← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 480–519 · переход к 485.

стр. 480

الحديثُ مدارُه على يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمةَ بن وقاص عن عمر بن الخطاب، ولم يبقَ من أصحاب الكتب المعتمدةِ من لم يخرجه سِوى مالك فإنه لم يخرجه في الموطأ (١)، ووهم ابنُ دِحْيَةَ فقال: إنه فيه، ولعل الوهم اتفق له لما رأى الشيخين والنسائي رَوَوْهُ من حديث مالك، وما وقع في الشِّهابِ (٢) بلفظ: "الأَعْمالُ بِالنياتِ" بجمع الأعمال وحذف إنما فنقل

стр. 481

النووي (١) عن أبي موسى المديني الأصبهاني أنه لا يصح له إسناد، وأقره النووي. قال الحافظ (٢) وهو وهم فقد رواه كذلك الحاكم (٣) في الأربعين له من طريق مالك، وكذا أخرجه ابن حبان (٤) من وجه آخر في مواضع تسعة من صحيحه منها في الحادي عشر من الثالث والرابع والعشرين منه والسادس والستين منه، ذكره في هذه المواضع بحذف إنما، وكذا رواه البيهقي في المعرفة (٥)، وفي البخاري (٦) "الأعمال بالنية" بحذف إنما وإفراد النية، قال الحافظ (٧) أبو سعيد محمد بن علي الخشاب: رواه عن يحيى بن سعيد نحو مائتين وخمسين إنسانًا، وقال أبو إسماعيل الهروي عبد الله بن محمد الأنصاري: كتبت هذا الحديث عن سبعمائة نَفَرٍ من أصحاب يحيى بن سعيد قال الحافظ (٨): تتبعته من الكتب والأجزاء حتى مررت على أكثر من ثلاثة آلاف جزء فما استطعت أن أكمل له سبعين طريقًا، ثم رأيت في المستخرج لابن منده (٩) عدة طرق فضممتها إلى ما عندي فزادت على ثلاثمائة. وقال البزار والخطابي وأبو علي بن السكن ومحمد بن عتاب وابن الجوزي وغيرهم: إنه لا يصح عن النبي ﷺ إلا عن عمر بن الخطاب. ورواه ابن عساكر (١٠)

стр. 482

من طريق أنس وقال: غريب جدًّا، وذكر ابن منده في مستخرجه (١) أنه رواه عن النبي ﷺ أكثر من عشرين نفسًا، قال الحافظ (٢): وقد تتبعها شيخنا أبو الفضل بن الحسين في النكت التي جمعها على ابن الصلاح (٣) وأظهر أنها في مطلق النية لا بهذا اللفظ. وهذا الحديثُ قاعدةٌ من قواعد الإِسلام حتى قيلَ: إنه ثلثُ العلمِ. ووجههُ أن كَسْبَ العبدِ بقلبه وجوارِحِه ولسانِه. وعملُ القلب أرجحُها لأنه يكونُ عبادةَ بانفرادِهِ دونَ الآخرينَ. [الكلام في النية]: قوله: (إنما الأعمالُ) هذا التركيبُ يفيدُ الحصرَ من جِهتين. الأولى: (إنما)، فإنها. من صيغِ الحصرِ واختُلِفَ هل تفيدُه بالمنطوقِ أو بالمفهومِ، وبالوضعِ أو العُرفِ، وبالحقيقةِ أم بالمجاز؟ ومذهبُ المحققينَ أنها تفيدُه بالمنطوقِ وضعًا. حقيقيًا قالَ الحافظ: ونقله شيخنا شيخُ الإِسلام عن جميعِ أهلِ الأصولِ من المذاهبِ الأربعةِ إلا اليسيرَ كالآمدي، وعلى العكسِ من ذلكَ أَهل العربية وموضع البحث عن بقية أبحاث، إنما الأصول وعلم المعاني فليرجع إليهما. الجهةُ الثانيةُ: الأعمالُ لأنه جمعٌ محلى باللامِ المفيدِ للاستغراقِ، وهو مستلزمٌ للقصر لأن معناهُ؛ كلُّ عملٍ بنيةٍ فلا عملَ إلا بنية. وهذا التركيبُ من المقتضى المعروفِ في الأصول وهو ما احتمل أحد تقديرات لاستقامة الكلام ولا عموم له عند المحققين فلا بد من دليل في تعيين أحدها، وقد اختلف الفقهاء في تقديره ههنا فمن جعل النية شرطًا قدر صحة الأعمال ومن لم يشترط قدر كمال الأعمال.

стр. 483

قال ابن دقيق العيد (١): "وقد رحج الأوَّل بأن الصحة أكثر لزومًا للحقيقة فالحمل عليها أولى لأن ما كان ألزم للشيء كان أقرب إلى خطوره بالبال" اهـ. قال الحافظ (٢): وقد اتفق العلماء على أن النية شرط في المقاصد واختلفوا في الوسائل ومن ثم خالفت الحنفية في اشتراطها للوضوء. وقد نسب القول بفرضية النية المهدي ﵇ في البحر (٣) إلى علي ﵇ وسائر العترة والشافعي ومالك والليث وربيعة وأحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه. قوله: (بالنية) الباءُ للمصاحبةِ ويحتملُ أن تكونَ للسببيةِ بمعنى أنها مقومةٌ للعمل، فكأنها سببٌ في إيجادِهِ. قال النووي (٤): والنيةُ: القصدُ وهو عزيمةُ القلب، وتعقبهُ الكرمانيُّ (٥) بأن عزيمة القلب قدرٌ زائدٌ على أصلِ القصدِ. وقال البيضاوي (٦): "النيةُ عبارة عن انبعاثِ القلبِ نحو ما يراهُ موافقًا لغرضِ من جلْبِ نفعٍ أو دفعِ ضررٍ حالًا أو مالًا"، والشرع خصصه بالإِرادة المتوجهة نحو الفعل لابتغاء رضا الله وامتثال حكمه. والنية في الحديث محمولة على المعنى اللغوي ليصح تطبيقه على ما بعده وتقسيمه أحوال المهاجر فإنه تفصيل لما أجمل. والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو ذلك المقدر أعنى الكمال أو الصحة أو الحصول أو الاستقرار. قال الطيبي (٧): "كلام الشارع محمول على بيان الشرع لأن المخاطبين بذلك هم أهل اللسان فكأنهم خوطبوا بما ليس لهم به علم إلا من قبل الشارع فيتعين الحمل على ما يفيد الحكم الشرعي".

