← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4820–4859 · переход к 4825.

стр. 4820

ولأحْمَدَ (١) وَالنّسائيّ (٢) عنْ أبي عُبَيْدة وأتاهُ رَجُلانِ تَبايَعا سلْعةً، فَقالَ هَذَا: أخَذتُ بَكَذَا وَكَذَا، وَقَالَ هَذَا: بعْتُ بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أُتِيَ عَبْدُ الله في مثْلِ هَذَا فَقَالَ: حَضَرْتُ النَّبي ﷺ في مثْل هَذَا، فأمَرَ بالبائع أنْ يُسْتَحْلَفَ، ثُم يخَيَّر المبتاع إنْ شَاءَ أخَذَ، وَإنْ شاء تَرَكَ". [حسن] الحديث روي عن عبد الله بن مسعود من طرق بألفاظ ذكر المصنف ﵀ بعضها، وقد أخرجه أيضًا الشافعي (٣) من طريق سعيد بن سالم عن ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عمير عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود. وقد اختلف فيه على إسماعيل بن أمية ثم على ابن جريج. وقد اختلف في صحة سماع أبي عبيدة من أبيه. ورواه من طريق أبي عبيدة أحمد (٤) والنسائي (٥) والدارقطني (٦). وقد صححه الحاكم (٧) وابن السكن (٨). ورواه أيضًا الشافعي (٩) من طريق سفيان بن عجلان عن عون بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود. وفيه أيضًا نقطاع لأن عونًا لم يدرك ابن مسعود. ورواه الدارقطني (١٠) من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن

стр. 4821

مسعود عن أبيه عن جده، وفيه إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة. ورواه أبو داود (١) من طريق عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده عن ابن مسعود. وأخرجه (٢) أيضًا من طريق محمد بن أبي ليلى عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن ابن مسعود، ومحمد بن أبي ليلى لا يحتج به وعبد الرحمن لم يسمع من أبيه. ورواه ابن ماجه (٣) والترمذي (٤) من طريق عون بن عبد الله أيضًا عن ابن مسعود، وقد سبق أنه منقطع. قال البيهقي (٥): وأصح إسناد روي في هذا الباب رواية أبي العميس عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس عن أبيه عن جده. ورواه أيضًا الدارقطني (٦) من طريق القاسم بن عبد الرحمن. قال الحافظ (٧): ورجاله ثقات إلا أن عبد الرحمن اختلف في سماعه من أبيه. ورواية التراد رواها أيضًا مالك (٨) بلاغًا، والترمذي (٤) وابن ماجه (٣) بإسناد منقطع. ورواه أيضًا الطبراني (٩) بلفظ: "البيعان إذا اختلفا في البيع ترادَّا"، قال الحافظ (١٠): رواته ثقات، لكن اختلف في عبد الرحمن بن صالح، يعني الراوي له عن فضيل بن عياض عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود. قال

стр. 4822

وما أظنه حفظه، فقد جزم الشافعي (١) أن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شيء موصول. ورواه أيضًا النسائي (٢) والبيهقي (٣) والحاكم (٤) من طريق عبد الرحمن بن قيس بالإسناد الذي رواه عنه أبو داود كما سلف، وصححه من هذا الوجه الحاكم وحسنه البيهقي. ورواه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند (٥) من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن جده بلفظ: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بيِّنة لأحدهما تحالفا". ورواه من هذا الوجه الطبراني (٦) والدارمي (٧)، وقد انفرد بقوله: "والسلعة قائمة" محمد بن أبي ليلى، ولا يحتج به كما عرفت لسوء حفظه. قال الخطابي (٨): إن هذه اللفظة، يعني "والسلعة قائمة" لا تصح من طريق النقل مع احتمال أن يكون ذكرها من التغليب، لأن أكثر ما يعرض النزاع حال قيام السلعة كقوله تعالى: ﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ (٩) ولم يفرق أكثر الفقهاء في البيوع الفاسدة بين القائم والتالف، انتهى. وأبو وائل الراوي لقوله: "والبيع مستهلك" كما في حديث الباب هو عبد الله بن بحير (١٠) شيخ عبد الرزاق الصنعاني القاص، وثقه ابن معين. وقال

стр. 4823

ابن حبان (١): يروي العجائب التي كأنها معمولة لا يحتج به، وليس هذا المذكور عبد الله بن بحير بن رَيْسان فإنه ثقة، وعلى هذا فلا يقبل ما تفرد به أبو وائل المذكور. وأما قوله فيه: "تحالفا"، فقال الحافظ (٢): لم يقع عند أحد منهم، وإنما عندهم: "والقول قول البائع أو يترادان البيع"، انتهى. قال ابن عبد البر (٣): إن هذا الحديث منقطع إلا أنه مشهور الأصل عند جماعة تلقوه بالقبول وبنوا عليه كثيرًا من فروعه، وأعله ابن حزم (٤) بالانقطاع وتابعه عبد الحق (٥)، وأعله هو وابن القطان (٦) بالجهالة في عبد الرحمن وأبيه وجده، وقال الخطابي (٧): هذا حديث قد اصطلح الفقهاء على قبوله وذلك يدل على أن له أصلًا وإن كان في إسناده مقال، كما اصطلحوا على قبول: "لا وصية لوارث" (٨)

стр. 4824

[وإسناده] (١) فيه ما فيه، اهـ. قوله: (البيعان) أي البائع والمشتري كما تقدم في الخيار، ولم يذكر الأمر الذي فيه الاختلاف، وحَذْفُ المتعلّق مشعر بالتعميم في مثل هذا المقام على ما تقرر في علم المعاني (٢) فيعم الاختلاف في المبيع والثمن وفي كل أمر يرجع إليهما وفي سائر الشروط المعتبرة، والتصريح في الاختلاف في الثمن في بعض الروايات كما وقع في الباب لا ينافي هذا العموم المستفاد من الحذف. قوله: (صاحب السلعة)، هو البائع كما وقع التصريح به في سائر الروايات

