← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4680–4719 · переход к 4685.

стр. 4680

وحكى عنه أيضًا أنه يصح البيع بشرط القطع إجماعًا، ولا يخفى ما في دعوى بعض هذه الإجماعات من المجازفة. وحكى في البحر (١) أيضًا عن زيد بن علي والمؤيد بالله والإمام يحيى وأبي حنيفة والشافعي أنه يصح بيع الثمر قبل الصلاح تمسكًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٢)، قال أبو حنيفة (٣): ويؤمر بالقطع، والمشهور من مذهب الشافعي هو ما قدمنا. وأما البيع بعد الصلاح فيصح مع شرط القطع إجماعًا، ويفسد مع شرط البقاء إجماعًا إن جهلت المدة، كذا في البحر (٤). قال الإمام يحيى: فإن علمت صح عند القاسمية إذ لا غرر. وقال المؤيد بالله (٥): لا يصح للنهي عن بيع وشرط. واعلم أن ظاهر أحاديث الباب وغيرها المنع من بيع الثمرة قبل الصلاح، وأن وقوعه في تلك الحالة باطل كما هو مقتضى النهي. ومن ادعى أن مجرد شرط القطع يصحح البيع قبل الصلاح فهو محتاج إلى دليل يصلح لتقييد أحاديث النهي، ودعوى الإجماع على ذلك لا صحة لها لما عرفت من أن أهل القول الأول يقولون بالبطلان مطلقًا، وقد عوَّل المجوِّزون مع شرط القطع في الجواز على علل مستنبطة فجعلوها مقيدة للنهي، وذلك مما لا يفيد من لم يسمح بمفارقة النصوص بمجرد خيالات عارضة وشبه واهية تنهار بأيسر تشكيك. فالحق ما قاله الأولون من عدم الجواز مطلقًا. وظاهر النصوص أيضًا أن البيع بعد ظهور الصلاح صحيح، سواء شرط البقاء أم لم يشرط، لأن الشارع قد جعل النهي ممتدًا إلى غاية بدو الصلاح، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها. ومن ادعى أن شرط البقاء مفسد فعليه الدليل، ولا ينفعه في المقام ما ورد

стр. 4681

من النهي عن بيع وشرط، لأنه يلزمه في تجويزه للبيع قبل الصلاح مع شرط القطع وهو بيع وشرط. وأيضًا ليس كل شرط في البيع منهيًا عنه، فإن اشتراط جابر بعد بيعه للجمل أن يكون له ظهره إلى المدينة قد صححه الشارع كما سيأتي، وهو شبيه بالشرط الذي نحن بصدده، وتقدم أيضًا جواز البيع مع الشرط في النخل والعبد لقوله: "إلا أن يشترط المبتاع"، وأما دعوى الإجماع على الفساد بشرط البقاء كما سلف فدعوى فاسدة، فإنه قد حكى صاحب الفتح (١) عن الجمهور أنه يجوز البيع بعد الصلاح بشرط البقاء ولم يحك الخلاف في ذلك إلا عن أبي حنيفة (٢). وأما بيع الزرع أخضر وهو الذي يقال له: القصيل (٣)، فقال ابن رسلان في شرح السنن: اتفق العلماء المشهورون على جواز بيع القصيل بشرط القطع. وخالف سفيان الثوري وابن أبي ليلى فقالا: لا يصح بيعه بشرط القطع. وقد اتفق الكل على أنه لا يصح بيع القصيل من غير شرط القطع، وخالف ابن حزم الظاهري (٤) فأجاز بيعه بغير شرط تمسكًا بأن النهي إنما ورد عن السنبل. قال: ولم يأت في منع بيع الزرع مد نبت إلى أن يسنبل نص أصلًا. وروي عن أبي إسحاق الشيباني (٥) قال: سألت عكرمة عن بيع القصيل فقال: لا بأس، فقلت: أنه يسنبل فكرهه، اهـ. كلام ابن رسلان. والحاصل: أن الذي في الأحاديث النهي عن بيع الحب حتى يشتد، وعن بيع السنبل حتى يبيض، فما كان من الزرع قد سنبل أو ظهر فيه الحب كان بيعه قبل اشتداد حبه غير جائز، وأما قبل أن يظهر فيه الحب والسنابل فإن صدق على بيعه حينئذٍ أنه مخاضرة كما قال البعض: إنها بيع الزرع قبل أن يشتد لم يصح بيعه لورود النهي عن المخاضرة كما تقدم في باب النهي عن بيوع الغرر، لأن التفسير المذكور صادق على الزرع الأخضر قبل أن يظهر فيه الحب والسنابل،

стр. 4682

وهو الذي يقال له: القصيل، ولكن الذي في القاموس (١) أن المخاضرة بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وكذا في كثير من شروح الحديث فلا يتناول الزرع لأن الثمار حمل الشجر كما في القاموس (٢). وسيأتي في تفسير المحاقلة ما يرشد إلى أنها بيع الزرع قبل أن تغلظ سوقه، فإن صح ذلك فذاك، وإلا كان الظاهر ما قاله ابن حزم (٣) من جواز بيع القصيل مطلقًا. ٧/ ٢٢١٩ - (وعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى [رسُولُ الله] (٤) ﷺ عَنْ المُحاقَلَةِ والمُزَابَنَةِ والمُعاومَةِ والمُخَابَرَةِ (٥). وفي لَفْظٍ: بَدَل المُعاومَةِ: وعَنْ بَيْعِ السِّنِينَ) (٦). [صحيح] ٨/ ٢٢٢٠ - (وعَنْ جابر أن النبيَّ ﷺ نهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حتَّى يَبْدُو صلاحُهُ (٧). وفِي رِوايَةٍ (٨): حتَّى يَطيبَ. وفي رِوايةٍ (٩): حَتّى يُطْعَمَ). [صحيح] ٩/ ٢٢٢١ - (وعَنْ زيدِ بْنِ أبي أُنَيْسَةَ عَنْ عَطاءٍ عَنْ جابرٍ أَنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُحاقَلَةِ والمُزابَنَةِ والمُخابَرَةِ وأنْ يَشترِي النَّخْلَ حتى يُشقِه، والإِشقاهُ أنْ يَحَمَرَّ أوْ يَصَفَرَّ أَوْ يؤكَلَ منْهُ شَيْءٌ، والمُحاقلَةُ أنْ يُباعَ الْحَقْلُ بكَيْلٍ مِنَ الطَّعامِ مَعْلُوم، والمُزَابَنَةُ أنْ يُبَاع النَّخْلُ بأوْسَاقٍ مِنَ التَّمْرِ، والمخابَرَةُ الثُّلُثُ والرُّبُعُ وأشْباهُ ذلِكَ، قالَ زيدٌ: قلْتُ لِعطَاءٍ: أسَمِعْتَ جابِرًا يَذْكُرُ هذا عَنْ رَسُولِ الله ﷺ

стр. 4683

قالَ: نَعَمْ. مُتَّفَقٌ على جَميعِ ذلِكَ إلّا الأخِيرَ فإنهُ لَيْسَ لأحمَدَ) (١). [صحيح] قوله: (المحاقلة) قد اختلف في تفسيرها، فمنهم من فسرها بما في الحديث فقال: هي بيع الحقل بكيل من الطعام معلوم. قال أبو عبيد (٢): هي بيع الطعام في سنبله؛ والحقل: الحرث وموضع الزرع. وقال الليث (٣): الحقل: الزرع إذا تشعب من قبل أن تغلظ سوقه. وأخرج الشافعي (٤) في المختصر عن جابر أن المحاقلة: أن يبيع الرجل الرجل الزرع بمائة فرق من الحنطة. قال الشافعي (٥): وتفسير المحاقلة والمزابنة في الأحاديث يحتمل أن يكون عن النبي ﷺ ، وأن يكون من رواية من رواه. وفي النسائي (٦) عن رافع بن خديج والطبراني (٧) عن سهل بن سعد أن المحاقلة مأخوذة من الحقل جمع حقلة. قال الجوهري (٨): وهي الساحات جمع ساحة. وفي القاموس (٩): الحقل: قُرَاح (١٠) طَيِّبٌ يُزْرَعُ فيه، كالحَقْلَةِ، ومنه: لا ينبت البقلة إلا الحقلة. والزرع قد شعب ورقه وظهر وكثر، وإذا استجمع خروج نباته، أو ما دام أخضر وقد أحقل في الكل، والمحاقل: المزارع، والمحاقلة: بيع الزرع قبل بدو

