← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4750–4789 · переход к 4755.

стр. 4750

(ومنها) أن يعري [عامل] (١) الصدقة، لصاحب الحائط من [حائطه] (٢) نخلات معلومة لا يخرصها في الصدقة، وهاتان الصورتان من العرايا لا بيع فيهما، وجميع هذه الصور صحيحة عند الشافعي (٣) والجمهور. وقصر مالك (٤) العرية في البيع على الصورة الثانية، وقصرها أبو عبيد (٥) على الصورة الأخيرة من صور البيع [وزاد أنه] (٦) رخص لهم أن يأكلوا الرطب ولا يشترونه لتجارة ولا ادخار. ومنع أبو حنيفة (٧) صور البيع كلها، وقصر العرية على الهبة وهي أن يعري الرجل الرجل ثمر نخلة من نخله ولا يسلم ذلك، ثم يبدو له أن يرتجع تلك الهبة فرخص له أن يحتبس ذلك ويعطيه بقدر ما وهبه له من الرطب بخرصه تمرًا. وحمله على ذلك أخذه بعموم النهي عن بيع التمر بالتمر. وتُعُقِّب بالتصريح باستثناء العرايا في الأحاديث. قال ابن المنذر (٨): الذي رخَّص في العريَّة هو الذي نهى عن بيع التمر بالتمر في لفظ واحد من رواية جماعة من الصحابة. قال: ونظير ذلك الإذن في السَّلَم مع قوله ﷺ : "لا تبع ما ليس عندك" (٩). قال: ولو كان المراد الهبة ما استثنيت العرية من البيع ولأنه عبر بالرخصة والرخصة لا تكون إلا في شيء ممنوع، والمنع إنما كان في البيع لا الهبة وبأنها قيدت بخمسة أوسق والهبة لا تتقيد. وقد احتج أصحاب أبي حنيفة لمذهبه بأشياء تدل على أن العريَّة العطية،

стр. 4751

ولا حجة في شيء منه. لأنه لا يلزم من كون أصل العريَّة العطية أن لا تطلق شرعًا على صور أخرى. وقالت الهادوية (١) وهو وجه في مذهب الشافعي (٢): إن رخصة العرايا مختصة بالمحاويج الذين لا يجدون رطبًا فيجوز لهم أن يشتروا منه بخرصه تمرًا. واستدلوا بما أخرجه الشافعي (٣) في "مختلف الحديث" عن زيد بن ثابت أنه سمى رجالًا محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله ﷺ ولا نقد في أيديهم يبتاعون به رطبًا ويأكلون مع الناس وعندهم فضول قوتهم من التمر، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر. ويجاب عن دعوى اختصاص العرايا بهذه الصورة. أما أولًا: فبالقدح في هذا الحديث، فإنه أنكره محمد بن داود الظاهري على الشافعي. وقال ابن حزم (٤): لم يذكر الشافعي له إسنادًا فبطل. وأما ثانيًا: فعلى تسليم صحته لا منافاة بينه وبين الأحاديث الدالة على أن العرية أعم من الصورة التي اشتمل عليها. والحاصل أن كلَّ صورة من صور العرايا ورد بها حديثٌ صحيحٌ، أو ثبتت عن أهل الشرع، أو أهل اللغة فهي جائزة لدخولها تحت مطلق الإذن، والتنصيص

стр. 4752

في بعض الأحاديث على بعض [الصور] (١) لا ينافي ما ثبت في غيره. قوله: (بخرصه) بفتح الخاء المعجمة، وأشار ابن التين (٢) إلى جواز كسرها وجزم ابن العربي (٣) بالكسر، وأنكر الفتح وجوزهما النووي (٤)، وقال: الفتح أشهر، قال: ومعناه بقدر ما فيه إذا صار تمرًا، فمن فتح قال: هو اسم الفعل، ومن كسر قال: هو اسم للشيء المخروص. قال في الفتح (٥): والخرص هو التخمين والحدس. قوله: (يقول: الوسق والوسقين … ) إلخ، استدل بهذا من قال: إنه لا يجوز في بيع العرايا إلا دون خمس أوسق، وهم الشافعية (٦) والحنابلة (٧) وأهل الظاهر (٨) قالوا: لأن الأصل التحريم، وبيع العرايا رخصة، فيؤخذ بما يتحقق فيه الجواز ويلقى ما وقع فيه الشك، ولكن مقتضى الاستدلال بهذا الحديث أن لا يجوز مجاوزة الأربعة الأوسق، مع أنهم يجوِّزونها إلى دون الخمسة بمقدار يسير، والذي يدل على ما ذهبوا إليه حديث أبي هريرة (٩) الذي ذكرناه لقوله فيه: "فيما دون خمسة أوسق" أو "في خمسة أوسق" فيلقى الشك وهو الخمسة ويعمل بالمتيقن وهو ما دونها. وقد حكى هذا القول صاحب البحر (١٠) عن أبي حنيفة ومالك والقاسم وأبي العباس، وقد عرفت ما سلف من تحقيق مذهب أبي حنيفة (١١) في العرايا. وحكى في الفتح (١٢) أن الراجح عند المالكية (١٣) الجواز في الخمسة عملًا برواية الشك، واحتج لهم بقول سهل بن أبي حثمة: أن العرية ثلاثة أوسق أو أربعة أو خمسة.

стр. 4753

قال في الفتح (١): ولا حجة فيه لأنه موقوف، وحكى الماوردي (٢) عن ابن المنذر أنه ذهب إلى تحديد ذلك بالأربعة الأوسق، وتعقبه الحافظ (٣) بأن ذلك لم يوجد في شيء من كتب ابن المنذر. وقد حكى هذا المذهب ابن عبد البر (٤) عن قوم، وهو ذهاب إلى ما في حديث جابر (٥) من الاقتصار على الأربعة. وقد ترجم عليه ابن حبان (٦): الاحتياط لا يزيد على أربعة أوسق. قال الحافظ (٧): وهذا الذي [قاله] (٨) يتعين المصير إليه، وأما جعله حدًا لا يجوز تجاوزه فليس بالواضح، اهـ. وذلك لأن دون الخمسة المذكورة في حديث أبي هريرة (٩) تقتضي بجواز الزيادة على الأربعة إلا أن يجعل الدون مجملًا مبينًا بالأربعة كان واضحًا، ولكنه لا يخفى أنه لا إجمال في قوله: "دون خمسة أوسق"، لأنها تتناول ما صدق عليه الدون لغة، وما كان كذلك لا يقال له مجمل، ومفهوم العدد في الأربعة لا يعارض المنطوق الدال على جواز الزيادة عليها. قوله: (ولم يرخص في غير ذلك)، فيه دليل على أنه لا يجوز شراء الرطب على رؤوس النخل بغير التمر والرطب. وفيه أيضًا دليل على جواز الرطب المخروص على رؤوس النخل بالرطب المخروص على الأرض، وهو رأي بعض الشافعية (١٠) منهم: ابن خيران.

