← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 5030–5069 · переход к 5035.

стр. 5030

وفي الشرع (١): العين التي يضعها مالكها عند آخر ليحفظها، وهي مشروعة إجماعًا. والعاريَّة بتشديد الياء، قال في النهاية (٢): كأنها منسوبة إلى العار، لأن طلبها عار، ويجمع على عواريّ مشددًّا. وفي الشرع (٣): إباحة منافع العين بغير عوض، وهي أيضًا مشروعة إجماعًا (٤). قوله: (لا ضمان على مؤتمن) فيه دليل على أنه لا ضمان على من كان أمينًا على عين من الأعيان كالوديع والمستعير. أما الوديع فلا يضمن قيل: إجماعًا إلا لجناية منه على العين. وقد حكي في البحر (٥) الإجماع على ذلك. وتأوّل ما حكي عن الحسن البصري (٦) أن الوديع لا يضمن إلا بشرط الضمان بأن ذلك محمول على ضمان التفريط لا الجناية المتعمدة، والوجه في تضمينه الجناية أنه صار بها خائنًا، والخائن ضامن لقوله ﷺ : "ولا على المستودع غير المغلِّ ضمان"، و (٧) المغِلُّ: هو الخائن، وهكذا يضمن الوديع إذا وقع منه تعدّ في حفظ العين لأنه نوع من الخيانة. وأما العارية فذهبت العترة (٨) والحنفية (٩) والمالكية (١٠) إلى أنها غير مضمونة على المستعير إذا لم يحصل منه تعدّ. وقال ابن عباس (١١) وأبو هريرة (١٢) وعطاء (١٣) والشافعي (١٤) وأحمد (١٥)

стр. 5031

وإسحاق، وعزاه صاحب الفتح (١) إلى الجمهور: إنها إذا تلفت في يد المستعير ضمنها إلا فيما إذا كان ذلك على الوجه المأذون فيه. وعن الحسن البصري (٢) والنخعي (٣) والأوزاعي (٤) وشريح والحنفية (٥) أنها غير مضمونة وإن شرط الضمان. وعند العترة (٦) وقتادة والعنبري: إنه إذ شرط الضمان كانت مضمونة. وحكي في البحر (٧) عن مالك والبتِّيُّ أن غير الحيوان مضمون، والحيوان غير مضمون. واستدل من قال: إنه لا ضمان على غير المتعدي؛ بما تقدم من قوله ﷺ : "ليس على المستعير غير المغل ضمان" (٨)، وبقوله: "لا ضمان على مؤتمن" (٩)، وبما أخرجه ابن ماجه (١٠) عن ابن عمرو بلفظ: "مَنْ أودعَ وديعةً فلا ضمانَ عليه" وفي إسناده المثنى بن الصباح (١١) وهو متروك، وتابعه ابن لهيعة فيما ذكره البيهقي (١٢).

стр. 5032

وبما أخرجه أبو داود (١)، وحسنه الترمذي (٢)، وصححه ابن حبان (٣) من حديث أبي أمامة أنه سمع النبي ﷺ يقول في حجة الوداع: "العاريةُ مؤداةٌ والزعيمُ غارمٌ". وتعقب بأن التصريح بضمان الزعيم لا يدل على عدم ضمان المستعير. واستدل من قال بالضمان بحديث سمرة الآتي (٤). وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٥). ولا يخفى أن الأمر بتأدية الأمانة لا يستلزم ضمانها إذا تلفت. واستدل من فرَّق بين الحيوان وغيره بحديث صفوان الآتي (٦). ولا يخفى أن دلالته على أن غير الحيوان مضمون لا يستفاد منها أن حكم الحيوان بخلافه (٧).

стр. 5033

٢/ ٢٣٨٩ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١) وَالتِّرْمِذِيّ (٢) وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ). [حسن بشواهد] الحديث أخرجه أيضًا الحاكم (٣) وصححه، وفي إسناده طلق بن غنام (٤) عن شريك. واستشهد له الحاكم (٥) بحديث أبي التياح عن أنس. وفي إسناده أيوب بن سويد (٦) مختلف فيه، وقد تفرد به كما قال الطبراني (٧). وقد استنكر حديث الباب أبو حاتم الرازي (٨).

стр. 5034

وأخرجه أيضًا البيهقي (١) ومالك. وفي الباب عن أُبيّ بن كعب عند ابن الجوزي في العلل المتناهية (٢)، وفي إسناده من لا يعرف. وأخرجه أيضًا الدارقطني (٣). وعن أبي أمامة عند البيهقي (٤) والطبراني (٥) بسند ضعيف. وعن أنس عند الدارقطني (٦) والطبراني (٧) والبيهقي (٨) وأبي نعيم (٩). وعن رجل من الصحابة عند أحمد (١٠) وأبي داود (١١) والبيهقي (١٢) وفي إسناده مجهول آخر غير الصحابي، لأن يوسف بن ماهك رواه عن فلان عن آخر، وقد صححه ابن السكن (١٣). وعن الحسن مرسلًا عند البيهقي (١٤). قال الشافعي (١٥): هذا حديث ليس بثابت. وقال ابن الجوزي (١٦): لا يصح من جميع طرقه.

стр. 5035

وقال أحمد (١): هذا حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح. ولا يخفى أن وروده بهذه الطرق المتعددة مع تصحيح إمامين من الأئمة المعتبرين لبعضها وتحسين إمام ثالث منهم مما يصير به الحديث منتهضًا للاحتجاج (٢). قوله: (ولا تخن من خانك)، فيه دليل على أنه لا يجوز مكافأة الخائن بمثل فعله، فيكون مخصِّصًا لعموم قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٥). والحاصل أن الأدلَّة القاضية بتحريم مال الآدمي ودمه وعرضه عمومها مخصص بهذه الثلاث الآيات. وحديث الباب مخصص لهذه الآيات، فيحرم من مال الآدمي وعرضه ودمه ما لم يكن على طريق المجازاة، فإنها حلال إلا الخيانة فإنها لا تحل. ولكن الخيانة إنما تكون في الأمانة كما يشعر بذلك كلام القاموس (٦) فلا يصح الاستدلال بهذا الحديث، على أنه لا يجوز لمن تعذَّر عليه استيفاء حقه حبس حق خصمه على العموم كما فعله صاحب البحر (٧) وغيره، إنما يصح الاستدلال به على أنه لا يجوز للإنسان إذا تعذر عليه استيفاء حقه أن يحبس عنده وديعة لخصمه أو عارية، مع أن الخيانة إنما تكون على جهة الخديعة والخفية، وليس محل النزاع من ذلك. ومما يؤيد الجواز إذنه ﷺ لامرأة أبي سفيان أن تأخذ لها ولولدها من مال زوجها ما يكفيها كما في الحديث الصحيح (٨).

