← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 5135–5174 · переход к 5140.

стр. 5135

شاءَ تَرَكَ، فإنْ باعَهُ وَلمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أحَق بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) وَالنَّسائيُّ (٢) وأبُو دَاوُدَ) (٣). [صحيح] حديث أبي هريرة رجال إسناده ثقات. قوله: (قضى بالشفعة) قال في الفتح (٤): الشُفْعة بضم المعجم وسكون الفاء وغلط من حركها وهي مأخوذة لغة (٥) من الشفع: وهو الزوج. وقيل: من الزيادة (٦). وقيل: من الإعانة (٧). وفي الشرع (٨): انتقال حصة شريك إلى شريك كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى، ولم يختلف العلماء في مشروعيتها إلا ما نقل عن أبي بكر الأصم من إنكارها (٩). اهـ. قوله: (في كل ما لم يقسم) ظاهر هذا العموم ثبوت الشفعة في جميع الأشياء، وإنه لا فرق بين الحيوان والجماد المنقول وغيره. وقد ذهب إلى ذلك العترة (١٠) ومالك (١١) وأبو حنيفة (١٢) وأصحابه، وسيأتي تفصيل الخلاف في ذلك.

стр. 5136

قوله: (فإذا وقعت الحدود) أي: حصلت قسمة الحدود في المبيع واتضحت بالقسمة مواضعها. قوله: (وصُرفت) (١) بضم الصاد وتخفيف الراء المكسورة، وقيل: بتشديدها: أي بيِّنت مصارفها، وكأنه من التصرف [أو] (٢) التصريف. قال ابن مالك (٣): معناه خلصت وبانت وهو مشتق من الصِّرف بكسر المهملة، وهو الخالص من كل شيء، سمي بذلك لأنه صرف عنه الخلط، فعلى هذا صرف مخفف الراء؛ وعلى الأوّل: أي التصريف والتصرّف مشدّد. قوله: (فلا شفعة) استدلّ به من قال: إن الشفعة لا تثبت إلا بالخلطة لا بالجوار. وقد حكى في البحر (٤) هذا القول عن علي، وعمر (٥)، وعثمان (٦)، وسعيد بن المسيب (٧)، وسليمان بن يسار (٨)، وعمر بن عبد العزيز (٩)، وربيعة، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وعبيد الله بن الحسن والإمامية. وحكى في البحر (٤) أيضًا عن العترة، وأبي حنيفة وأصحابه، والثوري، وابن أبي ليلى، وابن سيرين، ثبوت الشفعة بالجوار.

стр. 5137

وأجابوا عن حديث جابر (١) بما قاله أبو حاتم (٢): إن قوله: "إذا وقعت الحدود … " إلخ، مدرج من قوله: وردّ بذلك بأن الأصل أن كل ما ذكره في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل ورودِ ذلكَ في حديث غيره مشعر بعدم الإدراج كما في حديث أبي هريرة (٣) المذكور في الباب. واستدل في ضوء النهار (٤) على الإدراج بعدم إخراج مُسلم لتلك الزيادة. ويجاب عنه بأنه قد يقتصر بعض الأئمة على ذكر بعض الحديث، والحكم للزيادة لا سيما وقد أخرجها مثل البخاري (٥)، على أن معنى هذه الزيادة التي ادّعى أهل القول الثاني إدراجها هو معنى قوله في كل ما لم يقسم، ولا تفاوت إلا بكون دلالة أحدهما على هذا المعنى بالمعنى بالمنطوق والآخر بالمفهوم (٦). واحتج أهل القول الثاني بالأحاديث الواردة في إثبات الشفعة بالجوار؛ كحديث سمرة (٧) والشريد بن سويد (٨) وأبي رافع (٩) وجابر (١٠) وستأتي. وأما الأحاديث القاضية بثبوت الشفعة لمطلق الشريك كما في حديث

стр. 5138

جابر (١) المذكور من قوله في كل شركة، وكما في حديث عبادة بن الصامت الآتي (٢) فلا تصلح للاحتجاج بها على ثبوت الشفعة للجار إذ لا شركة بعد القسمة. وقد أجاب أهل القول الأول عن الأحاديث القاضية بثبوت الشفعة للجار بأن المراد بها [الجار] (٣) الأخص وهو الشريك المخالط؛ لأن كل شيء قارب شيئًا يقال له: جار، كما قيل لامرأة الرجل: جارة لما بينهما من المخالطة، وبهذا يندفع ما قيل: إنه ليس في اللغة ما يقتضي تسمية الشريك جارًا. قال ابن المنير: ظاهر حديث أبي رافع (٤) الآتي أنه كان يملك بيتين من جملة دار سعد لا شقصًا شائعًا من منزل سعد. ويدل على ذلك ما ذكره عمر بن شبة أن سعدًا كان اتخذ دارين بالبلاط متقابلتين بينهما عشرة أذرع، وكانت التي عن يمين المسجد منهما لأبي رافع، فاشتراها سعد منه .. ثم ساق الحديث الآتي، فاقتضى كلامه أن سعدًا كان جارًا لأبي رافع قبل أن يشتري منه داره لا شريكًا، كذا قال الحافظ (٥). وقال أيضًا: إنه ذكر بعض الحنفية (٦) أنه يلزم الشافعية (٧) القائلين بحمل اللفظ على حقيقته ومجازه أن يقولوا بشفعة الجار، لأن الجار حقيقة في [المجاور] (٨) مجازًا في الشريك. وأجيب بأن محل ذلك عند التجرد، وقد قامت القرينة هنا على المجاز فاعتبر الجميع بين حديثي جابر (١) وأبي رافع (٤)، فحديث جابر صريح في اختصاص الشفعة بالشريك. وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقًا؛ لأنه

стр. 5139

يقتضي أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجوار قدموا الشريك مطلقًا، ثم المشارك في الشرب، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار على من ليس بمجاور. وأجيب بأن المفضل عليه مقدر: أي الجار أحق من المشتري الذي لا جوار له. قال في القاموس (١): الجار المجاور والذي أجرته من أن يظلم والمجير والمستجير والشريك في التجارة وزوج المرأة وما قرب من المنازل والمقاسم والحليف والناصر. اهـ. والحاصل أن الجار المذكور في الأحاديث الآتية إن كان يطلق على الشريك في الشيء والمجاور له بغير شركة كانت مقتضية بعمومها لثبوت الشفعة لهما جميعًا. وحديث جابر (٢) وأبي هريرة (٣) المذكوران يدلان على عدم ثبوت الشفعة للجار الذي لا شركة له فيخصصان عموم أحاديث الجار. ولكنه يشكل على هذا الحديث الشريد بن سويد (٤)، فإن قوله: "ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار"، مشعر بثبوت الشفعة لمجرد الجوار، وكذلك حديث سمرة (٥) لقوله فيه: "جار الدار أحق بالدار"، فإن ظاهره أن الجوار المذكور جوار لا شركة فيه. ويجاب بأن هذين الحديثين لا يصلحان لمعارضة ما في الصحيح، على أنه يمكن الجمع بما في حديث جابر الآتي (٦) بلفظ: "إذا كان طريقهما واحدًا"، فإنه يدل على أن الجوار لا يكون مقتضيًا للشفعة إلا مع اتحاد الطريق لا بمجرده. ولا عذر لمن قال بحمل المطلق على المقيد من هذا إن قال بصحة هذا الحديث.

