← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4645–4684 · переход к 4650.

стр. 4645

وأخرجه البيهقي (١) بإسناد ضعيف عن الزهري مرسلًا. والأحاديث المذكورة في الباب فيها دليل على تحريم التفريق بين الوالدة والولد، وبين الأخوين. أما بين الوالدة وولدها فقد حكى في البحر (٢) عن الإمام يحيى أنه إجماع حتى يستغني الولد بنفسه. وقد اختلف في انعقاد البيع، فذهب الشافعي (٣) إلى أنه لا ينعقد. وقال أبو حنيفة (٤)، وهو قول للشافعي (٥): إنه ينعقد. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنه لا يحرم التفريق بين الأب والابن. وأجاب عليه صاحب البحر (٦) بأنه مقيس على الأمّ، ولا يخفى أن حديث أبي موسى (٧) المذكور في الباب يشمل الأب، فالتعويل عليه إن صحّ أولى من التعويل على القياس. وأما بقية القرابة فذهبت الهادوية (٨) والحنفية (٩) إلى أنه يحرم التفريق بينهم قياسًا. وقال الإمام يحيى (٨) والشافعي (١٠): لا يحرم.

стр. 4646

والذي يدلّ عليه النصّ هو تحريم التفريق بين الإخوة، وأما بين من عداهم من الأرحام فإلحاقه بالقياس فيه نظر، لأنه لا تحصل منهم بالمفارقة مشقة كما تحصل بالمفارقة بين الوالد والولد وبين الأخ وأخيه، فلا إلحاق لوجود الفارق، فينبغي الوقوف على ما تناوله النص. وظاهر الأحاديث أنه يحرم التفريق سواء كان بالبيع أو بغيره مما فيه مشقة تساوي مشقة التفريق بالبيع إلا التفريق الذي لا اختيار فيه للمفرق كالقسمة، والظاهر أيضًا أنه لا يجوز التفريق بين من ذكر لا قبل البلوغ ولا بعده (١)،، وسيأتي بيان ما استدلّ به على جوازه بعد البلوغ. ٤٣/ ٢٢٠٠ - (وعَنْ سَلَمَة بْنِ الأكْوَعِ قالَ: خَرَجْنا مَعَ أبي بَكْرٍ أمَّرَهُ عَلَيْنا رسُولُ الله ﷺ فغَزوْنا فَزارَةَ، فلمَّا دَنَوْنَا مِنَ الْمَاءِ أَمَرَنا أبو بَكْرٍ فَعَرَّسْنا، فلمَّا صَلَّيْنا الصُّبْحَ أمَرَنا أبو بكْرٍ فشَنَنَّا الغارَةَ فَقَتَلْنا على المَاءِ مَنْ قتَلْنا، ثمَّ نَظَرْتُ إلى عنُقٍ مِنَ النَّاسِ فِيهِ الذُّرِّيَّةُ والنِّساءُ نَحْوَ الْجَبَلِ وأنَا أَعْدُو في أثَرِهِمْ، فَخَشَيتُ أنْ

стр. 4647

يَسْبِقُوني إلى الجَبَلِ فَرَمَيْتُ بَسهْمٍ فَوَقَعَ بَيْنَهُم وبَيْنَ الجَبلِ، قالَ: فجَئتُ بهِمْ أسُوقُهُمْ إلى أبي بكْرٍ وَفيهِمْ امْرَأَةٌ مِنْ فَزارَةَ عَلَيْها قَشَعٌ مِنْ أَدَمٍ ومَعَهَا ابْنةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ العَرَبِ وأَجمَلِهِ، فَنَفلَني أبُو بَكْرٍ ابنتَهَا، فَلَمْ أكْشِفْ لَهَا ثَوْبًا حتى قَدِمتُ المَدِينَةَ ثمَّ بِتُّ فلمْ أكْشِفْ لَهَا ثَوْبًا، فلَقيَني النبيُّ ﷺ في السُّوق، فقالَ: "يا سَلمةُ هَبْ لِي المَرْأةَ؟ "، فقُلتُ: يا رسُولَ الله لقَدْ أعجَبْتَنِي وما كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، فَسكَتَ وتَرَكَنِي حتى إذَا كانَ مِنَ الْغَدِ لَقِيَني في السُّوقِ، فقالَ: "يَا سلمةُ هَب لِي المَرْأةَ لله أَبُوكَ؟ "، فَقُلْتُ: هِيَ لَكَ يا رسُولَ الله، قالَ: فَبَعَثَ بِها إلى أهْلِ مَكَّةَ وفي أيْدِيهِمْ أَسَارَى مِنَ الْمسْلِمِينَ فَفَدَاهُمْ بِتلْكَ الْمَرْأَةِ. رَوَاهُ أحمدُ (١) ومُسلِمٌ (٢) وأَبُو دَاودَ) (٣). [صحيح] قوله: (فعرسنا)، التعريس (٤): النزول آخر الليل للاستراحة. قوله: (شننا الغارة) شن الغارة: هو إتيان العدو من جهات متفرقة. قال في القاموس (٥): شنّ الغارة عليهم: صبها من كل وجه كأشنها. قوله: (عنق) أي جماعة من الناس. قال في القاموس (٦): العنق بالضم وبضمتين وكأمير وصرد: الجيد ويؤنث، الجمع أعناق، والجماعة من الناس والرؤساء. قوله: (قشع من أدم)، أي: نطع، قال في القاموس (٧): القشع بالفتح: الفرو الخلق، ثم قال: ويثلث والنطع أو قطعة من نطع. قوله: (فلم أكشف لها ثوبًا) كناية عن عدم الجماع. وقد استدل بهذا الحديث على جواز التفريق. وبوّب عليه أبو داود (٨) بذلك، لأن الظاهر أن البنت قد كانت بلغت.

стр. 4648

قال المصنف (١) ﵀: هو حجة في جواز التفريق بعد البلوغ، وجواز تقديم القبول بصيغة الطلب على الإيجاب في الهبة ونحوها. وفيه أن ما ملكه المسلمون من الرقيق يجوز ردّه إلى الكفار في الفداء، اهـ. وقد حكى في الغيث (٢) الإجماع على جواز التفريق بعد البلوغ، فإن صح فهو المستند لا هذا الحديث، لأن كون بلوغها هو الظاهر غير مسلم إلا أن يقال: [إنه] (٣) حمل الحديث على ذلك للجمع بين الأدلة. وقد روي عن المنصور بالله والناصر في أحد قوليه أن حدّ تحريم التفريق إلى سبع. وقد استدل على جواز التفريق بين البالغين بما أخرجه الدارقطني (٤) والحاكم (٥) من حديث عبادة بن الصامت بلفظ: "لا تفرّق بين الأم وولدها، قيل: إلى متى؟ قال: حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية"، وهذا نص على المطلوب صريح لولا أن في إسناده عبد الله بن عمرو [الواقعي] (٦) وهو ضعيف، وقد رماه علي بن المديني بالكذب (٧)، ولم يروه عن سعيد بن عبد العزيز غيره. وقد استشهد له الدارقطني بحديث سلمة المذكور، ولا شكّ أن مجموع ما ذكر من الإجماع وحديث سلمة وهذا الحديث منتهض للاستدلال به على التفرقة بين الكبير والصغير (٨).