стр. 5036

وقد اختلف في مسألة الحبس المذكورة؛ فذهب الهادي (١) [﵇] (٢) إلى أنه لا يجوز مطلقًا لا من الجنس ولا من غيره. قال المؤيد بالله: إن قول الهادي مسبوق بالإجماع. وقال الشافعي (٣) والمنصور (٤) بالله: يجوز من الجنس وغيره. وقال أبو حنيفة (٥) والمؤيد (٦) بالله: يجوز من الجنس فقط. وقال الإمام يحيى (٧): يجوز من الجنس ثم من غيره لتعذره دينًا. قال في البحر (٨) بعد حكاية الخلاف: قلت: الأقرب اشتراط الحاكم حيث يمكن للخبر، يعني حديث الباب، فإن تعذر جاز الحبس وغيره لئلا تضيع الحقوق ولظواهر الآي. ٣/ ٢٣٩٠ - (وَعَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "على اليَدِ ما أخَذَتْ حتَّى تُؤَدّيَهُ"، رَوَاهُ الخَمْسَةَ إلَّا النَّسائيّ (٩)، زَادَ أَبُو دَاوُدَ (١٠) وَالتِّرْمِذِيِّ (١١): قالَ قَتادَةُ: ثُمَّ نَسِيَ الحَسَنُ فَقَالَ: هُو أمِينُكَ لا ضَمانَ عَلَيْهِ؛ يَعْنِي العارِيةَ). [ضعيف] الحديث صححه الحاكم (١٢)، وسماع الحسن من سمرة فيه خلاف مشهور

стр. 5037

قد تقدم (١). وفيه دليل على أنه يجب على الإنسان رد ما أخذته يده من مال غيره بإعارة أو إجارة أو غيرهما حتى يرده إلى مالكه، وبه استدل من قال بأن الوديع والمستعير ضامنان. وقد تقدم الخلاف في ذلك، وهو صالح للاحتجاج به على التضمين، لأن المأخوذ إذا كان على اليد الآخذة حتى تردّه، فالمراد أنه في ضمانها كما يشعر به لفظ (على) من غير فرق بين مأخوذ ومأخوذ. وقال المقبلي في المنار (٢): "يحتجُّون بهذا الحديث في مواضع على التَّضمين ولا أراه صريحًا، لأنَّ اليد الأمينة - أيضًا - عليها ما أخذت حتَّى تَرُدَّ، وإلَّا فليست بأمينة: ومُسْتَخْبرٍ عن سِرِّ ليلى تَرَكْتُهُ … بعمياءَ مِنْ ليلى بغيرِ يقينِ يقولونَ خَبِّرْنا فأَنتَ أَمِيْنُهَا … وَمَا أَنَا إِنْ خَبَّرْتُهُمْ بأمينِ إنَّما كلامنا: هل يضمنها لو تلفت بغير جنايةٍ؟ وليس الفرق بين المضمون وغير المضمون إلَّا هذا. وأمَّا الحفظ فمشترك وهو الذي تفيده (على)، فعلى هذا لم ينسَ الحسن - كما زعم قتادة - حين قال: "هو أمينك لا ضمان عليه" بعد رواية الحديث. اهـ. ولا يخفى عليك ما في هذا الكلام من قلة الجدوى وعدم الفائدة. وبيان ذلك أن قوله: لأن اليد الأمينة عليها ما أخذت حتى تردّ وإلا فليست

стр. 5038

بأمينة، يقتضي الملازمة بين عدم الردّ وعدم الأمانة، فيكون تلف الوديعة والعارية بأيّ وجه من الوجوه قبل الردّ مقتضيًا لخروج الأمين عن كونه أمينًا وهو ممنوع، فإن المقتضي لذلك إنما هو التلف بخيانة أو جناية، ولا نزاع في أن ذلك موجب للضمان. إنما النزاع في تلف لا يصير به الأمين خارجًا عن كونه أمينًا؛ كالتلف بأمر لا يطاق دفعه أو بسبب سهو أو نسيان أو بآفة سماوية أو سرقة أو ضياع بلا تفريط فإنه يوجد التلف في هذه الأمور مع بقاء الأمانة. وظاهر الحديث يقتضي الضمان، وقد عارضه ما أسلفنا. وقال في ضوء النهار (١): إن الحديث إنما يدلّ على وجوب تأدية غير التالف والضمان عبارة عن غرامة التالف. اهـ. ولا يخفى أن قوله في الحديث: "على اليد ما أخذت" [من المقتضي] (٢) الذي يتوقف فهم المراد منه على مقدر وهو: إما الضمان أو الحفظ أو التأدية، فيكون معنى الحديث على اليد ضمان ما أخذت أو حفظ ما أخذت أو تأدية ما أخذت، ولا يصح هاهنا تقدير التأدية، لأنه قد جعل قوله: "حتى تؤديه" غاية لها، والشيء لا يكون غاية لنفسه. وأما الضمان والحفظ فكل واحد منهما صالح للتقدير، ولا يقدران معًا لما تقرّر من أن المقتضي لا عموم له، فمن قدّر الضمان أوجبه على الوديع والمستعير، ومن قدّر الحفظ أوجبه عليهما ولم يوجب الضمان إذا وقع التلف مع الحفظ المعتبر. وبهذا تعرف أن قوله إنما يدل الحديث على وجوب التأدية لغير التالف ليس على ما ينبغي، وأما مخالفة رأي الحسن لروايته فقد تقرر في الأصول (٣) أن العمل بالرواية لا بالرأي.

стр. 5039

٤/ ٢٣٩١ - (وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ: أن النَّبيَّ ﷺ اسْتَعارَ مِنْهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ أدْرُعًا، فَقالَ: أغَصبًا يا مُحَمَّدُ؟ قالَ: "بَلْ عارِيةٌ مَضمُونَةٌ"، قالَ: فَضَاعَ بَعْضُها، فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّبيّ ﷺ أنْ يَضْمَنها لَهُ: فَقَالَ: أنا اليَوْمَ فِي الإسْلامِ أرْغَبُ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١)، وأبَو دَاوُدَ) (٢). [حسن لغيره] ٥/ ٢٣٩٢ - (وَعَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قَالَ: كانَ فَزَعٌ بالمَدِينَة، فاسْتَعارَ النَّبيّ ﷺ فَرَسًا مِنْ أبي طَلْحَةَ يُقال لَهُ: المَنْدُوبُ، فَرَكِبَهُ، فَلَمّا رَجَعَ قالَ: "ما رأيْنا مِنْ شَيْءٍ وَإنْ وَجَدْناهُ لَبَحْرًا". مُتَّفَقٌ عَلَيه) (٣). [صحيح] حديث صفوان أخرجه أيضًا النسائي (٤) والحاكم (٥)، .....................................

