب قوله ﷺ : "خذوا عنّي مناسككم" (٦). قلت: وأظهر من هذا في الدلالة على الوجوب حديث مسلم (٧): "ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة". ٤٣/ ١٩٨٣ - (وعنْ أبي هُريْرَةَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ لمّا فرغ مِنْ طوافه أَتَى الصَّفا فَعَلا عَليهِ حتَّى نَظَرَ إلى البَيْتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يحْمَدُ الله ويَدْعُو ما شاءَ أنْ يَدْعُوَ. رواهُ مُسْلمٌ (٨) وأبُو داوُدَ) (٩). [صحيح] ٤٤/ ١٩٨٤ - (وعَنْ جابِرٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ طاف وسَعى، رَمَلَ ثَلاثًا، وَمشى أَرْبعًا، ثمَّ قَرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١٠)، فَصلَّى سَجْدَتَيْنِ، وَجعَلَ المَقامَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الكَعبَةِ، ثمَّ اسْتلمَ الركْنَ، ثمَّ خَرَجَ فقالَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١١). فابْدَأوا بَما بَدَأَ الله بِهِ". رَوَاهُ النَّسائيُّ (١٢). وفي حَديثِ جابِرٍ أَنَّ النبيَّ ﷺ لَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١١)، "أَبْدَأ بِما بدأ الله به"، فَبَدأ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رأى الْبَيْتَ

стр. 4332

فاسْتَقْبَلَ الْقِبلةَ فَوحَّدَ الله وَكبَّره، وقَالَ: "لا إلهَ إلَّا الله وحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، له المُلْكُ ولهُ الحَمْدُ، وهو على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إلهَ إلَّا الله وحْدَهُ، أنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنصر عبْده، وهَزَمَ الأحْزابَ وَحْدَهُ"، ثمَّ دعَا بَيْنَ ذلِكَ فقالَ مِثْلَ هذا ثلاث مرَّاتٍ، ثمَّ نزل إلى المَروةِ حتّى انْصبَّتْ قدماهُ في بطْنِ الوادِي حتَّى إذَا صَعِدْنا مَشى حتَّى أتَى المرْوَةَ فَفعلَ على المروة كما فعل على الصَّفا. رواهُ مُسلمٌ (١) وكذلِكَ أحمَدُ (٢) والنَّسائيُّ (٣) بِمعْناهُ). [صحيح] قوله: (فعلا عليه) استدلَّ به من قال بأن صعود الصفا واجبٌ، وهو أبو حفص بن الوكيل (٤) من أصحاب الشافعي. وخالفه غيره من الشافعية وغيرهم فقالوا: هو سنة. وقد تقدّم أن فعله ﷺ بيان لمجمل واجب. قوله: (فجعل يحمد الله ويدعو ما شاء)، فيه استحباب الحمد والدعاء على الصفا. قوله: (طاف وسعى ورمل ثلاثًا)، فيه دليل على أنه يستحب أن يرمل في ثلاثة أشواط ويمشي في الباقي. قوله: (واتخِذوا) الآية، وقد تقدم أن الروايات بكسر الخاء وهي إحدى القراءتين.

стр. 4333

قوله: (إن الصفا والمروة من شعائر الله) قال الجوهري (١): الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل علمًا لطاعة الله. قوله: (فابدءوا بما بدأ الله به) بصيغة الأمر في رواية النسائي (٢) وصححه ابن حزم (٣) والنووي في شرح مسلم (٤) وله طرق عند الدارقطني (٥). ورواه مسلم (٦) بلفظ: "أبدْأ" بصيغة الخبر كما في الرواية المذكورة في الباب. ورواه أحمد (٧) ومالك (٨) وابن الجارود (٩) وأبو داود (١٠) والترمذي (١١) وابن ماجه (١٢) وابن حبان (١٣) والنسائي (١٤) أيضًا نبدأ بالنون. قال أبو الفتح القشيري (١٥): مخرج الحديث عندهم واحد وقد اجتمع مالك وسفيان (١٦) ويحيى بن سعيد القطان على رواية نبدأ بالنون التي للجمع. قال الحافظ (١٧): وهم أحفظ من الباقين. وقد ذهب الجمهور (١٨) إلى أن البداءة بالصفا والختم بالمروة شرط. وقال عطاء (١٩): يجزي الجاهل العكس.

стр. 4334

وذهب الأكثر إلى أن من الصفا إلى المروة شوط ومنها إليه شوط آخر. وقال الصيرفي (١) وابن خيران (٢) وابن جرير (٣): بل من الصفا إلى الصفا شوط (٤)، ويدل على الأول ما في حديث جابر أنه ﷺ فرغ من آخر سعيه بالمروة. قوله: (لما دنا من الصفا قرأ) إلخ، فيه دليل على أنها تستحب قراءة هذه الآية عند الدنوّ من الصفا وأنه يستحب صعود الصفا واستقبال القبلة والتوحيد والتكبير والتهليل وتكرير الدعاء والذكر بين ذلك ثلاث مرات. وقال جماعة من أصحاب الشافعي (٥): يكرر الذكر ثلاثًا والدعاء مرتين فقط. قال النووي (٦) والصواب الأول.

стр. 4335

قوله: (وهزم الأحزاب وحده) معناه هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا سبب من جهتهم، والمراد بالأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ يوم الخندق وكان الخندق في شوال سنة أربع من الهجرة وقيل: سنة خمس. قوله: (حتى انصبَّت قدماهُ في بطن الوادي)، هكذا في جميع نسخ مسلم كما [نقله] (١) القاضي (٢). قال: وفيه إسقاط لفظة لا بد منها وهي حتى انصبت قدماه رمل في بطن الوادي، فسقطت لفظة "رمل" ولا بد منها، وقد ثبتت هذه اللفظة في غير رواية مسلم، وكذا ذكرها الحميدي في الجمع بين الصحيحين (٣)، وفي الموطأ (٤): "حتى انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى خرج منه"، وهو بمعنى رمل. قال النووي (٥): وقد وقع في بعض نسخ صحيح مسلم (٦): حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي سعى، كما وقع في الموطأ (٤) وغيره. وفي هذا الحديث استحباب السعي في بطن الوادي حتى يصعد ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع أو سعى في الجميع أجزأه وفاتته الفضيلة، وبه قال الشافعي (٧) ومن وافقه. وقال مالك (٨) فيمن ترك السعي الشديد في موضعه تجب عليه الإعادة، وله رواية أخرى موافقة لقول الشافعي. قوله: (إذا صعِدنا) بكسر العين. قوله: (ففعل على المروة كما فعل على الصفا)، فيه دليل على أنه يستحب عليها ما يستحب على الصفا من الذكر والدعاء والصعود.

