← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4715–4754 · переход к 4720.

стр. 4715

قالوا: لأن في هذا الحديث دليلًا على أن صاحبه لا يملك الفسخ إلا من جهة الاستقالة. وأجيب بأن الحديث حجة عليهم لا لهم، ومعناه: لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار فسخ البيع؛ فالمراد بالاستقالة فسخ النادم [منهما] (١) للبيع، وعلى هذا حمله الترمذي (٢) وغيره من العلماء. قالوا: ولو كانت الفرقة بالكلام لم يكن له خيار بعد البيع، ولو كان المراد حقيقة الاستقالة لم تمنعه من المفارقة لأنها لا تختص بمجلس العقد. وقد أثبت في أول الحديث الخيار ومده إلى غاية التفرق، ومن المعلوم أن مَنْ له الخيار لا يحتاج إلى الاستقالة، [فتعين] (٣) حملها على الفسخ؛ وحملوا نفي الحل على الكراهة لأنه لا يليق بالمروءة وحسن معاشرة المسلم، لا أن اختيار [المفارقة خشية] (٤) الفسخ حرام. قوله: (رجعت على عقبي … ) إلخ، قيل: لعله لم يبلغ ابن عمر حديث عمرو بن شعيب المذكور في الباب (٥). ويكمن أن يقال: إنه بلغه ولكنه عرف أنه لا يدل على التحريم كما تقدم. والمراد بقوله: بالوادي، وادي القرى. قوله: (أن يرادَّني) بتشديد الدال وأصله يراددني، أي: يطلب مني استرداده. قوله: (وكانت السنة … ) إلخ، يعني أن هذا هو السبب في خروجه من بيت عثمان، وأنه فعل ذلك ليجب البيع ولا يبقى لعثمان خيار في فسخه.

стр. 4716

[رابعًا] أبواب الربا قال الزمخشري في الكشاف (١): كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيهًا بواو الجمع. وقال في الفتح (٢): الربا مقصور. وحُكِيَ مَدُّه وهو شاذ، وهو من ربا يربو فيكتب [بالألف] (٣) ولكن وقع في خط المصاحف بالواو، انتهى. قال الفراء (٤): إنما كتبوه بالواو لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة، ولغتهم الربو فعلموهم الخط على صورة لغتهم. قال: وكذا قرأه أبو سماك العدوي (٥) بالواو، وقرأه حمزة (٥) والكسائي (٥) بالإِمالة بسبب [كسرة] (٦) الراء، وقرأه الباقون (٥) بالتفخيم لفتحة الباء. قال: ويجوز كتبه بالألف والواو والياء (٥)، اهـ.

стр. 4717

وتثنيته ربوان، وأجاز الكوفيون كتابة تثنيته بالياء بسبب الكسر في أوله وغلَّطهم البصريون. قال في الفتح (١): وأصل الربا الزيادة إما في نفس الشيء كقوله تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ (٢)، وإما في مقابله كدرهم بدرهمين؛ فقيل: هو حقيقة فيهما، وقيل: حقيقة في الأول مجاز في الثاني. زاد ابن سريج (٣): إنه في الثاني حقيقة شرعية، ويطلق الربا على كل مبيع محرم، اهـ. ولا خلاف بين المسلمين في تحريم الربا وإن اختلفوا في تفاصيله (٤). [الباب الأول] باب التشديد فيه ١/ ٢٢٣٧ - (عَنْ ابْنِ مسْعُودٍ أن النَّبيَّ ﷺ لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا ومُؤكِلَهُ وَشاهِدَيْهِ وكاتِبَهُ. رواهُ الخَمسَةُ (٥) وصَحَّحَهُ التِّرمِذِيُّ، غَيرَ أن لفظَ النَّسائيِّ (٦): آكِلَ الرِّبا ومُؤكِلَهُ وَشَاهِدَيهِ وكاتِبَهُ إذَا عَلِمُوا ذلِكَ ملْعُونُونَ على لِسانِ محمَّدٍ ﷺ يَوْمَ القِيَامَةِ). [صحيح] ٢/ ٢٢٣٨ - (وعَنْ عبْدِ الله بْن حنْظَلَة غَسِيلِ المَلَائِكَةِ قالَ: قالَ

стр. 4718

رَسُولُ الله ﷺ : "دِرْهَمُ رِبَا يأكُلُهُ الرَّجُلُ وهو يَعْلَمُ أشَدُّ مِنْ [سِتَّةٍ] (١) وثلاثين زَنْيةً" رَوَاهُ أحمد) (٢). [ضعيف مرفوعًا، وسنده صحيح موقوفًا على كعب الأحبار] حديث ابن مسعود أخرجه أيضًا ابن حبان (٣) والحاكم (٤) وصححاه. وأخرجه مسلم (٥) من حديث جابر بلفظ: "إن رسول الله ﷺ لعن آكل الربا وموكله وشاهديه هم سواء". وفي الباب عن عليّ عند النسائي (٦). وعن أبي جحيفة تقدم في أول البيع (٧). وحديث عبد الله بن حنظلة، وأخرجه أيضًا الطبراني في [الأوسط (٨)

стр. 4719

والكبير (١)] (٢)، قال في مجمع الزوائد (٣): ورجال أحمد رجال الصحيح. ويشهد له حديث البراء عند ابن جرير (٤) بلفظ: "الربا اثنان وستون بابًا أدناها مثل إتيان الرجل أمه". وحديث أبي هريرة عند البيهقي (٥) بلفظ: "الربا سبعون بابًا أدناها الذي يقع على أمه"، وأخرجه ابن جرير عنه نحوه، وكذلك أخرجه عنه نحوه ابن أبي الدنيا (٦). وحديث عبد الله بن مسعود عند الحاكم (٧) وصححه بلفظ: "الربا ثلاثة وسبعون بابًا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وأن أربى الربا عرض الرجل المسلم". قوله: (آكل الربا) بمد الهمزة (ومؤكله) بسكون الهمزة بعد الميم ويجوز

стр. 4720

إبدالها واوًا، أي: ولعن مطعمه غير، وسمى آخذ المال آكلًا ودافعه مؤكلًا، لأن المقصود منه الأكل وهو أعظم منافعه وبسببه إتلاف أكثر الأشياء. قوله: (وشاهديه)، رواية أبي داود (١) بالإفراد والبيهقي (٢) وشاهديه أو شاهده. قوله: (وكاتبه) فيه دليل على تحريم كتابة الربا إذا علم ذلك وكذلك الشاهد لا يحرم عليه الشهادة إلا مع العلم، فأما من كتب أو شهد غير عالم فلا يدخل في الوعيد. ومن جملة ما يدل على تحريم كتابة الربا وشهادته وتحليل الشهادة والكتابة في غيره قوله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ (٤)، فأمر بالكتابة والإشهاد فيما أحله وفهم منه تحريمهما فيما حرمه. قوله: (أشد من ستة وثلاثين … ) إلخ، هذا يدل على أن معصية الربا من أشد المعاصي لأن المعصية التي تعدل معصية الزنا التي هي في غاية الفظاعة والشناعة بمقدار العدد المذكور بل أشد منها، لا شك أنها قد تجاوزت الحد في القبح، وأقبح منها استطالة الرجل في عرض أخيه المسلم، ولهذا جعلها الشارع أربى الربا، وبُعْدًا لرجل يتكلم بالكلمة التي لا يجد لها لذَّة ولا تزيد في ماله ولا جاهه فيكون إثمه عند الله أشد من إثم من زنا ستًا وثلاثين زنية هذا ما لا يصنعه بنفسه عاقل، نسأل الله السلامة. [الباب الثاني] باب ما يجري فيه الربا ٣/ ٢٢٣٩ - (عَنْ أبي سعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تَبيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا على بعضٍ، ولَا تَبِيعُوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلّا

