← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 5170–5209 · переход к 5175.

стр. 5170

قال المنذري (١): في سماع بلال بن يحيى من علي نظر. وقال الحافظ (٢): إسناده حسن. ورواه أيضًا أبو داود (٣) عن أبي سعيد الخدري: "أن علي بن أبي طالب وجد دينارًا فأتى به فاطمة، فسألت عنه رسول الله ﷺ ، فقال: "هو رزق الله"، فأكل منه رسول الله ﷺ وأكل علي وفاطمة، فلما كان بعد ذلك أتته امرأة تنشد الدينار، فقال رسول الله ﷺ : "يا علي أدِّ الدينار"، وفي إسناده رجل مجهول. وأخرجه [أيضًا أبو داود (٤)،] (٥) من وجه آخر عن [سهل بن سعد] (٦) وذكره مطوّلًا، وفي إسناده موسى بن يعقوب الزَّمْعِيّ، وثقه ابن معين (٧)، وقال ابن عدي (٨): لا بأس به. وقال النسائي (٩): ليس بالقوي.

стр. 5171

وروى هذا الحديث الشافعي (١) عن الدراوردي عن شريك بن أبي نمر عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد، وزاد: "أنه أمره أن يعرفه". ورواه عبد الرزاق (٢) من هذا الوجه وزاد: "فجعل أجل الدينار وشبهه ثلاثة أيام". وفي إسناد هذه الزيادة أبو بكر بن أبي سبرة وهو ضعيف (٣) جدًّا. وقد أعلّ البيهقي (٤) هذه الروايات لاضطرابها ولمعارضتها لأحاديث اشتراط السنة في التعريف. قال: ويحتمل أن يكون إنما أباح له الأكل قبل التعريف للاضطرار. وعن عبد الرحمن بن عثمان قال: نهى رسول الله ﷺ عن لقطة الحاج. رواه أحمد (٥) ومسلم (٦)، وقد سبق قوله في بلد مكة: "ولا [تحل] (٧) لقطتها إلا لمعرِّف"، واحتج بهما من قال: لا تملك لقطة الحرم بحال بل تعرّف أبدًا. [و] (٨) الحديث الثاني قد سبق في باب صيد الحرم وشجره (٩) من كتاب الحج. قوله: (نهى عن لقطة الحاج)، هذا النهي تأوله الجمهور بأن المراد به النهي عن التقاط ذلك للملك، وأما للإنشاد بها فلا بأس. ويدل على ذلك قوله في الحديث الآخر: "ولا تحل لقطتها إلا لمعرِّف"، وفي لفظ آخر: "ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد" (١٠).

стр. 5172

قوله: (إلا لمعرِّف) قد استشكل تخصيص لقطة الحاج بمثل هذا مع أن التعريف لا بد منه في كل لقطة من غير فرق بين لقطة الحاج وغيره. وأجيب عن هذا الإشكال بأن المعنى أن لقطة الحاج لا تحل إلا لمن يريد التعريف فقط من دون تملك. فأما من أراد أن يعرّفها ثم يتملكها فلا. وقد ذهب الجمهور (١) إلى أن لقطة مكة لا تلتقط للتملك بل للتعريف خاصة. قال في الفتح (٢): وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى أربابها؛ لأنها إن كانت للمكي فظاهر، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبًا من وارد إليها، فإذا عرّفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها. قال ابن (٣) بطال: وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف؛ لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود، فاحتاج الملتقط لها إلى المبالغة في التعريف. واحتج ابن المنيِّر (٤) لمذهبه بظاهر الاستثناء؛ لأنه نفى الحل واستثنى المنشد، فدل على أن الحل ثابت للمنشد؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات. قال (٥): ويلزم على هذا أن مكة وغيرها سواء، [والسياق] (٦) يقتضي تخصيصها. قال الحافظ (٧): والجواب أن التخصيص إذا وافق الغالب لم يكن له مفهوم، والغالب أن لقطة مكة ييأس ملتقطها من صاحبها، وصاحبها من وجدانها لتفرق الخلق في الآفاق البعيدة، فربما داخل الملتقط الطمع في تملكها من أوّل وهلة ولا يعرّفها، فنهى الشارع عن ذلك وأمر أن لا يأخذها إلا من عرّفها. وقال إسحاق بن راهويه (٨): معنى قوله في الحديث: "إلا لمنشد"؛ أي: من سمع ناشدًا يقول: من رأى كذا فحينئذٍ يجوز لواجد اللقطة أن يرفعها ليردها