стр. 4684

صلاحه، أو بيعه في سنبله بالحنطة، أو المزارعة بالثلث أو الربع، أو أقل أو أكثر، أو اكتراء الأرض بالحنطة، اهـ. وقال مالك (١): المحاقلة: أن تكرى الأرض ببعض ما ينبت منها وهي المخابرة، ولكنه يبعد هذا عطف المخابرة عليها في الأحاديث. قوله: (والمزابنة) بالزاي والموحدة والنون. قال في الفتح (٢): هي مفاعلة من الزبن بفتح الزاي وسكون الموحدة: وهو الدفع الشديد، ومنه سميت الحرب: الزبون، لشدة الدفع فيها. وقيل: للبيع المخصوص مزابنة كأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن حقه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع لفسخه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع، اهـ. وقد فسرت بما في الحديث، أعني بيع النخل بأوساق من التمر، وفسرت بهذا، وببيع العنب بالزبيب كما في الصحيحين (٣)، وهذان أصل المزابنة. وألحق الشافعي (٤) بذلك كل بيع مجهول بمجهول أو معلوم من جنس يجري الربا في نقده، وبذلك قال الجمهور. ووقع في البخاري (٥) عن ابن عمر أن المزابنة أن يبيع التمر بكيل إن زاد فلي، وإن نقص فعلَي. وفي مسلم (٦) عن نافع: المزابنة: بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا، وبيع العنب بالزبيب كيلًا، وبيع الزرع بالحنطة كيلًا، وكذا في البخاري (٧). وقال مالك (٨): إنها بيع كل شيء من الجزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده، إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره، سواء كان يجري فيه الربا أم لا. قال ابن عبد البر (٩): نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة: وهي المدافعة.

стр. 4685

قال في الفتح (١): وفسَّر بعضهم المزابنة بأنها بيع الثمر قبل بدو صلاحه وهو خطأ. [قال] (٢): والذي تدل عليه الأحاديث في تفسيرها أولى. وقيل: إن المزابنة: المزارعة. وفي القاموس (٣): الزبن: بيع كل ثمرة على شجرة بثمن كيلًا. قال: والمزابنة: بيع الرطب في رؤوس النخل بالثمر. وعن مالك (٤): كل جزاف لا يعلم كيله ولا عدده ولا وزنه، أو بيع مجهول بمجهول من جنسه، أو هي بيع المغابنة في الجنس الذي لا يجوز فيه الغبن، اهـ. قوله: (والمعاومة) هي بيع الشجر أعوامًا كثيرة، وهي مشتقة من العام كالمشاهرة من الشهر. وقيل: هي اكتراء الأرض سنين، وكذلك بيع السنين: هو أن يبيع ثمر النخلة لأكثر من سنة في عقد واحد، وذلك لأنه بيع غرر لكونه بيع ما لم يوجد. وذكر الرافعي وغيره لذلك تفسيرًا آخر، وهو أن يقول: بعتك هذا سنة، على أنه إذا انقضت السنة فلا بيع بيننا وأردّ أنا الثمن وتردّ أنت المبيع. قوله: (والمخابرة) سيأتي تفسيرها والكلام عليها في كتاب المساقاة والمزارعة (٥). قوله: (حتى يطيب) هذه الرواية وما بعدها من قوله: (حتى يُطعم) ينبغي أن يقيد بهما سائر الروايات المذكورة. قوله: (حتى يُشْقِهِ) بضم أوله ثم شين معجمة ثم قاف. وفي رواية للبخاري (٦) يشقح وهي الأصل والهاء بدل من الحاء وإشقاح النخل احمراره

стр. 4686

واصفراره (١) كما في الحديث والاسم الشقحة بضم [الشين] (٢) المعجمة وسكون القاف بعدها مهملة. وقد استدل بأحاديث الباب ونحوها على تحريم المحاقلة والمزابنة وما شاركهما في العلة قياسًا، وهي إما مظنة الربا لعدم علم التساوي أو الغرر وعلى تحريم بيع السنين، وعلى تحريم بيع الثمر قبل صلاحه، وقد تقدم الكلام عليه، وقد وقع الاتفاق على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا، وعلى تحريم بيع الحنطة في سنابلها بالحنطة منسلة، وعلى تحريم بيع العنب بالزبيب ولا فرق عند جمهور أهل العلم بين الرطب والعنب على الشجر وبين ما كان مقطوعًا منهما، وجوّز أبو حنيفة بيع الرطب المقطوع بخرصه من اليابس. [الباب الثالث] باب الثَّمَرَةِ المشْتَرَاةِ تَلْحَقُها جائِحَةً ١٠/ ٢٢٢٢ - (عَنْ جابِر أن النبيَّ ﷺ وَضَعَ الجَوائحَ. رَوَاهُ أحمَدُ (٣) والنَّسائيُّ (٤) وأبو داوُدَ (٥). وفي لَفْظٍ لمُسْلِمٍ (٦): أمَرَ بِوَضْعٍ الجَوائِح. وفي لَفْظٍ قالَ: "إنْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ تَمْرًا فأصَابتْها جائحَةٌ فَلا يَحِلُّ لَكَ أنْ تأخُذَ منْهُ شَيئًا، بِمَ تَاخُذُ مالَ أخِيكَ بغَيْرِ حَقٍّ". رَوَاهُ مُسلمٌ (٧) وأَبُو دَاوُدَ (٨) والنسائيُّ (٩) وابْنُ ماجَهْ) (١٠). [صحيح]. وفي الباب عن عائشة عند البيهقي (١١) بنحوه وفي إسناده حارثة بن أبي

стр. 4687

الرجال وهو ضعيف (١). ولكنه في الصحيحين (٢) عنها مختصرًا. وعن أنس وقد تقدم (٣) في باب بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. قوله: (الجوائح) (٤) جمع جائحة وهي الآفة التي تصيب الثمار فتهلكها، يقال: جاحهم الدهر واجتاحهم بتقديم الجيم على الحاء فيهما إذا أصابهم بمكروه عظيم، ولا خلاف أن البرد والقحط والعطش جائحة، وكذلك كل ما كان آفة سماوية، وأما ما كان من الآدميين كالسرقة ففيه خلاف، منهم من لم يره جائحة لقوله في الحديث السابق (٥) عن أنس: "إذا منع الله الثمرة … "، ومنهم من قال: إنه جائحة تشبيهًا بالآفة السماوية. وقد اختلف أهل العلم في وضع الجوائح إذا بيعت الثمرة بعد بدو صلاحها وسلمها البائع للمشتري بالتخلية ثم تلفت بالجائحة قبل أوان الجذاذ، فقال الشافعي (٦) وأبو حنيفة (٧) وغيره من الكوفيين (٨) والليث (٩): لا يرجع المشتري على البائع بشيء. قالوا وإنما ورد وضع الجوائح فيما إذا بيعت الثمرة قبل بدو صلاحها بغير شرط القطع، فيحمل مطلق الحديث في رواية جابر (١٠) على ما قيد به في حديث أنس المتقدم (٥). واستدل الطحاوي (١١) على ذلك بحديث أبي سعيد: "أصيب رجل في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال النبي ﷺ : تصدقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه،

стр. 4688

فقال: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك"، أخرجه مسلم (١) وأصحاب السنن (٢) قال: فلما لم يبطل دين الغرماء بذهاب الثمار بالعاهات ولم يأخذ النبي ﷺ الثمن ممن باعها منه، دلَّ على أن وضع الجوائح ليس على عمومه. وقال الشافعي في القديم: هي من ضمان البائع فيرجع المشتري عليه بما دفعه من الثمن، وبه قال أحمد (٣) وأبو عبيد القاسم بن سلام وغيرهم. قال القرطبي (٤): وفي الأحاديث دليل واضح على وجوب إسقاط ما اجتيح من الثمرة عن المشتري ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك لم يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ لأنه من قول أنس، بل الصحيح رفع ذلك من حديث جابر (٥) وأنس (٦). وقال مالك: إن أذهبت الجائحة دون الثلث لم يجب الوضع، وإن كان الثلث فأكثر وجب، لقوله ﷺ : "الثلث والثلث كثير" (٧). قال أبو داود (٨): لم يصح في الثلث شيء عن النبي ﷺ وهو رأي أهل المدينة (٩). والراجح الوضع مطلقًا من غير فرق بين القليل والكثير، وبين البيع قبل بدو الصلاح وبعده. وما احتج به الأولون من حديث أنس المتقدم (٦) يجاب عنه بأن التنصيص على الوضع مع البيع قبل الصلاح لا ينافي الوضع مع البيع بعده ولا يصلح مثله لتخصيص ما دل على وضع الجوائح ولا لتقييده.