стр. 4721

مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلا تُشفُّوا بَعْضَها على بَعْضٍ، وَلَا تَبيعُوا مِنْهُمَا غائبًا بِنَاجزٍ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). وَفِي لَفْظٍ: "الذَّهَبُ بالذهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والْبُرُّ بالْبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ، والْمِلْحِ بِالْمِلْحِ، [مثْلًا] (٢) بِمِثْلِ، يَدًا بِيَدٍ، فمَنْ زَادَ أوِ اسْتَزَادَ فقدْ أَرْبى، الآخذ والمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) والبُخاريُّ (٤). وَفِي لَفْظٍ: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بالْوَرِقِ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بِسَوَاءٍ". رَوَاهُ أحمدُ (٥) ومُسلِمٌ) (٦). [صحيح] ٤/ ٢٢٤٠ - (وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ، والْفِضَّةُ بالفِضةِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ". رَوَاهُ أحمَدُ (٧) ومُسْلِمٌ (٨) والنَّسائيُّ) (٩). [صحيح] ٥/ ٢٢٤١ - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَيْضًا عَنِ النبيّ ﷺ قالَ: "التَّمْرُ بالتَّمْرِ، والْحِنْطَةُ بالْحِنْطَةِ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، والْمِلْحُ بالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثلٍ يَدًا بيَدٍ، فمَنْ زَادَ أو اسْتَزَادَ فقَدْ أرْبَى إلَّا ما اختَلَفَتْ ألوَانُهُ". رواهُ مُسْلمٌ) (١٠). [صحيح] ٦/ ٢٢٤٢ - (وَعَنْ فَضَالَة بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ". رَواهُ مُسْلِمٌ (١١) والنَّسائيُّ (١٢) وأَبُو دَاوُدَ) (١٣). [صحيح]

стр. 4722

قوله: (الذهب بالذهب) يدخل في الذهب جميع أنواعه من مضروب ومنقوش وجيد ورديء وصحيح ومكسر، وحلي وتبر، وخالص ومغشوش. وقد نقل النووي (١) وغيره الإجماع على ذلك. قوله: (إلا مثلًا بمثل) هو مصدر في موضع الحال، أي: الذهب يباع بالذهب موزونًا بموزون أو مصدر مؤكد، أي يوزن وزنًا بوزن. وقد جمع بين المثل والوزن في رواية مسلم (٢) المذكورة. قوله: (ولا تشفوا) بضم أوله وكسر الشين المعجمة وتشديد الفاء رباعي من أشف، والشِّف بالكسر الزيادة، ويطلق على النقص، والمراد هنا لا تفضلوا. قوله: (بناجز) بالنون والجيم والزاي؛ أي: لا تبيعوا مؤجلًا بحالٍ، ويحتمل أن يراد بالغائب أعم من المؤجل كالغائب عن المجلس مطلقًا، مؤجلًا كان أو حالًا، والناجز الحاضر. قوله: (والفضة بالفضة) يدخل في ذلك جميع أنواع الفضة كما سلف في الذهب. قوله: (والبُرُّ بالبُرِّ) بضم الباء وهو الحنطة والشعير بفتح أوله، ويجوز الكسر وهو معروف. وفيه ردّ على من قال: إن الحنطة والشعير صنف واحد وهو مالك (٣) والليث (٤) والأوزاعي (٥) وتمسكوا بقوله ﷺ : "الطعام بالطعام" كما سيأتي (٦)، ويأتي الكلام على ذلك.

стр. 4723

قوله: (فمن زاد … ) إلخ، فيه التصريح بتحريم ربا الفضل وهو مذهب الجمهور (١) للأحاديث الكثيرة المذكورة في الباب وغيرها فإنها قاضية بتحريم بيع هذه الأجناس بعضها ببعض متفاضلًا. وروي عن ابن عمر (٢) أنه يجوز ربا الفضل ثم رجع عن ذلك. وكذلك روي عن ابن عباس (٣) واختلف في رجوعه، فروى الحاكم (٤) أنه رجع عن ذلك لما ذكر له أبو سعيد حديثه الذي في الباب واستغفر الله، وكان ينهى عنه أشد النهي.

стр. 4724

وروي مثل قولهما عن أسامة بن زيد وابن الزبير وزيد بن أرقم وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير. واستدلوا على جواز ربا الفضل بحديث أسامة عند الشيخين (١) وغيرهما بلفظ: "إنما الربا في النسيئة"، زاد مسلم (٢) في رواية عن ابن عباس: "لا ربا فيما كان يدًا بيد". وأخرج الشيخان (٣) والنسائي (٤) عن أبي المنهال قال: سألت زيد بن أرقم والبراء بن عازب عن الصرف فقالا: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الذهب بالورق دينًا. وأخرج مسلم (٥) عن أبي نضرة قال: سألت ابن عباس عن الصرف فقال: إلا يدًا بيد، قلت: نعم، قال: فلا بأس، فأخبرت أبا سعيد فقال: أو قال ذلك؟ إنا سنكتب إليه فلا يفتيكموه. وله (٦) من وجه آخر عن أبي نضرة: سألت ابن عمر وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسًا وأني لقاعد عند أبي سعيد، فسألته عن الصرف فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك لقولهما … ، فذكر الحديث، قال: فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس عنه فكرهه. قال في الفتح (٧): واتفق العلماء على صحة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد. فقيل: إن حديث أسامة منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وقيل: المعنى في قوله: (لا ربا) الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، وأيضًا نفي تحريم ربا الفضل من

стр. 4725

حديث أسامة إنما هو بالمفهوم فيقدم عليه حديث أبي سعيد لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر، اهـ. ويمكن الجمع أيضًا بأن يقال: مفهوم حديث أسامة عام لأنه يدل على نفي ربا الفضل عن كل شيء سواء كان من الأجناس المذكورة في أحاديث الباب أم لا، فهو أعم منها مطلقًا، فيخصص هذا المفهوم بمنطوقها. وأما ما أخرجه مسلم (١) عن ابن عباس أنه: "لا ربا فيما كان يدًا بيد" كما تقدم، فليس ذلك مرويًا عن رسول الله ﷺ حتى تكون دلالته على نفي ربا الفضل منطوقه، ولو كان مرفوعًا لما رجع ابن عباس واستغفر لما حدَّثه أبو سعيد بذلك كما تقدم. وقد روى الحازمي (٢) رجوع ابن عباس واستغفاره عند أن سمع عمر بن الخطاب وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله ﷺ بما يدل على تحريم ربا الفضل (٣) وقال: حفظا من رسول الله ﷺ ما لم أحفظ. وروى عنه الحازمي (٤) أيضًا أنه قال: كان ذلك برأيي وهذا أبو سعيد الخدري يحدثني عن رسول الله ﷺ فتركت رأيي إلى حديث رسول الله ﷺ . وعلى تسليم أن ذلك الذي قاله ابن عباس مرفوع، فهو عام مخصص بأحاديث الباب لأنها أخص منه مطلقًا. وأيضًا الأحاديث القاضية بتحريم ربا الفضل ثابتة عن جماعة من الصحابة في الصحيحين وغيرهما. قال الترمذي (٥) بعد أن ذكر حديث أبي سعيد: وفي الباب عن أبي بكر، وعمر (٦) وعثمان، وأبي هريرة (٧)، وهشام بن عامر، والبراء (٨)، وزيد (٨) بن أرقم،

стр. 4726

وفضالة بن عبيد (١)، وأبي بكرة (٢)، وابن عمر (٣)، وأبي الدرداء، وبلال (٤)، اهـ. وقد ذكر المصنف بعض ذلك في كتابه هذا، وخرّج الحافظ في التلخيص (٥) بعضها، فلو فرض معارضة حديث أسامة لها من جميع الوجوه وعدم إمكان الجمع أو الترجيح بما سلف لكان الثابت عن الجماعة أرجح من الثابت عن الواحد. قوله: (ولا الورق بالورق) بفتح الواو وكسر الراء وبإسكانها على المشهور ويجوز [فتحها] (٦)، كذا في الفتح (٧) وهو الفضة، وقيل: بكسر الواو: المضروبة، وبفتحها المال. والمراد هنا جميع أنواع الفضة مضروبة وغير مضروبة. قوله: (إلا وزنًا بوزن مثلًا بمثل سواء بسواء)، الجمع بين هذه الألفاظ لقصد التأكيد أو للمبالغة.

