← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 4960–4999 · переход к 4965.

стр. 4960

[الكتاب السادس عشر] كتاب المساقاة والمزارعة [الباب الأول: على ماذا عامل رسول الله ﷺ اليهود في أرض خيبر؟] ١/ ٢٣٥٣ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أن النَّبِيّ ﷺ عامَلَ أهْلَ خَيْبَرَ بشَطْرِ مَا يخْرُج مِنْ ثَمَرٍ أوْ زَرْعٍ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (١). [صحيح] وَعَنْهُ أيضًا أنَّ النَّبي ﷺ لمَّا ظَهَرَ على خَيْبَرَ سألَتْهُ اليَهُودُ أنْ يُقِرَّهُمْ بِها على أنْ يَكْفُوهُ عَمَلهَا وَلهُم نِصْفُ الثمَرَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: "نُقركُم بِها على ذلك ما شِئْنا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] وَهُوَ حُجَّةٌ في أنهَا عَقْدٌ جائِزٌ. وَللبُخارِيّ (٣): أعْطَى يَهُودَ خَيْبَرَ أنْ يَعْمَلُوها وَيَزْرَعُوها وَلهُمْ شَطْرُ ما يخْرُجُ مِنْها. [صحيح] ولمُسْلِمٍ (٤) وأبي دَاوُدَ (٥) وَالنَّسائيّ (٦): دَفَعَ إلى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وأرْضَهَا على أنْ يَعْمَلُوهَا مِنْ أمْوَالِهِمْ وَلرسُول الله ﷺ شَطْرُ ثَمَرِها. [صحيح] قُلْتُ: وَظاهِرُ هَذَا أن البَذْرَ منْهُمْ وأنَّ تَسْمِيَةَ نَصِيبِ العامِلِ تُغْنِي عَنْ تَسْمِية نَصِيبِ رَبّ المَال ويكُونُ الباقِي لَهُ). ٢/ ٢٣٥٤ - (وَعَنْ عُمَرَ أن النَّبِيَّ ﷺ عامَلَ - يَهُودَ خَيْبَرَ على أنْ نُخْرِجَهُمْ

стр. 4961

مَتَى شِئْنَا. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالبُخارِيُّ بمَعْناهُ) (٢). [صحيح] ٣/ ٢٣٥٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ خَيْبَرَ أرْضَهَا وَنخْلَهَا مُقَاسَمةً على النصْفِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَابْنُ ماجَهْ) (٤). [صحيح لغيره] ٤/ ٢٣٥٦ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَتِ الأنْصَارُ للنَّبِيّ ﷺ : اقْسِمْ بَيْنَنا وَبينَ إخْوَانِنَا النَّخْلَ، قالَ: "لا"، فَقالُوا: تَكُفْونا العَمَلَ وَنَشْرَكُكُمْ في الثَّمَرَة، فَقالُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا. رَوَاهُ البُخاريُّ) (٥). [صحيح] ٥/ ٢٣٥٧ - (وَعَنْ طاوُسٍ أن مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ أكْرَى الأرْضَ على عَهْد رَسُولِ الله ﷺ وأبي بَكْر وعمَرَ وعُثْمانَ على الثلُثِ وَالرُّبُعِ فَهُوَ يُعْمَلُ بِهِ إلى يَوْمِكَ هَذَا. رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ (٦). [صحيح] قَالَ البُخاري (٧)، وَقَالَ قَيْس بْنُ مُسْلِمٍ (٨)، عَنْ أبي جَعْفِرٍ (٩) قالَ: ما

стр. 4962

بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتِ هجْرةٍ إلَّا يَزْرَعُونَ على الثلُثِ والربُع، وَزَارَعَ عليّ (١)، وَسَعْدُ بْنُ مالِكٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ (٢)، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ (٣)، والقاسِمُ (٤)، وَعُرْوَةُ (٥)، وآلُ أَبي بَكْرٍ، وآل عَلَيّ، وآل عُمَرَ (٦)؛ قالَ: وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ على: إنْ جاء عُمَرُ بالبَذْر مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإنْ جاءُوا بالبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا) (٧).

стр. 4963

حديث ابن عباس رواه ابن ماجه (١) من طريق إسماعيل بن ثوبة وهو صدوق، وبقية رجاله رجال الصحيح. وحديث معاذ (٢) رجال إسناده رجال الصحيح، ولكن طاوس لم يسمع من معاذ (٣) وفيه نكارة لأن معاذًا مات في خلافة عمر ولم يدرك أيام عثمان. قوله: (كتاب المساقاة والمزارعة) المساقاة: ما كان في النخل والكرم وجميع الشجر الذي يثمر بجزء معلوم من الثمرة للأجير، وإليه ذهب الجمهور (٤)، وخصَّها الشافعي (٥) في قوله الجديد بالنخل والكرم؛ وخصها داود (٦) بالنخل. وقال مالك (٧): تجوز في الزرع والشجر، ولا تجوز في البقول عند الجميع. وروي عن ابن دينار أنه أجازها فيها. والحاصل أن من قال: إنها واردة على خلاف القياس قصرها على مورد النصّ؛ ومن قال إنها واردة على القياس ألحق بالمنصوص غيره. والمزارعة مفاعلة من الزراعة (٨) قاله المطرزي. وقال صاحب الإقليد (٩): من الزرع.

стр. 4964

والمخابرة (١) مشتقة من الخبير على وزن العليم: وهو الأَكَّار بهمزة مفتوحة وكاف مشددة وراء مهملة: وهو الزراع، والفلاح: الحراث، وإلى هذا الاشتقاق ذهب أبو عبيد (٢) والأكثرون من أهل اللغة (٣) والفقهاء. وقال آخرون: هي مشتقة من الخَبار بفتح الخاء المعجمة وتخفيف الباء الموحدة: وهى الأرض الرخوة (٤). وقيل (٥): من الخُبر بضم الخاء: وهو النصيب من سمك أو لحم. وقال ابن الأعرابي (٦): هي مشتقة من خيبر لأن أول هذه المعاملة فيها. وفسر أصحاب الشافعي المخابرة بأنها العمل على الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل. وقيل: إن المساقاة والمزارعة والمخابرة بمعنى واحد، وإلى ذلك يشير كلام الشافعي؛ فإنه قال في الأم (٧) في باب المزارعة: وإذا دفع رجل إلى رجل أرضًا بيضاء على أن يزرعها المدفوع إليه فما خرج منها من شيء فله منه جزء من الأجزاء، فهذه المحاقلة والمخابرة والمزارعة التي ينهى عنها رسول الله ﷺ ، اهـ. وإلى نحو ذلك يشير كلام البخاري وهو وجه للشافعية. وقال في القاموس (٨): المزارعة: المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها ويكون البذر من مالكها. وقال (٩): المخابرة أن يزرع على النصف ونحوه. اهـ. قوله: (بشطر ما يخرج) فيه جواز المزارعة بالجزء المعلوم من نصف أو

стр. 4965

ربع أو ثمن أو نحوها، والشطر هنا بمعنى النصف (١)، وقد يأتي بمعنى النحو والقصد (٢). ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (٣)، أي نحوه. قوله: (نُقِرُّكُم بها على ذلِكَ مَا شِئْنَا)، المراد: أنا نمكنكم من المقام إلى أن نشاء إخراجكم، لأنه ﷺ كان عازمًا على إخراجهم من جزيرة العرب كما أمر بذلك عند موته. واستدل به على جواز المساقاة مدة مجهولة، وبه قال أهل الظاهر (٤) وخالفهم الجمهور (٥)، وتأولوا الحديث بأن المراد مدة العهد وأن لنا إخراجكم بعد انقضائها ولا يخفى بعده. وقيل: إن ذلك كان في أول الأمر خاصة للنبي ﷺ ، وهذا يحتاج إلى دليل. قوله: (ما بالمدينة أهل بيت هجرة … ) إلخ، هذا الأثر أورده البخاري (٦) ووصله عبد الرزاق (٧). قوله: (وزارع علي … ) إلخ، أما أثر علي فوصله ابن أبي شيبة (٨). وأما أثر ابن مسعود وسعد بن مالك وصلهما ابن أبي شيبة (٩). وأما أثر عمر بن عبد العزيز فوصله ابن أبي شيبة (١٠) أيضًا. وأما أثر القاسم وهو ابن محمد بن أبي بكر فوصله عبد الرزاق (١١). وأما أثر عروة وهو ابن الزبير فوصله ابن أبي شيبة (١٢).

