← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 515–554 · переход к 520.

стр. 515

إجمالَ لأنَّ (إلى) حقيقة في انتهاء الغاية مجاز في معنى مع. وقد حقق الكلام في ذلك الرضي في "شرح الكافية" وغيره (١) فليرجع إليه. واستدل أيضًا لذلك أنه من مقدّمة الواجب فيكون واجبًا، وفيه خلاف في الأصول معروف وسيعقد المصنف لذلك بابًا (٢)، سيأتي إن شاء الله. قوله: (إلى الكعبين) هما العظمان الناتئان بين مفصل الساق والقدَم باتفاق العلماء ما عدا الإِمامية (٣) ومحمد بن الحسن. قال النووي (٤): ولا يصح عنه. وقد اختلف هل الواجب الغسل أَو يكفي المسح؟ وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى (٥). قوله: (لا يحدث فيهما نفسه) قال النووي (٦): المراد لا يحدثها بشيءٍ من أمور الدنيا، ولو عرض له حديث فأعرض عنه حصلت له هذه الفضيلة، لأن هذا ليس من فعله، وقد غفر لهذه الأمة ما حدثت به نفوسها هذا معنى كلامه. قال في الفتح (٧): "ووقع في رواية للحكيم الترمذي في هذا الحديث "لا يحدث نفسه بشيء من الدنيا" وهي في الزهد لابن المبارك والمصنف لابن أبي شيبة". قال المازري (٨) والقاضي عياض: "المراد بحديث النفس المجتلب والمكتسب، وأما ما يقع في الخاطر غالبًا فليس هو المراد". قال عياض: وقوله: يحدث نفسه فيه إشارة إلى أَن ذلك الحديث مما يكتسبه لإِضافته إليه، قال ابن دقيق العيد (٩): "إن حديث النفس على قسمين. أحدهما: ما يهجم هجمًا يتعذر دفعه عن النفس.

стр. 516

والثاني: ما تسترسل معه النفس، ويمكن قطعه ودفعه فيمكن أن يحمل الحديث على هذا النوع الثاني، فيخرج عنه الأول لعسر اعتباره، ويشهد لذلك لفظ يحدث نفسه فإنه يقتضي تكسبًا منه وتفعلًا لهذا الحديث، قال: ويمكن حمله على النوعين معًا" إلى آخر كلامه. والحاصل أن الصيغة مشعرة بشيئين. أحدهما: أن يكون غير مغلوب بورود الخواطر النفسية، لأن من كان كذلك لا يقال له: محدث لانتفاء الاختيار الذي لا بد من اعتباره. ثانيهما: أَن يكون مريدًا للتحديث طالبًا له على وجه التكلف، ومن وقع له ذلك هجومًا وبغتة لا يقال: إنه حدث نفسه. قوله: (غفر الله له ما تقدم من ذنبه) رتب هذه المثوبة على مجموع الوضوء الموصوف بتلك الصفة. وصلاة الركعتين المقيدة بذلك القيد فلا تحصل إلا بمجموعهما. وظاهره مغفرة جميع الذُّنوب، وقد قيل: إنه مخصوص بالصغائر لورود مثل ذلك مقيدًا كحديث: "الصَّلَوَاتُ الخمسُ، والجمعةُ إلى الجمعةُ إلى الجمعةِ ورَمضانُ إلى رمضانَ كفاراتٌ لما بينهما ما اجتنبت الكبائر" (١). ٧/ ١٦٩ - (وعَنِ عَلي رَضِي عنه أنه دعا بِوَضُوءٍ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ونَفَر بِيَدِهِ اليُسْرَى، ففَعَلَ هذا ثلاثًا ثمَّ قالَ: هذا طَهُورُ نَبي الله ﷺ . رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَالنَّسائيُّ) (٣). [صحيح] الحديث إسناده في سنن النسائي هكذا: حدثنا موسى بن عبد الرحمن قال: حدثنا حسين بن علي عن زائدة قال: حدثنا خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي [﵁] (٤) فذكره. فموسى بن عبد الرحمن (٥) إن كان ابن سعيد بن مسروق الكندي فهو ثقة، وإن كان الحلبي الأنطاكي (٦) فهو صدوق يغرب،

стр. 517

وكلاهما روى عنه النسائي. وأَما خالد بن علقمة فهو الهمداني قال ابن معين: ثقة. وقال في التقريب (١): صدوق، وبقية رجال الإِسناد ثقات وهو طرف من حديث علي ﵇، وسيأتي الكلام على المضمضة، والاستنشاق والاستنثار قد تقدم. قال المصنف (٢) ﵀: "وفيه - مع الذي قبله - دليل على أن السنة أن يستنشق باليمين، ويستنثر باليسرى" انتهى. ٨/ ١٧٠ - (وَعَن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ: "إذا تَوَضَّأ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ في أَنْفِهِ ماءً ثمّ لينتثر" مُتَّفَقٌ عليهِ) (٣). [صحيح] قد تقدم الكلام على تفسير الاستنثار وعلى وجوبه في حديث عثمان (٤). ٩/ ١٧١ - (وعَن حَمَّادِ بَنِ سَلَمَةَ عَنْ عَمَّارِ بِن أبي عَمارٍ عَنْ أبي هرَيرَةَ قالَ: أَمَرَ رَسولُ الله ﷺ بِالمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ. رَواهُ الدارَقُطْني) (٥). [ضعيف] قد سلف الكلام على المضمضة والاستنشاق تفسيرًا وحكمًا. قال المصنف (٦) ﵀ [تعالى] (٧) "وقال: - يعني الدارقطني - لم يسنده عن حماد غير هدبة

стр. 518

وداود بن المحبر. وغيرهما يرويه عنه عن عمار عن النبي ﷺ لا يذكر أبا هريرة. قلت: وهذا لا يضر لأن هدبة ثقة مخرج عنه في الصحيحين فيقبل رفعه وما ينفرد به" انتهى. وقد ذكر هذا الحديث ابن سيد الناس في شرح الترمذي (١) منسوبًا إلى أبي هريرة، ولم يتكلم عليه، وعادته التكلم على ما فيه وهن. [الباب الخامس] باب ما جاء في جواز تأخيرهما على غسل الوجه واليدين ١٠/ ١٧٢ - (عَن المقدامِ بْنِ مَعدِي كَرِبَ قالَ: أُتِيَ رَسُولُ الله ﷺ بِوَضُوءٍ فَتَوضَّأ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثلاثًا، وَغَسَل وَجْهَهُ ثلاثًا، ثُمَّ غسلَ ذِراعَيْهِ ثَلاثًا ثَلاثًا ثم مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ ثَلاثًا ثلاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْه ظَاهِرهِما وَبَاطِنهمِا. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢) وَأحَمدُ (٣) وَزَادَ، وَغَسلَ رِجْلَيهِ ثلاثًا ثَلاثًا). [صحيح] الحديث إسناده صالح، وقد أخرجه الضياء في المختارة (٤). وهو يدل على عدم وجوب الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه واليدين.

