← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4365–4404 · переход к 4370.

стр. 4365

يَوْمَ النَّحْرِ وَيقُولُ: "لِتَأخُذُوا عَنّي مَناسِككُمْ فإنّي لا أَدْرِي لَعلِّي لا أحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هذِهِ". رَوَاهُ أحمدُ (١) ومُسْلِمٌ (٢) والنَّسائيُّ) (٣). [صحيح] ٧٢/ ٢٠١٢ - (وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهْ انْتَهى إلى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنَى عَنْ يَمِينِهِ وَرَمَى بِسَبْعٍ وقالَ: هكَذَا رمى الذِي أُنْزِلَتْ عَليهِ سُورةُ البَقَرَةِ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (٤). [صحيح] ولمُسْلِمٍ (٥) في روايَةٍ: جَمْرَةَ الْعَقَبةِ. [صحيح] وفي روايَةٍ لأحمَدَ (٦): أنَّهُ انْتَهى إلى جَمْرَةِ الْعَقَبةِ فَرَماهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَياتٍ وَهُوَ راكِبٌ يُكَبِّرُ مَعَ كُلّ حَصَاةٍ، وقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورا وَذَنْبًا مَغْفُورًا، ثمَّ قالَ: ها هُنا كانَ يَقُومُ الذِي أُنْزِلَتْ عَليهِ سُورَةُ البَقَرَةِ). [صحيح. دون قوله: "اللهم اجعله حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا"]. قوله: (الجمرة) يعني جمرة العقبة. قوله: (يوم النحر ضحى) لا خلاف أن هذا الوقت هو الأحسن لرميها واختلف فيمن رماها قبل الفجر، فقال الشافعي (٧): يجوز تقديمه من نصف الليل وبه قال عطاء (٨) وطاوس والشعبي. وقالت الحنفية (٩) وأحمد (١٠) وإسحاق (١١) والجمهور (١٢): إنه لا يرمي جمرة

стр. 4366

العقبة إلا بعد طلوع الشمس، ومن رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر جاز، وإن رماها قبل الفجر أعاد. وحكى المهدي في البحر (١) عن العترة والشافعي أن وقت الرمي من ضحى يوم النحر. واستدلَّ القائلون بأن وقت الرمي من وقت الضحى بحديث الباب وبحديث ابن عباس الآتي (٢): قالوا: وإذا كان من رخص له النبي ﷺ منعه أن يرمي قبل طلوع الشمس، فمن لم يرخص له أولى، واحتج المجوِّزون للرمي [من] (٣) قبل طلوع الفجر بحديث أسماء الآتي (٤)؛ ولكنه مختص بالنساء كما سيأتي، ولا حاجة إلى الجمع بينه وبين حديث ابن عباس بحمل حديث ابن عباس (٢) على الندب كما ذكره صاحب الفتح (٥). قال ابن المنذر (٦): [إن] (٧) السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس كما فعل النبي ﷺ ، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رماها حينئذٍ فلا إعادة عليه إذ لا أعلم أحدًا قال: لا يجزئه، انتهى. والأدلة تدل على أن وقت الرمي من بعد طلوع الشمس لمن كان لا رخصة له، ومن كان له رخصة كالنساء وغيرهنّ من الضعفة جاز قبل ذلك ولكنه لا يجزئ في أول ليلة النحر إجماعًا وسيأتي بقية الكلام على هذا. واعلم أنه قد قيل: إن الرمي واجب بالإجماع كما حكى ذلك في البحر (٨) واقتصر صاحب الفتح (٩) على حكاية الوجوب عن الجمهور. وقال (١٠): إنه عند المالكية سنة وحكى عنهم أن رمي جمرة العقبة ركن يبطل الحج بتركه، وحكى ابن جرير عن عائشة وغيرها أن الرمي إنما شرع حفظًا للتكبير فإن تركه وكبر أجزأه.

стр. 4367

والحق أنه واجب لما قدمنا من [أن] (١) أفعاله ﷺ بيان لمجمل واجب وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم" (٣). قوله: (على راحلته) استدل به على أن رمي الراكب لجمرة العقبة أفضل من رمي الراجل وبه قالت الشافعية (٤) والحنفية (٥) والناصر والإمام يحيى (٦). وقال الهادي والقاسم (٧): إن رمي الراجل أفضل. وأجابوا عن الحديث بأنه ﷺ كان راكبا لعذر الازدحام. قوله: (لتأخذوا) بكسر اللام، قال النووي (٨): هي لام الأمر، ومعناه خذوا مناسككم. قال (٩): وهكذا وقع في رواية غير مسلم وتقدير الحديث أن هذه الأمور التي أَتيت بها في حَجَّتي من الأقوال والأفعال والهيئات هي أمور الحج وصفته والمعنى: اقبلوها واحفظوها واعملوا بها وعلموها الناس. قال النووي (١٠) وغيره: هذا الحديث أصل عظيم في مناسك الحج، وهو نحو قوله ﷺ في الصلاة: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١١). قال القرطبي (١٢): ويلزم من هذين الأصلين أن الأصل في أفعال الصلاة والحج الوجوب إلا ما خرج بدليل كما ذهب إليه أهل الظاهر وحكي عن الشافعي انتهى.

стр. 4368

وقد قدمنا في الصلاة أن مرجع واجباتها إلى حديث المسيء فلا يجب غير ما اشتمل عليه إلا بدليل يخصه. وقدمنا أن أفعال الحج وأقواله، الظاهر فيها الوجوب إلا ما خرج بدليل كما قالت الظاهرية، وهو الحق. قال القرطبي (١): روايتنا لهذا الحديث بلام الجر المفتوحة والنون التي هي مع الألف ضمير، أي يقول لنا: خذوا [عني] (٢) مناسككم، فيكون قوله (لنا) صلة للقول، قال: وهو الأفصح، وقد روي لتأخذوا بكسر اللام للأمر وبالتاء المثناة من فوق، وهي لغة شاذة قرأ بها رسول الله ﷺ في قوله تعالى: (فَبِذلِكَ فَلْتَفْرَحُوا) (٣) انتهى. والأولى أن يقال: إنها قليلة لا شاذة، لورودها في كتاب الله تعالى وفي كلام نبيه ﷺ وفي كلام فصحاء العرب، وقد قرأ بها عثمان بن عفان، وأبيّ، وأنس، والحسن، وأبو رجاء، وابن هرمز، وابن سيرين، وأبو جعفر المدني والسلمي، وقتادة، والجحدري، وهلال بن يساف، والأعمش، وعمرو بن فائد، والعباس بن الفضل الأنصاري (٤).

стр. 4369

قال صاحب اللوامح (١): وقد جاء عن يعقوب كذلك، قال ابن [عطية] (٢): وقرأ بها ابن القعقاع، وابن عامر، وهي قراءة جماعة من المسلمين كثيرة وما نقله ابن عطية عن ابن عامر هو خلاف قراءته المشهورة. قوله: (لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)، فيه إشارة إلى توديعهم وإعلامهم بقرب وفاته ﷺ ، ولهذا سميت حجة الوداع. قوله: (إلى الجمرة الكبرى) هي جمرة العقبة. قوله: (فجعل البيت عن يساره)، فيه أنه يستحب لمن وقف عند الجمرة أن يجعل مكة عن يساره (٣). قوله: (ومنى عن يمينه)، فيه أنه يستحب أن يجعل منى على جهة يمينه ويستقبل الجمرة بوجهه. قوله: (ورمى بسبع) فيه دليل على أن رمي الجمرة يكون بسبع حصيات (٤) وهو يرد قول [ابن] (٥) عمر: ما أبالي رميت الجمرة بست أو بسبع، وسيأتي في باب المبيت بمنى متمسك لقوله:

стр. 4370

وروي عن مجاهد (١) أنه لا شيء على من رمى بست، وعن طاوس (٢) يتصدق بشيء. وعن مالك (٣) والأوزاعي (٤): من رمى بأقل من سبع وفاته التدارك يجبره بدم. وعن الشافعية (٥): في ترك حصاة مدّ، وفي ترك حصاتين مدّان، وفي [ثلاثة] (٦) فأكثر دم. وعن الحنفية (٧) إن ترك أقل من نصف الجمرات الثلاث فنصف صاع وإلا قدم. قوله: (سورة البقرة) خصها بالذكر لأن معظم أحكام الحج فيها. قوله: (يكبر مع كل حصاة) فيه استحباب التكبير مع كل حصاة. وقد استدل بهذا على اشتراط رمي الجمرات بواحدةٍ بعد واحدة (٨) من الحصى؛ لأن التكبير مع كل حصاة يدل على ذلك. وروي عن عطاء أنه يجزئ ويكبر لكل حصاة تكبيرة. وقال الأصم (٩): يجزئ مطلقًا. وقال الحسن البصري (١٠): يجزئ الجاهل فقط.

