← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4890–4929 · переход к 4895.

стр. 4890

المال في الفسق أو فيما لا مصلحة فيه ولا غرض ديني ولا دنيوي، كشراء ما يساوي درهمًا بمائة، لا صرفه في أكل طيب ولبس نفيس وفاخر المشموم لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ (١) الآية، وكذا لو أنفقه في القرب، انتهى. [الباب الخامس] باب علامات البلوغ ٩/ ٢٣١٧ - (عَنْ عَلِي بْنِ أبي طالبٍ ﵁ قالَ: حَفظْتُ عَنْ رَسُول الله ﷺ : "لَا يُتْمَ بَعْدَ احتْلَامٍ، وَلا صمَاتَ يَوْمٍ إلى اللَّيلِ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٢). [صحيح] ١٠/ ٢٣١٨ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: عُرِضْتُ على النَّبي ﷺ يَوْمَ أحُدٍ وأنا ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْنِي، وَعُرِضْتُ عَلَيْهِ يَوْمَ الخَنْدَقِ وأنا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ فأجازَني. رَوَاهُ الجماعَة) (٣). [صحيح] ١١/ ٢٣١٩ - (وَعَنْ عَطِيَّةَ قالَ: عُرضنا على النَّبِي ﷺ يَوْمَ قُرْيظَةَ، فَكَانَ مَنْ أنْبَتَ قُتِلَ، وَمِنْ لَمْ يُنْبِتْ خَلَّى سَبِيلَهُ، وكُنْتُ ممَّنْ لَمْ يُنْبِتْ فَخَلَّى سَبِيلي. رَوَاهُ الخَمسَةُ (٤) وصَحَّحَهُ التّرْمِذِيُّ. وفيه لَفْظٍ: فَمَنْ كانَ مُحْتَلِمًا أوْ أنْبَتَ عانَتَهُ قُتِلَ، وَمَنْ لا، تُرِك. رَوَاهُ

стр. 4891

أحْمَدُ (١) والنَّسائيُّ) (٢). [صحيح] ١٢/ ٢٣٢٠ - (وَعَنْ سَمُرَةَ أن النَّبِي ﷺ قالَ: "اقتُلوا شُيوخَ المشرِكِين، وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ"؛ وَالشَّرْخُ: الغلْمانُ الَّذِينَ لَمْ يُنْبِتُوا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وصَححَهُ) (٣). [ضعيف] حديث عليٍّ في إسناده يحيى بن محمد المدني الجاري منسوب إلى الجار بالجيم والراء المهملة: بلدة على الساحل بالقرب من مدينة الرسول ﷺ . قال البخاري (٤): يتكلمون فيه. وقال ابن حبان (٥): يجب التنكب عما انفرد به من الروايات.

стр. 4892

وقال العقيلي (١): لا يتابع يحيى المذكور على هذا الحديث. وفي الخلاصة (٢) أنه وثقه العجلي وابن عدي. قال المنذري: وقد روي هذا الحديث من رواية جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وليس فيها شيء يثبت. وقد أعل هذا الحديث أيضًا عبد الحق (٣) وابن القطان (٤) وغيرهما، وحسنه النووي (٥) متمسكًا بسكوت أبي داود عليه. ورواه الطبراني في الصغير (٦) بسند آخر عن علي. ورواه أبو داود الطيالسي في مسنده (٧). وأخرج نحوه الطبراني في الكبير (٨) عن حنظلة بن حذيفة عن جده، وإسناده لا بأس به. وأخرج نحوه أيضًا ابن عدي (٩) عن جابر. وحديث ابن عمر زاد فيه البيهقي (١٠) وابن حبان في صحيحه (١١) بعد قوله: "لم يجزني ولم يرني بلغت"، وبعد قوله: "فأجازني ورأني بلغت"، وقد صحح هذه الزيادة أيضًا ابن خزيمة. وحديث عطية القرظي صححه أيضًا ابن حبان (١٢) والحاكم (١٣) وقال: على شرط الصحيحين.

стр. 4893

قال الحافظ (١): وهو كما قال إلا أنهما لم يخرجا لعطية وما له إلا هذا الحديث الواحد. وقد أخرج نحو حديث عطية الشيخان (٢) من حديث أبي سعيد بلفظ: "فكان يكشف عن مؤتزر المراهقين، فمن أنبت منهم قتل، ومن لم ينبت جعل في الذراري". وأخرج البزار (٣) من حديث سعد بن أبي وقاص: "حكم على بني قريظة أن يقتل منهم كل من جرت عليه المواسي". وأخرج الطبراني (٤) من حديث [أسلم بن بحير] (٥) الأنصاري قال: "جعلني النبي ﷺ على أسارى قريظة فكنت أنظر في فرج الغلام فإن رأيته قد أنبت ضربت عنقه، وإن لم أره قد أنبت جعلته في مغانم المسلمين". قال الطبراني (٦): لا يروى عن أسلم إلا بهذا الإسناد. قال الحافظ (٧): وهو ضعيف. وحديث سمرة أخرجه أيضًا أبو داود (٨) وهو من رواية الحسن عن سمرة، وفي سماعه منه مقال قد تقدم. وفي الباب عن أنس عند البيهقي (٩) بلفظ: "إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه وأقيمت عليه الحدود".

стр. 4894

قال في التلخيص (١): وسنده ضعيف. وعن عائشة عند أحمد (٢) وأبي داود (٣) والنسائي (٤) وابن ماجه (٥) وابن حبان (٦) والحاكم (٧) بلفظ: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق". وأخرجه أيضًا أبو داود (٨) والنسائي (٩) وأحمد (١٠) والدارقطني (١١) والحاكم (١٢) وابن حبان (١٣) وابن خزيمة (١٤) عن علي من طرق، وفيه قصة جرت له مع عمر علقها البخاري (١٥). فمن الطرق (١٦) عن أبي ظبيان عنه بالحديث والقصة. ومنها عن أبي ظبيان عن ابن عباس (١٧)، وهي من رواية جرير بن حازم عن

стр. 4895

الأعمش عنه (١)، وذكره الحاكم (٢) عن شعبة عن الأعمش كذلك لكنه وقفه. وقال البيهقي (٣): تفرد برفعه جرير بن حازم. قال الدارقطني في العلل (٤): وتفرد به عن جرير عبد الله بن وهب، وخالفه ابن فضيل (٥) ووكيع فروياه عن الأعمش موقوفًا، وكذا قال أبو حصين عن أبي ظبيان، وخالفهم عمار بن رُزيق (٦)، فرواه عن الأعمش ولم يذكر فيه ابن عباس، وكذا قال عطاء بن السائب عن أبي ظبيان عن علي وعمر مرفوعًا. قال الحافظ (٧): وقول وكيع وابن فضيل أشبه بالصواب. وقال النسائي (٨): حديث أبي حصين أشبه بالصواب. ورواه أيضًا أبو داود (٩) من حديث أبي الضحى عن علي بالحديث دون القصة. وأبو الضحى، قال أبو زرعة: حديثه عن علي مرسل. ورواه ابن ماجه (١٠) من حديث القاسم بن يزيد عن علي. قال أبو زرعة: وهو مرسل أيضًا. ورواه الترمذي (١١) من حديث الحسن البصري، قال أبو زرعة أيضًا: وهو مرسل لم يسمع الحسن من علي شيئًا.