стр. 519

وحديث عثمان (١) وعبد الله بن زيد (٢) الثابتان في الصحيحين، وحديث علي الثابت عند أَبي داود (٣) والنسائي (٤) وابن ماجه (٥) وابن حبان (٦) والبزار (٧) وغيرهم (٨) مصرحة بتقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه واليدين. والحديث من أدلة القائلين بعدم وجوب الترتيب، وقد سبق ذكرهم في شرح حديث عثمان (٩). وحديث الربيع (١٠) الآتي بعد هذا يدل أيضًا على عدم وجوب الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه. قال النووي (١١): إنهم يتأوُّلون هذه الرواية على أن لفظة (ثم) ليست للترتيب بل لعطف جملة على جملة. وقد ذكر الفاضل الشلبي في صدر حواشيه على شرح المواقف أن المحققين من النحاة نصوا على أن وجوب دلالة ثم على التراخي مخصوص بعطف المفرد، وقد ذكره أيضًا في حواشي المطول. وقد ذكر الرضي في شرح الكافية، وابن هشام في المغني (١١) أنها قد تأتي لمجرد الترتيب فظهر بهذا أنها مشتركة بين المعنيين لا أنها حقيقة في الترتيب ولكن لا يخفى عليك أن هذا التأويل وإن نفع القائل بوجوب الترتيب في حديث الباب وما بعده فهو يجري في دليله الذي عارض به حديثي الباب أعني حديث عثمان (١٢) وعبد الله بن زيد (١٣)

стр. 520

وعليّ (١)، فلا يدل على تقديم المضمضة والاستنشاق كما لا يدل هذا على تأخيرهما، فدعوى وجوب الترتيب لا تتم إلا بإبراز دليل عليها يتعين المصير إليه، وقد عرفناك في شرح حديث عثمان (٢) عدم انتهاض ما جاء به مدعى وجوب الترتيب على المطلوب، نعم حديث جابر عند النسائي (٣) في صفة حج النبي ﷺ قال: قال ﷺ : "ابدءوا بما بدأَ اللهُ بهِ" بلفظ الأمر وهو عند مسلم (٤) بلفظ الخبر يصلح للاحتجاج به على وجوب الترتيب لأنه عام لا يقصر على سببه عند الجمهور كما تقرر في الأصول. وآيةُ الوضوء مُنْدرِجَةٌ تحت ذلك العمومِ. ١١/ ١٧٣ - (وَعَن الْعبَّاسِ بْنِ يَزِيدَ (٥)، عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنةَ (٦)،

стр. 521

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ محَمْدِ (١) بْنِ عَقيلٍ، عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ معوِّذِ بْنِ عَفْراءَ قالَ: أتَيْتُها فأخْرَجت إليَّ إناءً، فقالَتْ: في هذَا كُنْتُ أُخْرِجُ الْوَضُوءَ لِرَسُولِ الله ﷺ فَيِبْدَأْ فَيَغْسِل يَدَيْهِ قَبْلَ أنْ يدْخِلَهُما ثلاثًا، ثُمَّ يَتَوَضَّأ فيَغْسل وَجْههُ ثَلاثًا، ثمَّ يُمَضْمِضُ وَيَسْتنْشِقُ ثلاثًا، ثمَّ يَغْسلُ يَديْهِ، ثمَّ يَمْسَحُ بِرَأسِهِ مُقبلًا وَمُدْبِرًا، ثمَّ يَغْسلُ رِجْلَيهِ). [حسن] قال العباس بن يزيد هذه المرأة التي حدثت عن النبي ﷺ "أنه بدأ بالوجه قبل المضمضة والاستنشاق" وقد حدث به أهل بدر منهم عثمان وعلي أنه بدأ بالمضمضة والاستنشاق قبل الوجه والناس عليه (٢)، رواه الدارقطني (٣). الحديث رواه الدارقطني عن شيخه إبراهيم بن حماد عن العباس المذكور، وأخرجه أيضًا أبو داود (٤) والترمذي (٥) وابن ماجه (٦) وأحمد (٧) وله عنها طرق وألفاظ مدارها على عبد الله بن محمد بن عقيل (١) وفيه مقال. وهو يدل على عدم وجوب الترتيب بين المضمضة وغسل الوجه، وقد عرفت في الحديث الذي قبله ما هو الحق.

стр. 522

[الباب السادس] باب المبالغة في الاستنشاق ١٢/ ١٧٤ - (عَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ قالَ: قُلْتُ: يَا رسولَ الله أَخْبِرْنِي عَنِ الوُضُوءِ، قال: "أسْبغ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَينِ الأصَابعِ، وَبَالِغْ في الاستِنْشاقِ إلَّا أنْ تَكُونَ صَائمًا". رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرمِذِي) (١). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا الشافعي (٢) وابن الجارود (٣) وابن خزيمة (٤) وابن حبان (٥) والحاكم (٦) والبيهقي (٧) من طريق إسماعيل بن كثير (٨) المكي، عن عاصم بن لقيط (٩)، عن أبيه مطولًا ومختصرًا، قال الخلال: عن أبي داود عن أحمد. عاصم لم يسمع عنه بكثير رواية انتهى. ويقال: لم يرو عنه غير إسماعيل قال الحافظ (١٠): "وليس بشيء لأنه روى عنه غيره، وصححه الترمذي والبغوي وابن القطان وهذا اللفظ عندهم من رواية

стр. 523

وكيع عن الثوري عن إسماعيل بن كثير عن عاصم بن لقيط عن أبيه، وروى الدولابي في حديث الثوري من (١) جمعه من طريق ابن مهدي عن الثوري ولفظه: "وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن تكون صائمًا" وفي رواية لأبي داود (٢) من طريق أبي عاصم عن ابن جريج عن إسماعيل بن كثير بلفظ: "إذا توضأت [فتمضمض] (٣) ". قال الحافظُ في الفتح (٤): إسنادُ هذه الروايةِ صحيحٌ، وقال النوويُّ (٥): حديثُ لقيطِ بن صَبْرةَ أسانيدُه صحيحةٌ، وقد وثَّقَ إسماعيل بن كثيرٍ أحمدُ، وقالَ أبو حاتم: هو صالَحُ الحديثِ، وقال ابن سعدٍ: ثقةٌ كثيرُ الحديثِ (٦)، وعاصِمٌ وثقهُ أبو حاتمٍ (٧)، ومن عَدَا هذين من رجالِ إسنادِهِ فمخرَّجٌ له في الصحيحِ، قاله ابن سيدِ الناسِ في شرح الترمذي (٨). وقد أخرج الترمذي (٩) من حديثِ ابن عباسٍ "فخلل بينَ أصابعِكَ" وقال:

стр. 524

هذا حديثٌ حسنٌ، وقد تقدَّمَ الترمذي إلى تحسينِ هذا الحديثِ البخاريُّ، روى ذلك عنه الترمذي في كتابِ العِلَلِ (١) وفيه صالح مولَى التوأمة وهو ضعيفٌ ولكنَّ الراوي عنه موسى بنُ عقبةَ وسماعه منه قبل أن يختلط. وأخرج الترمذي (٢) أيضًا من حديث المسْتَوْرِدِ قال: "رأيتُ رسول الله ﷺ إذا توضأ دلك أصابع رجليه بخنصره" (٣) وقال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة وغرابته والذي قبله ترجع إلى الإِسناد فلا ينافي الحسن قاله ابن سيد الناس (٤)، وقد شارك ابن لهيعة في روايته عن يزيد بن عمرو الليثُ بن سعد وعمرو بن الحارث فالحديث إذن صحيح سالم عن الغرابة (٥). وفي الباب مما ليس عند الترمذي عن عثمان، وأبي هريرة، والربيع بنت معوذ بن عفراء، وعائشة، وأبي رافع، فحديث عثمان عند الدارقطني (٦) وحديث