стр. 4336

[الباب الثاني عشر] باب النهي عن التَّحلُّل بعدَ السَّعي إلَّا للمتمتِّع إذا لم يَسُقْ هديًا وبيان متى يتوجَّه المتمتعُ إلى منى، ومتى يُحْرِمُ بالحجّ ٤٥/ ١٩٨٥ - (عَنْ عَائِشةَ قالتْ: خرَجْنا مع رسُولِ الله ﷺ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بالْحَجِّ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بالْعُمْرَةِ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بالْحَجِّ والعُمْرةِ، وَأهَلَّ رسُولُ الله ﷺ بالْحَجّ، فأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بالْعُمرَةِ فَأَحَلُّوا حِينَ طَافُوا بالبَيْتِ وبِالصَّفا والمروةِ، وأما مَنْ أهَلَّ بالْحَجِّ، أَوْ بالحَجِّ والعُمْرَةِ فَلَمْ يُحِلُّوا [إلى] (١) يَوْمِ النَّحْرِ) (٢). [صحيح] ٤٦/ ١٩٨٦ - (وعَنْ جابِرٍ أنَّهُ حَجّ مَعَ النَّبيِّ ﷺ يَوْمَ ساقَ الْبُدْنَ مَعَهُ وقَدْ أَهَلُّوا بالحَجِّ مُفْردًا، فقالَ لهُمْ: "أَحِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ بِطَواف البَيْتِ وبيْنَ الصَّفا والمَرْوةِ وَقَصِّرُوا، ثمَّ أَقِيمُوا حَلَالًا حتّى إذَا كانَ يَوْمُ التَّرْوِيةِ فأهِلُّوا بالحَجِّ واجْعلُوا التي قَدِمْتُمْ بِها مُتْعَةً"، فقالوا: كَيْفَ نَجْعَلُها مُتْعَةً وقَدْ سَمَّيْنا الحَجَّ، فقالَ: "افْعَلُوا ما أَمَرْتُكُمْ ولكن لَا يَحِلُّ مِنِّي حَرَامٌ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ" فَفَعلُوا (٣). مُتَّفَقٌ عليْهِما. [صحيح] وَهُوَ دَلِيل على جَوازِ الفَسْخِ وعلى وجُوبِ السّعْي وأَخذِ الشّعْرِ لِلتّحَلُّل في العُمْرَةِ). ٤٧/ ١٩٨٧ - (وعَنْ جابِرٍ قالَ: أَمَرَنَا رسُولُ الله ﷺ لمَا أَحْللْنا أَنْ نُحْرِمَ إِذَا تَوَجّهْنا إلى مِنى فأهْلَلْنا مِنَ الأبْطَحِ. رَواهُ مسُلْمٌ) (٤). [صحيح] قوله: (وأهلّ رسول الله ﷺ ) قد تقدم استدلال من استدل بهذا على أن حجه ﷺ كان إفرادًا، وتقدم الجواب عن ذلك.

стр. 4337

قوله: (فأحلوا حين طافوا البيت)، فيه دليل لمذهب الجمهور (١) أن المعتمر لا يحل حتى يطوف ويسعى. قال ابن بطال (٢): لا أعلم خلافًا بين أئمة الفتوى أن المعتمر لا يحل حتى يطوف ويسعى إلا ما شذ به ابن عباس فقال: يحل من العمرة بالطواف، ووافقه ابن راهويه (٣). ونقل القاضي عياض (٤) عن بعض أهل العلم أن بعض الناس ذهب إلى أن المعتمر إذا دخل الحرم حل وإن لم يطف ولم يسع، وله أن يفعل كل ما حرم على المحرم ويكون الطواف والسعي في حقه كالرمي والْمَبِيت في [حق] (٥) الحاج وهذا من شذوذ المذاهب وغريبها. وغفل القطب الحلبي (٣) فقال: فيمن استلم الركن في ابتداء الطواف وأحل حينئذٍ أنه لا يحصل له التحلل بالإجماع. قوله: (أحلوا من إحرامكم)، أي: اجعلوا حجكم عمرة وتحللوا منها بالطواف والسعي. قوله: (وقصروا) أمرهم بالتقصير لأنهم يهلُّون بعد قليل بالحج، فأخَّر الحلق له لأن بين دخولهم وبين يوم التروية أربعة أيام فقط. قوله: (متعة) أي: اجعلوا الحجَّة المفردة التي أهللتم بها عمرة تحللوا منها فتصيروا متمتعين، فأطلق على العمرة أنها متعة مجازًا والعلاقة بينهما ظاهرة. وفي رواية لمسلم (٦): "فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحلَّ ونجعلها عمرة". ونحوه في رواية الباقر عن جابر. وفي الحديث الطويل عند مسلم (٧).

стр. 4338

قوله: فقال (افعلوا ما أمرتكم) فيه بيان ما كان عليه ﷺ من لطفه بأصحابه وحلمه عنهم. قوله: (لا يحلُّ منِّي حرام) بكسر الحاء من (يحلّ) والمعنى لا يحل ما حرم عليّ. ووقع في مسلم (١) لا يحل مني حرامًا بالنصب على المفعولية وعلى هذا فيقرأ يحل بضم أوله والفاعل محذوف تقديره لا يحل طول المكث أو نحو ذلك مني شيئًا حرامًا حتى يبلغ الهدي محلَّه، أي: إذا نحرته يوم منى. واستدل به على أن من اعتمر فساق هديًا لا يتحلل من عمرته حتى ينحر هديه يوم النحر. ومثله ما في البخاري (٢) من حديث عائشة بلفظ: "من أحرم بعمرةٍ فأهدى فلا يحلّ حتى ينحر". وتأوّل ذلك المالكية (٣) والشافعية (٤) على أن معناه ومن أحرم بعمرةٍ فأهدى فأهلّ بالحجّ، فلا يحل حتى ينحر هديه ولا يخفى ما فيه من التعسف. قوله: (أن نُحْرِم إذا توجَّهنا إلى منى) فيه دليل على أن من حل من إحرامه يحرم بالحج إذا توجَّهَ إلى منى. ٤٨/ ١٩٨٨ - (وعَنْ مُعَاوَيةَ قالَ: قَصّرْتُ مِنْ رأْسِ النبيِّ ﷺ عند المروة بِمِشْقَصٍ. مُتَفقٌ عَلِيْهِ (٥). ولَفْظُ أحمَدَ (٦): أخَذْتُ مِنْ أَطْرافِ شَعْرِ النبيِّ ﷺ في أَيَّامِ العَشْرِ بِمِشْقَصٍ وَهَوَ مُحْرِمٌ). [صحيح] قوله: (قصَّرت) أي: أخذت من شعر رأسه، وهو يشعر بأن ذلك كان في

стр. 4339

نسكٍ: إما في حجّ أو عمرةٍ، وقد ثبت أنه حلق في حجَّته فتعين أن يكون في عمرة ولا سيما وقد روى مسلم (١) أن ذلك كان في المروة. وهذا يحتمل أن يكون في عمرة القضية أو الجِعْرانة، ولكن قوله في الرواية الأخرى (٢): في أيام العشر يدل على أن ذلك كان في حجة الوداع لأنه لم يحج غيرها، وفيه نظر لأن النبي ﷺ لم يحل حتى بلغ الهدي محله كما تقدم في الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرها. وقد بالغ النووي (٣) في الرد على من زعم ذلك كان في حجة الوداع فقال: هذا الحديث محمولٌ على أن معاوية قصّر عن رسول الله ﷺ في عمرة الجِعْرانة لأن النبي ﷺ في حجَّة الوداع كان قارنًا، وثبت أنه حلق بمنى وفرّق أبو طلحة (٤) شعره بين الناس (٥). فلا يصح حمل تقصير معاوية على حجة الوداع.

стр. 4340

ولا يصح حمله أيضًا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع لأن معاوية لم يكن حينئذٍ مسلمًا إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان على الصحيح المشهور. ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع وزعم أن النبي ﷺ كان متمتعًا لأن هذا غلط فاحش، فقد تظافرت الأحاديث في مسلم (١) وغيره أن النبي ﷺ "قيل له: ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أنت من عمرتك؟ فقال: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر". قال الحافظ (٢) متعقبًا لقوله: [لأنه] (٣) لا يصح حمله على عمرة القضاء ما لفظه: قلت: يمكن الجمع بينهما بأن كان أسلم خفية وكان يكتم إسلامه ولم يتمكن من إظهاره إلا يوم الفتح. وقد أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق (٤) في ترجمة معاوية تصريحًا بأنه أسلم [بين] (٥) الحديبية والقضية وأنه كان يخفي إسلامه خوفًا من أبويه ولا يعارضه قول سعد المتقدم: فعلناها - يعني العمرة - وهذا - يعني معاوية - كافر [بالعُرُش] (٦)؛ لأنه أخبر بما استصحبه من حاله ولم يطلع على إسلامه لكونه كان يخفيه. ولا ينافيه أيضًا ما رواه الحاكم في الأكليل (٧) أن الذي حلق رأس النبي ﷺ