стр. 4689

وأما ما احتج به الطحاوي (١) فغير صالح للاستدلال به على محل النزاع، لأنه لا تصريح فيه بأن ذهاب ثمرة ذلك الرجل كان بعاهات سماوية؛ وأيضًا عدم نقل تضمين بائع الثمرة لا يصلح للاستدلال به، لأنه قد نقل ما يشعر بالتضمين على العموم فلا ينافيه عدم النقل في قضية خاصة. وسيأتي حديث أبي سعيد في كتاب التفليس (٢)، ويأتي في شرحه بقية الكلام على الوضع.

стр. 4690

[ثالثًا] أبواب الشروط في البيع [الباب الأول] باب اشتراط منفعة المبيع وما في معناها ١/ ٢٢٢٣ - (عَنْ جَابِرٍ أنهُ كان يسِيرُ على جَمَلٍ لهُ قَدْ أَعْيا فأرَادَ أنْ يُسيِّبَهُ قالَ: وَلَحِقَنِي النبيُّ ﷺ فَدَعا لي وضَرَبَهُ فَسارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، فقالَ: "بِعْنيهِ" فقُلْتُ: لَا، ثمَّ قالَ: "بعْنيهِ" فَبعْتُهُ واسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانهُ إلى أهْلي. مُتّفقٌ عليهِ (١). وفي لَفْظٍ لأحمدَ (٢) والبُخاريِّ (٣): وشَرطتُ ظَهْرَهُ إلَى المَدِينَةِ). قوله: (أعيا) الإِعياء التعب والعجز عن السير (٤). قوله: (بعنيه) زاد في رواية متفق عليها (٥): "بِوَقيَّةٍ". وفي أخرى (٦): "بخمس أواق". وفي أخرى (٧) أيضًا: "بأوقيتين ودرهم أو درهمين". وفي بعضها (٨): "بأربعة دنانير". وفي بعضها (٩): "بثمانمائة درهم". وفي بعضها (١٠): "بعشرين دينارًا".

стр. 4691

وقد جمع بين هذه الروايات بما لا يخلو عن تكلُّف. واسُتدِلَّ بهذا على جواز طلب البيع من المالك قبل عرض المبيع للبيع. قوله: (حملانه) بضم الحاء المهملة والمراد: الحمل عليه. وتمام الحديث في الصحيحين (١): "فلما بلغت أتيته بالجمل فنقدني ثمنه ثم رجعت، فأرسل في أثري فقال: أتراني ماكَسْتك لأخذ جملك؟ خذ جملك ودراهمك فهو لك". وللحديث ألفاظ فيها اختلافٌ كثيرٌ وفي بعضها طولٌ، وهو يدل على جواز البيع مع استثناء الركوب، وبه قال الجمهور (٢)، وجوّزه مالك إذا كانت مسافة السفر قريبة وحدّها بثلاثة أيام، وقال الشافعي وأبو حنيفة وآخرون: لا يجوز ذلك سواء قلّت المسافة أو كثرت. واحتجوا بحديث النهي عن بيع وشرط، وحديث النهي عن الثنيا. وأجابوا عن حديث الباب بأنه قصة عين تدخلها الاحتمالات. ويجاب بأن حديث النهي عن بيع وشرط مع ما فيه من المقال هو أعم من حديث الباب مطلقًا فيبنى العام على الخاص. وأما حديث النهي عن الثنيا فقد تقدم تقييده بقوله: "إلا أن يعلم" (٣). وللحديث فوائد مبسوطة في مطولات شروح الحديث. [الباب الثاني] باب النهي عن جمع شرطين من ذلك ٢/ ٢٢٢٤ - (عَنْ عبْدِ الله بْنِ عُمَرَ أن النبيَّ ﷺ قالَ: "لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، ولَا شَرْطَانِ في بَيْعٍ، ولَا رِيْحُ ما لَمْ يضْمَنْ، ولَا بيْعُ ما ليْسَ عنْدَكَ". رَواهُ

стр. 4692

الخمْسَةُ إلّا ابْنَ ماجَهْ (١) فإنَّ لهُ منْهُ: "ربْحَ ما لَمْ يضْمَنْ، وبيْعَ ما ليْسَ عنْدَكَ". قال التِّرمذيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيحٌ). [حسن] الحديث صححه [أيضًا] (٢) ابن خزيمة (٣) والحاكم (٤). وأخرجه ابن حبان (٥) والحاكم (٦) أيضًا بلفظ: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع"، وهو عند هؤلاء كلهم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ووجد في النسخ الصحيحة من هذا الكتاب عن عبد الله بن عمر بدون واو، والصواب إثباتها. وأخرجه ابن حزم في المحلى (٧) والخطابي في المعالم (٨) والطبراني في الأوسط (٩) والحاكم في علوم الحديث (١٠) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: "نهى عن بيع وشرط"، وقد استغربه النووي وابن أبي الفوارس (١١). قوله: (لا يحل سلف وبيع). قال البغوي (١٢): المراد بالسلف هنا القرض.

стр. 4693

قال أحمد (١): هو أن يُقرضهُ قرضًا ثم يبايعه عليه بيعًا يزدادُ عليه وهو فاسد، لأنه إنما يقرضه على أن يحابيه في الثمن، وقد يكون السلف بمعنى السلم، وذلك مثل أن يقول: أبيعُك عبدي هذا بألف على أن تسلفني مائة في كذا وكذا، أو يُسْلِمَ إليه في شيءٍ ويقول: إن لم يتهيأ المسْلَمُ فيه عندك فهو بيع لك. وفي كتب جماعة من أهل البيت: أن السلف والبيع صورته: أن يريد الشخص أن يشتري السلعة بأكثر من ثمنها لأجل النَّسَاء، وعنده أن ذلك لا يجوز فيحتال [ليستقرض] (٢) الثمن من البائع ليعجله إليه حيلة. والأوْلَى تفسير الحديث بما تقتضيه الحقيقة الشرعية (٣) أو اللغوية (٤) أو العرفية (٥) أو المجاز عند تعذر الحمل على الحقيقة لا بما هو معروف في بعض المذاهب غير معروف في غيره.

стр. 4694

وقد عرفت الكلام في جواز بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النَّساء. قوله: (ولا شرطان في بيع) قال البَغَوي (١): هو أن يقول: بعتك هذا العبد بألف نقدًا، أو بألفين نسيئةً، فهذا بيع واحدٌ تضمَّنَ شرطين يختلف المقصود فيه باختلافهما، ولا فرق بين شرطين وشروط، وهذا التفسير مرويٌّ عن زيد بن (٢) علي، وأبي حنيفة (٣). وقيل: معناه أن يقول: بعتك ثوبي بكذا وعليّ قصارته وخياطته، فهذا فاسد عند أكثر العلماء. وقال أحمد (٤): إنه صحيح. وقد أخذ بظاهر الحديث بعض أهل العلم فقال: إن شرط في البيع شرطًا واحدًا صح وإن شرط شرطين أو أكثر، لم يصح، فيصح مثلًا أن يقول: بعتك ثوبي على أن أخيطه، [ولا يصح أن يقول: على أن أقصره وأخيطه] (٥). ومذهب الأكثر عدم الفرق بين [الشرط والشرطين] (٦). واتفقوا على عدم صحة ما فيه شرطان. قوله: (ولا ربح ما لم يضمن)، يعني لا يجوز أن يأخذ ربح سلعة لم يضمنها مثل أن يشتري متاعًا ويبيعه إلى آخر قبل قبضه من البائع، فهذا البيع باطل وربحه لا يجوز،

стр. 4695

لأن المبيع في ضمان البائع الأول وليس في ضمان المشتري منه لعدم القبض. قوله: (ولا بيع ما ليس عندك)، قد قدمنا الكلام عليه في باب النهي عن بيع ما لا يملكه (١). [الباب الثالث] باب من اشترى عبدًا بشرط أن يعتقه ٣/ ٢٢٢٥ - (عَنْ عائِشَةَ أَنَّها أَرَادَتْ أنْ تَشتَرِيَ بَرِيرَةَ للْعِتْقِ فاشْتَرطُوا ولَاءَها، فذَكَرَتْ ذلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فقالَ: "اشْتَريهَا وأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ". مُتفَقٌ عَليهِ (٢)، ولَمْ يَذْكُرِ البُخاريُّ لفْظَةَ: "أَعْتِقِيها"). [صحيح] قوله: (بريرة) هي بفتح الباء الموحدة وبراءين بينهما تحتية بوزن فعيلة، مشتقة من البرير وهو ثمر الأراك (٣). وقيل: إنها فعيلة من البر بمعنى مفعولة: أي مبرورة، أو بمعنى فاعلة: كرحيمة أي بارة. وكانت لناس من الأنصار كما وقع عند أبي نعيم (٤). وقيل: لناس من بني هلال، قاله ابن عبد البر (٥). وقد ذكر المصنف ﵀ ههنا هذا الطرف من الحديث للاستدلال به على جواز البيع بشرط العتق. وسيأتي الحديث بكماله قريبًا. قال النووي (٦): قال العلماء: الشرط في البيع أقسام أحدها يقتضيه إطلاق العقد كشرط تسليمه.