стр. 525

أبي هريرة عند الدارقطني (١) أيضًا، وحديث الربيع عند الطبراني (٢)، وحديث عائشة عند الدارقطني (٣)، وحديث أبي رافع عند ابن ماجه (٤) والدارقطني (٥). والحديث يدل على مشروعية إسباغ الوضوء، والمراد به الإِنقاء واستكمال الأعضاء والحرص على أن يتوضأ وضوءٍ يصح عند الجميع، وغسل كل عضو ثلاث مرات هكذا قيل، فإذا كان التثليث مأخوذًا في مفهوم الإِسباغ فليس بواجب لحديث "أنه ﷺ توضأ مرة ومرتين" (٦) وإن كان مجرد الإِنقاء والاستكمال فلا نزاع

стр. 526

في وجوبه، ويدل أيضًا على وجوب تخليل الأصابع فيكون حجة على الإِمام يحيى القائل بعدم الوجوب، ويدل أيضًا على وجوب الاستنشاق، وقد تقدم الكلام عليه في حديث عثمان (١)، وإنما كره المبالغة للصائم خشية أن ينزل إلى حلقه ما يفطره، واستدل به على عدم وجوب المبالغة لأن الوجوب يستلزم عدم جواز الترك وفيه ما لا يخفى. ١٣/ ١٧٥ - (وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ "اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَينِ بَالغَتينِ أَوْ ثلاثًا". رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣) وَابْنُ مَاجَهْ) (٤). [صحيح] الحديث أخرجه أيضًا الحاكم (٥) وابن الجارود (٦) وصححه ابن القطان (٧) وذكره الحافظ في التلخيص (٨)، ولم يذكره بضعف وكذلك المنذري في تخريج السنن (٩) عزاه إلى ابن ماجه ولم يتكلم فيه. والحديث يدل على وجوب الاستنثار، وقد تقدم ذكر الخلاف فيه في شرح حديث عثمان (١٠)، والمراد بقوله بالغتين: أنهما في أعلى نهاية الاستنثار من قولهم: بلغت المنزل، وأما تقييد الأمر بالاستنثار بمرتين أو ثلاثًا فيمكن الاستدلال على عدم وجوب الثانية والثالثة بحديث "الوضوء مرة" (١١) ويمكن القول بإيجاب

стр. 527

مرتين أو ثلاث، إما لأنه خاص وحديث الوضوء مرة عام، وإما لأنه قول خاص بنا فلا يعارضه فعله ﷺ كما تقرر في الأصول، والمقام لا يخلو من مناقشة في كلا الطرفين. [الباب السابع] باب غسل المسترسل من اللحية ١٤/ ١٧٦ - (عَن عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ قالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله حَدِّثْنِي عَنِ الوُضُوءِ قالَ: "ما مِنْكُمْ مِنْ رَجلِ يُقَرِّبُ وُضُوءَهُ فَيتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إلَّا خَرَّتْ خَطايَا فِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ مَعَ المَاءِ، ثُمَّ إذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كما أمَرَهُ الله إلَّا خَرَّتْ خَطايَا وَجْهِهِ مِنْ أطْرَافِ لحْيَتِهِ مَعَ المَاءِ، ثُمَّ يَغْسلُ يَدَيهِ إِلَى المرْفَقينِ إلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيهِ مِنْ أَنَامِلِه مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِرَأسِهِ إلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأسِهِ مِنْ أطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ المَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إلى الكَعْبَيْنِ إلَّا خرَّتْ خَطَايا رِجليْهِ مِنْ أنَامِلهِ مَعَ المَاءِ"، أَخْرَجَهُ مُسْلمٌ (١) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وَقالَ فيه: "ثمَّ يَمْسَحُ رَأسَهُ كما أَمَرَهُ الله، ثُمَّ يَغْسلُ قَدَميهِ إلَى الْكَعْبَينِ كما أمَرَهُ الله"). [صحيح] قوله: (خرت خطاياه) أي سقطت والخر والخرور: السقوط، أو من علوٍّ إلى سفل، والحديث من أحاديث فضائل الوضوء الدالة على عظم شأنه. ومثله حديث أبي هريرة مرفوعًا عند مسلم (٣) ومالك (٤) والترمذي (٥) بلفظ: "إذَا توضَّأَ العبدُ المسلمُ أو المؤمِنُ فغسلَ وجهَهُ، خرجَ مِنْ وجْهِهِ كُلُّ خطيئةٍ نظرَ

стр. 528

إليها [بعينَيْهِ] (١) معَ الماء أو معَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، وإذا غسلَ يَدْيهِ خرجَ مِنْ يديْهِ كُلُّ خطيئةٍ بطشتها يداهُ معَ الماءِ أو معَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، فإذا غسلَ رِجْليهِ خرجَتْ كُلُّ خطيئةٍ مشَتْهَا رِجْلاهُ معَ الماءِ أو معَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ حتى يخرُجَ نَقِيًا مِنَ الذنوبِ". ومثله حديث عبد الله الصُّنَابِحي (٢) عند مالك (٣) والنسائي (٤) أن رسول الله ﷺ قال: "إذا توضَّأ العبدُ المؤمنُ فمضمضَ خرجتِ الخطايا من فيهِ، فإذا استنْثَرَ خرجَتِ الخطايا من أنفِهِ، فإذا غسلَ وجهَهُ خرجَتِ الخطايا من وجهِهِ حتى تخرُجَ من تحتِ أشفارِ عينيه، فإذا غسلَ يديْهِ خرجَتِ الخطايا من يديْهِ حتى تخرُجَ من تحتِ أظفارِ يديْهِ، فإذا مسحَ رأسَهُ خرجَتِ الخطايا من رأسِهِ حتى تخرُجَ من أذنيهِ، فإذا غسلَ رِجْلَيهِ خرجتِ الخطايا من رِجْليهِ حتى تخرُجَ من تحتِ أظفارِ رِجليهِ، ثم كانَ مشيهُ إلى المسجد وصلاتُهُ نافلةً له" والمراد بالخطايا قال النووي (٥) وغيره: الصغائر. وظاهر الأحاديث العموم، والتخصيص بما وقع في الأحاديث الآخر بلفظ: "ما لم تُغْشَ الكبائر" (٦) وبلفظ: "ما اجتنبت الكبائر" (٧) قد ذهب إليه