стр. 5140

وقد قال بهذا؛ أعني ثبوت الشفعة للجار مع اتحاد الطريق، بعض الشافعية (١)، ويؤيده أن شرعية الشفعة إنما هي لدفع الضرر، وهو إنما يحصل في الأغلب مع المخالطة في الشيء المملوك أو في طريقه، ولا ضرر على جار لم يشارك في أصل ولا طريق إلا نادرًا، واعتبار هذا النادر يستلزم ثبوت الشفعة للجار مع عدم الملاصقة؛ لأن حصول الضرر له قد يقع في نادر الحالات كحجب الشمس والاطلاع على العورات ونحوهما من الروائح الكريهة التي يتأذى بها ورفع الأصوات وسماع بعض المنكرات، ولا قائل بثبوت الشفعة لمن كان كذلك، والضرر النادر غير معتبر؛ لأن الشارع علق الأحكام بالأمور الغالبة، فعلى فرض أن الجار لغة لا يطلق إلا على من كان ملاصقًا غير مشارك ينبغي تقييد الجوار باتحاد الطريق، ومقتضاه أن لا تثبت الشفعة بمجرد الجوار وهو الحق. وقد زعم صاحب المنار (٢) أن الأحاديث تقتضي ثبوت الشفعة للجار والشريك ولا منافاة بينها. ووجه حديث جابر (٣) بتوجيه بارد، والصواب ما حررناه. قوله: (في كل شركة) في مُسلم (٤) وسنن أبي داود (٥): "في كل شِرْك"، وهو بكسر الشين المعجمة وإسكان الراء من أشركته في البيع إذا جعلته لك شريكًا، ثم خفف المصدر بكسر الأول وسكون الثاني، فيقال: شرك وشركة كما يقال كلم وكلمة. قوله: (رَبْعة) بفتح الراء وسكون الموحدة تأنيث ربع: وهو المنزل الذي يرتبعون فيه في الربيع ثم سمي به الدار والمسكن (٦).

стр. 5141

قوله: (لا يحل له أن يبيع) إلخ، ظاهره أنه يجب على الشريك إذا أراد البيع أن يؤذن شريكه. وقد حكى مثل ذلك القرطبي (١) عن بعض مشايخه. وقال في شرح الإرشاد (٢): الحديث يقتضي أنه يحرم البيع قبل العرض على الشريك. قال ابن الرفعة (٣): ولم أظفر به عن أحد من أصحابنا ولا محيد عنه (٤). وقد قال الشافعي (٥): إذا صح الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط. وقال الزركشي (٦): إنه صرح به الفارِقي. قال الأذرعي: إنه الذي يقتضيه نص الشافعي، وحمله الجمهور من الشافعية وغيرهم على الندب وكراهة ترك الإعلام، قالوا: لأنه يصدق على المكروه أنه ليس بحلال، وهذا إنما يتم إذا كان اسم الحلال مختصًا بما كان مباحًا أو مندوبًا أو واجبًا وهو ممنوع، فإن المكروه من أقسام الحلال كما تقرر في الأصول.

стр. 5142

قوله: (فإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به)، فيه دليل على ثبوت الشفعة للشريك الذي لم يؤذنه شريكه بالبيع، وأما إذا أعلمه الشريك بالبيع فأذن فيه فباع ثم أراد الشريك أن يأخذه بالشفعة، فقال مالك (١) والشافعي (٢) وأبو حنيفة والهادوية (٣) وابن أبي ليلى والبتي وجمهور أهل العلم (٤): إن له أن يأخذه بالشفعة ولا يكون مجرد الإذن مبطلًا لها. وقال الثوري والحكم وأبو عبيد وطائفة من أهل الحديث: ليس له أن يأخذه بالشفعة بعد وقوع الإذن منه بالبيع (٥). وعن أحمد (٦) روايتان كالمذهبين. ودليل الآخرين مفهوم الشرط، فإنه يقتضي عدم ثبوت الشفعة مع الإيذان من البائع. ودليل الأولين الأحاديث الواردة في شفعة الشريك والجار من غير تقييد. وهي منطوقات لا يقاومها ذلك المفهوم. ويجاب بأن المفهوم المذكور صالح لتقييد تلك المطلقات عند من عمل بمفهوم الشرط من أهل العلم والترجيح إنما يصار إليه عند تعذر الجمع، وقد أمكن هاهنا بحمل المطلق على المقيد.

стр. 5143

٤/ ٢٤٥٤ - (وَعَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أن النَّبِيّ ﷺ قَضَى بالشفْعَةِ بَيْنَ الشُّرَكاءِ في الأرْضِينَ وَالدورِ. رَوَاهُ عَبْدُ الله بْنُ أحْمَدَ في المُسْنَدِ (١). [إسناده منقطع] وَيحْتَجُّ بِعُمُومِهِ مَنْ أثْبَتَهَا للشَّرِيك فِيما تَضرُّهُ القِسْمَةُ). ٥/ ٢٤٥٥ - (وَعَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قَالَ: "جارُ الدَّارِ أحَقّ بالدَّارِ مِنْ غَيْرِهِ"، رَوَاهُ أحمَدُ (٢) وأبُو دَاوُدَ (٣) والتِّرْمِذِي وَصحَّحَهُ) (٤). [صحيح لغيره] ٦/ ٢٤٥٦ - (وَعَنِ الشَّريد بْنِ سُوَيْد قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله، أرْضٌ لَيْسَ لأحَدٍ فِيها شِرْكٌ وَلا قِسْمٌ إلَّا الجِوَارُ؟ فَقَالَ: "الجارُ أحَق بسقَبِهِ ما كانَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَالنَّسَائيُّ (٦) وَابْنُ ماجَهْ (٧). [صحيح] وَلابْنِ ماجَهْ (٨) مُخْتَصَرٌ: "الشَّرِيكُ أحَق بِسَقَبِهِ ما كان". [صحيح] حديث عبادة أخرجه أيضًا الطبراني في الكبير (٩)، وهو من رواية إسحاق عن عبادة ولم يدركه. وتشهد لصحته الأحاديث الواردة في ثبوت الشفعة فيما هو أعم من الأرض

стр. 5144

والدار؛ كحديث جابر المتقدم (١)؛ وكحديث ابن عباس عند البيهقي (٢) مرفوعًا بلفظ: "الشفعة في كل شيء" ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال. وأخرج الطحاوي (٣) له شاهدًا من حديث جابر بإسناد لا بأس برواته كما قال الحافظ (٤). ويشهد لحديث عبادة (٥) أيضًا الأحاديث الواردة بثبوت الشفعة في خصوص الأرض؛ كحديث شريد بن سويد (٦) المذكور وفي خصوص الدار؛ كحديث سمرة (٧) المذكور أيضًا. وهكذا [تشهد] (٨) له الأحاديث القاضية بثبوت الشفعة للجار على العموم.

стр. 5145

وحديث سمرة أخرجه أيضًا البيهقي (١) والطبراني (٢) والضياء (٣)، وفي سماع الحسن [من] (٤) سمرة مقال معروف قد تقدم التنبيه عليه. ولكنه أخرج هذا الحديث أبو بكر بن أبي خيثمة في تاريخه (٥) والطحاوي (٦) وأبو يعلى (٧) والطبراني في الأوسط (٨) والضياء (٩) عن أنس. وأخرجه ابن سعد (١٠) عن الشريد بن سويد بلفظ حديث سمرة المذكور. وحديث الشريد بن سويد أخرجه أيضًا عبد الرزاق (١١) والطيالسي (١٢) والدارقطني (١٣) والبيهقي (١٤). قال في المعالم (١٥): إن حديث: "الجار أحق بسقبه" لم يروه أحد غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وتكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث. قال (١٦): وقد تكلم الناس في إسناد هذا الحديث واضطراب الرواة فيه. فقال بعضهم: عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع، وقال بعضهم: عن أبيه عن أبي رافع، وأرسله بعضهم.