стр. 4966

وأما أثر آلِ أبي بكر وآل علي وآل عمر فوصله ابن أبي شيبة (١) أيضًا وعبد الرزاق (٢). وأما أثر عمر في معاملة الناس فوصله ابن أبي شيبة (٣) أيضًا والبيهقي (٤). وقد ساق البخاري في صحيحه عن السلف غير هذه الآثار، ولعله أراد بذكرها الإشارة إلى أن الصحابة لم ينقل عنهم الخلاف في الجواز خصوصًا أهل المدينة. وقد تمسك بالأحاديث المذكورة في الباب جماعة من السلف. قال الحازمي (٥): [وروي] (٦) عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى، وابن شهاب الزهري، ومن أهل الرأي أبو يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن، فقالوا: تجوز المزارعة والمساقاة بجزء من الثمر أو الزرع، قالوا: ويجوز العقد على المزارعة والمساقاة مجتمعين، [فتساقيه] (٧) على النخل، [وتزارعه] (٨) على الأرض كما جرى في خيبر، ويجوز العقد على كل واحدة منهما منفردة. وأجابوا عن الأحاديث القاضية بالنهي عن المزارعة بأنها محمولة على التنزيه. وقيل: إنها محمولة على ما إذا اشترط صاحب الأرض ناحية منها معينة. وقال طاوس (٩) وطائفة قليلة: لا يجوز كراء الأرض مطلقًا لا بجزء من

стр. 4967

الثمر والطعام ولا بذهب ولا بفضة ولا بغير ذلك، وذهب إليه ابن حزم (١) وقواه واحتج له بالأحاديث المطلقة في ذلك وستأتي. وقال الشافعي (٢) وأبو حنيفة (٣) والعترة (٤) وكثيرون: إنه يجوز كراء الأرض بكل ما يجوز أن يكون ثمنًا في المبيعات. من الذهب والفضة والعروض وبالطعام سواء كان من جنس ما يزرع في الأرض أو غيره لا بجزء من الخارج منها. وقد أطلق ابن المنذر (٥) أن الصحابة أجمعوا على جواز كراء الأرض بالذهب والفضة. ونقل ابن بطال (٦) اتفاق فقهاء الأمصار عليه، وتمسكوا بما سيأتي من النهي عن المزارعة بجزء من الخارج. وأجابوا عن أحاديث الباب بأن خيبر فتحت عنوة، فكان أهلها عبيدًا له ﷺ ، فما أخذه من الخارج منها فهو له وما تركه فهو له. وروى الحازمي (٧) هذا المذهب عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، ورافع بن خديج، وأسيد بن حضير، وأبي هريرة، ونافع، قال: وإليه ذهب مالك، والشافعي، ومن الكوفيين أبو حنيفة، اهـ. وقال مالك: إنه يجوز كراء الأرض بغير الطعام والثمر لا بهما لئلا يصير من بيع الطعام بالطعام، وحمل النهي عن ذلك، هكذا حكي عن صاحب الفتح (٨). قال ابن المنذر (٩): ينبغي أن يحمل ما قاله مالك على ما إذا كان المكرى به من الطعام جزءًا مما يخرج منها؛ فأما إذا اكتراها بطعام معلوم في ذمة المكتري أو بطعام حاضر يقضيه المالك فلا مانع من الجواز.

стр. 4968

وقال أحمد بن حنبل (١): يجوز إجارة الأرض بجزء من الخارج منها إذا كان البذر من رب الأرض، حكى ذلك عنه الحازمي (٢). واعلم أنه قد وقع لجماعة لا سيما من المتأخرين اختباط في نقل المذاهب في هذه المسألة حتى أفضى ذلك إلى أن بعضهم يروي عن العالم الواحد الأمرين المتناقضين، وبعضهم يروي قولًا لعالم آخر ويروي عنه نقيضه، ولا جرم فالمسألة باعتبار اختلاف المذاهب فيها وتعيين راجحها من مرجوحها من المعضلات. وقد جمعت فيها رسالة مستقلة (٣)، وسيأتي تحقيق ما هو الحق، وتفصيل بعض المذاهب، والإشارة إلى حجة كل طائفة ودفعها.

стр. 4969

[الباب الثاني] باب فساد العقد إذا شرط أحدهما لنفسه التبن أو بقعة بعينها ونحوه ٦/ ٢٣٥٨ - (عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيج قالَ: كُنَّا أكْثَرَ الأنْصارِ حَقْلًا، فَكُنَّا نُكْرِي الأرْضَ على أنَّ لَنا هَذِهِ وَلهم هَذِهِ، فَرُبَّمَا أخْرَجَتْ هَذِهِ وَلْم تُخْرِجْ هَذِهِ، فَنَهَانا عَنْ ذلكَ؛ فأمَّا الوَرِقُ فَلَمْ يَنْهَنَا. أخْرَجاهُ (١). [صحيح] وَفِي لَفْظٍ: كُنَّا أكْثَرَ أهْلِ الأرْضِ مُزْدَرعًا، كُنَّا نُكْرِي الأرْضَ بالنَّاحِيَةِ مِنْها تُسَمَّى لِسَيِّدِ الأرْضِ، قالَ: فَرُبَّما يُصَابُ ذلكَ وَتَسْلَمُ الأرْضُ، وَرُبَّمَا تُصَابُ الأرْضُ وَيَسْلَمُ ذلكَ، فَنُهِينَا. فأمَّا الذَّهَبُ وَالوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ. رَوَاهُ البُخارِي (٢). [صحيح]

стр. 4970

وفِي لَفْظٍ قالَ: إنَّمَا كانَ النَّاسُ يُؤَاجُرونَ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ بِمَا على المَاذِياناتِ وأقْبالِ الجَدَاوِلِ وأشْياءَ مِنَ الزّرْعِ فَيَهْلِكُ هَذَا وَيَسْلَمُ هَذَا، وَيَسْلَمُ هَذا وَيهْلكُ هَذَا، وَلم يَكُن للنَّاسِ كِرًى إلَّا هَذَا، فَلِذَلِكَ زُجِرَ عَنْهُ؛ فأمَّا شَيْءٌ مَعْلُومٌ مَضْمُونٌ فَلَا بأسَ بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) وأبُو دَاوُدَ (٢) والنَّسائيُّ (٣). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ رَافِع قالَ: حَدَّثَنِي عَمَّايَ أنَّهُما كان يُكْرِيانِ الأَرْض على عَهْد رَسُولِ الله ﷺ بِمَا يَنْبُتُ على الأرْبعاء وَبِشَيْء يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأرْضِ، قالَ: فَنَهَى النَّبِي ﷺ عَنْ ذلكَ. رَوَاهُ أحْمَد (٤) وَالبُخارِيّ (٥) وَالنَّسائيُّ (٦). [صحيح] وَفِي رِوَايةٍ عَنْ رَافِعٍ أن النَّاسَ كانُوا يُكْرُون المَزَارعَ في زَمانِ النَّبِي ﷺ بالمَاذِياناتِ وَما يَسْقِي الرَّبيعُ وَشَيء مِنَ التِّبْنِ، فَكَرِهَ رَسُولُ الله ﷺ كِرَى المَزَارع بِهَذَا وَنَهَى عَنها. رَوَاهُ أحْمَدُ) (٧). [حسن] قوله: (حَقْلًا) أي: أهل مزارعة، قال في القاموس (٨): المحاقل: المزارع، والمحاقلة: بيع الزرع قبل بدو صلاحه أو بيعه في سنبله بالحنطة، أو المزارعة بالثلث والربع أو أقل أو أكثر، أو إكراء الأرض بالحنطة، اهـ. قوله: (فنهانا عن ذلك) أي: عن كري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه،