стр. 5173

على صاحبها، وهو أضيق من قول الجمهور؛ لأنه قيده بحالة للمعرّف دون حالة، ويردّ عليه قوله: "إلا لمعرّف"، والحديث يفسر بعضه بعضًا. وقد حكى في البحر (١) عن العترة وأبي حنيفة (٢) وأصحابه وأحد قولي الشافعي (٣) أنه لا فرق بين لُقَطَة الحرم وغيره. واحتجّ لهم بأن الأدلة لم تفصِّل. ٧/ ٢٤٦٥ - (وَعَنْ مُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أبي جَرِيرٍ بالْبَوَازِيجِ في السَّوَاد فَرَاحَتِ البَقَرُ، فَرأى بَقَرَةً أنْكَرَها، فَقَالَ: ما هَذه البَقرَةُ؟ قالُوا: بَقَرَة لَحَقتْ بالبَقَرِ، فأمَرَ بها فَطُرِدَتْ حتَّى تَوَارَتْ، ثُمَّ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيّ ﷺ يَقُولُ: "لا يأوِي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالّ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وأبُو دَاوُد (٥) وَابْنُ ماجَهْ (٦). [المرفوع صحيح] ولمَالِكٍ في الموَطأ (٧) عَنِ ابْنِ شِهاب قالَ: كانَتْ ضَوَالّ الإِبِل في زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الخطَّابِ إبِلًا مُؤَبَّلَةً تَتَناتَجُ لا يُمْسِكُها أحَد، حتَّى إذَا كانَ عثمانُ أمَرَ بِمَعْرِفَتها، ثُمَّ تُباعَ فإذَا جاءَ صَاحِبُها أعطي ثَمنها). [موقوف ضعيف] حديث منذر أخرجه أيضًا النسائي (٨) وأبو يعلى (٩) والطبراني في الكبير (١٠) والضياء في المختارة (١١)، ويشهد له ما في صحيح مسلم (١٢) من حديث زيد بن خالد بلفظ: "لا يأوي الضالة إلا ضال" وقد تقدم (١٣). قوله: (عن منذر بن جرير) يعني ابن عبد الله البجلي. وقد أخرج لمنذر مسلم في (الزكاة، والعلم) من صحيحه.

стр. 5174

قوله: (بالبوازيج) يفتح الباء الموحدة وبعد الألف زاي معجمة بعدها تحتية ثم جيم، كذا ضبطه البكري في معجم البلدان (١) ثم قال: كذا اتفقت الروايات فيه عند أبي داود، قال: ولا أعلم هذا الاسم ورد إلا في هذا الحديث، وصوابه عندي الموازج بالميم: وهو المحفوظ. قال: والموازج من ديار هذيل، وهي متصلة بنواحي المدينة. وقال [ابن السمعاني] (٢): بوازيج بالباء الموحدة وبعد [الألف] (٣) زاي: بلدة قديمة فوق بغداد خرج منها جماعة من العلماء قديمًا وحديثًا. وقال المنذري (٤): بوازيج الأنبار فتحها جرير بن عبد الله، وبها قوم من مواليه، وليست بوازيج الملك التي بين تكريت وإربل. قوله: (لا يأوي الضالة) إلخ، قد تقدم ضبطه وتفسيره، والمراد بالضالة هنا ما يحمي نفسه من الإبل والبقر ويقدر على الإبعاد في طلب المرعى والماء بخلاف الغنم، فالحيوان الممتنع من صغار السباع لا يجوز التقاطه، سواء كان لكبر جثته؛ كالإبل والخيل والبقر، أو يمنع نفسه بطيرانه؛ كالطيور المملوكة، أو بنابه؛ كالفهود، ولا يجوز لغير الإمام ونائبه أخذها، ويمكن أن يقيد مطلق هذا الحديث بما تقدم في حديث زيد بن خالد لقوله فيه: "ما لم يعرّفها" ويكون وصف الذي يأوي الضالة بالضلال مقيدًا بعدم التعريف. وأما التقاط الإبل ونحوها فقد استفيد المنع منه من قوله ﷺ : "ما لك ولها دعها" (٥). قوله: (مؤبَّلة) كمعظمة: أي كثيرة متخذة للقنية (٦). وفي هذا الأثر جواز التقاط الإبل للإمام وجواز بيعها وإذا جاء مالكها دفع إليه الإمام ثمنها.