стр. 5146

والأحاديث التي جاءت في نقيضه أسانيدها جياد ليس في شيء منها اضطراب. قوله: (جار الدار أحق) قال في شرح السنة (١): هذه اللفظة تستعمل فيمن لا يكون غيره أحق منه، والشريك بهذه الصفة أحق من غيره وليس غيره أحق منه. وقد استدل بهذا القائلون بثبوت الشفعة للجار. وأجاب المانعون بأنه محمول على تعهده بالإحسان والبر بسبب قرب داره، كذا قال الشافعي، ولا يخفى بُعده، ولكنه ينبغي أن يقيد بما سيأتي من اتحاد الطريق ومقتضاه عدم ثبوت الشفعة بمجرد الجوار. قوله: (أحق بسقبه) (٢) بفتح السين المهملة والقاف وبعدها باء موحدة، ويقال (٣) بالصاد المهملة بدل السين المهملة، ويجوز فتح القاف وإسكانها وهو القرب والمجاورة. وقد استدل بهذا الحديث القائلون بثبوت شفعة الجار. وأجاب المانعون بما سلف. قال البغوي (٤): ليس في هذا الحديث ذكر الشفعة، فيحتمل أن يكون المراد به الشفعة، ويحتمل أن يكون أحق بالبر والمعونة. اهـ. ولا يخفى بُعد هذا الحمل لا سيما بعد قوله: "ليس لأحد فيها شرك". والأولى الجواب بحمل هذا المطلق على المقيد الآتي من حديث جابر (٥). لا يقال: إن نفي الشرك فيها يدل على عدم اتحاد الطريق فلا يصح تقييده بحديث جابر (٥) الآتي، لأنا نقول: إنما نفى الشرك عن الأرض لا عن طريقها، ولو سلم عدم صحة التقييد باتحاد الطريق فأحاديث إثبات الشفعة بالجوار [مخصصة] (٦) بما سلف، ولو فرض عدم صحة التخصيص للتصريح بنفي الشركة فهي مع ما فيها من

стр. 5147

المقال لا تنتهض لمعارضة الأحاديث القاضية بنفي شفعة الجار الذي ليس بمشارك كما تقدم. ٧/ ٢٤٥٧ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّريدِ قالَ: وَقَفْتُ على سَعَدِ بْنِ أبي وَقاصٍ، فَجاءَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ثُمَّ جاءَ أبُو رَافِعٍ مَوْلى النَّبيِّ ﷺ فَقالَ: يا سَعْدُ ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ في دَارِكَ، فَقَالَ سَعْدٌ: وَالله ما أبْتاعُهُما، فَقَالَ المِسْوَرُ: وَالله لَتَبْتَاعَنَّهُما، فَقَالَ سَعْدٌ: وَالله ما أزِيدُك عَلى أرْبَعَةِ آلافٍ مُنَجَّمَةٍ أوْ مُقَطَّعَةٍ، قالَ أبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَمائَةِ دِينارٍ، وَلَوْلا أني سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يَقُولُ: "الجارُ أحَق بِسَقَبِهِ" ما أعْطَيْتُكَها بأرْبَعَةِ آلاف وأنا أُعْطَى بِها خَمْسمائَةِ دِينارٍ، فأعْطاها إيَّاهُ. رَوَاهُ البُخارِيّ) (١). [صحيح] قوله: (ابتع [مني] (٢) بيتي) بلفظ التثنية، أي: البيتين الكائنين في دارك. قوله: (فقال المسور) في رواية أن أبا رافع (٣) سأل المسور أن يساعده على ذلك. قوله: (منجَّمة أو مقطَّعة) شك من الراوي، والمراد مؤجَّلة على أقساط معلومة. قوله: (أربعة آلاف) في رواية للبخاري في كتاب ترك الحيل من صحيحه (٤): "أربعمائة مثقال"، وهو يدل على أن المثقال إذ ذاك كان بعشرة دراهم، والحديث فيه مشروعية العرض على الشريك، وقد تقدم الكلام على ذلك. وفيه أيضًا ثبوت الشفعة بالجوار، وقد سلف بيانه. قال المصنف (٥) ﵀: ومعنى الخبر والله أعلم إنما هو الحث على عرض المبيع قبل البيع على الجار وتقديمه على غيره من الزبون كما فهمه الراوي

стр. 5148

[له] (١)، فإنه أعرف بما سمع. اهـ. الزَّبْنُ: الدَّفْعُ، ويُطلَقُ على بيع المزابنةِ. وقد تقدم، وعلى بيع المجهول بالمجهول من جنسه، وعلى بيع المغابنة في الجنس الذي لا يجوز فيه الغبن، أفاد معنى ذلك في القاموس (٢). ٨/ ٢٤٥٨ - (وَعَنْ عَبْدِ المَلِك بْنِ أبي سُلَيْمانَ عَنْ عَطاءٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "الجارُ أحَقُّ بِشُفْعَةِ جارِهِ يُنْتَظَرُ بِها وَإنْ كانَ غائِبًا إذَا كانَ طَرِيقُهُما وَاحِدًا". رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ) (٣). [ضعيف] الحديث حسنة الترمذي (٤)، قال: ولا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر، وقد تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث، وعبد الملك هو ثقة مأمون عند أهل الحديث. اهـ. وقال الشافعي (٥): نخاف أن لا يكون محفوظًا. وقال الترمذي (٦): سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: لا أعلم أحدًا رواه عن عطاء غير عبد الملك تفرد به. ويروى عن جابر خلاف هذا. اهـ. قال المصنف (٧) رحمه الله تعالى: وعبدُ الملك هذا ثِقة مأمونٍ، ولكن قد أنكر عليه هذا الحديث.

стр. 5149

قال شعبةُ: سها فيه عبد الملك، فإن روى حديثًا مثله طرحتُ حديثه، ثم ترك شعبة التحديث عنه. وقال أحمد: هذا الحديث منكر. وقال ابن معين: لم يروه غير عبد الملك، وقد أنكروه عليه. قلت: ويقوي ضعفه رواية جابر الصحيحة (١) المشهورة المذكورة في أول الباب. اهـ. ولا يخفى أنه لم يكن في شيء من كلام هؤلاء الحفاظ ما يقدح بمثله. وقد احتج مسلم في صحيحه بحديث عبد الملك بن أبي سليمان (٢) وأخرج له أحاديث، واستشهد به البخاري، ولم يخرجا له هذا الحديث. قوله: (ينتظر بها) مبني للمفعول. قال ابن رسلان: يحتمل انتظار الصبي بالشفعة حتى يبلغ.

стр. 5150

وقد أخرج الطبراني في الصغير (١) والأوسط (٢) عن جابر أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ : "الصبي على شفعته حتى يدرك، فإذا أدرك فإن شاء أخذ وإن شاء ترك"، وفي إسناده عبد الله بن [بزيع (٣)] (٤). قوله: (وإن كان غائبًا) فيه دليل على أن شفعة الغائب لا تبطل وإن تراخى، وظاهره أنه لا يجب عليه السير متى بلغه للطلب أو البعث برسول كما قال مالك (٥)، وعند الهادوية (٦) أنه يجب عليه ذلك إذا كان مسافة غيبته ثلاثة أيام فما دونها، وإن كانت المسافة فوق ذلك لم يجب. قوله: (إذا كان طريقهما واحدًا) فيه دليل على أن الجوار بمجرده لا تثبت به الشفعة، بل لا بد معه من اتحاد الطريق، ويؤيد هذا الاعتبار قوله في حديث جابر (٧) وأبي هريرة (٨) المتقدمين: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة". وقد أسلفنا الكلام على الشفعة بمجرد الجوار. فائدة: من الأحاديث الواردة في الشفعة حديث ابن عمر عند ابن ماجه (٩)

стр. 5151

والبزار (١) بلفظ: "لا شفعة لغائب ولا لصغير، والشفعة كحل عقال"، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني وله مناكير كثيرة. وقال الحافظ (٢): إن إسناده ضعيف جدًّا، وضعفه ابن عدي (٣). وقال ابن حبان (٤): لا أصل له. وقال أبو زرعة: منكر. وقال البيهقي: ليس بثابت. وروى هذا الحديث ابن حزم (٥) عن ابن عمر أيضًا بلفظ: "الشفعة كحل العقال، فإن قيدها مكانه ثبت حقه وإلا فاللوم عليه"، وذكره عبد الحق في الأحكام (٦) عنه. وتعقبه ابن القطان (٧) بأنه لم يروه في المحلى، ولعله في غير المحلى. وأخرج عبد الرزاق (٨) من قول شريح: إنما الشفعة لمن واثبها، وذكره قاسم بن ثابت في دلائله، ورواه القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي (٩) بلا إسناد بلفظ: "الشفعة لمن واثبها"، أي بادر إليها، ويروى: "الشفعة كنشط عقال".