стр. 4754

وقيل: لا يجوز، وهو رأي الإصطخري منهم وصححه جماعة. وقيل: إن كانا نوعًا واحدًا لم يجز إذ لا حاجة إليه، وإن كانا نوعين جاز وهو رأي أبي إسحاق، وصححه ابن أبي عصرون (١)، وهذا كله فيما إذا كان أحدهما على النخل والآخر على الأرض، وأما في غير ذلك فقد قدمنا الكلام عليه في الباب الذي قبل هذا. [الباب الثامن] باب بيع اللحم بالحيوان ٢٣/ ٢٢٥٩ - (عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ أن النبيَّ ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعِ اللّحم بالحَيوانِ. رَواهُ مالِكٌ في المُوطّإِ) (٢). [إسناده صحيح مرسلًا] الحديث أخرجه أيضًا الشافعي (٣) مرسلًا من حديث سعيد، وأبو داود في المراسيل (٤)، ووصله الدارقطني في الغرائب (٥) عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد وحكم بضعفه، وصوب الرواية المرسلة المذكورة وتبعه ابن عبد البر. وله شاهد من حديث ابن عمر عند البزار (٦) وفي إسناده ثابت بن زهير (٧) وهو ضعيف.

стр. 4755

وأخرجه (١) أيضًا من رواية أبي أمية بن يعلى عن نافع أيضًا، وأبو أمية (٢) ضعيف. وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة عند الحاكم (٣) والبيهقي (٤) وابن خزيمة (٥). وقد اختلف في صحة سماعه منه (٦). وروى الشافعي (٧) عن ابن عباس أن جَزُورًا نُحِرَت على عهد أبي بكر فجاء

стр. 4756

رجلٌ بِعَنَاقٍ فقال: أعطُوني منها، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا". وفي إسناده إبراهيم بن أبي يحيى، وهو ضعيف (١). ولا يخفى أن الحديث ينتهض للاحتجاج بمجموع طرقه، فيدل على عدم جواز بيع اللحم بالحيوان، وإلى ذلك ذهبت العترة (٢) والشافعي (٣) إذا كان الحيوان مأكولًا. وإن كان غير مأكول جاز عند العترة ومالك (٤) وأحمد (٥) والشافعي (٦) في أحد قوليه لاختلاف الجنس. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز لعموم النهي. وقال أبو حنيفة (٧): يجوز مطلقًا. واستدل على ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (٨). وقال محمد بن الحسن الشيباني (٩): إن غلب اللحم جاز ليقابل الزائد منه الجلد. [الباب التاسع] باب جواز التفاضل والنسيئة في غير المكيل والموزون ٢٤/ ٢٢٦٠ - (عَنْ جَابِرٍ أن النبيَّ ﷺ اشْتَرَى عَبْدًا بعَبْدَيْنِ. رَواهُ الخَمْسَةُ

стр. 4757

وصَحَّحَهُ التِّرْمِذيُّ (١) وَلمُسْلمٍ مَعَناهْ) (٢). [صحيح] ٢٥/ ٢٢٦١ - (وَعَنْ أنَسٍ أن النبيَّ ﷺ اشْتَرَى صَفِيةَ بسبعة أَرْؤُسٍ مِنْ دِحيَةَ الْكَلْبِيِّ. رَواهُ أحمَدُ (٣) ومُسْلِمٌ (٤) وابْنُ ماجَهْ) (٥). [صحيح] قوله: (ولمسلم معناه) ولفظه عن جابر قال: جاء عبد فبايع النبيَّ ﷺ على الهجرة ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال له النبي ﷺ : "بِعْنِيه" واشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع أحدًا بعد حتى يسأله أعبد هو؟ وفي الحديثين دليل على جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا إذا كان يدًا بيد، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وسيأتي. وقصة صفية أشار إليها البخاري في البيع (٦) وذكرها في غزوة خيبر (٧). ٢٦/ ٢٢٦٢ - (وعَنْ عبْدِ الله بْنِ عَمْرو قالَ: أمَرَني رسُولُ الله ﷺ أنْ أبْعَثَ جَيْشًا عَلى إبِلٍ كانَتْ عِنْدِي قالَ: فَحَمَلْتُ النَّاسَ عليها حتى نَفِدَتِ الإِبلُ وَبَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنَ النَّاسِ، قالَ: فَقُلْتُ: يا رسُول الله الإِبلُ قَدْ نفِدَتْ وقَدْ بَقِيَتْ بقِيَّةٌ مِنَ النَّاسِ لَا ظَهْرَ لَهُمْ، فقالَ لي: "ابْتَعْ عَليْنا إبلًا بِقَلَائِصَ مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ إلى محِلِّهَا حتى تُنَفِّذَ هذَا البَعْثَ"، قالَ: وكُنْتُ أبْتاعُ البَعِيرَ بقَلُوصيْنِ وثَلَاثِ قَلَائِصَ مِنْ إبِل الصَّدَقَةِ إلى محِلِّهَا حتى نَفَّذْتُ ذلِكَ البَعْثَ، فلمَّا جاءَتْ إبِلُ الصَّدَقَةِ أدَّاها رسُولُ الله ﷺ . رَواهُ أحمَدُ (٨) وأبُو داوُدَ (٩)

стр. 4758

والدارقُطنيُّ (١) بمَعناهُ). [ضعيف] ٢٧/ ٢٢٦٣ - (وَعَنْ عَلِيّ بْنِ أبي طالِبٍ أنَّهُ بَاعَ جَمَلًا يُدْعَى عُصيْفرًا بعِشْرِينَ بعِيرًا إلى أَجَلٍ. رَواهُ مالِكٌ في المُوطَّإ (٢) والشافعيُّ في مُسْنِدِهِ) (٣). [إسناده منقطع] ٢٨/ ٢٢٦٤ - (وَعَنْ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قالَ: نَهَى النبيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الحَيَوانِ بالْحَيَوَانِ نَسِيئةً. رَواه الخَمسَةُ وصَحَّحَهُ التِّرمذِيُّ (٤). [صحيح] وَروَى عبْدُ الله بْنُ أحمَدَ (٥) مِثْلهُ مِنْ رِوايةِ جَابر بْنِ سمُرَةَ). [إسناده ضعيف جدًّا] حديث ابن عمرو في إسناده محمد بن إسحاق وفيه مقال معروف، وقوّى الحافظ في الفتح (٦) إسناده، وقال الخطابي (٧): في إسناده مقال، ولعله يعني من

