← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4400–4439 · переход к 4405.

стр. 4400

وَعِنْدَ الثَّانِيةِ فيُطيلُ القِيامَ وَيَتَضرَّعْ وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ لَا يَقِفُ عنْدَها. رَوَاهُ أحمَدُ (١) وَأَبُو دَاودَ) (٢). [حسن] ٩٧/ ٢٠٣٧ - (وعَنِ ابْن عبَّاسٍ قالَ: اسْتَأْذَنَ العَبَّاسُ رسُولَ الله ﷺ أن يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنَى مِنْ أَجْلِ سقَايَتِه فَأَذِنَ لَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح لغيره] ولَهم (٤) مِثلُهُ. مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ) [صحيح] ٩٨/ ٢٠٣٨ - (وعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قال: رَمَى رسُولُ الله ﷺ الجِمَارَ حِينَ زَالتِ الشَّمْسُ. روَاهُ أحمَدُ (٥) وابْنُ ماجهْ (٦) والترْمِذِيُّ) (٧). [حسن] ٩٩/ ٢٠٣٩ - (وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ فإذَا زالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنا. رَوَاهُ البُخاريُّ (٨) وأَبُو دَاوُدَ) (٩). [صحيح]

стр. 4401

١٠٠/ ٢٠٤٠ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا رَمَى الجِمَارَ مشى إلَيْها ذَاهبًا وَرَاجِعًا. رَواهُ الترمذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١). وفي لفْظٍ عنْهُ: أنهُ كانَ يَرْمِي الجمْرَةَ يَوْمَ النَّحرِ رَاكبًا وَسائِرَ ذلِكَ ماشِيًا ويُخْبِرُهُمْ أنّ النبيّ ﷺ كانَ يَفْعَل ذلِكَ. رَواهُ أحمَدُ) (٢). [صحيح] حديث عائشة أخرجه أيضًا ابن حبان (٣) والحاكم (٤). وحديث ابن عباس الثاني حسنه الترمذي (٥). وأخرج نحوه مسلم في صحيحه (٦) من حديث جابر. ويؤيده حديث ابن عمر المذكور في الباب عند البخاري (٧). وحديث ابن عمر الثاني باللفظ الآخر أخرج نحوه أبو داود (٨) عنه بلفظ: "أنه كان يأتي الجمار في الأيام الثلاثة بعد يوم النحر ماشيًا ذاهبًا وراجعًا"، ويخبر أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك. وقد أخرج الترمذي (٩) نحوه عن ابن عباس عن النبي ﷺ بلفظ: "إنه كان يمشي إلى الجمار". قوله: (فمكث بها ليالي أيام التشريق)، هذا من جملة ما استدل به الجمهور على أن المبيت بمنى واجب وأنَّه من جملة مناسك الحج (١٠). ومن أدلتهم على ذلك حديث ابن عباس (١١) المذكور في إذنه ﷺ للعباس.

стр. 4402

ومنه ما أخرجه أحمد (١) وأصحاب السنن (٢) وابن حبان (٣) والحاكم (٤) عن عاصم بن عدي "أن رسول الله ﷺ رخص للرعاء أن يتركوا المبيت بمنى" وسيأتي (٥). والتعبير بالرخصة: يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد أو ما في معناها لم يحصل. وقد اختلف في وجوب الدم لتركه، فقيل: يجب عن كل ليلةٍ دم، روي ذلك عن المالكية (٦). وقيل: صدقة بدرهم. وقيل: إطعام. وعن الثلاث دم، هكذا روي عن الشافعي (٧)، وهو رواية عن أحمد (٨)، والمشهور عنه (٨) وعن الحنفية (٩) لا شيء عليه. قوله: (يكبر مع كل حصاة) حكى الماوردي (١٠) عن الشافعي أن صفته؛ الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.

стр. 4403

قوله: (ويقف عند الأولى) إلخ، فيه استحباب الوقوف عند الجمرة الأولى، والثانية - وهي الوسطى - والتضرع عندها وترك القيام عند الثالثة - وهي جمرة العقبة -. قوله: (استأذن العباس) إلخ، قيل: إن جواز ترك المبيت يختص بالعباس. وقيل: يدخل معه بنو هاشم. وقيل: كل من احتاج إلى السقاية وهو جمود يرده حديث عاصم بن عدي الآتي (١). وقيل: يجوز الترك لكل من له عذر يشابه الأعذار التي رخص لأهلها رسول الله ﷺ وهو قول الجمهور .. وقيل: يختص بأهل السقاية ورعاة الإبل، وبه قال أحمد (٢) واختاره ابن المنذر. قوله: (حين زالت الشمس)، وكذا قوله في حديث عائشة (٣): "إذا زالت الشمس"، وقوله في حديث ابن عمر (٤): "فإذا زالت الشمس رمينا". هذه الروايات تدل على أنه لا يجزئ رمي الجمار في غير يوم الأضحى قبل زوال الشمس بل وقته بعد زوالها كما في البخاري (٥) وغيره (٦) من حديث جابر أنه ( ﷺ رمى يوم النحر ضحى ورمى بعد ذلك بعد الزوال). وإلى هذا ذهب الجمهور (٧) وخالف في ذلك عطاء وطاوس فقالا: يجوز الرمي قبل الزوال مطلقًا.

стр. 4404

ورخص الحنفية (١) في الرمي يوم النفر قبل الزوال. وقال إسحاق: إن رمى قبل الزوال أعاد إلا في اليوم الثالث فيجزيه، والأحاديث المذكورة ترد على الجميع (٢). قوله: (نتحين) نتفعل من الحين وهو الزمان، أي نراقب الوقت المطلوب. قوله: (مشى إليها) أجمعوا على أن إتيان الجمار ماشيًا وراكبًا جائز لكن اختلفوا في الأفضل، وقد تقدم الخلاف في ذلك في رمي جمرة العقبة وفي غيرها. قال الجمهور: المستحب المشي وذهب البعض إلى استحباب الركوب يوم النحر والمشي في غيره والذي ثبت عنه ﷺ الركوب لرمي جمرة العقبة يوم النحر والمشي بعد ذلك مطلقًا (٣). ١٠١/ ٢٠٤١ - (وعَنْ سَالِمٍ عن ابْنِ عُمَرَ أنهُ كانَ يَرْمِي الْجَمرةَ الدُّنْيا بِسَبعِ

стр. 4405

حصَيَاتٍ يُكَبّرُ مع كُلِّ حصاةٍ، ثُمَّ يتقدّم فيُسْهِلُ فيقُومُ مُسْتقْبل القِبلة طويلًا ويَدْعُو وَيرفعُ يَدَيْهِ، ثُمّ يرْمِي الوُسْطَى، ثمَّ يأخُذُ ذاتَ الشِّمَالِ فيُسْهِلُ فيقُومُ مُستَقبلَ القِبَلةِ، ثُمّ يَدْعُو وَيرْفَعُ يَديْهِ ويقُومُ طَوِيلًا، ثُمّ يرْمِي [الجَمْرة] (١) ذاتَ الْعَقَبةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي: ولَا يقِفُ عِندَها، ثُمّ ينْصَرِفُ ويَقُولُ: هَكَذا رأيتُ رسُولَ الله ﷺ يفعله. رَوَاهُ أحمدُ (٢) والْبُخاريُّ) (٣). [صحيح] ١٠٢/ ٢٠٤٢ - (وعَنْ عاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ أن رسول الله ﷺ رَخَصَ لِرُعاءِ الإبِلِ في البَيْتوتَةِ عَنْ مِنَى يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَرمُونَ الْغَداةَ ومِنْ بَعْدِ الغَدِ لِيَوْمَيْنِ، ثمَّ يَرمُونَ يَوْمَ النَفْرِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ (٤) وصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. وفِي رِوايَةٍ: رَخَّصَ لِلرِّعاءِ أنْ يَرْمُوا يَوْمًا وَيَدَعوا يَوْمًا. رَوَاهُ أَبُو دَاودَ (٥) والنَّسائيُّ) (٦). [صحيح] ١٠٣/ ٢٠٤٣ - (وعَنْ سَعْدِ بْنِ مالِكٍ قالَ: رَجَعْنا في الحَجَّةِ مَعَ النبيِّ ﷺ وبَعْضُنا يقولُ: رَمَيْتُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وبَعْضُنا يَقُولُ: رَمَيْتُ بِسِتِّ حَصَيَاتٍ، وَلَمْ يَعِبْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. رَوَاهُ أحمَدُ (٧) والنَّسائيُّ) (٨). [ضعيف]