стр. 5152

[الكتاب الثاني والعشرون] كتاب اللقطة ١/ ٢٤٥٩ - (عَنْ جابرٍ قالَ: رَخَّصَ لنَا رَسُولُ الله ﷺ فِي العَصَا وَالسَّوْطِ والحَبْلِ وأشْباهِهِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفعُ بِهِ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وأَبُو دَاوُدَ) (٢). [ضعيف] ٢/ ٢٤٦٠ - (وَعنْ أنَسٍ: أن النَّبيَّ ﷺ مَرّ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرَيقِ فَقَالَ: "لَوْلا أني أخافُ أنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُها". أخرَجاهُ (٣). [صحيح] وَفيهِ إباحَةُ المُحَقَّرَاتِ فِي الحالِ). حديث جابر في إسناده المغيرة بن زياد، قال المنذري (٤): تكلم فيه غير واحد، وفي التقريب (٥): صدوق له أوهام. وفي الخلاصة (٦): وثقه وكيع وابن معين وابن عدي وغيرهم، وقال أبو حاتم (٧): شيخ لا يحتج به. قوله: (اللقطة) بضم اللام وفتح القاف على المشهور لا يعرف المحدثون غيره، كما قال الأزهري (٨).

стр. 5153

وقال عياض (١): لا يجوز غيره. وقال الخليل (٢): هي بسكون القاف؛ وأما بالفتح فهو كثير الالتقاط. قال الأزهري (٣): هذا الذي قاله هو القياس ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث: الفتح. وقال الزمخشري في "الفائق" (٤): بفتح القاف والعامة تسكنها. قال في الفتح (٥): وفيها لغتان أيضًا، لُقاطة بضم اللام ولَقطة [بفتحهما] (٦). قوله: (وأشباهه) يعني كل شيء يسير. قوله: (ينتفع به) فيه دليل على جواز الانتفاع بما يوجد في الطرقات من المحقرات، ولا يحتاج إلى تعريف. وقيل: إنه يجب التعريف بها ثلاثة أيام لما أخرجه أحمد (٧) والطبراني (٨) والبيهقي (٩) والجوزجاني. واللفظ لأحمد من حديث يعلى بن مرة مرفوعًا: "مَن التقطَ لُقَطةً يسيرةً حَبْلًا أو دِرْهمًا أو شِبْهَ ذلك، فليعرِّفْها ثلاثةَ أيامٍ، فإنْ كان فوقَ ذلك فليعرِّفْه سِتة أيامٍ". زاد الطبراني (٧): "فإنّ جاء صاحبها وإلا فليتصدق بها". وفي إسناده عمر بن عبد الله بن يعلى (١٠)، وقد صرح جماعة

стр. 5154

بضعفه (١)، ولكنه قد أخرج له ابن خزيمة متابعة، وروى عنه جماعات. وزعم ابن حزم (٢) أنه مجهول، وزعم هو وابن القطان أن يعلى وحكيمة التي روت هذا الحديث عن يعلى مجهولان. قال الحافظ (٣): وهو عجب منهما، لأنه يعلى صحابي معروف الصحبة. قال ابن رسلان: ينبغي أن يكون هذا الحديث معمولًا به؛ لأن رجال إسناده ثقات، وليس فيه معارضة للأحاديث الصحيحة بتعريف سنة؛ لأن التعريف سنة هو الأصل المحكوم به عزيمة، وتعريف الثلاث رخصة تيسيرًا للملتقط؛ لأن الملتقط اليسير يشق عليه التعريف سنة مشقة عظيمة بحيث يؤدي إلى أن أحدًا لا يلتقط اليسير والرخصة لا تعارض العزيمة، بل لا تكون إلا مع بقاء حكم الأصل كما هو مقرر في الأصول (٤).

стр. 5155

ويؤيد تعريف الثلاث ما رواه عبد الرزاق (١) عن أبي سعيد: "أن عليًا جاء إلى النبي ﷺ بدينار وجده في السوق، فقال النبي ﷺ : "عرّفه ثلاثًا"، ففعل فلم يجد أحدًا يعرفه، فقال: "كله". اهـ. وينبغي أيضًا أن يقيد مطلق الانتفاع المذكور في حديث الباب بالتعريف بالثلاث المذكور، فلا يجوز للملتقط أن ينتفع بالحقير إلا بعد التعريف به ثلاثًا حملًا للمطلق على المقيد، وهذا إذا لم يكن ذلك الشيء الحقير مأكولًا، فإن كان مأكولًا جاز أكله ولم يجب التعريف به أصلًا كالتمرة ونحوها لحديث أنس (٢) المذكور؛ لأن النبي ﷺ قد بيّن أنه لم يمنعه من أكل التمرة إلا خشية أن تكون من الصدقة، ولولا ذلك لأكلها. وقد روى ابن أبي شيبة (٣) عن ميمونة زوج النبي ﷺ أنها وجدت تمرة فأكلتها وقالت: لا يحب الله الفساد. قال في الفتح (٤): يعني أنها لو تركتها فلم تؤخذ فتؤكل لفسدت. قال (٥): وجواز الأكل هو المجزوم به عند الأكثر. اهـ. ويمكن أن يقال: إنه يقيد حديث التمرة بحديث التعريف ثلاثًا كما قيد به حديث الانتفاع ولكنها لم تجر للمسلمين عادة بمثل ذلك، وأيضًا الظاهر من قوله ﷺ : "لأكلتها"؛ أي في الحال ويبعد كل البعد [أن] (٦) يريد ﷺ لأكلتها بعد التعريف بها ثلاثًا. وقد اختلف أهل العلم في مقدار التعريف بالحقير، فحكى في البحر (٧) عن

стр. 5156

زيد بن علي، والناصر، والقاسمية، والشافعي (١) أنه يعرف به سنة كالكثير. وحكى (٢) عن المؤيد بالله والإمام يحيى وأصحاب أبي حنيفة أنه يعرف به ثلاثة أيام. واحتج الأولون بقوله ﷺ : "عرِّفها سنة"، قالوا: ولم يفصِّل. واحتج الآخرون بحديث يعلى بن مرة (٣) وحديث علي (٤) [﵇] (٥) وجعلوهما مخصصين لعموم حديث التعريف سنة، وهو الصواب لما سلف، قال الإمام المهدي: قلت: الأقوى تخصيصه بما مر للحرج. اهـ. يعني تخصيص حديث السنة بحديث التعريف ثلاثًا. ٣/ ٢٤٦١ - (وَعَنْ عِياضِ بْنِ حِمارٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ وَجَدَ لُقْطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَوَيْ عَدْلٍ، أوْ لِيَحْفَظْ عِفاصَها وَوِكاءَها، فإنْ جاءَ صَاحِبُهَا فَلَا [يَكْتُمُ] (٦) فَهُوَ أحَقُّ بِها، وإنْ لَمْ يَجِئ صَاحِبُها فَهُوَ مالُ الله يُؤْتيه مَنْ يَشاءُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٧) وَابْنُ ماجَهْ) (٨). [صحيح] ٤/ ٢٤٦٢ - (وَعَنْ زيدِ بْنِ خالِدٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لا يأوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ ما لَمْ يُعَرّفها"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٩) وَمُسْلِم) (١٠). [صحيح]