стр. 4371

وقال الناصر (١) والحنفية (٢) والشافعية (٣): يجزئ عن واحدة مطلقًا. وقالت الهادوية (٤): لا يجزئ بل يستأنف. قوله: (وقال اللهم) إلخ، فيه استحباب هذا الدعاء مع التكبير. قال في الفتح (٥): وأجمعوا على أن من لم يكبر لا شيء عليه، انتهى. ٧٣/ ٢٠١٣ - (وعَن ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: قدَّمنَا رسُولُ الله ﷺ أُغَيْلِمَةَ بَنِي عبْدِ الْمُطَّلِبِ على حُمُرَاتٍ لَنَا مِنْ جَمْعٍ، فَجَعلَ يلْطَحُ أفْخاذَنَا وَيَقُولُ: "أُبيْنِيَّ لَا تَرْمُوا حتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ". رَواهُ الخَمْسة (٦) وصحَّحهُ التِّرمِذِيُّ ولَفظُهُ: قَدَّمَ ضَعَفَةَ أُهْلِهِ وقالَ: "لَا تَرْمُوا الْجَمْرَة حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ"). [صحيح] ٧٤/ ٢٠١٤ - (وعَنْ عائِشةَ قالَتْ: أَرْسلَ النبيُّ ﷺ أمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَت الْجَمْرَةَ قَبْلَ الفَجْرِ، ثمَّ مَضَتْ فأفاضَتْ، وكانَ ذلِكَ الْيَوْمَ الذِي يَكونُ رسُولُ الله ﷺ تَعْنِي عنْدَها. رَواهُ أَبُو دَاوُدَ) (٧). [ضعيف] ٧٥/ ٢٠١٥ - (وعَنْ عبْدِ الله مَوْلى أسْمَاءَ عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّها نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ الْمُزْدَلِفَةِ، فَقامَتْ تُصَلِّي فَصلَّتْ ساعَةً ثمَّ قالَتْ: يَا بُنَيّ هَلْ غابَ القَمَرُ؟ قلْتُ: لَا، فصَلَّتْ سَاعَةً ثُمَّ قالَتْ: يَا بُنَيَّ هَلْ غَابَ القمَرُ؟ قُلْتُ: لَا، فَصلَّتْ سَاعةً ثمّ قالَتْ: يا بُنَيّ هَلْ غابَ القَمَرُ؟ قلْتُ: نَعَمْ، قالَتْ: فارْتَحلُوا فارتَحلْنا وَمَضَيْنا حتّى رَمَتِ الْجَمْرَةَ، ثمّ رَجَعَتْ فَصلّتِ الصُّبْحَ في مَنْزِلِها، فقلْتُ لَهَا: يا

стр. 4372

هَنْتَاهُ ما أُرَانَا إلّا قَدْ غَلّسْنا، قالَتْ: يا بُنَيّ إنَّ رسُولَ الله ﷺ أَذِنَ لِلظُّعُنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] ٧٦/ ٢٠١٦ - (وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنّ النبيَّ ﷺ بَعَثَ به مع أَهلِهِ إلَى مِنَى يَوْمَ النّحْرِ فَرَمَوا الْجَمْرَةَ مَعَ الفَجْرِ. رَوَاهُ أحمَدُ) (٢). [ضعيف] حديث ابن عباس الأول أخرجه أيضًا الطحاوي (٣)، وابن حبان (٤) وصححه، وحسنه الحافظ في الفتح (٥) وله طرق، وحديث عائشة أخرجه أيضًا الحاكم (٦) والبيهقي (٧) ورجاله رجال الصحيح. وحديث ابن عباس الثاني أخرجه أيضًا النَّسَائِي (٨) والطحاوي (٩) ولفظه: "بعثني النبي ﷺ مع أهله وأمرني أن أرمي مع الفجر"، وهو في الصحيحين (١٠) بلفظ: "كنت فيمن قدم رسول الله ﷺ في ضعفة أهله من مزدلفة إلى منى".

стр. 4373

قوله: (أغيلمة) منصوب على الاختصاص أو على [الندب] (١)، قال في النهاية (٢): تصغير أغلمة بسكون وكسر اللام جمع غلام وهو جائز في القياس، ولم يرد في جمع غلام أغلمة، وإنما ورد غِلمة بكسر الغين، والمراد بالأغيلمة الصبيان ولذلك صغرهم. قوله: (على حُمُرَاتٌ) (٣) بضم الحاء المهملة والميم جمع لحمر، وحُمُرٌ: جمع لحمار. قوله: (فجعل يلطح) بفتح الياء التحتية والطاء المهملة وبعدها حاء مهملة. قال الجوهري (٤): اللطح الضرب اللين على الظهر ببطن الكف اهـ. وإنما فعل ذلك ملاطفة لهم. قوله: (أُبَيْنِيَّ) بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وسكون ياء التصغير وبعدها نون مكسورة ثم ياء النسب المشددة، كذا قال ابن رسلان في شرح السنن. وقال في النهاية (٥): الأبيني بوزن الأعيمي تصغير الأبنا بوزن الأعمى، وهو جمع ابن. قوله: (حتى تطلع الشمس) استدلّ بهذا من قال: إن وقت رمي جمرة العقبة من بعد طلوع الشمس (٦). وقد تقدَّم الكلام على ذلك، وأما وقت رمي غيرها فسيأتي في باب المبيت بمنى. قوله: (قبل الفجر) هذا مختصٌّ بالنِّساء كما أسلفنا فلا يصلح للتمسك به على جواز الرمي لغيرهنّ من هذا الوقت لورود الأدلةِ القاضية بخلاف ذلك، كما تقدَّم، ولكنه يجوز لمن بُعِثَ معهن من الضَّعَفَةِ كالعبيد، والصبيان أن يرمي في وقت رميهن؛ كما في حديث أسماء (٧)، وحديث ابن عباس الآخر (٨).

стр. 4374

قوله: (فأفاضت) أي ذهبت لطواف الإفاضة ثم رجعت إلى منى. قوله: (تعني) هو من تفسير أبي داود. قوله: (عندها) يعني عند أم سلمة أي في نوبتها من القَسْم. قوله: (فارتحلوا) في رواية مسلم (١): فارحل بي. قوله: (ياهَنَتاه) (٢) بفتح الهاء والنون وقد تسكن النون بعدها مثناة فوقية وآخرها هاء ساكنة، هذا اللفظ كناية عن شي لا يذكره باسمه وهو بمعنى يا هذه. قوله: (ما أُرانا) بضم الهمزة بمعنى الظن. وفي رواية مسلم (٣): لقد غلَّسنا بالجزم. وفي رواية الموطأ (٤): "لقد جئنا بغلس". وفي رواية أبي داود (٥): "إنا رمينا الجمرة بليل وغلَّسْنا". قوله: (أذن للظعن) بضم الظاء المعجمة جمع ظعينة، وهي المرأة في الهَوْدَج، ثم أطلق على المرأة مطلقًا. وفي هذا الحديث دليلٌ على أنه يجوز للنِّساء الرمي لجمرة العقبة في النصف الأخير من الليل. وقد تقدَّم الخلاف في ذلك. واستدلَّ به على إسقاط المرور بالمشعر [عن] (٦) الظعينة، ولا دلالة [فيه] (٧) على ذلك [لأن] (٨) غاية ما فيه السكوت عن المرور بالمشعر. وقد ثبت في البخاري (٩) وغيره (١٠) عن ابن عمر أنه كان يقدم ضعفةَ أهله (١١) فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل ثم يقدمون منى لصلاة الفجر ويرمون. قوله: (مع الفجر) فيه دليل على أنه يجوز للنساء ومن معهن من الضعفة الرمي وقت الفجر كما تقدَّم.