стр. 4406

حديث عاصم بن عدي أخرجه أيضًا مالك (١) والشافعي (٢) وابن حبان (٣) والحاكم (٤). وفي الباب عن ابن عمرو بن العاص عند الدارقطني (٥) بإسناد ضعيف ولفظه: "رخص رسول الله ﷺ للرعاء أن يرموا بالليل وأية ساعة شاءوا من النهار". وعن ابن عمر عند البزار (٦) والحاكم (٧) والبيهقي (٨) بإسناد حسن. وحديث سعد بن مالك سياقه في سنن النَّسَائِي (٩)، هكذا أخبرني يحيى بن

стр. 4407

موسى البلخي، حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح، قال مجاهد: قال سعد: فذكره ورجاله رجال الصحيح. وقد أخرج نحوه النَّسَائِي (١) من حديث ابن عباس. وأخرج أبو داود (٢) عن ابن عباس: "أنه سئل عن أمر الجمار فقال: ما أدري رماها رسول الله ﷺ بست أو [بسبع] (٣) ". قوله: (الجمرة الدنيا) بضم الدال وبكسرها أي القريبة إلى جهة مسجد الخيف وهي أولى الجمرات التي ترمى ثاني يوم النحر. قوله: (فيسهل) بضم التحتية وسكون المهملة، أي يقصد السهل من الأرض وهو المكان المستوي الذي لا ارتفاع فيه. قوله: (ويرفع يديه) فيه استحباب رفع اليدين في الدعاء عند الجمرة (٤). وروي عن مالك (٥) أنه مكروه. قال ابن المنذر (٦): لا أعلم أحدًا أنكر رفع اليدين في الدعاء عند الجمرة إلا ما حكي عن مالك. قوله: (ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال)، أي يمشي إلى جهة الشمال وفي رواية للبخاري: "ثم ينحدر ذات الشمال مما يلي الوادي" (٧).

стр. 4408

قوله: (ويقوم طويلًا) فيه مشروعية القيام عند الجمرتين وتركه عند جمرة العقبة ومشروعية الدعاء عندهما. قال ابن قدامة (١): لا نعلم لما تضمنه حديث ابن عمر هذا مخالفًا إلا ما روي عن مالك من ترك رفع اليدين عند الدعاء. قوله: (ويدعوا يومًا) أي يجوز لهم أن يرموا اليوم الأول من أيام التشريق ويذهبوا إلى إبلهم فيبيتوا عندها ويدعوا يوم النفر الأول ثم يأتوا في اليوم الثالث، فيرموا ما فاتهم في اليوم الثاني مع رمي اليوم الثالث. وفيه تفسير ثان وهو أنهم [يرمون] (٢) جمرة العقبة ويدعون رمي ذلك اليوم ويذهبون، ثم يأتون في اليوم الثاني من التشريق فيرمون ما فاتهم ثم يرمون عن ذلك اليوم كما تقدم وكلاهما جائز وإنما رخص للرعاءِ لأن عليهم رعي الإبل وحفظها لتشاغل الناس بنسكهم عنها، ولا يمكنهم الجمع بين رعيها وبين الرمي والمبيت فيجوز لهم ترك المبيت للعذر والرمي على الصفة المذكورة. وقد تقدم الخلاف في إلحاق بقية المعذورين بهم في أول الباب. قوله: (ولم يعب بعضهم على بعض) استدل به من قال: إنه يجوز الاقتصار على أقل من سبع حصيات (٣). وقد تقدم ذكر القائلين بذلك في باب رمي جمرة العقبة، ولكن هذا الحديث لا يكون دليلًا بمجرد ترك إنكار الصحابة على بعضهم [بعضًا] (٤) إلا أن يثبت أن النبي ﷺ اطلع على شيء من ذلك وقرره. [الباب الثاني والعشرون] باب الخطبة أوسط أيام التشريق ١٠٤/ ٢٠٤٤ - (عَنْ سَرَّاءَ ابنة نَبْهانَ قالَتْ: خَطَبَنَا رسُولُ اللهْ ﷺ يَوْمَ الرُّؤوسِ، فقالَ: "أيُّ يَومٍ هذا؟ "، قُلْنا: الله ورَسُولهُ أعلَمُ، قالَ: "أَليْسَ أَوْسَطَ

стр. 4409

أيَّامِ التَّشريقِ". رَواهُ أَبُو دَاودَ (١)، وقالَ: وكَذلِكَ قالَ عَمُّ أبِي حُرةَ الرَّقاشِي: إنَّهُ خَطَبَ أوسَطَ أيّامِ التّشريقِ). [ضعيف] ١٠٥/ ٢٠٤٥ - (وَعَنْ ابْنِ أبي نَجِيحٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ رَجُلَينِ مِن بَنِي بَكْرٍ قالا: رَأيْنا رسُولَ الله ﷺ يَخْطُبُ بَيْنَ أَوسَطِ أيّامِ التّشرِيقِ ونَحنُ عِندَ راحِلَتِهِ وَهِيَ خُطْبَةُ رسُولِ الله ﷺ الّتي خَطَبَ بِمنَى. رَواهُ أبو دَاوُدَ) (٢). [صحيح] ١٠٦/ ٢٠٤٦ - (وعَنْ أَبِي نَضرَةَ قالَ: حَدّثَني مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ النَّبيّ ﷺ في أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشريقِ فقالَ: "يا أيُّهَا النَّاسُ ألا إنّ رَبّكُمْ واحِدٌ وإنَّ أباكُمْ واحِدٌ، ألَا لا فَضْلَ لِعَرَبيّ على عَجَميّ، ولا لِعَجَمِيّ على عَرَبِيّ، وَلا لأحمَرَ على أسْوَدَ، وَلا لأسْوَدَ على أحمَرَ إلا بِالتّقْوَى أبَلّغْتُ"؟ قالوا: بَلّغَ رسُولُ الله ﷺ ، رَوَاهُ أحمَدُ) (٣). [إسناده صحيح] حديث سرَّاء بنت نبهان سكت عنه أبو داود (٤) والمنذري (٥). وقال في مجمع الزوائد (٦): رجاله ثقات. وحديث الرجلين من بني بكر سكت عنه أيضًا أبو داود (٧) والمنذري (٨) والحافظ في التلخيص (٩) ورجاله رجال الصحيح. وحديث أبي نضرة قال مجمع الزوائد (١٠): رجاله رجال الصحيح. قوله: (سرَّاء) بفتح السين المهملة وتشديد الراء والمد. وقيل: القصر بنت نبهان الغنوية صحابية لها حديث واحد، قاله صاحب التقريب (١١).