стр. 5040

وأورد له (١) شاهدًا من حديث ابن عباس ولفظه: "بل عارية مؤدّاة". وفي رواية لأبي داود (٢): "إن الأدراع كانت ما بين الثلاثين إلى الأربعين". ورواه البيهقي (٣) عن أمية بن صفوان مرسلًا، وبيّن أن الأدراع كانت ثمانين. ورواه الحاكم (٤) من حديث جابر، وذكر أنها مائة درع. وأعلّ ابن حزم (٥) وابن القطان (٦) طرق هذا الحديث. قال ابن حزم (٧): أحسن ما فيها حديث يعلى بن أمية، وقد تقدم في كتاب الوكالة (٨). قوله: (أغصبًا) معمول لفعل مقدّر هو مدخول الهمزة: أي أتأخذها غصبًا لا تردّها علي؟ فأجاب ﷺ بقوله: "بل عارية مضمونة". فمن استدلّ بهذا الحديث على أن العارية مضمونة جعل لفظ (مضمونة) صفة كاشفة لحقيقة العارية: أي أن شأن العارية الضمان. ومن قال: إن العارية غير مضمونة، جعل لفظ (مضمونة) صفة مخصصة: أي أستعيرها منك عارية متصفة بأنها مضمونة لا عارية مطلقة عن الضمان. قوله: (فعرض عليه أن يضمنها)، فيه دليل على أن الضياع من أسباب الضمان، لا على أن مطلق الضياع تفريط وأنه يوجب الضمان على كل حال لاحتمال أن يكون تَلَفُ ذلك البعض وقع فيه تفريط.

стр. 5041

قوله: (فزع) أي: خوف من عدوّ، وأبو طلحة المذكور هو زيد بن سهل زوج أمّ أنس. قوله: (يقال له: المندوب)، قيل: سمي بذلك من الندب، وهو الرهن عند السباق (١). وقيل: لنَدْب كان في جسمه (٢)، وهو أثر الجرح. قوله: (وإن وجدناه لبحرًا) قال الخطابي (٣): (إن) هي النافية واللام بمعنى إلا: أي ما وجدناه إلا بحرًا. قال ابن التين (٤): هذا مذهب الكوفيين. وعند البصريين أن (إن) مخففة من الثقيلة واللام زائدة. قال الأصمعي (٥): يقال للفرس: بحر إذا كان واسع الجري أو لأن جريه لا ينفد كما لا ينفد البحر، ويؤيده ما وقع في رواية للبخاري (٦) بلفظ: "فكان بعد ذلك لا يجارى". ٦/ ٢٣٩٣ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنَّا نَعُدّ المَاعُونَ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ عارِيَةً الدَّلْوَ وَالقِدْرَ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٧) [حسن]

стр. 5042

الحديث سكت عنه أبو داود (١)، وحسَّنه المنذري (٢). وروي عن ابن مسعود (٣)، وابن عباس (٤) أنهما فسَّرا قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ (٥) أنه متاع البيت الذي يتعاطاه الناس بينهم، من الفأس والدلو والحبل والقِدر، وما أشبه ذلك. وعن عائشة (٦): الماعون: الماء والنار والملح، وقيل الماعون: الزكاة (٧). قال الشاعر (٨): قومٌ على الإسلامِ لمَّا يَمْنَعُوا … ماعُونَهُمْ ويُضَيِّعُوا التَّهليلا قال في الكشاف (٩): وقد يكون منع هذه الأشياء محظورًا في الشريعة إذا استعيرت عن اضطرار، وقبيحًا في المروءة في غير حال الضرورة. وأخرج أبو داود (١٠) والنسائي (١١) عن بُهَيْسة - بضم الموحدة وفتح الهاء وسكون الياء التحتية بعدها سين مهملة - الفزارية عن أبيها قالت: "استأذن أبي

стр. 5043

النبيّ ﷺ فدخل بينه وبين قميصه، فجعل يقبله ويلتزم، ثم قال: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحلّ منعه؟ قال: "الماء"، قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحلّ منعه؟ قال: "الملح"، قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحلّ منعه؟ قال: "إن تفعل الخير خير لك"". وسيأتي حديث بُهَيْسة هذا في باب إقطاع المعادن من كتاب إحياء الموات (١). وروى ابن أبي حاتم (٢) عن قرة بن دعموص النميري: "أنهم وفدوا على رسول الله ﷺ ، [فقالوا] (٣): يا رسول الله ما تعهد إلينا؟ قال: "لا تمنعوا الماعون"، قالوا: يا رسول الله، وما الماعون؟ قال: "في الحجر والحديد وفي الماء"، قالوا: فأي الحديد؟ قال: "قدوركم النحاس وحديد الفأس الذي تمتهنون به"، قالوا: وما الحجر؟ قال: "قدروكم الحجارة"، وهذا حديث غريب. وروي عن عكرمة (٤): "أن رأس الماعون زكاة المال، وأدناه المنخل والدلو والإبرة". وروى ابن أبي حاتم (٥) أن الماعون: العواري وأصل الماعون من المعن: وهو الشيء القليل، فسميت الزكاة ماعونًا لأنها قليل من كثير، وكذلك الصدقة وغيرها. وهذه التفاسير ترجع كلها إلى شيء واحد وهو المعاونة بمال أو منفعة، ولهذا قال محمد بن كعب (٦): الماعون: المعروف.

стр. 5044

وفي الحديث (١): "كل معروف صدقة". ٧/ ٢٣٩٤ - (وَعَنْ عائِشَةَ أنَّهَا قالَتْ، وَعَلَيْها دِرعٌ قِطْرِيٌّ ثَمَنَ خَمْسَة دَرَاهِمَ: كانَ لي مِنْهُنَّ دِرعٌ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فَمَا كانتِ امْرأةٌ تَقَيَّنُ بالمَدينَةِ إلَّا أرْسَلَتْ إليَّ تَسْتَعِير. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَالبُخارِيُّ) (٣). [صحيح] قوله: (درع) الدرع قميص المرأة، وهو مذكر. قال الجوهري (٤): ودرع الحديد مؤنثة، وحكى أبو عبيدة (٥) أنه أيضًا يذكر ويؤنث. قوله: (قِطريٌّ) بكسر القاف وسكون المهملة بعدها راء. وفي رواية المستملي (٦) والسرخسي (٦) بضم القاف وسكون المهملة وآخره نون، والقِطْريُّ نسبة إلى القِطْر: وهي ثياب من غليظ القطن وغيره. وقيل: من القطن خاصَّة تعرف بالقطرية فيها حمرة. قال الأزهري (٧): الثياب القطرية منسوبة إلى قطر، قرية من البحرين، فكسروا القاف للنسب وخففوا. قوله: (ثمن خمسة دراهم) بنصب ثمن بتقدير فعل وخمسة بالخفض على الإضافة أو برفع ثمن وخمسة على حذف الضمير، والتقدير ثمنه خمسة. وروي