стр. 529

جماعة من شراح الحديث وغيرهم، والمراد بالخرور والخروج مع الماء المجاز عن الغفران لأن ذلك مختص بالأجسام، والخطايا ليست متجسمة، وفي حديث الباب وما بعده رد لمذهب الإِمامية في وجوب مسح الرجلين. وقد ساق المصنف رحمه الله تعالى الحديث للاستدلال به على غسل المسترسل من اللحية لقوله فيه: "إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء" (١) وفيه خلاف فذهب المؤيد بالله وأبو طالب وأبو حنيفة إلى عدم الوجوب إن أمكن التخليل بدونه (٢)، وذهب أبو العباس إلى وجوبه وهو مذهب الشافعي في إحدى الروايات واستدلوا بالقياس على شعر الحاجبين، ورد بأن شعر الحاجب من الوجه لغة لا المسترسل (٣). وقد استنبط المصنف (٤) رحمه الله تعالى من الحديث فوائد فقال: فهذا يدلُ على أن غَسْلَ الوجهِ المأمورَ بهِ يشتمِل على وصولِ الماءِ إلى أطرافِ اللحيةِ. وفيه دليل على أن داخِلَ الفمِ والأنفِ ليس من الوجه حيثُ بيَّنَ أن غسلَ الوجهِ المأمور به غيرهما ويدل على مسح كل الرأس حيث بيَّنَ أن المسحَ المأمورَ بهِ يشتملُ على وصول الماءِ إلى أطرافِ الشعرِ. ويدل على وجوب الترتيب في الوضوء لأنه وصفه مرتبًا، وقال في مواضع منه: "كما أمره الله " انتهى. وقد قدمنا الكلام على أن داخل الفم والأنف من الوجه وعلى الترتيب. وسيأتي الكلام على مسح الرأس (٥). [الباب الثامن] باب في أن إيصال الماء إلى باطن اللحية الكثة لا يجب ١٥/ ١٧٧ - (عَنِ ابْنِ عَباس ﵄ أنهُ تَوَضَّأ فَغَسلَ وَجْهَهُ فَأخَذَ

стр. 530

غَرْفَةً مِنْ ماءٍ فَتَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَلَ بِها هكَذَا أضافَهَا إلى يَدِهِ الأُخرَى فَغَسَلَ بِهِا وَجْهَهُ، ثُمَّ أخَذَ غَرْفةً مِنْ مَاء فَغَسَل بِها يَدَهُ اليُمْنى، ثُمَّ أخَذَ غَرْفَةً مِنْ ماءٍ فَغَسَلَ بِها يَدَهُ اليُسْرى، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ أخَذَ غرْفةَ مِنْ ماء فَرشَّ بِها على رِجْلِه اليُمني حَتَّى غَسَلها، ثُمَّ أخَذَ غَرْفةً مِنْ مَاءٍ فَغَسلَ بِها رِجْلهُ اليُسْرَى، ثُمَّ قالَ: هكَذا رَأيْتُ رَسولَ الله ﷺ يَتَوضأ. رَوَاهُ البُخارِيُّ) (١). [صحيح] قوله: (فغسل وجهه) الفاء تفصيلية، لأنها داخلة بين المجمل والمفصل. قوله: (فأخذ غرفة) هو بيان لقوله: "فغسل" قال الحافظ (٢): "وظاهره أن المضمضة والاستنشاق من جملة غسل الوجه، لكن المراد بالوجه أولًا ما هو أعم من المفروض والمسنون، بدليل أنه أعاد ذكره ثانيًا بعد ذكر المضمضة والاستنشاق بغرفة مستقلة، وفيه دليل الجمع بين المضمضة والاستنشاق بغرفة واحدة، وغسل الوجه باليدين جميعًا إذا كان بغرفة واحدة لأن اليد الواحدة قد لا تستوعبه". قوله: (أضافها) بيان لقوله فجعل بها هكذا. قوله: (فغسل بها) أي الغرفة، وفي رواية بهما أي اليدين. قوله: (ثم مسح برأسه) لم يذكر له غرفة مستقلة قال الحافظ (٣): قد يتمسك به من يقول بطهورية الماء المستعمل، لكن في رواية أبي داود (٤) "ثم قبض قبضة من الماء ثم نفض يده ثم مسح رأسه" زاد النسائي (٥) "وأذنيه مرة واحدة". قوله: (فرش) أي سكب الماء قليلًا قليلًا إلى أن صدق عليه مسمى الغسل بدليل قوله: "حتى غسلها"، وفي رواية لأبي داود (٦) والحاكم (٧) "فرش على رجله

стр. 531

اليمنى وفيها النعل ثم مسحها بيديه، يد فوق القدم ويد تحت النعل" فالمراد بالمسح تسييل الماء حتى يستوعب العضو، وأما قوله: "تحت النعل" فإن لم يحمل على التجوز عن القدم فهي رواية شاذة وراويها هشام بن سعد لا يحتج بما تفرد به فكيف إذا خالف؟، قاله الحافظ (١). والحديث ساقه المصنف (٢) للاستدلال به على عدم وجوب إيصال الماء إلى باطن اللحية، فقال: وقد علم أنه ﷺ كان كث اللحية، وإن الغرفة الواحدة وإن عظمت لا تكفى غسل باطن اللحية الكثة مع غسل جميع الوجه، فعلم أنه لا يجب، وفيه أنه مضمض واستنشق بماء واحد انتهى. أما الكلام على وجوب إيصال الماء إلى باطن اللحية فسيأتي في الباب الذي بعد هذا (٣)، وأما أنه ﷺ كان كث اللحية فقد ذكر القاضي عياض (٤)، ورود ذلك في أحاديث جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة، كذا قال، وفي مسلم (٥) من حديث جابر "كان رسول الله ﷺ كثيرَ شَعْرِ اللِّحيةِ"، وروى البيهقي في الدلائل من حديث علي (٦) "كان رسول الله ﷺ عظيم اللحية" وفي رواية (٧) "كثّ اللحية" وفيها (٨) من حديث هند بن أبي هالة، مثله، ومن (٩) حديث عائشة

стр. 532

مثله، وفي حديث أم معبد المشهور (١) "في لحيته كثافة"، قاله الحافظ في التلخيص. [الباب التاسع] باب استحباب تخليل اللحية ١٦/ ١٧٨ - (عَنْ عُثْمانَ ﵁ أن النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُخَلِّلُ لِحيَتهُ. روَاهُ ابْنُ ماجَهْ (٢) وَالترمِذِيُّ وَصَحَّحهُ) (٣). [صحيح]

стр. 533

١٧/ ١٧٩ - (وَعَنْ أنَسٍ أن النَّبيَّ ﷺ كان إذا تَوَضَّأ أخَذَ كَفًّا مِنْ ماءٍ فأدْخَلهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحَيَتهُ وَقالَ: "هكَذَا أمَرَنِي رَبِّي ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (١). [صحيح لغيره] أَما حديث عثمان فأخرجه أيضًا ابن خزيمة (٢) والحاكم (٣) والدارقطني (٤) وابن حبان (٥)، وفيه عامر بن شقيق (٦) ضعفه يحيى بن معين، وقال البخاري (٧): حديثه حسن، وقال الحاكم (٨): لا نعلم فيه طعنًا بوجه من الوجوه، وأورد له شواهد (٩). وأما حديث أَنس المذكور في الباب ففي إسناده الوليد بن زوران (١٠) وهو

стр. 534

مجهول الحال، قال الحافظ (١): وله طرق أخرى ضعيفة عن أنس، منها ما رويناه في فوائد أبي جعفر بن [البَخْتَريّ] (٢)، ومستدرك الحاكم (٣) ورجاله ثقات، لكنه معلول فإنما رواه موسى بن أبي عائشة عن زيد بن أبي أنيسة عن يزيد الرقاشي عن أنس، أخرجه ابن عدي (٤)، وصححه ابن القطان من طريق أخرى، وله طريق أخرى ذكرها الذهلي (٥) في الزهريات (٦) وهو معلول، وصححه الحاكم قبل ابن القطان، قال الحافظ (٧): "ولم تقدح هذه العلة عندهما فيه". وفي الباب عن علي، وعائشة، وأم سلمة، وأبي أمامة، وعمار، وابن عمر، وجابر، وجرير، وابن أبي أوفى، وابن عباس، وعبد الله بن عكبرة، وأبي الدرداء. أما حديث علي فرواه الطبراني فيما انتقاه عليه ابن مردويه، وإسناده ضعيف ومنقطع، قاله الحافظ (٨).