стр. 4696

(الثاني): شرط فيه مصلحة كالرهن وهما جائزان اتفاقًا. (الثالث): اشتراط العتق في العبد وهو جائز عند الجمهور لهذا الحديث. (الرابع): ما يزيد على مقتضى العقد ولا مصلحة فيه للمشتري كاستثناء منفعته فهو باطل. [الباب الرابع] باب أن من شرط الولاء أو شرطًا فاسدًا لغا وصح العقد ٤/ ٢٢٢٦ - (عَنْ عائِشةَ قالتْ: دخَلَتْ عليَّ بَرِيرَةُ وَهِيَ مُكاتَبةٌ فقالَتِ: اشْتَرِينِي فأعْتِقينِي، قُلْتُ: نَعَمْ، قالَتْ: لَا يَبِيعُونِي حتى يَشتَرطُوا وَلَائي، قُلْتُ: لا حَاجةَ لي فِيكِ، فَسَمِعَ بذلِكَ النبيُّ ﷺ أوْ بَلَغهُ، فقالَ: "ما شأنُ بَرِيرَةَ؟ "، فذَكَرَتْ عائشةُ ما قالتْ، فقالَ: "اشْترِيهَا فأعْتِقِيها ويَشْترِطُوا ما شَاءوا"، قالتْ: فاشْتَرَيْتُها فأعْتقْتُها، واشْتَرَطَ أهلُها وَلَاءَها، فقالَ النبيُّ ﷺ : "الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ وإنْ اشْترَطُوا مائةَ شَرْطٍ". روَاهُ البُخاريُّ (١) ولمُسلِمٍ (٢) مَعْناهُ. وللبُخاريِّ في لفْظٍ آخَرَ (٣): "خُذِيها واشْتَرِطي لَهُمُ الوَلَاءَ فَإِنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ"). [صحيح] ٥/ ٢٢٢٧ - (وَعَنِ ابْنِ عمَرَ أَنَّ عَائِشَةَ أَرادَتْ أنْ تَشْتَرِيَ جارِيَةً تَعْتِقُها، فقالَ أهْلُها: نَبيعُكِهَا على أن وَلَاءَها لَنا، فذَكَرَتْ ذلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ ، فقالَ: "لَا يَمْنَعُكِ ذلِكَ، فإنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أعتَقَ". رَواهُ البُخاريُّ (٤) والنَّسائيُّ (٥) وأبُو دَاوُد (٦) وكَذلِكَ مسْلمٌ (٧)، لكِنْ قالَ فِيهِ: عَنْ عائشةَ جَعَلَهُ مِنْ مُسْندِها) (٨). [صحيح] ٦/ ٢٢٢٨ - (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أَرَادَتْ عائشةُ أنْ تَشْتَرِيَ جَاريَةً تَعْتِقُها

стр. 4697

فأبى أهْلُها إلّا أنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ، فَذَكَرَتْ ذلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ فقالَ: "لَا يَمْنَعُكِ ذلِكَ، فإن الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ". رَواهُ مُسلِمٌ) (١). [صحيح] قوله: (اشتريها) في ذلك دليل على جواز بيع المكاتب إذا رضي ولو لم يعجز نفسه، وبه قال أحمد (٢) وربيعة والأوزاعي (٣) والليث (٣) وأبو ثور (٣) ومالك (٤) والشافعي (٥) في أحد قوليه، واختاره ابن جرير وابن المنذر وغيرهما على تفاصيل لهم في ذلك، كذا في الفتح (٦)؛ وإلى مثل ذلك ذهب الهادي (٧) وأتباعه. وقال أبو حنيفة (٨) والشافعي (٩) في أصح القولين عنه وبعض المالكية: أنه لا يجوز بيعه مطلقًا، ويروى عن ابن مسعود (١٠). وأجابوا عن حديث الباب بأن بريرة عجزت نفسها بدليل استعانتها لعائشة كما في كثير من الروايات. ويجاب بأنه ليس في استعانتها لعائشة ما يستلزم العجز.

стр. 4698

قوله: (ويشترطوا ما شاؤوا) فيه دليل على أن شرط البائع للعبد أن يكون الولاء له لا يصح، بل الولاء لمن أعتق بإجماع المسلمين. قوله: (وإن اشترطوا مائة شرط)، قال النووي (١): أي لو شرطوا مائة مرة توكيدًا فالشرط باطل، وإنما حمل ذلك على التوكيد لأن الدليل قد دل على بطلان جميع الشروط التي ليست في كتاب الله فلا حاجة إلى تقييدها بالمائة، فإنها لو زاد عليها كان الحكم كذلك. قوله: (واشترطي لهم الولاء) استشكل صدور الإذن منه ﷺ بشرط فاسد في البيع، واختلف العلماء في ذلك فمنهم من أنكر الشرط في الحديث فروى الخطابي في المعالم (٢) بسنده إلى يحيى بن أكثم أنه أنكر ذلك. وعن الشافعي في (٣) الأم الإشارة إلى تضعيف هذه الرواية التي فيها الإِذن بالاشتراط لكونه انفرد بها هشام بن عروة دون أصحاب أبيه وأشار غيره إلى أنه روى بالمعنى الذي وقع له وليس كما ظن، وأثبت الرواية آخرون، وقالوا: هشام ثقة حافظ، والحديث متفق على صحته، فلا وجه لرده. ثم اختلفوا في توجيه ذلك فقال الطحاوي: إن اللام في قوله: لهم، بمعنى على كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ (٤)، وقد أسند هذا البيهقي في المعرفة (٥) عن الشافعي، وجزم به الخطابي (٦) عنه وهو مشهور عن المزني. وقال النووي (٧): إن هذا تأويل ضعيف، وكذلك قال ابن دقيق العيد (٨): وقال آخرون: الأمر في قوله: "اشترطي" للإباحة، أي: اشترطي لهم أولًا فإن ذلك لا ينفعهم، ويقوي هذا قوله: " [ويشترطوا] (٩) ما شاؤوا"، وقيل: إن النبي ﷺ قد كان أعلم الناس أن اشتراط الولاء باطل، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة، فلما أرادوا أن يشترطوا ما تقدم لهم العلم ببطلانه أطلق

стр. 4699

الأمر مريدًا به التهديد كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ (١)، فكأنه قال: اشترطي لهم الولاء فسيعلمون أن ذلك لا ينفعهم. ويؤيد هذا ما قاله ﷺ بعد ذلك: "ما بال رجال يشترطون شروطًا … " إلخ (٢)، فوبخهم بهذا القول: مشيرًا إلى أنه قد تقدم منه بيان إبطاله، إذ لم يتقدم منه ذلك لبدأ ببيان الحكم لا بالتوبيخ لعدم المقتضى له إذ هم متمسكون بالبراءة الأصلية. وقال الشافعي (٣): إنه أذن في ذلك لقصد أن يعطل عليهم شروطهم ليرتدعوا عن ذلك ويرتدع به غيرهم، وكان ذلك من باب الأدب. وقيل: معنى اشترطي اتركي مخالفتهم فيما يشترطونه ولا تظهري نزاعهم فيما دعوا إليه مراعاة لتنجيز العتق لتشوّف الشرع إليه. وقال النووي (٤): أقوى الأجوبة أن هذا الحكم خاص بعائشة في هذه القصة وأن سببه المبالغة في الزجر عن هذا الشرط لمخالفته حكم الشرع وهو كفسخ الحج إلى العمرة كان خاصًّا بتلك الحجة مبالغة في إزالة ما كانوا عليه من منع العمرة في أشهر الحج، ويستفاد منه ارتكاب أخف المفسدتين إذا استلزم إزالة أشدهما. وتُعقب بأنه استدلال بمختلف فيه على مختلف فيه. وتعقبه ابن دقيق العيد (٥) بأن التخصيص لا يثبت إلا بدليل. وقال ابن الجوزي: ليس في الحديث أن اشتراط الولاء والعتق كان مقارنًا للعقد، فيحمل على أنه كان سابقًا للعقد، فيكون الأمر بقوله: "اشترطي" مجرد وعد ولا يجب الوفاء به.