стр. 4825

فلا وجه لما روي عن البعض أن رب السلعة في الحال هو المشتري. وقد استدل بالحديث من قال: إن القول قول البائع إذا وقع الاختلاف بينه وبين المشتري في أمر من الأمور المتعلقة بالعقد ولكن مع يمينه كما وقع في الرواية الآخرة، وهذا إذا لم يقع التراضي بينهما على الترادّ، فإن تراضيا على ذلك جاز بلا خلاف، فلا يكون لهما خلاص عن النزاع إلا التفاسخ أو حلف البائع، والظاهر عدم الفرق بين بقاء المبيع وتلفه لما عرفت من عدم انتهاض الرواية المصرح فيها باشتراط بقاء المبيع للاحتجاج، والترادّ مع التلف ممكن بأن يرجع كل واحد منهما بمثل المثلي وقيمة القيمة. إذا تقرر لك ما يدل عليه هذا الحديث من كون القول قول البائع من غير فرق، فاعلم أنه لم يذهب إلى العمل به في جميع صور الاختلاف أحد فيما أعلم، بل اختلفوا في ذلك اختلافًا طويلًا على حسب ما هو مبسوط في الفروع، ووقع الاتفاق في بعض الصور والاختلاف في بعض. وسبب الاختلاف في ذلك ما سيأتي من قوله ﷺ : "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه" (١)، لأنه يدل بعمومه على أن اليمين على المدعى عليه والبينة على المدعي من غير فرق بين أن يكون أحدهما بائعًا والآخر مشتريًا أو لا. وحديث الباب يدل على أن القول قول البائع مع يمينه، والبينة على المشتري من غير فرق بين أن يكون البائع مدعيًا أو مُدعى عليه. فبين الحديثين عموم وخصوص من وجه، فيتعارضان باعتبار مادة الاتفاق وهي حيث يكون البائع مدعيًا فينبغي أن يرجع في الترجيح إلى الأمور الخارجة، وحديث " [أن] (٢) اليمين على المدعى عليه"، عزاه المصنف في كتاب الأقضية إلى أحمد (٣) ومسلم (٤)، وهو أيضًا في صحيح البخاري (٥) في الرهن، وفي باب

стр. 4826

اليمين على المدعى عليه (١)، وفي تفسير آل عمران (٢). وأخرجه الطبراني (٣) بلفظ: "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه". وأخرجه الإسماعيلي (٤) بلفظ: "ولكن البينة على الطالب، واليمين على المطلوب". وأخرجه البيهقي (٥) بلفظ: "لو يعطى الناس بدعواهم لادّعى رجال أموال قوم ودماءهم، ولكن البينة على المدعي، واليمين على من أنكر". وهذه الألفاظ كلها في حديث ابن عباس، فمن رام الترجيح بين الحديثين لم يصعب عليه ذلك بعد هذا البيان، ومن أمكنه الجمع بوجه مقبول فهو المتعين.

стр. 4827

[الكتاب الثامن] كتاب السلم ١/ ٢٢٨٦ - (عن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدمَ النَّبي ﷺ المَدينَةَ وَهُمْ يُسْلفُونَ في الثمارِ السَّنَةَ والسَّنتَيْنِ، فَقَالَ: "مَنْ أَسْلَفَ فَلْيسْلفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (١). [صحيح] وَهُوَ حُجَّةٌ في السَّلَم في مُنْقَطعِ الجنْسِ حالَةَ العَقْد). قوله: (كتاب السَّلَم) هو بفتح السين المهملة، واللام كالسلف وزنًا ومعنى. وحكى في الفتح (٢) عن الماوردي (٣) أن السَّلَف لغةُ أهلِ العراق، والسَّلَم لغةُ أهلِ الحجاز. وقيل: السَّلف تقديم رأس المال، والسلم: تسليمه في المجلس، فالسلف أعمّ. قال في الفتح (٤): والسَّلم شرعًا: بيع موصوف في الذمة. وزيد في الحدّ: ببدل يعطى عاجلًا، وفيه نظر لأنه ليس داخلًا في حقيقته. قال (٥): واتفق العلماء على مشروعيته إلا ما حكي عن ابن المسيب.

стр. 4828

واختلفوا في بعض شروطه، واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع، وعلى تسليم رأس المال في المجلس. واختلفوا هل هو عقد غرر جوز للحاجة أم لا؟ اهـ. قوله: (يسلفون) بضم أوله. قوله: (السنة والسنتين)، في رواية للبخاري (١): "عامين أو ثلاثة"، والسنة: بالنصب على الظرفية أو على المصدر، [وكذلك] (٢) لفظ سنتين وعامين. قوله: (في كيل معلوم) احترز بالكيل عن السلم في الأعيان، وبقوله: "معلوم" عن المجهول من المكيل والموزون، وقد كانوا في المدينة حين قدم النبي ﷺ يسلمون في ثمار نخيل بأعيانها، فنهاهم عن ذلك لما فيه من الغرر، إذ قد تصاب تلك النخيل بعاهة فلا تثمر شيئًا. قال الحافظ (٣): واشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه من المكيل متفق عليه من أجل اختلاف المكاييل إلا أن لا يكون في البلد سوى كيل واحد فإنه ينصرف إليه عند الإطلاق. قوله: (إلى أجل معلوم)، فيه دليل على اعتبار الأجل في السلم، وإليه ذهب الجمهور (٤)، وقالوا: لا يجوز السلم حالًا، وقالت الشافعية (٥): يجوز، قالوا: لأنه إذا جاز مؤجلًا مع الغرر فجوازه حالًا أولى، وليس ذكر الأجل في الحديث لأجل الاشتراط بل معناه إن كان لأجل فليكن معلومًا. وتعقب بالكتابة فإن التأجيل شرط فيها. وأجيب بالفرق لأن الأجل في الكتابة شرع لعدم قدرة العبد غالبًا، واستدل الجمهور على اعتبار التأجيل بما أخرجه الشافعي (٦) والحاكم (٧) وصححه عن ابن عباس أنه قال: "أشهد أن السَّلف المضمون إلى أجل قد أحله الله في كتابه وأذن

стр. 4829

فيه، ثم قرأ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١). ويجاب بأن هذا يدل على جواز السلم إلى أجل، ولا يدل على أنه لا يجوز إلا مؤجلًا. وبما أخرجه ابن أبي شيبة (٢) عن ابن عباس أنه قال: "لا تسلف إلى العطاء ولا إلى الحصاد واضرب أجلًا". ويجاب بأن هذا ليس بحجة لأنه موقوف عليه. وكذلك يجاب عن قول أبي سعيد الذي علَّقه البخاري (٣) ووصله عبد الرزاق (٤) بلفظ: "السلم بما يقوم به السعر ربًا، ولكن السلف في كيل معلوم إلى أجل". وقد اختلف الجمهور في مقدار الأجل، فقال أبو حنيفة (٥): لا فرق بين الأجل القريب والبعيد. وقال أصحاب مالك (٦): لا بد من أجل تتغير فيه الأسواق، وأقله عندهم ثلاثة أيام، وكذا عند الهادوية (٧) وعند ابن قاسم (٨) خمسة عشر يومًا. وأجاز مالك (٩) السلم إلى العطاء والحصاد ومقدم الحاج، ووافقه أبو

