← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4435–4474 · переход к 4440.

стр. 4435

يَقْضُوا شَيْئًا، وَلا يَعُودُوا لَهُ، والحُدَيْبِيَّةُ خارجَ الحَرَمِ. كُلُّ هذا كَلامُ البُخارِيِّ في صَحيحِهِ) (١). قوله: (فانحروا ثم احلقوا)، فيه دليلٌ على أن المحصر يُقدم النحر على الحلق، ولا يعارضه هذا ما وقع في رواية للبخاري (٢): "أنَّ النبي ﷺ حلق وجامع نساءه ونحر هديه". لأن العطف بالواو إنما هو لمطلق الجمع ولا يدل على الترتيب. فمن قدم الحلق على النحر فروى ابن أبي شيبة (٣) عن علقمة أن عليه دمًا، وعن ابن عباس مثله. والظاهر عدم وجوب الدم لعدم الدليل. قوله: (إنما البدل) إلخ بفتح الباء الموحدة والمهملة: أي القضاء لما أحصر فيه من حج أو عمرة، وهذا قول الجمهور كما في الفتح (٤). وقال في البحر (٥): إن على المحصر القضاء إجماعًا في الفرض، العترة وأبو حنيفة (٦) وأصحابه وكذا في النفل، انتهى. وعن أحمد (٧) روايتان. واحتج الموجبون للقضاء بحديث الحجاج بن عمرو (٨) السالف وهو نص في محل النزاع، وبحديث ابن عمر (٩) المتقدم لقوله فيه: حتى يحج عامًا قابلًا فيهدي بعد قوله: حسبكم سنة رسول الله ﷺ وبما تقدم من الآثار. وقال الذين لم يوجبوا القضاء: لم يذكر الله تعالى القضاء، ولو كان واجبًا لذكره، وهذا ضعيف لأن عدم الذكر لا يستلزم العدم. قالوا: ثانيًا قول ابن عباس: يدل على عدم الوجوب.

стр. 4436

ويجاب بان قول الصحابي ليس بحجة إذا انفرد، فكيف إذا عارض المرفوع؟. قالوا: ثالثًا لم يأمر النبي ﷺ أحدًا ممن أحصر معه في الحديبية بأن يقضي ولو لزمهم القضاء لأمرهم. قال الشافعي (١): إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي ﷺ وبين قريش، لا على أنه أوجب عليهم قضاء تلك العمرة، وهذا هو الدليل الذي ينبغي التعويل عليه. ولكنه يعارضه ما رواه الواقدي في المغازي (٢) من طريق الزهري، ومن طريق أبي معشر وغيرهما قالوا: أمر النبي ﷺ أصحابه أن يعتمروا فلم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر أو مات، وخرج جماعة معه معتمرين ممن لم يشهد الحديبية فكانت عدتهم ألفين. قال في الفتح (٣): ويمكن الجمع بين هذا إن صح وبين الذي قبله بأن الأمر كان على طريق الاستحباب؛ لأن الشافعي جازم بان جماعة تخلفوا لغير عذر. وقد روى الواقدي (٢) أيضًا من حديث ابن عمر قال: لم تكن هذه العمرة قضاء، ولكن كان شرطًا على قريش أن يعتمر المسلمون من قابل في الشهر الذي صدهم المشركون فيه، انتهى. ويمكن أن يقال: إن ترك أمره ﷺ لا ينتهض لمعارضة ما تقدم مما يدل على وجوب القضاء؛ لأن ترك الأمر ربما كان لعلمهم بوجوب القضاء على من أحصر بدليل آخر كحديث الحجاج بن عمر (٤) لأن حكم الحج والعمرة واحد. بقى هاهنا شيء هو أن قوله: (وعليه الحج من قابل)، وقوله: (وعليه حجة أخرى) يمكن أن يكون المراد [به] (٥) تأدية الحج المفروض أو ما كان يريد أداءه

стр. 4437

في عام الإحصار، لا أنه القضاء المصطلح عليه لأنَّه لم يسبق ما يوجبه، بل غاية ما هناك أنه منعه عن تأدية ما أراد فعله مانع فعليه فعله، ولا يسقط بمجرد عروض المانع وتعيين العام القابل يدل على أن ذلك على الفور. قوله: (بالتلذذ) بمعجمتين وهو الجماع. قوله: (فأما من حبسه عدو) هكذا في نسخ الكتاب عدو بفتح العين المهملة وضم الدال المهملة أيضًا والواو، وهي رواية أبي ذر في صحيح البخاري، ورواه الأكثر بضم العين وسكون الذال المعجمة والراء مكان الواو المحصر. قوله: (نحره) قد وقع الخلاف بين الصحابة فمن بعدهم في محل نحر الهدي للمحصر، فقال الجمهور (١): يذبح المحصر الهدي حيث يحل سواء كان في الحل أو الحرم. وقال أبو حنيفة (٢): لا يذبحه إلا في الحرم، وبه قال جماعة من أهل البيت (٣) منهم الهادي. وفصَّل آخرون كما قال ابن عباس: قال في الفتح (٤): وهو المعتمد. قال: وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم هل نحر النبي ﷺ في الحديبية في الحل أو في الحرم؟ وكان عطاء يقول: لم ينحر يوم الحديبية إلا في الحرم، ووافقه ابن إسحاق، وقال غيره من أهل المغازي: إنما نحر في الحل. فائدة: لم يذكر المصنف رحمه الله تعالى في كتابه هذا زيارة قبر النبي ﷺ ، وكان الموطن الذي يحسن ذكرها فيه كتاب الجنائز، ولكنها لما كانت تفعل في سفر الحج في الغالب ذكرها جماعة من أهل العلم في كتاب الحج فأحببنا ذكرها هاهنا تكميلًا للفائدة.

стр. 4438

[أقوال أهل العلم في زيارة قبر النبي ﷺ -]: وقد اختلفت فيها أقوال أهل العلم، فذهب الجمهور إلى أنها مندوبة (١)، وذهب بعض المالكية (٢) وبعض الظاهرية إلى أنها واجبة. وقالت الحنفية (٣): إنها قريبة من الواجبات. وذهب ابن تيمية الحنبلي حفيد المصنف [﵀] (٤) المعروف بشيخ الإسلام إلى أنها غير مشروعة (٥)، وتبعه على ذلك بعض الحنابلة، وروي ذلك

стр. 4439

عن مالك والجويني والقاضي عياض (١) كما سيأتي. احتج القائلون بأنها مندوبة بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ (٢) الآية. ووجه الاستدلال بها أنه ﷺ حي في قبره بعد موته كما في حديث: "الأنبياء أحياء في قبورهم" (٣)

стр. 4440

وقد صححه البيهقي وألَّف في ذلك (١) جزءًا. قال الأستاذ أبو منصور البغدادي: قال المتكلمون المحققون من أصحابنا: إن نبينا ﷺ حي بعد وفاته (٢)، انتهى. ويؤيد ذلك ما ثبت أن الشهداءَ أحياء يرزقون في قبورهم والنبي ﷺ منهم، وإذا ثبت أنه حي في قبره كان المجيء إليه بعد الموت كالمجيء إليه قبله. ولكنه قد ورد أن الأنبياء لا يتركون في قبورهم فوق ثلاث. وروي فوق أربعين، فإن صح ذلك قدح في الاستدلال بالآية. ويعارض القول بدوام حياتهم في قبورهم ما سيأتي من أنه ﷺ ترد عليه روحه عند التسليم عليه (٣).