стр. 5157

٥/ ٢٤٦٣ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ اللُّقْطَةِ الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، فَقَالَ: "اعْرِفْ وِكاءَها وَعِفاصَها، ثُمَّ عَرِّفْها سَنَةً، فإنْ لَمْ تُعَرّفْ فاسْتَنْفِقْها وَلْتَكُنْ وَدِيعَةً عِنْدَكَ، فإنْ جاءَ طالِبُها يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، فأدّها إلَيْهِ". وَسألَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ فَقَالَ: "ما لَكَ وَلهَا، دَعْها فَإنَّ مَعَها حِذَاءَها وَسِقاءَها، تَرِدُ المَاءَ وَتأكُلُ الشَّجَرَ حتَّى يَجِدها رَبُّهَا". وَسألَهُ عَنِ الشَّاةِ فَقَالَ: "خُذْها فإنَّمَا هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ للذئْبِ" مُتَّفَق عَلَيْهِ (١) [صحيح] وَلَمْ يَقُلْ فِيه أحْمَدُ: "الذَّهَبُ أوِ الوَرِقُ"، وَهُوَ صَرِيحٌ في الْتِقاطِ الغَنَمِ. وفي رِوَايَةٍ: "فإن جاءَ صَاحِبُها فَعَرفَ عِفاصَها وَعَدَدَها وَوِكاءَها فأعْطِها إيَّاهُ وَإلَّا فَهِي لَكَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢). [صحيح] وَهُوَ دَلِيلٌ على دُخُولِهِ في مِلْكِهِ وَإنْ لَمْ يَقْصِدْ). ٦/ ٢٤٦٤ - (وَعَنْ أُبيّ بْنِ كَعْب في حَدِيثِ اللُّقْطَةِ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "عَرّفْها فإن جاءَ أحَدٌ يُخْبرُكَ بعدَّتِها وَوِعائها وَوِكائِها فأعْطِهَا إيَّاهُ وَإلَّا فاسْتَمْتِعْ بِها" مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ أحْمَدَ (٣) وَمُسْلِمٍ (٤) وَالترمِذِيِّ (٥). [صحيح] وَهُوَ دَلِيلُ وجُوبِ الدَّفْعِ بالصِّفَةِ). حديث عياض بن حمار، أخرجه أيضًا أبو داود (٦) والنسائي (٧) وابن

стр. 5158

حبان (١)، ولفظه: "ثم لا تكتم ولا تغيب، فإن جاء صاحبها فهو أحق بها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء". وفي لفظ للبيهقي (٢): "ثم لا يكتم ولْيعرف"، رواه الطبراني (٣) وله طرق. وفي الباب عن مالك بن عمير عن أبيه أخرجه أبو موسى المديني في "الذيل" (٤). قوله: (فليشهد) ظاهر الأمر يدل على وجوب الإشهاد، وهو أحد قولى الشافعي (٥)، وبه قال أبو حنيفة (٦). وفي كيفية الإشهاد قولان: (أحدهما): يشهد أنه وجد لقطة ولا يعلم بالعفاص ولا غيره لئلا يتوصل بذلك الكاذب إلى أخذها. (والثاني): يشهد على صفاتها كلها حتى إذا مات لم يتصرف فيها الوارث، وأشار بعض الشافعية (٧) إلى التوسط بين الوجهين، فقال: لا يستوعب الصفات ولكن يذكر بعضها.

стр. 5159

قال النووي (١): وهو الأصح. والثاني في قولي الشافعي أنه لا يجب الإشهاد، وبه قال مالك (٢) وأحمد (٣) وغيرهما، قالوا: وإنما يستحب احتياطًا؛ لأن النبي ﷺ لم يأمر به في حديث زيد بن خالد (٤)، ولو كان واجبًا لبيَّنه. قوله: (عفاصها) (٥) بكسر العين المهملة وتخفيف الفاء وبعد الألف صاد مهملة: وهي الوعاء الذي تكون فيه النفقة جلدًا كان أو غيره. وقيل له (٦): العفاص أخذًا من العفص: وهو الثني؛ لأن الوعاء يُثنى على ما فيه. وقد وقع في زوائد المسند لعبد الله بن أحمد (٧) في حديث أبي: "وخرقتها" بدل عفاصها، والعفاص أيضًا: الجلد الذي يكون على رأس القارورة، وأما الذي يدخل فم القارورة من جلد أو غيره فهو الصِّمام بكسر الصاد المهملة، فحيث يذكر العفاص مع الوعاء فالمراد الثاني، وحيث يذكر العفاص مع الوكاء، فالمراد به الأول كذا في الفتح (٨)، والوكاء بكسر الواو. والمدّ: الخيط الذي يشد به الوعاء الذي تكون فيه النفقة؛ [يقال] (٩): أوكيته إيكاء فهو موكأ، ومن قال الوكا بالقصر فهو وهم (١٠). قوله: (فلا يكتم)، أي: لا يجوز كتم اللقطة إذا جاء لها صاحبها وذكر من أوصافها ما يغلب الظن بصدقه.

стр. 5160

قوله: (يؤتيه من يشاء) استدل به من قال: إن الملتقط يملك اللقطة بعد أن يعرف بها حولًا وهو أبو حنيفة (١) لكن بشرط أن يكون فقيرًا، وبه قالت الهادوية (٢)، واستدلوا على اشتراط الفقر بقوله في هذا الحديث: "فهو مال الله" قالوا: وما يضاف إلى الله إنما يتملكه من يستحق الصدقة، وذهب الجمهور (٣) إلى أنه يجوز له أن يصرفها في نفسه بعد التعريف سواء كان غنيًا أو فقيرًا لإطلاق الأدلة الشاملة للغني والفقير كقوله: "فاستمتع بها"، وفي لفظ: "فهي كسبيل مالك" (٤). وفي لفظ: "فاستنفقها" (٥) وفي لفظٍ: "فهي لك" (٦) وأجابوا عن دعوى أن الإضافة تدل على الصرف إلى الفقير بأن ذلك لا دليل عليه، فإن الأشياء كلها تضاف إلى الله، قال الله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٧). قوله: (لا يأوي الضالَّة) إلخ، في نسخة "يؤوي" وهو مضارع آوى بالمدّ، والمراد بالضالّ من ليس بمهتد؛ لأن حقّ الضالّة أن يعرّف بها، فإذا أخذها من دون تعريف كان ضالًّا، وسيأتي بقية الكلام على هذ في آخر الباب. قوله: (أعرف عفاصها ووكاءها) الغرض من هذه المعرفة معرفة الآلات التي تحفظ فيها اللقطة، ويلتحق بما ذكر حفظ الجنس والصفة والقدر، وهو الكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، والزرع فيما يزرع. وقد اختلفت الروايات، ففي بعضها: معرفة العفاص والوكاء قبل التعريف، كما في الرواية المذكورة في الباب (٨). وفي بعضها: التعريف مقدم على معرفة ذلك كما في رواية للبخاري (٩) بلفظ: "عرّفها سنة، ثم اعرف عفاصها ووكاءها". قال النووي (١٠): يجمع بين الروايتين بأن يكون مأمورًا بالمعرفة في حالتين؛