стр. 4971

فيصلح التمسك بهذا المذهب لمن قال: إن المنهي عنه إنما هو هذا النوع ونحوه من المزارعة. وقد حكى في الفتح (١) عن الجمهور أن النهي محمول على الوجه المفضي إلى الغرر والجهالة، لا عن إكرائها مطلقًا حتى بالذهب والفضة. قال (٢): ثم اختلف الجمهور في جواز إكرائها بجزء مما يخرج منها، فمن قال بالجواز حمل أحاديث النهي على التنزيه. قال (٢): ومن لم يجز إجارتها بجزء مما يخرج قال: النهي عن إكرائها محمول على ما إذا اشترط صاحب الأرض ناحية منها، أو شرط ما ينبت على النهر لصاحب الأرض لما في كل ذلك من الغرر والجهالة، اهـ. قوله: (فأما الورق فلم ينهنا) لا منافاة بين هذه الرواية وبين الرواية الثانية، أعني قوله: "فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذٍ"، لأن عدم النهي عن الورق لا يستلزم وجوده ولا وجود المعاملة به. وفي رواية عن رافع عند البخاري (٣) أنه قال: "ليس بها بأس بالدينار والدرهم". قال في الفتح (٤): يحتمل أن يكون رافع قال ذلك باجتهاده، ويحتمل أن يكون علم ذلك بطريق التنصيص على جوازه، أو علم أن النهي عن كري الأرض ليس على إطلاقه، بل بما إذا كان بشيء مجهول ونحو ذلك، فاستنبط من ذلك جواز الكري بالذهب والفضة، ويرجح كونه مرفوعًا ما أخرجه أبو داود (٥) والنسائي (٦) بإسناد صحيح عنه قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة وقال: إنما يزرع ثلاثة: رجل له أرض، ورجل منح أرضًا، ورجل اكترى أرضًا بذهب أو فضة".

стр. 4972

لكن بيَّن النسائي (١) من وجه آخر أن المرفوع منه النهي عن المحاقلة والمزابنة، وأن بقيته مدرج من كلام سعيد بن المسيب. وقد أخرج أبو داود (٢) والنسائي (٣) ما هو أظهر في الدلالة على الرفع من هذا وهو حديث سعد بن أبي وقاص الآتي (٤). قوله: (بما على الماذيانات) بذال معجمة مكسورة ثم مثناة تحتية ثم ألف ثم نون ثم ألف ثم مثناة فوقية هذا هو المشهور (٥). وحكى القاضي عياض (٦) عن بعض الرواة فتح الذال في غير صحيح مسلم، وهي ما ينبت على حافة النهر ومسايل الماء، وليست عربية ولكنها سوادية، وهي في الأصل مسايل المياه، فتسمية النابت عليها باسمها كما وقع في بعض الروايات بلفظ يؤاجرون على الماذيانات مجاز مرسل، والعلاقة المجاوَرَةُ، أو الحالية والمحلية: "قوله: (وأقبال الجداول) (٧) بفتح الهمزة وسكون القاف وتخفيف الموحدة، أي: أوائل. والجداول (٨): السواقي، جمع جدول: وهو النهر الصغير. قوله: (وأشياء من الزرع) يعني مجهول المقدار، ويدل على ذلك قوله في آخر الحديث: (فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به). قوله: (فيهلك) بكسر اللام: أي فربما يهلك. قوله: (زجر عنه) على البناء للمجهول: أي نهى عنه، وذلك لما فيه من الغرر المؤدي إلى التشاجر وأكل أموال الناس بالباطل.

стр. 4973

قوله: (على الأربعاء) (١) جمع ربيع: وهو النهر الصغير كنبي وأنبياء، ويجمع أيضًا على ربعان كصبي وصبيان. قوله: (يستثنيه) من الاستثناء كأنه يشير إلى استثناء الثلث والربع، كذا قال في الفتح (٢). واستدلّ على أن هذا هو المراد برواية أخرى ذكرها البخاري، ولكنه ينافي هذا التفسير قوله في الرواية الأولى: "فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به". وهذا الحديث يدل على تحريم المزارعة على ما يقضي إلى الغرر والجهالة ويوجب المشاجرة، وعليه تحمل الأحاديث الواردة في النهي عن المخابرة كما هو شأن حمل المطلق على المقيد. ولا يصح حملها على المخابرة التي فعلها النبي ﷺ في خيبر لما ثبت من أنه ﷺ استمر عليها إلى موته، واستمر على مثل ذلك جماعة من الصحابة (٣). ويؤيد هذا تصريح رافع في هذا الحديث بجواز المزارعة على شيء معلوم مضمون، ولا يشكل على جواز المزارعة بجزء معلوم حديث أسيد بن ظهير الآتي (٤)، فإن النهي فيه ليس بمتوجه إلى المزارعة بالنصف والثلث والربع فقط، بل إلى ذلك مع اشتراط ثلاث جداول والقُصَارة (٥) وما يسقي الربيع. ولا شكّ أن مجموع ذلك غير المخابرة التي أجازها ﷺ وفعلها في خيبر، نعم حديث رافع عند أبي داود (٦) والنسائي (٧) وابن ماجه (٨) بلفظ: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها ولا يكارها بثلث ولا ربع ولا بطعام مسمًّى".

стр. 4974

وكذلك حديثه أيضًا عند أبي داود (١) بإسناد فيه بكر بن عامر البجلي الكوفي وهو مُتَكَلَّم فيه "قال: إنه زرع أرضًا فمرَّ به النبيّ ﷺ يسقيها، فسأله: لمن الزرع ولمن الأرض؟ فقال: زرعي ببذري وعملي ولي الشطر ولبني فلان الشطر، فقال: أرْبَيْتُما فَرُدَّ الأرض على أهلها وخذ نفقتك". ومثله حديث زيد بن ثابت عند أبي داود (٢) قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة، قلت: وما المخابرة؟ قال: أن يأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع" فيها دليل على المنع من المخابرة بجزء معلوم. ومثل هذه الأحاديث حديث أسيد الآتي (٣) على فرض أنه نهى عن المزارعة بجزء معلوم وعدم تقييده بما فيه من كلام أسيد كما سيأتي، ولكنه لا سبيل إلى جعلها ناسخة لما فعله ﷺ في خيبر لموته وهو مستمر على ذلك وتقريره لجماعة من الصحابة عليه، ولا سبيل إلى جعل هذه الأحاديث المشتملة على النهي منسوخة بفعله ﷺ وتقريره لصدور النهي عنه في أثناء مدة معاملته، ورجوع جماعة من الصحابة إلى رواية من روى النهي، والجمع ما أمكن هو الواجب. وقد أمكن هنا بحمل النهي على معناه المجازي وهو الكراهة، ولا يشكل على هذا قوله ﷺ : "أربيتما" في حديث رافع المذكور، وذلك بأن يقال: قد وصف النبي ﷺ هذه المعاملة بأنها ربا، والربا حرام بالإجماع فلا يمكن الجمع بالكراهة، لأنا نقول: الحديث لا ينتهض للاحتجاج به للمقال الذي فيه، ولا سيما مع معارضته للأحاديث الصحيحة الثابتة من طرق متعددة الواردة بجواز المعاملة بجزء معلوم، وكيف يصحّ أن يكون ذلك ربا وقد مات رسول الله ﷺ عليه ومات عليه جماعة من أجلاء الصحابة، بل يبعد أن يعامل النبي ﷺ المعاملة المكروهة ويموت عليها، ولكنه ألجأنا إلى القول بذلك الجمع بين الأحاديث؛ وهذا ما نرجحه في هذه المسألة. ولا يصح الاعتذار عن الأحاديث القاضية بالجواز بأنها مختصة به ﷺ لما