стр. 4759

أجل محمد بن إسحاق، ولكن قد رواه البيهقي في سننه (١) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وأثر عليّ هو من طريق الحسن بن محمد بن علي عن عليّ، وفيه انقطاع بين الحسن وعليّ. وقد روي عنه ما يعارض هذا فأخرج عبد الرزاق (٢) من طريق ابن المسيب عنه أنه كره بعيرًا ببعيرين نسيئة. وروى ابن أبي شيبة (٣) عنه نحوه. وحديث سمرة صححه ابن الجارود (٤) ورجاله ثقات كما قال في الفتح (٥)، إلا أنه اختُلِفَ في سماع الحسن من سمرة. وقال الشافعي: هو غير ثابت عن النبي ﷺ . وحديث جابر بن سمرة عزاه صاحب الفتح (٦) إلى زيادات المسند (٧) لعبد الله بن أحمد كما [فعل] (٨) المصنف وسكت عنه. وفي الباب عن ابن عباس عند البزار (٩) والطحاوي (١٠) وابن حبان (١١) والدارقطني (١٢)

стр. 4760

بنحو حديث سمرة، قال في الفتح (١): ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف في وصله وإرساله، فرجح البخاري وغير واحد إرساله. اهـ. قال البخاري: حديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة من طريق عكرمة عن ابن عباس، رواه الثقات عن ابن عباس موقوفًا، وعن عكرمة عن النبي ﷺ مرسلًا (٢). وفي الباب أيضًا عن ابن عمر عند الطحاوي (٣) والطبراني (٤). وعنه أيضًا عند مالك في الموطأ (٥) والشافعي (٦) أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة يوفيها صاحبها بالربذة (٧)، وذكره البخاري (٨) تعليقًا.

стр. 4761

وعنه أيضًا عند عبد الرزاق (١) وابن أبي شيبة (٢) أنه سئل عن بعير ببعيرين فكرهه. وروى البخاري (٣) تعليقًا عن ابن عباس، ووصله الشافعي (٤) أنه قال: قد يكون البعير خيرًا من البعيرين. وروى البخاري (٥) تعليقًا عن رافع بن خديج، ووصله عبد الرزاق (٦)، أنه اشترى بعيرًا ببعيرين فأعطاه أحدهما وقال: آتيك بالآخر غدًا. وروى البخاري (٧) أيضًا ومالك (٨) وابن أبي شيبة (٩) عن ابن المسيب أنه قال: لا ربا في الحيوان. وروى البخاري (١٠) أيضًا وعبد الرزاق (١١) عن ابن سيرين أنه قال: لا بأس ببعير ببعيرين. قوله: (حتى نفدت الإبل)، بفتح النون وكسر الفاء وفتح الدال المهملة، وآخره تاء التأنيث. قوله: (بقلائص) (١٢) قال ابن رسلان: جمع قلوص وهي الناقة الشابة. قوله: (حتى نَفَّذْتُ ذلك البعث) بفتح النون وتشديد الفاء بعدها ذال معجمة ثم تاء المتكلم، أي: حتى تجهَّز ذلك الجيش وذهب إلى مقصده.

стр. 4762

والأحاديث والآثار المذكورة في الباب متعارضة كما ترى، فذهب الجمهور (١) إلى جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة متفاضلًا مطلقًا، وشرط مالك أن يختلف الجنس ومنع من ذلك [مطلقًا] (٢) مع النسيئة أحمد بن حنبل وأبو حنيفة (٣) وغيره من الكوفيين والهادوية (٤)، وتمسك الأولون بحديث ابن عمرو (٥) وما ورد في معناه من الآثار. وأجابوا عن حديث سمرة (٦) بما فيه من المقال. وقال الشافعي (٧): المراد به النسيئة من الطرفين لأن اللفظ يحتمل ذلك كما يحتمل النسيئة من طرف وإذا كان النسيئة من الطرفين فهي من بيع الكالئ بالكالئ وهو لا يصح عند الجميع. واحتج المانعون بحديث (٦) سمرة، وجابر بن سمرة (٨)، وابن عباس (٩)، وما في معناها من الآثار. وأجابوا عن حديث ابن عمرو (٥) بأنه منسوخ. ولا يخفى أن النسخ لا يثبت إلا بعد تقرر تأخر الناسخ ولم ينقل ذلك، فلم يبق ههنا إلا الطلب لطريق الجمع إن أمكن ذلك أو المصير إلى التعارض. قيل: وقد أمكن الجمع بما سلف عن الشافعي، ولكنه متوقف على صحة إطلاق النسيئة على بيع المعدوم بالمعدوم، فإن ثبت ذلك في لغة العرب أو في اصطلاح الشرع فذاك، وإلا فلا شك أن أحاديث النهي وإن كان كل واحد منها لا يخلو عن مقال لكنها ثبتت من طريق ثلاثة من الصحابة: سمرة (٦)، وجابر بن سمرة (٨)، وابن عباس (٩)، وبعضها يقوي بعضًا، فهي أرجح من حديث واحد غير خال عن المقال، وهو حديث عبد الله بن عمرو (٥)، ولا سيما وقد صحح

стр. 4763

الترمذي (١) وابن الجارود (٢) حديث سمرة، فإن ذلك مرجح آخر. وأيضًا قد تقرر في الأصول (٣) أن دليل التحريم أرجح من دليل الإباحة. وهذا أيضًا مرجح ثالث. وأما الآثار الواردة عن الصحابة فلا حجة فيها، وعلى فرض ذلك فهي مختلفة كما عرفت. [الباب العاشر] باب أن من باع سلعة بنسيئة لا يشتريها بأقل مما باعها ٢٩/ ٢٢٦٥ - (عن أبي إسْحق السَّبيْعِي عَنِ امْرَأَتِهِ أَنَّها دخلَتْ على عائشةَ فَدَخَلَتْ مَعَها أُمُّ وَلَدِ زيدِ بْنِ أَرْقَمَ، فقالَتْ: يا أُمّ الْمُؤمنينَ إنِّي بِعتُ غُلَامًا مِنْ زيدِ بْنِ أرْقَمِ، بِثَمانِمَائةِ دِرهَمٍ نَسيئَةً وإني ابْتَعتُهُ مِنْهُ بِستمائِةٍ نَقْدًا، فقالَتْ لَهَا عائشةُ: بئْسَ ما اشْترَيْتِ وبئْسَ ما شَرَيْتِ، إنَّ جهَادَهُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ قدْ بطَلَ إلَّا أنْ يتُوبَ. رَوَاهُ الدَّارقطنيُّ) (٤). [إسناده حسن] الحديث في إسناده العالية بنت أيفع (٥). وقد روي عن الشافعي أنه لا يصح، وقرر كلامه ابن كثير في "إرشاده" (٦).