стр. 4410

قوله: (يوم الرؤوس) بضم الراء والهمزة بعدها، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق سمي بذلك لأنهم كانوا يأكلون فيه رؤوس الأضاحي. قوله: (أي يوم هذا)، سأل عنه وهو عالم به [لتكون] (١) الخطبة أوقع في قلوبهم وأثبت. قوله: (الله ورسوله أعلم) هذا من حسن الأدب في الجواب للأكابر والاعتراف بالجهل، ولعلهم قالوا ذلك لأنهم ظنوا أنه سيسميه بغير اسمه كما وقع في حديث أبي بكرة المتقدم (٢). قوله: (عم أبي حرة) بضم الحاء المهملة وتشديد الراء واسم أبي حرة حنيفة. وقيل: حكيم [وقيل: جُذيم] (٣) والرقاشي بفتح الراء وتخفيف القاف وبعد الألف شين معجمة. قوله: (أوسط أيام التشريق) هو اليوم الثاني من أيام التشريق. قوله: (ألا إن ربكم واحد) إلخ، هذه مقدمة لنفي فضل البعض على البعض بالحسب والنسب كما كان في زمن الجاهلية لأنَّه إذا كان الرب واحدًا وأبو الكل واحدًا لم يبق لدعوى الفضل بغير التقوى موجب. وفي هذا الحديث حصر الفضل في التقوى ونفيه عن غيرها وأنَّه لا فضل لعربي على عجمي ولا [لأسود] (٤) على أحمر إلا بها. ولكنه قد ثبت في الصحيح (٥) أن "الناس معادن كمعادن الذهب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"، ففيه إثبات الخيار في الجاهلية ولا تقوى هناك، وجعلهم الخيار في الإسلام بشرط الفقه في الدين، وليس مجرد الفقه في الدين سببًا لكونهم خيارًا في الإسلام، وإلا لما كان لاعتبار كونهم خيارًا في الجاهلية معنى، ولكان كل فقيه في الدين من الخيار وإن لم يكن من الخيار في الجاهلية، وليس أيضًا سبب كونهم خيار في الإسلام مجرد التقوى وإلا لما كان لذكر كونهم خيارًا في الجاهلية معنى، ولكان كل متق من الخيار من غير نظر إلى كونه من خيار الجاهلية.

стр. 4411

فلا شك أن هذا الحديث يدل على أن لشرافة الأنساب وكرم النِّجار مدخلًا في كون أهلها خيارًا. وخيار القوم: أفاضلهم وإن لم يكن لذلك مدخل باعتبار أمر الدين والجزاء الأخرويّ، فينبغي أن يحمل حديث الباب على الفضل الآخروي. وأحاديث الباب تدل على مشروعية الخطبة في أَوْسَط أيام التشريق. وقد قدمنا في كتاب العيدين (١) أنها من الخطب المستحبة في الحج وبينا هنالك كم يستحب من الخطب في الحج. [الباب الثالث والعشرون] باب نزول المحصب إذا نفر من منى ١٠٧/ ٢٠٤٧ - (عَنْ أَنَس أَنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى الظُّهْرَ والْعَصْرَ والْمَغْرِبَ والعِشاءَ، ثمّ رَقَدَ رَقْدة بالْمُحصَّبِ، ثمَّ رَكِبَ إلى الْبيْت فطافَ بِهِ. رَوَاهُ البُخاريُّ) (٢). [صحيح] ١٠٨/ ٢٠٤٨ - (وعنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغرِبَ والْعِشاءَ بالْبَطْحاءِ، ثمَّ هَجَعَ هَجْعَةً، ثمَّ دَخلَ مكَّةَ وكانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعلهُ. رَوَاهُ أَحمدُ (٣) وأبُو داوُدَ (٤) والبُخاريُّ (٥) بِمَعْناهُ). [صحيح] ١٠٩/ ٢٠٤٩ - (وعَنِ الزُّهْرِيّ عنْ سالمِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وعُمَرَ وابْنَ عُمَرَ كانُوا يَنْزِلُون الأبْطَحَ قالَ الزُّهْرِيُّ: وَأخْبَرَنِي عُرْوةُ عَنْ عائِشَةَ أَنَّها لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذلِكَ وقالتْ: إنَّما نَزَلهُ رسُولُ الله ﷺ لأنهُ كانَ منزِلًا أسمحَ لِخُرُوجِهِ. رَواهُ مُسلِمٌ) (٦). [صحيح]

стр. 4412

١١٠/ ٢٠٥٠ - (وعَنْ عائِشةَ قَالَتْ: نُزُول الأبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ إنْما نَزَلهُ رسُول الله ﷺ لأنَّهُ كانَ أَسمح لِخُرُوجهِ إذا خرج) (١). [صحيح] ١١١/ ٢٠٥١ - (وعَن ابْنِ عبَّاس قال: التَّحْصيبُ لَيْس بشْيءٍ إنّما هُو مَنْزِلٌ نَزَلهُ رَسُولُ الله ﷺ . مُتَّفقٌ عَلَيْهِما) (٢). [صحيح] قوله: (بالمحصَّب) (٣) بمهملتين وموحدة على وزن محمد: وهو اسم لمكانٍ متَّسع بين جبلين، وهو إلى منى أقرب من مكة، سمي بذلك لكثرة ما به من الحصا من جرّ السيولِ، ويسمى بالأبطح وخَيْف بني كنانة (٤). قوله: (ثم هجع هجعةً) أي اضطجع ونام يسيرًا. قوله: (أسمح لخروجه) أي أسهل لتوجهه إلى المدينة ليستوي البطيء والمقتدر، ويكون مبيتهم وقيامهم [في السحر] (٥) ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة. قوله: (ليس التحصيب بشيء)، أي من المناسك التي يلزم فعلها. وقد نقل ابن المنذر الخلاف في استحباب نزول المحصب مع الاتفاق على أنه ليس من المناسك. وقد روى أحمد (٦) عن عائشة أنها قالت: "والله ما نزلها يعني الحصبة إلا من أجلي". وروى مسلم (٧) وأبو داود (٨) وغيرهما عن أبي رافع قال: "لم يأمرني رسول الله ﷺ أن أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكن جئت فضربت قبته فجاء فنزل"، انتهى.

стр. 4413

ولا شك أن النزول مستحب لتقريره ﷺ على ذلك وفعله. وقد فعله الخلفاء بعده كما رواه مسلم (١) عن ابن عمر. ومما يدل على استحباب التحصيب ما أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦) من حديث أسامة بن زيد "أن النبي ﷺ قال: نحن نازلون بخيف بني كنانة حيث قاسمت قريشًا على الكفر"، يعني المحصب، وذلك أن بني كنانة حالفت [قريشًا] (٧) على بني هاشم أن لا يناكحوهم ولا يؤووهم ولا يبايعوهم. قال الزهري (٨): والخيف الوادي (٩). وأخرج البخاري (١٠) ومسلم (١١) وأبو داود (١٢) والنسائي (١٣) من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال حين أراد أن ينفر من منى: "نحن نازلون غدًا"، فذكر نحوه.

стр. 4414

وحكى النووي (١) عن القاضي عياض (٢) أنه مستحب عند جميع العلماء. قال في الفتح (٣): والحاصل أن من نفى أنه سنة كعائشة وابن عباس أراد أنه ليس من المناسك فلا يلزم بتركه شيء، ومن أثبته كابن عمر أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ لا الالتزام بذلك، ويستحب أن يصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل كما دل عليه حديث أنس وابن عمر. [الباب الرابع والعشرون] باب ما جاء في دخول الكعبة والتبرك بها ١١٢/ ٢٠٥٢ - (عَنْ عائِشةَ قالتْ: خَرَجَ رسُولُ الله ﷺ مِنْ عِنْدِي وَهْوَ قَرِيرُ العَيْنِ طَيِّب النَّفْسِ، ثمّ رَجَعَ إليَّ وَهْوَ حَزِينٌ، فَقُلْتُ لَهُ، فَقالَ: "إنّي دَخَلْتُ الكَعْبَةَ وَوَدِدْتُ أَنّي لَمْ أَكُنْ فَعلْتُ، إنّي أَخافُ أَنْ أَكُونَ أتَعَبْتُ أمَّتِي مِنْ بَعْدِي" رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَا النَسائيّ وصَحَّحَهُ الترْمِذِيُّ) (٤). [حسن لغيره] ١١٣/ ٢٠٥٣ - (وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ البَيْتَ فَجَلَسَ فحَمِدَ الله وأثْنَى عَليهِ وكَبّرَ وهَلَّلَ، ثُمّ قامَ إلَى ما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ البَيتِ،