стр. 4341

في عمرته التي اعتمرها من الجعرانة أبو هند عبد بني بياضة لأنه يمكن الجمع بأن يكون معاوية قصر عنه أولًا وكان الحلاق غائبًا في بعض حاجاته ثم حضر فأمره أن يكمل إزالة الشعر بالحلق لأنه أفضل ففعل، ولا يعكر على كون ذلك في عمرة الجعرانة إلا رواية أحمد (١) المذكورة في الباب أن ذلك كان في أيام العشر إلا أنها كما قال ابن القيم (٢): معلولة أو وهم من معاوية. وقد قال قيس بن سعد: راويها عن عطاء عن ابن عباس عنه، والناس ينكرون هذا على معاوية. قال ابن القيم (٢): وصدق قيس، فنحن نحلف بالله أن هذا ما كان في العشر قط. وقال في الفتح (٣): إنها شاذة. قال: وأظن بعض رواتها حدّث بها بالمعنى فوقع له ذلك اهـ. وأيضًا قد ترك ابن الجوزي في جامع المسانيد (٤) رواية أحمد هذه، وقد ذكر أنه لم يترك فيه من مسند أحمد إلا ما لم يصح. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون في قول معاوية قصرت عن رسول الله ﷺ حذف تقديره قصرت أنا شعري عن أمر رسول الله ﷺ . وتعقب بأنه يرد ذلك قوله في رواية أحمد (١): قصرت عن رأس رسول الله ﷺ عند المروة. وقال ابن حزم: يحتمل أن يكون معاوية قصر عن رسول الله ﷺ بقية شعر لم يكن الحلاق استوفاه يوم النحر. وتعقبه صاحب الهدي (٥) بأن [الحالق] (٦) لا يبقي شعرًا يقصر منه ولا سيما وقد قسم النبي ﷺ شعره بين أصحابه الشعرة والشعرتين. وقد وافق النووي (٧) على ترجيح كون ذلك في عمرة الجعرانة المحب الطبري وابن القيم (٨).

стр. 4342

قال الحافظ (١): وفيه نظر، لأنه جاء أنه حلق في الجعرانة. ويجاب عنه بأن الجمع ممكن كما سلف. قوله: (بمشقص) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح القاف وآخره صاد مهملة. قال القزاز (٢): هو نصل عريض يرمى به الوحش. وقال صاحب المحكم (٣): هو الطويل من النصال وليس بعريض، وكذا قال أبو عبيد (٤). ٤٩/ ١٩٨٩ - (وعن ابْن عُمَرَ أَنَّهُ كانَ يُحِبُّ إذا اسْتَطاعَ أَنْ يُصلِّيَ الظُّهْر بِمِنَى [مِنْ] (٥) يَوْم التَّرْويَةِ وذلِكَ أَنَّ النبيّ ﷺ صلَّى الظُّهْر بمنى رَوَاهُ أحمَدُ) (٦). [صحيح لغيره] ٥٠/ ١٩٩٠ - (وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قال: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ الظُّهْر يَوْمَ التَّرْوِيةِ والفَجْرَ يَوْمَ عَرَفَة بِمِنَى. رَوَاهُ أحمدُ (٧) وأَبُو دَاوُد (٨) وابْنُ ماجَهْ (٩)، ولأحمدَ (١٠) في رِوايَةٍ: قالَ: صلَّى النبيَّ ﷺ بِمِنَى خَمْسَ صلواتٍ). [صحيح] ٥١/ ١٩٩١ - (وعَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رَفِيعٍ قالَ: سألْتُ أَنَسًا فقُلْتُ: أخْبرْنِي بشَيءٍ عَقَلْتَهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ : أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قالَ: بِمِنَى، قُلْتُ: فأيْنَ صلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَفْرِ؟ قالَ: بالأبطحِ، ثمّ قال: افْعَلْ كما يَفْعلُ أُمَرَاؤكَ.

стр. 4343

متَّفَقٌ عَليهِ) (١). [صحيح] حديث ابن عمر أخرجه أيضًا في الموطأ (٢) لكن موقوفًا على ابن عمر. وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا الترمذي (٣) والحاكم (٤). وأخرج ابن خزيمة (٥) والحاكم (٦) عن ابن الزبير قال: من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر وما بعدها والفجر بمنى ثم يغدون إلى عرفة. قوله: [من] (٧) (يوم التروية) (٨) بفتح المثناة وسكون الراء وكسر الواو وتخفيف التحتانية، وإنما سمي بذلك لأنهم كانوا يروون إبلهم فيه ويتروون من الماء، لأن تلك الأماكن لم يكن فيها إذ ذاك آبار ولا عيون، وأما الآن فقد كثرت جدًّا واستغنوا عن حمل الماء. قوله: (يوم النفر) (٩) بفتح النون وسكون الفاء. والأبطح (١٠) البطحاء التي بين مكة ومنى، وهي ما انبطح من الوادي واتسع، وهي التي يقال لها المحصب والمعرّس. وحدّها ما بين الجبلين إلى المقبرة. قوله: (افعل كما يفعل أمراؤك)، لما بيَّن له المكان الذي صلى فيه النبي ﷺ خشي عليه أن يحرص على ذلك فينسب إلى المخالفة أو تفوته الصلاة مع

стр. 4344

الجماعة فأمره بأن يفعل كما يفعل أمراؤه إذ كانوا لا يواظبون على صلاة الظهر ذلك اليوم بمكان معين فأشار إلى أن الذي يفعلونه جائز [وأن] (١) الاتباع أفضل. وأحاديث الباب تدل على أن السنة أن يصلي الحاج الظهر يوم التروية بمنى وهو قول الجمهور (٢). وروى الثوري (٣) في جامعه: عن عمرو بن دينار، قال: (رأيت ابن الزبير صلى الظهر يوم التروية بمكة وقد تقدم عنه أن السنة أن يصليها بمنى. فلعله صلى بمكة للضرورة أو لبيان الجواز. وروى ابن المنذر (٤) من طريق ابن عباس قال: إذا زاغت الشمس فليرح إلى منى. قال ابن المنذر (٥) أيضًا بعد أن ذكر حديث ابن الزبير السابق: قال به علماء الأمصار: قال: ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه أوجب على من تخلف عن منى ليلة التاسع شيئًا. ثم روى عن عائشة أنها لم تخرج من مكة يوم التروية حتى دخل الليل وذهب ثلثه. قال أيضًا: والخروج إلى منى في كل وقت مباح إلا أن الحسن وعطاء قالا: لا بأس أن يتقدم الحاج إلى منى قبل يوم التروية بيوم أو يومين وكرهه مالك (٦)، وكره الإقامة بمكة يوم التروية حتى يمسي إلا إن أدركه وقت الجمعة فعليه أن يصليها قبل أن يخرج (٧).

стр. 4345

وفي الحديث الآخر أيضًا متابعة أولي الأمر والاحتراز عن مخالفة الجماعة. ٥٢/ ١٩٩٢ - (وفي حَدِيثِ جابِرٍ قَالَ: لَمَّا كانَ يَوْمُ التَّرْويَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنَى فأهلُّوا بالحَجِّ ورَكِبَ رسُولُ الله ﷺ فصلّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ والْمَغْرِبَ والعِشَاءَ والفَجْرَ. ثمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حتَّى طَلَعتِ الشَمْسُ وأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ تُضْرَبُ لهُ بنَمِرَةَ، فَسارَ رَسُولُ الله ﷺ ولَا تَشكُّ قُرَيْشٌ أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعرِ الحَرَامِ كما كانَت قُرَيْشٌ تَصنعُ في الجَاهِليَّةِ، فأجازَ رَسُول الله ﷺ حتَّى أَتَى عَرَفَةَ فوجد القُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لهُ بِنَمِرَة، فَنزلَ بِها حتّى إذا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بالْقَصْوَا فَرُحِلتْ لهُ، فأتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخطَبَ النَّاسَ، وقالَ: "إن دِماءَكُمْ وأمْوالَكُمْ حَرامٌ عليْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا في شَهْرَكُمْ هذا في بَلَدِكُمْ هذا"، مُخْتصرٌ مِنْ مُسْلمِ) (١). [صحيح] قوله: (لما كان يوم التروية) إلخ، قد تقدم الكلام على هذا. قوله: (وركب) إلخ قال النووي (٢): فيه بيان سنن أحدها أن الركوب في تلك المواضع أفضل من المشي، كما أنه في حملة الطريق أفضل من المشي، هذا هو الصحيح في الصورتين أن الركوب أفضل، وللشافعي (٣) قول آخر ضعيف أن المشي أفضل، وقال بعض أصحاب الشافعي: الأفضل في جملة الحج الركوب إلا في مواطن المناسك وهي مكة ومنى ومزدلفة وعرفات والتردد بينها. السنة الثانية: أن يصلي بمنى هذه الصلوات الخمس. السنة الثالثة: أن يبيت بمنى هذه الليلة وهي ليلة التاسع من ذي الحجة، وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع، انتهى. قوله: (ثم مكث قليلًا) إلخ، فيه دليل على أن السنة أن لا يخرجوا من منى حتى تطلع الشمس (٤) وهذا متفق عليه.