стр. 4830

ثور (١)، واختار ابن خزيمة تأقيته إلى الميسرة. واحتجّ بحديث عائشة "أن النبي ﷺ بعث إلى يهودي: ابعث إليَّ ثوبين إلى الميسرة"، وأخرجه النسائي (٢)، وطعن ابن المنذر في صحته، وليس في ذلك دليل على المطلوب، لأن التنصيص على نوع من أنواع الأجل لا ينفي غيره. وقال المنصور (٣) بالله: وأقله أربعون يومًا، وقال الناصر: أقله ساعة. والحق ما ذهبت إليه الشافعية (٤) من عدم اعتبار الأجل لعدم ورود دليل يدل عليه فلا يلزم التعبد بحكم بدون دليل. وأما ما يقال من أنه يلزم مع عدم الأجل أن يكون بيعًا للمعدوم، ولم يرخص فيه إلا في السلم، ولا فارق بينه وبين البيع إلا الأجل. فيجاب عنه بأن الصيغة فارقة وذلك كاف. واعلم أن للسلم شروطًا غير ما اشتمل عليه الحديث مبسوطة في كتب الفقه (٥)، ولا حاجة لنا في التعرض لما لا دليل عليه إلا أنه وقع الإجماع على اشتراط معرفة صفة الشيء المسلّم (٦) فيه على وجه يتميز بتلك المعرفة عن غيره. ٢/ ٢٢٨٧ - (وَعَن عَبْدِ الرحْمَنِ بْنِ أبْزَى وَعَبْد الله بْنِ أبي أوْفى قالا: كُنَّا نُصِيبُ المغانمَ مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وكانَ يأتينا أنْباط من أنْباط الشَّام فَنُسْلِفُهمْ في الْحنطَة وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ إلى أجَل مُسَمًّى، قيل: أكانَ لَهُمْ زَرْع أوَ لْم يَكُنْ؟ قالا: ما كنا نَسْألُهُمْ عَن ذلكَ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٧) والبخارِيُّ (٨). وفِي رِوَايَة: كنَّا نُسْلفُ على عَهْد النَّبِي ﷺ وأبي بَكْر وعمَرَ في الحنْطةِ والشَّعيرِ

стр. 4831

وَالزيْتِ والتَّمْرِ وَما نَرَاه عنْدهَمْ. رَوَاه الخَمْسَةُ إلا الترمذي) (١). [صحيح] ٣/ ٢٢٨٨ - (وَعَنْ أبي سَعِيد قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أسْلَمَ في شَيء فَلا يَصْرفهُ إلى غَيْرِهِ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢) وَابْنُ ماجَهْ) (٣) [ضعيف] ٤/ ٢٢٨٩ - (وَعَنْ ابْن عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أسْلَفَ شَيْئًا فَلَا يَشْرِط على صَاحِبِهِ غَيْر قَضَائِهِ" (٤). [ضعيف] وفِي لفْظ: "مَنْ أسْلَفَ في شَيء فَلا يأخُذْ إلا ما أسْلَفَ فِيه أو رأسَ ماله" (٥)، رَوَاهُما الدارَقُطْني. [ضعيف] وَاللَّفْظُ الأولُ دَليلُ امْتِناعِ الرهْنِ وَالضمينِ فِيه، وَالثَّانِي بمَنْعِ الإقَالَة فِي البَعْضِ).

стр. 4832

حديث أبي سعيد في إسناده عطية بن سعد العوفي (١). قال المنذري (٢): لا يحتج بحديثه. قوله: (ابن أبزى) (٣) بالموحدة والزاي على وزن أعلى، وهو الخزاعي أحد صغار الصحابة، ولأبيه أبزى صحبة. قوله: (أنباط) جمع نبيط: وهم قوم معروفون كانوا ينزلون بالبطائح من العراقين، قاله الجوهري (٤)، وأصلهم قوم من العرب دخلوا في العجم واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم، ويقال لهم: النَبَط بفتحتين، والنبيط بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة تحتانية، وإنما سموا بذلك لمعرفتهم بأنباط الماء: أي استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة. وقيل هم نصارى الشام، وهم عرب دخلوا في الروم ونزلوا بوادي الشام. ويدل على هذا قوله: "من أنباط الشام". وقيل: هم طائفتان: طائفة اختلطت بالعجم ونزلوا البطائح، وطائفة اختلطت بالروم ونزلوا الشام. قوله: (فنسلفهم) بضم النون وإسكان السين المهملة وتخفيف اللام من الإسلاف، وقد تشدد اللام مع فتح السين من التسليف. قوله: (ما كنا نسألهم عن ذلك)، فيه دليل على أنه لا يشترط في المسلم في أن يكون عند المسلم إليه، وذلك مستفاد من تقريره ﷺ لهم مع ترك الاستفصال.

стр. 4833

قال ابن رسلان: وأما المعدوم عند المسلم إليه وهو موجود عند غيره فلا خلاف في جوازه. قوله: (وما نراه عندهم) لفظ أبي داود (١): "إلى قوم ما هو عندهم"، أي: ليس عندهم أصل من أصول الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وقد اختلف العلماء في جواز السلم فيما ليس بموجود في وقت السلم إذا أمكن وجوده في وقت حلول الأجل؛ فذهب إلى جوازه الجمهور (٢)، قالوا: ولا يضر انقطاعه قبل الحلول. وقال أبو حنيفة (٣): لا يصح فيما ينقطع قبله، بل لا بد أن يكون موجودًا من العقد إلى المحل، ووافقه الثوري (٤) والأوزاعي (٥)، فلو أسلم في شيء فانقطع في محله لم ينفسخ عند الجمهور. وفي وجه للشافعية (٦) ينفسخ. واستدل أبو حنيفة ومن معه بما أخرجه أبو داود (٧) عن ابن عمر: "أن رجلًا أسلف رجلًا في نخل، فلم يخرج تلك السنة شيئًا، فاختصما إلى النبي ﷺ فقال: بم تستحل ماله، اردد عليه ماله، ثم قال: لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه". وهذا نص في التمر وغيره قياس عليه، ولو صح هذا الحديث لكان المصير إليه أولى، لأنه صريح في الدلالة على المطلوب بخلاف حديث [عبد الرحمن بن أبزى] (٨) وعبد الله بن أبي أوفى (٩) فليس فيه إلا مظنة التقرير منه ﷺ ، مع ملاحظة تنزيل ترك الاستفصال منزلة العموم (١٠). ولكن حديث ابن عمر (٧) هذا في إسناده رجل مجهول، فإنَّ أبا داود رواهُ