стр. 4727

قوله: (إلا ما اختلفت ألوانه)، المراد أنهما اختلفا في اللون اختلافًا يصير به كل واحد منهما جنسًا غير جنس مقابله، فمعناه معنى ما سيأتي من قوله ﷺ : "فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم" (١)، وسنذكر إن شاء الله ما يستفاد منه. ٧/ ٢٢٤٣ - (وعَنْ أبي بَكْرَةَ قالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ عَنِ الفِضَّةِ بالفِضةِ والذَّهَبِ بالذَّهَبِ إلَّا سَوَاءً بَسوَاءٍ، وأمَرَنا أن نَشتَرِيَ الفِضَّةَ بالذَّهَبِ كَيفَ شِئنا، ونشْتَرِيَ الذَّهَبَ بالفِضَةِ كَيفَ شِئنا. أخَرجَاهُ (٢). [صحيح] وَفيهِ دَليلٌ على جَوَازِ الذَّهَبِ بالفِضَّةِ مُجازَفَةً). ٨/ ٢٢٤٤ - (وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّاب قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الذَّهَبُ بالوَرِقِ رِبًا إلَّا هَاءَ وهَاءَ، والبرُّ بالبُرِّ رِبًا إلًّا هَاءَ وَهاءَ، والشَّعيرُ بالشَّعِيرِ رِبًا إلَّا هَاءَ وهَاءَ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ ربًا إلَّا هَاءَ وهَاءَ". مُتَّفقٌ عَليهِ) (٣). [صحيح] ٩/ ٢٢٤٥ - (وعَنْ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفضةُ بالفِضّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشّعيرُ بالشَّعِيرِ، والتّمرُ بالتّمرِ، والْمِلْحُ بالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ سَوَاءً بسَوَاءٍ يَدًا بيَدٍ؛ فإِذَا اخْتَلَفَتْ هذِهِ الأصْنافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ". رَوَاهُ أحمدُ (٤) ومُسلِم (٥)، وللنَّسائيِّ (٦) وابْنِ ماجَهْ (٧) وأبي دَاودَ (٨) نَحْوُهُ وفي آخِرِهِ: وَأَمَرَنَا أنْ نَبِيعَ البُرَّ بالشعيرِ والشعيرَ بالبُرِّ يَدًا بيَدٍ كَيْفَ شِئْنا، وهْوَ صَرِيحٌ في كَوْنِ البُرِّ والشعِيرِ جنْسَيْنِ). [صحيح]

стр. 4728

١٠/ ٢٢٤٦ - (وعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عبْدِ الله قَالَ: كُنْتُ أسْمَعُ النبيَّ ﷺ يقُولُ: "الطَّعامُ بالطَّعامِ مِثْلًا بمِثْل، وكانَ طَعَامُنا يَوْمئِذٍ الشَّعيرَ". رَواهُ أحمدُ (١) ومُسْلمٌ) (٢). [صحيح] ١١/ ٢٢٤٧ - (وعَنْ الحَسَنِ عَنْ عُبَادَة وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "ما وُزِنَ مِثْلٌ بمِثْلٍ إذَا كَانَ نَوْعًا واحِدًا، وما كِيلَ فَمِثْلُ ذلِكَ، فَإِذَا اخْتَلَفَ النَّوْعانِ فلَا بأَسَ بهِ". رَوَاه الدَّارقطنيُّ) (٣). [إسناده ضعيف] حديث أنس وعبادة أشار إليه في التلخيص (٤) ولم يتكلم عليه وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره، وضعَّفه جماعة (٥). وقد أخرج هذا الحديث البزار (٦) أيضًا، ويشهد لصحته حديث عبادة المذكور أولًا وغيره من الأحاديث. قوله: (كيف شئنا)، هذا الإطلاق مقيد بما في حديث عبادة من قوله: (إذا

стр. 4729

كان يدًا بيد)، فلا بدَّ في بيع بعض الربويات ببعض من التقابض ولا سيما في الصرف، وهو بيع الدراهم بالذهب وعكسه، فإنه متفق على اشتراطه. وظاهر هذا الإطلاق والتفويض إلى المشيئة أنه يجوز بيع الذهب بالفضة والعكس، وكذلك سائر الأجناس الربوية إذا بيع بعضها ببعض من غير تقييد بصفة من الصفات غير صفة القبض، ويدخل في ذلك بيع الجزاف وغيره. قوله: (إلا هاء وهاء) بالمدّ فيهما وفتح الهمزة، وقيل: بالكسر، وقيل: بالسكون، وحُكي القصر بغير همز، وخطَّأها الخطابي (١)، وردَّ عليه النووي (٢) وقال: هي صحيحة لكن قليلة. والمعنى خذ وهات، وحكي بزيادة كاف مكسورة ويقال: هاء بكسر الهمزة بمعنى هات وبفتحها بمعنى خذ. وقال ابن الأثير (٣): هاء وهاء أنه يقول كل واحد من البيعين هاء فيعطيه ما في يده. وقيل: معناهما خذ وأعط، قال: وغير الخطابي (٤) يجيز فيه السكون. وقال ابن مالك (٥): هاء اسم فعل بمعنى خذ. وقال الخليل (٦): هاء كلمة تستعمل عند المناولة والمقصود من قوله: هاء وهاء أن يقول كل واحد من المتعاقدين لصاحبه: هاء فيتقابضان في المجلس قال: فالتقدير لا تبيعوا الذهب بالورق إلا مقولًا بين المتعاقدين هاء وهاء (٧).

стр. 4730

قوله: (فإذا اختلفت هذه الأصناف … ) إلخ، ظاهر هذا أنه لا يجوز بيع جنس ربوي بجنس آخر إلا مع القبض، ولا يجوز مؤجلًا ولو اختلفا في الجنس والتقدير كالحنطة والشعير بالذهب والفضة. وقيل: يجوز مع الاختلاف المذكور إنما يشترط التقابض في الشيئين المختلفين جنسًا المتفقين تقديرًا كالفضة بالذهب والبر بالشعير، إذ لا يعقل التفاضل والاستواء إلا فيما كان كذلك. ويجاب بأن مثل هذا لا يصلح لتخصيص النصوص وتقييدها وكون التفاضل والاستواء لا يعقل في المختلفين جنسًا وتقديرًا ممنوع، والسند أن التفاضل معقول لو كان الطعام يوزن أو النقود تكال ولو في بعض الأزمان والبلدان، ثم إنه قد يبلغ ثمن الطعام إلى مقدار من الدراهم كثير عند شدة الغلاء بحيث يعقل أن يقال: [الدراهم أكثر من الطعام] (١) وما المانع من ذلك؟ وأما الاستدلال على جواز ذلك بحديث عائشة عند البخاري (٢) ومسلم (٣) وغيرهما (٤) قالت: "اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعامًا بنسيئة وأعطاه درعًا له رهنًا"، فلا يخفى أن غاية ما فيه أن يكون مخصصًا للنص المذكور لصورة الرهن، فيجوز في هذه الصورة لا في غيرها لعدم صحة إلحاق ما لا عوض فيه عن الثمن بما فيه عوض عنه وهو الرهن.