стр. 5045

بضم أوله وتشديد الميم على لفظ الماضي ونصب خمسة على نزع الخافض: أي قوّم بخمسة دراهم. قوله: (تقيّن) بالقاف والتحتانية المشدّدة: أي: تزين، من قان الشيء قيانة: أي أصلحه، والقينة (١) [يقال] (٢) للماشطة وللمغنية. وحكى ابن التين (٣) أنه روى (تفنن) بالفاء: أي تعرض وتجلى على زوجها. قال في الفتح (٤): ولم يضبط ما بعد الفاء. قال: ورأيته بخط بعض الحفاظ بمثناة فوقية. قال ابن الجوزي (٥): أرادت عائشة أنهم كانوا أولًا في حال ضيق فكان الشيء المحتقر عندهم إذ ذاك عظيم القدر. وفي الحديث أن عارية الثياب للعرس أمر معمول به مرغب فيه وأنه لا يعد من التشبع. ٨/ ٢٣٩٥ - (وَعَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "ما مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلا بَقَرٍ وَلا غَنَمٍ لا يؤَدِّي حَقَّها إلَّا أُقْعِد لهَا يَوْمَ القِيامَةِ بِقاعٍ قَرْقَرٍ تَطَؤُهُ ذَاتُ الظِّلْفِ بظِلْفِها، وَتَنْطَحُهُ ذَاتُ القَرْنِ لَيْسَ فيها يَوْمِئِذٍ جَمَّاءُ، وَلا مَكْسُورَةُ القَرْنِ"، قُلْنا: يا رَسُولَ الله وَما حَقُّها؟ قالَ: "إطْرَاقُ فَحْلِها، وَإِعارَةُ دَلْوِها، وَمِنْحَتُها، وَحَلْبُها على المَاءِ، وَحَمْلٌ عَلَيْها في سَبِيلِ الله"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَمُسْلِمُ) (٧). [صحيح] الحديث قد سبق شرح بعض ألفاظه في أول كتاب الزكاة (٨).

стр. 5046

قوله: (إطراق فحلها)، أي: عارية الفحل لمن أراد أن يستعيره من مالكه ليطرق به على ماشيته. قوله: (وإعارة دلوها)، أي: من حقوق الماشية أن يعير صاحبها الدلو الذي يسقيها به إذا طلبه منه من يحتاج إليه. قوله: (ومنحتها) بالنون والمهملة، والمنحة في [الأصل] (١): العطية. قال أبو عبيدة (٢): المنحة عند العرب على وجهين: (أحدهما): أن يعطي الرجل صاحبه فيكون له. (والآخر): أن يعطيه ناقة أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها زمنًا ثم يردها، والمراد بها هنا عارية ذوات الألبان ليؤخذ لبنها ثم ترد لصاحبها. قال القزاز (٣): قيل: لا تكون المنيحة إلا ناقة أو شاة، والأول أعرف. قوله: (وحلبها على الماء) بالحاء المهملة في جميع الروايات. وأشار الداودي (٤) إلى أنه روي بالجيم، [وقال] (٥): أراد أنها تساق إلى موقع سقيها. وتعقب بأنه لو كان كذلك لقال: وجلبها إلى الماء لا على الماء، وإنما المراد حلبها هناك لنفع من يحضر من المساكين. قوله: (حمل عليها) إلخ، أي: من حقها أو يبذلها المالك لمن أراد أن يستعيرها لينتفع بها في الغزو.

стр. 5047

[الكتاب التاسع عشر] كتاب إحياء الموات [الباب الأول] من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له ١/ ٢٣٩٦ - (عَنْ جابرٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ أحْيا أرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ" رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالتِّرْمِذِي (٢) وَصحَّحَهُ. [صحيح] وفِي لَفْظ (٣): "مَنْ أحاطَ حائِطًا على أرْضٍ فَهِيَ لَهُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وأَبو دَاوُدَ (٥). [ضعيف] ولأحَمدَ (٦) مثْلُهُ مِنْ رِوَايَة سَمُرَةَ). ٢/ ٢٣٩٧ - (وَعَنْ سَعِيد بْنِ زيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أحْيا أرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْس لِعِرقٍ ظالمٍ حقّ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٧) وأبُو دَاوُدَ (٨) وَالتِّرْمِذِيّ) (٩). [صحيح]

стр. 5048

٣/ ٢٣٩٨ - (وَعَنْ عائِشَةَ قَالَتْ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ عَمَرَ أرْضًا لَيْسَتْ لأحَدٍ فَهُوَ أحَقّ بِها"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالبُخارِي) (٢). [صحيح] ٤/ ٢٣٩٩ - (وَعَنْ أسَمَر بْنِ مُضَرسٍ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيّ ﷺ فَبايَعْتُهُ، فَقالَ: "مَنْ سَبَقَ إلى ما لَمْ يَسْبِق إلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ". قالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ يَتَعادَوْنَ يَتَخاطَّوْنَ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٣). [ضعيف] حديث جابر أخرجه بنحوه النسائي (٤) وابن حبان (٥). وحديث سمرة أخرجه أيضًا أبو داود (٦) والطبراني (٧) والبيهقي (٨) وصححه ابن الجارود (٩)، وهو من رواية الحسن عنه، وفي سماعه منه خلاف ولفظه: "من أحاط حائطًا على أرض فهي له". وحديث سعيد أخرجه أيضًا النسائي (١٠) وحسنه الترمذي (١١) وأعله بالإرسال فقال: وروي مرسلًا، ورجح الدارقطني (١٢) إرساله أيضًا.

стр. 5049

وقد اختلف مع ترجيح الإرسال من هو الصحابي الذي روي من طريقه؟ فقيل: جابر، وقيل: عائشة، وقيل: عبد الله بن عمر، ورجح الحافظ (١) الأول، وقد اختلف فيه على هشام بن عروة اختلافًا كثيرًا. رواه أبو داود الطيالسي (٢) من حديث عائشة، وفي إسناده زمعة وهو ضعيف. ورواه ابن أبي شيبة (٣) وإسحاق بن راهويه (٤) في مسنديهما من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده، وعلقه البخاري (٥). وحديث أسمر بن مُضَرِّس صححه الضياء في المختارة (٦). وقال البغوي (٧): لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا الحديث. قوله: (من أحيا أرضًا ميتة) الأرض الميتة: هي التي لم تعمر، شبهت عمارتها بالحياة وتعطيلها بالموت، والإحياء أن يعمد شخص إلى أرض لم يتقدم ملك عليها لأحد فيحييها بالسقي أو الزرع أو الغرس أو البناء فتصير بذلك ملكه