стр. 4764

وفيه دليل على أنه لا يجوز لمن باع شيئًا بثمن نسيئة أن يشتريه من المشتري بدون ذلك الثمن نقدًا قبل قبض الثمن الأول، أما إذا كان المقصود التحيل لأخذ النقد في الحال وردَّ أكثر منه بعد أيام فلا شك أن ذلك من الربا المحرم الذي لا تنفع في تحليله الحيل الباطلة، وسيأتي الخلاف في بيع العينة في الباب الذي بعد هذا. والصورة المذكورة هي صورة بيع العينة وليس في [حديث] (١) الباب ما يدل على أن النبي ﷺ نهى عن هذا البيع، ولكن تصريح عائشة بأن مثل هذا الفعل موجب لبطلان الجهاد مع رسول الله ﷺ يدل على أنها قد علمت تحريم ذلك بنص من الشارع، إما على جهة [العموم كالأحاديث القاضية بتحريم الربا الشامل لمثل هذه الصورة أو على جهة] (٢) الخصوص كحديث العينة الآتي (٣)، ولا ينبغي أن يُظَنَّ بها أنها قالت هذه المقالة من دون أن تعلم بدليل يدل على التحريم، لأن مخالفة الصحابي لرأي صحابي آخر لا يكون من الموجبات للإحباط. [الباب الحادي عشر] باب ما جاء في بيع العينة ٣٠/ ٢٢٦٦ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أن النبيَّ ﷺ قالَ: "إِذَا ضَنَّ النَّاسُ بالدِّينارِ والدِّرهَمِ، وتَبَايَعُوا بالْعِينَةِ، واتَّبَعُوا أذْنابَ البَقَرِ، وتَرَكُوا الجِهَادَ في سَبِيلِ الله، أَنْزَلَ الله بِهِم بَلَاءً، فَلَا يَرفعُهُ حتى يُرَاجِعُوا دِينَهُم". رَواهُ أحمَدُ (٤) وأَبُو دَاوُدَ (٥)،

стр. 4765

ولَفْظهُ: "إِذا تبايَعْتُم بالْعينَةِ، وأخذْتُم أذنابَ الْبقَرِ، وَرَضِيتُم بالزَّرعِ، وَتَركْتُمُ الجِهَاد سَلَّطَ الله عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنزِعُهُ حتى تَرجعُوا إلَى دِينِكُمْ"). [صحيح بمجموع طرقه] الحديث أخرجه أيضًا الطبراني (١) وابن القطان (٢) وصححه. قال الحافظ في بلوغ المرام (٣): ورجاله ثقات. وقال في التلخيص (٤): وعندي أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان معلول لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحًا، لأن الأعمش مدلس ولم يذكر سماعه من عطاء، وعطاء يحتمل أن يكون [هو] (٥) عطاء الخراساني فيكون فيه تدليس التسوية بإسقاط نافع [بين] (٦) عطاء وابن عمر، انتهى. وإنما قال هكذا لأن الحديث رواه أحمد (٧) والطبراني (٨) من طريق أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن عطاء عن ابن عمر. ورواه أحمد (٩) وأبو داود (١٠) من طريق عطاء الخراساني عن نافع عن ابن عمر. وقال المنذري في مختصر السنن (١١) ما لفظه: في إسناده إسحاق بن أَسِيد

стр. 4766

أبو عبد الرحمن الخراساني نزيل مصر لا يحتج بحديثه، وفيه أيضًا عطاء الخراساني، وفيه مقال، انتهى. قال الذهبي في الميزان (١): إن هذا الحديث من مناكيره. وقد ورد النهي عن العينة من طرق عقد لها البيهقي في سننه (٢) بابًا ساق فيه جميع ما ورد في ذلك وذكر علله. وقال (٣): روي حديث العينة من وجهين ضعيفين عن عطاء بن أبي رباح عن عبد الله بن عمر بن الخطاب. قال (٤): وروي عن ابن عمر موقوفًا أنه كره ذلك. قال ابن كثير (٥): وروي من وجه ضعيف أيضًا عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا ويعضده حديث عائشة يعني المتقدم في الباب الذي قبل هذا، وهذه الطرق يشد بعضها بعضًا. قوله: (بالعِينة) بكسر العين المهملة ثم ياء تحتية ساكنة ثم نون. قال الجوهري (٦): العينة بالكسر السلف. وقال في القاموس (٧): وعين أخذ بالعينة بالكسر أي السلف، أو أعطى بها قال: والتاجر باع سلعته بثمن إلى أجل ثم اشتراها منه بأقل من ذلك الثمن، اهـ. قال الرافعي: وبيع العينة هو أن يبيع شيئًا من غيره بثمن مؤجل ويسلمه إلى المشتري ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن [نقدًا] (٨) أقل من ذلك القدر، انتهى. قال ابن رسلان في شرح السنن: وسميت هذه المبايعة عينة لحصول النقد لصاحب العينة، لأن العين هو المال الحاضر، والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة تصل إليه من فوره ليصل به إلى مقصوده، اهـ.