стр. 4731

نعم إن صح الإجماع الذي حكاه المغربي (١) في شرح بلوغ المرام فإنه قال: "وأجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة متفاضلًا أو مؤجلًا كبيع الذهب بالحنطة وبيع الفضة بالشعير وغيره من المكيل" اهـ. كان ذلك هو الدليل على الجواز عند من كان يرى حجية الإجماع، وأما إذا كان الربوي يشارك مقابله في العلة، فإن كان بيع الذهب بالفضة أو العكس فقد تقدم أنه يشترط التقابض إجماعًا (٢)، وإن كان في غير ذلك من الأجناس كبيع البر بالشعير أو بالتمر أو العكس، فظاهر الحديث عدم الجواز وإليه ذهب الجمهور (٣)، وقال أبو حنيفة (٤) وأصحابه وابن عُلَّية (٥): لا يشترط، والحديث يرد عليه. وقد تمسَّك مالك (٦) بقوله: "إلا يدًا بيد"، وبقوله: "الذهب بالورق ربًا إلا هاء وهاء"، على أنه يشترط القبض في الصرف عند الإيجاب بالكلام ولا يجوز التراخي ولو كانا في المجلس. وقال الشافعي (٧) وأبو حنيفة (٨) والجمهور (٩): أن المعتبر التقابض في المجلس وإن تراخى عن الإيجاب والظاهر الأول. ولكنه أخرج عبد الرزاق (١٠) وأحمد (١١) وابن ماجه (١٢) عن ابن عمر: "أنه

стр. 4732

سأل النبي ﷺ فقال: اشتر الذهب بالفضة، فإذا أخذت واحدًا منهما فلا تفارق صاحبك وبينكما لبس"، فيمكن أن يقال: إن هذه الرواية تدل على اعتبار المجلس. قوله: (أن يبيع البرَ بالشعير … ) إلخ، فيه كما قال المصنف تصريح بأن البر والشعير جنسان وهو مذهب الجمهور، وحكي عن مالك والليث والأوزاعي كما تقدم أنهما جنس واحد وبه قال معظم علماء المدينة وهو محكي عن عمر وسعد وغيرهما من السَّلف، وتمسَّكوا بقوله ﷺ : "الطعام بالطعام" كما في حديث معمر بن عبد الله المذكور (١). ويجاب عنه بما في آخر الحديث من قوله: وكان طعامنا يومئذٍ الشعير فإنه في حكم التقييد لهذا المطلق، وأيضًا التصريح بجواز بيع أحدهما بالآخر متفاضلًا كما في حديث عبادة (٢)، وكذلك عطف أحدهما على الآخر كما في غيره من أحاديث الباب مما لا يبقى معه ارتياب في أنهما جنسان. واعلم أنه قد اختلف هل يلحق بهذه الأجناس المذكورة في الأحاديث غيرها، فيكون حكمه حكمها في تحريم التفاضل والنساء مع الاتفاق في الجنس، وتحريم النساء فقط مع الاختلاف في الجنس والاتفاق في العلة؛ فقالت الظاهرية (٣): إنه لا يلحق بها غيرها في ذلك. وذهب من عداهم من العلماء إلى أنه يلحق بها ما يشاركها في العلة، ثم اختلفوا في العلة ما هي؟ فقال الشافعي (٤): هي الاتفاق في الجنس والطعم فيما عدا النقدين، وأما هما فلا يلحق بهما غيرهما من الموزونات واستدل على اعتبار الطعم بقوله ﷺ : "الطعام بالطعام". وقال مالك (٥) في النقدين كقول الشافعي، وفي غيرهما العلة الجنس والتقدير والاقتيات، وقال ربيعة: بل اتفاق الجنس ووجوب الزكاة.

стр. 4733

وقال العترة (١) جميعًا: بل العلة في جميعها اتفاقُ الجنس والتقدير بالكيل والوزن، واستدلوا على ذلك بذكره ﷺ للكيل والوزن في أحاديث الباب. ويدل على ذلك أيضًا حديث أنس المذكور (٢) فإنه حكم فيه على كل موزون مع اتحاد نوعه وعلى كل مكيل كذلك بأنه مثل بمثل، فأشعر بأن الاتفاق في أحدهما مع اتحاد النوع موجب لتحريم التفاضل بعموم النص لا بالقياس وبه يرد على الظاهرية لأنهم إنما منعوا من الإلحاق لنفيهم للقياس. ومما يؤيد ذلك ما سيأتي في حديث أبي سعيد وأبي هريرة (٣) أن النبي ﷺ قال في الميزان مثل ما قال في المكيل على ما سيبينه المصنف إن شاء الله تعالى. وإلى مثل ما ذهبت إليه العترة ذهب أبو حنيفة (٤) وأصحابه كما حكى ذلك عنه المهدي في البحر (٥)، وحكى عنه أن يقول: العلة في الذهب الوزن، وفي الأربعة الباقية كونها مطعومة موزونة أو مكيلة. والحاصل: أنه قد وقع الاتفاق بين من عدا الظاهرية بأن جزء العلة الاتفاق في الجنس، واختلفوا في تعيين الجزء الآخر على تلك الأقوال، ولم يعتبر أحد منهم العدد جزءًا من العلة [ولعلَّ ذلك منهم اكتفاءً بالوزن] (٦) مع اعتبار الشارع له كما في رواية من حديث أبي سعيد (٧) "ولا درهمين بدرهم" وفي حديث عثمان عتد مسلم (٨): "ولا تبيعوا الدينار بالدينارين". ١٢/ ٢٢٤٨ - (وعَنْ أبي سَعِيدِ وأبي هُرَيْرَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا على خَيْبَرَ، فَجَاءَهُمْ بتَمْرٍ جَنِيبٍ فقالَ: "أَكُلُّ تَمْرِ خيْبَرَ هكَذَا؟ "، قالَ: إنَّا

стр. 4734

لَنَأخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذَا بالصَّاعَيْنِ، والصَّاعَيْنِ بالثَّلَاثَةِ، فقالَ: "لَا تَفْعلْ، بعِ الْجَمْعَ بالدَّرَاهِمِ، ثمَّ ابْتَعْ بالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا"، وقالَ في الْمِيزَانِ مِثْلَ ذلِكَ؛ رَواهُ البُخاريُّ) (١). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا مسلم (٢). قوله: (رجلًا) صرّح أبو عوانة (٣) والدارقطني (٤) أن اسمه سواد بن غَزية بمعجمه فزاي فياء مشددة كعطية. قوله: (جنيب) (٥) بفتح الجيم وكسر النون وسكون التحتية وآخره موحدة، اختلف في تفسيره؛ فقيل: هو الطيب، وقيل: الصلب، وقيل: ما أخرج منه حشفه ورديئه، وقيل: ما لا يختلط بغيره. وقال في القاموس (٦): إن الجنيب تمر جيد. قوله: (بع الجمع) بفتح الجيم وسكون الميم، قال في الفتح (٧): هو التمر المختلط بغيره. وقال في القاموس (٨): هو الدَّقل أو صنف من التمر. والحديث يدلّ على أنه لا يجوز بيع رديء الجنس بجيده متفاضلًا وهذا أمر مجمع عليه لا خلاف بين أهل العلم فيه، وأما سكوت الرواة عن فسخ المذكور فلا يدل على عدم الوقوع إما ذهولًا وإما اكتفاءً بأن ذلك معلوم. وقد ورد في بعض طرق الحديث أن النبي ﷺ قال: "هذا هو الربا" (٩)،