стр. 4896

وروى الطبراني (١) عن أبي إدريس الخولاني قال: أخبرني غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ ثوبان ومالك بن شداد وغيرهما فذكر نحوه، وفي إسناده برد بن سنان وهو مختلف فيه. قال الحافظ (٢): وفي إسناده مقال في اتصاله. ورواه الطبراني (٣) أيضًا من [طريق مجاهد] (٤) عن ابن عباس. وإسناده ضعيف كما قال الحافظ (٥). قوله: (لا يُتْمَ بعد احتلام)، استُدِلَّ به على أن الاحتلام من علامات البلوغ. وتُعقِّب بأنه بيان لغاية مدة اليتم وارتفاع اليتم لا يستلزم البلوغ الذي هو مناط التكليف، لأن اليتم يرتفع عند إدراك الصبي لمصالح دنياه، والتكليف إنما يكون عند إدراكه لمصالح آخرته. والأولى الاستدلال بما وقع في رواية لأحمد (٦) وأبي داود (٧) والحاكم (٨) من حديث علي كرم الله وجهه بلفظ: "وعن الصبي حتى يحتلم". ويؤيد ذلك قوله في حديث عطية (٩): "فمن كان محتلمًا"، وقد حكى صاحب البحر (١٠) الإجماع على أن الاحتلام مع الإنزال من علامات البلوغ في الذكر، ولم يجعله المنصور بالله علامة في الأنثى.

стр. 4897

قوله: (ولا صمات … ) إلخ، الصمات: السكوت. قال في القاموس (١): وما ذقت صماتًا كسحاب شيئًا، ولا صمت يومًا إلى الليل، أي: لا يصمت يوم تام، انتهى. قوله: (فلم يجزني)، وقوله: "فأجازني"، المراد بالإجازة: الإِذن بالخروج للقتال، من أجازه: إذا أمضاه وأذن له، لا من الجائزة التي هي العطية كما فهمه صاحب ضوء النهار. وقد استدل بحديث ابن عمر (٢) هذا من قال: إن مضي خمس عشرة سنة من الولادة يكون بلوغًا في الذكر والأنثى وإليه ذهب الجمهور (٣). وتعقب ذلك الطحاوي (٤) وابن القصار (٤) وغيرهما بأنه لا دلالة في الحديث على البلوغ لأنه ﷺ لم يتعرض لسنه، وإن فرض خطور ذلك ببال ابن عمر، ويرد هذا التعقيب ما ذكرنا من الزيادة في الحديث، أعني قوله: "ولم يرني بلغت". وقوله: "ورآني بلغت"، والظاهر أن ابن عمر لا يقول هذا بمجرد الظن من دون أن يصدر منه ﷺ ما يدل على ذلك. وقال أبو حنيفة (٥): بل مضي ثمان عشرة سنة للذكر وسبع عشرة سنة للأنثى. قوله: (فكان من أنبت … ) إلخ، استدل به من قال: إن الإنبات من علامات البلوغ، وإليه ذهبت الهادوية (٦)؛ وقيدوا ذلك أن يكون الإنبات بعد التسع. وتعقب بأن قتل من أنبت ليس لأجل التكليف بل لرفع ضرره لكونه مظنة للضر كقتل الحية ونحوها. وردّ هذا التعقب بأن القتل لمن كان كذلك ليس إلا لأجل الكفر لا لدفع

стр. 4898

الضرر لحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (١)، وطلب الإيمان وإزالة المانع منه فرع التكليف.

стр. 4899

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 4900

ويؤيد هذا أن النبي ﷺ كان يغزو إلى البلاد البعيدة كتبوك ويأمر بغزو أهل الأقطار النائية من كون الضرر ممن كان كذلك مأمونًا، وكون قتال الكفار لكفرهم هو مذهب طائفة من أهل العلم. وذهبت طائفة أخرى إلى أن قتالهم لدفع الضرر، والقول بهذه المقالة هو منشأ ذلك التعقب. ومن القائلين بهذا شيخ الإسلام ابن تيمية حفيد المصنف وله في ذلك رسالة. قوله: (شَرْخَهم) بفتح الشين المعجمة وسكون الراء المهملة بعدها خاء معجمة. قال في القاموس (١): هو أول الشباب، انتهى. وقيل (٢): هم الغلمان الذين لم يبلغوا، وحمله المصنف على من لم ينبت من الغلمان. ولا بد من ذلك للجمع بين الأحاديث، وإن كان أول الشباب يُطْلَقُ على من كان في أول الإنبات، والمرادُ بالإنبات المذكور في الحديث هو إنباتُ الشعر الأسود المتجعد في العانَة، لا إنباتُ مُطْلَقِ الشعر فإنه موجودٌ في الأطفالِ. [الباب السادس] باب ما يحل لولي اليتيم من ماله بشرط العمل والحاجة ١٣/ ٢٣٢١ - (عَنْ عَائِشَةَ ﵂ فِي قَوْله تَعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣)، أنهَا نَزَلَتْ في وَليّ اليَتيم إذَا كانَ فَقِيرًا أَنَّهُ يأكُلُ مِنْهُ مَكانَ قيامِه عَلَيْهِ بالمَعْرُوف (٤). [صحيح]

стр. 4901

وفي لَفظٍ: أنْزِلَتْ في وَالي اليَتيم الَّذي يَقُومُ عَلَيْه ويُصْلحُ مالَهُ إنْ كانَ فَقيرًا أكَلَ مِنْهُ بالمَعْرُوفِ (١). أخْرَجاهُمَا). [صحيح] ١٤/ ٢٣٢٢ - (وَعَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْب عَنْ أبِيه عَنْ جَدّهِ: أن رَجُلًا أتى النَّبي ﷺ فَقالَ: إني فَقيرٌ لَيْس لي شَىْء وَلي يَتيمٌ، فَقالَ: "كل منْ مالِ يتيمِك غَيْرَ مسْرفٍ وَلا مُبادرٍ وَلا مُتَأثِّلٍ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا التِّرمِذِيّ (٢). [حسن] وللأثْرمِ فِي سُنَنِه عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يُزَكي مالَ اليَتيِمِ ويستَقْرِض منْه وَيَدْفَعَهُ مُضَارَبَةً). حديث عمرو بن شعيب سكت عنه أبو داود (٣)، [وأشار المنذري (٤)] (٥) إلى أن في إسناده عمرو بن شعيب، وفي سماع أبيه من جده مقال قد تقدم التنبيه عليه. قال في الفتح (٦): إسناده قوي. والآية المذكورة تدل على جواز أكل ولي اليتيم من ماله بالمعروف إذا كان فقيرًا ووجوب الاستعفاف إذا كان غنيًا، وهذا إن كان المراد بالغني والفقير في الآية: ولي اليتيم على ما هو المشهور. وقيل: المعنى في الآية اليتيم: أي إن كان غنيًا فلا يسرف في الإنفاق عليه، وإن كان فقيرًا فليطعمه من ماله بالمعروف، فلا يكون على هذا في الآية دلالة على الأكل من مال اليتيم أصلًا، وهذا التفسير رواه ابن التين (٧) عن ربيعة، ولكنَّ المتعين المصير إلى الأول لقول عائشة المذكور. وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة فروي عن عائشة أنه يجوز للولي أن