стр. 5175

[الكتاب الثالث والعشرون] كتاب الهبة والهدية [الباب الأول] باب افتقارها إلى القبول والقبض وأنه على ما يتعارفه الناس ١/ ٢٤٦٦ - (عَنْ أبي هُرَيْرَة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "لَوْ دُعيتُ إلى كُرَاعٍ أوْ ذِرَاعٍ لأجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إليَّ ذِرَاعٌ أوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ"، رَوَاهُ البُخارِيّ) (١) [صحيح] ٢/ ٢٤٦٧ - (وَعَنْ أَنْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ أُهْدِيَ إليّ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ، ولو دُعِيتُ عَلَيْه لأجَبْتُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ) (٣). [صحيح] في الباب عن أم حكيم الخزاعية عند الطبراني (٤) قالت: "قلت: يا رسول الله تكره رد اللطف، قال: ما أقبحه، لو أهدي إليَّ كراع لقبلت". قال في القاموس (٥): اللطف بالتحريك: اليسير من الطعام. قوله: (كتاب الهبة) بكسر الهاء وتخفيف الباء الموحدة.

стр. 5176

قال في الفتح (١): تطلق بالمعنى الأعمّ على أنواع الإبراء وهو: هبة الدَّيْنِ ممن هو عليه، والصدقة وهي هبة ما يتمحض به طلب ثواب الآخرة، والهدية: وهي [ما يلزم] (٢) به الموهوب له عوضه، ومن خصها بالحياة أخرج الوصية، وهي تكون أيضًا بالأنواع الثلاثة. وتطلق الهبة بالمعنى الأخص على ما لا يقصد له بدل، وعليه ينطبق قول من عرف الهبة بأنها تمليك بلا عوض. اهـ. قوله: (والهدية) بفتح الهاء وكسر الدال المهملة بعدها ياء مشددة ثم تاء تأنيث. قال في القاموس (٣): الهدية كغنية: ما أتحف به. قوله: (إلى كُرَاعٍ) (٤) هو ما دون الكعب في الدَّابَةِ، وقيل: اسم مكان. قال الحافظ (٥): ولا يثبت. ويرده حديث أنس وحديث أم حكيم المذكوران، وخصَّ الكراع والذراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير؛ لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها، والكراع لا قيمة له. وفي المثل (٦):

стр. 5177

أعط العبد كراعًا يطلب ذراعًا، هكذا في الفتح (١). والظاهر أن مراده ﷺ الحض على إجابة الدعوة ولو كانت إلى شيء حقير؛ كالكراع والذراع، وعلى قبول الهدية ولو كانت شيئًا حقيرًا من كراعٍ أو ذراعٍ وليس المراد الجمع بين حقير وخطير، فإن الذراع لا يعد على الانفراد خطيرًا ولم تجر عادة بالدعوة إليه ولا بإهدائه، فالكلام من باب الجمع بين حقيرين، وكون أحدهما أحقر من الآخر لا يقدح في ذلك، ومحبته ﷺ للذراع [لا تستلزم] (٢) أن تكون في نفسها خطيرة، ولا سيما في خصوص هذا المقام، ولو كان ذلك مرادًا له ﷺ لقابل الكراع الذي هو أحقر ما يهدى ويدعى إليه بأخطر ما يهدى ويدعى إليه؛ كالشاة وما فوقها، ولا شك أن مراده ﷺ الترغيب في إجابة الدعوة وقبول الهدية وإن كانت إلى أمر حقير وفي شيء يسير. وقد ترجم البخاري (٣) لهذا الحديث فقال: باب القليل من الهدية. وفي الحديثين المذكورين (٤) دليل على اعتبار القبول لقوله ﷺ : "لقبلت". وسيأتي الخلاف في ذلك. ٣/ ٢٤٦٨ - (وَعَنْ خالِدِ بْنِ عَدِيّ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ جاءَهُ مِنْ أخِيه مَعْرُوفٌ مِنْ غَيْرِ إشْرَافٍ وَلا مَسألَةٍ فَلْيَقْبَلْهُ وَلا يَرُدَّهُ فإنَّمَا هُوَ رِزْق ساقَهُ الله إلَيْهِ" رَوَاهُ أحْمَدُ) (٥). [صحيح]