стр. 4735

فرده كما نبه على ذلك في الفتح (١). وقد استدل أيضًا بهذا الحديث على جواز بيع العينة لأن النبي ﷺ أمره أن يشتري بثمن الجَمْعِ جنيبًا. ويمكن أن يكون بائع الجنيب منه هو الذي اشترى منه الجَمْعَ، فيكون قد عادَت إليه الدراهم التي هي عين ماله، لأن النبي ﷺ لم يأمره بأن يشتري الجَنِيبَ من غير من باع منه الجمع، وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم (٢). قال في الفتح (٣): وتعقب بأنه مطلق والمطلق لا يشمل، فإذا عمل به في صورة سقط الاحتجاج به في غيرها فلا يصح الاستدلال به على جواز الشراء ممن باع منه تلك السلعة بعينها، انتهى. وسيأتي الكلام على بيع العينة. قوله: (وقال في الميزان مثل ذلك)، أي مثل ما قال في المكيل من أنه لا يجوز بيع بعض الجنس منه ببعضه متفاضلًا وإن اختلفا في الجودة والرداءة، بل يباع رديئه بالدراهم ثم يُشْتَرى بهذا الجيدُ، والمراد بالميزان هنا الموزون. قال المصنف (٤) ﵀: وهو حجة في جريان الربا في الموزونات كلها، لأن قوله (في الميزان) أي في الموزون، وإلا فنفس الميزان ليست من أموال الربا، انتهى. [الباب الثالث] باب في أن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل ١٣/ ٢٢٤٩ - (عَنْ جابرٍ قالَ: نَهى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لا يُعْلَمُ كَيْلُها بالْكَيلِ المُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ. رَوَاهُ مُسلمٌ (٥) والنَّسائيُّ (٦). [صحيح]

стр. 4736

وَهْوَ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ على أنَّهُ لَوْ باعَهَا بِجِنْس غَيْرِ التَّمْرِ لَجَازَ). قوله: (الصبرة)، قال في القاموس (١): والصّبْرَة بالضم ما جُمِعَ من الطعام بلا كيلٍ ووزنٍ، انتهى. قوله: (لا يعلم كيلها) صفة كاشفة للصُّبرة، لأنه لا يقال لها صُبرة إلا إذا كانت مجهولة الكيل. والحديث فيه دليل على أنه لا يجوز أن يباع جنس بجنسه، وأحدهما مجهول المقدار لأن العلم بالتساوي عن الاتفاق في الجنس شرط لا يجوز البيع بدونه ولا شك أن الجهل بكلا البدلين أو بأحدهما فقط مظنة للزيادة والنقصان وما كان مظنة للحرام وجب تجنبه، وتجنب هذه المظنة إنما يكون بكيل المكيل ووزن الموزون من كل واحد من البدلين. [الباب الرابع] باب من باعَ ذهبًا وغيره بذهب ١٤/ ٢٢٥٠ - (عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: اشتَرَيْتُ قِلَادة يَوْمَ خَيْبَرَ باثْنَيْ عَشرَ دِينَارًا فِيهَا ذَهَبٌ وخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُها فَوَجدْتُ فِيهَا أكْثَرَ مِن اثْنَيْ عَشْرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذلِكَ للنبيّ ﷺ فقالَ: "لَا يُبَاعُ حتى يُفَصَّلَ". رَوَاهُ مُسلمٌ (٢) والنَّسائيُّ (٣) وأبُو داوُدَ (٤) والتِّرمِذِيُّ (٥) وصحَّحهُ. [صحيح] وفي لفظٍ أن النبيَّ ﷺ أُتِيَ بِقِلادةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخرَزٌ ابْتاعهَا رجُل بتِسْعَةِ دَنانِيرَ أوْ سَبْعَةِ دَنانِيرَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "لَا حتى تَمَيّزَ بَيْنهُ وبَينَهُ"، فقالَ: إنّما

стр. 4737

أَرَدْتُ الْحِجارَةَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "لَا حَتَّى تُميِّزَ بيْنَهُا"، قالَ: فَرَدّهُ حتى مَيّزَ بَيْنَهُما. رَواهُ أبُو دَاوُد) (١). [صحيح] الحديث قال في التلخيص (٢) له عند الطبراني في الكبير طرق كثيرة جدًّا في بعضها (٣) "قلادة فيها خرز وذهب". وفي بعضها (٤) ذهب وجوهر. وفي بعضها: [خرز وذهب] (٥)، وفي بعضها (٦): خرز معلقة بذهب. وفي بعضها (٧): باثني عشر دينارًا. وفي بعضها (٨): بتسعة دنانير، وفي أخرى (٧): بسبعة دنانير. وأجاب البيهقي (٩) عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعًا شهدها فضالة. قال الحافظ (١٠): والجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفًا، بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه وهو النهي عن بيع ما لم يفصل، وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحال ما يوجب الحكم بالاضطراب وحينئذٍ ينبغي الترجيح بين رواتها وإن كان الجميع ثقات فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم، فيكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة، انتهى. وبعض هذه الروايات التي ذكرها الطبراني في صحيح مسلم (١١) وسنن أبي داود (١٢).

стр. 4738

قوله: (ففصَّلْتُها) بتشديد الصاد. الحديث استدلَّ به على أنه لا يجوز بيع الذهب مع غيره بذهب حتى يفصل من ذلك الغير ويميز عنه ليعرف مقدار الذهب المتصل بغيره ومثله الفضة مع غيرها بفضة، وكذلك سائر الأجناس الربوية لاتحادها في العلة وهي تحريم بيع الجنس بجنسه متفاضلًا. ومما يرشد إلى استواء الأجناس الربوية في هذا ما تقدم من النهي عن بيع الصبرة من التمر بالكيل المسمى من التمر. وكذلك نهيه عن بيع التمر بالرطب خرصًا لعدم التمكن من معرفة التساوي على التحقيق، وكذلك في مثل مسألة القلادة يتعذر الوقوف على التساوي من دون فصل، ولا يكفي مجرد الفصل بل لا بد من معرفة مقدار المفصول والمقابل له من جنسه وإلى العمل بظاهر الحديث ذهب عمر بن الخطاب وجماعة من السلف والشافعي (١) وأحمد (٢) وإسحاق ومحمد بن الحكم المالكي (٣). وقالت الحنفية (٤) والثوري والحسن بن صالح والعترة (٥): إنه يجوز إذا كان الذهب المنفرد أكثر من الذي في القلادة ونحوها لا مثله ولا دونه. وقال مالك (٦): يجوز إذا كان الذهب تابعًا لغيره بأن يكون الثلث فما دون.

стр. 4739

وقال حماد بن أبي سليمان (١): إنه يجوز بيع الذهب مع غيره بالذهب مطلقًا سواء كان المنفصل مثل المتصل أو أقل أو أكثر، واعتذرت الحنفية ومن قال بقولهم عن الحديث بأن الذهب كان أكثر من المنفصل. واستدلوا بقوله: ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارًا، والثمن إما سبعة أو تسعة وأكثر ما روي عنه أنه اثنا عشر. وأجيب عن ذلك بما تقدم عن البيهقي (٢) من أن القصة التي شهدها فضالة كانت متعددة فلا يصح التمسك بما وقع في بعضها وإهدار البعض الآخر. وأجيب أيضًا بأن العلة هي عدم الفصل، وظاهر ذلك عدم الفرق بين المساوي والأقل والأكثر والغنيمة وغيرها، وبهذا يجاب عن الخطابي (٣) حيث قال: إن سبب النهي كون تلك القلادة كانت من الغنائم مخافة أن يقع المسلمون في بيعها. وقد أجاب الطحاوي (٤) عن الحديث بأنه مضطرب. قال السبكي: وليس ذلك اضطراب قادح، ولا ترد الأحاديث الصحيحة بمثل ذلك، انتهى. وقد عرفت مما تقدم أنه لا اضطراب في محل الحجة، والاضطراب في غيره لا يقدح فيه. وبهذا يجاب أيضًا على ما قاله مالك (٥). وأما ما ذهب إليه حماد بن أبي سليمان (١) فمردود بالحديث على جميع التقادير، ولعله يعتذر عنه بمثل ما قال الخطابي أو لم يبلغه. قوله: (حتى تميز) بضم تاء المخاطب في أوله وتشديد الياء المكسورة بعد الميم.