стр. 4902

يأخذ من مال اليتيم قدر عمالته، وبه قال عكرمة والحسن وغيرهم. وقيل: لا يأكل منه إلا عند الحاجة؛ ثم اختلفوا، فقال عبيدة بن عمرو وسعيد بن جبير ومجاهد: إذا أكل ثم أيسر قضى. وقيل: لا يجب القضاء. وقيل: إن كان ذهبًا أو فضة لم يجز له أن يأخذ منه شيئًا إلا على سبيل القرض، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة، وهذا أصح الأقوال عن ابن عباس، وبه قال الشعبي وأبو العالية وغيرهما، أخرج جميع ذلك ابن جرير في تفسيره (١) وقال: هو بوجوب القضاء مطلقًا وانتصر له.

стр. 4903

وقال الشافعي (١): يأخذ أقل الأمرين من أجرته ونفقته، ولا يجب الرد على الصحيح عنده. والظاهر من الآية والحديث جواز الأكل مع الفقر بقدر الحاجة من غير إسراف ولا تبذير ولا تأثل، والإذن بالأكل يدل على إطلاقه على عدم وجوب الرد عند التمكن، ومن ادعى الوجوب فعليه بالدليل. قوله: (غير مسرف ولا مبادر)، هذا مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ (٢)، أي: مسرفين ومبادرين كِبَرَ الأيتام، أو لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم يفرطون في إنفاقها ويقولون: ننفق ما نشتهي قبل أن يكبر اليتامى فينتزعوها من أيدينا. ولفظ أبي داود (٣): "غير مسرف ولا مبذر". قوله: (ولا متأثل)، قال في القاموس (٤): أثل ماله تأثيلًا: زكاه، وأصله وملكه: عظمه، والأهل كساهم أفضل كسوة وأحسن إليهم، والرجل كثر ماله، انتهى. والمراد هنا أنه لا يدخر من مال اليتيم لنفسه ما يزيد على قدر ما يأكله.

стр. 4904

قال في الفتح (١): المتأثل بمثناة ثم مثلثة مشددة بينهما همزة: هو المتخذ: والتأثل: اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم، وأثلة كل شيء: أصله. قوله: (إنه كان يزكي مال اليتيم … ) إلخ، فيه أن ولي اليتيم يزكي ماله ويعامله بالقرض والمضاربة وما شابه ذلك. [الباب السابع] باب مخالطة الولي اليتيم في الطعام والشراب ١٥/ ٢٣٢٣ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٢) عَزَلُوا أمْوَالَ اليَتامَى حتَّى جَعَلَ الطَّعامُ يَفْسُدُ، وَاللَّحمُ يَنْتُنُ، فَذُكر ذلكَ للنَّبِيِّ ﷺ ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ (٣) قالَ: "فَخالِطُوهُم"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) والنَّسائيُّ (٥) وأبُو دَاوُدَ) (٦). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا الحاكم (٧) وصححه، وفي إسناده عطاء بن السائب. وقد تفرد بوصله وفيه مقال. وقد أخرج له البخاري مقرونًا. وقال أيوب: ثقة، وتكلم فيه غير واحد. وقال الإمام أحمد (٨): من سمع منه قديمًا فهو صحيح، ومن سمع منه حديثًا لم يكن بشيء، ووافقه على ذلك يحيى بن معين، وهذا الحديث من رواية جرير بن عبد الحميد عنه، وهو ممن سمع منه حديثًا. ورواه النسائي (٩) من وجه آخر عن عطاء موصولًا، وزاد فيه: "وأحل لهم

стр. 4905

خلطهم"، ورواه عبد بن حميد (١) عن قتادة مرسلًا، ورواه الثوري في تفسيره (٢) عن سعيد بن جبير مرسلًا أيضًا. قال في الفتح (٣): وهذا هو المحفوظ مع إرساله. وروى عبد بن حميد (٤) من طريق السدي عمن حدثه عن ابن عباس قال: المخالطة أن تشرب من لبنه ويشرب من لبنك وتأكل من قصعته ويأكل من قصعتك. والله يعلم المفسد من المصلح، من يتعمد أكل مال اليتيم ومن يتجنبه. وقال أبو عبيد (٥): المراد بالمخالطة أن يكون اليتيم بين عيال الوالي عليه فيشق عليه إفراز طعامه، فيأخذ من مال اليتيم قدر ما يرى أنه كافيه بالتحري فيخلطه بنفقة عياله، ولما كان ذلك قد تقع فيه الزيادة والنقصان خشوا منه فوسَّع الله لهم. وقد ورد التنفير عن أكل أموال اليتامى والتشديد فيه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (٦)، وثبت في الصحيح (٧) أن أكل مال اليتيم أحد السبع الموبقات، فالواجب على من ابتلي بيتيم أن يقف على الحد الذي أباحه له الشارع في الأكل من ماله ومخالطته، لأن الزيادة عليه ظلم يصلى به فاعله سعيرًا ويكون من الموبقين، نسأل الله السلامة.

стр. 4906

[الكتاب الثالث عشر] كتاب الصلح وأحكام الجوار [الباب الأول] باب جواز الصلح عن المعلوم والمجهول والتحليل منهما ١/ ٢٣٢٤ - (عَنْ أُم سَلَمَة قالَتْ: جاءَ رَجُلانِ يَخْتَصِمان إلى رَسُول الله ﷺ في مَوَارِيثَ بَيْنَهُما قَدْ دَرِسَتْ لَيْس بَيْنَهُما بَيِّنَةٌ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [إليَّ] (١)، وإنمَا أنا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ ألْحَنُ بحُجَّتِه مِنْ بَعْضٍ، وإنَّمَا أقضي بَيْنَكُم على نحوٍ ممَّا أسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حقّ أخِيهِ شَيْئًا فَلا يأخُذْهُ، فَإِنِّما أقْطَعُ لَهُ قطْعَةً مِنَ النَّارِ يأتي بها أُسْطَامًا في عنُقِه يَوْمَ القيامَة"، فَبَكَى الرَّجُلانِ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما: حَقِّي لأخِي، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أما [إذْ] (٢) قُلْتُما فاذْهَبَا فاقْتَسِما ثُمَّ تَوَخَّيا الحَقَّ ثُمَّ اسْتهِمَا، ثُمَّ لْيُحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ منْكُما صَاحبَهُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وأبُو دَاوُدَ (٤). [حسن لغيره] وفي رِوايةٍ لأبي دَاوُدَ (٥): "إِنَّمَا أقْضِي بَيْنَكُمْ بِرأيي فِيمَا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهِ"). [ضعيف]