стр. 4375

[الباب السادس عشر] باب النحر والحلاق والتقصير وما يباح عندهما ٧٧/ ٢٠١٧ - (عَنْ أَنَس أَنّ رسُول الله ﷺ أَتى مِنى فأتى الْجَمْرَة فَرماها ثمّ أتى منْزِلهُ بِمنَى وَنَحَر، ثمَّ قال لِلْحَلَّاق: "خُذْ"، وأشارَ إلى جانِبِهِ الأيْمَنِ ثمَّ الأيْسَرِ ثم جَعلَ يُعطِيهِ النّاسَ. رَواهُ أحمَدُ (١) ومُسلِمٌ (٢) وأبُو دَاود) (٣). [صحيح] ٧٨/ ٢٠١٨ - (وعَنْ أبي هُرَيرَةَ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "اللَّهُمَّ اغْفرْ للْمُحَلِّقِينَ"، قالُوا: يا رسُولَ الله وللْمُقصِّرِينَ، قال: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ للمُحَلَقِينَ"، قالوا: يا رَسُولَ الله وللْمُقَصِّرينَ، قالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلمُحَلِّفِينَ"، قالُوا: يا رَسُولَ الله وللْمُقَصِّرِينَ، قالَ: "وللْمُقَصِّرينَ". مُتَّفَقٌ عَليْه) (٤). [صحيح] قوله: (إلى جانبه الأيمن) فيه استحباب البداءة في حلق الرأس بالشقّ الأيمن من رأس المحلوق وهو مذهب الجمهور (٥). وقال أبو حنيفة (٦): يبدأ بجانبه الأيسر لأنَّه على يمين الحالق، والحديث يردُّ عليه، والظاهر: أن هذا الخلاف يأتي في قص الشارب. قوله: (ثم جعل يعطيه الناس) فيه مشروعية التبرك بشعر أهل الفضل ونحوه (٧) وفيه دليل على طهارة شعر الآدمي، وبه قال الجمهور. وقد تقدم الكلام على ذلك في أبواب الطهارة (٨).

стр. 4376

قوله: (اللهم اغفر للمحلِّقين) لفظ أبي داود (١): "ارحم"، وكذا في رواية البخاري (٢). وفيه دليل على الترحم على الحي وعدم اختصاصه بالميت. قوله: (وللمقصِّرين) هو عطف على محذوف تقديره قل: وللمقصِّرين ويسمى عطف التلقين. والحديث يدل على أن الحلق أفضل من التقصير لتكريره ﷺ الدعاء للمحلقين وترك الدعاء للمقصرين في المرة الأولى والثانية مع سؤالهم [له] (٣) ذلك. وظاهر صيغة المحلقين أنه يشرع حلق جميع الرأس لأنَّه الذي تقتضيه الصيغة إذ لا يقال لمن حلق بعض رأسه: أنه حلقه إلا مجازًا. وقد قال بوجوب حلق الجميع: أحمد (٤) ومالك (٥) واستحبه الكوفيون (٦) والشافعي (٧) ويجزئ البعض عندهم. واختلفوا في مقداره؛ فعن الحنفية (٨) الربع إلا أن أبا يوسف قال: النصف. وعن الشافعي (٩) أقل ما يجب حلق ثلاث شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة، وهكذا الخلاف في التقصير. وقد اختلف أهل العلم في الحلق هل هو نسك أو تحليل محظور، فذهب إلى الأول الجمهور (١٠) وإلى الثاني عطاء (١١) وأبو يوسف (١٢) [ورواية] (١٣)

стр. 4377

عن أحمد (١) وبعض المالكية (٢) والشافعي (٣) في رواية عنه ضعيفة، وخرجه أبو طالب للهادي والقاسم (٤). وقد اختلف أيضًا في الوقت الذي قال فيه رسول الله ﷺ هذا القول: فقيل: إنه كان يوم الحديبية. وقيل: في حجة الوداع. وقد دلت على الأول أحاديث، وعلى الثاني أحاديث أخر. وقيل: إنه كان في الموضعين، أشار إلى ذلك النووي (٥) وبه قال ابن دقيق العيد (٦). قال الحافظ (٧): وهو المتعين لتظافر الروايات بذلك في الموضعين، وهذا هو الراجح لأن الروايات القاضية بأن ذلك كان في الحديبية لا ينافي الروايات القاضية بأن ذلك كان في حجة الوداع، وكذلك العكس فيتوجه العمل بها [جميعًا] (٨) والجزم بما دلت عليه. وقد أطال صاحب الفتح (٩) الكلام في تعيين [وقت] (١٠) هذا القول فمن أحب الإحاطة بجميع ذيول هذا البحث فليرجع إليه. ٧٩/ ٢٠١٩ - (وعَنِ ابْنِ عُمرَ أن النبيَّ ﷺ لَبّدَ رَأسهُ وَأَهْدَى؛ فلمَّا قدِمَ مكَّةَ أَمَرَ نِسَاءَهُ أنْ يَحْلِلْنَ، قلْنَ: ما لَكَ أَنْتَ لَمْ تَحلَّ؟ قالَ: "إنّي قَلَّدْتُ هَدْيي ولَبَّدْتُ رَأسِي فَلَا أَحُل حتَّى أَحلَّ مِنْ حَجَّتي، وأحْلِقَ رَأْسِي". رَواهُ أحمَدُ (١١). [صحيح]

стр. 4378

وهُوَ دَليلٌ على وُجوبِ الْحَلْقِ). ٨٠/ ٢٠٢٠ - (وعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "لَيْسَ على النِّساءِ الحَلْقُ إِنَّما على النِّساءِ التَّقْصِيرُ". رَوَاهُ أبُو داوُدَ (١) والدَّارَقُطْنِيُّ) (٢). [صحيح لغيره] حديث ابن عمر هو في البخاري (٣) عنه عن حفصة، ولكن ليس فيه: وأحلق رأسي. وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا الطبراني (٤) وقد قوى إسناده البخاري في التاريخ (٥)، وأبو حاتم في العلل (٦)، وحسنه الحافظ (٧)، وأعله ابن القطان (٨) ورد عليه ابن الموَّاق (٩) فأصاب. وقد استدل بحديث ابن عمر على أنه يتعين الحلق على من لبَّد رأسه، وبه قال الجمهور كما نقله ابن بطال (١٠). وقالت الحنفية (١١): لا يتعين بل إن شاء قصر. قال في الفتح (١٢): وهذا قول الشافعي في الجديد، قال: وليس للأول دليل صريح، انتهى.

стр. 4379

ولا يخفى أن الحديث الذي ذكره المصنف دليل صريح، ويؤيده أن الحلق معلوم من حاله ﷺ في حجه كما في صحيح البخاري (١) عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ حلق في حجته". قوله: (ليس على النساء الحلق) إلخ. فيه دليل على أن المشروع في حقهن التقصير. وقد حكى الحافظ (٢) الإجماع على ذلك، قال جمهور الشافعية (٣): فإن حلقت أجزأها، وقال القاضي أبو الطيب والقاضي حسين: لا يجوز، وقد أخرج الترمذي من حديث علي (٤)

стр. 4380

[﵇] (١) نهى أن تحلق المرأة رأسها. ٨١/ ٢٠٢١ - (وعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "إذَا رَمَيْتُمُ الجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيءٍ إلا النِّساءَ"، فقال رجُلٌ: والطِّيبُ؛ فقالَ ابْنُ عبَّاسٍ: أمَّا أَنَا فقَدْ رَأيتُ رسُولَ الله ﷺ يُضَمِّخُ رأسَهُ بالْمِسْكِ، أفَطِيبٌ ذلِكَ أمْ لَا؟ رَواهُ أحمَدُ) (٢). [صحيح لغيره] ٨٢/ ٢٠٢٢ - (وعَنْ عائشة قالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله ﷺ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ، ويَوْمَ النّحْرِ قَبْلَ أنْ يَطُوفَ بالبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). وللنّسائِيِّ (٤): طَيَّبْتُ رسُولَ الله ﷺ لِحَرْمِهِ حِينَ أَحْرَمَ، ولحِلِّهِ بَعْدَ ما رَمى جَمْرَةَ العَقَبَةِ قَبلَ أنْ يَطُوفَ بالبيْتِ). [صحيح] حديث ابن عباس أخرجه أيضًا أبو داود (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧) من حديث الحسن العُرَنِيِّ عنه. قال في البدر المنير: إسناده حسن كما قاله المنذري (٨) إلا أن يحيى بن

стр. 4381

معين وغيره قالوا: [يقال] (١): إن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس. وفي الباب عن عائشة غير حديث الباب عند أحمد (٢) وأبي داود (٣) والدارقطني (٤) والبيهقي (٥) مرفوعًا بلفظ: "إِذَا رَمَيْتُمْ [وحلقتم] (٦) فَقَدْ حَل لكُمْ الطيب والثياب وكُلَّ شيءٍ إلا النساءَ". وفي إسناده الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف (٧). وعن أم سلمة عند أبي داود (٨) والحاكم (٩) والبيهقي (١٠) [بنحوه] (١١)، وفي إسناده محمد بن إسحاق ولكنه صرح بالتحديث. قوله: (فقد حل لكم كل شيء إلّا النساء)، استدلت به العترة (١٢) والحنفية (١٣) والشافعية (١٤) على أنه يحل بالرمي لجمرة العقبة كل محظور من محظورات الإحرام إلا الوطء للنساء فإنه لا يحل به بالإجماع. قال مالك (١٥): والطيب. وروي نحوه عن عمر (١٦) وابن عمر وغيرهما. وقال الليث: إلا النساء والصيد، وأحاديث الباب ترد عليهم.