стр. 4740

قوله: (إنما أردت الحجارة) يعني الخرز الذي في القلادة ولم أرد الذهب. [الباب الخامس] باب مرد الكيل والوزن ١٥/ ٢٢٥١ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ: "الْمِكْيالُ مِكْيالُ أهْلِ المدِينةِ، والْوَزْنُ وَزْنُ أَهلِ مكَّةَ". رَواهُ أبُو داوُد (١) والنَّسائيُّ) (٢). [صحيح] الحديث سكت عنه أبو داود (٣) والمنذري (٤) وأخرجه أيضًا البزار (٥) وصححه ابن حبان (٦) والدارقطني (٧) وفي رواية لأبي داود (٨): عن ابن عباس، مكان ابن عمر. قوله: (المكيال مكيال أهل المدينة … ) إلخ، فيه دليل على أنه يرجع عند الاختلاف في الكيل إلى مكيال المدينة وعند الاختلاف في الوزن إلى ميزان مكة. أما مقدار ميزان مكة فقال ابن حزم (٩): بحثت غاية البحث عن كل من وثقت بتمييزه فوجدت كلًا يقول: إن دينار الذهب بمكة وزنه [اثنتان] (١٠) وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة بالحب من الشعير، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم سبع وخمسون حبة وستة أعشار حبة وعشر عشر الحبة، فالرطل مائة وثمانية وعشرون درهمًا بالدرهم المذكور. وأما مكيال المدينة فقد قدمنا تحقيقه في الفطرة. ووقع في رواية لأبي داود (٨) من طريق الوليد بن مسلم عن حنظلة بن أبي

стр. 4741

سفيان الجمحي قال: وزن المدينة ومكيال مكة والرواية المذكورة في الباب من طريق سفيان الثوري عن حنظلة عن طاوس عن ابن عمر وهي أصح. وأما الرواية التي ذكرها أبو داود عن ابن عباس فرواها أيضًا الدارقطني (١) من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان عن حنظلة عن طاوس عن ابن عباس، ورواه من طريق أبي نعيم عن الثوري عن حنظلة عن سالم بدل طاوس عن ابن عباس، قال الدارقطني (٢): أخطأ أبو أحمد فيه. [الباب السادس] باب النهي عن بيع كل رطب من حب أو تمر بيابسه ١٦/ ٢٢٥٢ - (عَنِ ابْنِ عمَرَ قالَ: نَهَى رسُولُ الله ﷺ الْمُزَابَنَةِ أنْ يَبِيعَ الرّجُلُ ثمرَ حائِطِهِ إنْ كانَ نَخْلًا بتَمْرٍ كَيلًا، وإنْ كانَ كَرْمًا أنْ يَبيعهُ بزَبيبٍ كَيْلًا، وإن كانَ زَرْعًا أنْ يَبِيعَهُ بكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذلِكَ كُلّهِ. متَّفَقٌ عليهِ) (٣). [صحيح] ١٧/ ٢٢٥٣ - (وَلمُسْلِمٍ (٤) في رِوايَةٍ: وعَنْ كُل ثَمرٍ بِخَرْصِهِ). [صحيح] ١٨/ ٢٢٥٤ - (وعَنْ سَعْدِ بْنِ أبي وقاص قالَ: سَمِعْتُ النبيّ ﷺ يَسألُ عَنِ اشتِرَاءِ التّمْرِ بالرُّطبِ فقالَ لِمَنْ حَوْلهُ: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا يَبُسَ؟ "، قالُوا: نَعَمْ فَنَهَى عَنْ ذلِكَ. رَوَاهُ الخَمْسَة وصحَّحهُ الترمذيُّ) (٥). [صحيح]

стр. 4742

حديث سعد أخرجه أيضًا ابن خزيمة وابن حبان (١) والحاكم (٢) وصحَّحوه، وصححه أيضًا ابن المديني (٣) وأخرجه الدارقطني (٤) والبيهقي (٥). وقد أعله جماعة منهم الطحاوي (٦) والطبري وابن حزم (٧) وعبد الحق بأن في إسناده زيدًا أبا عياش وهو مجهول (٨). قال في التلخيص (٩): والجواب أن الدارقطني قال: إنه ثقة ثبت. وقال المنذري (١٠): وقد روى عنه ثقات واعتمده مالك مع شدة نقده، وقال الحاكم: لا أعلم أحدًا طعن فيه.

стр. 4743

قوله: (عن المزابنة)، قد تقدم ضبطها في باب النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه. قوله: (ثمر حائطه) بالمثلثة وفتح الميم، قال في الفتح (١): والمراد به الرطب خاصة. قوله: (بتمر كيلًا) بالمثناة من فوق وسكون الميم، والمراد بالكرم العنب. قال في الفتح (١): وهذا أصل المزابنة، وألحق الجمهور بذلك كل بيع مجهول بمجهول أو بمعلوم من جنس يجري فيه الربا. قال: فأما من قال: أضمن لك صبرتك هذه بعشرين صاعًا مثلًا فما زاد فَلِي، وما نقص فعلَيَّ، فهو من القمار، وليس من المزابنة. وتعقبه الحافظ (٢) بأنه قد ثبت في البخاري (٣) عن ابن عمر تفسير المزابنة ببيع التمر بكيل إن زاد فلي، وإن نقص فعليّ، قال: فثبت أن من صور المزابنة هذه الصورة من القمار، ولا يلزم من كونها قمارًا أن لا تسمى مزابنة. قال (٤): ومن صور المزابنة بيع الزرع بالحنطة بما أخرجه مسلم (٥) في تفسير المزابنة عن نافع بلفظ: "المزابنة بيع ثمر النخل: بالتمر كيلًا وبيع العنب بالزبيب كيلًا وبيع الزرع بالحنطة كيلًا"، وقد أخرج هذا الحديث البخاري (٦) كما ذكره المصنف ههنا ولم ينفرد به مسلم. وقد قدمنا مثل هذا في باب النهي عن بيع التمر قبل بدوّ صلاحه. وقدمنا أيضًا ما فسر به مالك المزابنة. قوله: (أينقص) الاستفهام ههنا ليس المراد به حقيقته أعني طلب الفهم لأنه ﷺ كان عالمًا بأنه ينقص إذا يبس، بل المراد تنبيه السامع بأن هذا الوصف الذي وقع عنه الاستفهام هو علة النهي، ومن المشعرات بذلك الفاء في قوله فنهى عن ذلك.

стр. 4744

ويستفاد من هذا عدم جواز بيع الرطب بالرطب، لأن نقص كل واحد منهما لا يحصل العلم بأنه مثل نقص الآخر، وما كان كذلك فهو مظنة للربا. وقد ذهب إلى ذلك الشافعي (١) وجمهور أصحابه (٢) وعبد الملك بن الماجشون وأبو حفص العكبري (٣) من الحنابلة، وذهب مالك (٤) وأبو حنيفة (٥) وأحمد (٦) في المشهور عنه، والمزني والروياني من أصحاب الشافعي (٧) إلى أنه يجوز. قال ابن المنذر (٨): إن العلماء اتفقوا على جواز ذلك إلا الشافعي، ويدل على عدم الجواز أن الإسماعيلي في مستخرجه على البخاري روى حديث ابن عمر بلفظ: "نهى ﷺ عن بيع الثمرة بالثمرة"، وذلك يشمل بيع الرطب بالرطب. [الباب السابع] باب الرخصة في بيع العرايا ١٩/ ٢٢٥٥ - (عَنْ رَافِعِ بْنِ خديجٍ وسَهْلِ بْنِ حَثْمَةَ أن النبيَّ ﷺ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ: بيْع الثَّمَرِ بالتَّمْرِ، إلّا أصحابَ العَرَايَا فإِنّهُ قَدْ أذِنَ لَهُمْ. رَواهُ أحمَدُ (٩)