стр. 5178

٤/ ٢٤٦٩ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بُسْرٍ قَالَ: كانَتْ أُخْتِي رُبَّمَا تَبْعَثْنِي بالشّيء إلى النَّبيّ ﷺ تطْرفُهُ فَيَقْبَلُهُ مِنِّي (١). وفي لَفْظٍ كانَتْ تَبْعَثُنِي إلى النَّبِيّ ﷺ بالهَدِيَّةِ فَيَقْبَلُها (٢). رَوَاهُما أحْمَدُ. وَهُوَ دَلِيلٌ على قَبُولِ الهَدِيَّةِ بِرِسالَةِ الصَّبِيّ؛ لأنّ عَبْدَ الله بْنَ [بُسْرٍ] (٣) كانَ كَذَلِكَ مُدَّةَ حَياةِ رَسُولِ الله ﷺ ). ٥/ ٢٤٧٠ - (وَعَنْ أُمّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أبي سَلَمَةَ قالَتْ: لَمَّا تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ لَهَا: "إني قَدْ أهْدَيْتُ إلى النَّجاشيِّ حُلَّةً [وأوَاقي] (٤) مِنْ مِسْكٍ، وَلا أرَى النَّجاشِيَّ إلا قَدْ ماتَ، وَلا أرَى هَدِيَّتِي إلَّا مَرْدُودَةً، فإنْ رُدَّتْ عَليّ فَهيَ لَكِ"، قالَتْ: وكانَ كما قالَ رَسُولُ الله ﷺ ، وَرُدَّتْ عَلَيْهِ هَدِيتُهُ فأعْطَى كُلَّ امْرأةٍ مِنْ نِسائِهِ أوقِيَّةَ مِسْكٍ، وأعْطَى أُمَّ سَلَمَةَ بَقِيَّةَ المِسْكِ وَالحُلَّةَ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (٥). حديث خالد بن عدي قد تقدم في باب ما جاء في الفقير والمسكين من كتاب الزكاة (٦)، وأعاده المصنف هاهنا للاستدلال به على أن الهدية تفتقر إلى القبول لقوله فيه: "فليقبله".

стр. 5179

وحديث عبد الله بن بسر أخرجه أيضًا الطبراني في الكبير (١). قال في مجمع الزوائد (٢): ورجالهما - يعني أحمد والطبراني - رجال الصحيح. وله حديث آخر أخرجه الطبراني في الكبير (٣)، وفي إسناده الحكم بن الوليد، ذكره ابن عدي في الكامل (٤)، وذكر له هذا الحديث وقال: لا أعرف هذا عن عبد الله بن بسر إلا عن الحكم هكذا، هذا معنى كلامه. قال في مجمع الزوائد (٥): وبقية رجاله ثقات. وحديث أم كلثوم أخرجه أيضًا الطبراني (٦)، وفي إسناده مسلم بن خالد الزنجي (٧)، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه جماعة. وفي إسناده أيضًا أم موسى بنت عقبة، قال في مجمع الزوائد (٨): لا أعرفها، وبقية رجاله رجال الصحيح. قوله: في حديث خالد: (فليقبله) فيه الأمر بقبول الهدية والهبة ونحوهما من الأخ في الدين لأخيه، والنهي عن الرد لما في ذلك من جلب الوحشة وتنافر الخواطر. فإن التهادي من الأسباب المؤثرة للمحبة لما أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٩) والبيهقي (١٠) وابن طاهر في مسند الشهاب (١١) من حديث محمد بن بكير عن ضمام بن إسماعيل عن موسى بن وردان عن أبي هريرة عنه ﷺ : "تهادوا تحابوا".

стр. 5180

قال الحافظ (١): وإسناده حسن. وقد اختلف فيه على ضِمام فقيل: عنه عن أبي قَبيل، عن [عبد الله بن عمرو، (٢)، أورده ابن طاهر، ورواه في مسند الشهاب (٣) من حديث عائشة بلفظ: "تهادوا تزدادوا حبًا"، وفي إسناده محمد بن سليمان (٤)، قال ابن طاهر: لا أعرفه. وأورده (٥) أيضًا من وجه آخر عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية، وقال: إسناده غريب وليس بحجة. وروى مالك في الموطأ (٦) عن عطاء الخراساني رفعه: "تَصافَحُوا يذهَبِ الغِلُّ، وتهادُوا تحابوا وتذهَبِ الشحنَاءُ".