стр. 4382

وقد استدل المانعون من الطيب بعد الرمي بما أخرجه الحاكم (١) عن ابن الزبير أنه قال: إذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلا النساء والطيب حتى يزور البيت، وقال: إن ذلك من سنة الحج. وبما أخرجه النَّسَائِي (٢) عن ابن عمر أنه قال: إذا رمى وحلق حل له كل شيء إلا النساء والطيب. ولا يخفى أن هذين الأثرين لا يصلحان لمعارضة أحاديث الباب، وعلى فرض أن الأول منهما مرفوع فهو أيضًا لا يعتد به بجنب الأحاديث المذكورة ولا سيما وهي مثبتة لحل الطيب. قوله: (أفطيب ذلك أم لا) هذا استفهام تقرير لأن السامع لا بُدَّ أن يقول: نعم وقد ثبت أن المسك أبي الطيب كما سلف. قوله: (قبل أن يحرم) قد تقدم الكلام على هذا مبسوطًا. قوله: (ويوم النحر قبل أن يطوف بالبيت)، أي لأجل إحلاله مِن إحرامه قبل أن يطوف طواف الإفاضة وذلك بعد أن رمى جمرة العقبة كما وقع في الرواية الأخرى. [الباب السابع عشر] باب الإفاضة من منى للطواف يوم النحر ٨٣/ ٢٠٢٣ - (عَن ابْنِ عمر أن رسُولَ الله ﷺ أَفاضَ يوْمَ النَّحْرِ ثمَّ رجع فصلَّى الظُّهْرَ بِمِنَى. متَّفقٌ عَلَيْهِ) (٣). [صحيح]

стр. 4383

٨٤/ ٢٠٢٤ - (وفي حَديثِ جابِر أن النبيَّ ﷺ انْصَرَفَ إلى المَنْحَر فَنَحَرَ، ثمَّ رَكِبَ فَأفاضَ إلى البيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهرَ. مُخْتَصَرٌ مِنْ مُسْلِم) (١). [صحيح] قوله: (أفاض) أي: طاف بالبيت. وفيه دليل على أنه يستحب فعل طواف الإفاضة يوم النحر أول النهار. قال النووي (٢): وقد أجمع العلماء: أن هذا الطَّواف - وهو طواف الإفاضة - ركن من أركان الحجّ لا يصحّ الحجّ إلا به؛ واتفقوا على أنه يستحب فعله يوم النحر بعد الرمي، والنَّحر، والحلق، فإن أخَّره عنه؛ وفعله في أيام التشريق أجزأ، ولا دم عليه بالإجماع، فإن أخَّره إلى بعد أيام التشريق، وأتى به بعدها أجزأه، ولا شيء عليه عند الجمهور (٣). وقال أبو حنيفة (٤) ومالك (٥): إذا تطاول لزم معه دم، انتهى. وكذا حكى الإجماع على فرضية طواف الزيارة وإنه لا يجبره الدم وأن وقته من يوم النحر الإمام المهدي في البحر (٦). وطواف الإفاضة وهو المأمور به في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ (٧)، وهو الذي يقال له: طواف الزيارة. قوله: (فصلى الظهر بمنى)، وقوله في الحديث الآخر: "فصلى بمكة الظهر" ظاهر هذا التنافي، وقد جمع النووي (٨) بأنه ﷺ أفاض قبل الزَّوال وطاف، وصلى الظهر بمكة في أول النهار ثم رجع إلى منى [وصلى] (٩) بها الظهر مرة أخرى إمامًا بأصحابه كما صلى بهم في بطن نخل مرتين، مرة بطائفة ومرة بأخرى، فروى ابن عمر صلاته بمنى وجابر صلاته بمكة وهما صادقان.

стр. 4384

وذكر ابن المنذر (١) نحوه، ويمكن الجمع بأن يقال: إنه صلى بمكة ثم رجع إلى منى فوجد أصحابه يصلون الظهر، فدخل معهم متنفلًا لأمره ﷺ بذلك لمن وجد جماعة يصلون وقد صلى. [الباب الثامن عشر] باب ما جاء في تقديم النحر والحلق والرمي والإفاضة بعضها على بعض ٨٥/ ٢٠٢٥ - (عَنْ عبدِ الله بْنِ عَمْرو قالَ: سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ وأَتاهُ رَجُلٌ يَوْمَ النَّحْرِ وَهْوَ واقِفٌ عِنْدَ الْجَمْرَةِ، فقالَ: يا رَسُولَ الله، حلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أُرْمِيَ؟ قالَ: "ارْمِ وَلا حَرَجَ " وأتاهُ آخرُ فقال إني ذبحتُ قبل أن أرمي؟ قال: "ارمي ولا حرج"، [وَأَتَى] (٢) آخَرُ فقالَ: إنِّي أَفَضْتُ إلى البَيْتِ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ؟ فقالَ: "ارْمِ وَلا حَرج" (٣). وَفي روايةٍ عَنهُ: أَنَّهُ شَهِدَ النَّبيّ ﷺ يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، فقامَ إلَيْهِ رَجُل فَقَالَ: كُنْتُ أحْسَبُ أن كَذا قَبْلَ كَذا، ثمَّ قامَ آخَرُ فقالَ: كُنْتُ أحْسَبُ أَنَّ كَذا قَبْلَ كَذا، حَلَقت قَبلَ أنْ أنْحرَ، نَحْرَتُ قَبْلَ أنْ أرْمِيَ، وأشْباهُ ذلِكَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "افْعَلْ وَلا حَرَجَ"، لَهُنَّ كُلّهِنَّ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئذٍ عَنْ شيءٍ إلَّا قالَ: "افْعَلْ وَلا حَرَجَ" (٤). مُتَّفَقٌ عَلَيهِما. [صحيح] ولمُسْلِم في روايَةٍ (٥): فَمَا سَمِعْتُهُ يُسْألُ يَومَئِذٍ عَنْ أمر مِمَّا يَنْسى المَرْءُ أو يَجْهَلُ مِنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الأمْورِ قَبَل بَعْضٍ وَأشباهِها، إلَّا قالَ رسُولُ الله ﷺ : "افعَلَوا وَلا حَرَجَ"). [صحيح] ٨٦/ ٢٠٢٦ - (وعَنْ عَليّ قالَ: جَاءَ رَجلٌ فقالَ: يا رسُولَ الله، حَلَقْتُ

стр. 4385

قبل أنْ أنحَرَ؟ قالَ: "انحَر ولا حَرَجَ". ثُمَّ أتاهُ آخَرُ فقالَ: يَا رَسُولَ الله، إنِّي أفَضتُ قَبل أنْ أحْلِقَ، قالَ: "احْلِقْ أو قَصِّرْ وَلا حَرَجَ". رَواهُ أحمَدُ (١). [حسن] وَفِي لَفْظٍ: قالَ: إنِّي أفَضْتُ قَبلَ أن أحلِقَ. قالَ: "احلِقْ أو قَصِّرْ وَلا حَرَجَ"، قالَ: وجاءَ آخَرُ فقالَ: يا رَسُولَ الله، إنّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أن أرْمِيَ؟ قالَ: "ارْمِ وَلا حَرَجَ". رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وصحَّحهُ) (٢). [حسن] ٨٧/ ٢٠٢٧ - (وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ أنّ النبيَّ ﷺ قيلَ لهُ في الذَّبْحِ والحَلقِ والرَّمْيِ والتَّقْدِيمِ والتّأخِيرِ: فقالَ: "لا حَرَجَ". مُتَّفَق عليهِ (٣). [صحيح] وفي رِوايَةٍ: سألَهُ رَجُلٌ فقالَ: حَلَقتُ قَبلَ أن أذْبَحَ؟ قالَ: "اذْبَحْ وَلا حَرَجَ"، وقالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ ما أمْسَيتُ؟ فقالَ: "افْعَلْ وَلا حَرَجَ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤) وأبُو دَاوُدَ (٥) وابْنُ ماجَهْ (٦)، والنَّسائيُّ (٧). [صحيح] وفي رِوايَةٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ للنَّبيِّ ﷺ : زُرْتُ قبلَ أن أرْمِيَ؟ قالَ: "لا حَرَجَ"، قالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ؟ قالَ: "لا حَرَجَ"، قالَ: ذَبَحْتُ قَبلَ أن أَرْمِيَ؟ قالَ: "لا حَرَجَ". رَواهُ البُخاريُّ) (٨). [صحيح] قوله: (في يوم النحر) في رواية للبخاري (٩): أن ذلك كان في حجة الوداع.