стр. 4767

وقد ذهب إلى عدم جواز بيع العينة مالك (١) وأبو حنيفة (٢) وأحمد (٣) والهادوية، وجوَّز ذلك الشافعي (٤) وأصحابه مستدلين على الجواز بما وقع من ألفاظ البيع التي لا يراد بها حصول مضمونه، وطرحوا الأحاديث المذكورة في الباب. واستدل ابن القيم (٥) على عدم جواز العينة بما روي عن الأوزاعي عن النبي ﷺ أنه قال: "يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع" (٦). قال: وهذا الحديث وإن كان مرسلًا فإنه صالح للاعتضاد به بالاتفاق وله من المسندات ما يشهد له، وهي الأحاديث الدالة على تحريم العينة، فإنه من المعلوم أن العينة عند من يستعملها إنما يسميها بيعًا وقد اتفقا على حقيقة الربا الصريح قبل العقد ثم غير اسمها إلى المعاملة وصورتها إلى التبايع الذي لا قصد لهما فيه البتة، وإنما هو حيلة ومكر وخديعة لله تعالى، فمن أسهل الحيل على من أراد فعله أن يعطيه مثلًا ألفًا إلا درهمًا باسم القرض ويبيعه خرقة تساوي درهمًا بخمسمائة درهم. وقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" (٧)، أصل في إبطال الحيل، فإن من أراد أن يعامله معاملة يعطيه فيها ألفًا بألف وخمسمائة؛ إنما نوى بالإقراض تحصيل الربح الزائد الذي أظهر. أنه ثمن الثوب فهو في الحقيقة أعطاه ألفًا حالَّةً بألفٍ وخمسمائة مؤجلة، وجعل صورة القرض وصورة البيع محلِّلًا لهذا المحرَّم. ومعلوم أن هذا لا يرفع التحريم، ولا يرفع المفسدة التي حرِّم الربا لأجلها، بل يزيدها قوّة وتأكيدًا من وجوهٍ عديدة. (منها) أنه يقدم على مطالبة الغريم المحتاج من جهة السلطان [والحكام] (٨)

стр. 4768

إقدامًا لا يفعله المُرْبِي لأنه واثق بصورة العقد الذي تحيل به. هذا معنى كلام ابن القيم (١). قوله: (واتبعوا أذناب البقر)، المراد الاشتغال بالحرث. وفي الرواية الأخرى: "وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع"، وقد حمل هذا على الاشتغال بالزرع في زمن يتعين فيه الجهاد. قوله: (وتركوا الجهاد) أي المتعين فعله. وقد روى الترمذي (٢) بإسناد صحيح عن ابن عمر قال: "كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفًا عظيمًا من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل بينهم، فصاح المسلمون وقالوا: سبحان الله يلقي بيده إلى التهلكة؟ فقام أبو أيوب فقال: يا أيها الناس إنكم لتؤوّلون هذا التأويل، وإنما نزلت هذه الآية لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرًا: إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا وأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه ما يرد علينا فقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (٣) فكانت التهلكة: الأموال وإصلاحها وترك الغزو. قوله: (ذلًا) بضم الذال المعجمة وكسرها، أي: صَغَارًا ومسْكَنةً.

стр. 4769

ومن أنواع الذل: الخراج الذي يسلمونه كل سنة لملَّاك الأرض. وسبب هذا الذلّ - والله أعلم - أنهم لما تركوا الجهاد في سبيل الله الذي فيه عز الإسلام وإظهاره على كل دين عاملهم الله بنقيضه، وهو إنزال الذلة بهم، فصاروا يمشون خلف أذناب البقر بعد أن كانوا يركبون على ظهور الخيل التي هي أعز مكان. قوله: (حتى ترجعوا إلى دينكم)، فيه زجر بليغ لأنه نزل الوقوع في هذه الأمور منزلة الخروج من الدين وبذلك تمسك من قال بتحريم العينة. وقيل: إن دلالة الحديث على التحريم غير واضحة، لأن قرن العينة بالأخذ بأذناب البقر والاشتغال بالزرع وذلك غير محرم وتوعد عليه بالذل وهو لا يدل على التحريم، ولكنه لا يخفى ما في دلالة الاقتران (١) من الضعف. ولا نسلم أن التوعد بالذل لا يدل على التحريم، لأن طلب أسباب العزة الدينية وتجنب أسباب الذلة المنافية للدين واجبان على كل مؤمن. وقد توعد على ذلك بإنزال البلاء، وهو لا يكون إلا لذنب شديد، وجعل الفاعل لذلك بمنزلة الخارج من الدين المرتد على عقبه، وصرحت عائشة بأنه من المحبطات للجهاد مع رسول الله ﷺ كما في الحديث السالف، وذلك إنما هو شأن الكبائر. [الباب الثاني عشر] باب ما جاء في الشبهات ٣١/ ٢٢٦٧ - (عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشيرٍ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "الحَلالُ بَيِّن والحَرَامُ بيِّن وبَيْنَهُما أُمورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَن تَرَكَ ما يَشْتَبِهُ عَلَيهِ مِنَ الإثْمِ كان لِما اسْتبَانَ أَتْرَكَ، ومَنِ اجْتَرَأَ على ما يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإثْمِ أوْشَكَ أنْ يُواقِعَ ما استَبَانَ، وَالمَعاصِي حِمَى الله، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمى يوشِكُ أنْ يُواقِعَهُ". متفَقٌ عَلَيهِ) (٢). [صحيح]

стр. 4770

قوله: (الحلال بيّن … ) إلخ، فيه تقسيم للأحكام إلى ثلاثة أشياء وهو تقسيم صحيح، لأن الشيء إما أن ينص الشارع على طلبه مع الوعيد على تركه، أو ينص على تركه مع الوعيد على فعله، أو لا ينص على واحد منهما. فالأول: الحلال البيِّن. والثاني: الحرام البيِّن. والثالث: المشتبه لخفائه، فلا يدري أحلال هو أم حرام؟ وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه لأنه إن كان في نفس الأمر حرامًا فقد برئ من التبعة، وإن كان حلالًا فقد استحق الأجر على الترك بهذا القصد (١)، لأن الأصل مختلف فيه حظر أو إباحة.

стр. 4771

وهذا التقسيم قد وافق قول من قال ممن سيأتي أن المباح والمكروه من المشتبهات. ولكنه يشكل عليه المندوب، فإنه لا يدخل في قسم الحلال البين على ما زعمه صاحب هذا التقسيم، والمراد بكون كل واحد من القسمين الأولين بيِّنًا أنه مما لا يحتاج إلى بيان أو مما يشترك في معرفته كل أحد. وقد يردان جميعًا أي ما يدل على الحل والحرمة، فإن علم المتأخر منهما فذاك، وإلا كان ما وردا فيه من القسم الثالث. قوله: (أمور مشتبهة)، أي شبهت بغيرها مما لم يتبين حكمه على التعيين. زاد في رواية للبخاري (١): "لا يعلمها كثير من الناس"، أي: لا يعلم حكمها. وجاء واضحًا في رواية للترمذي (٢) ولفظه: "لا يدري كثير من الناس أمن الحلال هي أم من الحرام؟ "، ومفهوم قوله: "كثير" أن معرفة حكمها ممكن لكن للقليل من الناس وهم المجتهدون، فالشبهات على هذا في حق غيرهم، وقد تقع لهم حيث لا يظهر لهم ترجيح أحد الدليلين. قوله: (والمعاصي حمى الله)، في رواية للبخاري (٣) وغيره (٤): "ألا إن حمى الله في أرضه محارمه"، والمراد بالمحارم والمعاصي: فعل المنهيِّ المحرم،