стр. 5161

[فيعرّف] (١) العلامات وقت الالتقاط حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها، ثم يعرّفها مرة أخرى بعد تعريفها سنة إذا أراد أن يتملكها؛ ليعلم قدرها وصفتها إذا جاء صاحبها بعد ذلك فردها إليه. قال الحافظ (٢): ويحتمل أن تكون (ثم) في الروايتين بمعنى الواو فلا تقتضي ترتيبًا؛ فلا تقتضي تخالفًا يحتاج إلى الجمع، ويقويه كون المخرج واحدًا والقصة واحدة، وإنما يحسن الجمع بما تقدم لو كان المخرج مختلفًا، أو تعددت القصة، وليس الغرض إلا أن يقع التعرف والتعريف مع قطع النظر عن أيهما يسبق. قال (٣): واختلف العلماء في هذه المعرفة على قولين أظهرهما الوجوب لظاهر الأمر، وقيل: يستحب. وقال بعضهم: يجب عند الالتقاط ويستحب بعده. قوله: (ثم عرّفها) بتشديد الراء وكسرها: أي اذكرها للناس. قال في الفتح (٤): قال العلماء: محل ذلك (٥) المحافل كأبواب المساجد والأسواق ونحو ذلك، يقول: من ضاعت له نفقة ونحو ذلك من العبارات ولا يذكر شيئًا من الصفات. قوله: (سنة) (٦) الظاهر أن تكون متوالية، ولكن على وجه لا يكون على

стр. 5162

جهة الاستيعاب فلا يلزمه التعريف بالليل ولا استيعاب الأيام (١)، بل على المعتاد فيعرف في الابتداء كل يوم مرتين في طرفي النهار، ثم في كل يوم مرة، ثم في كل أسبوع مرة، ثم في كل شهر. ولا يشترط أن يعرّفها بنفسه بل يجوز له توكيل غيره (٢)، ويعرّفها في مكان وجودها وفي غيره، كذا قال العلماء؛ وظاهره أيضًا وجوب التعريف؛ لأن الأمر يقتضي الوجوب ولا سيما وقد سمى ﷺ من لم يعرفها ضالًا كما تقدم. وفي وجوب المبادرة إلى التعريف خلاف (٣) مبناه: هل الأمر يقتضي الفور أم لا؟ وظاهره أيضًا أنه لا يجب التعريف بعد السنة، وبه قال الجمهور (٤)، وادعى في البحر (٥) الإجماع على ذلك.

стр. 5163

ووقع في رواية من حديث أُبَيِّ عند البخاري (١) وغيره (٢) بلفظ: "وجدت صرة فيها مائة دينار، فأتيت النبي ﷺ ، فقال: "عرّفها حولًا"، فعرّفتها فلم أجد من يعرفها، ثم أتيته ثانيًا فقال: "عرّفها حولًا" فلم أجد، ثم أتيته ثالثًا فقال: "احفظ وعاءها وعددها ووكاءها، فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها" فاستمتعت، فلقيته بعد بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا". هكذا في البخاري (١)، وذكر البخاري (٣) الحديث في موضع آخر من صحيحه فزاد: "ثم أتيته الرابعة فقال: اعرف وعاءها … " إلخ. قال في الفتح (٤): القائل: "فلقتيه بعد بمكة" هو شعبة، والذي قال: "لا أدري" هو شيخه سلمة بن كهيل وهو الراوي لهذا الحديث عن سويد عن أُبيّ بن كعب. قال شعبة: فسمعته بعد عشر سنين يقول: عرّفها عامًا واحدًا، وقد بيّن أبو داود الطيالسي في مسنده (٥) القائل: "فلقيته"، والقائل: "لا أدري"، فقال في آخر الحديث: قال شعبة: "فلقيت سلمة بعد ذلك فقال: "لا أدري ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا". وبهذا تبين بطلان ما قاله ابن بطال (٦) إن الذي شك هو أُبيّ بن كعب، والقائل هو سويد بن غفلة، وقد رواه عن شعبة عن سلمة بن كهيل بغير شك جماعة وفيه ثلاثة أحوال (٣)، إلا حماد بن سلمة فإن في حديثه عامين أو ثلاثة (٧). وجمع بعضهم بين حديث أُبيّ (٨) هذا، وحديث زيد بن خالد المذكور (٩) فيه سنة فقط؛ بأن حديث أُبيّ محمول على مزيد الورع عن التصرف في اللقطة والمبالغة في التعفف عنها. وحديث زيد على ما لا بد منه. وجزم ابن حزم (١٠) وابن الجوزي (١١) بأن الزيادة في حديث أُبيّ غلط.

стр. 5164

قال ابن الجوزي: والذي يظهر لي أن سلمة أخطأ فيها، ثم ثبت واستمر على عام واحد، ولا يؤخذ إلا بما لم يشك فيه [لا بما شك] (١) فيه راويه. وقال أيضًا: يحتمل أن يكون ﷺ عرف أن تعريفها لم يقع على الوجه الذي ينبغي فأمر ثانيًا بإعادة التعريف، كما قال للمسيء [في] (٢) صلاته: "ارجع فصل فإنك لم تُصلِّ" (٣). قال الحافظ (٤): ولا يخفى بُعد هذا على مثل أُبيّ مع كونه من فقهاء الصحابة وفضلائهم. قال المنذري (٥): لم يقل أحد من أئمة الفتوى أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام إلا شريح عن عمر. وقد حكاه الماوردي (٦) عن شواذ من الفقهاء. وحكى ابن المنذر (٧) عن عمر أربعة أقوال: يعرف بها ثلاثة أحوال، عامًا واحدًا، ثلاثة أشهر؛ ثلاثة أيام. وزاد ابن حزم (٨) عن عمر قولًا خامسًا وهو: أربعة أشهر. قال في الفتح (٩): ويحمل ذلك على عظم اللقطة وحقارتها. قوله: (فإن لم تعرف فاستنفقها) إلخ، قال يحيى بن سعيد الأنصاري: لا أدري هذا في الحديث أم هو شيء من عند يزيد مولى المنبعث؟ يعني الراوي عن زيد بن خالد كما حكى ذلك البخاري عن يحيى. قال في الفتح: شك يحيى بن سعيد هل قوله: "ولتكن وديعة عنده" مرفوع أم لا؟ وهو القدر المشار إليه بهذا دون ما قبله لثبوت ما قبله في أكثر الروايات وخلوها عن ذكر الوديعة. وقد جزم يحيى بن سعيد برفعه مرة أخرى كما في

стр. 5165

صحيح مسلم (١) بلفظ: "فاستنفقها ولتكن وديعة عندك"، وكذلك جزم برفعها خالد بن مخلد عن سليمان عن ربيعة عند مسلم (٢). وقد أشار البخاري (٣) إلى رُجْحَان رفعها، فترجم (باب إذا جاء صاحبُ اللقطة [بعد سنةٍ] (٤) ردَّها عليهِ؛ لأنها وديعةٌ عندَه). والمراد بكونها وديعة أنه يجب ردها، فتجوز بذكر الوديعة عن وجوب رد بدلها بعد الاستنفاق، لا أنها وديعة حقيقة يجب أن تبقى عينها؛ لأن المأذون في استنفاقه لا تبقى عينه، كذا قال ابن دقيق العيد (٥). قال: ويحتمل أن تكون الواو في قوله: "ولتكن وديعة" بمعنى أو، أي: إما أن تستنفقها وتغرم بدلها، وإما أن تتركها عندك على سبيل الوديعة حتى يجيء صاحبها فتعطيها إياه. ويستفاد من تسميتها وديعة أنها لو تلفت لم يكن عليه ضمانها. قال في الفتح (٦): وهو اختيار البخاري تبعًا لجماعة من السلف. قوله: (فإن معها حذاءها وسقاءها) الحذاء بكسر المهملة بعدها ذال معجمة مع المد: أي خفها، والمراد بالسقاء: جوفها، وقيل: عنقها، وأشار بذلك إلى استغنائها عن الحفظ لها بما ركب في طباعها من الجلادة على العطش وتناول المأكول بغير تعب لطول عنقها فلا تحتاج إلى ملتقط. قوله: (لك أو لأخيك أو للذئب) فيه إشارة إلى جواز أخذها، كأنه قال: هي ضعيفة لعدم الاستقلال معرضة للهلاك، مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك. قال الحافظ (٧): والمراد [به] (٨) ما هو أعم من صاحبها أو ملتقط آخر. والمراد بالذئب: جنس ما يأكل الشاة من السباع، وفيه حث على أخذها؛