стр. 4441

نعم حديث: "من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي" (١)، الذي سيأتي إن صح فهو الحجة في المقام. واستدلوا ثانيًا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٢) الآية.

стр. 4442

والهجرة إليه في حياته الوصول إلى حضرته كذلك الوصول بعد موته، ولكنه لا يخفى أن الوصول إلى حضرته في حياته فيه فوائد لا توجد في الوصول إلى حضرته بعد موته منها النظر إلى ذاته الشريفة وتعلم أحكام الشريعة منه والجهاد بين يديه وغير ذلك. واستدلوا ثالثًا بالأحاديث الواردة في ذلك منها الأحاديث الواردة في مشروعية زيارة القبور على العموم والنبي ﷺ داخل في ذلك دخولًا أوّليًا (١)، وقد تقدم ذكرها في الجنائز. وكذلك الأحاديث الثابتة من فعله ﷺ في زيارتها. (ومنها) أحاديث خاصة بزيارة قبره الشريف [ ﷺ ] (٢) أخرج الدارقطني (٣) عن رجل من آل حاطب عن حاطب قال: قال: "من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي"، وفي إسناده الرجل المجهول. وعن ابن عمر عند الدارقطني (٤) أيضًا قال: قال: فذكر نحوه. ورواه أبو يعلى في مسنده (٥)، وابن عدي في كامله (٦) وفي إسناده حفص بن أبي داود وهو ضعيف الحديث (٧). وقال أحمد (٨) فيه: إنه صالح. وعن عائشة عند الطبراني في الأوسط (٩) عن النبي ﷺ مثله.

стр. 4443

قال الحافظ (١): وفي طريقه من لا يعرف. وعن ابن عباس عند العقيلي (٢) مثله وفي إسناده فضالة بن سعد المازني وهو ضعيف (٣). وعن ابن عمر حديث آخر عند الدارقطني (٤) بلفظ: "من زار قبري وجبت له شفاعتي"، وفي إسناده موسى بن هلال العبدي (٥). قال أبو حاتم (٦): مجهول، أي العدالة. ورواه ابن خزيمة في صحيحه (٧) من طريقه. وقال (٨): إن صح الخبر فإن في القلب من إسناده. وأخرجه أيضًا البيهقي (٩)، وقال العقيلي (١٠): لا يصح حديث موسى ولا يتابع عليه ولا يصح في هذا الباب شيء.

стр. 4444

وقال أحمد: لا بأس به، وأيضًا قد تابعه عليه مسلمة بن سالم. كما رواه الطبراني (١) من طريقه (٢). وموسى بن هلال المذكور رواه عن عبيد الله بن عمر عن نافع وهو ثقة من رجال الصحيح. وجزم الضياء المقدسي والبيهقي وابن عدي وابن عساكر بأن موسى رواه عن [عبيد الله] (٣) بن عمر المكبر وهو ضعيف ولكنه قد وثقه ابن عدي. وقال ابن معين: لا بأس به. وروى له مسلم مقرونًا بآخر. وقد صحح هذا الحديث ابن السكن وعبد الحق وتقي الدين السبكي. وعن ابن عمر عند ابن عدي (٤) والدارقطني (٥) وابن حبان (٦) في ترجمة النعمان بلفظ: "من حج ولم يزرني فقد جفاني". وفي إسناده النعمان بن شبل (٧) وهو ضعيف جدًّا، ووثقه عمران بن موسى. وقال الدارقطني: الطعن في هذا الحديث على ابن النعمان لا عليه. ورواه أيضًا البزار (٨) وفي إسناده إبراهيم الغفاري وهو ضعيف. ورواه البيهقي (٩) عن عمر، قال: وإسناده مجهول.

стр. 4445

وعن أنس عند ابن أبي الدنيا (١) بلفظ: "من زارني بالمدينة محتسبًا كنت له شفيعًا وشهيدًا يوم القيامة"، وفي إسناده سليمان بن [يزيد] (٢) الكعبي ضعفه ابن حبان (٣) والدارقطني وذكره ابن حبان في الثقات (٤). وعن عمر عند أبي داود الطيالسي (٥) بنحوه، وفي إسناده مجهول. وعن عبد الله بن مسعود عند أبي الفتح الأزدي (٦) بلفظ: "من حج حجة الإسلام وزار قبري وغزا غزوة وصلى في بيت المقدس لم يسأله الله فيما افترض عليه". وعن أبي هريرة (٧) بنحو حديث حاطب المتقدم. وعن ابن عباس عند العقيلي (٨) بنحوه. وعنه في مسند الفردوس (٩) بلفظ: "من حج إلى مكة ثم قصدني في مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان". وعن علي بن أبي طالب عند ابن عساكر: "من زار قبر رسول الله ﷺ كان

стр. 4446

في جواره"، وفي إسناده عبد الملك بن هارون بن عنترة وفيه (١) مقال. قال الحافظ (٢): وأصح ما ورد في ذلك ما رواه أحمد (٣) وأبو داود (٤) عن أبي هريرة مرفوعًا: "ما من أحد يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد ﵇"، وبهذا الحديث صدَّر البيهقي الباب (٥). ولكن ليس فيه ما يدل على اعتبار كون المسلم عليه على قبره، بل ظاهره أعم من ذلك. وقال الحافظ (٦) أيضًا: أكثر متون هذه الأحاديث موضوعة. وقد رويت زيارته ﷺ عن جماعة من الصحابة. (منهم) بلال عند ابن عساكر بسند جيد. وابن عمر عند مالك في الموطأ (٧). [وأبو] (٨) أيوب عند أحمد (٩). وأنس ذكره عياض في الشفاء (١٠).

стр. 4447

وعمر عند البزار (١)، وعلي عند الدارقطني (٢)، وغير هؤلاء. ولكنه لم ينقل عن أحد منهم أنه شد الرحل لذلك إلا عن بلال؛ لأنَّه روي عنه أنه رأى النبي ﷺ وهو بداريَّا يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال أما آن لك أن تزورني. روى ذلك ابن عساكر (*). واستدل القائلون بالوجوب بحديث: "من حج ولم يزرني فقد جفاني"، وقد تقدم (٣). قالوا: والجفاء للنبي ﷺ محرّم، فتجب الزيارة لئلا يقع في المحرم. وأجاب عن ذلك الجمهور بأن الجفاء يقال على ترك المندوب كما في ترك البر والصلة، وعلى غلظ الطبع كما في حديث: "من بدا فقد جفا" (٤)، وأيضًا الحديث على انفراده مما لا تقوم به الحجة لما سلف. واحتج من قال بأنها غير [مشروعة] (٥) بحديث: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"، وهو في الصحيح (٦). وقد تقدم.