стр. 4834

عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن أبي إسحاق، عن رجل نجراني، عن ابن عمر، ومثل هذا لا تقوم [به] (١) حجَّة. قال القائلون بالجواز: ولو صحّ هذا الحديث لحمل على بيع الأعيان، أو على السَّلم الحالّ عند من يقول به، أو على ما قَرُب أجله. قالوا: ومما يدلّ على الجواز ما تقدم من أنهم كانوا يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، ومن المعلوم أن الثمار لا تبقى هذه المدة، ولو اشترط الوجود لم يصحّ السَّلم في الرطب إلى هذه المدّة، وهذا أولى ما يتمسك به في الجواز. قوله: (فلا يصرفه إلى غيره) الظاهر: أن الضمير راجع إلى المسلم فيه لا إلى ثمنه الذي هو رأس المال. والمعنى أنه لا يحل جعل المسلم فيه ثمنًا لشيء قبل قبضه، ولا يجوز بيعه قبل القبض، أي: لا يصرفه إلى شيء غير عقد السَّلم. وقيل: الضمير راجع إلى رأس مال السلم. وعلى ذلك حمله ابن رسلان في شرح السنن وغيره: أي ليس له صرف رأس المال في عوض آخر كأن يجعله ثمنًا لشيء آخر، فلا يجوزله ذلك حتى يقبضه. وإلى ذلك ذهب مالك (٢) وأبو حنيفة (٣) والهادي (٤) والمؤيد بالله (٤)، وقال الشافعي (٥) وزفر: يجوز ذلك لأنه عوض عن مستقرٍّ في الذمة، فجاز، كما لو كان قرضًا ولأنه مال عاد إليه بفسخ العقد على فرض تعذّر المسْلَم فيه، فجاز أخذ العِوَض عنه كالثمن في المبيع إذا فسخ العقد. قوله: (فلا يشرط على صاحبه غير قضائه)، فيه دليل على أنه لا يجوز شيء من الشروط في عقد السَّلم غير القضاء. واستدل به المصنف على امتناع الرهن.

стр. 4835

وقد روي عن سعيد بن جبير (١) أن الرهن في السلم هو الربا المضمون. وقد روي نحو ذلك عن ابن عمر (١) والأوزاعى (١) والحسن (١)، وهو [إحدى] (٢) الروايتين عن أحمد (٣)، ورخَّص فيه الباقون. واستدلوا بما في الصحيح (٤) من حديث عائشة: "أن النبي ﷺ اشترى طعامًا من يهودي نسيئة ورهنه درعًا من حديد". وقد ترجم عليه البخاري (٥): باب الرهن في السلم، وترجم (٦) عليه أيضًا في كتاب السلم: باب الكفيل في السلم. واعترض عليه الإسماعيلي بأنه ليس في الحديث ما ترجم به، ولعله أراد إلحاق الكفيل بالرهن لأنه حق ثبت الرهن به فجاز أخذ الكفيل به، والخلاف في الكفيل كالخلاف في الرهن. قوله: (فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه … ) إلخ. فيه دليل لمن قال: إنه لا يجوز صرف رأس المال إلى شيء آخر. وقد تقدم الخلاف في ذلك.

стр. 4836

[الكتاب التاسع] كتاب القرض [الباب الأول] باب فضيلته ١/ ٢٢٩٠ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أن النَّبي ﷺ قال: "ما منْ مُسْلمٍ يُقْرِض مُسْلِمًا قَرْضًا مَرَّتينِ إلّا كانَ كَصَدَقَتِها مَرَّةً" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه) (١). [حسن] الحديث في إسناده سليمان بن [بشير] (٢) وهو متروك (٣).

стр. 4837

قال الدارقطني (١): والصواب أنه موقوف على ابن مسعود. وفي الباب عن أنس عند ابن ماجه (٢) مرفوعًا: "الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر"، وفي إسناده خالد بن يزيد بن عبد الرحمن الشامي، قال النسائي (٣): ليس بثقة. وعن أبي هريرة عند مسلم (٤) مرفوعًا: "من نفس عن أخيه كربة من كرب الدنيا، نفس الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة؛ ومن يسَّر على معسر يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان [العبد] (٥) في عون أخيه". وفي فضيلة القرض (٦) أحاديث.

стр. 4838

وعمومات الأدلة القرآنية والحديثية القاضية بفضل المعاونة وقضاء حاجة المسلم وتفريج كربته وسد فاقته شاملة له، ولا خلاف بين المسلمين في مشروعيته. قال ابن رسلان: ولا خلاف في جواز سؤاله عند الحاجة ولا نقص على طالبه، ولو كان فيه شيء من ذلك لما استسلف النبي ﷺ اهـ. قال في البحر (١): وموقعه أعظم من الصدقة، إذ لا يقترض إلا محتاج، اهـ. ويدل على هذا حديث أنس (٢) المذكور. وفي حديث الباب دليل على أن قرض الشيء مرتين يقوم مقام التصدق به مرة (٣). [الباب الثاني] باب استقراض الحيوان والقضاء من الجنس فيه وفي غيره ٢/ ٢٢٩١ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: اسْتَقْرضَ رَسُول الله ﷺ سنًّا، فأعْطَى سنًّا خَيْرًا مِنْ سِنِّهِ، وَقَالَ: "خيارُكم أحاسنُكمْ قَضَاءً". رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَالتِّرْمِذِي

стр. 4839

وَصحَّحهُ) (١). [صحيح] ٣/ ٢٢٩٢ - (وَعَنْ أبي رَافعٍ قالَ: اسْتَلَفَ النَّبي ﷺ بَكْرًا، فَجاءَتْهَ إبلُ الصَّدَقَة فأمَرَنِي أنْ أقْضيَ الرَّجُلَ بَكْرهُ، فَقُلْتُ: إني لَمْ أجِدْ فِي الإِبِل إلَّا جَمَلًا خيارًا رَباعيًا، فَقالَ: "أعْطه إيَّاهُ فإن مِنْ خيْرِ النّاسِ أحْسَنَهُمْ قَضَاءً"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخاريَّ) (٢). [صحيح] ٤/ ٢٢٩٣ - (وَعَنْ أبي سَعيد قالَ: جاءَ أعْرابي إلى النَّبيِّ ﷺ يَتَقَاضَاهُ دَينًا كانَ عَلَيْه، فأرْسَلَ إلى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهَا: "إنْ كانَ عِنْدكِ ثَمْرٌ فأقْرِضينا حتى [يأتِينَا] (٣) ثَمرٌ فَنَقْضِيَكِ"، مُخْتَصَرٌ لابْن ماجَهْ) (٤). [صحيح] حديث أبي هريرة هو في الصحيحين (٥) بلفظ: "كان لرجل على رسول الله ﷺ حق فأغلظ له، فهَمَّ به أصحابه، فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا، فقال لهم: اشتروا له سنًا فأعطوه إياه فقالوا: إنا لا نجد إلا سنًا هو خير من سنه، قال: فاشتروه وأعطوه إياه، فإن من خيركم، أو أخيركم أحسنكم قضاء"، وسيأتي (٦). وفي الباب عن العرباض بن سارية عند النسائي (٧) والبزار (٨) قال: "بعت