стр. 5166

لأنه إذا علم أنها إذا لم تؤخذ بقيت للذئب كان ذلك ادعى له إلى أخذها، وفيه رد على ما روي عن أحمد (١) في رواية: "إن الشاة لا تلتقط"، وتمسك به مالك في أنه يملكها بالأخذ ولا تلزمه غرامة ولو جاء صاحبها. واحتج على ذلك بأن النبي ﷺ سوَّى بين الذئب والملتقط، والذئب لا غرامة عليه فكذلك الملتقط. وأجيب بأن اللام ليست للتمليك؛ لأن الذئب لا يملك. وقد أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط كان له أخذها، فدل على أنها باقية على ملك صاحبها، ولا فرق بين قوله في اللقطة: "شأنك بها أو خذها" وبين قوله: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، بل الأول أشبه بالتمليك؛ لأنه لم يشرك معه ذئبًا ولا غيره. قوله: (فإن جاء أحد يخبرك) إلخ، فيه دليل على أنه يجوز للملتقط أن يرد اللقطة إلى من وصفها بالعلامات المذكورة من دون إقامة البينة، وبه قال المؤيد بالله والإمام يحيى (٢) وبعض أصحاب الشافعي وأبو بكر الرازي الحنفي، قالوا: لأنه يجوز العمل بالظن لاعتماده في أكثر الشريعة، وإذ لا تفيد البينة إلا الظن، وبه قال مالك (٣) وأحمد (٤). وحكي في البحر (٥) عن القاسمية والحنفية والشافعية: أن اللقطة لا ترد للواصف وإن ظن الملتقط صدقه إذ هو مدع فلا تقبل. وحكي في الفتح (٦) عن أبي حنيفة (٧) والشافعي (٨): أنه يجوز له الرد إلى الواصف إن وقع في نفسه صدقه ولا يجبر على ذلك إلا ببينة. قال الخطابي (٩): إن صحت هذه اللفظة، يعني قوله: "فإن جاء صاحبها

стр. 5167

يخبرك" إلخ، لم يجز مخالفتها، وهي فائدة قوله: "اعرف عفاصها" إلى آخره، وإلا فالاحتياط مع من لم ير الرد إلا بالبينة. قال (١): ويتأولون قوله: "اعرف عفاصها" على أنه أمره بذلك لئلا تختلط بماله، أو لتكون الدعوى فيها معلومة، وذكر غيره من فوائد ذلك أيضًا أن يعرف صدق المدعي من كذبه، وأن فيها تنبيهًا على حفظ المال وغيره وهو الوعاء؛ لأن العادة جرت بإلقائه إذا أخذت النفقة، وأنه إذا نبه على حفظ الوعاء كان فيه تنبيه على حفظ النفقة من باب الأولى. قال الحافظ (٢): قد صحت هذه الزيادة فتعين المصير إليها. اهـ. وهذا هو الحق، فترد اللقطة لمن وصفها بالصفات التي اعتبرها الشارع. وأما إذا ذكر صاحب اللقطة بعض الأوصاف دون بعض؛ كأن يذكر العفاص دون الوكاء، أو العفاص دون العدد، فقد اختُلِفَ في ذلك، فقيل: لا شيء له إلا بمعرفة جميع الأوصاف المذكورة. وقيل: تدفع إليه إذا جاء ببعضها، وظاهر الحديث الأول، وظاهره أيضًا أن مجرد الوصف يكفي ولا يحتاج إلى اليمين، وهذا إذا كانت اللقطة لها عفاص ووِكَاء وعَدَد، فإن كان لها البعض من ذلك فالظاهر، أنه يكفي ذكره، وإن لم يكن لها شيء من ذلك فلا بد من ذكر أوصاف مختصة بها تقوم مقام وصفها بالأمور التي اعتبرها الشارع. قوله: (وإلا فاستمتع بها) الأمر فيه للإباحة، وكذا في قوله: "فاستنفقها". وقد اختلف العلماء فيما إذا تصرف الملتقط في اللقطة بعد تعريفها سَنَة ثم جاء صاحبها هل يضمنها له أم لا؟ فذهب الجمهور (٣) إلى وجوب الردّ إن كانت العين موجودة، أو البدل إن كانت استهلكت. وخالف في ذلك الكرابيسي (٤) صاحب الشافعي، ووافقه صاحباه: البخاري

стр. 5168

وداود بن علي إمام الظاهرية، لكن وافق داود (١) الجمهور إذا كانت العين قائمة. ومن أدلة قول الجمهور ما تقدم بلفظ: "ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها … " (٢) إلخ، وكذلك قوله: "فإن جاء صاحبها فلا تكتم فهو أحق بها … " إلخ. وفي رواية [للبخاري] (٣) من حديث زيد بن خالد: "فاعرف عفاصها ووكاءها ثم كلها، فإن جاء صاحبها فأدها إليه"، أي: بدلها؛ لأن العين لا تبقى بعد أكلها. وفي رواية لأبي داود (٤): "فإن جاء باغيها فأدها إليه وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها، ثم كلها، فإن جاء باغيها فأدها إليه" فأمر بأدائها إليه قبل الإذن في أكلها وبعده. وفي رواية لأبي داود (٥) أيضًا: "فإن جاء صاحبها دفعتها إليه وإلا عرفت

стр. 5169

وكاءها وعفاصها ثم اقبضها في مالك، فإن جاء صاحبها فادفعها إليه"، والمراد بقوله: "اقبضها في مالك" اجعلها من جملة مالك، وهو بالقاف وكسر الباء من الإقباض. قال ابن رشد (١): اتفق فقهاء الأمصار مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي أن له أن يتصرف فيها، ثم قال مالك والشافعي (٢): [إنَّ] (٣) له أن يتملكها. وقال أبو حنيفة (٤): ليس له إلا أن يتصدق بها. وروي مثل قوله عن علي، وابن عباس، وجماعة من التابعين. وقال الأوزاعي: إن كان مالًا كثيرًا جعله في بيت المال. وروي مثل قول مالك (٥) والشافعي (٦) عن عمر وابن مسعود وابن عمر وكلهم [متفق] (٧) على أنه إن أكلها ضمنها لصاحبها إلا أهل الظاهرو (٨). اهـ. قال في البحر (٩): مسألة: ولا يضمن الملتقط إجماعًا إلا لتفريط، أو جناية؛ إذ هو أمين حيث لم يأخذ لغرض نفسه، فإن جنى أو فرَّط فالأكثر يضمن وداود (١٠) والكرابيسي (١١) لا يضمن لقوله ﷺ : " … فإن جاء صاحبها … " الخبر، ولم يذكر وجوب البدل. قلنا: أمر عليًا ﵇ بغرامة الدينار في الخبر المشهور وخبركم محمول على من أيس من معرفة صاحبها. اهـ. وحديث علي الذي أشار إليه أخرجه أبو داود (١٢) عن بلال بن يحيى العَبْسِي عنه: "أنه التقط دينارًا فاشترى به دقيقًا فعرفه صاحب الدقيق فرد عليه الدينار، فأخذه علي فقطع منه قيراطين فاشترى به لحمًا".

стр. 5170

قال المنذري (١): في سماع بلال بن يحيى من علي نظر. وقال الحافظ (٢): إسناده حسن. ورواه أيضًا أبو داود (٣) عن أبي سعيد الخدري: "أن علي بن أبي طالب وجد دينارًا فأتى به فاطمة، فسألت عنه رسول الله ﷺ ، فقال: "هو رزق الله"، فأكل منه رسول الله ﷺ وأكل علي وفاطمة، فلما كان بعد ذلك أتته امرأة تنشد الدينار، فقال رسول الله ﷺ : "يا علي أدِّ الدينار"، وفي إسناده رجل مجهول. وأخرجه [أيضًا أبو داود (٤)،] (٥) من وجه آخر عن [سهل بن سعد] (٦) وذكره مطوّلًا، وفي إسناده موسى بن يعقوب الزَّمْعِيّ، وثقه ابن معين (٧)، وقال ابن عدي (٨): لا بأس به. وقال النسائي (٩): ليس بالقوي.