стр. 4448

وحديث: "لا تتخذوا قبري عيدًا". رواه عبد الرزاق (١). قال النووي (٢) في شرح مسلم: اختلف العلماء في شد الرحل لغير الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة، فذهب الشيخ أبو محمد الجويني إلى حرمته، وأشار عياض إلى اختياره، والصحيح عند أصحابنا أنه لا يحرم ولا يكره، قالوا: والمراد أن الفضيلة الثابتة إنما هي شد الرحل إلى هذه الثلاثة خاصة، انتهى. وقد أجاب الجمهور عن حديث شد الرحل بأن القصر فيه إضافي باعتبار المساجد لا حقيقي. قالوا: والدليل على ذلك أنه قد ثبت بإسناد حسن في بعض ألفاظ الحديث "لا ينبغي للمطي أن يُشَدَّ رحالها إلى مسجد تُبتغى فيه الصلاة غير مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى" (٣).

стр. 4449

فالزيارة وغيرها خارجة عن النهي. وأجابوا ثانيًا بالإجماع على جواز شد الرحال للتجارة وسائر مطالب الدنيا، وعلى وجوبه إلى عرفة للوقوف، وإلى منى للمناسك التي فيها، وإلى مزدلفة، وإلى الجهاد، والهجرة من دار الكفر، وعلى استحبابه لطلب العلم. وأجابوا عن حديث: "لا تتخذوا قبري عيدًا" (١)، بأنه يدل على الحث على كثرة الزيارة لا على منعها، وأنَّه لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعيدين. ويؤيده قوله: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا" (٢)، أي لا تتركوا الصلاة فيها كذا قال الحافظ المنذري. وقال السبكي: معناه أنه لا تتخذوا لها وقتًا مخصوصًا لا تكون الزيارة إلا فيه، أو لا تتخذوه كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة والاجتماع للهو وغيره كما يفعل في الأعياد، بل لا يؤتى إلا للزيارة والدعاء والسلام والصلاة ثم ينصرف عنه. وأجيب عما روي عن مالك من القول بكراهة زيارة قبره ﷺ بأنه إنما قال بكراهة زيارة قبره ﷺ قطعًا للذريعة. وقيل: إنما كره إطلاق لفظ الزيارة لأنّ الزيارة من شاء فعلها ومن شاء تركها، وزيارة قبره من السنن الواجبة، كذا قال عبد الحق. واحتج أيضًا من قال بالمشروعية بأنه لم يزل دأب المسلمين القاصدين للحج [في] (٣) جميع الأزمان على تباين الديار واختلاف المذاهب الوصول إلى

стр. 4450

المدينة المشرفة لقصد زيارته، ويعدون ذلك من أفضل الأعمال، ولم ينقل أن أحدًا أنكر ذلك عليهم فكان إجماعًا (١).

стр. 4451

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4452

[خامسًا]: أبواب الهدايا والضحايا [الباب الأول] باب في إشعار البدن وتقليد الهدي كله ١/ ٢٠٧٤ - (عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ أَنَّ رسُولَ الله ﷺ صلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ثمَّ دَعا نَاقَتَهُ فأشْعَرها في صَفْحَةِ سَنَامِها الأيمَنِ وَسلتَ الدَّمَ عَنْها وَقَلَّدَها نَعْلَيْنِ، ثمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فلمَّا اسْتَوَتْ بِهِ على الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بالحَجِّ. رَوَاهُ أحمَدُ (١) ومُسْلِمٌ (٢) وأَبُو دَاوُدَ (٣) والنَّسَائِيُّ) (٤). [صحيح] ٢/ ٢٠٧٥ - (وعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَة ومَرْوَانَ قالَا: خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ مِنَ المَدِينَةِ في بِضْعِ عَشرَةَ مائةٍ مِنْ أصْحابِهِ حتَّى إذَا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النبيُّ ﷺ الهَدْيَ وَأشْعَرَهُ وأحْرَمَ بالعُمْرَةِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) والبُخارِيُّ (٦) وأَبُو دَاوُدَ) (٧). [صحيح] ٣/ ٢٠٧٦ - (وعَنْ عائشَةَ قالَتْ: فَتَلتُ قَلَائدَ بُدْنِ رسُولِ الله ﷺ ثمَّ أشعَرَها وقَلَّدَها، ثمَّ بَعَثَ بِها إلى البَيتِ فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيءٌ كانَ لهُ حِلًّا. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ) (٨). [صحيح] ٤/ ٢٠٧٧ - (وعَنْ عائشَةَ أَنَّ النبيَّ ﷺ أَهْدَى مَرَّةً إلى البَيْتِ غَنَمًا فَقَلَّدَها. رَواهُ الجَمَاعَةُ) (٩). [صحيح]

стр. 4453

قوله: (فأشعرها)، الإشعار (١): هو أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلته، فيكون ذلك علامةً على كونها هديًا، ويكون ذلك في صفحة سنامها الأيمن. وقد ذهب إلى مشروعيته الجمهور من السلف والخلف (٢). وروى الطحاوي عن أبي حنيفة (٣) كراهته والأحاديث ترد عليه. وقد خالف الناس في ذلك حتى خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد. واحتج على الكراهة بأنه من المثلة. وأجاب الخطابي (٤) بمنع كونه منها، بل هو باب آخر كالكي وشق أذن الحيوان [فيصيرُ] (٥) علامةً وغير ذلك من الوسمِ، وكالختان والحجامة، انتهى. على أنه لو كان من المثلة لكان ما فيه من الأحاديث مخصصًا له من عموم النهي عنها. وقد روى الترمذي (٦) عن النخعي أنه قال بكراهية الإشعار. وبهذا يتعقب على الخطابي وابن حزم (٧) في جزمهما بأنه لم يقل بالكراهة أحد غير أبي حنيفة. قوله: (وقلدها نعلين) فيه دليل على مشروعية تقليد الهدي، وبه قال الجمهور.