стр. 4907

الحديث أخرجه أيضًا ابن ماجه (١) وسكت عنه أبو داود (٢) والمنذري (٣)، وفي إسناده أسامة بن زيد بن أسلم المدني مولى عمر، قال النسائي (٤) وغيره: ليس بالقوي، وأصل هذا الحديث في الصحيحين (٥)، وسيأتي باب أن حكم الحاكم ينفذ ظاهرًا لا باطنًا من كتاب الأقضية. قوله: (إنكم تختصمون [إليَّ] (٦) يعني في الأحكام. قوله: (وإنما أنا بشر) البشر يطلق على الواحد كما في هذا الحديث، وعلى الجمع نحو قوله تعالى: ﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦)﴾ (٧). والمراد إنما أنا مشارك لغيري في البشرية وإن كان ﷺ زائدًا عليهم بما أعطاه الله تعالى من المعجزات الظاهرة والإطلاع على بعض الغيوب، والحصر ههنا مَجَازيٌّ (٨)، أي: باعتبار علم الباطنِ. وقد حققه علماء المعاني (٩) وأشرنا إلى طرف من تحقيقه في كتاب الصلاة. قوله: (أَلْحَنُ) (١٠) أي: أفطن وأعرف، ويجوز أن يكون معناه أفصح تعبيرًا عنها وأظهر احتجاجًا، فربما جاء بعبارة تخيل إلى السامع أنه محق وهو في الحقيقة مبطل، والأظهر أن يكون معناه أبلغ كما في رواية الصحيحين (١١)، أي: أحسن إيرادًا للكلام، وأصل اللحن: الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان في كلامه: إذا مال عن صحيح النطق، ويقال: لحنت لفلان: إذا قلت له قولًا يفهمه ويخفى على غيره لأنه بالتورية يميل كلامه عن الواضح المفهوم.

стр. 4908

قوله: (وإنما أقضي … ) إلخ، فيه دليل على أن الحاكم إنما يحكم بظاهر ما يسمع من الألفاظ مع جواز كون الباطن خلافه ولم يتعبد بالبحث عن البواطن باستعمال الأشياء التي تفضي في بعض الأحوال إلى ذلك كأنواع السياسة والمداهاة. قوله: (فلا [يأخذه]) (١)، فيه أن حكم لا يحل به الحرام كما زعم بعض أهل العلم. قوله: (قطعة) بكسر القاف، أي: طائفة. قوله: (أسطامًا) بضم الهمزة وسكون السين المهملة. قال في القاموس (٢): السطام بالكسر: المسعار لحديدة مَفْطوحَةٍ تحرك بها النار، ثم قال: والأسطام: المسعار، اهـ. والمراد هنا الحديدة التي تسعَّر بها النار، أي: يأتي يوم القيامة حاملًا لها مع أثقاله. قوله: (حقي لأخي)، فيه دليل على صحة هبة المجهول، وهبة المدعى قبل ثبوته، وهبة الشريك لشريكه. قوله: (أما إذا قلتما) لفظ أبي داود (٣): "أما إذ فعلتما ما فعلتما فاقتسما" قال في شرح السنن: أما بتخفيف الميم يحتمل أن يكون بمعنى حقًّا وإذ للتعليل. قوله: (فاقتسما)، فيه دليل على أن الهبة إنما تملك بالقبول لأن النبي ﷺ أمرهما بالاقتسام بعد أن وهب كل واحد نصيبه من الآخر. قوله: (ثم توخيا) بفتح الواو والخاء المعجمة. قال في النهاية (٤): أي اقصدا الحق فيما تصنعان من القسمة، يقال: توخيت الشيء أتوخاه توخيًا: إذا قصدت إليه وتعمدت فعله. قوله: (ثم استهما)، أي ليأخذ كل واحد منكما ما تخرجه القرعة من القسمة ليتميز سهم كل واحد منكما عن الآخر.

стр. 4909

[الأدلة على مشروعية القرعة] وفي الأمر بالقرعة عند المساواة أو المشاحة. وقد وردت القرعة في كتاب الله في موضعين: أحدهما قوله تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ (١)، والثاني قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ (٢)، وجاءت في خمسة أحاديث من السنة: الأول هذا الحديث (٣). الثاني: حديث: "أنه ﷺ كان إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه" (٤). الثالث: "أنه ﷺ أقرع في ستة مملوكين" (٥). الرابع: قوله ﷺ : "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه" (٦). الخامس حديث الزبير (٧): "إن صفية جاءت بثوبين لتكفن فيهما حمزة، فوجدنا إلى جنبه قتيلًا، فقلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب، فوجدنا أحد الثوبين أوسع من الآخر، فأقرعنا عليهما ثم كفِّنا كل واحد في الثوب الذي خرج له"، والظاهر أن النبي ﷺ اطلع على هذا وقرره لأنه كان حاضرًا هنالك، ويبعد أن يخفى عليه مثل ذلك في حق حمزة، وقد كانت الصحابة تعتمد

стр. 4910

القرعة في كثير من الأمور كما روي: "أنه تشاح الناس يوم القادسية في الأذان فأقرع بينهم سعد" (١). قوله: (ثم ليحلل … ) إلخ، أي: ليسأل كل واحد منكما صاحبه أن يجعله في حل من قبله فإبراء ذمته. وفيه دليل على أنه يصح الإبراء من المجهول، لأن الذي في ذمة كل واحد ههنا غير معلوم. وفيه أيضًا صحة الصلح بمعلوم عن مجهول، ولكن لا بد مع ذلك من التحليل. وحكى في البحر (٢) عن الناصر والشافعي (٣) أنه لا يصح الصلح بمعلوم عن مجهول. قوله: (برأيي) هذا مما استدل به أهل الأصول على جواز العمل بالقياس (٤) وأنه حجة، وكذا استدلوا بحديث بعث معاذ (٥) المعروف.