стр. 4415

فَوَضَعَ صَدْرَهُ عَليهِ وَخَدَّهُ ويَدَيْهِ، ثُمَّ هَلَّلَ وكَبّر ودَعا، ثُمَّ فَعَلَ ذلِكَ بالأرْكانِ كُلِّها، ثُمَّ خَرَجَ فأقْبَلَ على القِبْلَةِ وَهْوَ على البَاب، فقال: " [هذِهِ القِبْلَةُ] (١)، هذِهِ القِبْلَةُ، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثةً. رَوَاهُ أحمدُ (٢) والنَّسائِيُّ) (٣). [صحيح] ١١٤/ ٢٠٥٤ - (وَعَنْ عبْدِ الرّحمنِ بْنِ صفْوَانَ قالَ: لَما فَتَحَ رَسُولُ الله ﷺ مَكَّة انْطَلَقْتُ فَوافَقْتُهُ قَدْ خَرَجَ مِنَ الكَعْبَةِ وأَصحابُهُ قَدِ اسْتلمُوا البَيتَ مِنَ البَابِ إلى الحطِيمِ، وقَدْ وضعوا خدُودَهمْ على البَيْتِ ورسُولُ الله ﷺ وسْطَهُمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وأَبُو دَاودَ) (٥). [ضعيف] ١١٥/ ٢٠٥٥ - (وعَنْ إسماعيلَ بْنِ أَبِي خالِدٍ قالَ: قلْتُ لعَبدِ الله بْنِ أَبي أوْفى؛ دَخَلَ النَّبيّ ﷺ البَيْتَ في عُمْرَتِهِ؟ قالَ: لَا: مُتَّفَقٌ عَلَيهِ) (٦). [صحيح] حديث عائشة أخرجه أيضًا وصححه ابن خزيمة (٧) والحاكم (٨). وحديث أسامة رجاله رجال الصحيح وأصله في صحيح مسلم (٩) بلفظ: "أن النبي ﷺ لم يصل في البيت ولكنه كبر في نواحيه". وحديث عبد الرحمن بن صفوان في إسناده يزيد بن أبي زياد ولا يحتج

стр. 4416

بحديثه. وقد ذكر الدارقطني أن يزيد بن أبي زياد تفرد به عن مجاهد ولكنه ذكر الذهبي أنه صدوق من ذوي الحفظ، وذكر في الخلاصة (١) أنه كان من الأئمة الكبار. وقد تقدم الكلام فيه في غير موضع. قوله: (ووددت أني لم أكن فعلت) فيه دليل على أن النبي ﷺ دخل الكعبة في غير عام الفتح لأن عائشة لم تكن معه فيه إنما كانت معه في غيره. وقد جزم جمع من أهل العلم أنه لم يدخل إلا في عام الفتح، وهذا الحديث يرد عليهم. وقد تقرر أن النبي ﷺ لم يدخل البيت في عمرته كما في حديث ابن أبي أوفى المذكور في الباب (٢)، فتعين أن يكون دَخَله في حجته، وبذلك جزم البيهقي (٣). وقد أجاب البعض عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون ﷺ قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه من غزوة الفتح وهو بعيد جدًّا. وفيه أيضًا دليل على أن دخول الكعبة ليس من مناسك الحج وهو مذهب الجمهور، وحكى القرطبي (٤) عن بعض العلماء أن دخولها من المناسك. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن دخولها مستحب. ويدل على ذلك ما أخرج ابن خزيمة (٥) والبيهقي (٦) من حديث ابن عباس من دخل البيت دخل في جنة وخرج مغفورًا له وفي إسناده عبد الله بن المؤمل وهو ضعيف (٧).

стр. 4417

ومحل استحبابه ما لم يؤذ أحدًا بدخوله ويدل على الاستحباب أيضًا حديث أسامة (١) وعبد الرحمن بن صفوان (٢) المذكوران في الباب. قوله: (وخده ويديه) فيه استحباب وضع الخد والصدر على البيت وهو ما بين الركن والباب، ويقال له: الملتزم كما روى الطبراني (٣) عن مجاهد عن ابن عباس أنه قال: الملتزم ما بين الركن والباب. وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٤) من طريق أبي الزبير عن ابن عباس مرفوعًا، ورواه عبد الرزاق (٥) بإسناد [أصح منه] (٦) موقوفًا وسمي بذلك لأن الناس يلتزمونه. قوله: (ثم فعل ذلك بالأركان كلها)، فيه دليل على مشروعية وضع الصدر والخد على جميع الأركان مع التهليل والتكبير والدعاء. قوله: (من الباب إلى الحطيم)، هذا تفسير للمكان الذي استلموه من البيت، والحطيم هو: ما بين الركن والباب كما ذكره محب الدين الطبري وغيره. وقال مالك في المدونة: الحطيم ما بين الباب إلى المقام. وقال ابن حبيب: هو ما بين الحجر الأسود إلى الباب إلى المقام. وقيل: هو الشاذروان. وقيل: هو الحجر الأسود كما يشعر به سياق هذا الحديث؛ وسمي حطيمًا لأن الناس كانوا يحطمون هنالك بالأيمان. ويستجاب فيه الدعاء للمظلوم على الظالم، وقل من حلف هنالك كاذبًا إلا عجلت له العقوبة. وفي كتب الحنفية (٧) أن الحطيم هو: الموضع الذي فيه الميزاب.

стр. 4418

قوله: (وسطهم) قال الجوهري (١): تقول جلست وسْط القوم بالتسكين لأنَّه ظرف، وجلست وسَط الدار بالفتح لأنَّه اسم. قال: وكل وسط يصلح فيه "بين" فهو وسط بالإسكان وإن لم يصلح [فيه] (٢) "بين" فهو وسط بالفتح. قال الأزهري (٣) كل ما يبين بعضه من بعض كوسط الصف والقلادة والسبحة وحلقة الناس فهو بالإسكان، وما كان منضمًا لا يبين بعضه من بعض كالساحة والدار والراحة فهو وسط بالفتح. قال: وقد أجازوا في المفتوح الإسكان ولم يجيزوا في الساكن الفتح. قوله: (أدخل النبي ﷺ البيت في عمرته) بهمزة الاستفهام. قال النووي (٤): قال العلماء: سبب ترك دخوله ما كان في البيت من الأصنام والصور ولم يكن المشركون يتركونه ليغيرها، فلما كان في الفتح أمر بإزالة الصور، ثم دخلها يعني كما ثبت في حديث ابن عباس عند البخاري (٥) وغيره (٦). ويحتمل أن يكون دخوله البيت لم يقع في الشرط، فلو أراد دخوله لمنعوه كما منعوه من الإقامة بمكة فوق ثلاث. [الباب الخامس والعشرون] باب ما جاء في ماء زمزم ١١٦/ ٢٠٥٦ - (عَنْ جَابِرٍ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "ماءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ". رَوَاهُ أحمدُ (٧) وابْنُ ماجَهْ) (٨). [صحيح]

стр. 4419

١١٧/ ٢٠٥٧ - (وعَنْ عائِشَةَ أَنَّها كانَتْ تَحْمِلُ مِنْ ماءِ زَمْزَمَ وَتُخْبِرُ أَنَّ رسُولَ الله ﷺ كان يَحملهُ. رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ (١) وقال: حَدِيث حَسَنٌ غَرِيبٌ) [صحيح] ١١٨/ ٢٠٥٨ - (وعَنِ ابْنِ عباسٍ أَنَّ رسُولَ الله ﷺ جاءَ إلى السِّقَايَةِ فاستَسْقَى، فقالَ العبَّاسُ: يا فَضْلُ اذْهَبْ إلى أُمِّكَ فأْتِ رسُولَ الله ﷺ بِشَرَابِ مِنْ عِنْدِها، فقال: "اسْقِني"، فقال: يا رسُولَ الله، إنَّهُمْ يَجْعلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ، قالَ: "اسْقِني"، فشَرِبَ ثُمَّ أَتَى زَمَزَمَ وهُمْ يَسْتَقُونَ وَيعْمَلُونَ فِيها، فقالَ: "اعْملُوا فإنَّكُمْ على عَملٍ صَالحٍ"، ثمَّ قالَ: "لَوْلَا أنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أضَعَ الْحَبْلَ" يعْنِي على عاتقِهِ، وأشارَ إلى عاتقِهِ. رَواهُ البُخاريُّ) (٢). [صحيح] ١١٩/ ٢٠٥٩ - (وعَنِ ابْنِ عباس أنَّ رسُولَ الله ﷺ قالَ: "إن آيةَ ما بيْنَنَا وبيْنَ الْمُنافِقِينَ لَا يَتَضلَّعُونَ مِنْ ماءِ زَمْزَمَ"، رَوَاهُ ابْنُ ماجهْ) (٣). [ضعيف]