стр. 4454

قال ابن المنذر (١): أنكر مالك (٢) وأصحاب الرأي (٢) التقليد [للغنم] (٣)، زاد غيره وكأنه لم يبلغهم الحديث، انتهى. واحتجّوا على عدم المشروعية: بأنها تضعف عن التقليد، وهي حُجَّة أوهى من [بيوت] (٤) العنكبوت، فإن مجرَّد تعليق القلادة مما لا يضعف به الهدي. وأيضًا: إن فرض ضعفها عن بعض القلائد قلدت بما لا يضعفها. وأيضًا: قد وردت السنة بالإشعار وهو لا يترك لكونه مظنة للضعف، فكيف يترك ما ليس بمظنة لذلك مع ورود السنة به. قيل: الحكمة في تقليد الهدي النعل: أن فيه إشارة إلى السفر والجد فيه. وقال ابن المنير (٥): الحكمة فيه أن العرب تعد النعل مركوبة لكونها تقي صاحبها، وتحمل عنه وَعْرَ الطريق، فكأن الذي أهدى خرج عن مركوبه لله تعالى - حيوانًا وغيره - كما خرج حين أحرم عن ملبوسه ومن ثم استُحِبَّ تقليد نعلين لا واحدة، وقد اشترط الثوري (٦) ذلك. وقال غيره: تجزئ الواحدة. وقال آخرون: [لا تتعين] (٧) النعل بل كل ما قام مقامها أجزأ. قوله: (فتلت قلائد بدن رسول الله ﷺ )، زاد البخاري (٨) في رواية: "من عِهن كان عندي"، وفيه رد على من كره القلائد من الأوبار واختار أن [تكون] (٩) من نبات الأرض، وهو منقول عن ربيعة ومالك، وقد ترجم البخاري (١٠) على هذا الحديث: باب القلائد من العهن وهو الصوف.

стр. 4455

قوله: (ثم بعث بها إلى البيت) المهدي له حالان: إما أن يقصد النسك ويسوق الهدي معه فيكون التقليد والإشعار عند الإحرام. وإما أن يبعث بها ويقيم فيكونان عند البعث بها من المكان الذي هو مقيم به كما في هذا الحديث ولا يحرم عليه بعد البعث بها ما يحرم على المحرم لقولها: فما حرم عليه شيء كان له [حلًّا] (١). قوله: (غنمًا فقلدها) فيه دليل على جواز أن يكون الهدي من الغنم وهو يرد على الحنفية ومن وافقهم أن الهدي لا يجزئ من الغنم، ويرد على مالك ومن وافقه حيث قال: إن الغنم لا تقلد. [الباب الثاني] باب النهي عن إبدال الهدي المعين ٥/ ٢٠٧٨ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أَهْدَى عمَرُ نَجِيبًا فَأُعطِيَ عطِيَ بِها ثَلَاثمائَة دِينارٍ فأَتَى النبيَّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ الله إنِّي أَهْدَيْتُ نَجِيبًا فأُعطِيتُ بها ثَلاثمَائةِ دِينارٍ فأبِيعُها وَأشْتَرِي بثَمَنها بُدْنًا، قالَ: "لَا انْحَرْها إيَّاها". رَوَاهُ أحمَدُ (٢) وأَبُو دَاوُدَ (٣) والبُخاريُّ في تاريخِهِ) (٤). [ضعيف] الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان (٥) وابن خزيمة (٦) في صحيحيهما. قوله: (نجيبًا) النجيب، والنجيبة الناقة والجمع نجائب (٧). وفي النهاية (٨): النجيب: الفاضل من كل حيوان.

стр. 4456

[والحديث يدل على أنه لا يجوز بيع الهدي لإبدال مثله أو أفضل] (١). [ثم قال: وقد تكرر في الحديث ذكر النجيب من الإبل مفردًا ومجموعًا، وهو القوي منها الخفيف السريع اهـ] (٢). وقد جوَّزت الهادوية (٣) ذلك. وأجاب صاحب البحر (٤) عن حديث الباب بأنه حكاية فعل لا يُعلم وجهها، فيحتمل أنه ﷺ رأى نجيبه أفضل، ولا يخفى أن رد السنن الفعلية بمثل هذا يستلزم رد أكثر أفعاله، ويستلزم رد ما لا يعلم وجهه من أقواله، فيفضي ذلك إلى رد أكثر السنة، وذلك باطل مخالف للآيات القرآنية القاضية باتباع الرسول والتأسي به والأخذ بما أتى به لأنها لم تفرق بين ما عُلم وجهه وما جُهل، فمن ادعى اعتبار العلم فعليه الدليل على أن هذه المقالة قد صارت عصى يتوكأ بها من رام صيانة مذهبه إذا خالف الثابت من فعله ﷺ وإن كان له وجه أوضح من الشمس. ثم إنهم يحتجون بأفعاله إذا وافقت المذاهب ولا يقيدون الاحتجاج بمثل هذا القيد، وما أكثر هذا الصنع في تصرفاتهم لمن تتبع، فليأخُذ المنصف من ذلك حذره فإن المعذرة الباردة في طرح سنة صحيحة مما لا تنفق عند الله، ولا سيما إذا كان ذلك القصد الذب عن محض الرأي. وأما الاحتجاج على الجواز بإشراكه ﷺ عليًا في هديه وتصرفه عن العمرة إلى الإحصار فخارج عن محل النزاع؛ لأن ذلك تصرف لا يخرج العين عن كونها هديًا، ولا يبطل به الحق الذي قد تعلق بها للمصرف. وأيضًا صحة الاحتجاج بالإشراك متوقفة على معرفة أنه ﷺ ساق جميع الهدي الذي أشركَ عليًا فيه عن نفسه وهو ممنوع، والسند أنه لم يقلد ويشعر من ذلك الهدي الذي وقع فيه الإشراك إلا ناقة واحدة.

стр. 4457

وأيضًا ثبت أنه كان يسوق عن أهله جميعًا وعلي منهم. نعم إن صح ما ادعاه صاحب ضوء النهار (١) من الإجماع على جواز إبدال الأدون بأفضل كان حجة عند من يرى حجية الإجماع على جواز مجرد الإبدال بالأفضل، ولكنه ينبغي أن يبحث عن صحة ذلك، فإن الشافعي وبعض الحنفية قد احتجوا بالحديث على المنع من مطلق التصرف ولو كان للإبدال بأفضل كما حكاه صاحب البحر (٢). وأما دعوى أن الواحدة النجيبة أظهر في تعظيم الشعائر من غيرها وإن كان كثيرًا فممنوع، والسند ظاهر. [الباب الثالث] باب إن البدنة من الإبل والبقر عن سبع شياه وبالعكس ٦/ ٢٠٧٩ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النبيَّ ﷺ أتاهُ رَجُلٌ فقال: إنَّ عليَّ بَدنَةً وأَنا مُوسِرٌ ولَا أَجدُها فأشْترِيها، فأمَرَهُ ﷺ أنْ يَبْتاع سبْع شِياهٍ فَيَذْبَحُهُنَّ. رَوَاهُ أحمَدُ (٣) وابْنُ ماجَهْ) (٤). [ضعيف] ٧/ ٢٠٨٠ - (وعَنْ جابِرٍ قال: أَمَرَنَا رسُولُ الله ﷺ أَنْ نشْتَرِكَ في الإبلِ والبَقَرِ كُلُّ سَبْعَةٍ منَّا في بَدَنَةٍ. مُتفقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] وفِي لفْظٍ: قالَ لَنا رسُولُ الله ﷺ : "اشْتَرِكُوا في الإبِلِ والبَقَرِ كُلُّ سَبْعةٍ في بَدَنَةٍ". رَوَاهُ البُرْقانِي على شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ.