стр. 484

قوله: (وإنما لامرئ ما نوى) فيه تحقيق لاشتراط النية والإِخلاص في الأعمال قاله القرطبي فيكون على هذا جملة مؤكدة [للتي] (١) قبلها. وقال غيره: بل تفيد غير ما أفادته الأولى لأن الأولى نبهت على أن العمل يتبع النية ويصاحبها فيترتب الحكم على ذلك. والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه قال ابن دقيق العيد (٢): والجملة الثانية [تقتضي كون] (٣) أن من نوى شيئًا يحصل له وكل ما لم ينوه لم يحصل فيدخل تحت ذلك ما لا ينحصر من المسائل [قال] (٤): ومن ههنا عظموا هذا الحديث إلى آخر كلامه. ويدل على صحة كلامه أحاديث كثيرة واردة بثبوت الأجر لمن نوى خيرًا ولم يعمله كحديث: "رجلٌ آتاهُ الفهُ مالًا وعلمًا فهو يعملُ بعلمِهِ في مالِهِ وينفِقُه في حقه، ورجلٌ آتاهُ اللهُ عِلْمًا ولم يؤتِهِ مالًا فهوَ يقولُ: لو كانَ لي مِثْلَ هذا عملتُ فيه مثلَ العملِ الذي يعملُ فهُما في الأجرِ سواءْ" (٥). قال الحافظ (٦): "والمرادُ أنه يحصُلُ إذا عمله بشرائطه أو حال دون عمله له ما يعذر شرعًا بعدم عمله والمرادُ عدم الحصول إذا لم تقعِ النيةُ لا خصوصًا ولا عمومًا أما إذا لم يَنْوِ

стр. 485

شيئًا مخصُوصًا لكن كانت هناكَ نيةٌ تشملُه فهذا مما [اختلفَ] (١) فيه أنظارُ العلماءِ ويتخرَّجُ عليه من المسائلِ ما لا يُحصى". قوله: (فمن كانت هِجرتُه إلى الله ورسوله) الهجرةُ: التَّرْكُ، وإلى الشيءِ: الانتقالُ إليهِ عن غيرِه. وفي الشرعِ: تركُ ما نهى اللهُ عنه، وقد وقعتْ في الإِسلامِ على وجوهِ (٢). الهجرةُ إلى الحبشةِ. والهجرةُ إلى المدينةِ، وهجرةُ القبائلِ. وهِجرةُ من أسلمَ من أهلِ مكةَ. وهجرةُ من كانَ مقيمًا بدارِ الكفر. والهجرةُ إلى الشام في آخر الزمان عندَ ظهورِ الفِتَنِ. وأخرج أبو داود (٣) من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سيكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مُهاجر إبراهيم، ويبقى في الأرضِ شرارُ أهلها" ورواه أيضًا أحمد في المسند (٤). قوله: (فهجرتُه إلى الله ورسوله) وقعَ الاتحادُ بين الشرطِ والجزاءِ، وتغايرهُما لا بدَّ منه وإلا لم يكن كلامًا مفيدًا، وأجيب بأن التقديرَ فمن كانت هِجرتُه إلى الله ورسوله نيةَ وقصدًا فهجرتُه إلى الله ورسوله حكمًا وشرعًا فلا اتحادَ، وقيلَ يجوزُ الاتحادُ في الشرطِ والجزاءِ والمبتدأِ والخبرِ لقصدِ التعظيمِ أو التحقيرِ كأنتْ أنتَ؛ أي العظيمَ أو الحقيرَ. ومنه قولُ أبي النجم: وشِعريَ شِعريْ أي العظيمُ. وقيلَ: الخبرُ محذوفٌ في الجملة الأولى منهما، أي فهجرتُه إلى الله ورسوله محمودةٌ، أو

стр. 486

مثابٌ عليها، فَهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه مذمومةً أو قبيحةً أو غيرَ مقبولةٍ. قوله: (دُنيا يصِيبها) بضم الدال وحكى ابن قتيبة كسرهَا وهي فُعلَى من الدنُوِّ أي القُربِ سُميت بذلكَ لِسبقِها للأخرى. وقيلَ: لدنُوها إلى الزوالِ، واختُلِفَ في حقيقتِها فقيلَ: ما على الأرض من الهواء والجوِّ. وقيلَ: كلُّ المخلوقاتِ من الجواهِرِ والأعراضِ. وإطلاقُ الدُّنيا على بعضِها كما في الحديث مجاز. قوله: (أو امرأةٍ يتزوجُها) إنما خصَّ المرأةَ بالذِّكْرِ بعد ذِكْرِ ما يعمُّها وغيرَها للاهتمام [بها] (١)، وتعقَّبَهُ النوويُّ (٢) بأن لفظ دُنيا نكرة وهي لا تعم في الإِثبات فلا يلزمُ دخولُ المرأةِ فيها وتُعُقِّبَ بأنها نكرةٌ في سياقِ الشرطِ فَتَعُمُّ. ونكتةُ الاهتمام الزيادةُ في التحذير لأن الافتتان بها أشدُ. وحكى ابنُ بطالٍ (٢) عن ابن سِرَاجٍ (٢) أن السببَ في تخصيصِ المرأةِ بالذكرِ أن العربَ كانوا لا يزوجونَ الموالى العربيةَ ويراعُونَ الكفاءةَ في النسبِ فلما جاءَ الإِسلامُ سوَّى بين المسلمينَ في مُناكَحَتِهم فهاجرَ كثيرٌ من الناسِ إلى المدينةِ ليتزوَّجَ بها من كانَ لا يصِلُ إليها. وتعقَّبهُ ابن حجرٍ (٣) بأنه يفتقر إلى نَقْلِ أن هذا المهاجرَ كان مولى وكانت المرأةُ عربيةً. ومنعَ أن تكونَ عادةُ العربِ ذلكَ ومنعَ أيضًا أن الإِسلامَ أبطلَ الكفاءةَ، ولو قيلَ: إن تخصيصَ المرأةِ بالذكْرِ لأنَّ السبَبَ في الحديثِ مهاجِرُ أم قيسٍ فذُكِرَتِ المرأةُ بعدَ ذكرِ ما يشملُها لما كانت هجرةُ ذلكَ المهاجرِ لأجلِها، لم يكن بعيدًا من الصوابِ وهذه نُكتةُ سِرِّيَّةٌ. والحديثُ يدلُّ على اشتراطِ النية في أعمالِ الطاعاتِ وأن ما وقعَ من الأعمالِ بدونها غيرُ معتدٍّ به وقد سبقَ ذكرُ الخلافِ في ذلكَ، وفي الحديث فوائدُ مبسوطةٌ في المطولاتِ لا يتسع لها المقامُ وهو على انفرادِهِ حقيقٌ بأن يُفردَ له مصنفٌ مُستقلٌ (٤).

стр. 487

[الباب الثاني] باب التسمية للوضوء ٢/ ١٦٤ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [﵁] (١) عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لا صَلاةَ لِمَنْ لا وضُوءَ لَهُ وَلا وُضُوءَ لِمَنْ لا يَذْكُرَ اسْمَ الله عَليْهِ". رَواهُ أحمدُ (٢) وأَبُو دَاوُدَ (٣) وابْنُ ماجَهْ (٤). [حسن لغيره] ولأحمدَ وابْنِ ماجهْ مِنْ حَديث سعيد بْنِ زيدٍ (٥). [ضعيف جدًّا] وأبي سعيدٍ (٦) مِثْلُهُ. [حسن] والجميعُ في أَسانِيدِها مَقالٌ قَرِيبٌ، وقالَ البخارِيُّ: أَحَسْنُ شَيءِ في هذا الباب حَدِيثُ رَباح بْنِ عَبْدِ الرَّحمن يَعْنِي حَدِيثَ: سَعِيد بن زَيْدٍ، وسُئلَ إسْحقُ بْنُ راهَوَيهِ أيُّ حَديثٍ أَصَحُّ في التَّسْمِيةَ؟ فذَكَرَ حدِيثَ أَبي سَعِيدٍ). الحديثُ الأولُ أخرجَهُ أيضًا الترمذي في العللِ (٧)، والدارقُطني (٨) وابنُ السكن والحاكم (٩) والبيهقيُّ (١٠) من طريقِ محمد بن موسى