стр. 4420

١٢٠/ ٢٠٦٠ - (وعَنِ ابْنِ عبَّاس قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "ماءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لهُ، إنْ شَرِبتَهُ تَسْتَشفِي بِهِ شَفَاك الله، وإنْ شَرِبتَهُ يُشبِعْكَ أشْبَعَكَ الله بِهِ، وإنْ شَرِبْتهُ لقَطْعِ ظَمَئِكَ قَطَعَهُ الله، وَهي هَزْمةُ جبْرِيلَ وسُقْيا [الله] (١) إسماعيلَ"، رَوَاه الدّارقُطْنيُّ) (٢). [موضوع] حديث جابر أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٣)، والبيهقي (٤)، والدارقطني (٥)، والحاكم (٦)، وصححه المنذري (٧) والدمياطي وحسنه الحافظ (٨) وفي إسناده عبد الله بن المؤمل. وقد تفرد به كما قال البيهقي، وهو ضعيف وأعله ابن القطان به. وقد رواه البيهقي (٩) من طريق أخرى عن جابر، وفيها سويد بن سعيد وهو ضعيف جدًّا وإن كان مسلم قد أخرج له فإنما أخرج له في المتابعات. قال الحافظ (١٠): وأيضًا فكان أخذه عنه قبل أن يعمى ويفسد حديثه، وكذلك أمر أحمد بن حنبل ابنه بالأخذ عنه كان قبل عماه، ولما عمي صار يلقن فيتلقن. وقال يحيى بن معين: لو كان لي فرس ورمح لغزوت سويدًا، من شدة ما كان يذكر له عنه من المناكير.

стр. 4421

وأخرجه الطبراني (١) من طريق ثالثة. وحديث عائشة أخرجه البيهقي (٢) والحاكم وصححه (٣). وحديث ابن عباس الأول أخرجه أيضًا الدارقطني (٤) والحاكم (٥) من طريق ابن أبي مليكة قال: "جاء رجل إلى ابن عباس فقال: من أين جئت؟ قال: شربت من ماء زمزم. قال ابن عباس: أشربت منها كما ينبغي؟ قال: وكيف ذاك يا ابن عباس؟ قال: إذا شربت منها فاستقبل القبلة واذكر اسم الله وتنفس ثلاثًا وتضلع منها، فإذا فرغت فاحمد الله فإن رسول الله ﷺ قال: (آية ما بيننا وبين المنافقين أنهم لا يتضلعون من زمزم). وحديثه الثاني أخرجه أيضًا الحاكم (٦) وزاد الدارقطني (٧) على ما ذكره المصنف: "وإن شربته مستعيذًا أعاذك الله، قال: فكان ابن عباس إذا شرب ماء زمزم قال: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا ورزقًا واسعًا وشفاء من كل داء". وهذا الحديث هو من طريق محمد بن سعيد الجارودي عن سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس. قال في التلخيص (٨): والجارودي صدوق إلا أن روايته شاذة، فقد رواه

стр. 4422

حفاظ أصحاب ابن عيينة كالحميدي وابن أبي عمر وغيرهما عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد من قول ابن عباس. ومما يقوي الرفع ما أخرجه الدينوري في "المجالسة" (١) قال: كنا عند ابن عيينة فجاء رجل فقال: يا أبا محمد الحديث الذي حدثتنا به عن ماء زمزم صحيح؟ قال: نعم، قال: فإني شربته الآن لتحدّثني مائة حديث قال: اجلس فحدثه مائة حديث. وفي الباب عن أبي ذر مرفوعًا عند أبي داود الطيالسي في مسنده (٢) قال: "زمزم مباركة إنها طعام طعم وشفاء سقم"، وهو بهذا اللفظ في صحيح مسلم (٣). وعن جابر غير حديث الباب عند مسلم (٤): "أن النبي ﷺ شرب منه". قوله: (ماء زمزم لما شرب له) فيه دليل على أن ماء زمزم ينفع الشارب لأي أمر شربه لأجله سواءان من أمور الدنيا أو الآخرة لأن ما في قوله: لما شرب له من صيغ العموم. قوله: (كان يحمله) فيه دليل على أنه لا بأس بحمل ماء زمزم إلى المواطن الخارجة عن مكة. قوله: (لولا أن تغلبوا) وذلك بأن يظن الناس أن النزع سنة فينزع كل رجل لنفسه فيغلب أهل السقاية عليها. وفي الحديث استحباب الشرب من ماء زمزم وما قيل من أن الشرب جبلي فلا يدل على الاستحباب إذ لا تأسي في الجبلي مدفوع بأن القصد إلى ذلك المحل والأمر بالنزع وإعطاء أسامة الفضلة ليشربها من غير أن يستدعي الماء كما في صحيح مسلم مما يدل على أن الشرب للفضيلة لا للحاجة.

стр. 4423

قوله: (لا يتضلعون) أي لا يروون من ماء زمزم، قال في القاموس (١): وتضلع امتلأ شبعًا أو ريًا حتى بلغ الماء أضلاعه، انتهى. قوله: (هزمة) بالزاي أي حفرة جبريل لأنَّه ضربها برجله فنبع الماء. قال في القاموس (٢): هزمه يهزمه: غمزه بيده فصارت فيه حفرة ثم قال: والهزائم: البئار الكبيرة الغزر الماء. قوله: (وسقيا إسماعيل)، أي أظهره الله ليسقي به إسماعيل في أول الأمر. [الباب السادس والعشرون] باب طواف الوداع ١٢١/ ٢٠٦١ - (عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: كانَ النَّاسُ يَنْصرِفُونَ في كُلِّ وجْهٍ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَنْفِرْ أحَدٌ حتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بالبَيْتِ". رَوَاهُ أحمَدُ (٣) ومُسْلم (٤) وأَبُو دَاوُدَ (٥) وابْنُ ماجَهْ (٦). [صحيح] وفي رِوايَةٍ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يكُونَ آخِرُ عَهْدِهمْ بالبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ المَرْأَةِ الحَائِضِ. مُتَّفَق عَلَيْهِ) (٧). [صحيح] ١٢٢/ ٢٠٦٢ - (وعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ رخصَ لِلْحائِضِ أنْ تصْدُرَ قَبْلَ أَنْ تطوفَ بالبَيْتِ إِذَا كانَتْ قَدْ طَافَتْ في الإفاضَةِ. رَواهُ أحمَدُ) (٨). [صحيح]

стр. 4424

١٢٣/ ٢٠٦٣ - (وَعَنْ عائِشَةَ قالَتْ: حاضتْ صَفِيَّةُ بِنتُ حُيَيٍّ بعْد ما أَفاضتْ قالَتْ: فَذَكَرْتُ ذلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فقالَ: "أحابِسَتُنا هِيَ"؟ قُلتُ: يا رسُولَ الله إنَّها قَدْ أفاضَتْ وَطَافَتْ بالبَيْتِ ثمَّ حاضَتْ بَعدَ الإفاضَةِ، قالَ: "فَلتَنْفُرْ إذَنْ". مُتَّفَق عَليهِ) (١). قوله: (لا ينفر أحد) إلخ، فيه دليل على وجوب طواف الوداع. قال النووي (٢): وهو قول أكثر العلماء ويلزم بتركه دم. وقال مالك (٣) وداود وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه. قال الحافظ (٤): والذي رأيته لابن المنذر في الأوسط أنه واجب للأمر به إلا أنه لا يجب بتركه شيء، انتهى. وقد اجتمع في طواف الوداع أمره ﷺ به ونهيه عن تركه وفعله الذي هو بيان للمجمل الواجب ولا شك أن ذلك يفيد الوجوب. قوله: (أمر الناس) بالبناء على ما لم يسم فاعله وكذا قوله: خفف. قوله: (إذا كانت قد طافت طواف الإفاضة)، قال ابن المنذر: قال عامَّةِ الفقهاء بالأمصار: ليس على الحائض التي أفاضت طواف وداع (٥). وروِّينا عن عمر بن (٦) الخطاب،