стр. 4346

قوله: (وأمر بقبة) فيه استحباب النزول بنمرة إذا ذهبوا من منى لأن السنة أن لا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس وبعد صلاتي الظهر والعصر جميعًا، فإذا زالت الشمس سار بهم الإمام إلى مسجد إبراهيم وخطب بهم خطبتين خفيفتين [وتخفف] (١) الثانية جدا، فإذا فرغ منهما صلَّى بهم الظهر العصر جامعا، فإذا فرغوا من الصلاة ساروا إلى الموقف. قوله: (بِنَمِرَة) بفتح النون وكسر الميم ويجوز إسكان الميم وهي موضع بجنب عرفات وليس من عرفات. قوله: (ولا تشك قريش) إلخ، يعني أن قريشًا كانت تقف في الجاهلية بالمشعر الحرام وهو جبل المزدلفة يقال لها قزح فظنوا أن النبي ﷺ سيوافقهم. قوله: (فأجاز أي جاوز المزدلفة ولم يقف بها بل توجه إلى عرفات). قوله: (أمر بالقصوا) بفتح القاف والقصر ويجوز المد، قال ابن الأعرابي (٢): القصو [التي] (٣) قطع أذنها، والجدع [أكبر] (٤) منه. وقال أبو عبيد (٥): القصوا المقطوعة الأذن عرضا وهو اسم لناقته ﷺ . قوله: (فرحلت) بتخفيف الحاء المهملة، أي جعل عليها الرحل. قوله: (بطن الوادي) هو وادي عُرَنة بضم العين وفتح الراء بعدها نون. قوله: (فخطب) إلخ، فيه استحباب الخطبة للإمام بالحجيج يوم عرفة في هذا الموضع، وهو سنة باتفاق جماهير العلماء، وخالف في ذلك المالكية (٦). قوله: (إن دماءكم) إلخ، قد تقدم شرح هذا في باب استحباب الخطبة يوم النحر من أبواب العيد.

стр. 4347

[الباب الثالث عشر] باب المسير من منى إلى عرفة والوقوف بها وأحكامه ٥٣/ ١٩٩٣ - (عَنْ مُحمَّد بْنِ أبي بَكْرِ بْن عوْف قال: سألْت أنَسًا ونَحْنُ غادِيانِ مِنْ منى إلى عرفاتٍ عن التّلْبيةِ كيْف كُنْتُمْ تَصْنعون مع النبيِّ ﷺ ؟ قال: كانَ يُلَبِّي المُلَبِّي فلا يُنكرْ عليه، ويُكبّرُ المُكَبّرُ فلا يُنكِرُ عليهِ. مُتَّفَقٌ عَليهِ) (١). [صحيح] ٥٤/ ١٩٩٤ - (وعن ابْنِ عُمر قال: غَدَا رسُولُ الله ﷺ مِنْ مِنى حينَ صلَّى الصُّبْحَ في صبيحَةِ يَوْمِ عَرَفة حتَّى أتى عرفة فَنَزَلَ بِنَمِرة وهِي مَنزِلُ الإِمامِ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِ بِعَرَفَةَ، حتى إذا كانَ عِنْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ راحَ رَسُولُ الله ﷺ مُهَجّرًا فجمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ ثمّ خَطب النَّاس، ثمَّ راحَ فوَقَفَ على المَوْقِفِ مِنْ عَرَفَة، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وأبُو دَاودَ) (٣). [حسن] ٥٥/ ١٩٩٥ - (وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضرّسِ بْنِ أوْسِ بْنِ حارِثَةَ بْنِ لَام الطَّائِيِّ قالَ: أتَيْتُ رسُولَ الله ﷺ بالمُزْدَلِفَةِ حِينَ خَرجَ إلى الصَّلاةِ، فقُلْتُ: يا رَسُولَ الله إنّي جِئْتُ مِنْ جَبَلَيْ طيِّئٍ أَكْللْتُ راحلتي وأتْعَبْتُ نَفسِي، واللهِ ما تَرَكْتُ مِنْ حَبَلٍ إلَّا وقَفْتُ عَلَيْهِ فَهَلْ لي مِنْ حَجٍّ؟ فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "مَنْ شهِدَ صَلاتَنَا هذِهِ ووَقَفَ مَعَنَا حتى نَدفَعَ وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نهارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وقَضى تَفَثهُ". رَواهُ الخَمْسَةُ (٤)، وصَحَّحَهُ التّرْمذِيُّ. [صحيح]

стр. 4348

وهُوَ حُجَّةٌ في أن نهارَ عَرَفَةَ كُلَّهُ وَقْتٌ لِلْوقوفِ). حديث ابن عمر في إسناده محمد بن إسحاق، وفيه كلام معروف قد تقدم، ولكنه قد صرح هنا بالتحديث وبقية رجال إسناده ثقات. وحديث عروة بن مضرس أخرجه أيضًا ابن حبان (١) والحاكم (٢) والدارقطني (٣) وصححه الحاكم والدارقطني، والقاضي أبو بكر بن العربي على شرطهما. قو: (ونحن غاديان)، أي: ذاهبان غدوة. قوله: (كيف كنتم تصنعون)، أي: من الذكر. وفي رواية لمسلم (٤): "ما يقول في التلبية في هذا اليوم". قو: (فلا يُنْكَر عليه) بضم أوّله على البناء للمجهول. وفي رواية للبخاري (٥): "لا يعيب أحدنا على صاحبه". والحديث يدلّ على التخيير بين التكبير والتلبية لتقريره ﷺ لهم على ذلك (٦). قوله: (غدا) بالغين المعجمة، أي: سار غدوة. قوله: (حين صلى الصبح) ظاهره أنه توجه من منى حين صلى الصبح بها ولكن قد تقدم في حديث جابر (٧) المذكور في الباب الذي قبل هذا أنه كان بعد طلوع الشمس. قوله: (وهي منزل الإمام) إلخ، قال ابن الحجاج المالكي: وهذا الموضع يقال له: الأراك.

стр. 4349

قال الماوردي (١): يستحب أن ينزل بنمرة حيث نزل رسول الله ﷺ ، وهو عند الصخرة الساقطة بأصل الجبل على يمين الذاهب إلى عرفات. قوله: (راح) أي بعد زوال الشمس. قوله: (مهجِّرا) بتشديد الجيم المكسورة، قال الجوهري (٢): التهجير والتهجر: السير في الهاجرة، والهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر، والتَّوجُّهُ وقتَ الهاجِرة في ذلك اليوم سنة لما يلزم من تعجيل الصلاة ذلك اليوم. وقد أشار البخاري إلى هذا الحديث في صحيحه (٣) فقال: باب التهجير بالرواح يوم عرفة، أي من نمرة. قوله: (فجمع بين الظهر والعصر): قال ابن المنذر (٤)؛ أجمع أهل العلم على أن الإمام يجمع بين الظهر والعصر بعرفة وكذلك من صلى مع الإمام. وذكر أصحاب الشافعي (٥) أنه لا يجوز الجمع إلا لمن بينه وبين وطنه ستة عشر فرسخًا إلحاقًا له بالقصر. قال (٦): وليس بصحيح، فإن النبي ﷺ جمع فجمع معه من حضره من المكيين وغيرهم ولم يأمرهم بترك الجمع كما أمرهم بترك القصر فقال: "أتموا فإنا سفر" (٧) ولو حُرِّم الجمع لَبينه لهم، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٨). قال (٦): ولم يبلغنا عن أحد من المتقدمين خلاف (٩) في الجمع بعرفة والمزدلفة بل وافق عليه من لا يرى الجمع في غيره.