стр. 4840

النبي ﷺ بكرًا وأتيته أتقاضاه، فقلت: اقض ثمن بكري، فقال: "لا أقضيك إلا نجيبة"، فدعاني فأحسن قضائي، ثم جاء أعرابي فقال: اقض بكري، فقضاه بعيرًا". وحديث أبي سعيد في إسناده عند ابن ماجه ابن أبي عبيدة عن أبيه وهما ثقتان، وبقية إسناده ثقات. قوله: (أحاسنكم قضاء) جمع أحسن. ورواية الصحيحين (١): "أحسنكم" كما سلف، وهو الفصيح. ووقع في رواية لأبي داود (٢) "محاسنكم" بالميم كمطلع ومطالع. قوله: (بكرًا) بفتح الباء الموحدة: وهو الفَتِيُّ من الإبل (٣). قال الخطابي (٤): هو في الإبل بمنزلة الغلام من الذكور، والقلوص (٥) بمنزلة الجارية من الإناث. قوله: (رَباعيًا) بفتح الراء وتخفيف الموحدة: وهو الذي استكمل ست سنين ودخل في السابعة (٦). وفي الحديثين دليل على جواز الزيادة على مقدار القرض من المستقرض، وسيأتي الكلام على ذلك. قال الخطابي (٧): وفي حديث أبي رافع من الفقه جواز تقديم الصدقة قبل محلها، وذلك لأن النبي ﷺ لا تحل له الصدقة فلا يجوز أن يقضي من إبل الصدقة شيئًا كان [استسلفه] (٨) لنفسه، فدل على أنه [استسلفه] (٨) لأهل الصدقة من أرباب المال، وهذا استدلال الشافعي.

стр. 4841

وقد اختلف العلماء في جواز تقديم الصدقة عن محل وقتها، فأجازه الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه وابن حنبل وابن راهويه. وقال الشافعي: يجوز أن يعجل الصدقة سنة واحدة. وقال [الشافعي] (١): لا يجوز أن يخرجها قبل حلول الحول. وكرهه سفيان الثوري. وقد تقدم في الزكاة ذكر ما يدل على الجواز (٢). وفي الحديثين أيضًا جواز قرض الحيوان، وهو مذهب الجمهور، ومنع من ذلك الكوفيون والهادوية، قالوا: لأنه نوع من البيع مخصوص. وقد نهى ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان كما سلف (٣). ويجاب بأن الأحاديث متعارضة في المنع من بيع الحيوان بالحيوان والجواز، وعلى تسليم أن المنع هو الراجح، فحديث أبي هريرة (٤) وأبي رافع (٥) والعرباض بن سارية (٦) مخصصة لعموم النهي. وأما الاستدلال على المنع [بأن الحيوان] (٧) مما يعظم فيه التفاوت فلا يجوز فيه القرض فنصب لما لا حجة فيه في مقابلة ما هو حجة، وأيضًا كون ذلك مما يعظم فيه التفاوت ممنوع. وقد استثنى مالك (٨) والشافعي (٩) وجماعة من العلماء قرض الولائد، فقالوا: لا يجوز لأنه يؤدي إلى عارية الفرج.

стр. 4842

وأجاز ذلك مطلقًا داود والطبري والمزني ومحمد بن داود وبعض الخراسانيين. وأجازه بعض المالكية (١) بشرط أن يرد غير ما استقرضه، وأجازه بعض أصحاب الشافعي وبعض المالكية فيمن يحرم وطؤه على المستقرض. وقد حكى إمام الحرمين عن السلف والغزالي عن الصحابة النهي عن قرض الولائد. وقال ابن حزم (٢): ما نعلم في هذا أصلًا من كتاب ولا من رواية صحيحة ولا سقيمة ولا من قول صاحب ولا إجماع ولا قياس، انتهى. وحديث أبي سعيد المذكور (٣) فيه دليل على أنه يجوز لمن عليه دين أن يقضيه بدين آخر، ولا خلاف في جواز ذلك فيما أعلم. [الباب الثالث] باب جواز الزيادة عند الوفاء والنهي عنها قبله ٥/ ٢٢٩٤ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ لرَجُلٍ على النبيّ ﷺ سِنّ مِنَ الإِبل، فَجَاءَ يَتَقَاضَاه، فَقال: "أعْطُوهُ"، فَطَلَبُوا سنّهُ فَلَمْ يَجدُوا إلَّا سِنًّا فَوْقَها، فَقال: "أَعْطُوهُ"، فَقَالَ: أوْفَيْتَنِي أوْفاكَ الله، فَقَالَ النبِي ﷺ : "إنَّ خَيْركُمْ أحْسَنُكمْ

стр. 4843

قَضَاءً") (١) [صحيح] ٦/ ٢٢٩٥ - (وَعَنْ جابِرٍ قالَ: أتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ وكانَ لي عَلَيهْ دَيْنٌ، فَقَضَاني وَزَادَني. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما) (٢). [صحيح] ٧/ ٢٢٩٦ - (وَعَنْ أنَسٍ وَسُئِلَ: الرَّجُلُ منَّا يُقْرِض أخاهُ المَالَ فَيُهْدي إلَيْه فَقَالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا أَقْرَضَ أحَدُكمْ قَرْضًا فأُهديَ إلَيْه أوْ حَمَلَهُ على الدَّابَّة فَلا يَركَبْها وَلا يَقْبَلْهُ إلَّا أنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذلك". رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ) (٣). [ضعيف] ٨/ ٢٢٩٧ - (وَعَنْ أنَسٍ عَن النَّبِي ﷺ قالَ: "إِذا أقْرَضَ فَلَا يَأخُذ هَديَّة". رَوَاهُ البُخاريُّ فِي تارِيخِهِ) (٤). [ضعيف] ٩/ ٢٢٩٨ - (وَعَنْ أبي بُرْدَةَ بْنِ أبي مُوسَى قالَ: قَدمْتُ المَدينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ الله بْنَ سَلامٍ فَقَالَ لي: إنَّك بأرضٍ فِيها الرّبا فاشٍ، فإذَا كانَ لَك عَلَى رَجُلٍ حَق فأهْدَى إلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أوْ حِمْلَ شَعِيرٍ أوْ حِمْلَ قَتّ فَلا تأخُذْهُ فإنَّهُ رِبا. رَوَاهُ البُخارِيّ فِي صَحِيحِهِ) (٥). [أثر صحيح]

стр. 4844

حديث أنس في إسناده يحيى بن أبي إسحاق الهنائي (١) وهو مجهول، وفي إسناده أيضًا عتبة بن حميد الضبي. وقد ضعفه أحمد (٢)، والراوي عنه إسماعيل بن عياش (٣) وهو ضعيف. قوله: (سن)، أي: جمل له سن معين. وفي حديث أبي هريرة (٤) دليل على جواز المطالبة بالدين إذا حل أجله. وفيه أيضًا دليل على حسن خلق النبي ﷺ وتواضعه وإنصافه. وقد وقع في بعض ألفاظ الصحيح: "أن الرجل أغلظ [على النبي] (٥) ﷺ فَهَمَّ به أصحابه، فقال: دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا" كما تقدم. وفيه دليل على جواز قرض الحيوان، وقد تقدم الخلاف في ذلك. وفيه جواز ردّ ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد، وبه قال الجمهور (٦).