стр. 4458

وفي روايَةٍ قال: اشْترَكْنَا معَ النَّبيِّ ﷺ في الحَجِ والعُمْرَةِ كُلُّ سَبْعَةٍ منَّا في بَدَنَةٍ، فقال رَجُلٌ لجَابِرٍ: أَيَشتَرِكُ في البَقَرِ ما يَشْتَرِكُ في الجَزُورِ؟ فقالَ: ما هي إلَّا مِنَ البُدْنِ. رواهُ مُسْلمٌ) (١). [صحيح] ٨/ ٢٠٨١ - (وعَنْ حُذَيفَةَ قال: شَرَّكَ رسُولُ الله ﷺ في حَجّتِهِ بيْنَ المُسْلِمِينَ في البَقَرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ. رَواهُ أحمدُ) (٢). [صحيح لغيره] ٩/ ٢٠٨٢ - (وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: كُنَّا مع النبيِّ ﷺ في سفَرٍ فحَضِرَ الأضْحَى فَذَبَحْنا البَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ والبعِيرَ عَنْ عَشَرَةٍ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلا أَبَا دَاوُدَ) (٣). [صحيح] حديث ابن عباس الأول سياق إسناده في سنن ابن ماجه (٤) هكذا: "حدثنا محمد بن معمر، حدثنا محمد بن بكر البرساني قال: أخبرنا ابن جريج قال: قال عطاء الخراساني عن ابن عباس"، فذكره. ورجاله رجال الصحيح ولكن عطاء لم يسمع من ابن عباس (٥). ويشهد لصحته ما في صحيح مسلم (٦) من حديث جابر "قال: نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة". وهو يشهد أيضًا لحديث حذيفة المذكور، وقد أورده الحافظ في التلخيص (٧) وسكت عنه، وقال في مجمع الزوائد (٨): رواه أحمد ورجاله ثقات.

стр. 4459

وحديث ابن عباس الثاني حسَّنه الترمذي (١). ويشهد له ما في الصحيحين (٢) من حديث رافع بن خديج أنه ﷺ قسم فعدل عشرا من الغنم ببعير. قوله: (سبع شياه)، وكذا قوله: "كل سبعة منا في بدنة". استدل به من قال: عدل البدنة سبع شياه، وهو قول الجمهور (٣)، وادعى الطحاوي وابن رشد (٤) أنه إجماع. ويجاب عنهما بأن الخلاف في ذلك مشهور، حكاه الترمذي في سننه (٥) عن إسحاق بن راهويه. وكذا في الفتح وقال: هو إحدى الروايتين عن سعيد بن المسيب وإليه ذهب ابن خزيمة واحتج له في صحيحه (٦) وقواه. واحتج له ابن حزم (٧) بحديث رافع المتقدم (٢)، وحكاه في البحر (٨) عن العترة وزفر. واحتجوا بحديث ابن عباس الثاني المذكور في الباب. ويجاب عنه بأنه خارج عن محل النزاع لأنَّه في الأضحية. فإن قالوا: يقاس الهدي عليها.

стр. 4460

قلنا: هو قياس فاسد الاعتبار لمصادمته النصوص. واحتجوا أيضًا بحديث رافع (١)، ويجاب عنه أيضًا بمثل هذا الجواب؛ لأن ذلك التعديل كان في القسمة وهي غير محل النزاع، ويؤيد كون البدنة عن سبعة فقط أمره ﷺ لمن لم يجد البدنة أن يشتري سبعًا فقط، ولو كانت تعدل عشرًا لأمره بإخراج عشر لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. وظاهر أحاديث الباب جواز الاشتراك في الهدي وهو قول الجمهور من غير فرق بين أن يكون المشتركون مفترضين أو متطوعين، أو بعضهم مفترضًا وبعضهم متنفلًا أو مريدًا للحم. وقال أبو حنيفة (٢): يشترط في الاشتراك أن يكونوا كلهم متقربين، ومثله عن زفر (٣) بزيادة أن تكون أسبابهم واحدة. وعن الهادوية (٤) بشرط أن يكونوا مفترضين، وعن داود وبعض المالكية (٥): يجوز في هدي التطوّع دون الواجب. وعن مالك (٦) لا يجوز مطلقًا. وروي عن ابن عمر نحو ذلك، ولكنه روى عنه أحمد ما يدل على الرجوع.

стр. 4461

قوله: (ما هي إلا من البدن) يعني البقرة. فيه دليل على أنه يطلق على البقر أنها من البدن. وفي النهاية (١): البدنة تقع على الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه. وفي القاموس (٢): والبدنة محركة من الإبل والبقر. وفي الفتح (٣): إن أصل البدن من الإبل وألحقت بها البقر شرعًا. وحكى في البحر (٤) عن الهادي والشافعي والمؤيد بالله أن البدنة تختص بالإبل. وعن أبي حنيفة وأصحابه والناصر أنها تطلق على البقر، وعن بعض أصحاب الشافعي أنها تطلق على الشاة. قال (٥): ولا وجه له، وحكي فيه أيضًا أن البقرة عن سبعة والشاة عن واحد إجماعا. قوله: (والبعير عن عشرة) فيه دليل على أن البدنة تجزئ في الأضحية عن عشرة. وسيأتي الكلام على ذلك. [الباب الرابع] باب ركوب الهدي ١٠/ ٢٠٨٣ - (عَنْ أَنَسٍ قالَ: رأى رسُولُ الله ﷺ رَجُلًا يَسوقُ البَدَنَةَ فقالَ: "ارْكَبْها"، فقالَ: إنها بَدَنَةٌ، قالَ: "ارْكَبْها"، قالَ: إنَّها بَدَنَةٌ، قال: "ارْكَبْها، ثلاثًا. متَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٦). [صحيح] وَلَهمْ (٧) مِنْ حَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ). [صحيح]

стр. 4462

١١/ ٢٠٨٤ - (وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النبيَّ ﷺ رَأى رَجُلًا يَسوقُ بَدَنَةً قَدْ أجْهَدَهُ المَشيُ، فقال: "اركَبْهَا"، قالَ: إنَّها بَدَنَةٌ، قالَ: "اركَبْها وإنْ كانتْ بَدَنَةً". رَوَاهُ أحمَدُ (١) والنَّسائيُّ) (٢). [صحيح] ١٢/ ٢٠٨٥ - (وعَنْ جابِرِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الهَدْي فقالَ: سَمِعتُ رَسولَ الله ﷺ يقولُ: "ارْكبْها بِالمَعْرُوفِ إذا أُلجئْتَ إليها، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا". رَوَاهُ أحمَدُ (٣) ومسلم (٤) وأبو دَاوُدَ (٥) والنَّسائي) (٦). [صحيح] ١٣/ ٢٠٨٦ - (وعَنْ عليٍّ أَنَّهُ سُئِلَ: يَرْكَبُ الرَّجُلُ هَدْيَهُ فقَالَ: لا بَأْسَ بِهِ قَدْ كان النَّبيُّ ﷺ يَمُرّ بالرِّجالِ يَمْشونَ فَيَأمُرُهُمْ بِرِكوبِ هَدْيِهِ، قالَ: لَا تَتَّبِعُونَ شَيْئًا أفضَلَ مِنْ سُنَّةِ نَبِيّكُمْ ﷺ ، رواهُ أحمَدُ) (٧). [حسن لغيره] حديث أنس الثاني أخرجه أيضًا الجوزقي من طريق حميد عن ثابت عن أنس، وأبو يعلى (٨) من طريق الحسن عن أنس وزاد: "حافيًا"، وهو عند