стр. 4350

قوله: (ثم خطب الناس)، فيه دليل على أنه ﷺ خطب بعد الصلاة. قوله: (ابن مُضَرِّس) (١) بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة ثم سين مهملة. قوله: (ابن لام) هو بوزن [حام] (٢). قوله: (من جبلي طيء) هما جبل سلمى وجبل أجا، قاله المنذري. وطيّء بفتح الطاء وتشديد الياء بعدها همزة. قوله: (أكللت)، أي: أعييت (٣). قوله: (من حبل) بفتح الحاء المهملة وإسكان الموحدة، أحد جبال الرمل، وهو ما اجتمع واستطال وارتفع، قاله الجوهري (٤). قوله: (صلاتنا هذه) يعني صلاة الفجر. قوله: (ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه) تمسك بهذا أحمد بن حنبل (٥) فقال: وقت الوقوف لا يختص بما بعد الزوال بل وقته ما بين طلوع الفجر يوم عرفة وطلوعه يوم العيد لأن لفظ الليل والنهار مطلقان. وأجاب الجمهور (٦) عن الحديث بأن المراد بالنهار ما بعد الزوال بدليل أنه ﷺ والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله فكأنهم جعلوا هذا الفعل مقيدًا لذلك المطلق ولا يخفى ما فيه. قوله: (وقضى تفثه) قيل: المراد به أنه أتى بما عليه من المناسك، والمشهور أن التفث ما يصنعه المحرم عند حله من تقصير شعر أو حلقه وحلق العانة ونتف الإبط وغيره من خصال الفطرة ويدخل في ضمن ذلك نحر البدن وقضاء جميع المناسك لأنَّه لا يقضي التفث إلا بعد ذلك، وأصل التفث: الوسخ والقذر.

стр. 4351

٥٦/ ١٩٩٦ - (وعَنْ عبدِ الرّحمنِ بْنِ يَعْمُرَ أن ناسًا مِنْ أَهلِ نَجْدٍ أَتَوْا رَسُولَ الله ﷺ وهُوَ واقِفٌ بِعَرَفَةَ فَسألوهُ فأمَرَ مُنادِيًا [يُنادِي] (١): الحَجُّ عَرَفةُ، مَنْ جاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قبْل طُلوعِ الفَجْرِ فقَدْ أَدْرَكَ أيّام مِنَى ثَلاثَةُ أيَّام فمَنْ تَعَجَّلَ في يَوْمَيْن فَلا إثْمَ عَلِيْهِ، ومَنْ تَأخَّرَ فَلَا إثمَ عَلَيْهِ، وأرْدَفَ رَجُلًا يُنادِي بِهِنَّ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ) (٢). [صحيح] ٥٧/ ١٩٩٧ - (وعَنْ جابِرٍ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "نحَرْتُ ها هُنا ومِنَى كُلُّها مَنْحَرٌ فانْحرُوا في رِحالِكُمْ؛ ووقفْتُ ها هُنا، وعرفَةُ كُلُّها مَوْقِفٌ، ووقفْتُ ها هُنا وجَمْعٌ كُلُّها مَوْقِفٌ". رَوَاهُ أحمدُ (٣) ومُسلمٌ (٤)، وأبو دَاوُدَ (٥). [صحيح] ولابْنِ ماجَهْ (٦) وأحمَدَ (٧) أيْضًا نَحْوُهُ وفيهِ: كُلُّ فِجاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ ومَنْحَرٌ). [حسن] حديث عبد الرحمن بن يعمر أخرجه أيضًا ابن حبان (٨) والحاكم (٩) والدارقطني (١٠) والبيهقي (١١). قوله: (فسألوه)، أي: قالوا: كيف حج من لم يدرك يوم عرفة، كما بؤَب عليه البخاري (١٢). قوله: (الحج عرفة)، أي: الحج الصحيح حج من أدرك يوم عرفة.

стр. 4352

قال الترمذي (١): قال سفيان الثوري: والعمل على حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أن من لم يقف بعرفات قبل الفجر فقد فاته الحج، ولا يجزئ عنه إن جاء بعد طلوع الفجر ويجعلها عمرة وعليه الحج من قابل، وهو قول أحمد (٢) والشافعي (٣) وغيرهما (٤). قوله: (من جاء ليلة جمع) أي: ليلة المبيت بالمزدلفة، وظاهره أنه يكفي الوقوف في جزء من أرض عرفة ولو في لحظةٍ لطيفةٍ في هذا الوقت، وبه قال الجمهور (٥): وحكى النووي (٦) قولًا أنه لا يكفي الوقوف ليلًا، ومن اقتصر عليه فقد فاته الحج، والأحاديث الصحيحة ترده. قوله: (أيام منى) مرفوع على الابتداء وخبره قوله: ثلاثة أيام وهي الأيام المعدودات وأيام التشريق وأيام رمي الجمار وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها لإجماع الناس على أنه لا يجوز النفر يوم ثاني النحر ولو كان يوم النحر من الثلاث لجاز أن ينفر من شاء في ثانيه. قوله: (فمن تعجل في يومين)، أي: من أيام التشريق، فنفر في اليوم الثاني منها فلا إثم عليه في تعجيله، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخيره. وقيل: المعنى: ومن تأخر عن الثالث إلى الرابع ولم ينفر مع العامة فلا إثم عليه، والتخيير [ههنا وقع] (٧) بين الفاضل والأفضل؛ لأن المتأخر أفضل. فإن قيل: إنما يخاف الإثم المتعجل فما بال المتأخر الذي أتى بالأفضل ألحق به؟ فالجواب أن المراد من عمل بالرخصة وتعجَّل فلا إثم عليه في العمل بالرخصة، ومن ترك الرخصة وتأخر فلا إثم عليه في ترك الرخصة.

стр. 4353

وذهب بعضهم إلى أن المراد وضع الإثم عن المتعجل دون المتأخر، ولكن ذكرا معًا والمراد أحدهما. قوله: (ينادي بهن)، أي: بهذه الكلمات. قوله: (نحرت هاهنا ومنى كلها منحر)، يعني كل بقعة منها يصح النحر فيها، وهو متفق عليه. لكن الأفضل النحر في المكان الذي نحر فيه ﷺ ، كذا قال الشافعي (١)، ومنحر النبي ﷺ عند الجمرة الأولى التي [تلي] (٢) مسجد منى، كذا قال ابن التين (٣). وحدّ منى من وادي محسر إلى العقبة. قوله: (في رحالكم) المراد بالرحال المنازل. قال أهل اللغة (٤): رحل الرجل: منزله، سواء كان من حجر أم مدر أو شعر أو وبر. قوله: (ووقفت هاهنا) يعني عند الصخرات، وعرفة كلها موقف يصح الوقوف فيها. وقد أجمع العلماء (٥) على أن من وقف في أي جزء كان من عرفات صح وقوفه. ولها أربعة حدود: حد إلى جادة طريق المشرق. والثاني: إلى حافات الجبل الذي وراء أرضها. والثالث: إلى البساتين [التي] (٦) تلي [قرنيها] (٧) على يسار مستقبل الكعبة. والرابع: وادي عُرَنَة، بضم العين وبالنون، وليست هي ولا نَمِرَة من عرفات ولا من الحرم. قوله: (وجَمْعٌ كلها موقف) جمع بإسكان الميم: هي المزدلفة كما تقدَّم. وفيه دليل على أنها كلها موقف كما أن عرفات كلها موقف.