стр. 4425

وابن عمر (١)، وزيد بن ثابت (٢) أنهم أمروها بالمقام إذا كانت حائضًا لطواف الوداع، فكأنهم أوجبوه عليها كما يجب عليها طواف الإفاضة، إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها. قال: وقد ثبت رجوع ابن عمر (١) وزيد بن ثابت (٢) عن ذلك، وبقي عمر (٣) فخالفناه لثبوت حديث عائشة. وروى ابن أبي شيبة من طريق القاسم بن محمد: كان الصحابة يقولون إذا أفاضت قبل أن تحيض فقد فرغت، إلا عمر (٣). وقد روى أحمد (٤) وأبو داود (٥) والنسائي (٦) والطحاوي (٧) عن عمر أنه قال: ليكن آخر عهدها بالبيت.

стр. 4426

وفي رواية كذلك حدثني رسول الله ﷺ . واستدل الطحاوي (١) بحديث عائشة (٢) على نسخ حديث عمر (٣) في حق الحائض. وكذلك استدل على نسخه بحديث أم سليم عند أبي داود الطيالسي (٤) أنها قالت: حِضْتُّ بعدَ مَا طُفْتُ بالبيت فأمرني رسول الله ﷺ أن أنْفِرَ، وحاضَتْ صفيَّةُ فقالت لها عائشةُ: حَبَسْتنا فأمرَها النبي ﷺ أن تنفِرَ. ورواه سعيد بن منصور في كتاب المناسك وإسحاق في مسنده (٥) والطحاوي (٦) وأصله في البخاري (٧). ويؤيد ذلك ما أخرجه النَّسَائِي (٨) والترمذي (٩) وصححه الحاكم (١٠) عن ابن عمر قال: "من حج فليكن آخر عهده بالبيت إلا الحيض رخص لهنَّ رسول الله ﷺ ". قوله: (فلتنفر إذن) أي فلا حبس علينا حينئذٍ لأنها قد أفاضت فلا مانع من التوجه، والذي يجب عليها قد فعلته. وفي رواية للبخاري (١١): "فلا بأس انفري"، وفي رواية له (١٢): "اخرجي"، وفي رواية (١٢): "فلتنفر"، ومعانيها متقاربة، والمراد بها الرحيل من منى إلى جهة المدينة.

стр. 4427

واستدل بقوله: (أحابستنا) على أن أمير الحاج يلزمه أن يؤخر الرحيل لأجل من تحيض ممن لم تطف للإفاضة. وتعقب باحتمال أن يكون ﷺ أراد بتأخير الرحيل إكرام صفية كما احتبس بالناس على عقد عائشة. وأما ما أخرجه البزار (١) من حديث جابر [والثقفي] (٢) في فوائده من حديث أبي هريرة (٣) مرفوعًا: "أميران وليسا بأميرين: من تبع جنازة فليس له أن ينصرف حتى تدفن أو يأذن أهلها، والمرأة تحج أو تعتمر مع قوم فتحيض قبل طواف الركن فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطهر أو تأذن لهم، ففي إسناد كل واحد منها ضعيف شديد الضعف كما قال الحافظ (٤). [الباب السابع والعشرون] باب ما يقول إذا قدم من حج أو غيره ١٢٤/ ٢٠٦٤ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ إذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أوْ حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ على كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأرْضِ ثَلاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يقولُ: "لا إلهَ إلَّا الله وحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلِّ شيء قَدِيرٌ، آيِبُونَ تائِبُونَ عابدُونَ سَاجدُونَ لِرَبِّنا حامدُونَ، صَدَقَ الله وعْدَه، ونصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحزَابَ وَحدَهُ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٥). [صحيح]

стр. 4428

قوله: (شرف) هو المكان العالي كما في القاموس (١) وغيره (٢). وفي رواية لمسلم (٣): "أن إذا أوفى على ثنية أو فدفد كبر". قوله: (آيبون) أي راجعون وهو وما بعده إخبار لمبتدأ مقدر، أي نحن آيبون، إلخ. قوله: (صدق الله وعده) أي في إظهار الدين وكون العاقبة للمتقين وغير ذلك مما وعد به سبحانه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ (٤). قوله: (وهزم الأحزاب وحده) أي من غير قتال من الآدميين، والمراد بالأحزاب الذين اجتمعوا يوم الخندق وتحزبوا على رسول الله ﷺ كما تقدم فأرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا، وهذا هو المشهور أن المراد بالأحزاب أحزاب يوم الخندق. قال القاضي عياض (٥): ويحتمل أن المراد أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن. والحديث فيه استحباب التكبير والتهليل والدعاء المذكور عند كل شرف من الأرض يعلوه الراجع إلى وطنه من حج أو عمرة أو غزو. [الباب الثامن والعشرون] باب الفوات والإحصار ١٢٥/ ٢٠٦٥ - (عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ الحَجَّاجِ بْن عَمْرٍو قال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ وعَليهِ حَجَّةٌ أُخْرَى"؛ قال: فَذَكَرْتُ ذلِكَ لابْنِ عَبَّاسٍ وأبي هُرَيْرَةَ، فقالا: صَدَقَ. رَوَاهُ الخَمَسَة (٦). [صحيح لغيره]

стр. 4429

وفِي رِوايَةٍ لِأبي داوُدَ (١) وابْنِ ماجَهْ (٢): "مَنْ عَرَجَ أَوْ كُسِرَ أَوْ مَرِضَ". فَذَكَرَ مَعْناهُ. [صحيح] وَفِي رِوايَةٍ ذَكَرَها أحمَدُ في رِوايَةِ المَرْوَزيِّ: "مَنْ حُبِسَ بِكَسْرٍ أَوْ مَرَضٍ"). ١٢٦/ ٢٠٦٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كانَ يقولُ: أَلَيْسَ حسْبُكُمْ سُنَّة رسُولِ الله ﷺ إنْ حُبِسَ أحَدُكُمْ عَنِ الحَجِّ طافَ بِالبَيْتِ وبِالصَّفا والمَرْوَةِ، ثمَّ يَحِلُّ مِنْ كُلِّ شَيء، حَتَّى يَحُجَّ عامًا قابِلًا فيُهْدِي أَوْ يَصومَ إنْ لَمْ يَجِدْ هدْيًا. رواهُ البُخاري (٣) والنَّسائيُّ) (٤). [صحيح] ١٢٧/ ٢٠٦٧ - (وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ أَمَرَ أَبَا أَيُّوبَ صاحِبَ رسُولِ الله ﷺ وهَبَّارَ بْنَ الأَسْودِ حِينَ فاتَهُما الحجُّ فأتَيا يَوْم النَّحْر أَنْ يَحِلَّا بِعُمْرَةٍ، ثمَّ يَرْجِعا حَلالًا ثمَّ يَحُجَّا عامًا قابلًا وَيُهْدِيا فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّام في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ إلى أَهْلِهِ) (٥). ١٢٨/ ٢٠٦٨ - (وعَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ أَنَّ ابْنَ حُزَابَةَ المَخْزومِيَّ صُرعَ بِبَعْضِ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهْوَ مُحرم بِالحَجِّ، فَسَألَ عَلى الماءِ الذِي كانَ عَليهِ، فَوَجَدَ