стр. 535

وأما حديث عائشة فرواه أحمد (١) قال الحافظ (٢): وإسناده حسن. وأما حديث أم سلمة فرواه الطبراني (٣) والعقيلي (٤) والبيهقي (٥) بلفظ: "كان إذا توضى خلل لحيته" وفي إسناده خالد بن إلياس (٦) وهو منكر الحديث. وأما حديث أبي أمامة فرواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٧)، والطبراني في الكبير (٨)، قال الحافظ (٩): وإسناده ضعيف.

стр. 536

وأما حديث عمار فرواه الترمذي (١) وابن ماجه (٢) وهو معلول. وأما حديث ابن عمر فرواه الطبراني في الأوسط (٣) وإسناده ضعيف. وأخرجه عنه ابن ماجه (٤) والدارقطني (٥) والبيهقي (٦) وصححه ابن السكن (٧) بلفظ (٨): "كان إذا توضأ عرك عارضيه بعضَ العَرْك ثم يشبك لحيته بأصابعه من تحتها" وفي إسناده عبد الواحد (٩) وهو مختلف فيه، واختلف فيه على الأوزاعي. وأما حديث جابر فرواه ابن عدي (١٠) وفيه أصرم بن غياث وهو متروك الحديث، قاله النسائي (١١)، وفي إسناده انقطاع، قاله ابن حجر (١٢). وأما حديث جرير فرواه ابن عدي (١٣) وفيه ياسين الزيات (١٤) وهو متروك.

стр. 537

وأما حديث ابن أبي أَوفي فرواه أبو عبيد في كتاب الطهور (١)، وفي إسناده أبو الورقاء (٢) وهو ضعيف وهو في الطبراني (٣). وأما حديث ابن عباس فرواه العقيلي (٤)، قال ابن حزم (٥): ولا يتابع عليه. وأما حديث عبد الله بن عكبرة فرواه الطبراني في الصغير (٦) بلفظ: "التخليل سنة" وفيه عبد الكريم أبو أمية وهو ضعيف (٧). وأما حديث أبي الدرداء فرواه الطبراني (٨) وابن عدي (٩) بلفظ: "توضأ فخلل لحيته مرتين وقال: هكذا أَمرني ربي" وفي إسناده تَمّام بن نَجِيح (١٠) وهو لين الحديث.

стр. 538

قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس في تخليل اللحية شيء صحيح (١)، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: لا يثبت عن النبي ﷺ في تخليل اللحية شيء، ولكنه يعارض هذا تصحيح الترمذي والحاكم وابن القطان لبعض أحاديث الباب، وكذلك غيرهم. (٢) والحديثان يدلان على مشروعية تخليل اللحية، وقد اختلف الناس في ذلك فذهب إلى وجوب ذلك في الوضوء والغسل العترة والحسن بن صالح وأبو ثور والظاهرية كذا في البحر (٣)، واستدلوا بما وقع في أحاديث الباب بلفظ: "هكذا أمرني ربي" وذهب مالك (٤) والشافعي (٥) والثوري (٦)، والأوزاعي (٧) إلى أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء، قال مالك (٨) وطائفة من أهل المدينة: ولا في غسل الجنابة، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي والليث وأحمد بن حنبل وإسحق وأبو ثور وداود والطبري وأكثر أهل العلم: إن تخليل

стр. 539

اللحية واجب في غسل الجنابة ولا يجب في الوضوء (١)، هكذا في شرح الترمذي لابن سيد الناس. قال: وأظنهم فرَّقوا بين ذلك، والله أعلم. لقوله ﷺ : "تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابة فبلوا الشَّعرَ وأَنقُوا البشر" (٢). واستدلوا لعدم الوجوب في الوضوء بحديث ابن عباس المذكور في الباب الأول. قال وقد روي عن ابن عباس (٣) وابن عمر (٤) وأنس (٥) وعلي (٦) وسعيدٍ بن جبير (٧) وأبي قلابة (٨) ومجاهد (٩) وابن سيرين (١٠) والضحاك (١١) وإبراهيم النخعي (١٢) أنهم كانوا يخللون لحاهم. وممن روي عنه أنه كان لا يخلل إبراهيم النخعي (١٣) والحسن (١٤) وابن

стр. 540

الحنفية (١) وأَبو العالية (٢) وأبو جعفر الهاشمي (٣) والشعبي (٤) ومجاهد (٥) والقاسم (٦) وابن أبي ليلى (٧)، ذكر ذلك عنهم ابن أبي شيبة بأسانيده إليهم، والإِنصاف أن أحاديث الباب بعد تسليم انتهاضها للاحتجاج وصلاحيتها للاستدلال لا تدل على الوجوب لأنها أفعال، وما ورد في بعض الروايات من قوله ﷺ : "هكذا أمرني ربي" لا يفيد الوجوب على الأمة لظهوره في الاختصاص به، وهو يتخرج على الخلاف المشهور في الأصول هل يعم الأمة ما كان ظاهر الاختصاص به أم لا؟ والفرائض لا تثبت إلا بيقين، والحكم على ما لم يفرضه الله بالفرضية كالحكم على [ما فرضه] (٨) بعدمها، لا شك في ذلك لأن كل واحد منهما من التقوّل على الله بما لم يقل، ولا شك أن الغرفة الواحدة لا تكفي [كث] (٩) اللحية لغسل وجهه وتخليل لحيته، ودفع ذلك كما قال بعضهم (١٠) بالوجدان مكابرة منه، نعم. الاحتياط والأخذ بالأوثق لا شك في أولويته لكن بدون مجاراة على الحكم بالوجوب. قوله: (الحنك) هو باطن أعلى الفم والأسفل من طرف مقدم اللحيين. [الباب العاشر] باب تعاهد الماقين وغيرهما من غضون الوجه بزيادة ما ١٨/ ١٨٠ - (عَنْ أبِي أمامةَ أنَّهُ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ الله ﷺ فذَكَرَ ثلاثًا، ثلَاثًا، قال: وكانَ يَتَعاهَدُ المَاقَيْنِ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (١١). [حسن]

стр. 541

الحديث أخرجه ابن ماجه (١) من حديث أبي أمامة أيضًا بلفظ: "إن رسول الله ﷺ قال: الأذنان من الرأس وكان يمسح الماقين"، وذكره الحافظ في التلخيص (٢) ولم يذكر له علة ولا ضعفًا. وقال في مجمع الزوائد (٣): "رواه الطبراني في الكبير من طريق سميع عن أبي أمامة، وإسناده حسن، وسميع ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لا أدري من هو ولا ابن من هو؟ والظاهر أنه اعتمد في توثيقه على غيره". قوله: (الماقين) موق العين مَجْرَى الدَّمْع منها أَو مُقَدَّمها ومُؤَخَّرُها كذا في القاموس (٤)، قال الأزهري (٥): "أجمع أهل اللغة أن الموق والماق مؤخر العين الذي يلي الأنف "انتهى. والمراد بهما في الحديث مخصر العينين. وذكر المصنف (٦) رحمه الله تعالى في التبويب غضون الوجه،