стр. 4649

[الباب الخامس عشر] باب النهي أن يبيع حاضر لباد ٤٤/ ٢٢٠١ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ أنْ يبيعَ حاضرٌ لِبَادٍ. رواهُ البُخاريُّ (١) والنَّسائيُّ) (٢). [صحيح] ٤٥/ ٢٢٠٢ - (وعَنْ جابرٍ أن النبي ﷺ قالَ: "لَا يَبيعُ حاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُق اللهُ بَعْضَهُم مِنْ بَعْضٍ". رَواهُ الجَماعَةُ إلَّا الْبخاريَّ) (٣). [صحيح] ٤٦/ ٢٢٠٣ - (وعَنْ أنَسٍ قالَ: نُهِينا أنْ يَبيعَ حاضِرٌ لِبَادٍ وإنْ كانَ أخَاهُ لأبيهِ وأمِّهِ. متَّفقٌ عَلَيْهِ (٤). ولأبي دَاوُدَ (٥) والنَّسائيَّ (٦) أنَّ النبيَّ ﷺ نَهى أن يَبيعَ حاضِرٌ لِبَادٍ وإنْ كان أبَاهُ أوْ أخاهُ). [صحيح] ٤٧/ ٢٢٠٤ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَلَقُّوا الرُّكْبَانَ وَلَا يَبعْ حاضِرٌ لِبَادٍ"، فَقيلَ لابْنِ عبَّاسٍ: ما قَوْلهُ: لا يَبعْ حاضِرٌ لِبَادٍ؟ لَا يَكُونُ لهُ سِمْسارًا. رَواهُ الجَماعَةُ إلَّا الترْمذِيَّ) (٧). [صحيح]

стр. 4650

قوله: (حاضر لباد) الحاضر: ساكن الحضر، والبادي: ساكن البادية. قال في القاموس (١): الحضر، والحاضرة والحضارة وتفتح خلاف البادية، والحضارة: الإقامة في الحضر، ثم قال: والحاضر خلاف البادي. وقال البَدْوَ: والبادية والبادات والبداوة خلاف الحضر، وتَبَدَّى: أقام بها، وتبادى: تشبه بأهلها، والنسبة بداوي وبدوي وبدا القوم: خرجوا إلى البادية (٢)، انتهى. قوله: (دعوا الناس … ) إلخ، في مسند أحمد (٣) من طريق عطاء بن السائب عن حكيم بن أبي يزيد عن أبيه، حدثني أبي قال: قال رسول الله ﷺ : "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض، فإذا استنصح الرجل [الرجُلَ] (٤) فلينصح له". ورواه البيهقي (٥) من حديث جابر مثله. قوله: (لا تلقوا الركبان) سيأتي الكلام عليه. قوله: (سمسارًا) (٦) بسينين مهملتين. قال في الفتح (٧): وهو في الأصل القيم بالأمر والحافظ، ثم استعمل في متولي البيع والشراء لغيره.

стр. 4651

وأحاديث الباب تدل على أنه لا يجوز للحاضر أن يبيع للبادي من غير فرق بين أن يكون البادي قريبًا له أو أجنبيًا، وسواء كان في زمن الغلاء أو لا، وسواء كان يحتاج إليه أهل البلد أم لا، وسواء باعه له على التدريج أم دفعة واحدة. وقالت الحنفية (١): إنه يختص المنع من ذلك بزمن الغلاء وبما يحتاج إليه أهل المصر. وقالت الشافعية (٢) والحنابلة (٣): إن الممنوع إنما هو أن يجيء البلد بسلعة يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه الحاضر فيقول له: ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى من هذا السعر. قال في الفتح (٤): فجعلوا الحكم منوطًا بالبادي ومن شاركه في معناه، قالوا: وإنما ذكر البادي في الحديث لكونه الغالب، فألحق به من شاركه في عدم معرفة السعر من الحاضرين، وجعلت المالكية البداوة قيدًا. وعن مالك (٥): لا يلتحق بالبدويَ في ذلك إلا من كان يشبهه. فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان السلع والأسواق فليسوا داخلين في ذلك. وحكى ابن المنذر (٦) عن الجمهور أن النهي للتحريم إذا كان البائع عالمًا والمبتاع مما تعمّ الحاجة إليه ولم يعرضه البدوي على الحضري. ولا يخفى أن تخصيص العموم بمثل هذه الأمور من التخصيص بمجرّد الاستنباط (٧).

стр. 4652

وقد ذكر ابن دقيق العيد (١) فيه تفصيلًا حاصله أنه يجوز التخصيص به حيث يظهر المعنى، لا حيث يكون خفيًا، فاتباع اللفظ أولى، ولكنه لا يطمئن الخاطر إلى التخصيص به مطلقًا، فالبقاء على [ظواهر] (٢) النصوص هو الأولى، فيكون بيع الحاضر للبادي محرّمًا على العموم وسواء كان بأجرة أم لا؟ وروي عن البخاري (٣) أنه حمل النهي على البيع بأجرة لا بغير أجرة فإنه من باب النصيحة. وروي عن عطاء (٤) ومجاهد (٥) وأبي حنيفة (٦) أنه يجوز بيع الحاضر للبادي مطلقًا، وتمسكوا بأحاديث النصيحة، وروي مثل ذلك عن الهادي، وقالوا: إن أحاديث الباب منسوخة، واستظهروا على الجواز بالقياس على توكيل البادي للحاضر فإنه جائز. ويجاب عن تمسكهم بأحاديث النصيحة بأنها عامة مخصصة بأحاديث الباب. فإن قيل: إن أحاديث النصيحة وأحاديث الباب [بينها] (٧) عموم وخصوص من وجه، لأن بيع الحاضر للبادي قد يكون على غير وجه النصيحة، فيحتاج حينئذ إلى الترجيح من خارج كما هو شأن الترجيح بين العمومين المتعارضين، فيقال: المراد ببيع الحاضر للبادي الذي جعلناه أخص مطلقًا هو البيع الشرعي،

стр. 4653

بيع المسلم للمسلم الذي بينه الشارع للأمة، وليس بيع الغش والخداع داخلًا في مسمى هذا البيع الشرعي، كما أنه لا يدخل فيه بيع الربا وغيره مما لا يحل شرعًا، فلا يكون البيع باعتبار ما ليس بيعًا شرعيًا أعم من وجه حتى يحتاج إلى طلب مرجح بين العمومين، لأن ذلك ليس هو البيع الشرعي. ويجاب عن دعوى النسخ بأنها إنما تصح عند العلم بتأخر الناسخ ولم ينقل ذلك. وعن القياس بأنه فاسد الاعتبار لمصادمته النص، على أن أحاديث الباب أخص من الأدلة القاضية بجواز التوكيل مطلقًا، فيبنى العام على الخاص. واعلم أنه كما لا يجوز أن يبيع الحاضر للبادي، كذلك لا يجوز أن يشتري له، وبه قال ابن سيرين والنخعي. وعن مالك (١) روايتان، ويدل ذلك ما أخرجه أبو داود (٢) عن أنس بن مالك أنه قال: كان يقال: لا يبع حاضر لباد. وهي كلمة جامعة لا تبع له شيئًا ولا تبتاع له شيئًا. ولكن في إسناده أبو هلال محمد بن سليم الراسبي (٣)، وقد تكلم فيه غير واحد. وأخرج أبو عوانة في صحيحه (٤) عن ابن سيرين قال: لقيت أنس بن مالك فقلت: لا يبع حاضر لباد، أنهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال: نعم، قال محمد: صدق إنها كلمة جامعة، ويقوي ذلك العلة التي نبه عليها ﷺ بقوله: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض"، فإن ذلك يحصل بشراء من لا خبرة له بالأثمان كما يحصل ببيعه. وعلى فرض عدم ورود نص يقضي بأن الشراء حكمه حكم البيع، فقد تقرر أن لفظ البيع يطلق على الشراء وأنه مشترك بينهما، كما أن لفظ الشراء يطلق على