стр. 5050

كما يدل عليه أحاديث الباب، وبه قال الجمهور (١). وظاهر الأحاديث المذكورة أنه يجوز الإحياء سواء كان بإذن الإمام أو بغير إذنه. وقال أبو حنيفة (٢): لا بد من إذن الإمام. وعن مالك (٣): يحتاج إلى إذن الإمام فيما قرب مما لأهل القرية إليه حاجة من مرعى ونحوه، وبمثله قالت الهادوية (٤). قوله: (من أحاط حائطًا)، فيه أن التحويط على الأرض من جملة ما يستحق به ملكها، والمقدار المعتبر ما يسمى حائطًا في اللغة. قوله: (وليس لعرق ظالم حق)، قال في الفتح (٥): رواية الأكثر بتنوين (عرق) و (ظالم) نعت له، وهو راجع إلى صاحب العرق: أي ليس لذي عرق ظالم أو إلى العرق: أي ليس لعرق ذي ظالم. ويروى بالإضافة ويكون الظالم صاحب العرق، ويكون المراد بالعرق الأرض، وبالأول جزم مالك والشافعي (٦) والأزهري (٧) وابن فارسٍ (٨) وغيرهم (٩)، وبالغ الخطابي (١٠) فغلط رواية الإضافة. وقال ربيعة (١١): العرق الظالم يكون ظاهرًا ويكون باطنًا، فالباطن ما احتفره الرجل من الآبار أو استخرجه من المعادن، والظاهر ما بناه أو غرسه.

стр. 5051

وقال غيره: العرق الظالم من غرس أو زرع أو بنى أو حفر في أرض غيره بغير حق ولا شبهة. قوله: (من عمر أرضًا) بفتح العين [وتخفيف] (١) الميم، ووقع في البخاري (٢): "من أعمر" بزيادة الهمزة في أوله وخطئ راويها. وقال ابن بطال (٣): يمكن أن يكون اعتمر فسقطت التاء من النسخة، وقال غيره (٤): قد سمع فيه الرباعي، يقال: أعمر الله بك منزلك. ووقع في رواية أبي ذر من أُعمر (٥) بضم الهمزة: أي أعمره غيره. قال الحافظ (٦): وكأن المراد بالغير الإمام. قوله: (يتعادون يتخاطون) المعاداة: الإسراع بالسير، والمراد بقوله: (يتخاطون): يعملون على الأرض علامات بالخطوط وهي تسمى الخطط واحدتها خِطة بكسر الخاء، وأصل الفعل يتخاططون فأدغمت الطاء في الطاء، والتقييد بالمسلم في حديث أسمر (٧) يشعر بأن المراد بقوله في حديث عائشة: "ليست لأحد"، أي: من المسلمين، فلا حكم لتقدم الكافر، أما إذا كان حربيًا فظاهر، وأما الذمي ففيه خلاف معروف (٨). [الباب الثاني] باب النهي عن منع فضل الماء ٥/ ٢٤٠٠ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لتَمْنَعُوا بِهِ الكَلأَ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٩). [صحيح]

стр. 5052

وَلمسلِمٍ (١): "لا يُباعُ المَاءِ لِيُباعَ بِهِ الكَلأُ". [صحيح] وِلْلبُخارِيّ (٢): "لا تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الكَلأ". [صحيح] ٦/ ٢٤٠١ - (وَعَنْ عائِشَةَ قَالتَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أنْ يُمْنَعَ نَقْعُ البِئرِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَابْنُ ماجَهْ) (٤). [صحيح] ٧/ ٢٤٠٢ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شعَيْبٍ عَنْ أبِيه عَنْ جَدِّه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مائِهِ أوْ فَضْلَ كَلَئه مَنَعَهُ الله فَضْلَهُ يَوْمَ القِيامَة"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٥). [حسن لغيره] ٨/ ٢٤٠٣ - (وَعَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: أن رَسُولَ الله ﷺ قضَى بَيْنَ أهْلِ المَدِينَةِ فِي النَّخْلِ أنْ لا يُمْنَعَ نَقْعُ بِئرٍ، وَقَضَى بَيْنَ أهْلِ البادِيَةِ أنْ لا يُمْنَعَ فَضْلُ ماء ليُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ. رَوَاهُ عَبْدُ الله بْن أحْمَدَ في المسْنَدِ) (٦). [حسن لغيره]

стр. 5053

حديث عمرو بن شعيب: في إسناده محمد بن راشد الخزاعي (١)، وهو ثقة وقد ضعفه بعضهم. لكن حديث أبي هريرة يشهد لصحة الأحاديث المذكورة بعده. ومما يشهد لصحتها حديث جابر عند مسلم (٢): "أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع فضل الماء". وحديث [إياس بن عبدٍ] (٣) عند أهل السنن (٤) بنحوه وصححه الترمذي (٥)، وقال أبو الفتح القشيري (٦): هو على شرطهما، ولكن حديث عمرو بن شعيب في إسناده ليث بن أبي سليم (٧). وقد رواه الطبراني في الصغير (٨) من حديث الأعمش عن عمرو بن شعيب. ورواه في الكبير (٩) من حديث واثلة بلفظ آخر: وإسناده ضعيف. وحديث عائشة رواه ابن ماجه (١٠) من طريق عبد الله بن إسماعيل وهو ابن

стр. 5054

أبي خالد الكوفي، قال أبو حاتم (١): مجهول، وكذا قال في التقريب (٢). قوله: (فضل الماء) المراد به ما زاد على الحاجة. ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد (٣) من حديث أبي هريرة بلفظ: "ولا يمنع فضل ماء بعد أن يستغني عنه". قال في الفتح (٤): وهو محمول عند الجمهور على ماء البئر المحفورة في الأرض المملوكة؛ وكذلك في الموات إذا كان لقصد التملك. والصحيح عند الشافعية (٥) ونص عليه في القديم وحرملة: أن الحافر يملك ماءها.

стр. 5055

وأما البئر المحفورة في الموات لقصد الارتفاق لا التملك، فإن الحافر لا يملك ماءها بل يكون أحق به إلى أن يرتحل. وفي الصورتين يجب عليه بذل ما يفضل عن حاجته، والمراد حاجة نفسه وعياله وزرعه وماشيته، هذا هو الصحيح عند الشافعية (١). وخص المالكية (٢) هذا الحكم بالموات، وقالوا في البئر التي لا تملك: لا يجب عليه بذل فضلها. وأما الماء المحرز في الإناء فلا يجب بذل فضله لغير المضطر على الصحيح. اهـ. قال في البحر (٣): "والماء على أضرب: حق إجماعًا؛ كالأنهار غير المستخرجة والسيول. وملك إجماعًا؛ كماء يحرز في الجرار ونحوها. ومختلف فيه؛ كماء الآبار والعيون والقناة المحتفرة في الملك". اهـ. والقنا (٤): هي بفتح القاف، [هي] (٥) الكظامة (٦) التي تحت الأرض، وسيأتي ذكر الخلاف في ذلك. قال ابن بطال (٧): لا خلاف بين العلماء أن صاحب الحق أحق بمائه حتى يروي. قال الحافظ (٨): وما نفاه من الخلاف هو على القول بأن الماء يملك، فكأن الذين يذهبون إلى أنه يملك - وهم الجمهور - هم الذين لا خلاف عندهم في ذلك.