стр. 5181

وفي الأوسط للطبراني (١) من حديث عائشة: "تهادوا تحابوا، وهاجروا تورثوا أولادكم مجدًا، وأقيلوا الكرام عثراتهم". قال الحافظ (٢): وفي إسناده نظر. وأخرج في الشهاب (٣) عن عائشة: "تَهادَوْا، فإنَّ الهديَّةَ تُذْهِبُ الضَّغَائِنِ". ومداره على محمد بن عبد النور، عن أبي يوسف الأعشى، عن هشام، عن أبيه عنها، والراوي له عن محمد هو أحمد بن الحسن المقري. قال الدارقطني: ليس بثقة. وقال ابن طاهر: لا أصل له عن هشام. ورواه ابن حبان في الضعفاء (٤) من طريق بكر بن بكار عن عائذ بن شريح عن أنس بلفظ: "تهادوا، فإن الهدية قلّت أو كثُرت تذهب السخيمة"، وضعفه بعائذ. قال ابن طاهر (٥) تفرد به عائذ، وقد رواه عنه جماعة. قال (٥): ورواه كوثر بن حكيم عن مكحول عن النبي ﷺ مرسلًا، وكوثر متروك (٦).

стр. 5182

وروى الترمذي (١) من حديث أبي هريرة: "تهادوا، فإن الهدية تذهب وحر الصدر"، وفي إسناده أبو مَعْشَر [المدني] (٢) تفرد به وهو ضعيف. ورواه ابن طاهر (٣) في أحاديث الشهاب من طريق عصمة بن مالك بلفظ: "الهدية تذهب بالسمع والبصر". ورواه ابن حبان في الضعفاء (٤) من حديث ابن عمر بلفظ: "تهادوا فإن الهدية تذهب الغل"، رواه محمد بن أبي [الزُّعَيْزِعَة] (٥) وقال: لا يجوز الاحتجاج به، وقال فيه البخاري (٦): منكر الحديث. وروى أبو موسى المديني في "الذيل" (٧) في ترجمة زعبل بالزاي والعين

стр. 5183

المهملة والباء الموحدة يرفعه: "تزاوروا وتهادوا، فإن الزيارة تثبت الوداد، والهدية تذهب السُّخيمةُ" (١). قال الحافظ (٢): وهو مرسل وليس لزعبل صحبة. قوله: (فإنما هو رزق ساقه الله إليه)، فيه دليل على أن الأشياء الواصلة إلى العباد على أيدي بعضهم هي من الأرزاق الإلهية لمن وصلت إليه، وإنما جعلها الله جارية على أيدي العباد لإثابة من جعلها على يده، فالمحمود على جميع ما كان من هذا القبيل هو الله تعالى. قوله: (تطرفه إياه) بالطاء المهملة والراء بعدها فاء. قال في القاموس (٣): الطرفة بالضم الاسم من الطريف، والطارف والمطرف: للمال المستحدث. قال (٤): والغريب من [الثمر] (٥) وغيره. قوله: (فيقبلها) فيه دليل على اعتبار القبول، ولأجل ذلك ذكره المصنف. وكذلك حديث أم كلثوم (٦) فيه دليل أيضًا على اعتبار القبول؛ لأن النبي ﷺ لما قبض الهدية التي بعث بها إلى النجاشي بعد رجوعها دل ذلك على أن الهدية لا تملك بمجرد الإهداء، بل لا بد من القبول، ولو كانت تملك بمجرد ذلك لما قبضها ﷺ ؛ لأنها قد صارت ملكًا للنجاشي عند بعثه ﷺ بها، فإذا مات بعد ذلك وقبل وصولها إليه صارت لورثته. وإلى اعتبار القبول في الهبة ذهب الشافعي (٧) ومالك (٨) والناصر (٩) والهادوية (٩) والمؤيد بالله في أحد قوليه (٩).

стр. 5184

وذهب بعض الحنفية (١) والمؤيد بالله في أحد قوليه (٢) إلى أن الإيجاب كاف. وقد تمسك بحديث أم كلثوم (٣) أحمد (٤) وإسحاق فقالا في الهدية التي مات من أهديت إليه قبل وصولها إن كان حاملها رسول المهدي رجعت إليه، وإن كان حاملها رسول المهدي إليه فهي لورثته. وذهب الجمهور (٥) إلى أن الهدية لا تنتقل إلى المهدي إليه إلا بأن يقبضها هو أو وكيله. وقال الحسن (٦): أيهما مات فهي لورثة المهدي له إذا قبضها الرسول. قال ابن بطال (٧): وقول مالك كقول الحسن. وروى البخاري (٨) عن [أبي عبيدة] (٩) تفصيلًا بين أن تكون الهدية قد انفصلت أم لا مصيرًا منه إلى أن قبض الرسول يقوم مقام قبض المهدي إليه. وحديث أم كلثوم (٣) هذا أخرجه أيضًا الطبراني (١٠) والحاكم (١١)، وحسّن صاحب الفتح (١٢) إسناده. قوله: (ولا أرى النجاشي إلا قد مات). قد سبق في صلاة الجنازة ما يدل على أن النبي ﷺ أعلمَ أصحابه بموت النجاشي على جهة الجزم، وصلى هو