стр. 488

المخزومي (١) عن يعقوبَ بن سلمةَ (٢) عن أبيهِ (٣) عن أبي هريرةَ بهذا اللفظ. ورواهُ الحاكم من هذا الوجهِ فقالَ: يعقوبُ بن أبي سلمةَ وادَّعى أنه الماجشُون، وصححهُ لذلكَ فوهِمَ، والصوابُ أنه الليثي، قاله الحافظ (٤): قال البخاري (٥): "لا يعرف له سماع من أبيه ولا لأبيه من أبي هريرة"، وأبوه ذكره ابن حبان في الثقات (٦)، وقال: ربما أخطأ، وهذه عبارة عن ضعفه، فإنه قليل الحديث جدًّا، ولم يرو عنه سوى ولده، فإذا كان يخطئ مع قلة ما روى، فكيف يوصف بكونه ثقة، قال ابن الصلاح (٧): انقلب إسناده على الحاكم فلا يحتج لثبوته بتخريجه له، وتبعه النووي (٨). وله طريق أخرى عند الدارقطني (٩) والبيهقي (١٠) عن أبي هريرة بلفظ: "ما توضأ من لم يذكر اسم الله عليه وما صلى من لم يتوضأ" وفي إسناده محمود بن محمد الظفري (١١)

стр. 489

وليس بالقوي، وفي إسناده أيضًا أيوب بن النجار (١) عن يحيى بن أبي كثير، وقد روى يحيى بن معين عنه أنه لم يسمع من يحيى بن أبي كثير إلا حديثًا واحدًا غير هذا. وأخرج الطبراني في الأوسط (٢) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا هريرة إذا توضأت فقل: بسم الله والحمد لله فإن حفظتك لا تزال تكتب لك الحسناتِ حتى تحدث من ذلك الوضوء" قال: تفرد به عمرو بن أبي سلمة عن إبراهيم بن محمد عنه، وإسناده واه. وفيه (٣) أيضًا من طريق الأعرج عن أبي هريرة رفعه: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإِناء حتى يغسلها ويسمي قبل أن يُدْخِلَها" تفردَ بهذهِ الزيادةِ عبدُ اللهِ بن محمد (٤) عن هشام بن عروة وهو متروك. وفي البابِ عن أبي سعيدٍ، وسعيدِ بن زيدٍ كما ذكره المصنفُ، وعائشة وسهلِ بن سعدٍ وأبي سبرة وأم سبرة وعلي وأنس. فحديثُ أبي سعيدٍ رواهُ أحمد (٥) والدارمي (٦) والترمذي في العلل (٧) وابن

стр. 490

ماجه (١) وابن عدي (٢) وابن السكن والبزار (٣) والدارقطني (٤) والحاكم (٥) والبيهقي (٦) بلفظ حديث الباب. وزعمَ ابنُ عديٍّ أن زيدَ بنَ الحُبَابِ تفرَّدَ بهِ عن كثير بن زيدٍ، قالَ الحافظُ (٧): وليس كذلكَ، فقد رواهُ الدارقطني (٨) من حديث أبي عامرٍ العَقَدِيِّ (٩) وابنُ ماجه (١٠) من حديث أبي أحمدَ الزبيري (١١) وكثيرُ بنُ زيدٍ (١٢). قالَ ابنُ معينٍ: ليس بالقويِّ، وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين، وقال أبو حاتم: صالح الحديث ليس بالقوي يكتب حديثه. وكثير بن زيد رواه عن رُبَيْح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد (١٣) وربيح قال أبو حاتم: شيخ وقال البخاري؛ منكر الحديث. وقال أحمد: ليس

стр. 491

بالمعروف. وقال المروزي (١): لم يصححه أحمد. وقال: ليس فيه شيء يثبت (٢). وقال البزار: كل ما روي في هذا الباب فليس بقوى، وذكر أنه روى عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة. وقال العقيلي (٣): الأسانيد في هذا الباب فيها لين. وقد قال أحمد بن حنبل: إنه أحسن شيء في هذا الباب، وقد قال أيضًا: لا أعلم في التسمية حديثًا صحيحًا، وأقوى شيء فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح. وقال إسحق (٤): هذا يعني حديثَ أبي سعيد، أصحُّ ما في الباب. وأما حديثُ سعيد بن زيد فرواه الترمذي (٥) والبزارُ (٦) وأحمدُ (٧) وابن ماجه (٨) والدارقطني (٩) والعقيلي (١٠) والحاكم (١١)، وأعل بالاختلاف والإِرسال. وفي إسناده

стр. 492

أبو ثِفَال (١) عن رباح مجهولان، فالحديث ليس بصحيح، قاله أبو حاتم وأبو زرعة (٢). وقد أطال الكلام على حديث سعيد بن زيد في التلخيص (٣). وأما حديث عائشة فرواه البزار (٤) وأبو بكر بن أبي شيبة (٥) في مسنديهما وابن عدي (٦) وفي إسناده حارثة بن محمد (٧) وهو ضعيف. وأما حديث سهل بن سعد فرواه ابن ماجه (٨) والطبراني (٩) وفيه

стр. 493

عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد (١) وهو ضعيف، وتابعه أخوه أبي بن عباس (٢) وهو مختلف فيه. وأما حديث أبي سبرة وأم سبرة، فرواه الدولابي في الكني (٣)، والبغوي في الصحابة. والطبراني في الأوسط (٤)، وفيه عيسى بن سبرة بن أبي سبرة وهو ضعيف. وأما حديث علي فرواه ابن عدي (٥) وقال: إسناده ليس بمستقيم. وأما حديث أنس فرواه عبد الملك بن حبيب الأندلسي (٦)، وعبد الملك شديد الضعف. قال الحافظ (٧): "والظاهرُ أن مجموع الأحاديثِ يحدثُ منها قوةٌ تدلُ على أن له أصلًا. وقال أبو بكر بنُ أبي شيبةَ: ثبتَ لنا أن النبي ﷺ قالَهُ". قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي (٨): "ولا يخلو هذا الباب من حسن صريح وصحيح غير صريح" (٩).

стр. 494

[مذاهب العلماء في التسمية]: والأحاديث تدل على وجوب التسمية في الوضوء لأن الظاهر أن النفي للصحة لكونها أقرب إلى الذات وأكثر لزومًا للحقيقة، فيستلزم عدمها عدم الذات وما ليس بصحيح لا يجزي ولا يقبل ولا يعتد به، وإيقاع الطاعة الواجبة على وجه يترتب قبولها وإجراؤها عليه واجب. وقد ذهب إلى الوجوب والفرضية العترة والظاهرية وإسحاق، وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل. واختلفوا هل هي فرض مطلقًا أو على الذاكر؟ فالعترة على الذاكر، والظاهرية مطلقًا، وذهبت الشافعية والحنفية ومالك وربيعة، وهو أحد قولي الهادي إلى أنها سنة (١). احتج الأولون بأحاديث الباب، واحتج الآخرون بحديث ابن عمر مرفوعًا "من توضأ وذكر اسم الله عليه كان طهورًا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورًا لأعضاء وضوئه" أخرجه الدارقطني (٢) والبيهقي (٣) وفيه أبو بكر الداهري عبد الله بن الحكم (٤)، وهو متروك ومنسوب إلى الوضع.

стр. 495

ورواه الدارقطني (١) والبيهقي (٢) أيضًا من حديث أبي هريرة، وفيه مرداس بن محمد بن عبد الله بن أبان عن أبيه وهما ضعيفان (٣). ورواه الدارقطني (٤) والبيهقي (٥) أيضًا من حديث ابن مسعود، وفي إسناده يحيى بن [هشام] (٦) السمسار (٧) وهو متروك.