стр. 4700

وتعقب باستبعاد أن يأمر النبي ﷺ شخصًا أن يعد مع علمه بأنه لا يفي بذلك الوعد. وقال ابن حزم (١): كان الحكم ثابتًا لجواز اشتراط الولاء لغير المعتق فوقع الأمر باشتراطه في الوقت الذي كان ذلك جائزًا فيه ثم نسخ بخطبته ﷺ وهو بعيد. قوله: (فإنما الولاء لمن أعتق) فيه إثبات الولاء للمعتق ونفيه عما عداه كما تقتضيه إنما الحصرية، واستدل بذلك على أنه لا ولاء لمن أسلم على يديه رجل أو وقع بينه وبين رجل مخالفة. ولا للملتقط، وسيأتي بقية الكلام على بقية هذا الحديث في كتاب العتق (٢) إن شاء الله تعالى. [الباب الخامس] باب شرط السلامة من الغبن ٧/ ٢٢٢٩ - (عَنِ ابْن عُمَرَ قالَ: ذُكِرَ رجُلٌ لِرسُولِ الله ﷺ أنَّهُ يُخْدَعُ في البُيُوعِ فقال: "مَنْ بايعْتَ، فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ". متَّفَقٌ عَليهِ) (٣). [صحيح] ٨/ ٢٢٣٠ - (وعَنْ أنَسٍ أنَّ رَجُلًا على عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ كانَ يَبْتَاعُ وكان في عُقْدَتِه - يَعْنِي في عَقْلِهِ - ضعْفٌ. فأتَى أهْلُهُ النبيَّ ﷺ فقالُوا: يا رسول الله، احْجُرْ على فُلَانٍ فإنَّه يَبْتاعُ، وفي عُقْدَتِهِ ضَعْفٌ، فدَعاهُ ونَهاهُ، فقالَ: يَا نَبيَّ اللهِ إنِّي لَا أصْبِرُ عَنِ الْبَيْعِ، فقالَ: "إنْ كُنْتَ غَيْرَ تَارِكٍ لِلْبَيْعِ فقلْ: هَا وَهَا ولَا

стр. 4701

خِلَابَةَ". رَواهُ الخَمْسَةُ (١) وصَحَّحَهُ التِّرمذِيُّ). [صحيح] وَفِيهِ صحة الحَجْرِ على السَّفِيهِ، لأنَّهُمْ سألُوهُ إيَّاهُ وطَلَبُوهُ منْهُ وأقَرَّهُمْ عَلَيهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ معروفًا عنْدَهُمْ لَمَا طَلَبُوهُ ولَا أنْكَرَ عَلَيْهِمْ) (٢). ٩/ ٢٢٣١ - (وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ مُنْقِذًا سُفِعَ في رَأسِهِ في الجَاهِلِيَّةِ مأمُومةً فَخَبَلَتْ لِسانهُ، فكانَ إِذَا بَايَعَ يُخْدَعُ في الْبَيْعِ، فقالَ لهُ رسُولُ الله ﷺ : "بايع وقُلْ: لَا خِلَابَةَ، ثمَّ أنْتَ بالخِيْارِ ثَلَاثًا"، قالَ ابنُ عُمَرَ: فَسَمِعْتُه يُبايعُ ويَقُولُ: لَا خِذَابَةَ لَا خِذَابَة. رَواهُ الحُمَيْدِيُّ في مُسْنَدِهِ (٣)، فَقَالَ: حَدثَنا سُفْيَانُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ نَافِع عَنِ ابْنِ عُمَرَ … فذَكَرَهْ). [صحيح] ١٠/ ٢٢٣٢ - (وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ قالَ: هُوَ جَدِّي مُنْقِذُ بْنُ عُمَرَ، وكانَ رجلًا قد أصابته آمَّةٌ في رأسه فكسرت لسانه، وكان لَا يَدَعُ على ذلِكَ التِّجارَةَ، فكانَ لَا يَزَالُ يُغْبَنُ، فأتَى النَّبيَّ ﷺ فذَكَرَ ذلِكَ لهُ، فقالَ: "إذَا أنْتَ بايَعْتَ فقُلْ: لَا خِلَابَة، ثمَّ أنْتَ في كُلِّ سِلْعَةٍ ابْتَعْتَها بالخِيْارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، إنْ رَضِيتَ فأمْسِكْ وَإنْ سَخِطْتَ فارْتدها على صاحِبِها". رَوَاهُ البُخاريُّ في تارِيخِهِ (٤) وابْنُ ماجَهْ (٥) والدَّارقطْنيُّ) (٦) [حسن]

стр. 4702

حديث أنس أخرجه أيضًا الحاكم (١). وحديث ابن عمر الثاني أخرجه أيضًا البخاري في تاريخه (٢) والحاكم في مستدركه (٣)، وفي إسناده محمد بن إسحاق. وفي الباب عن عمر بن الخطاب عند الشافعي وابن الجارود والحاكم والدارقطني، وفيه أن الرجل اسمه حبان بن منقذ. وأخرجه أيضًا عنه الدارقطني والطبراني في الأوسط، وقيل: إن القصة لمنقذ والد حبان (٤) كما في حديث الباب. قال النووي (٥): وهو الصحيح وبه جزم عبد الحق، وجزم ابن الطلاع بأنه حبان بن منقذ، وتردد الخطيب في المبهمات (٦) وابن الجوزي في [التلقيح (٧)] (٨) قال ابن الصلاح: وأما رواية الاشتراط فمنكرة لا أصل لها. قوله: (لا خِلابة) بكسر المعجمة وتخفيف اللام، أي: لا خديعة، قال العلماء: لقنه ﷺ هذا القول ليتلفظ به عند البيع فيطلع به صاحبه

стр. 4703

على أنه ليس من ذوي البصائر في معرفة السلع ومقادير القيمة، ويرى له ما يرى لنفسه، والمراد أنه إذا ظهر غبن رد الثمن واسترد المبيع. واختلف العلماء في هذا الشرط هل كان خاصًّا بهذا الرجل أم يدخل فيه جميع من شرط هذا الشرط، فعند أحمد (١) ومالك (٢) في رواية عنه والمنصور بالله والإمام (٣) يحيى أنه يثبت الرد لكل من شرط هذا الشرط، ويثبتون الرد بالغبن لمن لم يعرف قيمة السلع، وقيده بعضهم بكون الغبن فاحشًا وهو ثلث القيمة عنده، قالوا: بجامع الخدع الذي لأجله أثبت النبي ﷺ لذلك الرجل الخيار. وأجيب بأن النبي ﷺ إنما جعل لهذا الرجل الخيار للضعف الذي كان في عقله كما في حديث أنس (٤) المذكور فلا يلحق به إلا من كان مثله في ذلك بشرط أن يقول هذه المقالة، ولهذا روي أنه كان إذا غبن يشهد رجل من الصحابة أن النبي ﷺ قد جعله بالخيار ثلاثًا فيرجع في ذلك، وبهذا يتبين أنه لا يصح الاستدلال بمثل هذه القصة على ثبوت الخيار لكل مغبون وإن كان صحيح العقل، ولا على ثبوت الخيار لمن كان ضعيف العقل إذا غبن ولم يقل هذه المقالة. وهذا مذهب الجمهور وهو الحق (٥). واستدل بهذه القصة على ثبوت الخيار لمن قال: لا خلابة سواء غبن أم لا، وسواء وجد غشًا أو عيبًا أم لا. ويؤيده حديث ابن عمر الآخر (٦)، والظاهر أنه لا يثبت الخيار إلا إذا وجدت خلابة، لا إذا لم توجد، لأن السبب الذي ثبت الخيار لأجله هو وجود ما نفاه منها، فإذا لم يوجد فلا خيار. واستدل بذلك أيضًا على جواز الحجر للسَّفه كما أشار إليه المصنف وغيره، وهو استدلال صحيح لكن بشرط أن يطلب ذلك من الإمام أو الحاكم قرابة من كان في تصرفه سفه كما في حديث أنس (٤).