стр. 4430

عَبدَ الله بْنَ عُمَرَ وَعَبْدَ الله بْنَ الزُّبَيْرِ وَمَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ فَذَكَرَ لَهُمْ الَّذِي عَرَضَ لَهُ وَكُلُّهُمْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَدَاوى بِما لا بُدَّ مِنْهُ وَيَفتَدِيَ، فإذَا صَحَّ اعْتَمَرَ فَحَلَّ مِنْ إحْرامِهِ ثمَّ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ قابِلًا وَيُهْدِيَ) (١). [إسناده صحيح] ١٢٩/ ٢٠٦٩ - (وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قال: مَنْ حُبِسَ دونَ البَيْتِ بِمَرَضٍ فإِنَّهُ لا يَحِلُّ حتَّى يَطوفَ بِالبَيْتِ (٢). وهذ الثَّلاثَةُ لِمَالِكِ في المُوَطَّإ) [إسناده صحيح] ١٣٠/ ٢٠٧٠ - (وعَنِ ابْنِ عَباسٍ قالَ: لا حَصْرَ إلَّا حَصْرُ الْعَدُوِّ. رَوَاهُ الشَّافِعي في مُسْنَدِهِ) (٣). [إسناده صحيح] حديث الحجاج بن عمرو سكت عنه أبو داود (٤) والمنذري (٥) وحسنه الترمذي (٦). وأخرجه أيضًا ابن خزيمة (٧) والحاكم (٨) والبيهقي (٩). وأثر عمر بن الخطاب أخرجه أيضًا البيهقي (١٠). وأخرج (١١) عن عمر أنه أمر من فاته الحج أن يهل بعمرة وعليه الحج من قابل. وأخرج (١١) أيضًا عن زيد بن ثابت مثله. وأخرج (١١) نحوه عن عمر من طريق أخرى. والأثر الذي رواه سليمان بن يسار رواه مالك (١٢) عن يحيى بن سعيد عنه، ولكن سليمان بن يسار لم يدرك القصة.

стр. 4431

وأثر ابن عمر رواه مالك في الموطأ (١) من طريق ابن شهاب عن سالم عنه. وأثر ابن عباس صحح الحافظ (٢) إسناده. قوله: (من كسر) بضم الكاف وكسر السين. قوله: (أو عرج) بفتح المهملة والراء: أي أصابه شيء في رجله وليس بخلقة، فإذا كان خلقة قيل: عرج بكسر الراء. قوله: (فقد حل) تمسك بظاهر هذا أبو ثور وداود فقالا: إنه يحل في مكانه بنفس الكسر والعرج. وأجمع بقية العلماء على أنه يحل من كسر أو عرج، ولكن اختلفوا فيما به يحل وعلام يحمل هذا الحديث، فقال أصحاب الشافعي (٣): إنه يحمل على ما إذا شرط التحلل به، فإذا وجد الشرط صار حلالًا ولا يلزم الدم. وقال مالك (٤) وغيره (٥): يحل بالطواف بالبيت لا يحله غيره، ومن خالفه من الكوفيين يقول: يحل بالنية والذبح والحلق، وسيأتي الكلام على ذلك. قوله: (أو مرض) الإحصار لا يختص بالأعذار المذكورة بل كل عذر حكمه حكمها، كإعواز النفقة والضلال في الطريق وبقاء السفينة في البحر، وبهذا قال كثير من الصحابة. وقال النخعي والكوفيون: الحصرُ بالكسر والمرض والخوف. وقال آخرون منهم مالك (٦) والشافعي (٧) وأحمد (٨): لا حصر إلا بالعدو، وتمسكوا بقول ابن عباس المذكور في الباب. وحكى ابن جرير (٩) قولًا أنه لا حصر بعد النبي ﷺ .

стр. 4432

والسبب في هذا الاختلاف أنهم اختلفوا في تفسير الإحصار. فالمشهور عن أكثر أهل اللغة منهم الأخفش (١) والكسائي (٢) والفراء (٣) وأبو عبيد (٤)، وأبو عبيدة (٥) وابن السكيت (٦) وثعلب (٥) وابن قتيبة (٧) وغيرهم (٨) أن الإحصار إنما يكون بالمرض، وأما بالعدو فهو الحصر. وقال بعضهم: إن أحصر وحصر بمعنى واحد. قوله: (سنة نبيكم) قال عياض (٩): ضبطناه سنة بالنصب على الاختصاص وعلى إضمار فعل: أي تمسكوا وشبهه وخبر حسبكم طاف بالبيت ويصح الرفع على أن سنة خبر حسبكم أو الفاعل وحسبكم بمعنى الفعل ويكون ما بعدهما تفسيرًا للسنة. وقال السهيلي (١٠): من نصب سنة فهو بإضمار الأمر كأنه قال: الزموا سنة نبيكم. قوله: (طاف بالبيت)، أي: إذا أمكنه ذلك، ووقع في رواية عبد الرزاق: إن حبس أحدًا منكم حابس عن البيت فذا وصل طاف. قوله: (حتى يحجّ عامًا قابلًا)، استدل به على وجوب الحج من القابل على من أحصر، وسيأتي الخلاف فيه. قوله: (فيهدي) فيه دليل على وجوب الهدي على المحصر، ولكن الإحصار الذي وقع في عهد النبي ﷺ إنما وقع في العمرة، فقاس العلماء الحج على ذلك، وهو من الإلحاق بنفي الفارق (١١).

стр. 4433

وإلى وجوب الهدي ذهب الجمهور (١)، وهو ظاهر الأحاديث الثابتة عنه ﷺ أنه فعل ذلك في الحديبية (٢). ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣). وذكر الشافعي (٤) أنه لا خلاف في ذلك في تفسير الآية، وخالف في ذلك مالك (٥) فقال: إنه لا يجب الهدي على المحصر، وعوّل على قياس الإحصار على الخروج من الصوم للعذر، والتمسك بمثل هذا القياس في مقابل ما يخالفه من القرآن والسنة من الغرائب التي يتعجب من وقوع مثلها من أكابر العلماء. قوله: (ابن حزابة) بضم الحاء المهملة وبعدها زاي ثم بعد الألف موحدة. قوله: (فسأل على الماء) هكذا في بعض نسخ هذا الكتاب، وفي بعضها: عن الماء، وفي نسخة صحيحة من الموطأ (٦): على الماء، ونسخ بعن. قوله: (فوجد) هذه اللفظة ثابتة في نسخة من هذا الكتاب وهي ثابتة في الموطأ. وقد استدل بالآثار المذكورة في الباب على وجوب الهدي، وأن الإحصار لا يكون إلا بالخوف من العدوّ، وقد تقدم البحث عن ذلك وعلى وجوب القضاء وسيأتي. [الباب التاسع والعشرون] باب تحلل المحصر عن العُمْرَةِ بالنَّحْرِ ثم الحَلْقِ حيثُ حُصِرَ مِنْ حلّ أو حَرَمٍ، وأَنَّهُ لَا قضاءَ عليه ١٣١/ ٢٠٧١ - (عَنْ المِسْوَرِ وَمَرْوانَ في حَدِيثِ عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ والصُّلْحِ أن النبيَّ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتابِ قالَ لأصحابِهِ: "قُوموا فانْحَروا ثمَّ احْلِقوا".