стр. 496

قالوا: فيكون هذا الحديث قرينة لتوجه ذلك النفي إلى الكمال لا إلى الصحة كحديث "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (١) فلا وجوب ويؤيد ذلك حديث "ذكر الله على قلب المؤمن سمى أو لم يسم" (٢). واحتج البيهقي على عدم الوجوب بحديث "لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله" (٣) وتقديره أن التمام لم يتوقف على غير الإِسباغ، فإذا حصل حصل. واستدل النسائي وابن خزيمة والبيهقي على استحباب التسمية بحديث أنس (٤) قال: "طلب بعض أصحاب النبي ﷺ وضوءًا فلم يجد فقال: هل مع أحد منكم ماء؟ فوضع يده في الإِناء فقال [ ﷺ ] (٥): توضئوا باسم الله" وأصله في الصحيحين (٦) بدون قوله: "توضئوا باسم الله". وقال النووي (٧): "يمكن أن يحتج في المسألة بحديث أبي هريرة "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه ببسم الله فهو أجذم" (٨) ولا يخفى على الفطن ضعف

стр. 497

هذه المستندات وعدم صراحتها وانتفاء دلالتها على المطلوب، وما في الباب إن صلح للاحتجاج أفاد مطلوب القائل بالفرضية لما قدّمنا، ولكنه صرح ابن سيد الناس في شرح الترمذي بأنه قد روى في بعض الروايات لا وضوء كاملًا. وقد استدل به الرافعي، قال الحافظ (١): لم أره هكذا انتهى. فإن ثبتت هذه الزيادة من وجه معتبر فلا أصرح منها في إفادة مطلوب القائل بعدم وجوب التسمية. وقد استدل من قال بالوجوب على الذاكر فقط بحديث "من توضأ وذكر اسم الله كان طهورًا لجميع بدنه" (٢) وقد تقدم الكلام عليه، قالوا: فحملنا أحاديث الباب على الذاكر، وهذا على الناسي جمعًا بين الأدلة ولا يخفى ما فيه (٣).

стр. 498

[الباب الثالث] باب استحباب غسل اليدين قبل المضمضة وتأكيده لنوم الليل ٣/ ١٦٥ - (عَنْ أوْسٍ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِّي قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأ فاسَتَوْكَفْ ثَلاثًا أَيْ غَسَلَ كَفَّيْهِ. رَواهُ أَحْمَدُ (١) والنَّسائيُّ) (٢). [صحيح] الحديث رجاله عند النسائي ثقات إلا حميد بن مسعدة فهو صدوق (٣). قوله: (أوس بن أوس) ويقال ابن أبي أوس في صحبته خلاف، وقد ذكره أبو عمر (٤) في الصحابة. وهذا الحديث معناه في الصحيحين (٥) من حديث عثمان

стр. 499

بلفظ: "فأفرغ على كَفَّيْهِ ثلاثَ مَرَّاتٍ فغسلهما"، وقال في آخره "رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ توضَّأَ نحوَ وضُوئي هذا"، وسيأتي في هذا الكتاب (١). وأخرج أبو داود (٢) من حديث عثمان أيضًا بلفظ: "أفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثم غسلهما إلى الكوعين" وثبت نحوه أيضًا من حديث علي ﵇ وعبد الله بن زيد عند أهل السنن (٣). والحديث يدل على شرعية غسل الكفين قبل الوضوء، وقد اختلف الناس في ذلك فعند الهادي في أحد قوليه والمؤيد بالله وأبي طالب والمنصور بالله والشافعية والحنفية أنه مسنون ولا يجب (٤) لحديث "توضأ كما أمرك الله" (٥) ولم يذكر فيه غسل اليدين. وقال القاسم: وهو أحد قولي الهادي وإليه ذهب ابنه أحمد بن يحيى أنه واجب (٦) لخبر الاستيقاظ الذي سيأتي بعد هذا (٧). وأجيب بأنه لا يدل على الوجوب لقوله فيه "فإنه لا يدري أين باتت يده" وليعلم أن محلّ النزاع غسلهما قبل الوضوء، وحديث الاستيقاظ الغسل فيه لا للوضوء فلا دلالة له على المطلوب، ومجرد الأفعال لا تدل على الوجوب، وسيأتي الكلام على ما هو الحق في الحديث الذي بعد هذا إن شاء الله (٨).

стр. 500

٤/ ١٦٦ - (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ [﵁] (١) أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إذا اسْتَيقَظَ أَحَدُكُمْ مِنَ نَوْمِهِ فَلا يَغْمِسْ يَدَهُ حَتَّى يَغْسِلها ثَلاثًا فإِنَّهُ لا يَدري أينَ باتَتْ يَدْهُ". رَواهُ الجمَاعَةُ (٢) إلا أن البُخارِيَّ لَمْ يَذْكُرِ العَدَدَ، وفي لفْظِ التِّرْمذِي وابْنِ ماجهْ "إذا اسْتَيقَظَ أَحَدُكُمْ مِنَ الليْلِ"). [صحيح] ٥/ ١٦٧ - (وعن ابْنِ عُمَرَ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "إذا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ منامِهِ فَلا يَدْخِلْ يَدَهُ في الإِناءِ حَتَّى يَغْسِلهَا ثَلاثَ مَرْات فإنَّهُ لا يَدْرِي أينَ باتَتْ يَدُهُ أوْ أينَ طَافَتْ يَدُهُ" رَواهُ الدَّارقُطْنِي (٣) وقالَ: إسْنادٌ حسنٌ). [صحيح] للحديث طرق (منها) ما ذكره المصنف (ومنها) عند ابن عدي (٤) بزيادة "فليرقه" وقال: إنها زيادة منكرة. (ومنها) عند ابن خزيمة (٥) وابن حبان (٦) والبيهقي (٧) بزيادة

стр. 501

"أين باتت يده منه" قال ابن منده (١): هذه الزيادة رواتها ثقات ولا أراها محفوظة. وفي الباب عن جابر عند الدارقطني (٢) وابن ماجه (٣). وابن عمر، رواه ابن ماجه (٤) وابن خزيمة (٥) بزيادة لفظ منه. وعائشة، رواه ابن أبي حاتم في العلل (٦) وحكى عن أبيه أنه وهم. قوله: (من نومه) أخذ بعمومه الشافعي (٧) والجمهور فاستحبوه عقب كل نوم، وخصه أحمد (٨) وداود بنوم الليل لقوله في آخر الحديث: "باتت يده" لأن حقيقة المبيت [تكون] (٩) بالليل. ويؤيده ما ذكره المصنف ﵀ في رواية الترمذي (١٠) وابن ماجه (١١)، وأخرجها أيضًا أبو داود (١٢) وساق مسلم (١٣) إسنادها