стр. 4845

وعن المالكية إن كانت الزيادة بالعدد لم يجز، وإن كانت بالوصف [جازت] (١)، ويرد عليهم حديث جابر (٢) المذكور في الباب، فإنه صرح بأن النبي ﷺ زاده، والظاهر أن الزيادة كانت في العدد. وقد ثبت في رواية للبخاري (٣) أن الزيادة كانت قيراطًا. وأما إذا كانت الزيادة مشروطة في العقد فتحرم اتفاقًا، ولا يلزم من جواز الزيادة في القضاء على مقدار الدين جواز الهدية ونحوها قبل القضاء لأنها بمنزلة الرشوة فلا تحل كما يدل على ذلك حديثا أنس (٤) المذكوران في الباب وأثر عبد الله بن سلام (٥). والحاصل: أن الهدية والعارية ونحوهما إذا كانت لأجل التنفيس في أجل الدين، أو لأجل رشوة صاحب الدين، أو لأجل أن يكون لصاحب الدين منفعة في مقابل دينه فذلك محرم لأنه إمَّا نوع من الربا أو رشوة؛ وإن كان ذلك لأجل عادة جارية بين المقرض والمستقرض قبل التداين فلا بأس، وإن لم يكن ذلك لغرض أصلًا فالظاهر المنع لإطلاق النهي عن ذلك. وأما الزيادة على مقدار الدين عند القضاء بغير شرط ولا إضمار فالظاهر الجواز من غير فرق بين الزيادة في الصفة والمقدار والقليل والكثير، لحديث أبي هريرة (٦) وأبي رافع (٧) والعرباض (٨) وجابر (٩)، بل هو مستحب. قال المحاملي وغيره من الشافعية (١٠): يستحب للمستقرض أن يرد أجود مما أخذ للحديث الصحيح (١١) في ذلك، يعني قوله: "إن خيركم أحسنكم قضاء".

стр. 4846

ومما يدل على عدم حل القرض الذي يجر إلى المقرض نفعًا ما أخرجه البيهقي في المعرفة (١) عن فضالة بن عبيد موقوفًا بلفظ: "كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا"، ورواه في السنن الكبرى (٢) عن ابن مسعود، وأبي بن كعب، وعبد الله بن سلام، وابن عباس موقوفًا عليهم. ورواه الحارث بن أسامة (٣) من حديث علي بلفظ: "إن النبي ﷺ نهى عن قرض جر منفعة"، وفي رواية: "كلُّ قَرْضٍ جَرَّ منفعةً فَهُوَ رِبَا" وفي إسناده سوار بن مصعب (٤) وهو متروك. قال عمر بن [زيد] (٥) في "المغني" (٦): لم يصح فيه شيء. ووهم إمام الحرمين والغزالي فقالا: إنه صح، ولا خبرة لهما بهذا الفن. وأما إذا قضى المقترض المقرض دون حقه وحلله من البقية كان ذلك جائزًا.

стр. 4847

وقد استدل البخاري على جواز ذلك بحديث جابر (١) في دين أبيه، وفيه: "فسألتهم أن يقبلوا ثمرة حائطي ويحللوا أبي". وفي رواية للبخاري (٢) أيضًا: "أن النبي ﷺ سأل له غريمه في ذلك". قال ابن بطال (٣): لا يجوز أن يقضي دون الحق بغير محاللة، ولو حلله من جميع الدين جاز عند العلماء، فكذلك إذا حلله من بعضه، اهـ. قوله: (أو حمل قَتٍّ) (٤) بفتح القاف وتشديد التاء المثناة وهو الجاف من النبات المعروف. والفِصْفِصَة (٥) بكسر الفاءين وإهمال الصادين، فما دام رطبًا فهو الفصفصة، فإذا جف فهو [القت] (٦). والفصفصة: هي القضب المعروف، وسمي بذلك لأنه يجز ويقطع. والقت كلمة فارسية عربت، فإذا قطعت الفصفصة كبست وضم بعضها على بعض إلى أن تجف وتباع لعلف الدواب كما في بلاد مصر ونواحيها.

стр. 4848

[الكتاب العاشر] كتاب الرهن ١/ ٢٢٩٩ - (عَنْ أنَسٍ قالَ: رَهَنَ رَسُولُ الله ﷺ دِرْعًا له عِنْدَ يَهُودِيّ بالمَدِينَة وأخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لأهْلِهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالبخارِيُّ (٢) والنَّسائيُّ (٣) وَابْنُ ماجَهْ) (٤) [صحيح] ٢/ ٢٣٠٠ - (وَعَنْ عائِشَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ اشْتَرَى طَعامًا مِنْ يَهُودِي إلى أجَلٍ وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ (٥). [صحيح] وفِي لفَظ: تُوُفّي وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ (٦). أخْرَجاهُمَا. [صحيح] ولأحْمَدَ (٧) وَالنَّسائي (٨) وَابْن ماجَهْ (٩) مِثْلُهُ مِنْ حَديث ابْنِ عَباسٍ. [صحيح] وَفِيهِ مِنْ الفِقْه جَوَازُ الرَّهْنِ فِي الحَضَرِ وَمُعامَلَةِ أهْلِ الذّمَّةِ). حديث ابن عباس أخرجه أيضًا الترمذي (١٠) وصححه.

стр. 4849

وقال صاحب الاقتراح (١): هو على شرط البخاري. قوله: (رهن) الرهن بفتح أوله وسكون الهاء في اللغة (٢): الاحتباس من قولهم رهن الشيء: إذا دام وثبت، ومنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨] (٣)، وفي الشرع: جعل مال وثيقة على دين، ويطلق أيضًا على العين المرهونة تسمية للمفعول به باسم المصدر. وأما الرهن بضمتين فالجمع، ويجمع أيضًا على رهان بكسر الراء ككتب وكتاب، وقرئ بهما. قوله: (عند يهودي) هو أبو الشحم كما بينه الشافعي (٤) والبيهقي (٥) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه: "أن النبي ﷺ رهن درعًا له عند أبي الشحم اليهودي رجل من بني ظفر في شعير"، اهـ. وأبو الشحم بفتح المعجمة وسكون المهملة كنيته، وظفر بفتح الظاء والفاء: بطن من الأوس وكان حليفًا لهم، وضبطه بعض المتأخرين بهمزة ممدودة وموحدة مكسورة اسم فاعل من الإباء، وكأنه التبس عليه بآبي اللحم الصحابي. قوله: ([بثلاثين] (٦) صاعًا من شعير)، في رواية الترمذي (٧) والنسائي (٨) من هذا الوجه "بعشرين"، ولعله ﷺ رهنه أول الأمر في عشرين ثم استزاده عشرة،