стр. 4386

وفي أخرى (١) له يخطب يوم النحر كما في الباب. وفي أخرى له (٢) أيضًا على راحلته. قال القاضي عياض (٣): جمع بعضهم بين هذه الروايات بأنه موقف واحد على أن معنى خطب أنه علَّم الناس لا أنها خطبة من خطب الحج المشروعة. قال (٤): ويحتمل أن يكون ذلك في موطنين. (أحدهما) على راحلته عند الجمرة ولم يقل في هذا خطب. (والثاني) يوم النحر بعد صلاة الظهر، وذلك وقت الخطبة المشروعة من خطب الحج يعلِّم الإمام فيها الناس ما بقي عليهم من مناسكهم. وصوّب النووي (٥) هذا الاحتمال الثاني. فإن قيل: لا منافاة بين هذا الذي صوبه وبين ما قبله فإنه ليس في شيء من طرق الأحاديث بيان الوقت الذي خطب فيه الناس. فيجاب بأن في رواية حديث ابن عباس التي ذكرها المصنف: رميت بعد ما أمسيت، وهي تدل على أن هذه القصة كانت بعد الزوال لأن المساء إنما يطلق على ما بعد الزوال، وكأن السائل علم أن السنة للحاج أن يرمي الجمرة أول ما يقدم ضحى فلما أخرها إلى بعد الزوال سأل عن ذلك. والحاصل أنه قد اجتمع من الروايات أن ذلك كان في حجة الوداع يوم النحر بعد الزوال عند الجمرة. والرجل المذكور في هذه الأحاديث قال الحافظ في الفتح (٦): لم نقف بعد البحث الشديد على اسم أحد ممن سال في هذه القصة. قوله: (حلقتُ قبل أن أرمي)، في هذه الرواية قدَّم السؤال عن الحلق قبل

стр. 4387

الرمي، وفي الرواية الثانية قدم السؤال عن الحلق قبل النحر، وكذلك في حديث عليّ. وفي الرواية الأخرى منه قدَّم الإفاضة قبل الحلق، وفي الرواية الثالثة منه قدَّم الذبح قبل الرمي، وفي رواية ابن عباس قدم الحلق قبل الذبح، وفي الرواية الأخرى [منه] (١) قدم الزيارة قبل الرمي. والأحاديث المذكورة في الباب تدل على جواز تقديم بعض الأمور المذكورة فيها على بعض وهي الرمي والحلق والتقصير والنحر وطواف الإفاضة، وهو إجماع كما قال ابن قدامة في المغني (٢). قال في الفتح (٣): إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في بعض المواضع. قال القرطبي (٤): روي عن ابن عباس ولم يثبت عنه أنه من قدم شيئًا على شيء فعليه دم، وبه قال سعيد بن جبير وقتادة والحسن والنخعي وأصحاب الرأي. وتعقبه الحافظ (٥) بأن نسبة ذلك إلى النخعي وأصحاب الرأي فيها نظر وقال: إنهم لا يقولون بذلك إلا في بعض المواضع وإنما أوجبوا الدم لأنَّ العلماء قد أجمعوا على أنها مترتبة أولها رمي جمرة العقبة ثم نحر الهدي أو ذبحه ثم الحلق أو التقصير ثم طواف الإفاضة ولم يخالف في ذلك أحد ألا [أن] (٦) ابن جهم المالكي (٧) استثنى القارن فقال: لا يحلق حتى يطوف. ورد عليه النووي (٨) بالإجماع، فالمراد بإيجابهم الدم على من قدم شيئًا على شيء يعنون من الأشياء المذكورة في هذا الترتيب المجمع عليه بأن فعل ما يخالفه. وقد روي إيجاب الدم عن الهادي والقاسم (٩). وذهب جمهور العلماء (١٠) من الفقهاء وأصحاب الحديث إلى الجواز وعدم

стр. 4388

وجوب الدم قالوا: لأن قوله ﷺ (ولا حرج) يقتضي رفع الإثم والفدية معًا؛ لأن المراد بنفي الحرج نفي الضيق وإيجاب أحدهما فيه ضيق، وأيضا لو كان الدم واجبًا لبيَّنه ﷺ ؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وبهذا يندفع ما قاله الطحاوي (١) من أن الرخصة مختصة بمن كان جاهلًا أو ناسيًا لا من كان عامدا فعليه الفدية. قال الطبري (٢): لم يسقط النبي ﷺ الحرج إلا وقد أجزأ الفعل إذ لو لم يجزئ لأمره بالإعادة؛ لأن الجهل والنسيان لا يضعان غير إثم الحكم الذي يلزمه في الحج كما لو ترك الرمي ونحوه فإنه لا يأثم بتركه ناسيًا أو جاهلًا لكن يجب عليه الإعادة. قال (٣): والعجب ممن يحمل قوله: (ولا حرجٍ) على نفي الإثم فقط ثم يخص ذلك ببعض الأمور دون بعض، فإن كان الترتيب واجبًا يجب بتركه دم فليكن في الجميع وإلا فما وجه تخصيص بعض دون بعض مع تعميم الشارع الجميع بنفي الحرج، انتهى. وذهب بعضهم إلى تخصيص الرخصة بالناسي والجاهل دون العامد، واستدل على ذلك بقوله في حديث ابن عمرو (٤): فما سمعته يومئذٍ يسئل عن أمر ينسى أو يجهل، إلخ، وبقوله في رواية للشيخين (٥) من حديثه: "أن رجلا قال له ﷺ : أشعر فنحرت قبد أن أرمي فقال: ارم ولا حرج". وذهب أحمد (٦) إلى التخصيص المذكور كما حكى ذلك عنه الأثرم. وقد قوى ذلك ابن دقيق العيد (٧) فقال: ما قاله أحمد قويّ من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول ﷺ في الحج بقوله: "خذوا عني مناسككم" (٨).

стр. 4389

وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل: لم أشعر، فيختص هذا الحكم بهذه الحالة وتبقى صورة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج. وأيضًا الحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يجز إطراحه، ولا شك أن عدم الشعور مناسب لعدم المؤاخذة وقد علق به الحكم فلا يجوز إطراحه بإلحاق العمد به إذ لا يساويه. وأما التمسك بقول الراوي: فما سئل عن شيء إلخ، لإشعاره بأن الترتيب مطلقًا غير مراعى، فجوابه: أن هذا الإخبار من الراوي يتعلق بما وقع السؤال عنه وهو مطلق بالنسبة إلى حال السائل، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه فلا يبقى حجة في حال العمد كذا في الفتح (١). ولا يخفاك أن السؤال له ﷺ وقع من جماعة كما في حديث أسامة بن شريك عند الطحاوي (٢) وغيره كان الأعراب يسألونه. ولفظ حديثه عند أبي داود (٣) قال: "خرجت مع النبي ﷺ حاجًّا فكان الناس يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف أو قدَّمت شيئًا أو أخَّرت شيئًا، فكان يقول: "لا حرج لا حرج"، ويدل على تعدد السائلين قول ابن عمرو (٤) في حديثه المذكور في الباب: وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلخ. وقول عليّ (٥) في حديثه المذكور: وأتاه آخر وكذلك. قوله: (وجاء آخر) وتعليق سؤال بعضهم بعدم الشعور لا يستلزم تعليق سؤال غيره به حتى يقال: إنه يختص الحكم بحالة عدم الشعور، ولا يجوز إطراحها بإلحاق العمد بها، وبهذا يعلم أن التعويل في التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور في سؤال بعض السائلين غير مفيد للمطلوب. نعم إخبار ابن عمرو عن أعم العام وهو قوله: "فما سئل يومئذٍ عن شيء"