стр. 4745

والبُخاريُّ (١) والتِّرمذيُّ (٢)، وَزَادَ فِيهِ: وعَنْ بيْعِ الْعِنَبِ بالزّبِيبِ، وعنْ كُلِّ تمرٍ بخَرْصِهِ). [صحيح] ٢٠/ ٢٢٥٦ - (وعَنْ سَهْلِ بْنِ أبيِ حثْمَةَ قالَ: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بالتَّمْرِ، وَرَخّصَ في العَرَايَا أنْ يَشتَرِيَ بخرْصهَا يَأكُلُها أهْلُها رُطَبًا. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (٣). وفي لفْظٍ: عَنْ بيعِ الثَّمَرِ بالتَّمْرِ، وقالَ: ذلِكَ الرِّبا تِلْكَ المُزْابَنَةُ، إلّا أنَّهُ رَخصَ في بَيعِ العَريةِ النّخلَةَ والنَّخلَتَيْنِ، يأخذُها أهْلُ البَيتِ بِخَرْصِهَا تَمرًا يأكُلُونَها رُطَبًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٤). [صحيح] ٢١/ ٢٢٥٧ - (وعَنْ جابِرٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ حِينَ أذِن لأهْل العَرَايَا أنْ يَبيعُوها بِخَرْصِهَا يقُولُ: "الْوَسْقَ والوَسقَيْنِ والثّلَاثةَ والأربعَةَ". رواهُ أحمَدُ) (٥). [حسن] ٢٢/ ٢٢٥٨ - (وعَنْ زيدِ بْنِ ثَابتٍ أن النبيّ ﷺ رخصَ في بَيْعِ العَرَايَا أنْ تُباعَ بِخرْصِهَا كَيلًا. رَوَاهُ أحمَدُ (٦) والبُخاريُّ (٧).

стр. 4746

وَفِي لَفْظٍ: رَخصَ في العَرِيّةَ يأخُذُهَا أهْلُ البيتِ بِخرصِهَا تَمرًا يأكلُونَها رُطبًا. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (١). وفي لَفْظٍ آخرَ: رَخَّصَ في بَيْعِ العَريّةِ بالرُّطَبِ أو بالتّمرِ ولَم يُرَخّص في غَيرِ ذلِكَ. أخرَجَاهُ (٢). وفي لفْظٍ: بالتّمر وبالرُّطَبِ. رَواهُ أبُو داوُدَ) (٣). [صحيح] حديث جابر أخرجه أيضًا الشافعي (٤)، وصححه ابن خزيمة (٥) وابن حبان (٦) والحاكم (٧). وفي الباب عن أبي هريرة عند الشيخين (٨): "أن رسول الله ﷺ رخص في بيع العرايا بخرصها [فيما] (٩) دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق". قوله: (بيع الثمر بالتمر)، الأول بالمثلثة وفتح الميم، والثاني بالمثناة الفوقية وسكون الميم، والمراد بالأول: ثمر النخلة. وقد صرح بذلك مسلم (١٠) في رواية فقال: "ثمر النخلة"، وليس المراد: الثمر من غير النخل، لأنه يجوز بيعه بالتمر بالمثناة والسكون. قوله: (إلا أصحاب العرايا) جمع عرية، قال في الفتح (١١): وهي في الأصل عطية ثمر النخل دون الرقبة كانت العرب في الجدب تتطوع بذلك على من

стр. 4747

لا ثمر له كما يتطوع صاحب [الشاة أو الإِبل بالمنيحة] (١) وهي عطية اللبن دون الرقبة، ويقال: عَرِيت النخلة بفتح العين وكسر الراء تعرى، إذا [أفردت] (٢) عن حكم أخواتها بأن أعطاها المالك فقيرًا. قال مالكٌ: العَريَّةُ أن يُعْرِيَ الرجلُ الرجلَ النَّخلة - أي: يهبها له أو يهب له ثمرها - ثم يتأذَّى بدخوله عليه فيرخص الموهوب له للواهب أن يشتري رطبها منه بتمرٍ يابس، هكذا علقه البخاري (٣) عن مالك، ووصله ابن عبد البر (٤) من رواية ابن وهب. وروى الطحاوي (٥) عن مالك أن العرية النخلة للرجل في حائط غيره فيكره صاحب النخل الكثير دخول الآخر عليه فيقول: أنا أعطيك بخرص نخلتك تمرًا فيرخص له في ذلك؛ فشرط العرية عند مالك (٦) أن يكون لأجل التضرر من

стр. 4748

المالك بدخول غيره إلى حائطه، أو لدفع الضرر عن الآخر لقيام صاحب النخل بما يحتاج إليه. وقال الشافعي في الأم (١) وحكاه عنه البيهقي (٢) إن العرايا أن يشتري الرجل ثمر النخلة بخرصه من التمر بشرط التقابض في الحال، واشترط مالك (٣) أن يكون التمر مؤجلًا. وقال ابن إسحاق في حديثه عن ابن عمر عند أبي داود (٤) والبخاري (٥) تعليقًا أن يعري الرجل الرجل، أي: يهب له في ماله النخلة والنخلتين، فيشق عليه أن يقوم عليها فيبيعها بمثل خرصها. وأخرج الإمام أحمد (٦) عن سفيان بن حُسَين أن العرايا نخل كانت توهَبُ للمساكين فلا يستطيعونَ أن ينتظِروا بها، فرخص لهم أن يبيعوها بما شاؤوا من التمر. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري (٧): العرية أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبًا بخرصها تمرًا. قال القرطبي (٨): كأن الشافعي اعتمد في تفسير العرية على قول يحيى بن سعيد. وأخرج أبو داود (٩) عن عبد ربه بن سعيد الأنصاري وهو أخو يحيى

стр. 4749

المذكور أنه قال: العرية الرجل يعري الرجل النخلة، أو الرجل يستثني من ماله النخلة يأكلها رطبًا فيبيعها تمرًا. وأخرج ابن أبي شيبة في مصنفه (١) عن وكيع قال: سمعنا في تفسير العرية أنها: النخلة يعريها الرجل للرجل ويشتريها في بستان الرجل. وقال في القاموس (٢): وأعراه النخلة وهبه ثمرة عامها، والعرية النخلة المعراة، والتي أكل ما عليها. قال الجوهري (٣): هي النخلة التي يعريها صاحبها رجلًا محتاجًا بأن يجعل له ثمرها عامًا من عراه إذا قصده. قال في الفتح (٤): صور العرية كثيرة. (منها) أن يقول رجل لصاحب النخل بعني ثمر نخلات بأعيانها بخرصها من التمر فيخرصها ويبيعها ويقبض منه التمر ويسلم له النخلات بالتخلية فينتفع برطبها. (ومنها) أن يهب صاحب الحائط لرجل نخلات أو ثمر نخلات معلومة من حائطه ثم يتضرر بدخوله عليه فيخرصها ويشتري رطبها بقدر خرصه بثمر معجل. (ومنها) أن يهبه إياها فيتضرر الموهوب له بانتظار صيرورة الرطب تمرًا ولا يحب أكلها رطبًا لاحتياجه إلى التمر فيبيع ذلك الرطب بخرصه من الواهب أو من غيره بتمر يأخذه معجلًا. (ومنها) أن يبيع الرجل ثمر حائطه بعد بدو صلاحه ويستثني منه نخلات معلومة يبقيها لنفسه أو لعياله وهي التي عفى له عن خرصها في الصدقة وسميت عرايا لأنها أعريت عن أن تخرص في الصدقة فرخص لأهل الحاجة الذين لا نقد لهم وعندهم فضول من تمر قوتهم أن يبتاعوا بذلك التمر من رطب تلك النخلات بخرصها، ومما يطلق عليه اسم العرية أن يعري رجلًا ثمر نخلات يبيح له أكلها والتصرف فيها، وهذه هبة محضة.