стр. 4654

البيع لكونه [مشتركًا] (١) بينهما، والخلاف في جواز استعمال المشترك في معنييه أو معانيه معروف في الأصول (٢). والحق الجواز إن لم يتناقضا. [الباب السادس عشر] باب النهي عن النجش ٤٨/ ٢٢٠٥ - (عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبيّ ﷺ نَهى أنْ يَبِيعَ حاضرٌ لِبَادٍ وأنْ يَتَناجَشَوْا) (٣). [صحيح] ٤٩/ ٢٢٠٦ - (وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَهى النبيُّ ﷺ النَّجْشِ. متَّفقٌ عَلَيْهِمَا) (٤). [صحيح] قوله: (النجش) بفتح النون وسكون الجيم بعدها معجمة. قال في الفتح (٥): وهو في اللغة (٦) تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد،

стр. 4655

يقال: نجشت الصيد أنجشه بالضم نجشًا. وفي الشرع (١): الزيادة في السلعة، ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش. وقد يختص به البائع كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به ليغرِ غيره بذلك. وقال ابن قتيبة (٢): النجش: الختل والخديعة. ومنه قيل للصائد: ناجش، لأنه يختل الصيد ويحتال له. قال الشافعي (٣): النجش: أن تحضر السلعة تباع فيعطي بها الشيء وهو لا يريد شراءها ليقتدي به السوَام فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون لو لم يسمعوا سومه. قال ابن بطال (٤): أجمع العلماء على أن الناجش عاصٍ بفعله. واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك. ونقل ابن المنذر (٥) عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع إذا وقع على ذلك، وهو قول أهل الظاهر (٦) ورواية عن مالك (٧)، وهو المشهور عند الحنابلة (٨) إذا كان بمواطأة البائع أو صنعته والمشهور عند المالكية (٩) في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية (١٠) قياسًا على المصراة. والأصح عندهم صحة البيع مع الإثم، وهو قول الحنفية (١١)

стр. 4656

والهادوية (١). وقد اتفق أكثر العلماء على تفسير النجش في الشرع بما تقدم. وقيد ابن عبد البر (٢) وابن حزم (٣) وابن العربي (٤) التحريم بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ثمن المثل، ووافقهم على ذلك بعض المتأخرين من الشافعية، وهو تقييد للنص بغير مقتض للتقييد. وقد ورد ما يدلّ على جواز لعن الناجش؛ فأخرج الطبراني (٥) عن ابن أبي أوفى مرفوعًا: "الناجش آكل ربا خائن ملعون"، وأخرجه ابن أبي شيبة (٦) وسعيد بن منصور موقوفًا مقتصرين على قوله: "آكل الربا خائن". [الباب السابع عشر] باب النهي عن تلقي الركبان ٥٠/ ٢٢٠٧ - (عَنِ ابْنِ مَسْعودٍ قال: نهى النبيُّ ﷺ عَنْ تَلَقِّي الْبُيُوعِ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ) (٧). [صحيح] ٥١/ ٢٢٠٨ - (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ أنْ يُتَلَقَّى الجَلَبُ، فإن تَلقَّاهُ إنسانٌ فابْتاعهُ فَصاحِبُ السِّلْعَةِ [فيها] (٨) بالْخِيارِ إِذَا وَردَ السُّوقَ. روَاهُ

стр. 4657

الجَمَاعَة إلَّا البُخاريَّ) (١). [صحيح] وَفِيهِ دَلِيلٌ على صِحَّةِ البَيْع). في الباب عن ابن عمر عند الشيخين (٢). وعن ابن عباس عندهما (٣) أيضًا. قوله: (نهى النبي ﷺ عن تلقي البيوع)، فيه دليل على أن التلقي محرم. وقد اختلف في هذا النهي هل يقتضي الفساد أم لا؟ فقيل: يقتضي الفساد، وقيل: لا، وهو الظاهر، لأن النهي ههنا لأمر خارج وهو لا يقتضيه كما تقرر في الأصول (٤). وقد قال بالفساد المرادف للبطلان بعض المالكية (٥) وبعض الحنابلة (٦)؛ وقال غيرهم بعدم الفساد لما سلف، ولقوله ﷺ : "فصاحب السلعة فيها بالخيار" (١)، فإنه يدلّ على انعقاد البيع، ولو كان فاسدًا لم ينعقد. وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر الحديث الجمهور، فقالوا: لا يجوز تلقى الركبان، واختلفوا هل هو محرّم أو مكروه فقط. وحكى ابن المنذر (٧) عن أبي حنيفة (٨) أنه أجاز التلقي، وتعقبه الحافظ (٩) بأن الذي في كتب الحنفية أنه يكره التلقي في حالتين: أن يضر بأهل البلد، وأن يلبّس السعر على الواردين. اهـ. والتنصيص على الركبان في بعض الروايات خرج مخرج الغالب في أن من

стр. 4658

يجلب الطعام يكون في الغالب راكبًا، وحكم الجالب الماشي حكم الراكب. ويدل على ذلك حديث أبي هريرة المذكور (١)، فإن فيه النهي عن تلقي الجلب من غير فرق. وكذلك حديث ابن مسعود (٢) المذكور فإن فيه النهي عن تلقي البيوع. قوله: (الجَلَب) (٣) بفتح اللام مصدر بمعنى اسم المفعول المجلوب، يقال: جلب الشيء جاء به من بلد إلى بلد للتجارة. قوله: (بالخيار) اختلفوا هل يثبت له الخيار مطلقًا، أو بشرط أن يقع له في البيع غبن؟ ذهبت الحنابلة (٤) إلى الأوّل وهو الأصح عند الشافعية (٥)، وهو الظاهر، وظاهره أن النهي لأجل منفعة البائع وإزالة الضرر عنه وصيانته ممن يخدعه. قال ابن المنذر (٦): وحمله مالك (٧) على نفع أهل السوق لا على نفع رب السلعة، وإلى ذلك جنح الكوفيون والأوزاعي قال: والحديث حجة للشافعي لأنه أثبت الخيار للبائع لا لأهل السوق، اهـ. وقد احتج مالك (٧) ومن معه بما وقع في رواية من النهي عن تلقي السلع حتى تهبط الأسواق، وهذا لا يكون دليلًا لمدعاهم، لأنه يمكن أن يكون ذلك رعاية لمنفعة البائع، لأنها إذا هبطت الأسواق عرف مقدار السعر فلا يخدع، ولا مانع من أن يقال: العلة في النهي مراعاة نفع البائع ونفع أهل السوق. واعلم أنه لا يجوز تلقيهم للبيع منهم كما لا يجوز للشراء منهم، لأن العلة التي هي مراعاة نفع الجالب أو أهل السوق أو الجميع حاصلة في ذلك.