стр. 4975

تقرر أنه ﷺ إذا نهى عن شيء نهيًا مختصًا بالأمة وفعل ما يخالفه كان ذلك الفعل مختصًا به، لأنا نقول: (أولًا): النهي غير مختص بالأمة. (وثانيًا): أنه ﷺ قرر جماعة من الصحابة على مثل معاملته في خيبر إلى عند موته. (وثالثًا): أنه قد استمر على ذلك بعد موته ﷺ جماعة من أجلاء الصحابة، ويبعد كل البعد أن يخفى عليهم مثل هذا. ومن أوضح ما استدل به على كراهة المزارعة بجزء معلوم حديث ابن عباس الآتي (١). ٧/ ٢٣٥٩ - (وَعَنْ أسيدِ بْنِ ظَهيرٍ قالَ: كانَ أحدُنَا إذَا اسْتَغْنَى عَنْ أرْضِهِ أوِ افْتَقَرَ إلَيْها أعْطاها بالنصْفِ وَالثلُث وَالربُعِ، ويَشْتَرِطُ ثَلاثَ جَدَاوِلَ وَالقُصَارَةَ وَما يَسْقي الربيعُ، وكانَ يَعْمَلُ فِيها عَمَلًا شَدِيدًا وَيُصيبُ مِنْها مَنْفَعَةَ، فأتانا رَافعُ بْنُ خَدِيجٍ فَقَالَ: نَهَى النبي ﷺ عَنْ أمْرٍ كانَ لَكُم نافعًا، وَطاعَةُ رَسُولِ الله ﷺ خَيْرٌ لَكُمْ، نَهاكُمْ عَنِ الحَقْلِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَابْنُ ماجَه (٣). [صحيح] وَالقُصَارَةُ: بَقِية الحَبّ فِي السُّنْبُلِ بَعَدَ ما يُدَاسُ). الحديث أخرجه أيضًا أبو داود (٤) والنسائي (٥) بدون كلام أسيد بن ظهير، ورجال إسناد الحديث رجال الصحيح. قوله: (والقصارة) قال في القاموس (٦): والقصارة بالضم والقصرى بالكسر والقصر والقصرة محركتين، والقُصرى كبشرى: ما يبقى في المنخل بعد الانتخال،

стр. 4976

أو ما يخرج من القت بعد الدوسة الأولى والقشرة العليا من الحبة، اهـ. قوله: (عن الحقل) بفتح الحاء المهملة وإسكان القاف، أصله كما قال الجوهري (١) الحقل: الزرع إذا تشعب ورقه قبل أن تغلظ سوقه، والحقل: القراح الطيب يعني من الأرض الصالحة للزراعة، والمحاقل: مواضع الزراعة كما أن المزارع مواضعها. وقد بيَّن البخاري (٢) المحاقل التي نهى عنها ﷺ من رواية رافع قال فيه: "ما تصنعون بمحاقلكم؟ قالوا: نؤاجرها على الربع وعلى الأوسق من التمر والشعير، قال: لا تفعلوا". والحديث يدلّ على عدم جواز مطلق المزارعة، ولكنه ينبغي أن يقيد بما في أوله من كلام أسيد من ضم الاشتراط المقتضي للفساد وعلى فرض عدم تقييده بذلك فيحمل على كراهة التنزيه لما أسلفنا. ٨/ ٢٣٦٠ - (وعنْ جابِرٍ قال: كنا نُخابِرُ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فَنُصيبُ مِنَ القُصْرَى وَمِنْ كَذَا وَمِنْ كَذَا، فَقالَ النبي ﷺ : "مَنْ كانَ لَهُ أرْض فَلْيَزْرَعْها أوْ لِيُحْرِثْها أخَاهُ وإلا فَلْيَدَعْهَا" رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَمُسْلِمٌ (٤). والقُصْرى: القُصَارةُ). [صحيح] قوله: (والقصرى) قد سبق ضبطه وتفسيره. قوله: (فليزرعها) بفتح التحتية والراء: أي بنفسه. قوله: (أو ليحرثها) بضم التحتية وكسر الراء: أي يجعلها مزرعة لأخيه بلا عوض، وذلك بأن [يعيره إياها] (٥)، ويشهد لهذا المعنى الرواية الآتية (٦) بلفظ: "لأن يمنح أحدكم أخاه"، أي يجعلها منحة له، والمنحة (٧): العارية.

стр. 4977

وفيه دليل على المنع من مؤاجرة الأرض مطلقًا لقوله: "وإلا فليدعها". ولكن ينبغي أن يحمل هذا المطلق على المقيد بما سلف في حديث رافع أو يكون الأمر للندب فقط لما أسلفنا ولما سيأتي. وقد كره بعض العلماء تعطيل الأرض عن الزراعة لأن فيه تضييع المال. وقد نهى ﷺ عن إضاعة المال (١)، وقدم في هذا الحديث زراعة الأرض من المالك نفسه لما في ذلك من الفضيلة، فإن الاشتغال بالعمل فيها والاستغناء عن الناس بما يحصل [عن] (٢) ثمرها من القرب العظيمة مع ما في ذلك من الاشتغال عن الناس والتنزه عن مخالطتهم التي هي لا سيما في مثل هذا الزمان سم قاتل وشغل عن الرب ﷻ شاغل إذا لم يكن في الإقبال على الزراعة تثبط عن شيء من الأمور الواجبة كالجهاد. وقد أورد البخاري في صحيحه (٣) حديثًا في فضل الزرع والغرس، وترجم عليه (٤): باب فضل الزرع والغرس، ورواه مسلم (٥) من حديث أنس. ٩/ ٢٣٦١ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ أن أصحَابَ المَزَارعِ في زَمَن النبِيِّ ﷺ كانُوا يُكْرُونَ مَزَارِعَهُمْ بِمَا يَكُون على السواقي، وَما سعِدَ بالمَاء مما حَوْلَ النبْتِ، فَجاءُوا رَسُولَ الله ﷺ فاخْتَصَمُوا فِي بَعْض ذلكَ فَنَهاهُمْ أنْ يُكْروا بِذَلكَ وَقَالَ: "أكْرُوا بالذهَبِ وَالفِضةِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وأبُو دَاوُدَ (٧) وَالنَّسائي (٨). [حسن]

стр. 4978

وَمَا وَرَدَ مِنَ النهْي المُطْلَقِ عن المُخابَرَةِ وَالمُزَارَعَةِ يُحْملُ على ما فيهِ مَفْسَدَةٌ كما بَيَّنَتْهُ هَذه الأحاديثُ أو يُحْمَلُ على اجْتِنابِها نَدْبًا وَاسْتِحْبَابًا، فَقَدْ جاءَ ما يَدُل على ذلكَ. فَرَوَى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ قالَ: قُلْتُ لِطاوُسٍ: لَوْ تَرَكْتَ المُخابَرَةَ فإنَّهمْ يَزْعُمُون أن النَّبِي ﷺ نَهَى عَنْها، فَقالَ: إنَّ أعْلَمَهُمْ، يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ أخْبَرَنِي أن النَّبِيّ ﷺ لَمْ يَنْهَ عَنْهَا وَقَالَ: "لأنْ يَمْنَحَ أحَدُكُمْ أخاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يأخُذَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالبُخارِيّ (٢) وَابْنُ ماجَهْ (٣) وأبُو دَاوُدَ) (٤). [صحيح] ١٠/ ٢٣٦٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النَّبِيّ ﷺ لَمْ يُحَرِّمِ المُزَارَعَةَ، وَلَكِنْ أمَرَ أنْ يَرفَقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ) (٥). [صحيح] ١١/ ٢٣٦٣ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ كانَتْ لَهُ أرْضٌ فَلْيَزْرَعْها أوْ لِيُحْرِثها أخاهُ، فإن أبَى فَلْيُمْسِكْ أرْضَهُ"، أخْرجاه) (٦). [صحيح] وَبالإجمَاعِ تَجُوزُ الإِجارَةُ وَلا تَجِبُ الإِعارَةُ، فَعُلِمَ أنَّهُ أرَادَ النَّدْبَ). حديث سعد سكت عنه أبو داود (٧) والمنذري (٨). قال في الفتح (٩): ورجاله ثقات إلا أن محمد بن عكرمة المخزومي لم يرو عنه إلا إبراهيم بن سعد. قوله: (وما سَعِد) بفتح السين وكسر العين المهملتين، قيل: معناه بما جاء من الماء سيحًا لا يحتاج إلى ساقية. وقيل: معناه ما جاء من الماء من غير طلب.