стр. 502

وما في رواية لأبي عوانة (١) ساق مسلم (٢) إسنادها أيضًا "إذا قام أحدكم للوضوء حين يصبح" لكن التعليل بقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده" يقضي بإلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة. قال النووي (٣): "وحكى عن أحمد في رواية أنه إن قام من نوم الليل كره له كراهة تحريم، وإن قام من نوم النهار كره له كراهة تنزيه. قال: ومذهبنا ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصًا بالقيام من النوم بل المعتبر الشك في نجاسة اليد، فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإِناء قبل غسلها سواء كان قام من نوم الليل أو النهار أو شك" انتهى. [اختلاف العلماء في إدخال اليد في الإناء عند الاستيقاظ]: والحديث يدل على المنع من إدخال اليد إلى إناء الوضوء عند الاستيقاظ، وقد اختلف في ذلك، فالأمر عند الجمهور (٤) على الندب، وحمله أحمد (٥) على الوجوب في نوم الليل واعتذر الجمهور عن الوجوب بأن التعليل بأمر يقتضي الشك قرينة صارفة عن الوجوب إلى الندب، وقد دفع بأن التشكيك في العلة لا يستلزم التشكيك في الحكم وفيه أن قوله: "لا يدري أين باتت يده" ليس تشكيكًا في العلة بل تعليلًا بالشك وأنه يستلزم ما ذكر. ومن جملة ما اعتذر به الجمهور عن الوجوب حديث "أنه ﷺ توضأ من الشن (٦) المعلق بعد قيامه من النوم ولم يُرْوَ أنه غسل يده" كما ثبت في حديث ابن عباس (٧) وتعقب بأن قوله: "أحدكم" يقتضي اختصاص الأمر بالغسل بغيره فلا يعارضه ما ذكر، ورد بأنه صح عنه ﷺ غسل يديه قبل إدخالهما في الإِناء حال اليقظة فاستحبابه بعد النوم أولى،

стр. 503

ويكون تركه لبيان الجواز. ومن الأعذار للجمهور أن التقييد بالثلاث في غير النجاسة العينية يدل على الندبية وهذه الأمور إذا ضمت إليها البراءة الأصلية لم يبق الحديث منتهضًا للوجوب ولا لتحريم الترك، ولا يصح الاحتجاج به على غسل اليدين قبل الوضوء، فإن هذا ورد في غسل النجاسة وذاك سنة أخرى. ويدل على هذا ما ذكره الشافعي وغيره من العلماء أن السبب في الحديث أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالأحجار وبلادهم حارة فإذا نام أحدهم عرق فلا يأمن النائم أن تطوف يده على ذلك الموضع النجس أو على قذر غير ذلك، فإذا كان هذا سبب الحديث عرفت أن الاستدلال به على وجوب عسل اليدين قبل الوضوء ليس على ما ينبغي. فإن قلت: هذا قصر على السبب، وهو مذهب مرجوح. قلت: سلمنا عدم القصر على السبب فليس في الحديث إلا نهى المستيقظ عن نوم الليل أو مطلق النوم فهو أخص من الدعوى أعني: مشروعية غسل اليدين قبل الوضوء مطلقًا فلا يصح للاستدلال به على ذلك ونحن لا ننكر أن غسل اليدين قبل الوضوء من السنن الثابتة بالأحاديث الصحيحة كما في حديث عثمان الآتي (١) وغيره، وكما في الحديث الذي في أول الباب (٢) ولا منازعة في سنيته إنما النزاع في دعوى وجوبه والاستدلال عليها بحديث الاستيقاظ. وقد سبق ذكر الخلاف في ذلك في الحديث الذي قبل هذا (٣). قوله: (فلا يدخل يده في الإناء) في رواية للبخاري (٤) "في وضوئه". وفي رواية لابن خزيمة (٥) "في إنائه أو وضوئه". والظاهر اختصاص ذلك بإناء الوضوء ويلحق به الغسل بجامع أن كل واحد منهما يراد التطهر به. وخرج بذكر الإناء البرك والحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها فلا يتناولها النهي.

стр. 504

وفي الحديث أيضًا دلالة على أن الغسل سبع ليس عامًا لجميع النجاسات كما زعمه البعض بل خاصًّا بنجاسة الكلب باعتبار ريقه، والجمهور من المتقدمين والمتأخرين على أنه لا ينجس الماء إذا غمس يده فيه، وحكى عن الحسن البصري أنه [ينجس] (١) إن قام من نوم الليل، وحكى أيضًا عن إسحق بن راهوية ومحمد بن جرير الطبري، قال النووي (٢): "وهو ضعيف جدًّا فإن الأصل في اليد والماء: الطهارة فلا ينجس بالشك وقواعد الشريعة متظاهرة على هذا". قال المصنف (٣) ﵀: "وأكثر العلماء حملوا هذا على الاستحباب، مثل ما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا استيقظ أحدُكُم من مَنَامِهِ فليستَنْثِرْ ثلاث مراتٍ فإن الشيطان يَبِيتُ على خياشيمه" متفق عليه (٤) انتهى. [و] (٥) إنما مثل المصنف محلّ النزاع بهذا الحديث لأنه قد وقع الاتفاق على عدم وجوب الاستنثار عند الاستيقاظ ولم يذهب إلى وجوبه أحد، وإنما شرع لأنه يذهب ما يلصق بمجرى النفس من الأوساخ وينظفه فيكون سببًا لنشاط القارئ وطرد الشيطان، والخيشوم أعلى الأنف، وقيل: هو الأنف كله وقيل: هو عِظامٌ رقاق لينة في أقصى الأنف بينه وبين الدماغ. وقد وقع في البخاري (٦) في بدء الخلق بلفظ "إذا استيقَظَ أحدُكم من منامِهِ فتوضَّأ فليستنثِر ثلاثًا فإن الشيطانَ يبيتُ على خيشُومِهِ" فيحمَلُ المطلق على المقيدِ ويكون الأمرُ بالاستنثار باعتبارِ إرادةِ الوضوءِ وفي وجوبه خلافٌ سيأتي (٧). [الباب الرابع] باب المضمضة والاستنشاق ٦/ ١٦٨ - (عَنْ عُثْمان بْنِ عَفَّانَ ﵁ أَنهُ دَعا بإناءٍ فأفْرَغَ على كَفَّيْهِ

стр. 505

ثلاثَ مَرَّاتٍ فَغَسَلهُما ثمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ في الإِناءِ فَمضْمَضَ [واستنثر] (١) ثمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثلاثًا وَيَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ ثلاثَ مَرَّاتٍ ثمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ ثمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثلاثَ مَرَّاتٍ إلى الْكَعْبَين ثم قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ تَوَضَّأ نحْوَ وُضُوئِي هذا ثم قال: "مَنْ تَوَضَّأ نَحْوَ وضُوئي هذا ثمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لا يُحَدّثُ فيهما نَفْسَهُ غَفَرَ الله لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". مُتَّفق عَلْيهِ) (٢). [صحيح] قوله: (فأفرغَ على كفَّيه ثلاثَ مرَّاتٍ) هذا دليلٌ على أن غسلَهما في أولِ الوضوءِ سنة. قال النووي (٣): وهو كذلكَ باتفاقِ العلماءِ، وقد أسلَفْنَا الكلامَ عليهِ في البابِ الذي قبلَ هذا. قوله: (فمضمضَ) المضمضة: هي أن يجعَلَ الماءَ في فيهِ، ثم يُديره ثم يمجُّهُ قال النووي (٤): وأقلها أن يجعل الماء في فيه، ولا يُشترطُ إدارتُه على المشهور عند الجمهور، وعند جماعة من أصحاب الشافعي وغيرهم أن الإِدارةَ شرط، والمعوّلُ عليه في مثلِ هذا الرجوعُ إلى مفهومِ المضمضةِ لغةً، وعلى ذلكَ تنبني معرفةُ الحقِّ، والذي في القاموس (٥) وغيره أن المضمضةَ: تحريكُ الماءِ في الفم. قوله: (واستنثَرَ) في روايةِ للبخاري (٦) "واستنشقَ" والاستنثارُ أعمُّ قاله في الفتح (٧)، قال النووي (٨): "قال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدثون: الاستنثار: هو إخرجُ الماءِ من الأنفِ بعدَ الاستنشاقِ. وقال ابن الأعرابيِّ وابنُ قُتيبةَ: الاستنثارُ: هو الاستنشاقُ، قالَ: قالَ أهلُ اللغةِ: هو مأخوذٌ من النثْرةِ وهي طرفُ