стр. 4463

النَّسَائِي (١) من طريق [شعبة] (٢) عن قتادة عن أنس، وضعَّف هذه الطرق الحافظ في الفتح (٣). وحديث علي، قال في الفتح (٤) أيضًا: إسناده صالح، وقال في "مجمع الزوائد" (٥): في إسناده محمد بن عبيد الله بن أبي رافع وثقه ابن حبان (٦) وضعفه جماعة (٧). وحديث أبي هريرة (٨) الذي أشار إليه المصنف لفظه لفظ حديث أنس، ولكنه زاد في آخره: "اركبها ويلك". قوله: (رأى رجلًا). قال الحافظ (٩): لم أقف على اسمه بعد طول البحث. قوله: (يسوق بدنة) في رواية لمسلم (١٠): مقلدة، وكذا في رواية للبخاري. وله (١١) أيضًا من طريق أبي هريرة: "فلقد رأيته راكبها يساير النبي ﷺ والنعل في عنقها". قوله: (أنها بدنة) أراد أنها بدنة مهداة إلى البيت الحرام ولو كان مراده الإخبار عن كونها بدنة لم يكن الجواب مفيدًا لأن كونها من الإبل معلوم، فالظاهر أن الرجل ظن أنه خفي على النبي ﷺ كونها هديًا فقال: إنها بدنة. قال في الفتح (١٢): والحق أنه لم يخف ذلك على النبي ﷺ لكونها كانت مقلدة. ولهذا قال لما زاد في مراجعته: ويلك.

стр. 4464

وأحاديث الباب تدل على جواز ركوب الهدي من غير فرق بين ما كان منه واجبًا أو تطوّعًا لتركه ﷺ للاستفصال، وبه قال عروة بن الزبير، ونسبه ابن المنذر إلى أحمد وإسحاق، وبه قال أهل الظاهر، وجزم به النووي (١) وجماعة من أصحاب الشافعي كالقفال والماوردي (٢). وحكى ابن عبد البر (٣) عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء كراهة ركوبه لغير حاجة. وحكاه الترمذي (٤) أيضًا عن أحمد وإسحاق [والشافعي] (٥)، وقيد الجواز بعض الحنفية (٦) بالاضطرار، ونقله ابن أبي شيبة عن الشعبي. وحكى ابن المنذر عن الشافعي (٧) أنه يركب إذا اضطر ركوبًا غير فادح. وحكى ابن العربي (٨) عن مالك أنه يركب للضرورة فإذا استراح نزل يعني إذا انتهت ضرورته. والدليل على اعتبار الضرورة ما في حديث جابر (٩) المذكور في الباب من قوله ﷺ : "اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها".

стр. 4465

ونقل ابن العربي (١) عن أبي حنيفة أنه لا يجوز ركوب الهدي مطلقًا. وكذا نقله المهدي في البحر (٢) عنه ولكن نقل عنه الطحاوي (٣) الجواز مع الحاجة ويضمن ما نقص منها بالركوب، والطحاوي أقعد بمعرفة مذهب إمامه، وقد وافق أبا حنيفة الشافعي على ضمان النقص في الهدي الواجب. ونقل ابن عبد البر (٤) عن بعض أهل الظاهر وجوب الركوب تمسكًا بظاهر الأمر ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة والسائبة. ورده بأن الذين ساقوا الهدي في عهد النبي ﷺ كانوا كثيرًا ولم يأمر أحدًا منهم بذلك، انتهى. وتعقبه الحافظ (٥) بحديث علي (٦). المذكور في الباب قال: وله شاهد مرسل عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح، رواه أبو داود في المراسيل (٧) عن عطاء قال: "كان النبي ﷺ يأمر بالهدية إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها أو يركبها غير منهكها". واختلف من أجاز الركوب هل يجوز أن يحمل عليها متاعه؟ فمنعه مالك (٨) وأجازه الجمهور (٩)، وهل يحمل عليها غيره؟ أجازه الجمهور أيضًا على التفصيل المتقدم، ونقل عياض (١٠) الإجماع على أنه لا يؤجرها. واختلفوا أيضًا في اللبن إذا احتلب منه شيئًا، فعند العترة (١١) والشافعية (١٢) والحنفية (١٣) يتصدق به، فإن أكله تصدق بثمنه.

стр. 4466

وقال مالك (١): لا يشرب من لبنه، فإن شرب لم يغرم. [الباب الخامس] باب الهدي يعطب قبل المحل ١٤/ ٢٠٨٧ - (عَنْ أَبي قَبيصَةَ ذُؤيْبِ بْنِ حَلْحَلَةَ قالَ: كانَ النبيُّ ﷺ يَبْعَثُ مَعَهُ بالْبُدْنِ ثمّ يقُولُ: "إنْ عَطِب مِنْها شَيءٌ فَخَشِيتَ علَيْهَا مَوْتًا فانْحَرْها ثمَّ اغمِسْ نَعْلَها في دَمها ثمّ اضْرِبْ بهِ صَفْحَتَها، وَلَا تَطْعَمْها أَنْتَ، وَلَا أحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفقَتِكَ". رَوَاهُ أحمَدُ (٢) ومُسْلِمٌ (٣) وابْنُ ماجه) (٤). [صحيح] ١٥/ ٢٠٨٨ - (وعَنْ ناجِيَةَ الْخُزَاعِيِّ وكانَ صاحِبَ بُدْنِ رسُولِ الله ﷺ قالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أصْنَعُ بِما عَطِبَ مِنَ البُدْنِ؟ قالَ: "انْحَرْهُ واغمِسْ نَعْلَهُ في دَمِهِ واضْرِب صَفْحتَهُ وَخَلِّ بيْنَ النَّاس وبَيْنَهُ فَلْيأكُلُوهُ". رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيّ) (٥). [صحيح] ١٦/ ٢٠٨٩ - (وعَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوةَ عَنْ أبِيهِ أَنَّ صاحِبَ هَدْي رسُولِ الله ﷺ قالَ: يا رَسُولَ الله كَيْفَ أَصنَعُ بِما عَطِبَ مِنَ الهَدْيِ؟ فقالَ: "كُلُّ بَدَنَةٍ عَطِبَتْ مِنَ الْهَدْي فانْحَرْها ثمَّ ألقِ قَلَائِدَها في دَمِهَا ثمّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَها يأكُلُوها". رواهُ مالِكٌ في المُوطإ عنْهُ) (٦). [صحيح]