стр. 5056

وقد استدلّ بتوجه النهي إلى الفضل على جواز بيع الماء الذي لا فضل فيه، وقد تقدم الكلام على ذلك في البيع. قوله: (ليمنع به الكلأ) بفتح الكاف واللام بعدها همزة مقصورة: وهو النبات رطبه ويابسه. والمعنى أن يكون حول البئر كلأ ليس عنده ماء غيره ولا يمكن أصحاب المواشي رعيه إلا إذا مُكِّنوا من سقي بهائمهم من تلك البئر لئلا يتضرُّروا بالعطش بعد الرعي فيستلزم منعهم من الماء منعهم من الرعي، وإلى هذا التفسير ذهب الجمهور، وعلى هذا يختص البذل بمن له ماشية ويلحق به الرعاة إذا احتاجوا إلى الشرب، لأنه إذا منعهم من الشرب امتنعوا من الرعي هناك. ويحتمل أن يقال: يمكنهم حمل الماء لأنفسهم لقلة ما يحتاجون إليه منه بخلاف البهائم، والصحيح الأول، ويلتحق بذلك الزرع عند مالك (١). والصحيح عند الشافعية (٢) وبه قالت الحنفية (٣)، الاختصاص بالماشية، وفرَّق الشافعي فيما حكاه المزني عنه بين المواشي والزرع بأن الماشية ذات أرواح يخشى من عطشها موتها بخلاف الزرع، وبهذا أجاب النووي (٤) وغيره. واستدل لمالك بحديث جابر (٥) المتقدم لإطلاقه وعدم تقييده. وتعقب بأنه يحمل على المقيد، وعلى هذا لو لم يكن هناك كلأ يرعى فلا منع من المنع لانتفاء العلة. قال الخطابي (٦): والنهي عند الجمهور للتنزيه وهو محتاج إلى دليل يصرف النهي عن معناه الحقيقي وهو التحريم.

стр. 5057

قال في الفتح (١): وظاهر الحديث وجوب بذله مجانًا، وبه قال الجمهور. وقيل: لصاحبه طلب القيمة من المحتاج إليه كما في طعام المضطر. وتعقب بأنه يلزم منه جواز البيع حالة امتناع المحتاج من بذل القيمة. ورد بمنع الملازمة فيجوز أن يقال: يجب عليه البذل وتثبت له القيمة في ذمة المبذول له، فيكون أخذ القيمة منه متى أمكن، ولكنه لا يخفى أن رواية: "لا يباع فضل الماء"، ورواية: "النهي عن بيع فضل الماء"، يدلان على تحريم البيع، ولو جاز له أخذ العوض لجاز له البيع. قوله: (نقع البئر) (٢)، أي: الماء الفاضل فيها عن حاجة صاحبها. وفيه دليل على أنه لا يجوز منع فضل الماء الكائن في البئر كما لا يجوز منع فضل ماء النهر وأنه لا فرق بينهما، والنقع بفتح النون وسكون القاف بعدها عين مهملة. [الباب الثالث] باب الناس شركاء في ثلاث وشرب الأرض العليا قبل السفلى إذا قلّ الماء أو اختلفوا فيه ٩/ ٢٤٠٤ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ أنْ النَّبِيّ ﷺ قال: "لا يُمْنَعُ المَاءُ وَالنَّارُ وَالكَلأُ"، رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ) (٣). [صحيح]

стр. 5058

١٠/ ٢٤٠٥ - (وَعَنْ [أبي خِداشٍ] (١) عَنْ بَعْضِ أصحَابِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "المُسْلمُونَ شرَكاء فِي ثَلاثَةٍ: فِي المَاءِ وَالكلأ وَالنَّارِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وأبُو دَاوُدَ (٣). [صحيح] وَرَوَاه ابْنُ ماجَه (٤) مِنْ حَدِيث ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَ فيهِ: "وَثَمنُهُ حَرَامٌ"). [صحيح دون الزيادة]

стр. 5059

حديث أبي هريرة قال الحافظ (١): إسناده صحيح. وحديث بعض الصحابة رواه أبو نعيم في الصحابة (٢) في ترجمة [أبي خِداش] (٣) ولم يذكر الرجل. وقد سئل أبو حاتم (٤) عنه فقال: [أبو خِداش] (٣) لم يدرك النبي ﷺ . قال الحافظ (٥): وهو كما قال؛ فقد سمَّاه أبو داود (٦) في روايته: حبان بن زيد، وهو الشرعبي (٧) تابعي معروف. قال الحافظ في بلوغ المرام (٨): ورجاله ثقات. وحديث ابن عباس فيه عبد الله بن خراش وهو متروك (٩). وقد صححه ابن السكن (١٠). وفي الباب عن ابن عمر عند الخطيب وزاد: "والملح"، وفيه عبد الحكم بن مَيْسَرة. (١١)

стр. 5060

ورواه الطبراني (١) بسند حسن عن زيد بن جبير عن ابن عمر، وله عنده طريق أخرى. وعن بُهَيْسة عن أبيها عند أبي داود (٢)، وقد تقدم (٣) لفظه في شرح حديث ابن مسعود من كتاب الوديعة والعارية. وسيأتي (٤) في باب إقطاع المعادن. وعن عائشة عند ابن ماجه (٥): أنها قالت: يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح والماء والنار" الحديث. وإسناده ضعيف، كما قال الحافظ (٦). وعن أنس عند الطبراني في الصغير (٧) بلفظ: "خصلتان لا يحل منعهما: الماء والنار"، قال أبو حاتم في العلل (٨): هذا حديث منكر. وعن عبد الله بن سرجس عند العقيلي في الضعفاء (٩) نحو حديث بهيسة.