стр. 506

الأنفِ. وقال الخطابي وغيره: هي الأنف، والمشهورُ الأوَّلُ، قال الأزهريُّ (١): رَوَى سلمةُ عن الفرَّاءِ أنه يقال: نثرَ الرجلُ وانتثر واستنثر إذا حرَّكَ النثرةَ في الطهارةِ" انتهى. وفي القاموس (٢) استَنْثَر: استنشقَ الماءَ، ثم استخرجَ ذلكَ بنفسِ الأنْفِ، كانتثرَ. وقال (٣) في الاستنشاف: استنشقَ الماءَ: أدخلَهُ في أنفِهِ. [اختلاف العلماء في المضمضة والاستنشاق]: إذا تقرر لك معنى المضمضة والاستنثار والاستنشاق لغة فاعلم أنه قد اختُلِفَ في الوجوبِ وعدمِه، فذهبَ أحمدُ وإسحقُ وأبو عبيدِ وأبو ثَوْرٍ وابن المنذر، ومن أهل البيت الهادي والقاسم والمؤيد بالله إلى وجوب المضمضة والاسنتشاق والاستنثار، وبه قال ابن أبي ليلى وحماد بن سليمان (٤)، وفي شرح مسلم للنووي (٥) أن مذهبَ أبي ثورٍ وأبي عُبيدٍ وداودَ الظاهريِّ وأبي بَكْرٍ بن المنذرِ، وروايةً عن أحمدَ أن الاستنشاقَ واجبٌ في الغسل والوضوء، والمضمضة سنة فيهما (٦) وما نقل من الإِجماع على عدم وجوب الاستنثار متعقب بهذا. واستدلوا على الوجوب بأدلة (منها) أنها من تمام غسل الوجه فالأمر بغسله أمر بها (٧). وبحديث أبي هريرة المتفق عليه (٨): "إذَا تَوَضَّأ أحدُكم فليجعلْ في أنفِه ماءً ثم لينتثرْ". وبحديث سَلَمَة بن قَيْس عند الترمذي (٩) والنسائي (١٠) بلفظ

стр. 507

"إذَا توضَّأتَ فانَتثِرْ" وبما أخرج أحمد (١) والشافعي (٢) وابن الجارود (٣) وابن خزيمة (٤) وابن حبان (٥) والحاكم (٦) والبيهقي (٧) وأهل السنن الأربع (٨) من حديث لقيط بن صبرة في حديث طويل وفيه: "وبالِغْ في الاستنشاقِ إلَّا أن تكونَ صائمًا" وفي رواية من هذا الحديثِ: "إذا توضَّأْتَ فَمَضْمِضْ" أخرجها أبو داود (٩) وغيره. قال الحافظ في الفتح (١٠): إن إسنادَهَا صحيحٌ، وقد ردَّ الحافظ أيضًا في التلخيص (١١) ما أعل به حديث لقيط من أنه لم يرو عن عاصم بن لقيط بن صبرة إلا إسماعيل بن كثير، وقال: ليس بشيء لأنه روى عنه غيره، وصححه الترمذي والبغوي وابن القطان، وقال النووي (١٢): "هو حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة". ومن أدِلَّةِ القائلينَ بالوجوبِ حديثُ أبي هريرةَ الذي سيذكره المصنف في هذا الباب بلفظ "أمرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالمضمضةِ والاستنشاقِ" عندَ الدارقطني (١٣).

стр. 508

وذهبَ مالك والشافعي والأوزاعي والليث والحسن البصري والزهري وربيعة ويحيى بن سعيد وقتادة والحكم بن عتيبة ومحمد بن جرير الطبري والناصر من أهل البيت إلى عدم الوجوب (١). وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري وزيد بن علي من أهل البيت ﵈ إلى أنهما فرض في الجنابة، وسنة في الوضوء، فإن تركهما في غسله من الجنابة أعاد الصلاة (٢)، واستدلوا على عدم الوجوب في الوضوء بحديث: "عَشْرٌ مِنْ سُنَنِ المرسَلِيْنَ" (٣) وقد رده الحافظ في التلخيص (٤) وقال: إنه لم يرد بلفظ "عشر من السنن" بل بلفظ من الفطرة ولو ورد لم ينتهض دليلًا على عدم الوجوب، لأن المراد به السنة أي الطريقة لا السنة بالمعنى الاصطلاحي الأصولي، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم. واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "المضمضة والاستنشاق سنة" رواه الدارقطني (٥)، قال الحافظ (٦): "وهو حديث ضعيف". وبحديث: "توضأ كما أمرك الله" (٧) وليس في القرآن ذكر المضمضة والاستنشاق والاستنثار. ورد بأن الأمر بغسل الوجه أمر بها كما سبق وبأن وجوبها

стр. 509

ثبت بأمر رسول الله ﷺ ، والأمرُ منه أمر من الله [تعالى] (١) بدليل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ (٢) ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ (٣) وتمكن مناقشة هذا بأنه إنما يتم لو أَحاله فقط كما وقع لابن دقيق العيد وغيره، وأما بالنظر إلى تمام الحديث وهو "فاغسل وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك" فيصير نصًا على أن المراد كما أمرك الله في خصوص آية الوضوء لا في عموم القرآن، فلا يكون أمره ﷺ بالمضمضة داخلًا تحت قوله للأعرابي: "كما أمرك الله" (٤) فيقتصر في الجواب على أنه قد صح أمر رسول الله ﷺ بها، والواجب الأخذ بما صح عنه، ولا يكون الاقتصار على البعض في مبادئ [التعليم] (٥) ونحوها موجبًا لصرف ما ورد بعده وإخراجه عن الوجوب، وإلا لزم قصر واجبات الشريعة بأسرها على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة مثلًا لاقتصاره على ذلك المقدار في تعليمه. وهذا خرق للإِجماع وإطراح لأكثر الأحكام الشرعية، وعلى ما سلف من أن الأمر بغسل الوجه أمر بها، وهذا وإن كان مستبعدًا في بادئ الرأي باعتبار أن الوجه في لغة العرب معلوم المقدار لكنه يشد من عضد دعوى الدخول في الوجه، أنه لا موجب لتخصيصه بظاهره دون باطنه، فإن الجميع في لغة العرب يُسمى وجهًا فإن قلت: قد أطلق على خرق الفم والأنف اسم خاص فليسا في لغة العرب وجهًا. قلت: وكذلك أَطلق على الخدين والجبهة وظاهر الأنف والحاجبين وسائر أجزاء الوجه أسماء خاصة فلا تسمى وجهًا، وهذا في غاية السقوط لاستلزامه عدم وجوب غسل الوجه. فإن قلت: يلزم على هذا وجوب غسل باطن العين. قلت: ملتزم لولا اقتصار الشارع في البيان على غسل ما عداه، وقد بين لنا رسول الله ﷺ ما نزل إلينا فداوم على المضمضة والاستنشاق، ولم يحفظ أنه أخل بهما مرة واحدةٍ، كما ذكره ابن القيم في الهدي (٦)، ولم ينقل عنه أنه غسل باطن العين مرة واحدة على أنه قد ذهب إلى وجوب غسل باطن العين ابن عمر، والمؤيد بالله من أهل البيت،