стр. 542

وهي ما تعطف من الوجه، إما قياسًا على الماقين وإما استدلالًا بما في الحديث الآتي (١) من قوله: "ثم أخذ بيديه فصك بهما وجهه" والأول أظهر، وقد ورد من حديث أخرجه ابن حبان (٢)، وابن أبي حاتم (٣)، وغيرهما (٤) بلفظ: "إذا توضأتم فأشربوا أعينكم من الماء" وهو من حديث البَخْتري بن عُبَيد (٥) بالموحدة والمعجمة وقد ضعفوه كلهم فلا يقوم به حجة كذا قاله بعضهم (٦)، وفيه أنه ذكر في الميزان (٧) أنه وثقه وكيع، وقال ابن عبدقي: لا أعلم له حديثًا منكرًا انتهى، لكنه لا يكون ما تفرد به حجة لوقوع الاختلاف فيه فقد قيل: إنه ضعيف، وقيل: متروك الحديث، وقال البخاري: يخالف في حديثه على أنه لم ينفرد به البختري، فقد رواه ابن طاهر في صفوة التصوف (٨) من طريق ابن أبي السري لكنه قال ابن الصلاح (٩): "لم أجد له أنا في جماعة اعتنوا بالبحث عن حاله أَصلًا" وتبعه النووي (١٠). ١٩/ ١٨١ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن عَليًّا ﵄ قالَ: يَا ابْنَ عَباسٍ أَلا أتَوَضَّأ لَكَ وُضُوءَ رَسُولِ الله ﷺ ؟ قُلتُ: بَلَى فِدَاكَ أبِي وَأُمِّي قالَ: فَوَضَعَ إنَاءً

стр. 543

فَغَسَلَ يَدَيهِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشقَ وَاسْتَنثَرَ، ثُمَّ أخَذَ بِيَديْهِ فَصَكَّ بِهِما وَجْهَهُ وَأَلْقَمَ إبْهامَيهِ ما أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ قالَ: ثُمَّ عادَ في مِثْلِ ذَلِكَ ثَلاثًا ثم أَخَذ كَفَّا بِيدِهِ الْيُمْنى فأفْرَغَها على ناصِيتِهِ، ثُمَّ أَرْسَلها تَسيلُ على وَجههِ، ثمْ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنى إلى الْمِرْفَقِ ثلاثًا، ثُمْ يَدَهُ الأخْرَى مِثْلَ ذَلِكَ. وَذَكَرَ بَقِيةَ الوُضُوءِ. رَواهُ أحْمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ) (٢). [حسن] لعل هذا اللفظ الذي ساقه المصنف ﵀ لفظ أحمد؛ وساقه أَبو داود في سننه بمعناه، وتمام الحديث "ثم مسح رأسه وظهور أُذنيه، ثم أدخل يديه جميعًا فأخذ حفنة من ماء فضرب يها على رجله وفيها النعل ففتلها بها، ثم الأخرى مثل ذلك، قال: قلت: وفي النعلين؟ قال: وفي النعلين قال: قلت وفي النعلين. قال: وفي النعلين قال: قلت: وفي النعلين قال: وفي النعلين" وفي رواية لأبي داود (٣) "ومسح برأسه مرة واحدة" وفي رواية له (٤) "ومسح برأسه ثلاثًا" قال المنذري (٥): في هذا الحديث مقال، وقال الترمذي (٦): "سألت محمد بن إسماعيل عنه فضعفه، وقال: ما أدري ما هذا". والحديث يدل على أَنه يغسل ما أقبل من الأذنين مع الوجه ويمسح ما أدبر

стр. 544

منهما مع الرأس. وإليه ذهب الحسن بن صالح، والشعبي (١)، وذهب الزهري (٢) وداود إلى أنهما من الوجه فيغسلان معه، وذهب من عداهم إلى أنهما من الرأس فيمسحان معه، وفيه أيضًا استحباب إرسال غرفة من الماء على الناصية لكن بعد غسل الوجه لا كما يفعله العامة عقب الفراغ من الوضوء، وفيه أنه لا يشترط في غسل الرجل نزع النعل وأَن الفتل كاف وقد قدمنا عن الحافظ في (باب إِيصال الماء إلى باطن اللحية الكثة) (٣) أن رواية المسح على النعل شاذة لأنها من طريق هشام بن سعد، ولا يحتج بما تفرد به، وأبو داود (٤) لم يروها من طريقه ولا ذكر المسح، ولكنه رواها من طريق محمد بن إسحق عنعنة وفيه مقال مشهور إذا عنعن (٥). وقد احتج من قال بتثليث مسح الرأس برواية أبي داود (٦) التي ذكرناها، واحتج القائل بأنه يمسح مرة واحدة بإطلاق المسح في حديث الباب وتقييده بالمرة في رواية، وسيأتي الكلام عليه في باب هل يسن تكرار المسح (٧). قوله: (وألقم إبهاميه) [أيْ] (٨) جعل إبهاميه للبياض الذي بين الأذن والعذار كاللقمة للفم توضع فيه واستدل بذلك المارودي على أن البياض الذي بين [الآذان] (٩) والعذار كاللقمة للفم توضع فيه واستدل بذلك الماوردي (١٠) على أن البياض الذي بين الآذان والعذار من الوجه كما هو مذهب الشافعية. وقال مالك (١١): ما بين الأذن واللحية ليس من الوجه، قال ابن عبد البر (١٢): لا أعلم أحدًا من علماء الأمصار قال بقول مالك، وعن أبي يوسف (١٣) يجب على

стр. 545

الأمرد غسله دون الملتحي. قال المصنف (١) رحمه الله تعالى: "وفيه حجة لمن رأى ما أقبل من الأذنين من الوجه" انتهى. وقد تقدم. [الباب الحادي عشر] باب غسل اليدين مع المرفقين وإطالة الغرة ٢٠/ ١٨٢ - (عَنْ عُثْمانَ ﵁ أنَّهُ قالَ: هَلُمَّ أتَوَضْأ لكُمْ وُضُوء رَسُولِ الله ﷺ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيدَيْهِ حَتَّى مَسَّ أطرَافَ العَضْدَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسِهِ، ثُمَّ أَمَرَّ بِيَدَيهِ على أُذُنيهِ وَلِحيَتِهِ، ثُمَّ غَسلَ رِجْليهِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْني) (٢). [صحيح لغيره] الحديث في إسناده ابن إسحق وقد عنعن. قوله: (هلم) اسم فعل بمعنى قرب جاء لازمًا كقوله تعالى: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ (٣) ومتعديًا كقوله تعالى: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ (٤) ويستوي فيه عند الحجازيين [الواحد] (٥) والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث فيقال: هلم يا رجل، وهلم يا رجال، وهلم يا امرأة، وفي لغة بنى تميم يتغير كتغير أمر المخاطب نحو هلما وهلموا وهلمي.