стр. 4911

٢/ ٢٣٢٥ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أنّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "الصلْحُ جائِز بَيْنَ المسْلِمِينَ، إلَّا صُلْحًا حَرَّم حَلَالًا أوْ أحَلَّ حَرَامًا"، رَواهُ أبُو دَاودَ (١) وابْنُ ماجَهْ (٢) والتِّرْمِذِيُّ (٣)، وَزَادَ: "المسْلِمُونَ على شُرُوطِهِمْ إلّا شَرطًا حَرَّمَ حَلالًا أوْ

стр. 4912

أحَلَّ حَرَامًا"، قالَ التّرْمِذِيُّ: هَذَا حَديثٌ حَسَنٌ صحيح). [صحيح لغيره] الحديث أخرجه أيضًا الحاكم (١) وابن حبان (٢)، وفي إسناده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه وهو ضعيف جدًّا. قال فيه الشافعي (٣) وأبو داود (٣): هو ركن من أركان الكذب، وقال النسائي (٤): ليس بثقة. وقال ابن حبان (٥): له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة، وتركه أحمد. وقد نوقش الترمذي في تصحيح حديثه. قال الذهبي (٦): أما الترمذي فروى من حديثه: "الصلح جائز بين المسلمين" وصححه، فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيحه. وقال ابن كثير في إرشاده (٧): قد نوقش أبو عيسى، يعني الترمذي في تصحيحه هذا الحديث وما شاكله، انتهى. واعتذر له الحافظ (٨) فقال: وكأنه اعتبر بكثرة طرقه، وذلك لأنه رواه أبو داود (٩) والحاكم (١٠) من طريق كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي

стр. 4913

هريرة، قال الحاكم: على شرطهما، وصحَّحه ابن حبان (١) وحسَّنه الترمذي (٢). وأخرجه أيضًا الحاكم (٣) من حديث أنس. وأخرجه أيضًا (٤) من حديث عائشة، وكذلك الدارقطني (٥). وأخرجه أحمد (٦) من حديث سليمان بن بلال عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة. وأخرجه ابن أبي شيبة (٧) عن عطاء مرسلًا. وأخرجه البيهقي (٨) موقوفًا على عمر كتبه إلى أبي موسى. وقد صرح الحافظ (٩) بأن إسناد حديث أنس وإسناد حديث عائشة واهيان. وضعف ابن حزم (١٠) حديث أبي هريرة، وكذلك ضعفه عبد الحق (١١). وقد

стр. 4914

روي من طريق عبد الله بن الحسين المصيصي (١) وهو ثقة، وكثير بن زيد المذكور، قال أبو زرعة: صدوق، ووثقه ابن معين، والوليد بن رباح: صدوق أيضًا. ولا يخفى أن الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض، فأقل أحوالها أن يكون المتن الذي اجتمعت عليه حسنًا (٢). - قوله: (الصلح جائز) ظاهر هذه العبارة العموم، فيشمل كل صلح إلا ما استثني، ومن ادعى عدم جواز صلح زائد على ما استثناه الشارع في هذا الحديث فعليه الدليل. وإلى العموم ذهب أبو حنيفة (٣) ومالك (٤) وأحمد (٥) والجمهور. وحكى في البحر (٦) عن العترة والشافعي وابن أبي ليلى أنه لا يصح الصلح عن إنكار، وقد استدل لهم بقوله ﷺ : "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" (٧)، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (٨). ويجاب بأن الرضا بالصلح مشعر بطيبة النفس، فلا يكون أكل المال به من أكل أموال الناس بالباطل. واحتج لهم في البحر (٩) بأن الصلح معاوضة، فلا يصح مع الإنكار كالبيع. وأجيب بأنه لا معنى للإنكار في البيع لعدم ثبوت حق لأحدهما على الآخر يتعلق به الإنكار قبل صدور البيع فلا يصح القياس. قوله: (بين المسلمين) هذا [خُرِّجَ] (١٠) مخرجَ الغالب، لأن الصلح جائز

стр. 4915

بين الكفار وبين المسلم والكافر. ووجه التخصيص أن المخاطب بالأحكام في الغالب هم المسلمون لأنهم المنقادون لها. قوله: (إلا صلحًا) بالنصب على الاستثناء. وفي رواية لأبي داود والترمذي بالرفع. والصلح الذي يحرم الحلال كمصالحة الزوجة للزوج على أن لا يطلقها أو لا يتزوج عليها أو لا يبيت عند ضرتها، والذي يحلل الحرام كأن [يصالحه] (١) على وطء أمة لا يحل له وطؤها، أو أكل مال لا يحل له أكله أو نحو ذلك. قوله: (المسلمون على شروطهم)، أي ثابتون عليها لا يرجعون عنها. قال المنذري (٢): وهذا في الشروط الجائزة دون الفاسدة، ويدل على هذا قوله: "إلا شرطًا حرم حلالًا … " إلخ. ويؤيده ما ثبت في حديث بريرة (٣) من قوله ﷺ : "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل". وحديث: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" (٤). والشرط الذي يحل الحرام كأن يشرط نصرة الظالم أو الباغي أو غزو المسلمين، والذي يحرم الحلال كأن يشرط عليه ألّا يطأ أمته أو زوجته أو نحو ذلك. ٣/ ٢٣٢٦ - (وَعَنْ جابِرٍ: أن أباهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فاشْتَدَّ الغُرَماءُ فِي حُقُوقِهِمْ، قال: فأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسألهُمْ أنْ يَقْبَلُوا ثمَرَةَ حائِطِي

стр. 4916

ويُحَلِّلُوا أبي، فأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمُ النَّبِيّ ﷺ حائِطِي وَقَالَ: "سَنَغْدُو عَلَيْكَ"، فَغَدَا عَلَيْنَا حينَ أصْبَحَ، فَطافَ فِي النَّخلِ وَدَعا فِي ثَمْرِها بالبَرَكَةِ، فَجدَدْتُها فَقَضَيْتُهُمُ وَبَقِيَ لَنَا مِنْ ثَمَرِها. [صحيح] وفِي لَفْظٍ: أنْ أباهُ تُوُفِي وَتَرَكَ عَلَيْه ثَلاثِينَ وسقًا لِرَجلٍ مِن الْيَهُودِ، فاسْتَنظَرَهُ جابِر فأبى أنْ يَنْظِرَهْ، فَكَلَّمَ جابِر رَسُولَ الله ﷺ يَشْفَعَ لَهَ إلَيْه، فَجاء رَسُولُ الله وكَلَّمَ اليَهُودِيّ ليأخُذَ ثَمَرَةَ نَخْله بالَّذي لهُ فأبَى، فَدَخَلَ النَّبِيّ ﷺ النَّخْلَ فَمَشَى فِيها ثُمَّ. قالَ لِجابِرٍ: "جُدَّ لَهُ فأوْف لَهُ الَّذِي لَهُ"، فَجَدهُ بَعْدَ ما رَجَعَ رَسولُ الله ﷺ فأوْفَاهُ ثَلاثِينَ وَسْقًا وَفَضَلَتْ سَبْعَةُ عَشَرَ وَسْقًا. رَوَاهُمَا البُخارِي) (١). [صحيح] قوله: (فجددتها) بالجيم ودالين مهملين (٢)، والجداد (٣): صرام النخل. والحديث فيه دليل على جواز المصالحة بالمجهول عن المعلوم، وذلك لأن النبي ﷺ سأل الغريم أن يأخذ ثمر الحائط وهو مجهول القدر في الأوساق التي له وهي معلومة، ولكنه ادّعى في البحر (٤) الإجماع على عدم الجواز فقال ما لفظه: "مسألة: ويصح بمعلوم عن معلوم إجماعًا، ولا يصح بمجهول إجماعًا ولو عن معلوم، كأن يصالح بشيء عن شيء، أو عن ألف بما [يَكْسَبُهُ] (٥) هذا العام"، اهـ. فينبغي أن ينظر في صحة هذا الإجماع، فإن الحديث مصرِّح بالجواز. وقال المهلب (٦): لا يجوز عند أحد من العلماء أن يأخذ من له دينُ تمرٍ تمرًا مجازفة بدينه لما فيه من الجهل والغرر، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة في حقه أقل من دينه إذا علم الآخذ ذلك ورضي. اهـ. وهكذا قال الدمياطي (٦). وتعقَّبهما ابن المنيِّر (٦) فقال: بيع المعلوم بالمجهول مزابنة، فإن كان تمرًا نحوه فمزابنة وربا، لكن اغتفر ذلك في الوفاء.