стр. 4704

قوله: (في عقدته) العقدة العقل كما يُشعر بذلك التفسير المذكور في الحديث، وفي التلخيص (١): العقدة: الرأي، وقيل: هي العقدة في اللسان كما يُشعر بذلك ما في رواية ابن عمر (٢) أنها خبلت لسانه، وكذلك قوله: فكسرت لسانه وعدم إفصاحه بلفظ الخلابة حتى كان يقول: لا خذابة، بإبدال اللام ذالًا معجمة. وفي رواية لمسلم (٣) أنه كان يقول: لا خنابة بإبدال اللام نونًا. ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ (٤) لم يذكر في القاموس (٥) إلا عقدة اللسان. قوله: (سُفِعَ) بالسين المهملة ثم الفاء ثم العين المهملة، أي: ضُرِب، والمأمومة التي بلغت أم الرأس وهي الدماغ أو الجلدة الرقيقة التي عليه (٦). قوله: (ثم أنت بالخيار ثلاثًا) استدل به على أن مدة هذا الخيار ثلاثة أيام من دون زيادة، قال [في "الفتح" (٧)] (٨): لأنه حُكْمٌ ورد على خلاف الأصل؛ فيقتصر به على أقصى ما ورد فيه. ويؤيده جعل الخيار في المصرَّاة ثلاثة أيام واعتبار الثلاث في غير موضع. وأغرب بعض المالكية (٩) فقال: إنما قصره على ثلاث لأن معظم بيعه كان في الرقيق، وهذا يحتاج إلى دليل ولا يكفي فيه مجرد الاحتمال، انتهى. قوله: (وعن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح الحاء المهملة وهو غير صاحب الصحيح المعروف بابن حبان بكسر الحاء.

стр. 4705

[الباب السادس] بابُ إثباتِ خيارِ المجْلِسِ ١١/ ٢٢٣٣ - (عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "الْبَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَفْتَرِقا"، أوْ قالَ: "حتى يَفْتَرِقَا فإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لَهُما في بَيْعِهما، وَإِنْ كذَبَا وكتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِما") (١). [صحيح] ١٢/ ٢٢٣٤ - (وعَنِ ابْنِ عمَرَ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "المُتَبايعَانِ بِالْخِيَارِ ما لَمْ [يَتَفَرَّقا] (٢)، أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُما لِصاحِبهِ: اخْتَرْ"، ورُبَّما قالَ: "أوْ يَكُونَ بَيْعُ الْخِيارِ". وفي لفْظٍ: "إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ واحِدٍ منْهُما بِالْخِيَارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا وكانا جَمِيعًا أَوْ يُخيِّرْ أحَدُهُما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهُمَا الآخَرُ فَتَبَايعَا على ذلِكَ فقَدْ وجَبَ الْبَيْعُ، وإنْ تَفَرَّقا بَعْدَ أنْ تبَايَعَا وَلَمْ يَتْرُكْ واحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ فقدْ وَجَبَ الْبَيْعُ". مُتَّفَقٌ على ذلِكَ (٣) كُلِّهِ. وفي لفظٍ: "كُلُّ بَيْعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُما حتى يتَفَرَّقا إلَّا بَيعَ الخِيَارِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْه أيْضًا (٤). وفي لفظٍ: "المُتبايعَانِ كُلُّ واحِدٍ منْهُما بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبهِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا إلَّا بيْعَ الْخِيَارِ" (٥). وفي لَفْظٍ: "إِذَا تَبَايَعَ المُتَبايِعَانِ بالْبيْعِ فَكُلُّ واحِدٍ منْهُما بالْخِيارِ مِنْ بيْعِهِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا أوْ يكُونَ بَيعُهُمَا عَن خيارٍ، فإذَا كانَ بيْعهُما عَنْ خِيارٍ فقَدْ وجَبَ"؛ قالَ

стр. 4706

نافِع: وكانَ ابْنُ عُمَرَ ﵀ إذَا بَايَعَ رجُلًا فأرَادَ أنْ لَا يقيلَهُ قامَ فمَشَى هُنَيَّةً ثمَّ رَجَعَ. أَخْرَجاهُما) (١). [صحيح] قوله: (البيِّعان) بتشديد التحتانية، يعني: البائع والمشتري، والبَيِّعُ: هو البائع أطلق على المشتري على سبيل التغليب، أو لأن كل واحد من اللفظين يطلق على الآخر كما سلف. قوله: (بالخيار) بكسر الخاء المعجمة اسم من الاختيار أو التخيير، وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه والمراد بالخيار هنا: خيار المجلس. قوله: (ما لم [يتفرقا]) (٢) قد اختلف هل المعتبر التفرُّق بالأبدان أو بالأقوال؟ فابن عمر حمله على التفرُّق بالأبدان كما في الرواية المذكورة عنه في الباب، وكذلك حمله أبو برزة الأسلمي، حكى ذلك عنه أبو داود. قال صاحب الفتح (٣): ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة، قال أيضًا (٤): ونقل ثعلب عن [المفضل بن سلمة] (٥) أنه يقال: افترقا بالكلام وتفرقا بالأبدان. وردّه ابن العربي (٦) بقوله [تعالى] (٧): ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٨)، فإنه ظاهر في التفرق بالكلام لأنه بالاعتقاد. وأجيب بأنه من لازمه في الغالب، لأنه من خالف آخر في عقيدته كان مستدعيًا لمفارقته إياه ببدنه ولا يخفى ضعف هذا الجواب. والحق حمل كلام [المفضل] (٩) على الاستعمال بالحقيقة، وإنما استعمل أحدهما في موضع الآخر اتساعًا، انتهى.

стр. 4707

ويؤيد حمل التفريق على تفرق الأبدان ما رواه البيهقي (١) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: "حتى [يتفرقا] (٢) من مكانهما". وروايات حديث الباب بعضها بلفظ: التفرق، وبعضها بلفظ: الافتراق كما عرفت، فإذا كانت حقيقة كل واحد منهما مخالفة لحقيقة الآخر كما سلف فينبغي أن يحمل أحدهما على المجاز توسعًا. وقد دل الدليل على إرادة حقيقة التفرق بالأبدان فيحمل ما دل على التفرق بالأقوال على معناه المجازي. ومن الأدلة الدالة على إرادة التفرق بالأبدان قوله في حديث ابن عمر (٣) المذكور: "ما لم يتفرقا وكانا جميعًا". وكذلك قوله: "وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع"، فإن فيه البيان الواضح أن التفرق بالبدن. قال الخطابي (٤): وعلى هذا وجدنا أمر الناس في عرف اللغة، وظاهر الكلام، فإذا قيل: تفرق الناس كان المفهوم منه التمييز بالأبدان. قال (٥): ولو كان المراد تفرق الأقوال كما يقول أهل الرأي لخلا الحديث عن الفائدة وسقط معناه، وذلك أن العلم محيط بأن المشتري ما لم يوجد منه قبول المبيع فهو بالخيار، وكذلك البائع خياره في ملكه ثابت قبل أن يعقد البيع، وهذا من العلم العام الذي استقر بيانه. قال (٦): وثبت أن المتبايعين هما المتعاقدان، والبيع من الأسماء المشتقة من أفعال الفاعلين، ولا يقع حقيقة إلا بعد حصول الفعل منهم، كقوله: زان وسارق، وإذا كان كذلك فقد صح أن المتبايعين هما المتعاقدان وليس بعد العقد تفرق إلا التمييز بالأبدان، انتهى. فتقرّر أن المراد بالتفرق المذكور في الباب تفرق الأبدان، وبهذا

стр. 4708

تمسك من أثبت خيار المجلس وهم جماعة من الصحابة منهم عليٌّ (١)، وأبو برزة الأسلمي (٢)، وابن عمر (٣)، وابن عباس (٤)، وأبو هريرة (٥)، وغيرهم. ومن التابعين شريح (٦)، والشعبي (٧)، وطاوس (٨)، وعطاء (٩)، وابن أبي مليكة (١٠)، نقل ذلك عنهم البخاري (١١). ونقل ابن المنذر (١٢) القول به أيضًا عن سعيد بن المسيب (١٣) والزهري (١٤) وابن أبي ذئب (١٤) من أهل المدينة. وعن الحسن البصري (١٤) والأوزاعي (١٤) وابن جريج وغيرهم، وبالغ ابن حزم (١٥) فقال: لا يعرف لهم مخالف من التابعين إلا النخعي وحده، ورواية مكذوبة عن شريح، والصحيح عنه القول به. ومن أهل البيت الباقر والصادق وزين العابدين وأحمد بن عيسى والناصر والإمام يحيى، نقل ذلك عنهم صاحب البحر (١٦). وحكاه أيضًا عن الشافعي (١٧) وأحمد (١٨) وإسحاق (١٩) وأبو ثور (١٩)،