стр. 4772

أو ترك المأمور الواجب، والحمى: المحمي، أطلق المصدر على اسم المفعول. وفي اختصاص التمثيل بالحمى نكتة، وهي أن ملوك العرب كانوا يحمون لمراعي مواشيهم أماكن مخصبة يتوعدون من رعى فيها بغير إذنهم بالعقوبة الشديدة، فمثل لهم النبي ﷺ بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة المراقب لرضا الملك يبعد عن ذلك الحمى خشية أن تقع مواشيه في شيء منه فبعده أسلم له، وغير الخائف المراقب يقرب منه ويرعى من جوانبه فلا يأمن أن يقع فيه بعض مواشيه بغير اختياره، وربما أجدب المكان الذي هو فيه ويقع الخصب في الحمى فلا يملك نفسه أن يقع فيه، فالله سبحانه هو الملك حقًّا وحماه محارمه. وقد اختلف في حكم الشبهات، فقيل: التحريم وهو مردود. وقيل: الكراهة، وقيل: الوقف، وهو كالخلاف فيما قبل الشرع (١). واختلف العلماء أيضًا في تفسير الشبهات. (فمنهم) من قال: إنها ما تعارضت فيه الأدلة.

стр. 4773

(ومنهم) من قال: إنها ما اختلف فيه العلماء، وهو منتزع من التفسير الأول. (ومنهم) من قال: إن المراد بها قسم المكروه لأنه يجتذبه جانبا الفعل والترك. (ومنهم) من قال: هي المباح، ونقل ابن المنيِّر (١) عن بعض مشايخه (٢) أنه كان يقول: المكروه عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه. تطرّق إلى الحرام، والمباح عقبة بينه وبين المكروه، فمن استكثر منه تطرّق إلى المكروه. ويؤيد هذا ما وقع في رواية لا بن حبان (٣) من الزيادة بلفظ: "اجعلُوا بينكم وبينَ الحرام سُترةً من الحلالِ، من فعلَ ذلك استبرأَ لعرضِهِ ودينهِ". قال في الفتح (٤) بعد أن ذكر التفاسير للمشتبهات التي قدمناها ما لفظه: والذي يظهر لي رجحان الوجه الأول، قال: ولا يبعد أن يكون كل من الأوجه مرادًا، ويختلف ذلك باختلاف الناس، فالعالم الفطن لا يخفى عليه تمييز الحكم فلا يقع له ذلك إلا في الاستكثار من المباح أو المكروه، ومن دونه تقع له الشبهة في جميع ما ذكر بحسب اختلاف الأحوال. ولا يخفى أن المستكثر من المكروه، تصير فيه جراءة على ارتكاب المنهيّ في الجملة أو يحمله اعتياده لارتكاب المنهي غير المحرم على ارتكاب المنهي المحرم، أو يكون ذلك لسر فيه، وهو أن من تعاطى ما نهي عنه يصير مظلم القلب لفقدان نور الورع فيقع في الحرام ولو لم يختر الوقوع فيه، ولهذا قال ﷺ : "فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم … " إلخ.

стр. 4774

واعلم أن العلماء قد عظموا أمر هذا الحديث فعدُّوه رابع أربعة تدور [عليها] (١) الأحكام كما نقل عن أبي داود (٢) وغيره، وقد جمعها (٣) من قال: عُمْدَةُ الدِّينِ عندنَا كلماتٌ … مُسْنَدَاتٌ مِنْ قولِ خيرِ البريَّه اترُكِ [الشُّبهاتِ] (٤) وازهَدْ ودَعْ ما … لَيسَ يَعْنِيكَ واعملَنَّ بِنيَّه والإشارة بقوله: ازهد، إلى حديث: "ازهد فيما في أيدي الناس"، أخرجه ابن ماجه (٥)

стр. 4775

وحسَّنَ إسناده الحافظ، وصحَّحه الحاكم (١) عن سهل بن سعد مرفوعًا بلفظ: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس". وله شاهد عند أبي نعيم (٢) من حديث أنس ورجاله ثقات. والمشهور عند أبي داود عدّ حديث: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوه" (٣)، مكان حديث "ازهد" المذكور. وعد حديث الباب بعضهم ثالث ثلاثة، وحذف الثاني، وأشار ابن العربي أنه يمكن أن ينتزع منه وحده جميع الأحكام. قال القرطبي (٤): لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره. وعلى تعلق جميع الأعمال بالقلب، فمن هناك يمكن أن ترد جميع الأحكام إليه. وقد ادعى أبو عمرو الداني (٥) أن هذا الحديث لم يروه عن النبي ﷺ غير النعمان بن بشير، فإن أراد من وجه صحيح فمسلم، وإن أراد على الإطلاق فمردود (٦).

стр. 4776

فإنه في الأوسط للطبراني من حديث ابن عمر (١) وعمار (٢). وفي الكبير (٣) له من حديث ابن عباس.

стр. 4777

وفي الترغيب للأصبهاني (١)، من حديث واثلة، وفي أسانيدها مقال كما قال الحافظ (٢). ٣٢/ ٢٢٦٨ - (وَعَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيَّ أن النبيّ ﷺ قالَ: "لا يَبلُغُ العَبْدُ أنْ يَكونَ من المُتَّقينَ حتَّى يَدعَ ما لا بَأسَ بِهِ حَذَرًا لِما بِهِ البَأسُ". رَواهُ التِّرمذيُّ) (٣). [ضعيف] ٣٣/ ٢٢٦٩ - (وعَنْ أنسٍ قالَ: إن كان النبيُّ ﷺ لَيُصيبُ التَّمْرَةَ يقولُ:

стр. 4778

"لَوْلَا أَنِّي أَخْشى أنها مِنَ الصَّدَقَةِ لأكَلْتُها". مُتَّفَقٌ عَليهِ) (١). [صحيح] ٣٤/ ٢٢٧٠ - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إذا دَخَلَ أحَدُكُمْ على أخِيهِ المسلمِ فأطْعَمَهُ طَعامًا فَلْيَأكُلْ مِنْ طَعَامِهِ، وَلا يَسْأَلْهُ عَنْهُ، وَإنْ سَقاهُ شرابًا مِنْ شَرابِهِ فَلْيَشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ وَلَا يَسألْهُ عَنْهُ". رَواهُ أحمَدُ) (٢). [حسن] ٣٥/ ٢٢٧١ - (وعَنْ أنَس بْنِ مالِكٍ قالَ: إِذَا دَخَلْتَ على مُسْلِمٍ لَا يُتَّهَمُ فَكُلْ مِنْ طَعامِهِ وَاشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ. ذَكَرَهُ البُخاريُّ في صَحِيحِهِ) (٣). حديث عطية السعدي حسَّنه الترمذي (٤). وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب "التقوى" (٥) عن أبي الدرداء نحوه، ولفظه: تمام التقوى أن تتقي الله حتى تترك ما ترى أنه حلال خشية أن يكون حرامًا.