стр. 4917

وتبعه الحافظ (١) على ذلك فقال: إنه يغتفر في القضاء من المعاوضة ما لا يغتفر ابتداء، [لأن بيع] (٢) الرطب بالتمر لا يجوز في غير العرايا، ويجوز في المعاوضة عند الوفاء، قال: وذلك بين في حديث الباب. اهـ. والحاصل أن هذا الحديث مخصص للعمومات المتقدمة في البيع القاضية بوجوب معرفة مقدار كل واحد من البدلين المتساويين جنسًا وتقديرًا. فيجوز القضاء مع الجهالة إذا وقع الرضا. ويؤيد هذا حديث أم سلمة (٣) السالف، فإنها وقعت فيه المصالحة بمعلوم عن مجهول والمواريث الدارسة تطلق على الأجناس الربوية وغيرها، فهو يقضي بعمومه أنها تجوز المصالحة مع جهالة أحد العوضين وإن كان المصالح به والمصالح عنه ربويين، ولكن لا بد من وقوع التحليل كما هو مصرح به في الحديثين. وقد استدل المقبلي في "الأبحاث" (٤) بهذا الحديث على جواز صرف الفضة بالفضة مع التصريح بتطييب الزائد، وأنه لا يلزم من ذلك إبطال المقصد الشرعي في الربا، لأن كل حيلة توصل بها إلى السلامة من الإثم فهي جائزة، وإنما المحرم الحيلة التي توصل بها إلى إبطال مقصد شرعي، قال: فعلى هذا يجوز الصرف للقروش بالمحلقة وهما ضربتان كبيرة وصغيرة ونحو ذلك مما دعت الضرورة إليه. قال: ولنحو ذلك رخص في بيع العرية، وإلا فكان يمكن بيع التمر بالدراهم ثم شراء رطب بالدراهم، أما لو كان الغرض طلب التجارة والأرباح كالصيارفة فلا يجوز إلى آخر كلامه. وصرح أيضًا بأنه لا حاجة في الصرف إلى تكلف شراء سلعة ثم بيعها كما في حديث تمر الجمع والجنيب (٥) السالف، قال (٦): لأن ذلك يلحق

стр. 4918

بالممتنع للضرورة إليه في أكثر الأحوال وغالبها ففيه غاية المشقة. وأنت خبير بأن الحديث ورد على خلاف ما تقتضيه الأصول، فلا يجوز أن يجاوز به مورده وهو صورة القضاء، فلا يصح القياس، وهذا على فرض عدم صحة الإجماع على خلاف ما يقتضيه الحديث. فإن صح فالعمل به في تلك الصورة المخصوصة لا يجوز، فكيف يصح إلحاق غيرها بها؟ وأيضًا خبر القلادة (١) السالف مشعر بعدم جواز بيع الفضة بالفضة، وإن وقعت المراضاة والمباراة، فهذا القياس الذي عول عليه فاسد الاعتبار، فإن قال: إن صرف الدراهم بالقروش يحتاج إليه كل أحد وتدعو الضرورة إليه، بخلاف بيع الفضة التي ليست بمضروبة بمثلها، فنقول: هذا تخصيص بمجرد الحاجة والمشقة، ومثل ذلك لا ينتهض لتخصيص النصوص، ولا سيما مع إمكان التخلص عن تلك الورطة بأن يشتري بأحد البدلين عينًا ويبيعها بالنقد الآخر كما أرشد إليه الشارع في قضية تمر الجمع والجنيب، فإن بهذه الوسيلة تنتفي الضرورة الحاملة على ارتكاب ما لا يحل، ولو كان مجرد حصول المشقة مجوزًا لمخالفة الدليل ومسوغًا للمحرم لكان في ذلك معذرة لمن لا رغبة له في القيام بالواجبات، لأن كثيرًا منها مصحوب بالمشقة كالحج والجهاد ونحوهما. ٤/ ٢٣٢٧ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كانَتْ عنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لأخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْ مِنْهُ اليَوْمَ قَبْلَ أنْ لَا يَكُونَ دِينارٌ وَلا دِرْهَمٌ، إنْ كانَ لَهُ عَمَل صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ"، رَوَاهُ البُخارِيُّ (٢)، وكَذَلَكَ أحَمدُ (٣) والتِّرْمِذِيُّ (٤)

стр. 4919

وَصَححَهُ، وَقالا فيه: "مَظْلِمَةٌ مِنْ مَالٍ أوْ عِرْضٍ"). [صحيح] قوله: (مَظْلِمَة) بكسر اللام على المشهور. وحكى ابن قتيبة (١)، وابن التين (١)، والجوهري (٢): فتحها؛ وأنكره ابن القوطية (٣)، وحكى القزاز (٤) الضم. قوله: (أو شيء) [هو من] (٥) عطف العام على الخاص فيدخل فيه المال بأصنافه والجراحات حتى اللطمة ونحوها. قوله: (قبل أن لا يكون دينار ولا درهم)، أي: يوم القيامة، كما ثبت في رواية الإسماعيلي (٦). قوله: (أخذ من سيئات صاحبه) أي صاحب المظلمة "فحمل عليه"، أي على الظالم، وفي رواية مالك: "فطرحت عليه". وقد أخرج هذا الحديث (٧) مسلم من وجه آخر، وهو أوضح سياقًا من هذا، ولفظه: "المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا وسفك دم هذا وأكل مال هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبلَ أَنْ يَقْضي ما عليه [أخذ] (٨) من خطاياهم فطرحت عليه وطرح في النار". ولا تعارض بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٩)، لأنه إنما يعاقب بسبب فعله وظلمه، ولم يعاقب بغير جناية منه بل بجنايته، فقوبلت الحسنات بالسيئات على ما اقتضاه عدل الله تعالى في عباده. وفي الحديث دليل على صحة الإبراء من المجهول لإطلاقه. وزعم ابن بطال (١٠) أن في هذا الحديث دليلًا على اشتراط التعيين، لأن قوله: مظلمة يقتضي أن تكون معلومة القدر مشارًا إليها.