стр. 4850

فرواه الراوي تارة على ما كان الرهن عليه أولًا، وتارة على ما كان عليه [آخرًا] (١). وقال في الفتح (٢): لعله كان دون الثلاثين فجبر الكسر تارة، وألغى الجبر أخرى. ووقع لابن حبان (٣) عن أنس أن قيمة الطعام كانت دينارًا، وزاد أحمد (٤) في رواية: "فما وجد النبي ﷺ ما يفتكها به حتى مات". والأحاديث المذكورة فيها دليل على مشروعية الرهن وهو مجمع على جوازه. وفيها أيضًا دليل على صحة الرهن في الحضر وهو قول الجمهور (٥)، والتقييد بالسفر في الآية خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له لدلالة الأحاديث على مشروعيته في الحضر، وأيضًا السفر مظنة فقد الكاتب فلا يحتاج إلى الرهن غالبًا إلا فيه. وخالف مجاهد (٦) والضحاك فقالا: لا يشرع إلا في السفر حيث لا يوجد

стр. 4851

الكاتب. وبه قال داود (١) وأهل الظاهر، والأحاديث ترد عليهم. وقال ابن حزم (١): إن شرط المرتهن الرهن في الحضر لم يكن له ذلك، وإن تبرع به الراهن جاز، وحمل أحاديث الباب على ذلك. وفيها أيضًا دليل على جواز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم العين المتعامل فيها وجواز رهن السلاح عند أهل الذمة لا عند أهل الحرب بالاتفاق وجواز الشراء بالثمن المؤجل. وقد تقدم تحقيق ذلك. قال العلماء: والحكمة في عدوله ﷺ عن معاملة مياسير الصحابة إلى معاملة اليهود إما بيان الجواز، أو لأنهم لم يكن عندهم إذ ذاك طعام فاضل عن حاجتهم أو خشي أنهم لا يأخذون منه ثمنًا أو عوضًا فلم يرد التضييق عليهم. ٣/ ٢٣٠١ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبي ﷺ أنَّهُ كان يَقُولُ: "الظَّهْرُ يُركَبُ بِنَفَقَتِهِ إذَا كانَ مَرْهُونًا، وَلَبنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بنَفَقَتِهِ إِذَا كانَ مَرْهُونًا وَعلى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْربُ النَّفَقَةُ". رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا مُسْلمًا وَالنَّسائيَّ (٢). [صحيح]. وَفِي لفَظ: "إذَا كانَت الدَّابَّةُ مَرْهُونَةً، فَعَلى المرتَهِن عَلْفُها، وَلَبنُ الدَّرّ يُشْرَبُ، وَعلى الَّذِي يَشْرَبُ نَفَقَتُهُ". رَوَاهُ أحْمَدُ) (٣). [صحيح] الحديث له ألفاظ: منها ما ذكره المصنف.

стр. 4852

ومنها بلفظ: "الرهن مركوب ومحلوب"، رواه الدارقطني (١) والحاكم (٢)، وصححه من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا. قال الحاكم: لم يخرجاه لأن سفيان وغيره وقفوه على الأعمش، وقد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الأعمش وغيره، ورجح الموقوف، وبه جزم الترمذي (٣). وقال ابن أبي حاتم (٤): قال أبي: رفعه - يعني أبا معاوية - مرة ثم ترك الرفع بعد؛ ورجح البيهقي (٥) أيضًا الوقف. قوله: (الظهر)، أي: ظهر الدابة. قوله: (يُركب) بضم أوله على البناء للمجهول لجميع الرواة كما قال الحافظ. وكذلك يُشرب وهو خبر في معنى الأمر كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ (٦) وقد قيل إن فاعل الركوب والشرب لم يتعين فيكون الحديث مجملًا. وأجيب بأنه لا إجمال، بل المراد المرتهن بقرينة أن انتفاع الراهن بالعين المرهونة لأجل كونه مالكًا؛ والمراد هنا الانتفاع في مقابلة النفقة، وذلك يختص بالمرتهن كما وقع التصريح بذلك في الرواية الأخرى. ويؤيِّده ما وقع عند حمَّاد بن سَلمةَ في "جامعه" (٧) بلفظ: "إذا ارتهن شاة شرب

стр. 4853

المرتهن من لبنها بقدر علفها، فإن استفضل من اللبن بعد ثمن العلف فهو ربا". ففيه دليل على أنه يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بما يحتاج إليه ولو لم يأذن المالك، وبه قال أحمد (١) وإسحاق والليث والحسن (٢) وغيرهم. وقال الشافعي (٣) وأبو حنيفة (٤) ومالك (٥) وجمهور العلماء: لا ينتفع المرتهن من الرهن بشيء، بل الفوائد للراهن والمؤن عليه. قالوا: والحديث ورد على خلاف القياس من وجهين: (أحدهما): التجويز لغير المالك أن يركب ويشرب بغير إذنه. (والثاني): تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة. قال ابن عبد البر (٦): هذا الحديث عند جمهور الفقهاء ترده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها. ويدل على نسخه حديث ابن عمر عند البخاري (٧) وغيره بلفظ: "لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه". ويجاب عن دعوى مخالفة هذا الحديث الصحيح للأصول بأن السنة الصحيحة من جملة الأصول فلا تردّ إلا بمعارض أرجح منها بعد تعذر الجمع.

стр. 4854

وعن حديث ابن عمر بأنه عام وحديث الباب خاص، فيبنى العامّ على الخاصّ، والنسخ لا يثبت إلا بدليل يقضي بتأخر الناسخ على وجه يتعذر معه الجمع لا بمجرد الاحتمال مع الإمكان. وقال الأوزاعي (١) والليث وأبو ثور: إنه يتعين حمل الحديث على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون، فيباح حينئذٍ للمرتهن. وأجود ما يحتج به للجمهور حديث أبي هريرة الآتي (٢)، وستعرف الكلام عليه. قوله: (الدر) بفتح الدال المهملة وتشديد الراء مصدر بمعنى الدارَّة: أي لبن الدابة ذات الضرع. وقيل: هو هنا من إضافة الشيء إلى نفسه كقوله تعالى: ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾ (٣). ٤/ ٢٣٠٢ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "لا يُغْلَقُ الرّهْنُ مِنْ صَاحِبهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمهُ"، رَوَاه الشافعِي (٤) وَالدارَقُطْنِي (٥) وَقالَ: هَذَا إسنادٌ حَسَنٌ مُتَّصِلٌ). [مرسل ضعيف] الحديث أخرجه أيضًا الحاكم (٦) والبيهقي (٧) وابن حبان في صحيحه (٨)، وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٩) عنه من طريق أخرى، وصحح أبو داود (١٠) والبزار والدارقطني (١١) وابن القطان (١٢) إرساله عن سعيد بن المسيب بدون ذكر أبي هريرة.