стр. 4779

وحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا الطبراني في الأوسط (١)، وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي ضعفه الجمهور. وقد وثق، قال في مجمع الزوائد (٢): وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. هذه الأحاديث ذكرها المصنف ﵀ للإشارة إلى ما فيه شبهة كحديث أنس (٣) وإلى ما لا شبهة فيه كحديث أبي هريرة (٤). وقد ذكر البخاري (٥) في تفسير الشبهات حديث عقبة بن الحارث في الرضاع لقوله ﷺ : "كيف وقد قيل؟ ". وحديث عائشة (٦) في قصة ابن وليدة زمعة لقوله ﷺ : "واحتجبي منه يا سودة". فإن الظاهر أن الأمر بالمفارقة في الحديث الأول والاحتجاب في الثاني لأجل الاحتياط وتوقي الشبهات، وفي ذلك نزاع يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قال الخطابي: ما شككت فيه فالورع اجتنابه (٧)، وهو على ثلاثة أقسام: واجب، ومستحب، ومكروه. فالواجب: اجتناب ما يستلزم ارتكاب المحرم. والمندوب اجتناب معاملة من أكثر ماله حرام. والمكروه: اجتناب الرخص المشروعة، اهـ. وقد أرشد الشارع إلى اجتناب ما لا يتيقن المرء حله بقوله: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، أخرجه الترمذي (٨) والنسائي (٩) وأحمد (١٠) وابن حبان (١١) والحاكم (١٢) من حديث الحسن بن علي.

стр. 4780

وفي الباب عن أنس عند أحمد (١). وعن ابن عمر عند الطبراني (٢). وعن أبي هريرة (٣) وواثلة بن الأسقع (٤). ومن قول ابن عمر (٥) وابن مسعود (٦) وغيرهما (٧).

стр. 4781

وروى البخاري (١) وأحمد (٢) وأبو نعيم (٣) عن حسّان ابن أبي سِنان البصري (٤) أحد العباد في زمن التابعين أنه قال: إذا شككت في شيء فاتركه. ولأبي نعيم (٥) من وجه آخر أنه اجتمع يونس بن عبيد وحسان بن أبي سنان فقال يونس: ما عالجت شيئًا أشد علي من الورع، فقال حسان: ما عالجت شيئًا أهون عليَّ منه، قال: كيف؟ قال حسان: تركت ما يريبني إلا ما لا يريبني فاسترحت. قال الغزالي (٦): الورع أقسام: ورع الصدِّيقين: وهو ترك ما لم يكن عليه بينة واضحة. وورع المتقين: هو ترك ما لا شبهة فيه ولكن يخشى أن يجر إلى الحرام. وورع الصالحين: وهو ترك ما يتطرق إليه احتمال التحريم بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، فإن لم يكن فهو ورع الموسوسين. قال (٧): ووراء ذلك ورع الشهود وهو ترك ما يسقط الشهادة، أي: أعم من أن يكون ذلك المتروك حرامًا أم لا. اهـ. وقد أشار البخاري (٨) إلى أن الوساوس ونحوها ليست من الشبهات. فقال: باب من لم يَرَ الوساوِسَ ونحوها من الشبهاتِ. قال في الفتح (٩): هذه الترجمة معقودة لبيان ما يكره من التنطع في الورع.

стр. 4782

[خامسًا] أبواب أحكام العيوب [الباب الأول] باب وجوب [تبيين] (١) العيب ١/ ٢٢٧٢ - (عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "المُسْلِمُ أخو المُسْلِمِ، لا يَحِلُّ لِمُسْلِم باعَ مِنْ أخِيهِ بَيْعًا وَفِيهِ عَيْبٌ إلَّا بَيَّنَهُ لَهُ". رَواهُ ابْنُ ماجَهْ) (٢). [صحيح] ٢/ ٢٢٧٣ - (وَعَنْ وَاثِلَةَ قال: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لأحدٍ أنْ يَبيعَ شَيْئًا إلَّا بَيَّنَ ما فِيهِ، وَلا يَحِلُّ لأحَدٍ يَعْلَمُ ذلِكَ إلا بَيَّنَهُ". رَواهُ أحمدُ) (٣). [ضعيف]

стр. 4783

٣/ ٢٢٧٤ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النبيَّ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يَبيع طَعامًا فأدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ فإِذا هُوَ مَبْلولٌ فقالَ: "مَنْ غَشَّنا فَلَيْسَ مِنَّا". رَواهُ الجَماعَةُ إلا البُخاريَّ والنَسائيَّ) (١). [صحيح] ٤/ ٢٢٧٥ - (وعَنْ العدَّاءِ بْنِ خالِدِ بْنِ هَوْذَةَ قالَ: كَتَبَ لي رسُولُ الله ﷺ كِتابًا: هذا ما اشْتَرَى العَدَّاءُ بْنُ خالِدِ بْنِ هَوْذَةَ مِنْ مُحمدٍ رسُولِ الله ﷺ ، اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا - أَوْ أَمَة - لا داءَ وَلَا غائِلَةَ وَلَا خُبْثَةَ بَيْعُ المُسْلِمِ المُسْلِمَ. رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ (٢) والتِّرمذيُّ) (٣) [حسن] حديث عقبة أخرجه أيضًا أحمد (٤) والدارقطني (٥) والحاكم (٦) والطبراني (٧) من حديث أبي شماسة عنه، ومداره على يحيى بن أيوب، وتابعه ابن لهيعة. قال في الفتح (٨): وإسناده حسن. وحديث واثلة أخرجه أيضًا ابن ماجه (٩) والحاكم في المستدرك (١٠)، وفي

стр. 4784

إسناده أحمد أبو جعفر الرازي (١) وأبو سباع (٢)، والأول مختلف فيه، والثاني قيل: إنه مجهول. وحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا الحاكم (٣) وفيه قصة، وادعى أن مسلمًا لم يخرجها فلم يصب. وقد أخرج نحوه أحمد (٤) والدارمي (٥) من حديث ابن عمر. وابن ماجه (٦) من حديث أبي الحمراء. والطبراني (٧) وابن حبان في صحيحه (٨) من حديث ابن مسعود.