стр. 546

قوله: (حتى مس أطراف العضدين) فيه دليل على وجوب غسل المرفقين، وقد قدمنا طرفًا من الكلام عليه في شرح حديث عثمان (١) المتفق عليه. وقوله: (ثم مسح برأسه) إطلاق المسح يشعر بعدم التكرار وسيأتي الكلام عليه. قوله: (ثم أمرّ بيديه على أذنيه) دليل على مشروعية مسح الأذنين وسيأتي له باب في هذا الكتاب (٢). قوله: (ولحيته) قد بسطنا البحث فيه في باب استحباب تخليل اللحية (٣). ٢١/ ١٨٣ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ [﵁] (٤) أنهُ تَوَضأ فَغسلَ وجْهَهُ فأسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ غَسلَ يَدَهُ اليمْنى حتى أَشْرَعَ في العَضْدِ، ثُمَّ غَسلَ يَدَهُ اليُسْرى حَتَّى أَشْرَعَ في العَضدِ، ثُمَّ مَسحَ رأْسَهُ، ثُمَّ غَسلَ رِجْلهُ اليُمنَى حَتَّى أشْرَعَ في السّاق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق ثُمَّ قال: هكَذَا رأيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَتَوَضأ وَقالَ: قال رَسُولُ الله ﷺ : "أنْتُمْ الغُرُّ المُحَجَلونَ يَوْمَ القِيامَةِ مِنْ إسبْاغِ الوُضُوءِ فَمَنِ استْطَاعَ مِنْكُمْ فَليُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجيلهُ". رَواهُ مُسْلِمٌ) (٥). [صحيح] قوله: (أشرع في العضد وأشرع في الساق) معناه أدخل الغسل فيهما، قاله النووي (٦). قوله: (أنتم الغر المحجلون) قال أهل اللغة: الغرة (٧): بياض في جبهة الفرس، والتحجيل (٨): بياض في يدها ورجلها قال العلماء: سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة: غرة وتحجيلًا تشبيها بغرة الفرس.

стр. 547

وهذا الحديث وغيره مصرح باستحباب تطويل الغرة والتحجيل. والغرة: غسل شيء من مقدم الرأس [أو] (١) ما يجاوز الوجه [زائدًا] (٢) على الجزء الذي يجب غسله. والتحجيل: غسل ما فوق المرفقين والكعبين وهما مستحبان بلا خلاف، واختلف في القدر المستحب على أوجه. أحدها: أنه [تستحب] (٣) الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير تقدير: والثاني إلى نصف العضد والساق. والثالث: إلى المنكب والركبتين. قال النووي (٤): "وأَحاديث الباب تقتضي هذا كله. قال: وأما دعوى الإِمام أبي الحسن بن بطال المالكي والقاضي عياض، اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب فباطلة، وكيف تصح دعواهما وقد ثبت فعل ذلك عن رسول الله ﷺ (٥)، وأبي هريرة (٦) وهو مذهبنا لا خلاف فيه عندنا (٧)، ولو خالف فيه من خالف كان محجوجًا بهذه السنن الصحيحة الصريحة، وأما احتجاجهما بقوله ﷺ : "من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم" (٨) فلا يصح لأن المراد زاد في عدد المرات". وقال الحافظ في التلخيص (٩): "وقد ادعى ابن بطال في شرح البخاري، وتبعه القاضي، تَفَرُد أبي هريرة بهذا - يعني الغسل إلى الآباط - وليس بجيد، [فقال: قد] (١٠) قال به جماعة من السلف ومن أصحاب الشافعي، وقال ابن أبي شيبة (١١): حدثنا وكيع عن العمرى عن نافع أَن ابن عمر كان ربما بلغ بالوضوء إبطيه، ورواه أبو عبيد بإسناد أَصح من هذا فقال: حدثنا عبد الله بن صالح حدثنا الليث عن محمد بن عجلان، عن نافع". قوله: (فمن استطاع منكم) تعليق الأمر بإطالة الغرة والتحجيل بالاستطاعة

стр. 548

قرينة قاضية بعدم الوجوب، ولهذا لم يذهب إلى إيجابه أحد من الأئمة. قال المصنف (١) رحمه الله تعالى: "ويتوجه منه وجوب غسل المرفقين لأن نص الكتاب يحتمله وهو مجمل فيه، وفعله ﷺ بيان لمجمل الكتاب ومجاوزته للمرفق ليس في محل الإجمال ليجب بذلك" انتهى. وقد أَسلفنا الكلام عليه في الكلام على حديث عثمان (٢) في أول أبواب الوضوء. [الباب الثاني عشر] باب تحريك الخاتم وتخليل الأصابع ودلك ما يحتاج إلى دلك ٢٢/ ١٨٤ - (عَنْ أَبِي رَافِع أن رَسُولَ الله ﷺ كانَ إذا تَوَضأ حَرَّك خَاتَمهُ. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ (٣) وَالدَّارَقُطْنِى) (٤). [ضعيف] الحديث في إسناده معمَّر [بن محمد] (٥) بن عبيد الله (٦) عن أبيه (٧) وهما ضعيفان، وقد ذكره البخاري (٨) تعليقًا عن ابن سيرين، ووصله ابن أبي شيبة (٩)،

стр. 549

وهو يدل على مشروعية تحريك الخاتم ليزول ما تحته من الأوساخ. وكذلك ما يشبه الخاتم من الأسورة والحلية ونحوهما. ٢٣/ ١٨٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَباسٍ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إذَا تَوَضأتَ فَخلْل أصَابعَ يَدَيكَ وَرِجْلَيكَ". رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وابْنُ مَاجَهْ (٢) والتَّرْمِذِيّ) (٣). [صحيح] ٢٤/ ١٨٦ - (وَعَنْ المُسْتَوردِ بْنِ شَدَّادٍ قالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ إذَا توَضَّأ خَلّلَ أَصَابعَ رِجلَيهِ بِخِنْصَرِهِ. رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلّا أحمَدَ) (٤). [صحيح] ٢٥/ ١٨٧ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ زَيدِ بْنِ عاصِم أَنّ النبي ﷺ تَوَضأ فجَعَلَ يَقُولُ هكذَا يَدْلُكُ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (٥). [صحيح] أما حديث ابن عباس فرواه أيضًا الحاكم (٦)، وفيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف، ولكن حسنه البخاري لأنه من رواية موسى بن عقبة عن صالح، وسماع موسى منه قبل أن يختلط. وأما حديث المستورد بن شداد ففي إسناده ابن لهيعة، لكن تابعه الليث بن سعد وعمرو بن الحارث أخرجه البيهقي (٧) وأبو بشر الدولابي، والدَّارقطني في غرائب مالك، من طريق ابن وهب عن الثلاثة، وصححه ابن القطان (٨).

стр. 550

وأما حديث عبد الله بن زيد فهو إحدى روايات حديثه المشهور. وفي الباب من حديث عثمان عند الدارقطني (١) بلفظ: "أنه خلل أصابع قدميه ثلاثًا وقال: رأيت رسول الله ﷺ فعل كما فعلت". ومن حديث الربيع بنت معوذ عند الطبراني في الأوسط (٢)، قال الحافظ (٣): وإسناده ضعيف. ومن حديث عائشة عند الدارقطني (٤) وفيه عمر بن قيس (٥) وهو منكر الحديث. ومن حديث وائل بن حجر عند الطبراني في الكبير (٦)، قال الحافظ (٧): وفيه ضعف وانقطاع. ومن حديث لقيط بن صبرة بلفظ: "إذا توضأت فخلل الأصابع"، وقد تقدم (٨). ومن حديث ابن مسعود رواه زيد بن أبي الزرقاء، بلفظ: "لينهكن أحدكم أصابعه قبل أن تنهكه النار" قال ابن أبي حاتم: رفعه منكر (٩). قال الحافظ (١٠): وهو في جامع الثوري موقوف، وكذا في مصنف عبد الرزاق (١١)، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (١٢) موقوفًا.