стр. 4659

ويدل على ذلك ما في رواية للبخاري (١) بلفظ: "لا يبع"، فإنه يتناول البيع لهم والبيع منهم، وظاهر النهي المذكور في الباب عدم الفرق بين أن يبتدئ المتلقي الجالب بطلب الشراء أو البيع أو العكس. وشرط بعض الشافعية (٢) في النهي أن يكون المتلقي هو الطالب، وبعضهم اشترط أن يكون المتلقي قاصدًا لذلك، فلو خرج للسلام على الجالب أو للفرجة أو لحاجة أخرى فوجدهم فبايعهم لم يتناوله النهي؛ ومن نظر إلى المعنى لم يفرق وهو الأصح عند الشافعي (٣). وشرط الجويني (٤) في النهي أن يكذب المتلقي في سعر البلد ويشتري منهم بأقل من ثمن المثل. وشرط المتولي من أصحاب الشافعي أن يخبرهم بكثرة المؤنة عليهم في الدخول. وشرط أبو إسحاق الشيرازي (٥) أن يخبرهم بكساد ما معهم، والكل من هذه الشروط لا دليل عليه، والظاهر من النهي أيضًا أنه يتناول المسافة القصيرة والطويلة، وهو ظاهر إطلاق الشافعية. وقال بعض المالكية (٦): ميل (٧). وقال بعضهم أيضًا: فرسخان (٨). وقال

стр. 4660

بعضهم: يومان. وقال بعضهم: مسافة قصر، وبه قال الثوري (١). وأما ابتداء التلقي، فقيل: الخروج من السوق وإن كان في البلد، وقيل: الخروج من البلد وهو قول الشافعية، وبالأول قال أحمد (٢) وإسحاق والليث والمالكية (٣). [الباب الثامن عشر] باب النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه وسَومه إلا في المزايدة ٥٢/ ٢٢٠٩ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أن النبيَّ ﷺ قالَ: "لَا يَبعْ أحَدُكُمْ على بَيْعِ أخِيهِ، ولَا يَخْطُبْ على خِطْبَةِ أخِيهِ إلّا أنْ يأذَنَ لَهُ". رواهُ أحمَدُ (٤). [صحيح] وللنَّسائيِّ (٥): "لَا يَبعْ أحَدُكُمْ على بَيْعِ أخِيهِ حتى يَبْتاعَ أَوْ يَذَرَ". [صحيح] وَفِيهِ بَيانُ أنهُ أرَادَ بالبَيْعِ الشِّرَاءَ). ٥٣/ ٢٢١٠ - (وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أخِيهِ، وَلَا يَسُومُ على سَوْمِهِ". وَفِي لفْظٍ: "لَا يَبعْ الرَّجُلُ على بيْعِ أخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ على خِطْبَةِ أخِيهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٦). [صحيح] ٥٤/ ٢٢١١ - (وَعَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ باعَ قَدَحًا وحِلْسًا فِيمَنْ يَزِيدُ. رواهُ أحمَدُ (٧) والتِّرْمِذِيُّ) (٨). [ضعيف]

стр. 4661

حديث ابن عمر أخرجه أيضًا باللفظ الأول مسلم (١)، وأخرجه أيضًا البخاري (٢) في النكاح بلفظ: "نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب"، وأخرج نحو الرواية الثانية من حديثه ابن خزيمة (٣) وابن الجارود (٤) والدارقطني (٥)، وزادوا: "إلا الغنائم والمواريث". وحديث أنس أخرجه أيضًا أبو داود (٦) [والنسائي (٧)] (٨) وحسنه الترمذي (٩) وقال: لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان عن أبي بكر الحنفي عنه. وأعله ابن القطان بجهل حال أبي بكر الحنفي. ونقل عن البخاري أنه قال: لم يصح حديثه (١٠). ولفظ الحديث عند أبي داود (١١) وأحمد (١٢): "أن النبي ﷺ نادى على قدح وحلس لبعض أصحابه، فقال رجل: هما عليّ بدرهم، ثم قال آخر: هما عليَّ بدرهمين"، وفيه: "أن المسئلة لا تحل إلا لأحد ثلاثة"، وقد تقدم.

стр. 4662

وفي الباب عن أبي هريرة [لعله] (١) [غير حديث الباب] (٢) عند الشيخين (٣)، وعن عقبة بن عامر عند مسلم (٤). قوله: (لا يبع) الأكثر بإثبات الياء على أن لا نافية، ويحتمل أن تكون ناهية وأشبعت الكسرة كقراءة من [قرأ] (٥) ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ (٦)، وهكذا ثبتت الياء في بقية ألفاظ الباب (٧). قوله: (إلا أن يأذن له) يحتمل أن يكون استثناء من الحكمين، ويحتمل أن يختص بالأخير، والخلاف في ذلك وبيان الراجح مستوفى في الأصول (٨). ويدل على الثاني في خصوص هذا المقام رواية البخاري التي ذكرناها. قوله: (لا يخطب الرجل … ) إلخ، سيأتي الكلام على الخطبة في النكاح (٩) إن شاء الله. قوله: (ولا يسوم) صورته أن يأخذ شيئًا ليشتريه فيقول المالك: رده لأبيعك خيرًا منه بثمنه، أو مثله بأرخص، أو يقول للمالك: استرده لأشتريه منك بأكثر. وإنما يمنع من ذلك بعد استقرار الثمن وركون أحدهما إلى الآخر، فإن كان ذلك تصريحًا فقال في الفتح (١٠): لا خلاف في التحريم، وإن كان ظاهرًا ففيه وجهان للشافعية. وقال ابن حزم (١١): إن لفظ الحديث لا يدل على اشتراط الركون، وتُعُقِّب

стр. 4663

بأنه لا بد من أمر مبين لموضع التحريم في السوم، لأن السوم في السلعة التي تباع فيمن يزيد لا يحرم اتفاقًا كما حكاه في الفتح (١) عن ابن عبد البر، فتعين أن السوم المحرّم ما وقع فيه قدر زائد على ذلك. وأما صورة البيع على البيع والشراء على الشراء، فهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار: افسخ لأبيعك بأنقص، أو يقول للبائع: افسخ لأشتري منك بأزيد. قال في الفتح (١): هذا مجمع عليه. وقد اشترط بعض الشافعية (٢) في التحريم أن لا يكون المشتري مغبونًا غبنًا فاحشًا، وإلا جاز البيع على البيع والسوم على السوم لحديث: "الدين النصيحة" (٣). وأجيب عن ذلك بأن النصيحة لا تنحصر في البيع على البيع والسوم على السوم، لأنه يمكن أن يعرّفه أن قيمتها كذا فيجمع بذلك بين المصلحتين، كذا في الفتح (١)، وقد عرفت أن أحاديث النصيحة أعم مطلقًا من الأحاديث القاضية بتحريم أنواع من البيع، فيبنى العام على الخاص. واختلفوا في صحة البيع المذكور. فذهب الجمهور إلى صحته مع الإثم، وذهبت الحنابلة (٤) والمالكية (٥) إلى فساده في إحدى الروايتين عنهم، وبه جزم ابن حزم (٦)، والخلاف يرجع إلى ما تقرر في الأصول (٧) من أن النهي المقتضي للفساد هو النهي عن الشيء لذاته أو لوصف ملازم لا لخارج. قوله: (وحلسًا) بكسر الحاء المهملة وسكون اللام: كساء رقيق يكون تحت برذعة البعير، قاله الجوهري (٨). والحلس: البساط أيضًا، ومنه حديث: "كن حلس بيتك حتى تأتيك يد

стр. 4664

خاطئة أو ميتة قاضية"، كذا في النهاية (١). قوله: (فيمن يزيد)، فيه دليل على جواز بيع المزايدة، وهو البيع على الصفة التي فعلها النبي ﷺ كما سلف. وحكى البخاري (٢) عن عطاء أنه قال: أدركت الناس لا يرون بأسًا في بيع المغانم فيمن يزيد. ووصله ابن أبي شيبة (٣) عن عطاء ومجاهد. وروى هو وسعيد بن منصور عن مجاهد قال: لا بأس ببيع من يزيد، وكذلك كانت تباع الأخماس. وقال الترمذي (٤) عقب حديث أنس المذكور: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم لم يروا بأسًا ببيع من يزيد في الغنائم والمواريث. قال ابن العربي (٥): لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والميراث، فإن الباب واحد والمعنى مشترك، اهـ. ولعلهم جعلوا تلك الزيادة التي زادها ابن خزيمة (٦) وابن الجارود (٧) والدارقطني (٨)، قيدًا لحديث أنس المذكور، ولكن لم ينقل أن الرجل الذي باع عنه ﷺ القدح والحلس كانا معه من ميراث أو غنيمة، فالظاهر الجواز مطلقًا إما لذلك وإما لإلحاق غيرهما بهما، ويكون ذكرهما خارجًا مخرج الغالب لأنهما الغالب على ما كانوا يعتادون البيع فيه مزايدة، وممن قال باختصاص الجواز بهما الأوزاعي (٩) وإسحاق (٩). وروي عن النخعي (١٠) أنه كره بيع المزايدة. واحتج بحديث جابر (١١) الثابت في الصحيح أنه ﷺ قال في مدبر:

стр. 4665

"من يشتريه مني، فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم". واعترضه الإسماعيلي (١) فقال: ليس في قصة المدبر بيع المزايدة، فإن بيع المزايدة أن يعطي به واحد ثمنًا، ثم يعطي به غيره زيادة عليه. نعم يمكن الاستدلال له بما أخرجه البزار (٢) من حديث سفيان بن وهب قال: سمعت النبي ﷺ ينهى عن بيع المزايدة. ولكن في إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف. [الباب التاسع عشر] باب البيع بغير إشهاد ٥٥/ ٢٢١٢ - (عَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ أنَّ عَمَّهُ حَدَّثهُ وكانَ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ ابْتاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرابي فاسْتَتْبَعهُ النبيُّ ﷺ لِيَقْضِيَهُ ثَمَنَ فرَسِهِ فأسْرَعَ النَّبيُّ ﷺ المَشْيَ وَأَبْطأَ الأعْرَابِيُّ، فَطَفِقَ رِجالٌ يَعْتَرِضُونَ الأَعْرَابِيَّ فَيُساومُونَهُ بالْفَرَسِ لَا يَشْعُرونَ أنَّ النبيَّ ﷺ ابْتاعَهُ، فَنادَى الأعْرَابيُّ النَّبيَّ ﷺ فقالَ: إنْ كُنْتَ مُبْتاعًا هذا الْفَرَسَ فابْتَعْهُ وإلا بعْتُهُ، فقالَ النبيُّ ﷺ حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الأعْرَابِيِّ: "أوْ لَيْسَ قَدِ ابْتَعْتهُ مِنْكَ"، قالَ الأعْرَابِيُّ: لَا والله ما بعْتُكَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "بَلَى قَدِ ابْتَعْتهُ"، فَطَفِقَ الأعْرَابِيُّ يقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا، قالَ خُزَيْمَةُ: أنا أشْهَدُ أَنَّكَ قَدِ ابْتَعْتَهُ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى خُزَيْمَةَ فقال: "بِمَ تَشهدُ؟ "؟ فقالَ: بِتَصْدِيقكَ يا رسُولَ الله، فجَعَلَ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ شَهَادَةَ رجُلَيْنِ. رَوَاهُ أحمدُ (٣) والنَّسائيُّ (٤) وأبُو دَاودَ) (٥). [صحيح] الحديث سكت عنه أبو داود (٦) والمنذري (٧)، ورجال إسناده عند أبي داود

стр. 4666

ثقات. وأخرجه أيضًا الحاكم في المستدرك (١). قوله: (ابتاع فرسًا) قيل: هذا الفرس هو المرتجز (٢) المذكور في أفراس رسول الله ﷺ ، سمي بذلك لحسن صهيله كأنه بصهيله ينشد رجز الشعر الذي هو أطيبه، وكان أبيض، وقيل: هو الطِّرف بكسر الطاء، وقيل: هو النجيب. قوله: (من أعرابي) قيل: هو سواء بن الحارث. وقال الذهبي: هو سواء بن قيس المحاربي. قوله: (فاستتبعه) السين للطلب: أي أمره أن يتبعه إلى مكانه، كاستخدمه إذا أمره أن يخدمه. وفيه شراء السلعة وإن لم يكن الثمن حاضرًا، وجواز تأجيل البائع بالثمن إلى أن يأتي إلى منزله.

стр. 4667

قوله: (فطفق) بكسر الفاء على اللغة المشهورة، وبفتحها على اللغة القليلة. قوله: (بالفرس) الباء زائدة في المفعول، لأن المساومة تتعدى بنفسها، تقول: سمت الشيء. قوله: إلا يشعرون … ) إلخ، أي لم يقع من الصحابة السوم المنهي عنه بعد استقرار البيع، والنهي إنما يتعلق بمن علم، لأن العلم شرط التكليف. قوله: (لا والله ما بعتك)، قيل: إنما أنكر هذا الصحابي البيع وحلف على ذلك لأن بعض المنافقين كان حاضرًا، فأمره بذلك وأعلمه أن البيع لم يقع صحيحًا، وأنه لا إثم عليه في الحلف على أنه ما باعه، فاعتقد صحة كلامه لأنه لم يظهر له نفاقه، ولو علمه لما اغتر به، وهذا وإن كان هو اللائق بحال من كان صحابيًا، ولكن لا مانع من أن يقع مثل ذلك من الذين لم يدخل حبّ الإيمان في قلوبهم، وغير مستنكر أن يوجد في ذلك الزمان من يؤثر العاجلة، فإنه قد كان بهذه المثابة جماعة منهم كما قال تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (١)، والله يغفر لنا ولهم. قوله: (هَلُمْ) بضم اللام وبناء الآخر على الفتح لأنه اسم فعل، وشهيدًا منصوب به وهو فعيل بمعنى فاعل: أي هلم شاهدًا، زاد النسائي (٢): فقال النبي ﷺ : "قد ابتعته منك فطفق الناس يلوذون بالنبي ﷺ والأعرابي وهما يتراجعان"، وطفق الأعرابي يقول: هلم شاهدًا إني قد بعتكه. قوله: (بم تشهد)، أي: بأي شيء تشهد على ذلك ولم تك حاضرًا عند وقوعه؟ وفي رواية للطبراني (٣): بم تشهد ولم تكن حاضرًا؟ والحديث استدل به المصنف على جواز البيع بغير إشهاد. قال الشافعي (٤): لو كان الإشهاد حتمًا لم يبايع رسول الله ﷺ يعني الأعرابي من غير حضور شهادة، ومراده أن الأمر في قوله تعالى:

стр. 4668

﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (١) ليس على الوجوب، بل هو على الندب، لأن فعل النبي ﷺ قرينة صارفة للأمر من الوجوب إلى الندب. وقيل: هذه الآية منسوخة (٢) بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ (٣). وقيل: مُحْكمة، والأمر على الوجوب (٤)، قال ذلك أبو موسى الأشعري (٥)

стр. 4669

وابن عمر (١) والضحاك (٢) وابن المسيب وجابر بن زيد (٣) ومجاهد (٤) وعطاء (٥) والشعبي والنخعي (٦) وداود بن علي وابنه أبو بكر والطبري (٧). قال الضحاك: هي عزيمة من الله ولو على باقة بقل. قال الطبري (٧): لا يحل لمسلم إذا باع أو اشترى أن يترك الإشهاد وإلا كان مخالفًا لكتاب الله [تعالى] (٨)، قال ابن العربي (٩): وقول العلماء كافة: إنه على الندب وهو الظاهر. وقد ترجم أبو داود (١٠) على هذا الحديث باب: إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يحكم به، وبه يقول شريح. وفي البخاري (١١) أن مروان قضى بشهادة ابن عمر وحده. وأجاب عنه الجمهور بأن شهادة ابن عمر كانت على جهة الإخبار.