стр. 4855

قال في التلخيص (١): وله طرق في الدارقطني (٢) والبيهقي (٣) كلها ضعيفة. وقال في بلوغ المرام (٤): إن رجاله ثقات، إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله. اهـ. وساقه ابن حزم (٥) من طرق قاسم بن أصبغ. قال: حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا يحيى بن أبي طالب الأنطاكي وغيره من أهل الثقة، حدثنا نصر بن عاصم الأنطاكي حدثنا شبابة عن ورقاء عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يغلق الرهن، الرهن لمن رهنه، له غنمه، وعليه غرمه". قال ابن حزم (٦): هذا إسناد حسن. وتعقبه الحافظ (٧) بأن قوله: نصر بن عاصم تصحيف، وإنما هو عبد الله بن نصر الأصم الأنطاكي، وله أحاديث منكرة، وقد رواه الدارقطني (٨) من طريق عبد الله بن نصر المذكور، وصحح هذه الطريق عبد الحق (٩)، وصحح أيضًا وصله وكذلك صحح وصله ابن عبد البر (١٠)، وقال: هذه اللفظة، يعني: "له غنمه وعليه غرمه"، اختلف الرواة في رفعها ووقفها، فرفعها ابن أبي ذئب ومعمر وغيرهما، ووقفها غيرهم. وقد روى ابن وهب (١١) هذا الحديث فجوَّده وبيَّن أن هذه اللفظة من قول سعيد بن المسيب. وقال أبو داود في المراسيل (١٢): قوله: "له غنمه وعليه غرمه"، من كلام سعيد بن المسيب نقله عنه الزهري. قوله: (لا يغلق الرهن) يحتمل أن تكون لا نافية، ويحتمل أن تكون ناهية.

стр. 4856

قال في القاموس (١): غلق الرهن كفرح: استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يفتكه في الوقت المشروط، اهـ. وقال الأزهري (٢): الغلق في الرهن ضد الفك، فإذا فك الراهن الرهن فقد أطلقه من وثاقه عند مرتهنه. وروى عبد الرزاق (٣) عن معمر أنه فسر غلاق الرهن بما إذا قال الرجل: إن لم آتك بمالك فالرهن لك، قال: ثم بلغني عنه أنه قال: إن هلك لم يذهب حق هذا، إنما هلك من ربّ الرهن له غنمه وعليه غرمه. وقد روي أن المرتهن في الجاهلية كان يتملك الرهن إذا لم يؤد الراهن إليه ما يستحقه في الوقت المضروب فأبطله الشارع. قوله: (له غنمه وعليه غرمه)، فيه دليل لمذهب الجمهور (٤) المتقدم، لأن الشارع قد جعل الغنم والغرم للراهن، ولكنه قد اختلف في وصله وإرساله ورفعه ووقفه، وذلك ممّا يوجب عدم انتهاضه لمعارضة ما في صحيح البخاري (٥) وغيره كما سلف.

стр. 4857

[الكتاب الحادي عشر] كتاب الحوالة والضمان [الباب الأول] باب وجوب قبول الحوالة على المليء ١/ ٢٣٠٣ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النبي ﷺ قَالَ: مَطْلُ الغَنيّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبعَ أحَدُكُمْ على مَليء فَلْيَتْبَعْ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (١). [صحيح] وفي لَفْظٍ لأحْمَدَ (٢): وَمَنْ أُحيلَ على مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ). [صحيح] ٢/ ٢٣٠٤ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَن النَّبِي ﷺ قال: (مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُحلْتَ على مَلِيء فاتَّبِعْهُ" ﷺ ، رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ) (٣). [صحيح لغيره] حديث ابن عمر إسناده في سنن ابن ماجه (٣) هكذا: حدثنا إسماعيل بن توبة، حدثنا هشيم عن يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر فذكره. وإسماعيل بن توبة قال ابن أبي حاتم (٤): صدوق، وبقية رجاله رجال

стр. 4858

الصحيح، وقد أخرجه أيضًا الترمذي (١) وأحمد (٢). قوله: (الحوالة) هي بفتح الحاء المهملة وقد تكسر، قال في الفتح (٣): مشتقة من التحويل أو من الحول، يقال: حال عن العهد: إذا انتقل عنه حولًا. وهي عند الفقهاء: نقل دَين من ذمة إلى ذمة. واختلفوا: هل هي بيع دين بدين رُخِّص فيه فاستثنى من النهي عن بيع الدين بالدين، أو هي استيفاء؟ وقيل: هي عقد إرفاق [مستقل] (٤). ويشترط في صحتها رضا المحيل بلا خلاف والمحتال عند الأكثر والمحال عليه عند بعض [من شذ] (٥)، ويشترط أيضًا تماثل [النقدين] (٦) في الصفات، وأن يكون في شيء معلوم. ومنهم من خصها بالنقدين ومنعها في الطعام لأنه بيع طعام قبل أن يستوفى. اهـ. قوله: (مطل الغني) من إضافة المصدر إلى الفاعل عند الجمهور. والمعنى أنه يحرم على الغني القادر أن يمطل صاحب الدين بخلاف العاجز. وقيل: هو من إضافة المصدر إلى المفعول: أي يجب على المستدين أن يوفي صاحب الدين ولو كان المستحق للدين غنيًا فإن مطله ظلم، فكيف إذا كان فقيرًا فإنه يكون ظلمًا بالأولى، ولا يخفى بعد هذا كما قال الحافظ (٧)، والمَطْل في الأصل: المدّ، وقال الأزهري (٨): المدافعة. قال في الفتح (٩): والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر. قوله: (وإذا أتبع) بإسكان المثناة الفوقية على البناء للمجهول.

стр. 4859

قال النووي (١): هذا هو المشهور في الرواية واللغة. وقال القرطبي (٢): أما أتبع، فبضم الهمزة وسكون التاء، مبنيًا لما لم يسم فاعله عند الجميع. وأما فليتبع فالأكثر على التخفيف، وقيده بعضهم بالتشديد والأول أجود. وتعقَّب الحافظ (٣) ما ادعاه من الاتفاق بقول الخطابي (٤): إن أكثر المحدثين يقولونه، يعني اتبع بتشديد التاء والصواب التخفيف؛ والمعنى: إذا أحيل فليحتل كما وقع في الرواية الأخرى. قوله: (على مليء) قيل: هو بالهمز، وقيل: بغير همز، ويدل على ذلك قول الكرماني (٥): المليّ، كالغني لفظًا ومعنى. وقال الخطابي (٦): إنه في الأصل بالهمز، ومن رواه بتركها فقد سهَّله. قوله: (فاتبعه) قال في الفتح (٧): هذا بتشديد التاء بلا خلاف. والحديثان يدلان على أنه يجب على من أحيل بحقه على مليء أن يحتال، وإلى ذلك ذهب أهل الظاهر (٨) وأكثر الحنابلة (٩) وأبو ثور وابن جرير، وحمله الجمهور على الاستحباب. قال الحافظ (١٠): ووهم من نقل فيه الإجماع. وقد اختلف هل المطل مع الغنى كبيرة أم لا؟ وقد ذهب الجمهور إلى أنه موجب للفسق؛ واختلفوا هل يفسق بمرة أو يشترط التكرار؟ وهل يعتبر الطلب من المستحق أم لا؟ قال في الفتح (١١): وهل يتصف بالمطل من ليس القدر الذي عليه حاضرًا
следующие страницы →