стр. 551

ومن حديث أبي أيوب عند أبي بكر بن أبي شيبة في المصنف (١). ومن حديث أبي هريرة عند الدارقطني (٢) بلفظ: "خللوا بين أصابعكم، لا يخللها الله يوم القيامة بالنار". ومن حديث أبي رافع عند أحمد (٣) والدارقطني (٤) من حديث معمر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، قال البخاري: هو منكر الحديث. [مشروعية تخليل أصابع اليدين والرجلين]: والأحاديث تدل على مشروعية تخليل أصابع اليدين والرجلين، وأحاديث الباب يقوى بعضها بعضًا فتنتهض للوجوب لا سيما حديث لقيط بن صبرة الذي قدمنا (٥) الكلام عليه في باب المبالغة في الاستنشاق، فإنه صححه الترمذي والبغوي وابن القطان. قال ابن سيد الناس: قال أصحابنا: من سنن الوضوء تخليل أصابع الرجلين في غسلهما، قال: وهذا إذا كان الماء يصل إليها من غير تخليل، فلو كانت الأصابع [ملتفة] (٦) لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل فحينئذ يجب التخليل لا لذاته لكن لأداء فرض الغسل انتهى. والأحاديث - قد صرحت بوجوب التخليل وثبتت من قوله ﷺ وفعله ولا فرق بين إمكان وصول الماء بدون تخليل وعدمه، ولا بين أصابع اليدين والرجلين، فالتقييد بأصابع الرجلين أو بعدم إمكان وصول الماء لا دليل عليه.

стр. 552

[الباب الثالث عشر] باب مسح الرأس كله وصفته وما جاء في مسح بعضه ٢٦/ ١٨٨ - (عَنْ عَبْدِ الله بْنِ زيَدِ [﵁] (١) أنّ رَسُولَ الله ﷺ مَسَحَ رَأسَهُ بيَدَيهِ فأقْبَلَ بِهما وَأدْبر بدأ بمُقَدّمِ رَأْسِهِ، ثمّ ذَهَبَ بِهما إلى قَفاهُ، ثُمْ رَدهُما إلى المَكان الذِي بَدَأَ مِنهُ. رَوَاهُ الجَمَاعَة) (٢) [صحيح]. قوله: (مسح رأسه) زاد ابن الصباغ كله وكذا في رواية ابن خزيمة (٣). قوله: (فأقبل بهما وأدبر) قد اختلف في كيفية الإقبال والإدبار المذكور في الحديث فقيل: يبدأ بمقدم الرأس الذي يلي الوجه، ويذهب بهما إلى القفا ثم يردهما إلى المكان الذي بدأ منه وهو مبتدأ الشعر ويؤيد هذا قوله: "بدأَ بمقدمِ رأسِهِ" إلا أنه يشكل على هذه الصفة قوله: "فأقبلَ بهما وأَدْبر" لأن الواقع فيها بالعكس وهو أنه أدبر بهما وأقبل لأن الذهاب إلى جهة القفا إدبار. وأجيب بأن الواو لا تقتضي الترتيب، والدليل على ذلك ما ثبت عند البخاري (٤) من رواية عبد الله بن زيد بلفظ: "فأدبر بيديه وأقبل" ومخرج الطريقين متحد فهما بمعنى واحد. وأجيب أيضًا بحمل قوله: أَقبل على البداءة بالقبل، وقوله: أدبر على البداءة بالدبر، فيكون من تسمية الفعل بابتدائه وهو أحد القولين لأهل الأصول في تسمية الفعل، هل يكون بابتدائه أو بانتهائه، قاله ابن سيد الناس في شرح الترمذي. وقد أجيب بغير ذلك.

стр. 553

وقيل: يبدأ بمؤخر رأسه. ويمر إلى جهة الوجه، ثم يرجع إلى المؤخر محافطة على قوله: أقبل وأَدبر، ولكنه يعارضه قوله: بدأ بمقدم رأسه. وقيل: يبدأ بالناصية ويذهب إلى ناحية الوجه، ثم يذهب إلى جهة مؤخر الرأَس، ثم يعود إلى ما بدأ منه وهو الناصية. وفي هذه الصفة محافظة على قوله: "بدأ بمقدم رأسه" وعلى قوله: "أقبل وأَدبر" فإن الناصية مقدم الرأس، والذهاب إلى ناحية الوجه إقبال. [يستحب مسح جميع الرأس باتفاق العلماء]: والحديث يدل على مشروعية مسح جميع الرأس، وهو مستحب باتفاق العلماء، قاله النووي (١)، وعلل ذلك بأنه طريق إلى استيعاب الرأس ووصول الماء إلى جميع شعره. وقد ذهب إلى وجوبه أكثر العترة ومالك والمزني والجبائي (٢)، وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل (٣) وابن علية وقال الشافعي (٤): يجزي مسح بعض الرأس ولم يحدّه بحد. قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي: وهو قول الطبري. وقال أَبو حنيفة (٥): الواجب الربع، وقال الثوري والأوزاعي والليث: يجزي مسح بعض الرأس ويمسح المقدم وهو قول أحمد وزيد بن علي والناصر والباقر والصادق (٦). وأجاز الثوري والشافعي مسح الرأَس بأصبع واحدة. واختلفت الظاهرية (٧) فمنهم من أوجب الاستيعاب، ومنهم من قال: يكفي البعض.

стр. 554

[أدلة من أوجب استيعاب مسح الرأس]: احتج الأولون بحديث الباب، وحديث "أنه مسح برأسه حتى بلغ القذال" عند أَحمد (١) وأبي داود (٢) من حديث طلحة بن مصرف ورد بأن الفعل لمجرده لا يدل على الوجوب وفي حديث طلحة بن مصرف مقال سيأتي تحقيقه (٣). قالوا قال الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٤) والرأس حقيقة اسم لجميعه والبعض مجاز. ورد بأن الباء للتبعيض. وأجيب بأنه لم يثبت كونها للتبعيض، وقد أنكره سيبويه (٥) في خمسة عشر موضعًا من كتابه. ورد أيضًا بأن الباء تدخل في الآلة، والمعلوم أن الآلة لا يراد استيعابها كمسحت رأسي بالمنديل، فلما دخلت الباء في الممسوح كان ذلك الحكم أعني عدم الاستيعاب في الممسوح أيضًا، قاله التفتازاني (٦)، قالوا: جعله جار الله (٧) مطلقًا، وحكم على المطلق بأنه مجمل وبينه النبي ﷺ بالاستيعاب، وبيان المجمل الواجب واجب. ورد بأنه المطلق ليس بمجمل لصدقه على الكل والبعض، فيكون الواجب مطلق المسح كلًا أو بعضًا وأَيًا ما كان وقع به الامتثال، ولو سلم أنه مجمل لم يتعين مسح الكل لورود البيان بالبعض عند أَبي داود (٨) من حديث أَنس بلفظ: "إنه ﷺ أدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه ولم ينقض العمامة" وعند مسلم (٩) وأبي داود (١٠) والترمذي (١١) من حديث المغيرة بلفظ: "إنه ﷺ توضأ فمسح بناصيته وعلى
следующие страницы →