стр. 510

وروى في البحر (١) عن الناصر والشافعي أنه يستحب، واستدل لهم بظاهر الآية، وسيأتي متمسك لمن قال بذلك في باب تعاهد الماقِيْن (٢). وقد اعترفَ جماعة من الشافعية وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار. قال الحافظ في الفتح (٣): "وذكر ابن المنذر أن الشافعي لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا بكونه لا يعلم خلافًا في أن تاركه لا يعيد، وهذا دليل [فقهي] (٤) فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة والتابعين إلا عن عطاء" (٥)، وهكذا ذكر ابن حزم في المحلى (٦). وذكر ابن سيد الناس في شرح الترمذي (٧) بعد أن ساق حديث لقيط بن صبرة (٨) ما لفظه. "وقال أبو بشر الدولابي فيما جمعه من حديث الثوري: حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا ابن مهدي، عن سفيان، عن أبي هشام، عن عاصم بن لقيط، عن أبيه عن النبي ﷺ : "إذا توضأت فأبلغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكونَ صائمًا" قال أبو الحسين بن القطان (٩): وهذا صحيح، فهذا أَمر صحيح صريح، وانضم إليه مواظبة النبي ﷺ فثبت ذلك عن النبي ﷺ قولًا وفعلًا مع المواظبة على الفعل" انتهى. ومن جملة ما أورده في شرح الترمذي من الأدلة القاضية بوجوب المضمضة والاستنشاق حديث عائشة عند البيهقي (١٠) بلفظ: إن رسول الله ﷺ قال: "المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لا بد منه" وقد ضعف بمحمد بن الأزهر الجوزجاني (١١)، وقد رواه

стр. 511

البيهقي (١) لا من طريقه فرواه عن أبي سعيد أحمد بن محمد الصوفي، عن ابن عدي الحافظ، عن عبد الله بن سليمان الأشعث عن الحسين بن عليّ بن مهران عن عصام بن يوسف عن ابن المبارك عن ابن جريج عن سليمان بن يسار عن الزهري عن عروة عنها. إذا تقرَّرَ هذا علِمْتَ أَن المذهبَ الحقَّ وجوبُ المضمضةِ والاستنشاقِ والاستنثارِ (٢). قوله: (ثم غَسَلَ وجْهَهُ ثلاثَ مرَّاتٍ) وكذلكَ سائر الأعضاء إلا الرأْسَ فإنَّه لم يذكر فيه العدد (٣)، فيه دليل على أن السنة الاقتصار في مسح الرأس على واحدة

стр. 512

لأن المطلق يصدق بمرة، وقد صرحت الأحاديث الصحيحة بالمرة، وفيه خلاف وسيأتي الكلام على ذلك في باب: هل يسن تكرار مسح الرأس (١)؟، وقد أجمع العلماء على أن الواجب غسل الأعضاء مرة واحدة، وأن الثلاث سنة لثبوت الاقتصار من فعله ﷺ على مرة واحدة ومرتين، وسيأتي لذلك باب في هذا الكتاب (٢). وقد استدل بما وقع في حديث الباب من الترتيب بثم على وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء، وقال ابن مسعود (٣) ومكحول (٤) ومالك (٥) وأبو حنيفة (٦) وداود (٧) والمزني (٨) والثوري (٩) والبصري (١٠) وابن المسيب (١١) وعطاء (١٢) والزهري (١٣) والنخعي (١٤): إنه غير واجب ولا ينتهض الترتيب بثم في حديث الباب على الوجوب لأنه من لفظ الراوي، وغايته أنه وقع من النبي ﷺ على تلك الصفة، والفعل بمجرده لا يدل على الوجوب. نعم قوله في آخر الحديث: "مَنْ توَضَّأ نحوَ وضُوئي هذا ثمَّ صَلَّى رَكْعتينِ لا يُحَدِّثُ فيهما نفْسَهُ غفَر الله لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (١٥) يشعر بترتيب المغفرة المذكورة على وضوء مرتب على هذا الترتيب، وأما إنه يدل على الوجوب فلا.

стр. 513

وقد استدل على الوجوب بظاهر الآية (١) وهو متوقف على إفادة الواو للترتيب، وهو خلاف ما عليه جمهور النحاة وغيرهم، وأصرح أدلة الوجوب حديث "أَنَّه ﷺ توضأ على الولاء ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" (٢) وفيه مقال لا أظنه ينتهض معه. وقد خلط فيه بعض المتأخرين (٣) فخرجه من طرق، وجعل بعضها شاهدًا لبعض، وليس الأمر كما ذكر فليراجع الحديث في

стр. 514

مظانه، فإن التكلم على ذلك ههنا يفضي إلى تطويل يخرجنا عن المقصود. وسيأتي التصريح بما هو الحق في الباب الذي بعد (١) هذا. قوله: (إلى المرفقين) المرفق فيه وجهان. أحدهما فتح الميم وكسر الفاء. والثاني عكسه لغتان. واتفق العلماء على وجوب غسلهما، ولم يخالف في ذلك إلا زفر (٢) وأبو بكر بن داود الظاهري (٣)، فمن قال بالوجوب جعل (إلى) في الآية (٤) بمعنى مع (٥)، ومن لم يقل به جعلها لانتهاء الغاية. واستدل لغسلهما أيضًا بحديث "إنه ﷺ أدار الماء على مرفقيه ثم قال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به" عند الدارقطني (٦)، والبيهقي (٧) من حديث جابر مرفوعًا وفيه القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عقيل وهو متروك، وقال أبو زرعة: منكر، وضعفه أحمد وابن معين، وانفرد ابن حبان بذكره في الثقات، ولم يلتفت إليه في ذلك، وصرح بضعفِ هذا الحديث المنذري وابن الجوزي وابن الصلاح والنووي (٨) وغيرهم. واستدل لذلك أيضًا بما أخرجه مسلم (٩) من حديث أبي هريرة بلفظ: "توضَّأ حتى أشْرَعَ في العضْدِ ثم قالَ: هكَذَا رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ " وفيه أنه فِعْل لا ينتهضُ بمجرده على الوجوب. وأَجيبَ بأنهُ بيانٌ للمجمَلِ فيفيدُ الوجوبَ، ورُدَّ بأنهُ لا

стр. 515

إجمالَ لأنَّ (إلى) حقيقة في انتهاء الغاية مجاز في معنى مع. وقد حقق الكلام في ذلك الرضي في "شرح الكافية" وغيره (١) فليرجع إليه. واستدل أيضًا لذلك أنه من مقدّمة الواجب فيكون واجبًا، وفيه خلاف في الأصول معروف وسيعقد المصنف لذلك بابًا (٢)، سيأتي إن شاء الله. قوله: (إلى الكعبين) هما العظمان الناتئان بين مفصل الساق والقدَم باتفاق العلماء ما عدا الإِمامية (٣) ومحمد بن الحسن. قال النووي (٤): ولا يصح عنه. وقد اختلف هل الواجب الغسل أَو يكفي المسح؟ وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى (٥). قوله: (لا يحدث فيهما نفسه) قال النووي (٦): المراد لا يحدثها بشيءٍ من أمور الدنيا، ولو عرض له حديث فأعرض عنه حصلت له هذه الفضيلة، لأن هذا ليس من فعله، وقد غفر لهذه الأمة ما حدثت به نفوسها هذا معنى كلامه. قال في الفتح (٧): "ووقع في رواية للحكيم الترمذي في هذا الحديث "لا يحدث نفسه بشيء من الدنيا" وهي في الزهد لابن المبارك والمصنف لابن أبي شيبة". قال المازري (٨) والقاضي عياض: "المراد بحديث النفس المجتلب والمكتسب، وأما ما يقع في الخاطر غالبًا فليس هو المراد". قال عياض: وقوله: يحدث نفسه فيه إشارة إلى أَن ذلك الحديث مما يكتسبه لإِضافته إليه، قال ابن دقيق العيد (٩): "إن حديث النفس على قسمين. أحدهما: ما يهجم هجمًا يتعذر دفعه عن النفس.