стр. 5061

قوله: (الماء) فيه دليل على أن الناس شركة في جميع أنواع الماء من غير فرق بين المحرز وغيره. وقد تقدم في الباب الأول أن الماء المحرز في الجرار ونحوها ملك إجماعًا، ومن لازم الملك الاختصاص وعدم الاشتراك بين غير منحصرين كما [يقضي] (١) به الحديث، فإن صح هذا الإجماع كان مخصصًا لأحاديث الباب. وأما ماء الأنهار فقد تقدم أنه حق بالإجماع. واختلف في ماء الآبار والعيون والكظائم (٢)؛ فعند الشافعية (٣) والحنفية (٤) وأبي العباس وأبي طالب (٥): أنه حق لا ملك. واستدلوا بأحاديث الباب. وقال الإمام يحيى والمؤيد بالله في أحد قوليه (٦) وبعض أصحاب الشافعي (٧): إنه ملك، وأقاسوه على الماء المحرز في الجرار ونحوها. ورد بأنه بالسيول أشبه منه بماء الجرة ونحوها. قال في البحر (٨): فصل: ومن احتفر بئرًا أو نهرًا فهو أحق بمائه إجماعًا وإن بَعُدت منه أرضه وتوسط غيرها. اهـ. واختلف في ماء البِرَك؛ فقيل: حق، وقيل: ملك. قوله: (والنار)، قيل: المراد بها الشجر الذي يحطبه الناس. وقيل: المراد بها الاستصباح منها، والاستضاءة بضوئها. وقيل: المراد بها الحجارة التي توري النار إذا كانت في موات الأرض، وإذا كان المراد بها الضوء فلا خلاف أنه لا يختص به صاحبه، وكذلك إذا كان

стр. 5062

المراد بها الحجارة المذكورة، وإن كان المراد بها الشجر فالخلاف فيه كالخلاف في الحطب وسيأتي. قوله: (والكلأ) قد تقدم تفسيره في الباب الذي قبل هذا وهو أعم من الخلا (١) والحشيش؛ لأن الخلا مختص بالرطب من النبات، والحشيش مختص باليابس والكلأ يعمهما. وقيل: المراد بالكلأ (٢) هنا هو الذي يكون في المواضع المباحة؛ كالأدوية والجبال والأراضي التي لا مالك لها. وأما ما كان قد أحرز بعد قطعه فلا شركة فيه بالإجماع كما قيل. وأما النابت في الأرض المملوكة والمتحجرة ففيه خلاف، فقيل: مباح مطلقًا، وإليه ذهبت الهادوية (٣). وقيل: تابع للأرض فيكون حكمه حكمها، وإليه ذهب المؤيد بالله (٤). واعلم أن أحاديث الباب تنتهض بمجموعها فتدل على الاشتراك في الأمور الثلاثة مطلقًا ولا يخرج شيء من ذلك إلا بدليل يخص به عمومها لا بما هو أعم منها مطلقًا؛ كالأحاديث القاضية بأنه: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" (٥)، لأنها مع كونها أعم إنما تصلح للاحتجاج بها بعد ثبوت الملك وثبوته في الأمور الثلاثة محل النزاع. ١١/ ٢٤٠٦ - (وَعَنْ عُبادَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي شُرْبِ النَّخْلِ مِنَ السَّيْلِ أن الأَعْلَى يَشْرَبُ قَبْلَ الأسْفَلِ، ويُتْرَكُ المَاءُ إلى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُرْسَلُ المَاءُ إلى الأسْفَلِ الَّذِي يَليهِ وكَذَلكَ حتَّى تَنْقَضِيَ الحَوَائطُ أوْ يَفْنَى المَاءُ. رَوَاهُ ابْنُ ماجَهَ (٦) وَعَبْدُ الله بْنُ أحْمَدَ) (٧). [صحيح لغيره]

стр. 5063

١٢/ ٢٤٠٧ - (وَعَنْ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عَنْ أبيه عَنْ جَدِّه أنْ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى في سَيْلِ مَهْزُورٍ أنْ يُمْسَكَ حتَّى يَبْلُغَ الكَعْبيْنِ، ثُمَّ يُرْسَلُ الأعْلَى على الأسْفَلِ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١) وَابْنُ ماجَهْ) (٢). [حسن] حديث عبادة أخرجه أيضًا البيهقي (٣) والطبراني (٤) وفيه انقطاع. وحديث عمرو بن شعيب في إسناده عبد الرحمن بن الحارث المخزومي المدني تكلم فيه الإمام أحمد (٥). وقال الحافظ في الفتح (٦): إن إسناد هذا الحديث حسن. ورواه الحاكم في المستدرك (٧) من حديث عائشة: "أنه قضى ﷺ في سيل مهزور أن الأعلى يرسل إلى الأسفل ويحبس قدر الكعبين"، وأعله الدارقطني بالوقف وصححه الحاكم. ورواه ابن ماجه (٨) وأبو داود (٩) من حديث ثعلبة بن أبي مالك.

стр. 5064

ورواه عبد الرزاق في مصنفه (١) عن [أبي حاتم القرظي] (٢) عن أبيه عن جده: "أنه سمع كبراءهم يذكرون أن رجلًا من قريش كان [له] (٣) سهم في بني قريظة، فخاصم إلى رسول الله ﷺ في مهزور السيل الذي يقسمون ماءه، فقضى بينهم رسول الله ﷺ أن الماء إلى الكعبين لا يحبس الأعلى على الأسفل". قوله: (مهزور)، بفتح الميم وسكون الهاء بعدها زاي مضمومة ثم واو ساكنة ثم راء: وهي وادي بني قريظة بالحجاز (٤). قال البكري في المعجم (٥) هو واد من أودية المدينة، وقيل: موضع سوق المدينة، وكان قد تصدق به رسول الله ﷺ على المسلمين فأقطعه عثمان الحارث بن الحكم أخا مروان، وأقطع مروان فدك. وقال ابن الأثير (٦) والمنذري (٧): أما مهروز بتقديم الراء على الزاي: فموضع سوق المدينة. وأحاديث الباب تدل على أن الأعلى تستحق أرضه الشرب بالسيل والغيل وماء البئر قبل الأرض التي تحتها، وأن الأعلى يمسك الماء حتى يبلغ إلى الكعبين: أي كعبي رجل الإنسان الكائنين عند مفصل الساق والقدم ثم يرسله بعد ذلك. وقال في البحر (٨): إن الماء إذا كان قليلًا فحدَّه أن يعم أرض الأعلى إلى

стр. 5065

الكعبين في النخيل وإلى الشراك في الزرع لقضائه ﷺ بذلك في خبر عبادة (١) يعني المذكور في الباب. قال: وأما قوله ﷺ للزبير: "اسق أرضك حتى يبلغ الجدر" (٢). فقيل: عقوبة لخصمه. وقيل: بل هو المستحق، وكان أمره ﷺ بالتفضل، فإن كانت الأرض بعضها مطمئن فلا يبلغ في بعضها الكعبين إلا وهو في المطمئن إلى الركبتين، قدم المطمئن إلى الكعبين ثم حبسه وسقى باقيها. قال أبو طالب (٣): العبرة بالكفاية للأعلى. اهـ. وهو المختار عند الهادوية. قال ابن التين (٤): الجمهور على أن الحكم أن يمسك إلى الكعبين، وخصه ابن كنانة بالنخل والشجر، قال: وأما الزرع فإلى الشراك. وقال الطبري (٥): الأراضي مختلفة فيمسك لكل أرض ما يكفيها. وسيأتي بقية الكلام على هذه المسألة في شرح حديث الزبير إن شاء الله تعالى. وقد أورده المصنف ﵀ في باب النهي عن الحكم في حال الغضب من كتاب الأقضية (٦).