стр. 4709

وذهبت المالكية (١) إلا ابن حبيب والحنفية (٢) كلهم وإبراهيم النخعي (٣) إلى أنها إذا وجبت الصفقة فلا خيار. وحكاه صاحب البحر (٤) عن الثوري والليث والإمامية وزيد بن علي والقاسمية والعنبري. قال ابن حزم (٥): لا يُعلم لهم سلفًا إلا إبراهيم وحده، وهذا الخلاف إنما هو بعد التفرق بالأقوال، وأما قبله فالخيار ثابت إجماعًا كما في البحر (٤)، ولأهل القول الآخر أجوبة عن الأحاديث القاضية بثبوت خيار المجلس. فمنهم من رده لكونه معارضًا لما هو أقوى منه نحو قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٦) قالوا: ولو ثبت خيار المجلس لكانت الآية غير مفيدة، لأن الإشهاد إن وقع قبل التفرق لم يطابق الأمر، وإن وقع بعد التفرق لم يصادف محلًا. وقوله تعالى: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ (٧)، فإنها تدل على [أنه] (٨) بمجرد الرضا يتم البيع، وقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٩)، لأن الراجع عن موجب العقد قبل التفرق لم يف به. ومن ذلك قوله ﷺ : "المسلمون على شروطهم" (١٠)، والخيار بعد العقد يفسد الشرط.

стр. 4710

ومنه حديث التحالف عند اختلاف المتبايعين لاقتضائه الحاجة إلى اليمين، وذلك يستلزم لزوم العقد، ولو ثبت خيار المجلس لكان كافيًا في رفع العقد. ولا يخفى أن هذه الأدلة على فرض شمولها لمحلِّ النزاع أعمُّ مطلقًا، فيبنى العامّ على الخاصّ والمصير إلى الترجيح مع إمكان الجمع غير جائز كما تقرر في موضعه. ومن أهل القول الثاني من أجاب عن أحاديث خيار المجلس بأنها منسوخة بهذه الأدلة. قال في الفتح (١): ولا حجة في شيء من ذلك لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع [هنا] (٢) ممكن بين الأدلة المذكورة بغير تعسف ولا تكلف، انتهى. وأجاب بعضهم بأن إثبات خيار المجلس مخالف للقياس الجليِّ في إلحاق ما قبل التفرّق بما بعده، وهو قياس فاسد الاعتبار لمصادمته النصَّ. وأجاب بعضهم بأن التفرّق بالأبدان محمول على الاستحباب تحسينًا للمعاملة مع المسلم. ويجاب عنه بأنه خلاف الظاهر فلا يصار إليه ألا لدليل، وهكذا يجاب عن قول من قال: إنه محمول على الاحتياط للخروج من الخلاف، وقيل: إنه يحمل التفرق المذكور في الباب على التفرق في الأقوال كما في عقد النكاح والإجارة. قال في الفتح (٣): وتعقب بأنه قياس مع ظهور الفارق، لأن البيع ينقل [منه] (٤) ملك رقبة المبيع ومنفعته بخلاف ما ذكر. وقيل: المراد بالمتبايعين المتساومان. قال في الفتح (٥): وَرُدَّ بأنه مجاز، فالحمل على الحقيقة أو ما يقرب منها أولى.

стр. 4711

وقد احتج الطحاوي (١) على ذلك بآيات وأحاديث استعمل فيها المجاز، وتُعُقّبَ بأنه لا يلزمُ من استعمال المجاز في موضع استعماله في كل موضع. قال البيضاوي (٢): ومن نفى خيار المجلس ارتكب مجازين لحمله التفرّق على الأقوال وحمله للمتبايعين على المتساومين، وأيضًا فكلام الشارع يصان عن الحمل عليه لأنه يصير تقديره أن المتساومين إن شاءا عقدا البيع، وإن شاءا لم يعقداه، وهو تحصيل حاصل لأن كل أحد يعرف ذلك. ولأهل القول الآخر أجوبة غير هذه منها ما سيأتي في آخر الباب. ومنها غيره وقد بسطها صاحب الفتح (٣). وأجاب عن كل واحد منها، وقد ذكرنا هنا ما كان يحتاج منها إلى الجواب، وتركنا ما كان ساقطًا، فمن أحب الاستيفاء فليرجع إلى المطولات. وقد اختلف القائلون بأن المراد بالتفرق تفرق الأبدان هل له حد يَنتهي إليه أم لا؟ والمشهور الراجح من مذاهب العلماء على ما ذكره الحافظ (٤) أن ذلك موكول إلى العرف، فكلما عُدَّ في العرف تفرقًا حكم به، وما لا فلا. قوله: (فإن صدقا وبيَّنا)، أي صدق البائع في إخبار المشتري وبيّن العيب إن كان في السلعة وصدق المشتري في قدر الثمن وبيّن العيب إن كان في الثمن، ويحتمل أن يكون الصدق والبيان بمعنى واحد، وذكر أحدهما تأكيد للآخر. قوله: (محقت بركة بيعهما) يُحتمل أن يكون على ظاهره، وأن شؤم التدليس والكذب وقع في ذلك العقد فمحق بركته هان كان مأجورًا والكاذب مأزورًا، ويحتمل أن يكون ذلك مختصًا بمن وقع منه التدليس بالعيب دون الآخر ورجحه ابن أبي [حمزة] (٥). قوله: (أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر) وربما قال: أو يكون بيع الخيار قد

стр. 4712

اختلف العلماء في المراد بقوله: "إلا بيع الخيار"، فقال الجمهور: هو استثناء من امتداد الخيار إلى التفرق، والمراد: أنهما إن اختارا إمضاء البيع قبل التفرق فقد لزم البيع حينئذٍ وبطل اعتبار التفرق، فالتقدير: إلا البيع الذي جرى فيه التخاير. وقيل: هو استثناء من انقطاع الخيار بالتفرق، والمراد بقوله: "أو يخير أحدهما الآخر"، أي: فيشترط الخيار مدة معينة فلا ينقضي الخيار بالتفرق، بل يبقى حتى تمضي المدة، حكاه ابن عبد البر (١) عن أبي ثور، ورجح الأول بأنه أقل في الإضمار. ولا يخفى أن قوله في هذا الحديث: "فإن خيّر أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع" معين للاحتمال الأول، وكذلك قوله في الرواية الأخرى، فإذا كان بيعهما عن خيار فقد وجب وفي رواية للنسائي (٢): "إلا أن يكون البيع كان عن خيار، فإن كان البيع عن خيار وجب البيع"، وقيل: هو استثناء من إثبات خيار المجلس، والمعنى: أو خيّر أحدهما الآخر فيختار عدم ثبوت خيار المجلس فينتفي الخيار. قال في الفتح (٣): وهذا أضعف هذه الاحتمالات. وقيل: المراد بذلك أنهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا ولو قبل التفرق، وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار ولو بعد التفرق. قال في الفتح (٤): وهو قول يجمع التأويلين الأولين، ويؤيده ما وقع في رواية للبخاري (٥) بلفظ: "إلّا بيع الخيار، أو يقول لصاحبه: اختر" إن حملت، أو على التقسيم لا على الشك. قوله: (أو يخير) بإسكان الراء عطفًا على قوله: "ما لم يتفرقا"، ويحتمل نصب الراء على أن أو بمعنى: إلا أن، كما قيل: إنها كذلك في قوله: "أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر". قوله: (قال نافع: وكان ابن عمر) هو موصول بإسناد الحديث.