стр. 4467

حديث ناجية قال الترمذي (١): "حسن صحيح". قال (٢): والعمل على هذا عند أهل العلم. في هدي التطوّع إذا عطب لا يأكل هو ولا أحد من أهل رفقته ويخلى بينه وبين الناس يأكلونه، وقد أجزأ عنه، وهو قول الشافعي (٣) وأحمد (٤) وإسحاق (٥) وقالوا: إن أكل منه شيئًا غرم بقدر ما أكل منه" اهـ. قوله: (ثم اغمس نعلها إلخ)، إنما يفعل ذلك لأجل يعلم من مرّ به أنَّهُ هدى فيأكله. قوله: (من أهل رفقتك)، قال النووي (٦): وفي المراد بالرفقة وجهان لأصحابنا. (أحدهما): أنهم الذين يخالطون المهدي في الأكل وغيره دون باقي القافلة. (والثاني): وهو الأصح الذي يقتضيه ظاهر نص الشافعي وجمهور أصحابه أن المراد بالرفقة جميع القافلة؛ لأن السبب الذي منعت به الرفقة هو خوف تعطيبهم إياه وهذا موجود في جميع القافلة. فإن قيلَ: إذا لم تجوّزوا لأهل القافلة أكله وقلتم بتركه في البرية كان طعمة للسباع وهذا إضاعة مال. قلنا: ليس فيه إضاعة بل العادة الغالبة أن سكان البوادي يتتبعون منازل الحجيج لالتقاط ساقطة ونحو ذلك. وقد تأتي قافلة في إثر قافلة، والرفقة بضم الراء وكسرها لغتان مشهورتان. قوله: (وخل بين الناس وبينه)، هذا مقيد بمن عدا المالك والرفقة كما في الحديث الأول. قوله: (إن صاحب هدي رسول الله ﷺ ) هو ناجية الخزاعي المذكور سابقًا.

стр. 4468

وظاهر أحاديث الباب أن الهدي إذا عطب جاز نحره والتخلية بينه وبين الناس يأكلونه غير الرفقة قطعًا للذريعة، وهي أن يتوصل بعضهم إلى نحره قبل أوانه. والظاهر عدم الفرق بين هدي التطوع والفرض، وخصصه من تقدم بهدي التطوع، ولعل الوجه في ذلك أن الهدي الذي هو السبب هو هدي النبي ﷺ الذي بعث به وهو هدي تطوع. قال النووي (١): ولا يجوز للأغنياء الأكل منه مطلقًا؛ لأن الهدي مستحق للمساكين فلا يجوز لغيرهم اهـ. وقد اختلفت الروايات في مقدار البدن التي بعث بها رسول الله ﷺ ، ففي رواية من حديث ابن عباس عند مسلم (٢) أنها ست عشرة بدنة. وفي رواية أخرى (٣) أنها ثماني عشرة. ويمكن الجمع بتعدد القصة أو يصار إلى ترجيح الرواية المشتملة على الزيادة إن كانت القصة واحدة. [الباب السادس] باب الأكل من دم التمتع والقران والتطوع ١٧/ ٢٠٩٠ - (في [صِفةِ حدِيثِ] (٤) جابر: حجَّ النبيُّ ﷺ قالَ: ثمَّ انْصرَفَ إلى المَنْحر فنحر ثلاثًا وَستِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثمَّ أعْطَى عَليًّا فَنَحَرَ ما غَبَرَ وأشْرَكَهُ في هَدْيهِ، ثمّ أمر مِنْ كُلّ بدَنةٍ بِبضْعةٍ فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فطُبِخَتْ، فأكَلا مِنْ لحمِها وَشربَا مِنْ مَرَقِها. رَواهُ أحمَدُ (٥) ومُسْلمٌ) (٦). [صحيح]

стр. 4469

١٨/ ٢٠٩١ - (وعَنْ جابِرٍ أَنَّ النبيَّ ﷺ حَجَّ ثَلاثَ حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ، وَحجَّةً بعْدَ ما هاجَرَ وَمَعَها عُمْرَةٌ، فَساقَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ بَدَنَةً، وجاءَ عَليٌّ مِنَ اليمَنِ بِبَقِيَّتِها فِيها جَمَلٌ لأبي لَهَبٍ في أنْفِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ فَنَحَرَها، وأَمَرَ رسُولُ الله ﷺ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فطُبِختْ وَشَرِبَ مِنْ مَرَقِها. رَوَاهُ التَّرمِذِيُّ (١) وابْنُ ماجَهْ (٢)، وقالَ: فِيهِ جَمَلٌ لأبي جَهْلٍ). [صحيح] ١٩/ ٢٠٩٢ - (وعَنْ عائِشةَ ﵂ قالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ لخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ وَلَا نُرَى إلا الحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنا مِنْ مكَّةَ أمَرَ رَسُولُ الله ﷺ مَنْ لَمْ يكُنْ معَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ وسَعَى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ أنْ يَحلَّ، قالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْنا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: ما هذَا؟ فقيلَ: نَحَرَ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ أزْواجِهِ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] وَهْوَ دَلِيلٌ على الأكْلِ مِنْ دَمِ الْقِرَانِ لأنَّ عائِشَةَ كانَتْ قارِنَةً). حديث جابر الثاني رواه الترمذي (٤) من طريق عبد الله بن أبي زياد الكوفي عن زيد بن [حبان] (٥) عن سفيان عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر. وقال: هذا حديث غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد بن [حبان] (٥). ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن روى هذا الحديث في كتبه عن عبد الله بن [أبي] (٦) زياد.

стр. 4470

قال: وسألت محمدًا عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبي ﷺ ، ورأيته لا يعد هذا الحديث محفوظًا. وقال: إنما يروى عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد [مرسلًا] (١). ثم قال (٢): حدثنا إسحاق بن منصُور، حدثنا حبانُ بن هلالٍ، حدثنا همامٌ، حدثنا قتادةُ قال: "قلتُ لأنسٍ: كم حجَّ النبي ﷺ ؟ قالَ: حَجة واحِدَةٌ واعتمرَ أربع عُمَرَ". ثم قال: هذا حديث حسن صحيح، وحبَّانُ بن هلال، هو أبو حبيب البصري، وثقه يحيى بن سعيد القطان. قوله: (فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده) في مسند أحمد (٣) وسنن أبي داود (٤): "أنه ﷺ نحر ثلاثين بيده وأمر عليًا فنحر سائرها"، وقد قدمنا الترجيح بين الروايتين. قوله: (وأشركه) ظاهره أنه أشركه في نفس الهدي. قال القاضي عياض (٥): وعندي أنه لم يكن شريكًا حقيقة بل أعطاه قدرًا يذبحه. قال (٦): والظاهر أن النبي ﷺ نحر البدن التي جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثًا وستين كما جاء في رواية الترمذي (٧) وأعطى عليا البدن التي جاءت معه من اليمن وهي تمام المائة. قوله: (ببضعة) بفتح الباء لا غير، وهي القطعة من اللحم (٨).