стр. 4434

رَوَاهُ أحمدُ (١) والبُخارِيُّ (٢) وأَبُو داودَ (٣). [صحيح] وَللْبُخارِيّ (٤) عَنِ المِسْوَرِ أَنَّ النبيَّ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ وأَمَرَ أَصْحابهُ بِذلِكَ). [صحيح] ١٣٢/ ٢٠٧٢ - (وعَنِ المِسْوَرِ ومَرْوَانَ قالا: قَلَّدَ رَسُولُ الله ﷺ الْهَدْيَ وأشْعَرَهُ بِذي الحُلَيْفَةِ، وأَحْرَمَ مِنها بِالعُمْرَةِ، وَحَلَقَ بِالحُدَيْبِيَّةِ في عُمْرَتِهِ، وَأَمَرَ أَصْحابَهُ بِذلِكَ، ونَحَرَ بِالحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وأَمَرَ أصْحَابَهُ بِذلِكَ. رَواهُ أحمَدُ) (٥). [صحيح] ١٣٣/ ٢٠٧٣ - (وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: إِنَّما الْبَدَلُ عَلى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فأما مَنْ حَبَسَهُ عَدُوٌّ أَوْ غَيْرُ ذلِكَ فإِنَّهُ يَحِلُّ وَلا يَرْجِعُ، وإِنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ وهْوَ مُحصرٌ نَحَرَهُ إنْ كان لا يَسْتَطِيعُ [أَنْ] (٦) يَبْعَثَ بِهِ، وإِنِ استَطاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ محِلَّهُ. أَخرَجَهُ البُّخارِيُّ (٧). [وقَال] (٨) مالِكٌ وغَيْرُهُ: يَنحرُ هَدْيَهُ وَيَحْلِقُ في أَيِّ مَوْضِعٍ كانَ، وَلا قَضاءَ عليْهِ لأن النبيَّ ﷺ وأصحابَهُ بالحُدَيْبِيَّةِ نَحَرُوا وحَلَقُوا وحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيءٍ قَبْلَ الطَّوافِ وقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الهَدْيُ إلى البَيْتِ، ثُمَّ لمْ يَذْرُوا أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أَمَرَ أَحَدًا أَنْ

стр. 4435

يَقْضُوا شَيْئًا، وَلا يَعُودُوا لَهُ، والحُدَيْبِيَّةُ خارجَ الحَرَمِ. كُلُّ هذا كَلامُ البُخارِيِّ في صَحيحِهِ) (١). قوله: (فانحروا ثم احلقوا)، فيه دليلٌ على أن المحصر يُقدم النحر على الحلق، ولا يعارضه هذا ما وقع في رواية للبخاري (٢): "أنَّ النبي ﷺ حلق وجامع نساءه ونحر هديه". لأن العطف بالواو إنما هو لمطلق الجمع ولا يدل على الترتيب. فمن قدم الحلق على النحر فروى ابن أبي شيبة (٣) عن علقمة أن عليه دمًا، وعن ابن عباس مثله. والظاهر عدم وجوب الدم لعدم الدليل. قوله: (إنما البدل) إلخ بفتح الباء الموحدة والمهملة: أي القضاء لما أحصر فيه من حج أو عمرة، وهذا قول الجمهور كما في الفتح (٤). وقال في البحر (٥): إن على المحصر القضاء إجماعًا في الفرض، العترة وأبو حنيفة (٦) وأصحابه وكذا في النفل، انتهى. وعن أحمد (٧) روايتان. واحتج الموجبون للقضاء بحديث الحجاج بن عمرو (٨) السالف وهو نص في محل النزاع، وبحديث ابن عمر (٩) المتقدم لقوله فيه: حتى يحج عامًا قابلًا فيهدي بعد قوله: حسبكم سنة رسول الله ﷺ وبما تقدم من الآثار. وقال الذين لم يوجبوا القضاء: لم يذكر الله تعالى القضاء، ولو كان واجبًا لذكره، وهذا ضعيف لأن عدم الذكر لا يستلزم العدم. قالوا: ثانيًا قول ابن عباس: يدل على عدم الوجوب.

стр. 4436

ويجاب بان قول الصحابي ليس بحجة إذا انفرد، فكيف إذا عارض المرفوع؟. قالوا: ثالثًا لم يأمر النبي ﷺ أحدًا ممن أحصر معه في الحديبية بأن يقضي ولو لزمهم القضاء لأمرهم. قال الشافعي (١): إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي ﷺ وبين قريش، لا على أنه أوجب عليهم قضاء تلك العمرة، وهذا هو الدليل الذي ينبغي التعويل عليه. ولكنه يعارضه ما رواه الواقدي في المغازي (٢) من طريق الزهري، ومن طريق أبي معشر وغيرهما قالوا: أمر النبي ﷺ أصحابه أن يعتمروا فلم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر أو مات، وخرج جماعة معه معتمرين ممن لم يشهد الحديبية فكانت عدتهم ألفين. قال في الفتح (٣): ويمكن الجمع بين هذا إن صح وبين الذي قبله بأن الأمر كان على طريق الاستحباب؛ لأن الشافعي جازم بان جماعة تخلفوا لغير عذر. وقد روى الواقدي (٢) أيضًا من حديث ابن عمر قال: لم تكن هذه العمرة قضاء، ولكن كان شرطًا على قريش أن يعتمر المسلمون من قابل في الشهر الذي صدهم المشركون فيه، انتهى. ويمكن أن يقال: إن ترك أمره ﷺ لا ينتهض لمعارضة ما تقدم مما يدل على وجوب القضاء؛ لأن ترك الأمر ربما كان لعلمهم بوجوب القضاء على من أحصر بدليل آخر كحديث الحجاج بن عمر (٤) لأن حكم الحج والعمرة واحد. بقى هاهنا شيء هو أن قوله: (وعليه الحج من قابل)، وقوله: (وعليه حجة أخرى) يمكن أن يكون المراد [به] (٥) تأدية الحج المفروض أو ما كان يريد أداءه

стр. 4437

في عام الإحصار، لا أنه القضاء المصطلح عليه لأنَّه لم يسبق ما يوجبه، بل غاية ما هناك أنه منعه عن تأدية ما أراد فعله مانع فعليه فعله، ولا يسقط بمجرد عروض المانع وتعيين العام القابل يدل على أن ذلك على الفور. قوله: (بالتلذذ) بمعجمتين وهو الجماع. قوله: (فأما من حبسه عدو) هكذا في نسخ الكتاب عدو بفتح العين المهملة وضم الدال المهملة أيضًا والواو، وهي رواية أبي ذر في صحيح البخاري، ورواه الأكثر بضم العين وسكون الذال المعجمة والراء مكان الواو المحصر. قوله: (نحره) قد وقع الخلاف بين الصحابة فمن بعدهم في محل نحر الهدي للمحصر، فقال الجمهور (١): يذبح المحصر الهدي حيث يحل سواء كان في الحل أو الحرم. وقال أبو حنيفة (٢): لا يذبحه إلا في الحرم، وبه قال جماعة من أهل البيت (٣) منهم الهادي. وفصَّل آخرون كما قال ابن عباس: قال في الفتح (٤): وهو المعتمد. قال: وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم هل نحر النبي ﷺ في الحديبية في الحل أو في الحرم؟ وكان عطاء يقول: لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم، ووافقه ابن إسحاق، وقال غيره من أهل المغازي: إنما نحر في الحل. فائدة: لم يذكر المصنف رحمه الله تعالى في كتابه هذا زيارة قبر النبي ﷺ ، وكان الموطن الذي يحسن ذكرها فيه كتاب الجنائز، ولكنها لما كانت تفعل في سفر الحج في الغالب ذكرها جماعة من أهل العلم في كتاب الحج فأحببنا ذكرها هاهنا تكميلًا للفائدة.

стр. 4438

[أقوال أهل العلم في زيارة قبر النبي ﷺ -]: وقد اختلفت فيها أقوال أهل العلم، فذهب الجمهور إلى أنها مندوبة (١)، وذهب بعض المالكية (٢) وبعض الظاهرية إلى أنها واجبة. وقالت الحنفية (٣): إنها قريبة من الواجبات. وذهب ابن تيمية الحنبلي حفيد المصنف [﵀] (٤) المعروف بشيخ الإسلام إلى أنها غير مشروعة (٥)، وتبعه على ذلك بعض الحنابلة، وروي ذلك

стр. 4439

عن مالك والجويني والقاضي عياض (١) كما سيأتي. احتج القائلون بأنها مندوبة بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ (٢) الآية. ووجه الاستدلال بها أنه ﷺ حي في قبره بعد موته كما في حديث: "الأنبياء أحياء في قبورهم" (٣)
следующие страницы →