стр. 4979

وقال الأزهري (١) والسعيد: النهر مأخوذ من هذا. وسواعد النهر التي تنصب إليه مأخوذة من هذا، وفي رواية "ما صعد" (٢) بالصاد بدل السين: أي ما ارتفع من النبت بالماء، دون ما سفل منه. قوله: (بالذهب والفضة)، فيه رد على طاوس حيث كره إجارة الأرض بالذهب والفضة كما روى عنه مسلم (٣) والنسائي (٤) من طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار قال: كان طاوس يكره أن يؤاجر أرضه بالذهب والفضة ولا يرى بالثلث والربع بأسًا، فقال له مجاهد: اذهب إلى ابن رافع بن خديج فاسمع حديثه عن أبيه، فقال: لو أعلم أن رسول الله ﷺ نهى عنه لم أفعله، ولكن حدثني من هو أعلم منه: ابن عباس، فذكر الحديث الذي ذكره المصنف. وللنسائي (٥) أيضًا من طريق عبد الكريم عن مجاهد قال: أخذت بيد طاوس فأدخلته إلى ابن رافع بن خديج فحدثه عن أبيه "أن النبي ﷺ نهى عن كراء الأرض"، فأبى طاوس وقال: سمعت ابن عباس لا يرى بذلك بأسًا. وهذه الرواية عن طاوس تدل على أنه كان لا يمنع من كراء الأرض مطلقًا. وقد حكى صاحب الفتح (٦) عنه أنه يمنع مطلقًا كما قدمنا. وقد استدل بهذا الحديث من جوَّز كراء الأرض بالذهب والفضة، وقد تقدم ذكرهم. وألحقوا بهما غيرهما من الأشياء المعلومة، لأنهم رأوا أن محل النهي فيما لم يكن معلومًا ولا مضمونًا. وفي هذا الحديث أيضًا رد على من منع من كراء الأرض مطلقًا كما تقدم. قوله: (وما ورد من النهي … ) إلخ، مثل حديث جابر عند أبي داود (٧) بلفظ:

стр. 4980

"سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله". وحديث زيد بن ثابت عند أبي داود (١) قال: "نهى رسول الله ﷺ عن المخابرة"، وقد تقدم. ومثل حديث جابر أيضًا عند مسلم (٢) وأبي داود (٣) وابن ماجه (٤) بلفظ: "نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة" الحديث. ومثل حديث ثابت بن الضحاك عند مسلم (٥): "أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة". وحديث رافع عند أبي داود (٦): "أن النبي ﷺ نهى عن كراء الأرض". وأصله في الصحيحين (٧) ونحو هذه الأحاديث الواردة بالنهي عن الإطلاق، وقد ذكر المصنف في هذا الباب طرفًا منها، وأوردنا بعضًا من ذلك فيما سلف، وكلام المصنف هذا كلام حسن، ولا بد من المصير إليه [للجمع] (٨) بين الأحاديث المختلفة، وهو الذي رجحناه فيما سلف. قوله: (لم ينه عنها)، هذا لا ينافي رواية من روى النهي عنه ﷺ لأن المثبت مقدم على النافي، ومن علم حجة على من لم يعلم. ولكن قوله: "لأن يمنح أحدكم أخاه خير له … " إلخ، يصلح جعله قرينة لصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة كما سلف. وقوله: "يمنح" بفتح التحتية وسكون الميم وفتح النون بعدها حاء مهملة، ويجوز كسر النون، والمراد يجعلها منيحة: أي عطية وعارية كما تقدم.

стр. 4981

وهكذا يدل على أن النهي ليس على حقيقته، ما في الرواية الثانية عن ابن عباس من أن النبي ﷺ لم يحرم المزارعة، ولكن أمر أن يرفق بعضهم ببعض. قوله: (فليزرعها أو ليحرثها)، قد تقدم الكلام على هذا. قوله: (فليمسك أرضه)، قد قدمنا أن بعض العلماء كره تعطيل الأرض عن الزراعة لما ورد من النهي عن إضاعة المال. وهذه الرواية والتي سلفت في حديث جابر يدلان على جواز ترك الأرض بغير زراعة. وقد جمع بين الرواية القاضية بالنهي عن ذلك وبين ما هنا بحمل النهي عن الإضاعة على إضاعة عين المال أو المنفعة التي لا يخلفها منفعة، والأرض إذا تركت بغير زرع لم تتعطل منفعتها، فإنها قد تنبت من الحطب والحشيش وسائر الكلأ ما ينفع في الرعي وغيره، وعلى تقدير أن لا يحصل ذلك، فقد يكون التأخير للزرع عن الأرض إصلاحًا لها [فتخلف] (١) في السنة التي تليها ما لعله فات في سنة الترك، وهذا كله إن حمل النهي على عمومه. فأما لو حمل على ما كان مألوفًا لهم من الكراء بجزء مما يخرج منها ولا سيما إذا كان غير معلوم فلا يستلزم ذلك تعطيل الانتفاع بها في الزراعة، بل يكريها بالذهب أو الفضة كما تقرر ذلك. قوله: (وبالاجماع تجوز الإجارة … ) إلخ، استدل المصنف ﵀ بهذا على ما ذكره من الندب لأن العارية إذا لم تكن واجبة بالإجماع من غير فرق بين المزارعة وغيرها لم يجب على الإنسان أن يزرع أرضه بنفسه أو يعيرها أو يعطلها، بل يجوز له أمر رابع وهو الإجارة لأنها جائزة بالإجماع، والعارية لا تجب بالإجماع فلا تجب عليه، وإذا انتفى الوجوب بقي الندب.

стр. 4982

[الكتاب السابع عشر] [كتاب] (١) الإجارة [الباب الأول] باب ما يجوز الاستئجار عليه من النفع المباح ١/ ٢٣٦٤ - (عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ الهِجْرَةِ قالَتْ: وَاسْتأجَرَ النَّبِيّ ﷺ وأبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الديلِ هادِيًا خِرّيتًا، وَالخِرّيتُ: المَاهِرُ بالهِدَايَةِ، وَهُوَ على دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ وأمِناهُ، فَدَفَعا إلَيْهِ رَاحلَتَيْهِما وَوَاعَدَاهُ غارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاثِ لَيالٍ، فأتاهُمَا برَاحلَتَيْهِما صَبِيحَةَ لَيالٍ ثَلاثٍ فارْتَحَلَا. وَرَواهُ أحْمَدُ (٢) وَالبُخاريُّ) (٣). [صحيح] قوله: (واستأجر) الواو ثابتة في نفس الحديث الطويل، لأن هذه القصة معطوفة على قصة قبلها، وقد ساقها البخاري (٤) مستوفاة في الهجرة. قوله: (الدِّيل) بالكسر للدال: حي من عبد القيس ذكره صاحب القاموس (٥) في مادة دول، وذكر في مادة دأل أنه يطلق على قبائل وأنه يأتي بفتح الدال وبضمها وكعنب. قوله: (خِرّيتًا) (٦) بكسر المعجمة وتشديد الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم مثناة فوقانية، وقوله: الماهر بالهداية، مدرج من قول الزهري.