стр. 4390

مخصص بأخباره مرة أخرى عن أخص منه مطلقًا وهو قوله: فما سمعته يومئذٍ يسئل عن أمر مما ينسى المرء أو يجهل، ولكن عند من جوَّز التخصيص بمثل هذا المفهوم. قوله: (رميت بعد ما أمسيت)، فيه دليل على أن من رمى بعد دخول وقت المساء وهو الزوال صح رميه ولا حرج عليه في ذلك. [الباب التاسع عشر] باب استحباب الخطبة يوم النحر ٨٨/ ٢٠٢٨ - (عَنِ الْهِرْمَاسِ بْنِ زِيادٍ قالَ: رأيتُ النبيّ ﷺ يَخْطُبُ الناس على ناقَتِهِ الْعَضْباءِ يَوْمَ الأضْحَى بِمنَى. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وأبُو داوُدَ) (٢). [حسن] ٨٩/ ٢٠٢٩ - (وَعَنْ أبي أُمامَةَ قالَ: سَمِعْتُ خُطْبَةَ النبيِّ ﷺ بِمنَى يَوْمَ النَّحْرِ. رَوَاهُ أبو دَاوُد) (٣). [صحيح] ٩٠/ ٢٠٣٠ - (وعَنْ عَبدِ الرّحمنِ بْنِ مُعاذٍ التَّيميِّ قالَ: خَطَبَنَا رسولُ الله ﷺ ونَحْنُ بِمنَى فَفُتِحَتْ أسْمَاعُنا حَتّى كُنَّا نَسْمَعُ ما يَقُولُ ونَحْنُ في مَنازِلنا، فَطَفِقَ يُعَلِّمهُمْ مناسِكَهُمْ حتّى بَلَغ الْجِمارَ، فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ السَّبّابَتَيْنِ، ثمّ قالَ: "بِحَصى الْخَذفِ"، ثمّ أمَرَ الْمُهَاجِرِينَ فَنَزَلُوا في مُقَدَّمِ المَسْجِدِ، وَأمرَ الأنْصارَ فَنَزَلُوا مِنْ وَرَاءِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ نَزَلَ النّاسُ بَعْدَ ذلِكَ. رَواهُ أبو داود (٤) والنَّسائيُّ (٥) بِمَعْناهُ). [صحيح]

стр. 4391

٩١/ ٢٠٣١ - (وعَنْ أبي بَكْرَةَ قالَ: خَطَبَنَا النبي ﷺ يَوْمَ النَّحْرِ فقالَ: "أتدْرُونَ أَيُّ يَوْمِ هذَا؟ "، قلْنَا: الله ورسُولُهُ أعْلَمُ، فَسكَتَ حَتى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسمِهِ، قالَ: "ألَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "، قُلْنا: بَلَى، قالَ: "أيُّ شَهْرٍ هذَا؟ "، قُلْنا: الله وَرسُولُه أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتى ظَنَنَّا أنهُ سَيُسمِّيهِ بغْيرِ اسمِهِ، فقالَ: "ألَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ "، قُلْنَا: بَلَى، قالَ: "أَيُّ بلَدٍ هذَا؟ "، قُلْنَا: الله ورسُولهُ أَعْلَمُ، فسَكَت حتى ظنَنَّا أَنهُ سَيُسمِّيهِ بِغَيْرِ اسمِهِ، قالَ: "أَليْسَتِ البلْدَةَ؟ "، قُلنَا: بَلَى، قالَ: "فإنَّ دِماءَكُمْ وأَمْوالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذَا، في شهرِكُمْ هذَا، في بلَدِكُمْ هَذَا إلَى يَوْمِ تَلْقوْنَ رَبكُمْ، ألَا هَلْ بَلَّغتُ؟ "، قَالُوا: نعَمْ، قالَ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ، فرُبَّ مُبلَّغِ أوْعى مِنْ سَامع، فَلَا تَرْجعُوا بعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ". رَوَاهُ أحمَدُ (١) والبُخاريُّ) (٢). [صحيح] الأحاديث المذكورة في هذا الباب قد قدمها المصنف رحمه الله تعالى في كتاب العيدين (٣) بألفاظها المذكورة هاهنا من دون زيادة ولا نقصان ولم تجر له عادة بمثل هذا، وقد شرحناها هنالك وذكرنا ما في الباب من الأحاديث التي لم يذكرها. وسنذكر هاهنا فوائد لم نتعرض لذكرها هنالك [تتعلق] (٤) بألفاظ هذه الأحاديث، فقوله: "العضباء" هي مقطوعة الأذن (٥). قال الأصمعي (٦): كل قطع في الأذن جدع، فإن جاوز الربع فهي عضباء. وقال أبو عبيد (٧): إن العضباء التي قطع نصف أذنها فما فوق.

стр. 4392

وقال الخليل (١): هي مشقوقة الأذن. قال الحربي: الحديث يدل على أن العضباء اسم لها، وإن كانت عضباء الأذن فقد جعل اسمها هذا (٢). قوله: (يوم الأضحى بمنى) وهذه هي الخطبة الثالثة بعد صلاة الظهر فعلها ليعلم الناس بها المبيت والرمي في أيام التشريق وغير ذلك مما بين أيديهم (٣). قوله: (فَفُتِحت) بفتح الفاء الثانية وكسر الفوقية بعدها، أي: اتَّسع سَمْعُ أسماعنا وقوي؛ من قولهم: قارورة فُتُح، بضم الفاء والتاء أي واسعة الرأس، قال الكسائي (٤): ليس لها صمام ولا غلاف، وهكذا صارت أسماعهم لما سمعوا صوت النبي ﷺ ، وهذا من بركات صوته إذا سمعه المؤمن قوي سمعه واتسع مسلكه حتى صار يسمع الصوت من الأماكن البعيدة ويسمع الأصوات الخفية. قوله: (ونحن في منازلنا) فيه دليل على أنهم لم يذهبوا لسماع الخطبة بل وقفوا في رحالهم وهم يسمعونها، ولعل هذا كان فيمن له عذر منعه عن الحضور لاستماعها وهو اللائق بحال الصحابة ﵃. قوله: (فطفق يعلمهم) هذا انتقال من التكلم إلى الغيبة وهو أسلوب من أساليب البلاغة مستحسن (٥).

стр. 4393

قوله: (حتى بلغ الجمار) يعني المكان الذي ترمى فيه الجمار، والجمار هي الحصى الصغار التي يرمى بها الجمرات. قوله: (فوضع أصبعيه السبابتين)، زاد في نسخة لأبي داود في "أذنيه"، وإنما فعل ذلك ليكون أجمع لصوته في إسماع خطبته، ولهذا كان بلال يضع أصبعيه في صماخي أذنيه في الأذان، وعلى هذا ففي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره فوضع أصبعيه السبابتين في أذنيه حتى بلغ الجمار. قوله: (ثم قال) يحتمل أن يكون المراد بالقول القول النفسي كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ﴾ (١)، ويكون المراد به هنا النية للرمي. قال أبو حيان (٢): وتراكيب القول الست (٣) تدل على معنى الخفة والسرعة، فلهذا عبر هنا بالقول. قوله: (بحصى الخذف) قد قدمنا في كتاب العيدين أنه بالخاء والذال المعجمتين. قال الأزهري (٤): حصى الخذف صغار مثل النوى يرمى بها بين أصبعين.