стр. 4354

قوله: (وكل فجاج مكة طريق) الفجاج بكسر الفاء: جمع فج، وهو الطريق الواسعة، والمراد أنها طريق من سائر الجهات والأقطار التي يقصدها الناس للزيارة والإتيان إليها من كل طريق واسع، وهذا متفق عليه. ولكن الأفضل الدخول إليها من الثنية العليا التي دخل منها النبي ﷺ كما تقدم، وهذه الزيادة رواها أبو داود (١) كما رواها أحمد (٢) وابن ماجه (٣). ٥٨/ ١٩٩٨ - (وعَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبيّ ﷺ بِعَرفَاتٍ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَمَالَتْ بِهِ ناقَتُهُ فَسَقَطَ خِطامُها، فَتَناوَلَ الخِطامَ بإحْدَى يَدَيْهِ وهْوَ رَافعٌ يَدَهُ الأُخْرَى. رَوَاهُ النَّسائيُّ) (٤). [إسناده صحيح] ٥٩/ ١٩٩٩ - (وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: كانَ أكْثَرُ دُعاءِ النَّبيّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ: لَا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ بِيَدِهِ الخَيْرُ وهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) والتِّرْمِذِيُّ (٦)، وَلَفْظُهُ: أَنَّ

стр. 4355

النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "خَيْرُ الدُّعاءِ دُعاءِ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ ما قُلْتُ أنَا والنَّبيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وهُو على كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ"). [حسن لغيره] حديث أسامة إسناده في سنن النَّسَائِي (١) هكذا: أخبرنا يعقوب بن إبراهيم عن هشيم، حدثنا عبد الملك عن عطاء قال: قال أسامة: فذكره وهؤلاء كلهم رجال الصحيح وعبد الملك هو ابن عبد العزيز المعروف بابن جريج. وحديث عمرو بن شعيب في إسناده حماد بن أبي حميد وهو ضعيف (٢). وفي الباب عن ابن عمر بنحوه عند العقيلي في الضعفاء (٣)، وفي إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف، وقال البخاري (٤): منكر الحديث. وعن علي [﵇] (٥) عند الطبراني (٦) في المناسك بنحوه. وفي إسناده قيس بن الربيع (٧). وأخرجه البيهقي (٨) عنه بزيادة: "اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورا، اللهم اشرح لي صدري، ويسِّر لي أمري"، وفي إسناده موسى بن عبيدة

стр. 4356

الربذي وهو ضعيف (١)، وتفرد به عن أخيه عبد الله عن علي. قال البيهقي (٢): ولم يدرك عبد الله عليًّا. وعن طلحة بن عبد الله بن كريز بفتح الكاف وآخره زاي عند مالك في الموطأ (٣) مرسلًا، ورواه البيهقي (٤) عن مالك موصولا وضعفه، وكذا ابن عبد البر في التمهيد (٥). قوله: (فرفع يديه)، فيه دليل على أن عرفة من المواطن التي يشرع فيها رفع اليدين عند الدعاء، فيخصص به عموم حديث أنس المتقدم (٦) في صلاة الاستسقاء. قوله: (وهو رافع يده الأخرى)، فيه دليل على أن رفع إحدى اليدين عند الدعاء إذا منع من رفع الأخرى عذر لا بأس به. قوله: (دعاء يوم عرفة) رجح المزي جر "دعاء" ليكون قوله: "لا إله إلا الله" خبرًا لـ "خير الدعاء" ولـ "خير ما قلت أنا والنبيون". ويؤيده ما وقع في الموطأ (٧) من حديث طلحة بلفظ: "أفضل الدعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله". وما وقع عند العقيلي (٨) من حديث ابن عمر بلفظ: "أفضل دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشية عرفة لا إله إلا الله". وأحاديث الباب تدل على مشروعية الاستكثار من هذا الدعاء يوم عرفة وأنَّه خير ما يقال في ذلك اليوم.

стр. 4357

٦٠/ ٢٠٠٠ - (وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عبْدِ الله أن عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ جاءَ إلى الحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ يَوْمَ عَرَفَة حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَأَنَا مَعَهُ، فقالَ: الرَّوَاحَ إنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّة، فقالَ: هذِهِ السَّاعَةَ؟ قالَ: نَعَمْ؛ قالَ سالِمٌ: فَقُلْتُ لِلْحَجَّاجِ: إنْ كُنْتَ تُرِيدُ تُصيبُ السُّنَّةَ فاقْصِرِ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الصَّلاةَ، فقالَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ: صَدَقَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١) وَالنَّسائيُّ) (٢). [صحيح] ٦١/ ٢٠٠١ - (وَعَنْ جابِرٍ قالَ: رَاحَ النَّبيُّ ﷺ إلى المَوْقِفِ بِعَرَفَةَ فَخَطَبَ النَّاسَ الخُطْبَةَ الأولى، ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ، ثُمَّ أَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، فَفَرَغَ مِنَ الخُطْبَةِ وَبِلالٌ مِنَ الأذَانِ، ثُمَّ أقَامَ بِلَالٌ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقامَ فَصَلَّى العصْرَ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) (٣). [إسناده ضعيف جدًّا] حديث جابر أخرجه أيضًا البيهقي (٤) وقال: تفرد به إبراهيم عن أبي يحيى (٥). وفي حديث جابر الطويل الذي أخرجه مسلم (٦) ما يدل على أنه ﷺ خطب ثم أذن بلال ليس فيه ذكر أخذ النبي ﷺ في الخطبة الثانية وهو أصح. ويترجح بأمر معقول هو أن المؤذن قد أمر بالإنصات للخطبة، فكيف يؤذن ولا يستمع الخطبة. قال المحب الطبري: وذكر الملا في سيرته أن النبي ﷺ لما فرغ من خطبته أذن بلال وسكت رسول الله ﷺ ، فلما فرغ بلال من الأذان تكلم بكلمات ثم أناخ راحلته وأقام بلال الصلاة، وهذا أولى مما ذكره الشافعي إذ لا يفوت به سماع الخطبة من المؤذن.

стр. 4358

قوله: (فاقصر [الخطبة] (١) إلخ) قال ابن عبد البر (٢): هذا الحديث يدخل عندهم في المسند؛ لأن المراد بالسنة (٣) سنة رسول الله ﷺ إذا أطلقت ما لم تضف إلى صاحبها، كسنة العمرين، انتهى. والكلام على ذلك مستوفى في الأصول (٤). وقد تقدم حديث ابن عمر (٥): "أن رسول الله ﷺ كان يروح عند صلاة الظهر". وقدمنا أن ظاهره يخالف حديث جابر الطويل عند مسلم (٦) أن توجهه ﷺ من نمرة كان حين زاغت الشمس، والمصنف رحمه الله تعالى اختصر هذه القصة الواقعة بين ابن عمر والحجاج وهي في البخاري (٧) أطول من هذا المقدار، وكذلك في سنن النَّسَائِي (٨). [الباب الرابع عشر] باب الدَّفْعِ إلى مُزْدَلِفَةَ ثُمَّ منها إلى منى وما يتعلَّق بذلك ٦٢/ ٢٠٠٢ - (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيد أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ حين أفاض من عَرَفَاتٍ كانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فإِذَا وَجَدَ فَجْوَة نَصَّ. مُتَّفَق عَلَيْهِ). (٩) [صحيح] ٦٣/ ٢٠٠٣ - (وَعَنِ الفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وكانَ رديف النبي ﷺ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ في عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وَغَدَاةِ جَمْع للنَّاسِ حين دفعوا: "عليكم السَّكِينَةَ"، وَهُوَ كافّ ناقَتَهُ حتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا وَهُوَ مِنْ منًى وقال: "عليكم بحصى الخَذْفِ الَّذَي يُرْمَى بِهِ الجَمَرَةُ". رَواهُ أحمدُ (١٠) ومُسْلم) (١١). [صحيح]