стр. 4670

ويجاب أيضًا عن شهادة خزيمة (١) بأن النبي ﷺ قد جعلها بمثابة شهادة رجلين، فلا يصح الاستدلال بها على قبول شهادة الواحد. وذكر ابن التين أنه ﷺ قال لخزيمة لما جعل شهادته بشهادتين: "لا تعد"، أي: تشهد على ما لم تشاهده. وقد أجيب عن ذلك الاستدلال بأن النبي ﷺ إنما حكم على الأعرابي بعلمه وجرت شهادة خزيمة في ذلك مجرى التوكيد (٢). وقد تمسك بهذا الحديث جماعة من أهل البدع فاستحلوا الشهادة لمن كان معروفًا بالصدق على كل شيء ادعاه، وهو تمسك باطل لأن النبي ﷺ بمنزلة لا يجوز أن يحكم لغيره بمقاربتها فضلًا عن مساواتها حتى يصح الإلحاق.

стр. 4671

[ثانيًا] أبواب بيع الأصول والثمار [الباب الأول] باب من باع نخلًا مؤبرًا ١/ ٢٢١٣ - (عَنِ ابْنِ عمَرَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَنِ ابْتاعَ نَخْلًا بَعْدَ أنْ يؤبَّرَ فَثَمَرَتُها لِلَّذِي بَاعَهَا إلَّا أنْ يَشتَرِط المُبْتاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ عبْدًا فمَالُهُ لِلْذِي باعهُ إلَّا أنْ يَشتَرِطَ المُبْتاعُ". رَواهُ الجماعة) (١). [صحيح] ٢/ ٢٢١٤ - (وَعَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أن النبيَّ ﷺ قَضَى أن ثَمَرَة النَّخْلِ لِمَنْ أَبَّرَها إلا أنْ يَشْتَرِطَ المُبْتاعُ، وقَضَى أنّ مالَ المَمْلُوكِ لِمَنْ باعَهُ إلّا أنْ يشْترَط المُبْتاعُ. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ (٢) وعَبْدُ الله بْنُ أحمدَ في المُسْندِ) (٣). [صحيح لغيره] حديث عبادة في إسناده انقطاع لأنه من رواية إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن عبادة ولم يدركه (٤).

стр. 4672

قوله: (نخلًا) اسم جنس، يذكر ويؤنث، والجمع: نخيل. قوله: (بعد أن يؤبر) التأبير (١): التشقيق والتلقيح، ومعناه: شقُّ طلعِ النَّخلة الأنثى ليذرَّ [فيها] (٢) شيءٌ من طلع النَّخلة الذكر. وفيه دليل على أن من باع نخلًا وعليها ثمرةٌ مؤبرةٌ لم تدخل الثمرة في البيع بل تستمرّ على ملك البائع. ويدل بمفهومه على أنها إذا كانت غير مؤبرة تدخل في البيع وتكون للمشتري، وبذلك قال جمهور العلماء (٣)، وخالفهم الأوزاعي (٤) وأبو حنيفة (٥) فقالا: تكون للبائع قبل التأبير وبعده. وقال ابن أبي ليلى (٦): تكون للمشتري مطلقًا وكلا الإطلاقين مخالف لحديثي الباب الصحيحين، وهذا إذا لم يقع شرط من المشتري بأنه اشترى الثمرة، ولا من البائع بأنه استثنى لنفسه الثمرة، فإن وقع ذلك كانت الثمرة للشارط من غير فرق بين أن تكون مؤبرة أو غير مؤبرة. قال في الفتح (٧): لا يشترط في التأبير أن يؤبره أحد بل لو تأبر بنفسه لم يختلف الحكم عند جميع القائلين به.

стр. 4673

قوله: (إلا أن يشترط المبتاع)، أي المشتري بقرينة الإشارة إلى البائع بقوله: "من باع" وظاهره أنه يجوز له أن يشترط بعضها أو كلها. وقال ابن القاسم (١): لا يجوز اشتراط بعضها. ووقع الخلاف فيما إذا باع نخلًا بعضه قد أبر وبعضه لم يؤبر، فقال الشافعي (٢): الجميع للبائع. وقال أحمد (٣): الذي قد أبر للبائع والذي لم يؤبر للمشتري وهو الصواب. قوله: (ومن ابتاع عبدًا … ) إلخ، فيه دليل على أن العبد إذا ملكه سيده مالًا ملكه، وبه قال مالك (٤) والشافعي (٥) في القديم (٦). وقال في الجديد (٧)

стр. 4674

أبو حنيفة والهادوية (١) أن العبد لا يملك شيئًا أصلًا. والظاهر الأول، لأن نسبة المال إلى المملوك تقتضي أنه يملك؛ وتأويله بأن المراد أن يكون شيء في يد العبد من مال سيده وأضيف إلى العبد للاختصاص والانتفاع لا للملك كما يقال: الجلّ للفرس، خلاف الظاهر. واستدل بالحديثين على أن مال العبد لا يدخل في البيع حتى الحلقة التي في أذنه والخاتم الذي في أصبعه والنعل التي في رجله والثياب التي على بدنه. وقد اختلف في الثياب على ثلاثة أقوال: (الأول): أنه لا يدخل شيء منها، وهو الذي نسبه المارودي (٢) إلى جميع الفقهاء وصححه النووي (٣) قال الماوردي: لكن العادة جارية بالعفو عنها فيما بين التجار. (الثاني) أنها تدخل في مطلق البيع للعادة، وبه قال: أبو حنيفة (٤) وكذلك قالت الهادوية (٥) في ثياب البذلة.

стр. 4675

(الثالث): يدخل قدر ما يستر العورة، والمذهب الأول هو الأولى، والتخصيص بالعادة مذهب مرجوح (١). قوله: (إن مال المملوك) فيه التسوية بين العبد والأمة. واعلم أن ظاهر حديثي الباب يخالف الأحاديث التي ستأتي في النهي عن بيع الثمرة قبل صلاحها، لأنه يقضي بجواز بيع الثمرة قبل التأبير وبعده. قال في الفتح (٢): والجمع بين حديث التأبير وحديث النهي عن بيع الثمرة قبل بدو الصلاح سهل، وهو أن الثمرة في بيع النخل تابعة للنخل، وفي حديث النهي مستقلة، وهذا واضح جدًّا، اهـ. [الباب الثاني] باب النهي عن بيع الثمر قبل بدوّ صلاحه ٣/ ٢٢١٥ - (عَنِ ابْنِ عمَرَ أَنَّ النبيَّ ﷺ نهى عَنْ بَيْعِ الثّمَار حتَّى يَبْدُو صَلَاحُها، نَهَى البَائعَ والمُبْتَاعَ. رَوَاهُ الجَماعةُ إلَّا التِّرمذيَّ (٣). [صحيح] وَفِي لَفْظٍ: نَهى عَنْ بيْع النَّخْلِ حتّى تَزْهُو، وعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حتّى يَبْيَضَّ وَيَأمَنَ العَاهَة. رَوَاهُ الجماعةُ إلَّا البّخارِيَّ وابْنَ ماجَهْ) (٤). [صحيح] ٤/ ٢٢١٦ - (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَتَبايعُوا الثِّمَارَ حَتَّى يَبْدُو صَلَاحُهَا". رَواهُ أَحْمَدُ (٥) ومُسْلِمٌ (٦) والنَّسائيّ (٧) وابْنُ ماجَهْ) (٨) [صحيح]