стр. 4394

قال الشافعي (١): حصى الخذف أصغر من الأنملة طولًا وعرضًا، ومنهم من قال بقدر الباقلا. وقال النووي (٢): بقدر النواة، وكل هذه المقادير متقاربة لأن الخذف بالمعجمتين لا يكون إلا بالصغير. قوله: (في مقدم المسجد)، أي مسجد الخيف الذي بمنى، ولعل المراد بالمقدم الجهة. قوله: (ثم نزل الناس) برفع الناس على أنه فاعل، وفي نسخة من سنن أبي داود (٣): "ثم نزَّل الناس"، بتشديد الزاي ونصب الناس. وقد قدمنا شرح حديث أبي بكرة في كتاب العيدين مستكملًا. [الباب العشرون] اكتفاء القارن لنسكيه بطواف واحد وسعي واحد ٩٢/ ٢٠٣٢ - (عن ابْنِ عُمَرَ قال: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "منْ قَرنَ بَيْنَ حَجِّهِ وعُمْرَتِهِ أجْزَأَهُ لَهُمَا طَوافٌ واحِدٌ". رواهُ أحمَدُ (٤) وابْنُ ماجهْ (٥). وفي لفْظٍ: "منْ أحْرَمَ بالْحَجِّ والعُمْرَةِ أَجزأَهُ طَوَاف واحِدٌ وسعْيٌ واحِدٌ منْهُما حتى يَحِلَّ منْهُما جَميعًا". رَواهُ التّرمِذِيّ (٦) وقال: هذا حَدِيث حسَن غَريبٌ. [صحيح] وفِيهِ دليلٌ على وجُوبِ السَّعْي وَوُقُوف التَّحَلُّلِ عليهِ).

стр. 4395

٩٣/ ٢٠٣٣ - (وعَنْ عُرْوَة عَنْ عائِشةَ قالتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ في حَجّةِ الوَدَاعِ فأهْلَلْنَا بعُمرَةٍ، ثمَّ قالَ رسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كان مَعَهُ هَدْي فلْيُهِلَّ بالحجِّ مع العُمرَةِ ثمّ لَا يحِلَّ حتَّى يَحِلَّ مِنْهُما جميعًا"، فَقدِمْتُ وأَنَا حائضٌ ولمْ أَطُف بالْبَيْتِ ولا بَيْنَ الصَّفا والْمَرْوةِ، فَشَكَوْتُ ذلِكَ إليهِ، فقالَ: "انْقُضِي رأسَكِ وامتَشِطي، وأَهِلِّي بالحَجِّ، وَدَعي العُمرَةَ"، قالَتْ: فَفَعَلْتُ، فلمّا قَضيْنَا الحَجَّ أَرْسَلَنِي مَعَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أبي بَكْرٍ إلى التَّنْعِيمِ فاعتَمَرْتُ، فقالَ: "هذِهِ مَكانُ عُمْرَتِكِ"؛ قالَتْ: فَطافَ الذِينَ كانُوا أهلُّوا بالْعُمْرَةِ بالبَيْتِ وبَيْنَ الصَّفا والْمَرْوةِ، ثمّ حَلُّوا، ثمّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بعْدَ أن رَجَعُوا مِنْ مِنَى لِحَجّهِمْ، وَأَمَّا الذِينَ [جَمَعُوا] (١) الْحَجَّ والعُمْرَةَ فإنَّما طَافوا طَوَافًا وَاحدًا. مُتَّفق عَليهِ) (٢). [صحيح] ٩٤/ ٢٠٣٤ - (وعَنْ طاوُسٍ عَنْ عائشةَ أنَّها أهلَّت بالعُمْرَةِ فقدِمَت ولَم تَطُفْ بالبَيتِ حِينَ حاضَتْ فنَسَكَتِ المَناسِكَ كُلَّها وقَدْ أهلّت بالحَجِّ، فقالَ لَها النَّبيُّ ﷺ يَوْمَ النّفْرِ: "يسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وعُمْرَتِك"، فأبت، فبعث بها مع عبْدِ الرَّحمنِ إلى التَّنعيمِ، فاعَتَمرت بعدَ الحَجِّ". رَواهُ أحمَدُ (٣) ومُسلمٌ) (٤). [صحيح] ٩٥/ ٢٠٣٥ - (وعَن مُجاهدٍ عَنْ عائِشَةَ أَنَّها حاضَت بِسَرِفَ، فَتطَهَّرت بِعَرفةَ، فقالَ لَهَا رسولُ الله ﷺ : "يُجزِي عَنكِ طَوَافُكِ بالصَّفا والمَرْوةِ عَن حَجِّكِ وعُمْرَتِكِ". رَوَاهُ مُسْلمٌ (٥). [صحيح] وَفِيهِ تَنبيهٌ على وُجُوبِ السَّعْيِ). حديث ابن عمر أخرجه أيضًا سعيد بن منصور (٦) مرفوعًا بلفظ: "من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد".

стр. 4396

وأعلَّه الطحاوي (١) بأن الدراوردي أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسك في تخطئته بما رواه أيوب والليث وموسى بن عقبة وغير واحد عن نافع نحو سياق ما في الباب من أن ذلك وقع لابن عمر وأنَّه قال: إن النبي ﷺ فعل ذلك، [لا أنه] (٢) روى هذا اللفظ عن النبي ﷺ . قال في الفتح (٣): وهو تعليل مردوب، فالدراوردي صدوق، وليس ما وراه مخالفا لما رواه غيره فلا مانع من أن يكون الحديث عن نافع على الوجهين. وفي الباب عن جابر عند مسلم (٤) وأبي داود (٥) بلفظ: "لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافًا واحدًا". وأخرج عبد الرزاق (٦) عن طاوس بإسناد صحيح أنه حلف ما طاف أحد من أصحاب رسول الله ﷺ لحجته وعمرته إلا طوافًا واحدًا. وأخرج البخاري (٧) عن ابن عمر أنه طاف لحجته وعمرته طوافا واحدا بعد أن قال: إنه سيفعل كما فعل رسول الله ﷺ . وأخرج (٨) عنه من وجه آخر أنه رأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، يعني الذي [طافه] (٩) يوم النحر للإفاضة. وقال: كذلك فعل رسول الله ﷺ ، وبهذه الأدلة تمسك من قال: إنه يكفي القارن لحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد، وهو مالك (١٠) والشافعي (١١) وإسحق وداود، وهو محكي عن ابن عمر وجابر وعائشة، كذا قال النووي (١٢).

стр. 4397

وقال زيد بن علي وأبو حنيفة (١) وأصحابه والهادي والناصر (٢). قال النووي (٣): وهو محكي عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، والشعبي، والنخعي، أنه يلزم القارن طوافان وسعيان. وأجابوا عن أحاديث الباب بأجوبة متعسفة: (منها) ما سلف عن الطحاوي (٤) على حديث ابن عمر. (ومنها) جوابه عن حديث عائشة بأنها أرادت بقولها: جمعوا بين الحج والعمرة جمع متعة لا جمع قران، وهذا مما يتعجب منه، فإن حديث عائشة مصرح بفصل من تمتع ممن قرن، وما يفعله كل واحد منهما كما في حديث الباب (٥) المذكور، فإنها قالت: فطاف الذين كانوا أهلُّوا بالعمرة ثم قالت: وأما الذين جمعوا إلخ. واستدلوا على ما ذهبوا إليه بما أخرجه عبد الرزاق (٦) والدارقطني (٧) وغيرهما عن علي أنه جمع بين الحج والعمرة وطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ثم قال: هكذا رأيت رسول الله ﷺ . قال الحافظ (٨): وطرقه ضعيفة. وكذا روى نحوه (٩) من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف.

стр. 4398

ومن حديث ابن عمر (١) بإسناد فيه الحسن بن عمارة وهو متروك. قال ابن حزم (٢) لا يصح عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة في ذلك شيء أصلا. وتعقبه في الفتح (٣) بأنه قد روى الطحاوي (٤) وغيره مرفوعًا عن علي وابن مسعود ذلك بأسانيد لا بأس بها، انتهى. فينبغي أن يصار إلى الجمع كما قال البيهقي: إن ثبتت الرواية أنه طاف طوافين فيحمل على طواف القدوم وطواف الإفاضة. وأما السعي مرتين فلم يثبت، انتهى. على أنه يضعف ما روي عن علي ما في الفتح (٥) من أنه قد روى آل بيته عنه مثل الجماعة. قال جعفر بن محمد الصادق عن أبيه: إنه كان يحفظ عن علي: "للقارن طوافًا واحدًا" خلاف ما يقول أهل العراق، ومما يضعف ما روى عنه من تكرار الطواف أن أمثل طرقه عنه رواية عبد الرحمن بن أذينة عنه، وقد ذكر فيها أنه يمنع من ابتداء الإهلال بالحج بأن يدخل عليه عمرة، وأن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، والذين احتجوا بحديثه لا يقولون بامتناع إدخال العمرة على الحج، فإن كان الطريق صحيحة عندهم لزمهم العمل بما دلت عليه وإلا فلا حجة فيها. ويضعف أيضًا ما روي عن ابن عمر من تكرار الطواف أنه قد ثبت عنه في الصحيحين (٦) وغيرهما من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد. وقد احتج أبو ثور (٧) على الاكتفاء بطواف واحد للقارن بحُجَّة نظرية فقال:

стр. 4399

قد أجزنا جميعًا للحج والعمرة معًا سفرًا واحدًا وإحرامًا واحدًا وتلبية واحدة، فكذلك يجزي عنهما طواف واحد وسعي واحد، حكى هذا عنه ابن المنذر. ومن جملة ما يحتج به على أنه يكفي لهما طواف واحد حديث: "دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة"، وهو صحيح (١). وقد تقدم، وذلك لأنها بعد دخولها فيه لا تحتاج إلى عمل آخر غير عمله، والسنة الصحيحة الصريحة أحق بالاتباع فلا يلتفت إلى ما خالفها. قوله: (وامتشطي) فيه دليل على أنه لا يكره الامتشاط للمحرم، وقيل: إنه مكروه. قال النووي (٢): وقد تأوّل العلماء فعل عائشة هذا على أنها كانت معذورة بأن كان برأسها أذى فأباح لها الامتشاط كما أباح لكعب بن عجرة الحلق للأذى. وقيل: ليس المراد بالامتشاط هنا حقيقة الامتشاط بالمشط بل تسريح الشعر بالأصابع عند الغسل للإحرام بالحج لا سيما إن كانت لبدت رأسها كما هو السنة وكما فعله النبي ﷺ فلا يصح غسلها إلا بإيصال الماء إلى جميع شعرها ويلزم من هذا نقضه. قوله: (يسعك إلخ) المراد بالوسع هنا الإجزاء كما في الرواية الأخرى. [الباب الحادي والعشرون] باب المبيت بمنى ليال منى ورمي الجمار في أيامها ٩٦/ ٢٠٣٦ - (عَنْ عَائِشَةَ قالتْ: أفاضَ رسُولُ الله ﷺ مِن آخِرِ يَومٍ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ ثمّ رَجَعَ إلى منَى، فَمَكَثَ بِهَا ليَالِيَ أيَّامِ التَّشريقِ يَرْمي الجَمرةَ إذَا زَالَتِ الشمس كُل جَمْرَةٍ بسَبْعِ حَصيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُل حصَاةٍ، ويَقِفُ عِنْدَ الأولى

стр. 4400

وَعِنْدَ الثَّانِيةِ فيُطيلُ القِيامَ وَيَتَضرَّعْ وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ لَا يَقِفُ عنْدَها. رَوَاهُ أحمَدُ (١) وَأَبُو دَاودَ) (٢). [حسن] ٩٧/ ٢٠٣٧ - (وعَنِ ابْن عبَّاسٍ قالَ: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ رسُولَ الله ﷺ أن يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنَى مِنْ أَجْلِ سقَايَتِه فَأَذِنَ لَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح لغيره] ولَهم (٤) مِثلُهُ. مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ) [صحيح] ٩٨/ ٢٠٣٨ - (وعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قال: رَمَى رسُولُ الله ﷺ الجِمَارَ حِينَ زَالتِ الشَّمْسُ. روَاهُ أحمَدُ (٥) وابْنُ ماجهْ (٦) والترْمِذِيُّ) (٧). [حسن] ٩٩/ ٢٠٣٩ - (وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ فإذَا زالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنا. رَوَاهُ البُخاريُّ (٨) وأَبُو دَاوُدَ) (٩). [صحيح]

стр. 4401

١٠٠/ ٢٠٤٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا رَمَى الجِمَارَ مشى إلَيْها ذَاهبًا وَرَاجِعًا. رَواهُ الترمذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١). وفي لفْظٍ عنْهُ: أنهُ كانَ يَرْمِي الجمْرَةَ يَوْمَ النَّحرِ رَاكبًا وَسائِرَ ذلِكَ ماشِيًا ويُخْبِرُهُمْ أنّ النبيّ ﷺ كانَ يَفْعَل ذلِكَ. رَواهُ أحمَدُ) (٢). [صحيح] حديث عائشة أخرجه أيضًا ابن حبان (٣) والحاكم (٤). وحديث ابن عباس الثاني حسنه الترمذي (٥). وأخرج نحوه مسلم في صحيحه (٦) من حديث جابر. ويؤيده حديث ابن عمر المذكور في الباب عند البخاري (٧). وحديث ابن عمر الثاني باللفظ الآخر أخرج نحوه أبو داود (٨) عنه بلفظ: "أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيًا ذاهبًا وراجعًا"، ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. وقد أخرج الترمذي (٩) نحوه عن ابن عباس عن النبي ﷺ بلفظ: "إنه كان يمشي إلى الجمار". قوله: (فمكث بها ليالي أيام التشريق)، هذا من جملة ما استدل به الجمهور على أن المبيت بمنى واجب وأنَّه من جملة مناسك الحج (١٠). ومن أدلتهم على ذلك حديث ابن عباس (١١) المذكور في إذنه ﷺ للعباس.

стр. 4402

ومنه ما أخرجه أحمد (١) وأصحاب السنن (٢) وابن حبان (٣) والحاكم (٤) عن عاصم بن عدي "أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء أن يتركوا المبيت بمنى" وسيأتي (٥). والتعبير بالرخصة: يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد أو ما في معناها لم يحصل. وقد اختلف في وجوب الدم لتركه، فقيل: يجب عن كل ليلةٍ دم، روي ذلك عن المالكية (٦). وقيل: صدقة بدرهم. وقيل: إطعام. وعن الثلاث دم، هكذا روي عن الشافعي (٧)، وهو رواية عن أحمد (٨)، والمشهور عنه (٨) وعن الحنفية (٩) لا شيء عليه. قوله: (يكبر مع كل حصاة) حكى الماوردي (١٠) عن الشافعي أن صفته؛ الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

стр. 4403

قوله: (ويقف عند الأولى) إلخ، فيه استحباب الوقوف عند الجمرة الأولى، والثانية - وهي الوسطى - والتضرع عندها وترك القيام عند الثالثة - وهي جمرة العقبة -. قوله: (استأذن العباس) إلخ، قيل: إن جواز ترك المبيت يختص بالعباس. وقيل: يدخل معه بنو هاشم. وقيل: كل من احتاج إلى السقاية وهو جمود يرده حديث عاصم بن عدي الآتي (١). وقيل: يجوز الترك لكل من له عذر يشابه الأعذار التي رخص لأهلها رسول الله ﷺ وهو قول الجمهور .. وقيل: يختص بأهل السقاية ورعاة الإبل، وبه قال أحمد (٢) واختاره ابن المنذر. قوله: (حين زالت الشمس)، وكذا قوله في حديث عائشة (٣): "إذا زالت الشمس"، وقوله في حديث ابن عمر (٤): "فإذا زالت الشمس رمينا". هذه الروايات تدل على أنه لا يجزئ رمي الجمار في غير يوم الأضحى قبل زوال الشمس بل وقته بعد زوالها كما في البخاري (٥) وغيره (٦) من حديث جابر أنه ( ﷺ رمى يوم النحر ضحى ورمى بعد ذلك بعد الزوال). وإلى هذا ذهب الجمهور (٧) وخالف في ذلك عطاء وطاوس فقالا: يجوز الرمي قبل الزوال مطلقًا.

стр. 4404

ورخص الحنفية (١) في الرمي يوم النفر قبل الزوال. وقال إسحاق: إن رمى قبل الزوال أعاد إلا في اليوم الثالث فيجزيه، والأحاديث المذكورة ترد على الجميع (٢). قوله: (نتحين) نتفعل من الحين وهو الزمان، أي نراقب الوقت المطلوب. قوله: (مشى إليها) أجمعوا على أن إتيان الجمار ماشيًا وراكبًا جائز لكن اختلفوا في الأفضل، وقد تقدم الخلاف في ذلك في رمي جمرة العقبة وفي غيرها. قال الجمهور: المستحب المشي وذهب البعض إلى استحباب الركوب يوم النحر والمشي في غيره والذي ثبت عنه ﷺ الركوب لرمي جمرة العقبة يوم النحر والمشي بعد ذلك مطلقًا (٣). ١٠١/ ٢٠٤١ - (وعَنْ سَالِمٍ عن ابْنِ عُمَرَ أنهُ كانَ يَرْمِي الْجَمرةَ الدُّنْيا بِسَبعِ
следующие страницы →