стр. 4983

قوله: (وأمِناه) بفتح الهمزة وكسر الميم المخففة: ضد الخيانة. قوله: (غار ثور) هو الغار المذكور في التنزيل، وثور جبل بمكة وليس هو الجبل الذي في المدينة المذكور في الحديث الصحيح: "إن المدينة حرام ما بين عير إلى ثور" (١)، وقد سبق الاختلاف فيه في كتاب الحج. والحديث فيه دليل على جواز استئجار المسلم للكافر على هداية الطريق إذا أمن إليه. وقد ذكر البخاري (٢) هذا الحديث في كتاب الإجارة وترجم عليه: باب استئجار المشركين عند الضرورة وإذا لم يوجد أهل الإسلام، وكأنه أراد الجمع بين هذا وبين قوله ﷺ : "أنا لا أستعين بمشرك"، أخرجه مسلم (٣) وأصحاب السنن (٤). قال ابن بطال (٥): الفقهاء يجيزون استئجارهم، يعني المشركين عند الضرورة وغيرها لما في ذلك من الذلة لهم، وإنما الممتنع أن يؤجر المسلم نفسه من المشرك لما فيه من الإذلال، اهـ. ٢/ ٢٣٦٥ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِي ﷺ قالَ: "ما بَعَثَ الله نَبِيًا إلَّا رَعَى الغَنَمَ"، فَقَالَ أصحَابُهُ: وأنْتَ؟ قالَ: "نَعَمْ كُنْتُ أرْعاها على قَرَارِيطَ لأهْلِ مَكَّةَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَالبُخارِيُّ (٧) وَابْنُ ماجَهْ (٨). [صحيح]

стр. 4984

وَقَالَ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ: يَعْني كُلّ شاةٍ بقيرَاطٍ. وَقال إبْرَاهِيمُ الحَرْبِيُّ: قَرَارِيطُ: اسْمُ مَوْضِعٍ). قوله: (على قراريط)، في رواية ابن ماجه (١): "كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط"، وكذا رواه الإسماعيلي (٢). وقد صوَّب ابن الجوزي وابن ناصر التفسير الذي ذكره إبراهيم الحربي (٢)، لكن رجح تفسير سويد بأن أهل مكة لا يعرفون بها مكانًا يقال له قراريط. وقد روى النسائي (٣) من حديث [نَصرُ بن حَزْن] (٤) بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها نون قال: "افتخر أهلُ الإبل والغنم، فقال رسول الله ﷺ : "بُعِثَ موسى وهو راعي غنم، وبُعث داودُ وهو راعي غنمٍ، وبُعِثْتُ وأنا راعي غنم أهلي بجياد". وزعم بعضهم أن في هذه الرواية ردًا لتأويل سويد بن سعيد لأنه ما كان يرعى بالأجرة لأهله فيتعيَّن أنه أراد المكان، فعبر تارة بجياد وتارة بقراريط. وتعقب بأنه لا مانع من الجمع وأنه كان يرعى لأهله بغير أجرة ولغيرهم بأجرة، وهم المراد بقوله أهل مكة. ويؤيد تفسير سويد قوله: "على قراريط"، فإن المجيء بعلى يدلّ على ما قاله، ولا ينافي ذلك جعلها بمعنى الباء التي للسببية، وأما جعلها بمعنى الباء التي للظرفية فبعيد. قال العلماء: الحكمة في إلهام رعي الغنم قبل النبوّة أن يحصل لهم التمرّن برعيها على ما سيكلفونه من القيام بأمر أمتهم، لأن في مخالطتهم ما يحصل

стр. 4985

الحلم والشفقة، لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفريقها في الرعي ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة، ألفوا من ذلك الصبر على الأمة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام به من أول وهلة لما يحصل لهم من التدرج بذلك، وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها، ولأن تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر لإمكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها. وفي الحديث دليل على جواز الإجارة على رعي الغنم، ويلحق بها في الجواز غيرها من الحيوانات. ٣/ ٢٣٦٦ - (وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ قالَ: جَلَبْتُ أنا وَمخْرَمَةُ العَبْدِيّ بَزًّا مِنْ هَجَرَ فأتَيْنا بِهِ مَكَّةَ، فَجاءَنَا رَسُولُ الله ﷺ يَمْشِي، فَساوَمَنا سَرَاوِيلَ فَبعْناهُ وَثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بالأجْرِ، فَقَالَ لَهُ: "زِنْ وأرْجِحْ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ وَصحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). [صحيح] وَفِيهِ دَلِيلٌ على أن مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا فِي إعْطاء شَيء لآخَرَ وَلَمْ يَقَدرْ جازَ ويُحْمَلُ على ما يَتَعارَفُهُ النَّاسُ فِي مَثْلِهِ. وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ جابِرٍ في بَيْعِهِ جَمَلَهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "يا بِلالُ اقْضِهِ وَزِدْهُ"، فأعْطاهُ أرْبعَةَ دَنانِيرَ وَزَادَهُ قِيرَاطًا. رَوَاهُ البُخارِيُّ (٢) وَمُسْلِمٌ) (٣). [صحيح].

стр. 4986

٤/ ٢٣٦٧ - (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ رِفاعَةَ قالَ: نَهانا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الأمّةِ إلَّا ما عَمِلَتْ بِيَدَيْها، وَقَالَ هَكَذَا بِأصَابِعِهِ نَحْوَ الخبْزِ وَالغزْلِ وَالنَّفْشِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَأبُو دَاوُدَ) (٢). [حسن] حديث سويد بن قيس سكت عنه أبو داود (٣) والمنذري (٤). وأخرج نحوه أبو داود (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧) عن أبي صفوان بن عمير. وقد تقدم في كتاب اللباس. وحديث رافع بن رفاعة إسناده ثقات، ولكنه قال أبو القاسم الدمشقي الحافظ في "الإشراق" (٨) عقب هذا الحديث: رافع هذا غير معروف (٩). وقال غيره: هو مجهول.

стр. 4987

وقد أخرجه أبو داود (١) وغيره (٢) من حديث أبي هريرة لكن بدون قوله: "إلا ما عملت بيديها … " إلخ. قوله: (ومخرمة) بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح الراء، وهو حليف بني عبد شمس. قوله: (بزًا) بفتح الباء الموحدة بعدها زاي مشددة: وهو الثياب (٣). وهجر بفتح الهاء والجيم: وهي مدينة قرب البحرين بينها وبينها عشر مراحل (٤). قوله: (سراويل) معرب جاء على لفظ الجمع وهو واحد أشبه ما لا ينصرف. قوله: (بالأجر) أي بالأجرة. وفيه دليل على جواز الاستئجار على الوزن لأن النبي ﷺ أمر الوزان أن يزن ثمن السراويل. قال أصحاب الشافعي: وأجرة وزان الثمن على المشتري كما أن أجرة وزان السلعة إذا احتيج إليه على البائع. قوله: (وأرجح) بفتح الهمزة وكسر الجيم: أي أعطه راجحًا. وفيه (٥) وفي حديث جابر (٦) الذي بعده دليل على استحباب ترجيح المشتري في وزن الثمن، ويقاس عليه ترجيح البائع في وزن المبيع أو كيله. وفيهما أيضًا دليل على جواز هبة المشاع، وذلك لأن مقدار الرجحان هبة منه للبائع وهو غير متميز من الثمن.

стр. 4988

وفيهما أيضًا جواز التوكيل في الهبة المجهولة، ويحمل على ما يتعارفه الناس كما قال المصنف، وقد ذكر ها هنا طرفًا من حديث جابر (١)، وقد تقدم طرفٌ منه في البيع. قوله: (عن كسب الأمة) الكسب في الأصل مصدر، تقول: كسبت المال أكسبه كسبًا، والمراد به ها هنا المكسوب. وفي الموطأ (٢) عن عثمان أنه خطب فقال: "لا تُكَلِّفوا الأمةَ غيرَ ذاتِ الصَّنْعَة، فإنَّكُم متى ما كلفتمُوها ذلكَ كَسِبَتْ بفرْجِها، ولا تُكلفوا الصغير الكسبَ، فإنه إذا لم يجد سرق". وفي حديث (٣): "أنه ﷺ نهى عن كسب الأمة - مخافة أن تبغي -". وقد كانت الجاهلية تجعل عليهن ضرائب فيوقعهن ذلك في الزنا وربما أكرهوهن عليه، فلما جاء الإسلام نهى عن ذلك، ونزل [قول الله تعالى] (٤): ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (٥) الآية. قوله: (وقال هكذا بأصابعه) يعني الثلاث، والخبز بفتح الخاء وسكون الباء بعدها زاي، يعني عجن العجين وخبزه، والغزل: غزل الصوف والقطن والكتان والشعر. وقد روى الطبراني في الأوسط (٦) عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ :

стр. 4989

"لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة، وعلموهن الغزل وسورة النور"، وفي إسناده محمد بن إبراهيم الشامي، قال الدارقطني: كذاب (١). وأخرج الطبراني (٢) أيضًا عن هند بنت المهلب [بن] (٣) أبي صفرة وهي امرأة الحجاج بن يوسف أن زياد بن عبد الله القرشي دخل عليها وبيدها مغزل تغزل به، فقال لها: تغزلين وأنت امرأة أمير؟ فقالت: سمعت أمي تحدث عن جدي قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أطولكن طاقة أعظمكن أجرًا"، والمراد بالطاقة (٤): طاقة الغزل من الكتَّان أو القطن، وفي إسناده يزيد بن مروان الخلال، قال ابن معين: كذاب (٥). قوله: (والنَّفْشُ) (٦) بفتح النون وسكون الفاء بعدها شين معجمة، والمراد به نفشُ الصوف والشَّعرِ ونَدْفُ القُطن والصوف ونحو ذلك. وفي رواية: "النَّقْشِ" (٧) بالقافِ، وهو التطريزُ.