стр. 5171

وروى هذا الحديث الشافعي (١) عن الدراوردي عن شريك بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، وزاد: "أنه أمره أن يعرفه". ورواه عبد الرزاق (٢) من هذا الوجه وزاد: "فجعل أجل الدينار وشبهه ثلاثة أيام". وفي إسناد هذه الزيادة أبو بكر بن أبي سبرة وهو ضعيف (٣) جدًّا. وقد أعلّ البيهقي (٤) هذه الروايات لاضطرابها ولمعارضتها لأحاديث اشتراط السنة في التعريف. قال: ويحتمل أن يكون إنما أباح له الأكل قبل التعريف للاضطرار. وعن عبد الرحمن بن عثمان قال: نهى رسول الله ﷺ عن لقطة الحاج. رواه أحمد (٥) ومسلم (٦)، وقد سبق قوله في بلد مكة: "ولا [تحل] (٧) لقطتها إلا لمعرِّف"، واحتج بهما من قال: لا تملك لقطة الحرم بحال بل تعرّف أبدًا. [و] (٨) الحديث الثاني قد سبق في باب صيد الحرم وشجره (٩) من كتاب الحج. قوله: (نهى عن لقطة الحاج)، هذا النهي تأوله الجمهور بأن المراد به النهي عن التقاط ذلك للملك، وأما للإنشاد بها فلا بأس. ويدل على ذلك قوله في الحديث الآخر: "ولا تحل لقطتها إلا لمعرِّف"، وفي لفظ آخر: "ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد" (١٠).

стр. 5172

قوله: (إلا لمعرِّف) قد استشكل تخصيص لقطة الحاج بمثل هذا مع أن التعريف لا بد منه في كل لقطة من غير فرق بين لقطة الحاج وغيره. وأجيب عن هذا الإشكال بأن المعنى أن لقطة الحاج لا تحل إلا لمن يريد التعريف فقط من دون تملك. فأما من أراد أن يعرّفها ثم يتملكها فلا. وقد ذهب الجمهور (١) إلى أن لقطة مكة لا تلتقط للتملك بل للتعريف خاصة. قال في الفتح (٢): وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى أربابها؛ لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبًا من وارد إليها، فإذا عرّفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها. قال ابن (٣) بطال: وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف؛ لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط لها إلى المبالغة في التعريف. واحتج ابن المنيِّر (٤) لمذهبه بظاهر الاستثناء؛ لأنه نفى الحل واستثنى المنشد، فدل على أن الحل ثابت للمنشد؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات. قال (٥): ويلزم على هذا أن مكة وغيرها سواء، [والسياق] (٦) يقتضي تخصيصها. قال الحافظ (٧): والجواب أن التخصيص إذا وافق الغالب لم يكن له مفهوم، والغالب أن لقطة مكة ييأس ملتقطها من صاحبها، وصاحبها من وجدانها لتفرق الخلق في الآفاق البعيدة، فربما داخل الملتقط الطمع في تملكها من أوّل وهلة ولا يعرّفها، فنهى الشارع عن ذلك وأمر أن لا يأخذها إلا من عرّفها. وقال إسحاق بن راهويه (٨): معنى قوله في الحديث: "إلا لمنشد"؛ أي: من سمع ناشدًا يقول: من رأى كذا فحينئذٍ يجوز لواجد اللقطة أن يرفعها ليردها

стр. 5173

على صاحبها، وهو أضيق من قول الجمهور؛ لأنه قيده بحالة للمعرّف دون حالة، ويردّ عليه قوله: "إلا لمعرّف"، والحديث يفسر بعضه بعضًا. وقد حكى في البحر (١) عن العترة وأبي حنيفة (٢) وأصحابه وأحد قولي الشافعي (٣) أنه لا فرق بين لُقَطَة الحرم وغيره. واحتجّ لهم بأن الأدلة لم تفصِّل. ٧/ ٢٤٦٥ - (وَعَنْ مُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أبي جَرِيرٍ بالْبَوَازِيجِ في السَّوَاد فَرَاحَتِ البَقَرُ، فَرأى بَقَرَةً أنْكَرَها، فَقَالَ: ما هَذه البَقرَةُ؟ قالُوا: بَقَرَة لَحَقتْ بالبَقَرِ، فأمَرَ بها فَطُرِدَتْ حتَّى تَوَارَتْ، ثُمَّ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيّ ﷺ يَقُولُ: "لا يأوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالّ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وأبُو دَاوُد (٥) وَابْنُ ماجَهْ (٦). [المرفوع صحيح] ولمَالِكٍ في الموَطأ (٧) عَنِ ابْنِ شِهاب قالَ: كانَتْ ضَوَالّ الإِبِل في زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ إبِلًا مُؤَبَّلَةً تَتَناتَجُ لا يُمْسِكُها أحَد، حتَّى إذَا كانَ عثمانُ أمَرَ بِمَعْرِفَتها، ثُمَّ تُباعَ فإذَا جاءَ صَاحِبُها أعطي ثَمنها). [موقوف ضعيف] حديث منذر أخرجه أيضًا النسائي (٨) وأبو يعلى (٩) والطبراني في الكبير (١٠) والضياء في المختارة (١١)، ويشهد له ما في صحيح مسلم (١٢) من حديث زيد بن خالد بلفظ: "لا يأوي الضالة إلا ضال" وقد تقدم (١٣). قوله: (عن منذر بن جرير) يعني ابن عبد الله البجلي. وقد أخرج لمنذر مسلم في (الزكاة، والعلم) من صحيحه.

стр. 5174

قوله: (بالبوازيج) يفتح الباء الموحدة وبعد الألف زاي معجمة بعدها تحتية ثم جيم، كذا ضبطه البكري في معجم البلدان (١) ثم قال: كذا اتفقت الروايات فيه عند أبي داود، قال: ولا أعلم هذا الاسم ورد إلا في هذا الحديث، وصوابه عندي الموازج بالميم: وهو المحفوظ. قال: والموازج من ديار هذيل، وهي متصلة بنواحي المدينة. وقال [ابن السمعاني] (٢): بوازيج بالباء الموحدة وبعد [الألف] (٣) زاي: بلدة قديمة فوق بغداد خرج منها جماعة من العلماء قديمًا وحديثًا. وقال المنذري (٤): بوازيج الأنبار فتحها جرير بن عبد الله، وبها قوم من مواليه، وليست بوازيج الملك التي بين تكريت وإربل. قوله: (لا يأوي الضالة) إلخ، قد تقدم ضبطه وتفسيره، والمراد بالضالة هنا ما يحمي نفسه من الإبل والبقر ويقدر على الإبعاد في طلب المرعى والماء بخلاف الغنم، فالحيوان الممتنع من صغار السباع لا يجوز التقاطه، سواء كان لكبر جثته؛ كالإبل والخيل والبقر، أو يمنع نفسه بطيرانه؛ كالطيور المملوكة، أو بنابه؛ كالفهود، ولا يجوز لغير الإمام ونائبه أخذها، ويمكن أن يقيد مطلق هذا الحديث بما تقدم في حديث زيد بن خالد لقوله فيه: "ما لم يعرّفها" ويكون وصف الذي يأوي الضالة بالضلال مقيدًا بعدم التعريف. وأما التقاط الإبل ونحوها فقد استفيد المنع منه من قوله ﷺ : "ما لك ولها دعها" (٥). قوله: (مؤبَّلة) كمعظمة: أي كثيرة متخذة للقنية (٦). وفي هذا الأثر جواز التقاط الإبل للإمام وجواز بيعها وإذا جاء مالكها دفع إليه الإمام ثمنها.
следующие страницы →