стр. 4713

ورواه مسلم (١) من طريق ابن جريج عن نافع وهو ظاهر في أن ابن عمر كان يذهب إلى أن التفرق المذكور بالأبدان كما تقدم. ١٣/ ٢٢٣٥ - (وعَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أن النبيَّ ﷺ قالَ: "البَيِّعُ والمُبْتاعُ بالْخِيارِ حتى يَتَفرَّقا، إلَّا أَنْ تكُونَ صفَقْةُ خِيار، ولَا يحل لهُ أنْ يُفارِقَهُ خشْيَةَ أنْ يسْتَقيلهُ". رَواهُ الخَمْسَةُ إلَّا ابْنَ ماجَهْ (٢)، ورَواهُ الدَّارقطْنيُّ (٣)، وفي لَفْظٍ (٤): "حتى يتَفَرَّقا مِنْ مكانِهِما"). [حسن] ١٤/ ٢٢٣٦ - (وعَنِ ابْنِ عمَرَ قالَ: بعْتُ مِنْ أَمِيرِ المُؤمِنِينَ عُثْمَانَ مالًا بالوَادِي بِمَالٍ لهُ بِخيْبَرَ، فلمَّا تبَايَعْنا رَجَعْتُ على عَقِبي حتى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي البيْعَ، وكانَتِ السُّنَّةُ أن المُتبَايعَيْنِ بالْخِيَارِ حتى يتفَرَّقا. رواهُ البخارِيُّ (٥) .. [صحيح] وَفِيهِ دَلِيلٌ على أنَّ الرُّؤَيةَ حالَة الْعَقْدِ لَا تُشْتَرَطُ، بَلْ تَكْفِي الصِّفَةُ أو الرُّؤْيَةُ المُتَقَدِّمَةُ). حديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضًا البيهقي (٦) وحسنه الترمذي (٧). وفي الباب عن أبي برزة عند أبي داود (٨) وابن ماجه (٩) بإسناد رجاله ثقات أن رجلًا باع فرسًا بغلام ثم أقام بقية يومهما وليلتهما - يعني البائع والمشتري -

стр. 4714

فلما أصبحا من الغد حضر الرحيل فقام الرجل إلى فرسه يسرجه فندم، فأتى الرجل وأخذه بالبيع، فأبى الرجل أن يدفعه إليه، فقال: بيني وبينك أبو برزة صاحب رسول الله ﷺ ، فأتيا أبا برزة، فقال: أترضيان أن أقضي بينكما بقضاء رسول الله ﷺ ؟ قال رسول الله ﷺ : "البيعان بالخيار ما لم يفترقا"، زاد في رواية أنه قال: ما أراكما افترقتما. وفي الباب أيضًا عن سمرة عند النسائي (١). وعن ابن عباس عند ابن حبان (٢) والحاكم (٣) والبيهقي (٤). وعن جابر عند البزار (٥) والحاكم (٦) وصححه. قوله: (صفقة خيار) بالرفع على أن "كان" تامة، وصفقة فاعلها، والتقدير: إلا أن توجد أو تحدث صفقة خيار، وبالنصب على أن "كان" ناقصة واسمها مضمر وصفقة خبر، والتقدير: إلا أن تكون الصفقة صفقة خيار، والمراد أن المتبايعين إذا قال أحدهما لصاحبه: اختر إمضاء البيع أو فسخه، فاختار أحدهما، تم البيع وإن لم يتفرقا كما تقدم. قوله: (خشية أن يستقيله) بالنصب على أنه مفعول له، واستدل بهذا القائلون بعدم ثبوت [خيار] (٧) المجلس وقد تقدم ذكرهم (٨).

стр. 4715

قالوا: لأن في هذا الحديث دليلًا على أن صاحبه لا يملك الفسخ إلا من جهة الاستقالة. وأجيب بأن الحديث حجة عليهم لا لهم، ومعناه: لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع؛ فالمراد بالاستقالة فسخ النادم [منهما] (١) للبيع، وعلى هذا حمله الترمذي (٢) وغيره من العلماء. قالوا: ولو كانت الفرقة بالكلام لم يكن له خيار بعد البيع، ولو كان المراد حقيقة الاستقالة لم تمنعه من المفارقة لأنها لا تختص بمجلس العقد. وقد أثبت في أول الحديث الخيار ومده إلى غاية التفرق، ومن المعلوم أن مَنْ له الخيار لا يحتاج إلى الاستقالة، [فتعين] (٣) حملها على الفسخ؛ وحملوا نفي الحل على الكراهة لأنه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم، لا أن اختيار [المفارقة خشية] (٤) الفسخ حرام. قوله: (رجعت على عقبي … ) إلخ، قيل: لعله لم يبلغ ابن عمر حديث عمرو بن شعيب المذكور في الباب (٥). ويكمن أن يقال: إنه بلغه ولكنه عرف أنه لا يدل على التحريم كما تقدم. والمراد بقوله: بالوادي، وادي القرى. قوله: (أن يرادَّني) بتشديد الدال وأصله يراددني، أي: يطلب مني استرداده. قوله: (وكانت السنة … ) إلخ، يعني أن هذا هو السبب في خروجه من بيت عثمان، وأنه فعل ذلك ليجب البيع ولا يبقى لعثمان خيار في فسخه.

стр. 4716

[رابعًا] أبواب الربا قال الزمخشري في الكشاف (١): كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع. وقال في الفتح (٢): الربا مقصور. وحُكِيَ مَدُّه وهو شاذ، وهو من ربا يربو فيكتب [بالألف] (٣) ولكن وقع في خط المصاحف بالواو، انتهى. قال الفراء (٤): إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة، ولغتهم الربو فعلموهم الخط على صورة لغتهم. قال: وكذا قرأه أبو سماك العدوي (٥) بالواو، وقرأه حمزة (٥) والكسائي (٥) بالإِمالة بسبب [كسرة] (٦) الراء، وقرأه الباقون (٥) بالتفخيم لفتحة الباء. قال: ويجوز كتبه بالألف والواو والياء (٥)، اهـ.

стр. 4717

وتثنيته ربوان، وأجاز الكوفيون كتابة تثنيته بالياء بسبب الكسر في أوله وغلَّطهم البصريون. قال في الفتح (١): وأصل الربا الزيادة إما في نفس الشيء كقوله تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (٢)، وإما في مقابله كدرهم بدرهمين؛ فقيل: هو حقيقة فيهما، وقيل: حقيقة في الأول مجاز في الثاني. زاد ابن سريج (٣): إنه في الثاني حقيقة شرعية، ويطلق الربا على كل مبيع محرم، اهـ. ولا خلاف بين المسلمين في تحريم الربا وإن اختلفوا في تفاصيله (٤). [الباب الأول] باب التشديد فيه ١/ ٢٢٣٧ - (عَنْ ابْنِ مسْعُودٍ أن النَّبيَّ ﷺ لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا ومُؤكِلَهُ وَشاهِدَيْهِ وكاتِبَهُ. رواهُ الخَمسَةُ (٥) وصَحَّحَهُ التِّرمِذِيُّ، غَيرَ أن لفظَ النَّسائيِّ (٦): آكِلَ الرِّبا ومُؤكِلَهُ وَشَاهِدَيهِ وكاتِبَهُ إذَا عَلِمُوا ذلِكَ ملْعُونُونَ على لِسانِ محمَّدٍ ﷺ يَوْمَ القِيَامَةِ). [صحيح] ٢/ ٢٢٣٨ - (وعَنْ عبْدِ الله بْن حنْظَلَة غَسِيلِ المَلَائِكَةِ قالَ: قالَ

стр. 4718

رَسُولُ الله ﷺ : "دِرْهَمُ رِبَا يأكُلُهُ الرَّجُلُ وهو يَعْلَمُ أشَدُّ مِنْ [سِتَّةٍ] (١) وثلاثين زَنْيةً" رَوَاهُ أحمد) (٢). [ضعيف مرفوعًا، وسنده صحيح موقوفًا على كعب الأحبار] حديث ابن مسعود أخرجه أيضًا ابن حبان (٣) والحاكم (٤) وصححاه. وأخرجه مسلم (٥) من حديث جابر بلفظ: "إن رسول الله ﷺ لعن آكل الربا وموكله وشاهديه هم سواء". وفي الباب عن عليّ عند النسائي (٦). وعن أبي جحيفة تقدم في أول البيع (٧). وحديث عبد الله بن حنظلة، وأخرجه أيضًا الطبراني في [الأوسط (٨)

стр. 4719

والكبير (١)] (٢)، قال في مجمع الزوائد (٣): ورجال أحمد رجال الصحيح. ويشهد له حديث البراء عند ابن جرير (٤) بلفظ: "الربا اثنان وستون بابًا أدناها مثل إتيان الرجل أمه". وحديث أبي هريرة عند البيهقي (٥) بلفظ: "الربا سبعون بابًا أدناها الذي يقع على أمه"، وأخرجه ابن جرير عنه نحوه، وكذلك أخرجه عنه نحوه ابن أبي الدنيا (٦). وحديث عبد الله بن مسعود عند الحاكم (٧) وصححه بلفظ: "الربا ثلاثة وسبعون بابًا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وأن أربى الربا عرض الرجل المسلم". قوله: (آكل الربا) بمد الهمزة (ومؤكله) بسكون الهمزة بعد الميم ويجوز
следующие страницы →