стр. 5066

[الباب الرابع] باب الحمى لدواب بيت المال ١٣/ ٢٤٠٨ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أن النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقيعَ لِلْخَيلِ خَيْلِ المُسْلِمِينَ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١). وَالنَّقيعُ بالنُّونِ: مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ). [حسن لغيره] ١٤/ ٢٤٠٩ - (وَعَنِ الصّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقِيعَ، وَقَالَ: "لا حِمَى إلَّا لله وَلِرَسُولِهِ". رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وأبُو دَاوُدَ (٣). [صحيح] وَللْبُخارِيِّ (٤) مِنْهُ: "لا حِمَى إلا لله وَلرَسُولهِ". وَقَالَ: بَلَغَنا أن النَّبِيَّ ﷺ حَمَى النَّقيعَ، وأنَّ عُمَرَ حَمَى شَرَفَ وَالرَّبَذَةَ). [صحيح] ١٥/ ٢٤١٠ - (وَعَنْ أسْلَمَ مَوْلى عُمَرَ أن عُمَرَ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا على الحِمَى، فَقالَ: يا هُنَيٌّ اضْمُمْ جَناحَكَ على المُسْلِمِينَ، وَاتَّق دَعْوَةَ المَظْلُومِ فإنَّ دَعْوَةَ المظْلُومِ مُسْتَجابَةٌ، وأدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبّ الغُنَيْمةِ، وإِيَّاي، وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانٍ، فإنَّهُمَا إنْ تَهْلكْ ماشِيَتُهما يَرْجِعان إلى نَخْلٍ وَزَرْعٍ؛ وَرَبُّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبُّ الغُنَيْمَةِ إنْ تَهْلكْ ماشِيَتُهُما يَأتِينِي بِبَنِيْهِ يَقُول: يا أمِير المُؤمِنِينَ، أفَتارِكُهم أنا لا أَبَا لكَ، فالمَاء وَالكَلأ أيْسَرُ عَليّ مِنَ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَايْمُ الله إنَّهُمْ ليَرَوْنَ أنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ إنَّها لبلادُهم قاتَلُوا عَلَيْها في الجاهِلِية،

стр. 5067

وأسْلَمُوا عَلَيْها في الإسْلامِ، وَالذي نَفْسي بِيَدِهِ لَوْلا المَالُ الَّذِي أحْملُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ الله ما حَمَيْتُ عَلَيْهِم مِنْ بِلادِهِمْ شَيْئًا. رَوَاهُ البُخارِيّ) (١). [صحيح] حديث ابن عمر أخرجه أيضًا ابن حبان (٢). وحديث الصعب أخرجه أيضًا الحاكم (٣). قال البيهقي (٤): إن قوله: "حمى النقيع" من قول الزهري. وروى الحديث النسائي (٥) فذكر الموصول فقط، أعني قوله: "لا حمى إلّا لله ولرسوله". ويؤيد ما قاله البيهقي؛ أن أبا داود أخرجه من حديث ابن وهب عن يونس عن الزهري … فذكره، وقال في آخره: قال ابن شهاب: وبلغني أن النبي ﷺ حمى النقيع. وقد وهم الحاكم فزعم أن حديث: "لا حمى إلّا لله" متفق عليه، وهو من أفراد البخاري، وتبع الحاكم في وهمه أبو الفتح القشيري في "الإلمام" (٦) وابن الرفعة (٧) في "المطلب" (٨).

стр. 5068

وأثر عمر أخرجه أيضًا الشافعي (١) عن الدراوردي عن زيد بن أسلم عن أبيه مثله. وأخرجه عبد الرزاق (٢) عن معمر عن الزهري مرسلًا. قوله: (حمى النقيع) (٣) أصل الحمى عند العرب أن الرئيس منهم كان إذا نزل منزلًا مخصبًا استعوى كلبًا على مكان عال، فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل جانب، فلا يرعى فيه غيره ويرعى هو مع غيره فيما سواه. والحمى: هو المكان المحمي، وهو خلاف المباح، ومعناه أن يمنع من الأحياء في ذلك الموات ليتوفر فيه الكلأ، فترعاه مواش مخصوصة [ويمنع] (٤) غيرها. والنقيع: هو بالنون، كما ذكر المصنف. وحكى الخطابي (٥) أن بعضهم صحَّفه فقال بالموحدة، وهو على عشرين فرسخًا (٦) من المدينة، وقدره ميل (٧) في ثمانية أميال، ذكر ذلك ابن وهب في موَطئه، وأصل النقيع كل موضع يستنقع فيه الماء (٨)، وهذا النقيع المذكور في هذا الحديث غير نقيع الخضمات الذي جمع فيه أسعد بن زرارة بالمدينة على المشهور كما قال الحافظ (٩): وقال ابن الجوزي (١٠): إن بعضهم قال: إنهما واحد، قال: والأول أصح. قوله: (لا حمى إلا لله ولرسوله)، قال الشافعي (١١): يحتمل معنى الحديث شيئين:

стр. 5069

(أحدهما): ليس لأحد أن يحمي للمسلمين إلا ما حماه النبي ﷺ . (والآخر معناه): إلا على مثل ما حماه عليه النبي ﷺ . فعلى الأول: ليس لأحد من الولاة بعده أن يحمي، وعلى الثاني: يختص الحمى بمن قام مقام رسول الله ﷺ ، وهو الخليفة خاصة. قال في الفتح (١): وأخذ أصحاب الشافعي (٢) من هذا أن له في المسألة قولين، والراجح عندهم الثاني، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ. اهـ. [ومن] (٣) أصحاب الشافعي (٢) من ألحق بالخليفة ولاة الأقاليم. قال الحافظ (٤): ومحل الجواز مطلقًا أن لا يضر بكافة المسلمين. اهـ. وظاهر قوله في الحديث الأول للخيل "خيل المسلمين" أنه لا يجوز للإمام على فرض إلحاقه بالنبي [ ﷺ ] (٥) أن يحمي لنفسه. وإلى ذلك ذهب مالك والشافعية (٦) والحنفية والهادوية (٧)، قالوا: بل يحمي لخيل المسلمين وسائر أنعامهم، ولا سيما أنعام من ضعف منهم عن الانتجاع كما فعله عمر في الأثر المذكور (٨). وقد ظن بعضهم أن بين الأحاديث القاضية بالمنع من الحمى، والأحاديث
следующие страницы →