стр. 4750

(ومنها) أن يعري [عامل] (١) الصدقة، لصاحب الحائط من [حائطه] (٢) نخلات معلومة لا يخرصها في الصدقة، وهاتان الصورتان من العرايا لا بيع فيهما، وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعي (٣) والجمهور. وقصر مالك (٤) العرية في البيع على الصورة الثانية، وقصرها أبو عبيد (٥) على الصورة الأخيرة من صور البيع [وزاد أنه] (٦) رخص لهم أن يأكلوا الرطب ولا يشترونه لتجارة ولا ادخار. ومنع أبو حنيفة (٧) صور البيع كلها، وقصر العرية على الهبة وهي أن يعري الرجل الرجل ثمر نخلة من نخله ولا يسلم ذلك، ثم يبدو له أن يرتجع تلك الهبة فرخص له أن يحتبس ذلك ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمرًا. وحمله على ذلك أخذه بعموم النهي عن بيع التمر بالتمر. وتُعُقِّب بالتصريح باستثناء العرايا في الأحاديث. قال ابن المنذر (٨): الذي رخَّص في العريَّة هو الذي نهى عن بيع التمر بالتمر في لفظ واحد من رواية جماعة من الصحابة. قال: ونظير ذلك الإذن في السَّلَم مع قوله ﷺ : "لا تبع ما ليس عندك" (٩). قال: ولو كان المراد الهبة ما استثنيت العرية من البيع ولأنه عبر بالرخصة والرخصة لا تكون إلا في شيء ممنوع، والمنع إنما كان في البيع لا الهبة وبأنها قيدت بخمسة أوسق والهبة لا تتقيد. وقد احتج أصحاب أبي حنيفة لمذهبه بأشياء تدل على أن العريَّة العطية،

стр. 4751

ولا حجة في شيء منه. لأنه لا يلزم من كون أصل العريَّة العطية أن لا تطلق شرعًا على صور أخرى. وقالت الهادوية (١) وهو وجه في مذهب الشافعي (٢): إن رخصة العرايا مختصة بالمحاويج الذين لا يجدون رطبًا فيجوز لهم أن يشتروا منه بخرصه تمرًا. واستدلوا بما أخرجه الشافعي (٣) في "مختلف الحديث" عن زيد بن ثابت أنه سمى رجالًا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله ﷺ ولا نقد في أيديهم يبتاعون به رطبًا ويأكلون مع الناس وعندهم فضول قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر. ويجاب عن دعوى اختصاص العرايا بهذه الصورة. أما أولًا: فبالقدح في هذا الحديث، فإنه أنكره محمد بن داود الظاهري على الشافعي. وقال ابن حزم (٤): لم يذكر الشافعي له إسنادًا فبطل. وأما ثانيًا: فعلى تسليم صحته لا منافاة بينه وبين الأحاديث الدالة على أن العرية أعم من الصورة التي اشتمل عليها. والحاصل أن كلَّ صورة من صور العرايا ورد بها حديثٌ صحيحٌ، أو ثبتت عن أهل الشرع، أو أهل اللغة فهي جائزة لدخولها تحت مطلق الإذن، والتنصيص

стр. 4752

في بعض الأحاديث على بعض [الصور] (١) لا ينافي ما ثبت في غيره. قوله: (بخرصه) بفتح الخاء المعجمة، وأشار ابن التين (٢) إلى جواز كسرها وجزم ابن العربي (٣) بالكسر، وأنكر الفتح وجوزهما النووي (٤)، وقال: الفتح أشهر، قال: ومعناه بقدر ما فيه إذا صار تمرًا، فمن فتح قال: هو اسم الفعل، ومن كسر قال: هو اسم للشيء المخروص. قال في الفتح (٥): والخرص هو التخمين والحدس. قوله: (يقول: الوسق والوسقين … ) إلخ، استدل بهذا من قال: إنه لا يجوز في بيع العرايا إلا دون خمس أوسق، وهم الشافعية (٦) والحنابلة (٧) وأهل الظاهر (٨) قالوا: لأن الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ بما يتحقق فيه الجواز ويلقى ما وقع فيه الشك، ولكن مقتضى الاستدلال بهذا الحديث أن لا يجوز مجاوزة الأربعة الأوسق، مع أنهم يجوِّزونها إلى دون الخمسة بمقدار يسير، والذي يدل على ما ذهبوا إليه حديث أبي هريرة (٩) الذي ذكرناه لقوله فيه: "فيما دون خمسة أوسق" أو "في خمسة أوسق" فيلقى الشك وهو الخمسة ويعمل بالمتيقن وهو ما دونها. وقد حكى هذا القول صاحب البحر (١٠) عن أبي حنيفة ومالك والقاسم وأبي العباس، وقد عرفت ما سلف من تحقيق مذهب أبي حنيفة (١١) في العرايا. وحكى في الفتح (١٢) أن الراجح عند المالكية (١٣) الجواز في الخمسة عملًا برواية الشك، واحتج لهم بقول سهل بن أبي حثمة: أن العرية ثلاثة أوسق أو أربعة أو خمسة.

стр. 4753

قال في الفتح (١): ولا حجة فيه لأنه موقوف، وحكى الماوردي (٢) عن ابن المنذر أنه ذهب إلى تحديد ذلك بالأربعة الأوسق، وتعقبه الحافظ (٣) بأن ذلك لم يوجد في شيء من كتب ابن المنذر. وقد حكى هذا المذهب ابن عبد البر (٤) عن قوم، وهو ذهاب إلى ما في حديث جابر (٥) من الاقتصار على الأربعة. وقد ترجم عليه ابن حبان (٦): الاحتياط لا يزيد على أربعة أوسق. قال الحافظ (٧): وهذا الذي [قاله] (٨) يتعين المصير إليه، وأما جعله حدًا لا يجوز تجاوزه فليس بالواضح، اهـ. وذلك لأن دون الخمسة المذكورة في حديث أبي هريرة (٩) تقتضي بجواز الزيادة على الأربعة إلا أن يجعل الدون مجملًا مبينًا بالأربعة كان واضحًا، ولكنه لا يخفى أنه لا إجمال في قوله: "دون خمسة أوسق"، لأنها تتناول ما صدق عليه الدون لغة، وما كان كذلك لا يقال له مجمل، ومفهوم العدد في الأربعة لا يعارض المنطوق الدال على جواز الزيادة عليها. قوله: (ولم يرخص في غير ذلك)، فيه دليل على أنه لا يجوز شراء الرطب على رؤوس النخل بغير التمر والرطب. وفيه أيضًا دليل على جواز الرطب المخروص على رؤوس النخل بالرطب المخروص على الأرض، وهو رأي بعض الشافعية (١٠) منهم: ابن خيران.

стр. 4754

وقيل: لا يجوز، وهو رأي الإصطخري منهم وصححه جماعة. وقيل: إن كانا نوعًا واحدًا لم يجز إذ لا حاجة إليه، وإن كانا نوعين جاز وهو رأي أبي إسحاق، وصححه ابن أبي عصرون (١)، وهذا كله فيما إذا كان أحدهما على النخل والآخر على الأرض، وأما في غير ذلك فقد قدمنا الكلام عليه في الباب الذي قبل هذا. [الباب الثامن] باب بيع اللحم بالحيوان ٢٣/ ٢٢٥٩ - (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ أن النبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اللّحم بالحَيوانِ. رَواهُ مالِكٌ في المُوطّإِ) (٢). [إسناده صحيح مرسلًا] الحديث أخرجه أيضًا الشافعي (٣) مرسلًا من حديث سعيد، وأبو داود في المراسيل (٤)، ووصله الدارقطني في الغرائب (٥) عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد وحكم بضعفه، وصوب الرواية المرسلة المذكورة وتبعه ابن عبد البر. وله شاهد من حديث ابن عمر عند البزار (٦) وفي إسناده ثابت بن زهير (٧) وهو ضعيف.
следующие страницы →