стр. 4359

٦٤/ ٢٠٠٤ - (وفِي حَدِيثِ جابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتى المُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِها المَغْرِبَ وَالعِشاءَ بأذَانٍ وَاحِدٍ وإقامَتَيْنِ ولَمْ يُسَبِّحْ بَينَهُما شَيْئا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ فَصَلَّى الفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بأذَانٍ وَإِقامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَا حَتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَدَعا الله وكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ حتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الوُسْطَى الَّتي تَخْرُجُ على الجَمْرةِ الكُبْرَى، حتَّى أتى الجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَات يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصَاةٍ مِنْها حَصَى الخَذْفِ رَمَى مِنْ بَطْنِ الوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى الْمَنْحَرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (١). [صحيح] قوله: (العَنَق) بفتح المهملة والنون، وهو السير الذي بين الإبطاء والإسراع. وفي المشارق (٢): أنه سير سهل في سرعة. وقال القزاز (٣): هو سير سريع، وفي القاموس (٤): هو الخطو الفسيح، وانتصب العنق على المصدر المؤكد للفظ الفعل. قوله: (فجوة) (٥) بفتح الفاء وسكون الجيم: المكان المتسع. قوله: (نَصّ) (٦) بفتح النون وتشديد [الصاد] (٧) المهمل: أي أسرع. قال ابن عبد البر (٨): في الحديث كيفية السير في الدفع من عرفة إلى مزدلفة لأجل الاستعجال للصلاة لأن المغرب لا تصلى إلا مع العشاء بالمزدلفة فيجمع بين المصلحتين من الوقار والسكينة عند الزحمة، ومن الإسراع عند عدم الزحام. قوله: (وهو كاف ناقته) إلخ، هذا محمول على حال الزحام دون غيره بدليل حديث أسامة (٩) المتقدم، وكذلك يحمل حديث ابن عباس عن أسامة عند

стр. 4360

أبي داود (١) وغيره: "أن النبي ﷺ أردفه حين أفاض من عرفة وقال: أيها الناس عليكم بالسكينة إن البر ليس بالإيجاف، قال: فما رأيت ناقته رافعة يدها حتى أتى جمعًا، وقد حمله على مثل ما ذكر ابن خزيمة (٢). قوله: (الخذف) بخاء معجمة مفتوحة وذال معجمة ساكنة ثم فاء. قال العلماء (٣): حصى الخذف كقدر حبة الباقلا. قوله: (فصلى بها المغرب والعشاء) استدل به على جمع التأخير بمزدلفة. قال في الفتح (٤): وهو إجماع لكنه عند الشافعية (٥) وطائفة بسبب السفر انتهى. وقد قدمنا الجواب عن هذا. قوله: (ولم يسبح بينهما) أي لم ينتفل. وقد نقل ابن المنذر الإجماع (٦) على ترك التطوع بين الصلاتين بالمزدلفة قال: لأنهم اتفقوا على أن السنة الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، ومن تنفل بينهما لم يصح أنه جمع، انتهى. ويشكل على ذلك ما في البخاري (٧) عن ابن مسعود أنه صلى بعد المغرب ركعتين ثم دعا بعشائه فتعشى ثم صلى العشاء. قوله: (القصوا) قد تقدم ضبطها. قوله: (فاستقبل القبلة) إلخ، فيه استحباب استقبال القبلة (٨) بالمشعر الحرام والدعاء والتكبير والتهليل والتوحيد والوقوف به إلى الإسفار والدفع منه قبل طلوع الشمس. وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم مجاهد وقتادة والزهري والثوري إلى

стр. 4361

أن من لم يقف بالمشعر فقد ضيَّع نسكًا وعليه دم، وهو قول أبي حنيفة (١) وأحمد (٢) وإسحاق وأبي ثور. وروي عن عطاء والأوزاعي أنه لا دم عليه، وإنما هو منزل من شاء نزل [به] (٣) ومن شاء لم ينزل به. وذهب ابن بنت الشافعي (٤) وابن خزيمة (٤) إلى أن الوقوف به ركن لا يتم الحج إلا به، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه (٤). وروي عن علقمة والنخعي واحتج الطحاوي (٥) بأن الله لم يذكر الوقوف وإنما قال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ (٦). وقد أجمعوا على أن من وقف بها بغير ذكر أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في القرآن ليس من تمام الحج فالموطن الذي يكون فيه الذكر أحرى [أن] (٧) لا يكون فرضًا. قوله: (حتى أسفر جدًّا) بكسر الجيم: أي إسفارا بليغًا، وهذا يرد على مالك (٨) وما ذهب إليه من أن الدفع قبل الإسفار. قوله: (مُحَسِّر) إلخ بكسر السين المهملة قبلها حاء مهملة وليس هو من مزدلفة ولا منى بل هو مسيل بينهما. وقيل: إنه من منى، وفيه دليل على أنه يستحب لمن بلغ وادي محسَّر إن كان راكبًا أن يحرك دابته وإن كان ماشيًا أسرع في مشيه (٩). قوله: (فرماها) إلخ سيأتي الكلام على الرمي.

стр. 4362

٦٥/ ٢٠٠٥ - (وَعَنْ عُمَرَ قال: كانَ أهْلُ الجَاهِليّة لا يُفِيضُون مِنْ جَمْعٍ حتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَيَقُولُونَ: أشْرقْ ثبيْرُ، فخالَفَهُمُ النَّبي ﷺ فأفاضَ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ. رَوَاهُ الجَماعَةُ إلّا مُسْلِمًا (١)، لكِنْ في رواية أحْمد (٢) وابْنِ ماجهْ (٣): أشرِقْ ثبِيْرُ كَيْما نُغِيرُ). [صحيح] قوله: (لا يُفيضون) بضم أوله، أي: من المزدلفة. قوله: (أشرق) بفتح الهمزة فعل أمر من الإشراق، أي: ادخل في الشروق، وظن بعضهم أنه ثلاثي فضبطه بكسر الهمزة من شرق وليس بواضح، والمعنى لتطلع عليك الشمس. قوله: (ثبير) (٤) بفتح المثلثة وكسر الموحدة وسكون التحتية بعدها راء مهملة، وهو جبل معروف بمكة وهو أعظم جبالها. قوله: (فأفاض قبل طلوع الشمس) الإفاضة الدفعة كما قال الأصمعي (٥). ولفظ أبي داود (٦): فدفع قبل طلوع الشمس. قوله: (كيما نغير) قال الطبري (٧): معناه كيما ندفع، وهو من قولهم: أغار الفرس إذا أسرع، والحديث فيه مشروعية الدفع من الموقف بالمزدلفة قبل طلوع الشمس عند الإسفار، وقد نقل [الطبري] (٨) الإجماع على أن من لم يقف [فيها] (٩) حتى طلعت [الشمس] (١٠) فاته الوقوف.

стр. 4363

قال ابن المنذر: وكان الشافعي (١) وجمهور أهل العلم يقولون بظاهر هذا الحديث وما ورد في معناه. وكان مالك (٢) يرى أن يدفع قبل الإسفار، وهو مردود بالنصوص. ٦٦/ ٢٠٠٦ - (وَعَنْ عائِشَة قالَتْ: كانتْ سَوْدَةُ امْرَأةً ضَخْمَةً ثَبِطَةً، فاسْتَأذَنَتْ رَسُولَ الله ﷺ أنْ تُفِيضَ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ، فأذِنَ لَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ) (٣). [صحيح] ٦٧/ ٢٠٠٧ - (وَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: أَنا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبيُّ ﷺ لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ في ضَعَفَةِ أَهْلِهِ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ) (٤). [صحيح] ٦٨/ ٢٠٠٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَذِنَ لِضَعَفَةِ النَّاسِ مِنَ المُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ، رَوَاهُ أَحْمَدُ) (٥). [صحيح] ٦٩/ ٢٠٠٩ - (وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَوْضَعَ في وادِي مُحَسِّرٍ وأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الخَذْفِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرمِذِيُّ) (٦). [صحيح] قوله: (ثَبِطَة) (٧) بفتح المثلثة وكسر الموحدة بعدها مهملة خفيفة، أي: بطيئة الحركة لعظم جسمها. قوله: (في ضَعَفَةِ أهله)، الضعفة (٨) بفتح الضاد المعجمة والعين المهملة جمع ضعيف، وهم النساء والصبيان والخدم.