стр. 4990

[الباب الثاني] باب ما جاء في كسب الحجام ٥/ ٢٣٦٨ - (عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ كَسْبِ الحَجَّامِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَثَمنِ الكَلْبِ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [صحيح] ٦/ ٢٣٦٩ - (وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ البَغِيّ خَبِيثٌ، وَثَمَنُ الكَلْبِ خَبِيثٌ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَأَبُو دَاوُدَ (٣) والتِّرمِذِيُّ وَصحَّحَهُ (٤) وَالنَّسائيُّ (٥). وَلَفْظُهُ: "شَرُّ المَكَاسِبِ: ثَمَنُ الكَلْبِ، وَكَسْبُ الحَجَّامِ، وَمَهْرُ البَغِيّ"). [صحيح] ٧/ ٢٣٧٠ - (وَعَنْ محَيْصَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ لَهُ غُلَامٌ حَجَّامٌ، فَزَجَرَهُ النَّبِي ﷺ عَنْ كَسْبِهِ، فَقَالَ: ألَا أُطْعِمُهُ أيْتامًا لي؟ قالَ: "لا"، قالَ: أفَلَا أتَصَدَّقُ بِهِ؟ قالَ: "لا"، فَرَخَّصَ لَهُ أنْ يَعْلَفَهُ ناضِحَهُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٦). [صحيح]

стр. 4991

وَفِي لَفْظٍ: أنَّه اسْتأذَنَ النَّبِي ﷺ فِي إجارَة الحَجَّامِ فَنَهاهُ عَنْها، وَلَمْ يَزَلْ يَسألُهُ فيها حتَّى قالَ: "اعْلفْهُ ناضِحَكَ أوْ أطْعِمْهُ رَقِيقَكَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وأبُو دَاوُدَ (٢) والتِّرْمِذِيُّ (٣) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ). [صحيح] حديث أبي هريرة قال في مجمع الزوائد (٤): رجال أحمد رجال الصحيح. وأخرجه أيضًا الطبراني في الأوسط (٥). وأخرجه أيضًا الحازمي في الناسخ والمنسوخ (٦) بلفظ: "قال رسول الله ﷺ : من السحت مهر البغي وأجرة الحجام". ويشهد له ما أخرجه الحازمي (٧) أيضًا عن أبي مسعود عقبة بن عمرو قال: "نهى رسول الله ﷺ عن كسب الحجام". وحديث رافع أخرجه أيضًا مسلم (٨). وحديث محيّصة أخرجه أيضًا مالك (٩) وابن ماجه (١٠). قال في الفتح (١١): ورجاله ثقات. وأخرج نحوه أحمد في مسنده (١٢) من حديث جابر، ولفظه: "أن النبي ﷺ سئل عن كسب الحجام، فقال: أطعمه ناضحك".

стр. 4992

وقال في مجمع الزوائد (١): أنَّه أخرج حديث محيصة المذكور أهل السنن الثلاث باختصار والطبراني في الأوسط. قال في مجمع الزوائد (١) أيضًا: ورجال أحمد رجال الصحيح. وقال (٢) في حديث جابر الذي ذكرناه إن رجاله رجال الصحيح. قوله: (البغي) (٣) بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد الياء فعيل بمعنى فاعلة أو مفعولة وهي الزانية. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ (٤) أي على الزنا، وأصل البغي الطلب، غير أنه أكثر ما يستعمل في طلب الفساد والزنا، والمراد ما تكتسبه الأمة بالفجور لا بالصنائع الجائزة، وقد قدمنا في أول كتاب البيع أنه مجمع على تحريم مهر البغي. قوله: (وثمن الكلب)، قد تقدم الكلام عليه في أول البيع. وقد استدل بأحاديث الباب من قال بتحريم كسب الحجام وهو بعض أصحاب الحديث كما في البحر (٥)، لأن النهي حقيقة في التحريم، والخبيث حرام، ويؤيد هذا تسمية ذلك سحتًا كما في حديث أبي هريرة الذي ذكرناه. وذهب الجمهور من العترة (٦) وغيرهم إلى أنه حلال، واحتجوا بحديث أنس (٧) وابن عباس (٨) الآتيين وحملوا النهي على التنزيه لأن في كسب الحجام دناءة والله يحب معالي الأمور، ولأن الحجامة من الأشياء التي تجب للمسلم على المسلم للإعانة له عند الاحتياج إليها.

стр. 4993

ويؤيد هذا إذنه ﷺ لما سأله عن أجرة الحجامة أن يطعم منها ناضحه ورقيقه، ولو كانت حرامًا لما جاز الانتفاع بها بحال. ومن أهل هذا القول من زعم أن النهي منسوخ، وجنح إلى ذلك الطحاوي (١)، وقد عرفت أن صحة النسخ متوقفة على العلم بتأخر الناسخ وعدم - إمكان الجمع بوجه، والأول غير ممكن هنا. والثاني ممكن بحمل النهي على كراهة التنزيه بقرينة إذنه ﷺ بالانتفاع بها - في بعض المنافع، وبإعطائه ﷺ الأجر لمن حجمه، ولو كان حرامًا لما مكنه منه. ويمكن أن يحمل النهي عن كسب الحجام على ما يكتسبه من بيع الدم، فقد كانوا في الجاهلية يأكلونه ولا يبعد أن يشتروه للأكل فيكون ثمنه حرامًا، ولكن الجمع بهذا الوجه بعيد، فيتعين المصير إلى الجمع بالوجه الأول، ويبقى الإشكال في صحة إطلاق اسم [الخُبْثِ] (٢) والسُّحْتِ على المكروه تنزيهًا. قال في القاموس (٣): الخبيث: ضد الطيب، وقال (٤): السحت بالضم وبضمتين: الحرام، أو ما خبث من المكاسب فلزم عنه العار، انتهى. وهذا يدل على جواز إطلاق اسم الخبث والسحت على المكاسب الدنيئة وإن لم تكن محرمة، والحجامة كذلك فيزول الإشكال. وجمع ابن العربي (٥) بين الأحاديث بأن محل الجواز إذا كانت الأجرة على عمل معلوم، ومحل الزجر على ما إذا كانت على عمل مجهول. وحكى صاحب الفتح (٦) عن أحمد (٧) وجماعة الفرق بين الحر والعبد، فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة وقالوا: يحرم عليه الإنفاق على نفسه منها،