стр. 4920

قال الحافظ (١): ولا يخفى ما فيه. قال ابن المنيِّر (٢): إنما وقع في الحديث التقدير حيث يقتص المظلوم من الظالم حتى يأخذ منه بقدر حقه، وهذا متفق عليه. والخلاف إنما هو فيما إذا أسقط المظلوم حقه في الدنيا، هل يشترط أن يعرف قدره أم لا؟ وقد أطلق ذلك في الحديث، نعم قام الإجماع على صحة التحليل من المعين المعلوم، فإن كانت العين موجودة صحت هبتها دون الإبراء منها. وفي الحديث أيضًا دليل على أن من حلل خصمه من مظلمة لا رجوع له في ذلك. أما المعلوم فلا خلاف فيه. وأما المجهول فعند من يجيزه. قال في الفتح (٣): وهو فيما مضى باتفاق. وأما فيما سيأتي ففيه الخلاف. [الباب الثاني] باب الصلح عن دم العمد بأكثر من الدية وأقل ٥/ ٢٣٢٨ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدّه أن النَّبي ﷺ قالَ: "مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إلى أوْلِيَاءِ المَقْتُولِ، فإنْ شاءُوا قَتَلُوا، وَإنْ شَاءُوا أخَذُوا الدّيةَ، وَهِيَ ثَلاثُون حِقَّةً وَثَلاثُونَ جَذَعَةً وأرْبَعُونَ خَلَفَةً، وَذلكَ عَقْلُ الْعمْدِ، وَما صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ وَذلكَ تَشْديدُ العَقْلِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَابْنُ ماجَهْ (٥) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٦). [حسن]

стр. 4921

الحديث حسنه الترمذي (١)، وفي إسناده أحمد علي بن زيد بن جدعان (٢) وفيه مقال عن يعقوب السدوسي، ويقال فيه عقبة بن أوس عن ابن عمرو. وروى البيهقي (٣) بإسناده إلى ابن خزيمة قال: حضرت مجلس المزني يومًا وسأله سائل من العراقيين عن شبه العمد، فقال السائل: إن الله وصف القتل في كتابه صفتين عمدًا وخطأ، فلم قلتم إنه على ثلاثة أصناف؟ فاحتج المزني بحديث ابن عمرو، فقال له يناظره: أتحتج بعلي بن زيد بن جدعان؟ فسكت المزني، فقلت لمناظره: قد روي هذا الحديث عن غير علي بن زيد، فقال: من رواه غيره؟ فقلت: أيوب السختياني وجابر الحذاء، قال لي: فمن عقبة بن أوس؟ قلت: رجل من أهل البصرة روى عنه ابن سيرين على جلالته، فقال للمزني: أنت تناظر أم هذا؟ فقال: إذا جاء الحديث فهو يناظر لأنه أعلم به مني، اهـ. فدل كلام ابن خزيمة هذا على أن علي بن زيد قد توبع. وأيضًا الترمذي (٤) رواه عن أحمد بن سعيد الدارمي عن حبان بن هلال عن محمد بن راشد عن سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب. قوله: (خلفة)، أي: حاملة، ووقع في رواية: "أربعون خلفة في بطونها أولادها" (٥)، واستشكل ذلك لأن الخلفة هي التي في بطنها ولدها.

стр. 4922

وأجيب بأنه تفسير لا تقييد، وقيل: تأكيد وإيضاح، وقيل غير ذلك. والحديث يأتي الكلام على ما اشتمل عليه في أبواب الديات، وإنما ساقه المصنف ههنا للاستدلال بقوله فيه: "وما صالحوا عليه فهو لهم"، فإنه يدل على جواز الصلح في الدماء بأكثر من الدية (١). [الباب الثالث] باب ما جاء في وضع الخشب في جدار الجار وإن كره ٦/ ٢٣٢٩ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لَا يمْنَعْ جارٌ جارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ"، ثُمَّ يَقُولُ أبو هُرَيْرَةَ: ما لي أرَاكُمْ عَنْها مُعْرِضِينَ، وَالله لأرْمِيَنَّ بها بينَ أكْتافِكُمْ. رَوَاهُ الجَماعةُ إلَّا النَّسائيَّ) (٢). [صحيح] ٧/ ٢٣٣٠ - (وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " [ضَرَرَ] (٣) وَلَا ضِرَارَ، وَللرَّجُلِ أنْ يَضَعَ خَشَبَهُ فِي حائِطِ جارِهِ، وَإِذَا اخْتَلَفتُمْ فِي الطَّرِيقِ فاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أذْرُع") (٤). [صحيح لغيره] ٨/ ٢٣٣١ - (وَعَنْ عكْرِمَةَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أن أخَوَيْنِ مِنْ بَنِي المُغِيرَةَ أعْتَقَ أحَدُهُما أنْ لا يَغْرِزَ خَشَبًا في جِدَارِهِ، فَلَقِيا مُجَمِّعَ بْنَ يَزِيدٍ الأنْصَارِيَّ

стр. 4923

وَرِجالًا كَثِيرًا، فَقالُوا: نَشْهَدُ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "لَا يمنَعْ جارٌ جارَهُ أنْ يغْرِزَ خَشَبًا في جِدَارِهِ"، فَقالَ الحالِفُ: أيْ أخِي قَدْ عَلِمْتُ أنَّكَ مَقْضِيٌّ لَكَ عَلَيَّ، وَقَدْ حَلَفْتُ فاجْعَلْ اسْطوَانًا دُونَ جِدَارِي، فَفَعَلَ الآخَرُ فَغَرَزَ في الاسْطُوَانِ خَشَبَهُ (١). رَوَاهُمَا أحْمَدُ وَابْنُ ماجَه). [حسن لغيره] أما حديث ابن عباس، فأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢) والبيهقي (٣) والطبراني (٤) وعبد الرزاق (٥). قال ابن كثير (٦): أما حديث: "لا ضرر ولا ضرار"، فرواه ابن ماجه (٧) عن عبادة بن الصامت.

стр. 4924

وروي من حديث ابن عباس (١)، وأبي سعيد الخدري (٢) وهو حديث مشهور، اهـ. وهو أيضًا عند ابن ماجه (٣) والدارقطني (٤) والحاكم (٥) والبيهقي (٦) من حديث أبي سعيد. وعند البيهقي (٧) أيضًا من حديث عبادة. وعند الطبراني في الكبير (٨) وأبي نعيم (٩) من حديث ثعلبة بن مالك القرظي

стр. 4925

وما فيه من جعل الطريق سبعة أذرع ثابت في الصحيحين من حديث أبي هريرة سيأتي (١). وأما حديث مجمِّع، فأخرجه أيضًا ابن ماجه (٢) والبيهقي (٣) وسكت عنه الحافظ في التلخيص (٤)، وعكرمة بن سلمة بن ربيعة المذكور مجهول. قوله: (لا يمنع) بالجزم على النهي.