стр. 4676

٥/ ٢٢١٧ - (وعَنْ أنَسٍ أنّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ العِنَبِ حتَّى يَسْوَدَّ، وعَنْ بيْعِ الحَبِّ حتَّى يشْتَدَّ. رَواهُ الخَمسَةُ إلَّا النّسائيّ) (١). [صحيح] ٦/ ٢٢١٨ - (وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تَزْهَى، قالوا: وَما تَزْهَى؟ قالَ: "تَحْمَرُّ"، وقالَ: "إذَا مَنَعَ الله الثَّمَرَةَ فَبِمَ تَسْتَحِلُّ مَالَ أخِيك". أَخْرَجاهُ) (٢). [صحيح] حديث أنس الأول أخرجه أيضًا ابن حبان (٣) والحاكم (٤) وصححه. قوله: (يبدو) بغير همزة أي يظهر، والثمار بالمثلثة جمع ثمرة بالتحريك، وهي أَعم من الرطب وغيره. قوله: (صلاحُها)، أي: حمرتها وصفرتها. وفي رواية لمسلم (٥): "ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته". واختلف السلف هل يكفي بدوُّ الصلاح في جنس الثمار حتى لو بدا الصلاح في بستان من البلد مثلًا جاز بيع جميع البساتين، أو لا بدّ من بدوّ الصلاح في كل بستان على حدة، أو لا بد من بدو الصلاح في كل جنس على حدة، أو في كل شجرة على حدة؟ على أقوال: والأول قول الليث (٦) وهو قول المالكية بشرط أن يكون متلاحقًا.

стр. 4677

والثاني: قول أحمد (١). والثالث: قول الشافعية (٢). والرابع: رواية عن أحمد (٣). قوله: (نهى البائع والمبتاع)، أما البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، وأما المشتري فلئلا يضيع ماله ويساعد البائع على الباطل. قوله: (تزهو) يقال: زها النخل يزهو: إذا ظهرت ثمرته، وأزهى يزهي إذا احمر أو اصفر، هكذا في الفتح (٤). وقال الخطابي (٥): إنه لا يقال في النخل: تزهو إنما يقال: تُزهى لا غير، وهذه الرواية ترد عليه. قوله: (عن بيع السنبل حتى يبيض)، بضم السين وسكون النون وضم الباء الموحدة: سنابل الزرع. قال النووي (٦): معناه يشتد حبه وذلك بدو صلاحه. قوله: (ويأمن العاهة) هي الآفة تصيبه فيفُسد، لأنه إذا أصيب بها كان أخذ ثمنه من أكل أموال الناس بالباطل. وقد أخرج أبو داود (٧) عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا طَلَعَ النَّجْمُ صباحًا

стр. 4678

رُفِعَت العاهَةُ عن كل بلد"، وفي رواية: "رفعت العاهة عن الثمار"، والنجم (١): هو الثريا، وطلوعها صباحًا يقع في أول فصل الصيف وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار. وأخرج أحمد (٢) من طريق عثمان بن عبد الله بن سراقة: سألت ابن عمر عن بيع الثمار فقال: "نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة، قلت: ومتى ذلك؟ قال: حتى تطلع الثريا". قوله: (حتى يسود)، زاد مالك في الموطأ (٣): "فإنه إذا اسودَّ ينجو من العاهة والآفة"، واشتداد الحب قوته وصلابته. قوله: (إذا منع الله الثمرة … ) إلخ، صرح الدارقطني بأن هذا مدرج من قول أنس وقال: رفعه خطأ، ولكنه قد ثبت مرفوعًا من حديث جابر عند مسلم (٤) بلفظ: " [قال رسول الله ﷺ ] (٥): إن بعت من أخيك ثمرًا فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ "، وسيأتي (٦).

стр. 4679

وفيه دليل على وضع الجوائح، لأن معناه أن الثمر إذا تلف كان الثمن المدفوع بلا عوض فكيف يأكله البائع بغير عوض؟ وسيأتي الكلام على وضع الجوائح. والأحاديث المذكورة في الباب تدل على أنه لا يجوز بيع الثمر قبل بدو صلاحها. وقد اختلف في ذلك على أقوال. (الأول): أنه باطل مطلقًا، وهو قول ابن أبي ليلى والثوري (١)، وهو ظاهر كلام الهادي والقاسم (٢). قال في الفتح (٣): ووهم من نقل الإجماع فيه. (والثاني): أنه إذا شرط القطع [فيه] (٤) لم تبطل وإلا بطل، وهو قول للشافعي (٥) وأحمد (٦) ورواية عن مالك (٧)، ونسبه الحافظ (٨) إلى الجمهور، وحكاه في البحر (٩) عن المؤيد بالله. (الثالث): أنه يصح إن لم يشرط التبقية، وهو قول أكثر الحنفية (١٠). قالوا: والنهي محمول على بيع الثمار قبل أن توجد أصلًا. وقد حكى صاحب البحر (١١) الإجماع على عدم جواز بيع الثمر قبل خر وجه. وحكى أيضًا الاتفاق على عدم جواز بيعه قبل صلاحه بشرط البقاء. وحكى أيضًا عن الإمام يحيى أنه خص جواز البيع بشرط القطع الإجماع.

стр. 4680

وحكى عنه أيضًا أنه يصح البيع بشرط القطع إجماعًا، ولا يخفى ما في دعوى بعض هذه الإجماعات من المجازفة. وحكى في البحر (١) أيضًا عن زيد بن علي والمؤيد بالله والإمام يحيى وأبي حنيفة والشافعي أنه يصح بيع الثمر قبل الصلاح تمسكًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢)، قال أبو حنيفة (٣): ويؤمر بالقطع، والمشهور من مذهب الشافعي هو ما قدمنا. وأما البيع بعد الصلاح فيصح مع شرط القطع إجماعًا، ويفسد مع شرط البقاء إجماعًا إن جهلت المدة، كذا في البحر (٤). قال الإمام يحيى: فإن علمت صح عند القاسمية إذ لا غرر. وقال المؤيد بالله (٥): لا يصح للنهي عن بيع وشرط. واعلم أن ظاهر أحاديث الباب وغيرها المنع من بيع الثمرة قبل الصلاح، وأن وقوعه في تلك الحالة باطل كما هو مقتضى النهي. ومن ادعى أن مجرد شرط القطع يصحح البيع قبل الصلاح فهو محتاج إلى دليل يصلح لتقييد أحاديث النهي، ودعوى الإجماع على ذلك لا صحة لها لما عرفت من أن أهل القول الأول يقولون بالبطلان مطلقًا، وقد عوَّل المجوِّزون مع شرط القطع في الجواز على علل مستنبطة فجعلوها مقيدة للنهي، وذلك مما لا يفيد من لم يسمح بمفارقة النصوص بمجرد خيالات عارضة وشبه واهية تنهار بأيسر تشكيك. فالحق ما قاله الأولون من عدم الجواز مطلقًا. وظاهر النصوص أيضًا أن البيع بعد ظهور الصلاح صحيح، سواء شرط البقاء أم لم يشرط، لأن الشارع قد جعل النهي ممتدًا إلى غاية بدو الصلاح، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها. ومن ادعى أن شرط البقاء مفسد فعليه الدليل، ولا ينفعه في المقام ما ورد