стр. 4471

قوله: (بُرَة) (١) بضم الباء وفتح الراء مخففة وهي حلقة تجعل في أنف البعير. قوله: (ولا نرى إلا الحج) بضم النون أي نظن. قوله: (بلحم بقر). قد استدل بهذه الأحاديث على أنه يجوز الأكل للمهدي من الهدي الذي يسوقه. قال النووي (٢): وأجمع العلماء على أن الأكل من هدي التطوع [وأضحيته] (٣) سنة، انتهى. والظاهر أنه يجوز الأكل من الهدي من غير فرق بين ما كان منه تطوعًا وما كان فرضا لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (٤) ولم يُفَصِّل. والتمسك بالقياس على الزكاة في عدم جواز الأكل من الهدي الواجب لا ينتهض لتخصيص هذا العموم لأن شرع الزكاة لمواساة الفقراء فَصَرْفُها إلى المالك إخراج لها عن موضوعها، وليس شرع الدماء كذلك؛ لأنها إما لجبر نقص أو لمجرد التبرع فلا قياس مع الفارق فلا تخصيص. قوله: (لأن عائشة [كانت] (٥) قارنة)، قد اختلف فيما أحرمت به عائشة أولًا؛ فقيل: إنها عمرة مفردة لما ثبت عنها في الصحيح (٦) أنها قالت: "فكنت ممن أهلَّ بعمرة". وقيل: إنها أحرمت بالحج أولًا وكانت مفردة لما ثبت عنها في الصحيح (٧) "خرجنا مع رسول الله ﷺ نرى إلا أنه الحج".

стр. 4472

وثبت عنها في حديث آخر (١): "لبينا مع رسول الله ﷺ بالحج". وقد أطال ابن القيم (٢) الكلام على هذا وبيَّن الراجح من القولين. ودليل من قال: إنها كانت قارنة الحديث المتقدم (٣) "أن النبي ﷺ قال لها: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك". وإلى هذا ذهب الجمهور والكوفيون إلى أنها كانت غير قارنة لما ثبت في الصحيحين (٤). "أن النبي ﷺ قال لها: وأهلِّي بالحج ودعي العمرة". وأجاب الجمهور بأنها لم ترفض العمرة لما في صحيح مسلم (٥) عن جابر "أن النبي ﷺ قال لها بعد أن أمرها أن تهل بالحج ففعلت ووقفت المواقف كلّها حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة". وكذلك قوله: "يسعك طوافك لحجك وعمرتك"، وقد قدمنا تأويل قوله: دعي العمرة". وقد استدل بقول عائشة (٦) المذكور: "نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه"، أن البقرة تجزئ عن أكثر من سبعة. وقد ثبت في رواية "أن النبي ﷺ نحر عن أزواجه بقرة"، أخرجها النَّسَائِي (٧) وأبو داود (٨) وغيرهما (٩)، وكذا في صحيح مسلم (١٠). والظاهر أنه لم يتخلف أحد من زوجاته يومئذٍ وهن تسع، ولكن لا يخفى

стр. 4473

أن مجرد هذا الظاهر [لا تُعارَض] (١) به الأحاديث الصريحة الصحيحة السالفة المجمع على مدلولها. [الباب السابع] باب أن من بعث بهدي لم يحرم عليه شيء بذلك ٢٠/ ٢٠٩٣ - (عَنْ عائِشةَ قالتْ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُهْدِي مِنَ المَدِينةِ فأفْتِلُ قَلائِدَ هَدْيهِ ثمَّ لَا يَجْتنِبُ شَيئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ المُحْرِمُ. رَواهُ الجَماعَةُ (٢). [صحيح] وفي رِوايَةِ أنَّ زِيادَ بن أبي سُفْيانَ كَتَبَ إلى عائشةَ أَنَّ عبدَ الله بْنَ عبَّاسٍ قالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَليهِ ما يَحْرُمُ على الحَاجّ حَتى يَنحَرَ هَدْيهُ، فقالتْ عائشةُ: لَيْسَ كما قالَ ابْنُ عبَّاسٍ: أنا فَتَلْتُ قَلائدَ هَدْي رسُولِ الله ﷺ بِيَدِي ثمَّ قَلَّدها بِيَدِهِ ثمَّ بَحَثَ بِها مَعَ أبي، فلَمْ يَحْرُمْ على رسُولِ الله ﷺ شَيءٌ أحلَّهُ الله لهُ حتى نَحَرَ الْهَدْي. أخْرجَاهُ) (٣). [صحيح] قوله: (أن زياد بن أبي سفيان) (٤)، وقع التحديث بهذا في زمن بني أمية،

стр. 4474

وأما بعده فما كان يقال له إلا زياد ابن أبيه. وقبل استلحاق معاوية له كان يقال له: زياد بن عبيد وكانت أمه سمية مولاة الحارث بن كلدة الثقفي وهي تحت عبيد المذكور فولدت زيادًا على فراشه فكان ينسب إليه، فلما كان في أيام معاوية شهد جماعة على إقرار أبي سفيان بأن زيادًا وَلده فاستلحقه معاوية بذلك وخالف الحديث الصحيح: "أن الولد للفراش وللعاهر الحجر" (١)، وذلك لغرض دنيوي. وقد أنكر هذه الواقعة على معاوية من أنكرها حتى قيلت فيها الأشعار، منها قول القائل (٢): ألا أَبلغْ معاويةَ بنَ حرب … مُغَلغَلةً من الرجُل اليماني أتغضبُ أن يقال أبوك عَفٌّ … وتَرْضى أن يُقال أبُوك زاني وقد أجمع أهل العلم على تحريم نسبته إلى أبي سفيان، وما وقع من أهل العلم في زمان بني أمية فإنما هو تقية. وذكر أهل الأمهات نسبته إلى أبي سفيان في كتبهم مع كونهم لم يُؤلفوها إلا بعد انقراض عصر بني أمية محافظة منهم على الألفاظ التي وقعت من الرواة في ذلك الزمان كما هو دأبهم. وقد وقع في صحيح مسلم (٣) ابن زياد مكان زياد، وهو وهم نبه عليه الغساني ومن تبعه، والصواب زياد. وكذا قال النووي (٤): وجميع من تكلم على صحيح مسلم. قوله: (بيدي) فيه دفع التجوز بأن يظن أن الفتل وقع بإذنها لو قالت فتلت فقط.
следующие страницы →