стр. 4785

وأحمد (١) من حديث أبي بردة بن نيار. والحاكم (٢) من حديث عمير بن سعيد عن عمه. وحديث العداء أخرجه أيضًا النسائي (٣) وابن الجارود (٤) وعلقه البخاري (٥). قوله: (لا يحل لمسلم … ) إلخ، وكذلك قوله: (لا يحل لأحد … ) إلخ، دليل على تحريم كتم العيب ووجوب تبيينه للمشتري. قوله: (فليس منا)، لفظ مسلم (٦): "فليس مني". قال النووي (٧): كذا في الأصول، ومعناه ليس ممن اهتدى بهديي واقتدى بعملي وحسن طريقتي، كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله: لست مني. وهكذا في نظائره مثل قوله: "من حمل علينا السلاح فليس منا" (٨)، وكان سفيان بن عيينة يكره تفسير مثل هذا ويقول بئس مثل القول، بل يمسك عن تأويله ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر، اهـ.

стр. 4786

وهو يدل على تحريم الغش وهو مجمع على ذلك. قوله: (العداء) بفتح العين المهملة وتشديد الدال المهملة أيضًا وآخره همزة بوزن الفعال، وهوذة هو ابن ربيعة بن عمرو بن عامر بن صعصعة، والعداء صحابي (١) قليل الحديث أسلم بعد حنين. قوله: (لا داء) قال المطرزي (٢): المراد به [الباطن] (٣) سواء ظهر منه شيء أم لا كوجع الكبد والسعال. وقال ابن المنيِّر (٢): لا داء أي تكتمه البائع، وإلا فلو كان بالعبد داء وبيَّنه البائع كان من بيع المسلم للمسلم، ومحصله أنه لم يرد بقوله: لا داء، نفي الداء مطلقًا بل نفي داء مخصوص، وهو ما لم يطلع عليه. قوله: (ولا غائلة) قيل: المراد بها الإباق. وقال ابن بطال (٤): هو من قولهم: اغتالني فلان: إذا احتال بحيلة سلب بها مالي. قوله: (ولا خُبثة) بكسر المعجمة وبضمها وبسكون الموحدة وبعدها مثلثة قيل: المراد: الأخلاق الخبيثة كالإباق. وقال صاحب العين (٥): هي [الدنية] (٦) وقيل: المراد الحرام كما عبّر عن الحلال بالطيب (٧). وقيل: الداء ما كان في الخَلق بفتح الخاء، والخبثة ما كان في الخُلُق بضمِّها. والغائلة: سكوت البائع عن بيان ما يعلم من مكروه في المبيع، قاله ابن العربي (٨).

стр. 4787

[الباب الثاني] باب أن الكسب الحادث لا يمنع الرد بالعيب ٥/ ٢٢٧٦ - (عَنْ عَائِشَةَ أن النبيَّ ﷺ قَضَى: أن الخَراجَ بالضَّمانِ. رَواهُ الخَمْسَةُ (١) [حسن] وَفِي رِوايةٍ: أن رَجُلًا ابْتاعَ غُلامًا فاسْتَغَلَهُ، ثمَّ وَجَدَ بِهِ عَيْبًا فرَدَّهُ بالعَيْب، فقالَ البَائِعُ: غَلَّةُ عَبْدِي، فقالَ النبيُّ ﷺ : "الغلَّةُ بالضَّمان". رَواهُ أحمَدُ (٢) وأَبُو دَاوُدَ (٣) وابْنُ ماجَهْ (٤). [حسن] وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ يَرَى تَلَفَ العَبْدِ المُشْتَرَى قَبْلَ القَبْضِ مِنْ ضَمانِ المُشْتري).

стр. 4788

الحديث أخرجه أيضًا الشافعي (١) وأبو داود الطيالسي (٢)، وصحَّحه الترمذي (٣) وابن حبان (٤) وابن الجارود (٥) والحاكم (٦) وابن القطان (٧): ومن جملة من صححه ابن خزيمة كما حكي ذلك عنه في بلوغ المرام (٨). وحكى عنه في التلخيص (٩) أنه قال: لا يصح، وضعفه البخاري (١٠). ولهذا الحديث في سنن أبي داود ثلاث طرق: طريقان رجالهما رجال الصحيح، والثالثة قال أبو داود: إسنادها ليس بذاك (١١). ولعل سبب ذلك أن فيه مسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعي وقد وثقه يحيى بن معين، وتابعه عمر بن علي المقدمي وهو متفق على الاحتجاج به. قوله: (أن الخراج بالضمان)، الخراج: هو الدخل والمنفعة، أي: يملك

стр. 4789

المشتري الخراج الحاصل من المبيع بضمان الأصل الذي عليه: أي بسببه، فالباء للسببية، فإذا اشترى الرجل أرضًا فاستغلها أو دابة فركبها أو عبدًا؛ فاستخدمه ثم وجد به عيبًا قديمًا فله الرد ويستحق الغلة في مقابلة ضمان المبيع الذي كان عليه. وظاهر الحديث عدم الفرق بين الفوائد الأصلية والفرعية، وإلى ذلك ذهب الشافعي (١)؛ وفصل مالك (٢) فقال: يستحق المشتري الصوف والشعر دون الولد. وفرق أهل الرأي (٣) والهادوية (٤) بين الفوائد الفرعية والأصلية فقالوا: يستحق المشتري الفرعية كالكراء دون الأصلية كالولد والثمر، وهذا الخلاف إنما هو مع انفصال الفوائد عن المبيع، وأما إذا كانت متصلة وقت الرد وجب ردها بالإجماع. قيل: إن هذا الحكم مختص بمن له ملك في العين التي انتفع بخراجها كالمشتري الذي هو سبب ورود الحديث، وإلى ذلك مال الجمهور. وقالت الحنفية (٥): إن الغاصب كالمشتري قياسًا. ولا يخفى ما في هذا القياس لأن الملك فارق يمنع من الإلحاق، والأولى أن يقال: [إن] (٦) الغاصب داخل تحت عموم اللفظ، ولا عبرة بخصوص السبب كما تقرر في الأصول. قوله: (فاستغله) بالغين المعجمة وتشديد اللام، أي: أخذ غلته. [الباب الثالث] باب ما جاء في المصرّاة ٦/ ٢٢٧٧ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "لَا تُصِرّوا الإبِلَ والْغَنَمَ،
следующие страницы →