стр. 4681

من النهي عن بيع وشرط، لأنه يلزمه في تجويزه للبيع قبل الصلاح مع شرط القطع وهو بيع وشرط. وأيضًا ليس كل شرط في البيع منهيًا عنه، فإن اشتراط جابر بعد بيعه للجمل أن يكون له ظهره إلى المدينة قد صححه الشارع كما سيأتي، وهو شبيه بالشرط الذي نحن بصدده، وتقدم أيضًا جواز البيع مع الشرط في النخل والعبد لقوله: "إلا أن يشترط المبتاع"، وأما دعوى الإجماع على الفساد بشرط البقاء كما سلف فدعوى فاسدة، فإنه قد حكى صاحب الفتح (١) عن الجمهور أنه يجوز البيع بعد الصلاح بشرط البقاء ولم يحك الخلاف في ذلك إلا عن أبي حنيفة (٢). وأما بيع الزرع أخضر وهو الذي يقال له: القصيل (٣)، فقال ابن رسلان في شرح السنن: اتفق العلماء المشهورون على جواز بيع القصيل بشرط القطع. وخالف سفيان الثوري وابن أبي ليلى فقالا: لا يصح بيعه بشرط القطع. وقد اتفق الكل على أنه لا يصح بيع القصيل من غير شرط القطع، وخالف ابن حزم الظاهري (٤) فأجاز بيعه بغير شرط تمسكًا بأن النهي إنما ورد عن السنبل. قال: ولم يأت في منع بيع الزرع مد نبت إلى أن يسنبل نص أصلًا. وروي عن أبي إسحاق الشيباني (٥) قال: سألت عكرمة عن بيع القصيل فقال: لا بأس، فقلت: أنه يسنبل فكرهه، اهـ. كلام ابن رسلان. والحاصل: أن الذي في الأحاديث النهي عن بيع الحب حتى يشتد، وعن بيع السنبل حتى يبيض، فما كان من الزرع قد سنبل أو ظهر فيه الحب كان بيعه قبل اشتداد حبه غير جائز، وأما قبل أن يظهر فيه الحب والسنابل فإن صدق على بيعه حينئذٍ أنه مخاضرة كما قال البعض: إنها بيع الزرع قبل أن يشتد لم يصح بيعه لورود النهي عن المخاضرة كما تقدم في باب النهي عن بيوع الغرر، لأن التفسير المذكور صادق على الزرع الأخضر قبل أن يظهر فيه الحب والسنابل،

стр. 4682

وهو الذي يقال له: القصيل، ولكن الذي في القاموس (١) أن المخاضرة بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وكذا في كثير من شروح الحديث فلا يتناول الزرع لأن الثمار حمل الشجر كما في القاموس (٢). وسيأتي في تفسير المحاقلة ما يرشد إلى أنها بيع الزرع قبل أن تغلظ سوقه، فإن صح ذلك فذاك، وإلا كان الظاهر ما قاله ابن حزم (٣) من جواز بيع القصيل مطلقًا. ٧/ ٢٢١٩ - (وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى [رسُولُ الله] (٤) ﷺ عَنْ المُحاقَلَةِ والمُزَابَنَةِ والمُعاومَةِ والمُخَابَرَةِ (٥). وفي لَفْظٍ: بَدَل المُعاومَةِ: وعَنْ بَيْعِ السِّنِينَ) (٦). [صحيح] ٨/ ٢٢٢٠ - (وعَنْ جابر أن النبيَّ ﷺ نهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حتَّى يَبْدُو صلاحُهُ (٧). وفِي رِوايَةٍ (٨): حتَّى يَطيبَ. وفي رِوايةٍ (٩): حَتّى يُطْعَمَ). [صحيح] ٩/ ٢٢٢١ - (وعَنْ زيدِ بْنِ أبي أُنَيْسَةَ عَنْ عَطاءٍ عَنْ جابرٍ أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُحاقَلَةِ والمُزابَنَةِ والمُخابَرَةِ وأنْ يَشترِي النَّخْلَ حتى يُشقِه، والإِشقاهُ أنْ يَحَمَرَّ أوْ يَصَفَرَّ أَوْ يؤكَلَ منْهُ شَيْءٌ، والمُحاقلَةُ أنْ يُباعَ الْحَقْلُ بكَيْلٍ مِنَ الطَّعامِ مَعْلُوم، والمُزَابَنَةُ أنْ يُبَاع النَّخْلُ بأوْسَاقٍ مِنَ التَّمْرِ، والمخابَرَةُ الثُّلُثُ والرُّبُعُ وأشْباهُ ذلِكَ، قالَ زيدٌ: قلْتُ لِعطَاءٍ: أسَمِعْتَ جابِرًا يَذْكُرُ هذا عَنْ رَسُولِ الله ﷺ

стр. 4683

قالَ: نَعَمْ. مُتَّفَقٌ على جَميعِ ذلِكَ إلّا الأخِيرَ فإنهُ لَيْسَ لأحمَدَ) (١). [صحيح] قوله: (المحاقلة) قد اختلف في تفسيرها، فمنهم من فسرها بما في الحديث فقال: هي بيع الحقل بكيل من الطعام معلوم. قال أبو عبيد (٢): هي بيع الطعام في سنبله؛ والحقل: الحرث وموضع الزرع. وقال الليث (٣): الحقل: الزرع إذا تشعب من قبل أن تغلظ سوقه. وأخرج الشافعي (٤) في المختصر عن جابر أن المحاقلة: أن يبيع الرجل الرجل الزرع بمائة فرق من الحنطة. قال الشافعي (٥): وتفسير المحاقلة والمزابنة في الأحاديث يحتمل أن يكون عن النبي ﷺ ، وأن يكون من رواية من رواه. وفي النسائي (٦) عن رافع بن خديج والطبراني (٧) عن سهل بن سعد أن المحاقلة مأخوذة من الحقل جمع حقلة. قال الجوهري (٨): وهي الساحات جمع ساحة. وفي القاموس (٩): الحقل: قُرَاح (١٠) طَيِّبٌ يُزْرَعُ فيه، كالحَقْلَةِ، ومنه: لا ينبت البقلة إلا الحقلة. والزرع قد شعب ورقه وظهر وكثر، وإذا استجمع خروج نباته، أو ما دام أخضر وقد أحقل في الكل، والمحاقل: المزارع، والمحاقلة: بيع الزرع قبل بدو

стр. 4684

صلاحه، أو بيعه في سنبله بالحنطة، أو المزارعة بالثلث أو الربع، أو أقل أو أكثر، أو اكتراء الأرض بالحنطة، اهـ. وقال مالك (١): المحاقلة: أن تكرى الأرض ببعض ما ينبت منها وهي المخابرة، ولكنه يبعد هذا عطف المخابرة عليها في الأحاديث. قوله: (والمزابنة) بالزاي والموحدة والنون. قال في الفتح (٢): هي مفاعلة من الزبن بفتح الزاي وسكون الموحدة: وهو الدفع الشديد، ومنه سميت الحرب: الزبون، لشدة الدفع فيها. وقيل: للبيع المخصوص مزابنة كأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع لفسخه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع، اهـ. وقد فسرت بما في الحديث، أعني بيع النخل بأوساق من التمر، وفسرت بهذا، وببيع العنب بالزبيب كما في الصحيحين (٣)، وهذان أصل المزابنة. وألحق الشافعي (٤) بذلك كل بيع مجهول بمجهول أو معلوم من جنس يجري الربا في نقده، وبذلك قال الجمهور. ووقع في البخاري (٥) عن ابن عمر أن المزابنة أن يبيع التمر بكيل إن زاد فلي، وإن نقص فعلَي. وفي مسلم (٦) عن نافع: المزابنة: بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا، وبيع الزرع بالحنطة كيلًا، وكذا في البخاري (٧). وقال مالك (٨): إنها بيع كل شيء من الجزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده، إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره، سواء كان يجري فيه الربا أم لا. قال ابن عبد البر (٩): نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة: وهي المدافعة.
следующие страницы →