стр. 4364

قوله: (أوضع) (١) أي أسْرَعَ بالسير بإبله، يقال: وضع البعير وأوضعه راكبه، أي: أسرع به السير. قوله: (بمثل حصى الخذف) تقدم ضبطه وتفسيره. وحديث عائشة (٢) وابن عباس (٣) وابن عمر (٤) فيها دليل على جواز الإفاضة قبل طلوع الشمس (٥)، وفي بقية جزء من الليل لمن كان من الضعفة. وحديث جابر (٦) يدل على أنه يشرع الإسراع بالمشي في وادي محسر (٧). قال الأزرقي (٨): وهو خمسمائة ذراع وخمسة وأربعون ذراعًا وإنما شرع الإسراع فيه لأن العرب كانوا يقفون فيه ويذكرون مفاخر آبائهم فاستحب الشارع مخالفتهم. وحكى الرافعي وجهًا ضعيفًا أنه لا يستحب الإسراع للماشي. [الباب الخامس عشر] باب رمي جمرة العقبة يوم النحر وأحكامه ٧٠/ ٢٠١٠ - (عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَمَى النَّبيُّ ﷺ الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحَى وَأَمَّا بَعْدُ فإذا زَالَتِ الشَّمْسُ. أخْرَجَهُ الجَماعَةُ) (٩). [صحيح] ٧١/ ٢٠١١ - (وَعَنْ جابِرٍ قال: رَأيْتُ النبيَّ ﷺ يَرْمِي الْجمْرَةَ على راحِلَتِهِ

стр. 4365

يَوْمَ النَّحْرِ وَيقُولُ: "لِتَأخُذُوا عَنّي مَناسِككُمْ فإنّي لا أَدْرِي لَعلِّي لا أحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هذِهِ". رَوَاهُ أحمدُ (١) ومُسْلِمٌ (٢) والنَّسائيُّ) (٣). [صحيح] ٧٢/ ٢٠١٢ - (وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهْ انْتَهى إلى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنَى عَنْ يَمِينِهِ وَرَمَى بِسَبْعٍ وقالَ: هكَذَا رمى الذِي أُنْزِلَتْ عَليهِ سُورةُ البَقَرَةِ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] ولمُسْلِمٍ (٥) في روايَةٍ: جَمْرَةَ الْعَقَبةِ. [صحيح] وفي روايَةٍ لأحمَدَ (٦): أنَّهُ انْتَهى إلى جَمْرَةِ الْعَقَبةِ فَرَماهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَياتٍ وَهُوَ راكِبٌ يُكَبِّرُ مَعَ كُلّ حَصَاةٍ، وقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورا وَذَنْبًا مَغْفُورًا، ثمَّ قالَ: ها هُنا كانَ يَقُومُ الذِي أُنْزِلَتْ عَليهِ سُورَةُ البَقَرَةِ). [صحيح. دون قوله: "اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا"]. قوله: (الجمرة) يعني جمرة العقبة. قوله: (يوم النحر ضحى) لا خلاف أن هذا الوقت هو الأحسن لرميها واختلف فيمن رماها قبل الفجر، فقال الشافعي (٧): يجوز تقديمه من نصف الليل وبه قال عطاء (٨) وطاوس والشعبي. وقالت الحنفية (٩) وأحمد (١٠) وإسحاق (١١) والجمهور (١٢): إنه لا يرمي جمرة

стр. 4366

العقبة إلا بعد طلوع الشمس، ومن رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعاد. وحكى المهدي في البحر (١) عن العترة والشافعي أن وقت الرمي من ضحى يوم النحر. واستدلَّ القائلون بأن وقت الرمي من وقت الضحى بحديث الباب وبحديث ابن عباس الآتي (٢): قالوا: وإذا كان من رخص له النبي ﷺ منعه أن يرمي قبل طلوع الشمس، فمن لم يرخص له أولى، واحتج المجوِّزون للرمي [من] (٣) قبل طلوع الفجر بحديث أسماء الآتي (٤)؛ ولكنه مختص بالنساء كما سيأتي، ولا حاجة إلى الجمع بينه وبين حديث ابن عباس بحمل حديث ابن عباس (٢) على الندب كما ذكره صاحب الفتح (٥). قال ابن المنذر (٦): [إن] (٧) السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس كما فعل النبي ﷺ ، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رماها حينئذٍ فلا إعادة عليه إذ لا أعلم أحدًا قال: لا يجزئه، انتهى. والأدلة تدل على أن وقت الرمي من بعد طلوع الشمس لمن كان لا رخصة له، ومن كان له رخصة كالنساء وغيرهنّ من الضعفة جاز قبل ذلك ولكنه لا يجزئ في أول ليلة النحر إجماعًا وسيأتي بقية الكلام على هذا. واعلم أنه قد قيل: إن الرمي واجب بالإجماع كما حكى ذلك في البحر (٨) واقتصر صاحب الفتح (٩) على حكاية الوجوب عن الجمهور. وقال (١٠): إنه عند المالكية سنة وحكى عنهم أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه، وحكى ابن جرير عن عائشة وغيرها أن الرمي إنما شرع حفظًا للتكبير فإن تركه وكبر أجزأه.

стр. 4367

والحق أنه واجب لما قدمنا من [أن] (١) أفعاله ﷺ بيان لمجمل واجب وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" (٣). قوله: (على راحلته) استدل به على أن رمي الراكب لجمرة العقبة أفضل من رمي الراجل وبه قالت الشافعية (٤) والحنفية (٥) والناصر والإمام يحيى (٦). وقال الهادي والقاسم (٧): إن رمي الراجل أفضل. وأجابوا عن الحديث بأنه ﷺ كان راكبا لعذر الازدحام. قوله: (لتأخذوا) بكسر اللام، قال النووي (٨): هي لام الأمر، ومعناه خذوا مناسككم. قال (٩): وهكذا وقع في رواية غير مسلم وتقدير الحديث أن هذه الأمور التي أَتيت بها في حَجَّتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصفته والمعنى: اقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس. قال النووي (١٠) وغيره: هذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١١). قال القرطبي (١٢): ويلزم من هذين الأصلين أن الأصل في أفعال الصلاة والحج الوجوب إلا ما خرج بدليل كما ذهب إليه أهل الظاهر وحكي عن الشافعي انتهى.

стр. 4368

وقد قدمنا في الصلاة أن مرجع واجباتها إلى حديث المسيء فلا يجب غير ما اشتمل عليه إلا بدليل يخصه. وقدمنا أن أفعال الحج وأقواله، الظاهر فيها الوجوب إلا ما خرج بدليل كما قالت الظاهرية، وهو الحق. قال القرطبي (١): روايتنا لهذا الحديث بلام الجر المفتوحة والنون التي هي مع الألف ضمير، أي يقول لنا: خذوا [عني] (٢) مناسككم، فيكون قوله (لنا) صلة للقول، قال: وهو الأفصح، وقد روي لتأخذوا بكسر اللام للأمر وبالتاء المثناة من فوق، وهي لغة شاذة قرأ بها رسول الله ﷺ في قوله تعالى: (فَبِذلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) (٣) انتهى. والأولى أن يقال: إنها قليلة لا شاذة، لورودها في كتاب الله تعالى وفي كلام نبيه ﷺ وفي كلام فصحاء العرب، وقد قرأ بها عثمان بن عفان، وأبيّ، وأنس، والحسن، وأبو رجاء، وابن هرمز، وابن سيرين، وأبو جعفر المدني والسلمي، وقتادة، والجحدري، وهلال بن يساف، والأعمش، وعمرو بن فائد، والعباس بن الفضل الأنصاري (٤).

стр. 4369

قال صاحب اللوامح (١): وقد جاء عن يعقوب كذلك، قال ابن [عطية] (٢): وقرأ بها ابن القعقاع، وابن عامر، وهي قراءة جماعة من المسلمين كثيرة وما نقله ابن عطية عن ابن عامر هو خلاف قراءته المشهورة. قوله: (لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)، فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ ، ولهذا سميت حجة الوداع. قوله: (إلى الجمرة الكبرى) هي جمرة العقبة. قوله: (فجعل البيت عن يساره)، فيه أنه يستحب لمن وقف عند الجمرة أن يجعل مكة عن يساره (٣). قوله: (ومنى عن يمينه)، فيه أنه يستحب أن يجعل منى على جهة يمينه ويستقبل الجمرة بوجهه. قوله: (ورمى بسبع) فيه دليل على أن رمي الجمرة يكون بسبع حصيات (٤) وهو يرد قول [ابن] (٥) عمر: ما أبالي رميت الجمرة بست أو بسبع، وسيأتي في باب المبيت بمنى متمسك لقوله:
следующие страницы →