стр. 4926

وفي رواية لأحمد (١): "لا يمنعن". وفي لفظ للبخاري (٢) بالرفع على الخبرية وهي في معنى النهي. قوله: (خشبه) قال القاضي عياض (٣): "رويناه في مسلم وغيره من الأصول بصيغة الجمع والإفراد، ثم قال: وقال عبد الغني بن سعيد: كل الناس تقوله بالجمع إلا الطحاوي (٤) فإنه قال عن رَوْح بن الفرج: سألت أبا زيد والحارث بن بكير ويونس بن عبد الأعلى عنه، فقالوا كلهم: خشبة بالتنوين". ورواية مُجَمِّع (٥) تشهد لمن رواه بلفظ الجمع. وبؤيدها أيضًا ما رواه البيهقي (٦) من طريق شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: "إذا سأل أحدكم جاره أن يدعم جذوعه على حائطه فلا يمنعه". قال القرطبي (٧): "وإنما اعتنى هؤلاء الأئمة بتحقيق الرواية في هذا الحرف لأن أمر الخشبة الواحدة يخفّ على الجار المسامحة به بخلاف الأخشاب الكثيرة". والأحاديث تدل على أنه لا يحل للجار أن يمنع جاره من غرز الخشب في جداره ويجبره الحاكم إذا امتنع، وبه قال أحمد (٨) وإسحاق وابن حبيب من المالكية والشافعي في القديم وأهل الحديث. وقالت الحنفية والهادوية (٩) ومالك (١٠) والشافعي (١١) في أحد قوليه

стр. 4927

والجمهور: إنه يشترط إذن المالك ولا يجبر صاحب الجدار إذا امتنع، وحملوا النهي على التنزيه جمعًا بينه وبين الأدلة القاضية بأنه "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" (١). وتعقب بأن هذا الحديث أخص من تلك الأدلة مطلقًا فيبنى العام على الخاص. قال البيهقي: لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن يخصها، وحمل بعضهم الحديث على ما إذا تقدم استئذان الجار كما وقع في رواية لأبي داود (٢) بلفظ: "إذا استأذن أحدكم أخاه". وفي رواية لأحمد (٣): "من سأله جاره". وكذا في رواية لابن حبان (٤)، فإذا تقدم الاستئذان لم يكن للجار المنع إلا إذا لم يتقدم. قوله: (في جداره) الظاهر عود الضمير إلى المالك؛ أي: في جدار نفسه؛ وقيل: الضمير يعود على الجار الذي يريد الغرز؛ أي: لا يمنعه من وضع خشبه على جدار نفسه وإن تضرر به من جهة منع الضوء مثلًا. ووقع لأبي عوانة (٥) من طريق زياد بن سعد عن الزهري أنه يضع جذع على جدار نفسه ولو تضرر به جاره. والظاهر الأول، ويؤيده قوله في حديث ابن عباس (٦): "في حائط جاره"، وكذلك قوله في الحديث الآخر (٧): "فاجْعَلْ اسْطوَانًا دون جداري". قيل: وهذا الحكم مشروط عند القائلين بأنه يجب ذلك على الجار بحاجة من يريد الغرز إليه وعدم تضرر المالك، فإن تضرر لم يقدم حاجة جاره على

стр. 4928

حاجته، ولكنه لا يخفى أن إطلاق الأحاديث قاض بعدم اعتبار [عدم تضرر] (١) المالك، ولكنه يجب على من يريد الغرز أن يتوقى الضرر بما أمكن، فإن لم يمكن إلا بإضرارٍ وجب على الغارز إصلاحه، وذلك كما يقع عند فتح الجدار لغرز الجذوع. وأما اعتبار حاجة الغارز إلى الغرز فأمر لا بد منه. قوله: (ما لي أراكم عنها معرضين)، أي: عن هذه المقالة التي جاءت بها السنة، أو عن هذه الوصية أو الموعظة. قوله: (والله لأرمين بها بين أكتافكم) بالتاء الفوقية، أي: لأقرعنكم بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته. قال القاضي عياض (٢) وابن عبد البر (٣): وقد رواه بعض رواة الموطأ (٤) (أكنافكم) بالنون، والكنف: الجانب، ونونه مفتوحة، والمعنى لأصرخن بها بين جماعتكم ولا أكتمها أبدًا. وقال الخطابي (٥): معناه إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلنها: أي الخشبة على رقابكم كارهين، أراد بذلك المبالغة. وفي تعليق القاضي حسين (٦) أن أبا هريرة قال ذلك حين كان متوليًا بمكة أو المدينة، وكأنَّه قال له لما رآهم توقفوا عن قبول هذا الحكم كما وقع في رواية لأبي داود (٧): "أنهم نكسوا رؤوسهم لما سمعوا ذلك". قوله: ([لا ضرر] (٨) ولا ضرار)، هذا فيه دليل على تحريم الضرار على أي صفة كان من غير فرق بين الجار وغيره، فلا يجوز في صورة من الصور إلا بدليل يخص به هذا العموم، فعليك بمطالبة من جوز المضارة في بعض الصور

стр. 4929

بالدليل، فإن جاء به قبلته وإلا ضربت بهذا الحديث وجهه، فإنه قاعدة من قواعد الدين تشهد له كليات وجزئيات. وقد ورد الوعيد لمن ضارَّ غيره، فأخرج أبو داود (١) والنسائي (٢) والترمذي (٣) وحسنه من حديث أبي صِرمة بكسر الصاد المهملة مالك بن قيس الأنصاري، وهو ممن شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد. قال ابن عبد البر (٤) بلا خلاف قال: قال رسول الله ﷺ : "من ضار أضرّ الله به، ومن شاق شاقَّ الله عليه". واختلفوا في الفرق بين الضر والضرار، فقيل: إن الضرّ: فعل الواحد، والضرار: فعل الاثنين فصاعدًا. وقيل: الضرار: أن تضره من غير أن تنتفع، والضرّ: أن تضره وتنتفع أنت به. وقيل: الضرار: الجزاء على الضر، والضر: الابتداء. وقيل: هما بمعنى. قوله: (وللرجل أن يضع خشبه في حائط جاره)، فيه دليل على جواز وضع الخشبة في جدار الجار، وإذا جاز الغرز جاز الوضع بالأولى لأنه أخف منه. قوله: (فاجعلوه سبعة أذرع) [هذا] (٥) محمول على الطريق التي هي مجرى عامة المسلمين بأحمالهم ومواشيهم، فإذا تشاجر من له أرض يتصل بها مع من له فيها حق جعل عرضها سبعة أذرع بالذراع المتعارف في ذلك البلد بخلاف بنيات الطريق، فإن الرجل إذا جعل في بعض أرضه طريقًا مسبَّلة للمارين كان تقديرها
следующие страницы →