стр. 516

والثاني: ما تسترسل معه النفس، ويمكن قطعه ودفعه فيمكن أن يحمل الحديث على هذا النوع الثاني، فيخرج عنه الأول لعسر اعتباره، ويشهد لذلك لفظ يحدث نفسه فإنه يقتضي تكسبًا منه وتفعلًا لهذا الحديث، قال: ويمكن حمله على النوعين معًا" إلى آخر كلامه. والحاصل أن الصيغة مشعرة بشيئين. أحدهما: أن يكون غير مغلوب بورود الخواطر النفسية، لأن من كان كذلك لا يقال له: محدث لانتفاء الاختيار الذي لا بد من اعتباره. ثانيهما: أَن يكون مريدًا للتحديث طالبًا له على وجه التكلف، ومن وقع له ذلك هجومًا وبغتة لا يقال: إنه حدث نفسه. قوله: (غفر الله له ما تقدم من ذنبه) رتب هذه المثوبة على مجموع الوضوء الموصوف بتلك الصفة. وصلاة الركعتين المقيدة بذلك القيد فلا تحصل إلا بمجموعهما. وظاهره مغفرة جميع الذُّنوب، وقد قيل: إنه مخصوص بالصغائر لورود مثل ذلك مقيدًا كحديث: "الصَّلَوَاتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةُ إلى الجمعةِ ورَمضانُ إلى رمضانَ كفاراتٌ لما بينهما ما اجتنبت الكبائر" (١). ٧/ ١٦٩ - (وعَنِ عَلي رَضِي عنه أنه دعا بِوَضُوءٍ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ونَفَر بِيَدِهِ اليُسْرَى، ففَعَلَ هذا ثلاثًا ثمَّ قالَ: هذا طَهُورُ نَبي الله ﷺ . رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَالنَّسائيُّ) (٣). [صحيح] الحديث إسناده في سنن النسائي هكذا: حدثنا موسى بن عبد الرحمن قال: حدثنا حسين بن علي عن زائدة قال: حدثنا خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي [﵁] (٤) فذكره. فموسى بن عبد الرحمن (٥) إن كان ابن سعيد بن مسروق الكندي فهو ثقة، وإن كان الحلبي الأنطاكي (٦) فهو صدوق يغرب،

стр. 517

وكلاهما روى عنه النسائي. وأَما خالد بن علقمة فهو الهمداني قال ابن معين: ثقة. وقال في التقريب (١): صدوق، وبقية رجال الإِسناد ثقات وهو طرف من حديث علي ﵇، وسيأتي الكلام على المضمضة، والاستنشاق والاستنثار قد تقدم. قال المصنف (٢) ﵀: "وفيه - مع الذي قبله - دليل على أن السنة أن يستنشق باليمين، ويستنثر باليسرى" انتهى. ٨/ ١٧٠ - (وَعَن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "إذا تَوَضَّأ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ في أَنْفِهِ ماءً ثمّ لينتثر" مُتَّفَقٌ عليهِ) (٣). [صحيح] قد تقدم الكلام على تفسير الاستنثار وعلى وجوبه في حديث عثمان (٤). ٩/ ١٧١ - (وعَن حَمَّادِ بَنِ سَلَمَةَ عَنْ عَمَّارِ بِن أبي عَمارٍ عَنْ أبي هرَيرَةَ قالَ: أَمَرَ رَسولُ الله ﷺ بِالمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ. رَواهُ الدارَقُطْني) (٥). [ضعيف] قد سلف الكلام على المضمضة والاستنشاق تفسيرًا وحكمًا. قال المصنف (٦) ﵀ [تعالى] (٧) "وقال: - يعني الدارقطني - لم يسنده عن حماد غير هدبة

стр. 518

وداود بن المحبر. وغيرهما يرويه عنه عن عمار عن النبي ﷺ لا يذكر أبا هريرة. قلت: وهذا لا يضر لأن هدبة ثقة مخرج عنه في الصحيحين فيقبل رفعه وما ينفرد به" انتهى. وقد ذكر هذا الحديث ابن سيد الناس في شرح الترمذي (١) منسوبًا إلى أبي هريرة، ولم يتكلم عليه، وعادته التكلم على ما فيه وهن. [الباب الخامس] باب ما جاء في جواز تأخيرهما على غسل الوجه واليدين ١٠/ ١٧٢ - (عَن المقدامِ بْنِ مَعدِي كَرِبَ قالَ: أُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ بِوَضُوءٍ فَتَوضَّأ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثلاثًا، وَغَسَل وَجْهَهُ ثلاثًا، ثُمَّ غسلَ ذِراعَيْهِ ثَلاثًا ثَلاثًا ثم مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلاثًا ثلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْه ظَاهِرهِما وَبَاطِنهمِا. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢) وَأحَمدُ (٣) وَزَادَ، وَغَسلَ رِجْلَيهِ ثلاثًا ثَلاثًا). [صحيح] الحديث إسناده صالح، وقد أخرجه الضياء في المختارة (٤). وهو يدل على عدم وجوب الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين.

стр. 519

وحديث عثمان (١) وعبد الله بن زيد (٢) الثابتان في الصحيحين، وحديث علي الثابت عند أَبي داود (٣) والنسائي (٤) وابن ماجه (٥) وابن حبان (٦) والبزار (٧) وغيرهم (٨) مصرحة بتقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه واليدين. والحديث من أدلة القائلين بعدم وجوب الترتيب، وقد سبق ذكرهم في شرح حديث عثمان (٩). وحديث الربيع (١٠) الآتي بعد هذا يدل أيضًا على عدم وجوب الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه. قال النووي (١١): إنهم يتأوُّلون هذه الرواية على أن لفظة (ثم) ليست للترتيب بل لعطف جملة على جملة. وقد ذكر الفاضل الشلبي في صدر حواشيه على شرح المواقف أن المحققين من النحاة نصوا على أن وجوب دلالة ثم على التراخي مخصوص بعطف المفرد، وقد ذكره أيضًا في حواشي المطول. وقد ذكر الرضي في شرح الكافية، وابن هشام في المغني (١١) أنها قد تأتي لمجرد الترتيب فظهر بهذا أنها مشتركة بين المعنيين لا أنها حقيقة في الترتيب ولكن لا يخفى عليك أن هذا التأويل وإن نفع القائل بوجوب الترتيب في حديث الباب وما بعده فهو يجري في دليله الذي عارض به حديثي الباب أعني حديث عثمان (١٢) وعبد الله بن زيد (١٣)
следующие страницы →