стр. 4994

ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب منها، وأباحوها للعبد مطلقًا، وعمدتهم حديث محيِّصة (١)، لأنه أذن له ﷺ أن يعلف منه ناضحه. والناضح: اسم للبعير والبقرة التي [ينضح] (٢) عليها من البئر أو النهر. ورواية الموطأ (٣): "وأطعمه ناضحك"، بضم النون وتشديد الضاد جمع ناضح. قال ابن حبيب: النُّضَّاح (٤): الذين يسقون النخيل، واحده ناضح من الغلمان ومن الإبل، وإنما يفترقون في الجمع، فجمع الإبل نواضح، والغلمان نضاح. ٨/ ٢٣٧١ - (وَعَنْ أنَسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ، حَجَمَهُ أبُو طَيْبَةَ وأعْطاهُ صَاعَيْن مِنْ طَعامٍ وكَلَّمَ مَوَالِيَهُ فَخَفَّفُوا عَنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح] وَفِي لَفْظٍ: دَعا غُلامًا منَّا حَجَمَهُ فأعْطَاهُ أجْرَهُ صَاعًا أَوْ صَاعَيْنِ، وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ أنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ ضَرِيبتِهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَالبُخارِيُّ) (٧). [صحح] ٩/ ٢٣٧٢ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ ﷺ وأعْطَى الحَجَّامَ أجْرَهُ، وَلَوْ كانَ سُحْتًا لَمْ يُعْطِهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٨) وَالبخارِيُّ (٩) وَمُسْلِمٌ (١٠)، وَلَفْظُهُ: حَجَمَ النَّبِيَّ ﷺ عَبْدٌ لِبَنِي بَياضَةَ، فأعْطاهُ النَّبِيّ ﷺ أجْرَهُ وكَلَّمَ سَيِّدَهُ فَخَفَّفَ عَنْهُ مِنْ ضَرِيبتِهِ. وَلَوْ كانَ سُحْتًا لَمْ يُعْطِهِ النَّبِيُّ ﷺ ). [صحيح] قوله: (أبو طَيْبة) بفتح الطاء المهملة وسكون التحتية بعدها موحدة واسمه نافع. قوله: ([وأعطاه] (١١) صاعين من طعام)، في الرواية الأخرى (١٢): "صاعًا أو صاعين".

стр. 4995

وفي رواية أبي داود (١): "فأمر له بصاع من تمر". وفي رواية لمسلم (٢): "فأمر له بصاع أو مد أو مدين" على الشك. قوله: (وكلم مواليه)، في رواية أبي داود (٣): "فأمر أهله"، والمراد بمواليه ساداته، وجمع لكونه كان مملوكًا لجماعة كما يدل على ذلك رواية مسلم (٤): "حجم النبي ﷺ عبد لبني بياضة". قوله: (فخففوا عنه) في الكلام حذف والتقدير كلم مواليه أن يخففوا عنه فخففوا عنه كما في الرواية الأخرى. ولفظ أبي داود (٥): "فأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه". وفيه جواز الشفاعة للعبد إلى مواليه في تخفيف الخراج عنه. قوله: (ولو كان سحتًا)، قد تقدم ضبطه وتفسير معناه في شرح الأحاديث التي قبل هذا. وفي رواية للبخاري (٦): "ولو علم كراهة لم يعطه"، يعني كراهة تحريم. وفي رواية له (٧) أيضًا: "ولو كان حرامًا لم يعطه"، وذلك ظاهر في الجواز. قوله: (من ضريبته) الضريبة تطلق على أمور منها غلة العبد كما في القاموس (٨) وهي بفتح المعجمة [فعيلة] (٩) بمعنى مفعولة وجمعها ضرائب، ويقال لها خراج وغلة وأجر. والحديثان يدلان على أن أجرة الحجامة حلال، وقد قدمنا الخلاف في ذلك وما هو الحق.

стр. 4996

[الباب الثالث] باب ما جاء في الأجرة على القرب ١٠/ ٢٣٧٣ - (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "اقْرَأوا القُرآنَ وَلا تَغْلُوا فِيهِ ولا تَجْفُوا عَنْهُ ولا تأكُلُوا بِهِ وَلَا تَسْتَكْثُروا بِهِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (١). [صحيح] ١١/ ٢٣٧٤ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "اقْرَءُوا القُرآن وَاسألُوا الله بِهِ، فإن مِنْ بَعْدِكُمْ قَوْمًا يَقْرَأونَ القُرآنَ يَسألُونَ [بِهِ النَّاسَ] (٢) "، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) والتِّرْمِذِيّ) (٤). [حسن لغيره] ١٢/ ٢٣٧٥ - (وَعَنْ أُبَي بْنِ كَعْبٍ قالَ: عَلَّمْتُ رَجُلًا القُرآنَ فأهْدَى لي قَوْسًا، فَذَكَرْتُ ذلكَ للنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "إنْ أخَذْتَها أخَذْتَ قَوْسًا مِنْ نَارٍ" فَردَدْتُها. رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ (٥). [صحيح لغيره]

стр. 4997

ولأبي دَاوُدَ (١) وَابْنِ ماجَهْ (٢) نَحْوَ ذلكَ مِنْ حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. [صحيح لغيره] وَقالَ النَّبِيّ ﷺ لعْثُمانَ بْنِ أبي العاصِ: "لا تَتَّخِذْ مُؤَذّنًا يأخُذُ على أذَانِهِ أجْرًا") (٣). [صحيح] أما حديث عبد الرحمن بن شبل فقال في مجمع الزوائد (٤): رجال أحمد ثقات. وأخرجه أيضًا البزار (٥) [ويشهد] (٦) له أحاديث: (منها) حديث عمران بن حصين (٧) وأبي بن كعب (٨) المذكوران في الباب. (ومنها) حديث جابر عند أبي داود (٩) قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ نحن نقرأ القرآن وفينا الأعرابي والعجمي، فقال: اقرءوا فكل حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه". (ومنها) حديث سهل بن سعد عند أبي داود (١٠) أيضًا، وفيه أن النبي ﷺ قال "اقرءوا قبل أن يقرأه قوم يقيمونه كما يقام السهم يتعجل أجره ولا يتأجله". وأما حديث عمران بن حصين فقال الترمذي (١١) بعد إخراجه: هذا حديث ليس إسناده بذاك.

стр. 4998

وأما حديث أبي بن كعب فأخرجه أيضًا البيهقي (١) والروياني في مسنده (٢). قال البيهقي وابن عبد البر: هو منقطع، يعني بين عطية الكلاعي وأبي بن كعب. وكذلك قال المزي وتعقبهم الحافظ (٣) بأن عطية وُلِدَ في زمن النبي ﷺ . وأعله ابن القطان (٤) بالجهل بحال عبد الرحمن بن سلم الراوي عن عطية. وله طرق عن أبي، قال ابن القطان (٥): لا يثبت منها شيء. قال الحافظ (٦): وفيما قال نظر. وذكر المزي في الأطراف (٧) له طرقًا: منها أن الذي أقرأه أبي هو الطفيل بن عمرو. ويشهد له ما أخرجه الطبراني في الأوسط (٨) عن الطفيل بن عمرو الدوسي

стр. 4999

قال: "أقرأني أبي بن كعب القرآن فأهديت إليه قوسًا، فغدا إلى النبي ﷺ وقد تقلدها، فقال [له] (١) النبي ﷺ : "تقلدها من جهنم"، قلت: يا رسول الله، إنا ربما حضر طعامهم فأكلنا، فقال: "أما ما عمل لك فإنما تأكله بخلاقك، وأما ما عمل لغيرك فحضرته فأكلت منه فلا بأس". وما أخرجه الأثرم في سننه عن أبي قال: "كنت أختلف إلى رجل مسن قد أصابته علة قد احتبس في بيته أقرئه القرآن، فيؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة، فحاك في نفسي شيء، فذكرته للنبي ﷺ فقال: إن كان ذلك الطعام طعامه وطعام أهله فكل منه، وإن كان بحقك فلا تأكله". وأما حديث عبادة الذي أشار إليه المصنف فلفظه قال: "علَّمت ناسًا من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إلي رجل منهم قوسًا، فقلت: ليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله ، لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه، فأتيته فقلت: يا رسول الله رجل أهدى إلي قوسًا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله، فقال: إن كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها" (٢). وفي إسناده المغيرة بن زياد أبو هاشم الموصلي، وقد وثقه وكيع ويحيى بن معين وتكلم فيه جماعة (٣). وقال الإمام أحمد (٤): ضعيف الحديث حدث بأحاديث مناكير، وكل حديث رفعه فهو منكر.
следующие страницы →