стр. 5185

وهم عليه، وتقدم أنه رفع له نعشه حتى شاهده، وكل ذلك يخالف ما وقع من تظنُّنه ﷺ في هذه الرواية. ٦/ ٢٤٧١ - (وَعَنْ أنَسٍ قالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَقَالَ: "انْثُرُوهُ فِي المَسْجِدِ"، وكانَ أكْثَرَ مالٍ أُتي بِهِ النَّبِيّ ﷺ ، إذْ جاءَهُ العَبَّاسُ فَقَالَ: يا رَسُولَ الله أعْطنِي فإني فادَيْتُ نَفْسِي وَعَقِيلًا، قالَ: "خُذْ"، فَحَثى في ثَوْبِهِ [ثم ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: مُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعُهُ إليَّ؟ قالَ: "لا"، قالَ: ارْفَعْه أنْتَ عَليَّ؟ قالَ: "لا": فَنَثَر (١) مِنْهُ]، ثُمّ ذَهَبَ يُقلُّهُ فَلَمْ يَرْفَعْهُ، قَالَ: مُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعُهُ عَليّ، قالَ: "لا"، قالَ: ارْفَعْهُ عَليّ أنْتَ، قالَ: "لا"، فَنَثَر مِنْه ثُم احْتَمَلَهُ على كاهِلِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ النَّبِيُّ ﷺ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنا عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ، فَمَا قَامَ النَّبِيُّ ﷺ وَثمَّ مِنْها دِرْهَمٌ. رَوَاهُ البُخارِيُّ (٢). وَهُوَ دَلِيلٌ على جَوَازِ التَّفْضِيلِ في ذَوِي القُرْبَى وَغَيْرِهِمْ وَتَرْكِ تَخْمِيسِ الفَيء، وأنَّهُ مَتَى كانَ فِي الغَنِيمَةِ ذُو رَحِمٍ لِبَعْض الغانِمِينَ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ). ٧/ ٢٤٧٢ - (وَعَنْ عائِشَةَ أن أبا بَكْرٍ الصِّديقَ كانَ نَحَلَها جادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مالِهِ بالغابَةِ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ قالَ: يا بُنَيَّةُ إني كُنْتُ نَحَلْتُكِ جادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، وَلَوْ كنْتِ جَدَدْتِهِ وَاحْتَرَثْتِهِ كانَ لَكِ، وَإنَّمَا هُوَ اليَوْمَ مالُ وَارِثٍ فاقْتَسِمُوهُ على كِتابِ الله. رَوَاهُ مالِكٌ في المُوَطَّإ) (٣). حديث عائشة رواه مالك من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة.

стр. 5186

وروى البيهقي (١) من طريق ابن وهب عن مالك وغيره عن ابن شهاب. وعن حنظلة بن أبي سفيان عن القاسم بن محمد نحوه. قوله: (بمال من البحرين)، روى ابن أبي شيبة (٢) من طريق حميد بن هلال مرسلًا أنه كان مائة ألف، وأنه أرسل به العلاء الحضرمي من خراج البحرين، قال: وهو أول خراج حمل إلى النبي ﷺ . وروى البخاري (٣) في المغازي من حديث عمرو بن عوف: "أن النبي ﷺ صالح أهل البحرين وأمّر عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا عبيدة بن الجراح إليهم، فقدم أبو عبيدة بمال، فسمعت الأنصار بقدومه … " الحديث. فيستفاد منه تعيين الآتي بالمال، لكن في كتاب الردة للواقدي أن رسول العلاء بن الحضرمي بالمال هو العلاء بن حارثة الثقفي، فلعله كان رفيق أبي عبيدة. وأما حديث جابر: "أن النبي ﷺ قال له: لو قد جاء مال البحرين أعطيتك"، وفيه: "فلم يقدم مالك البحرين حتى مات النَّبيُّ ﷺ … " الحديث (٤)، فهو صحيح. والمراد به أنه لم يقدم في السنة التي مات فيها النبي ﷺ ؛ لأنه كان مال خراج أو جزية، فكان يقدم في كل سنة. قوله: (انثروه) أي: صبُّوه. قوله: (وفادية عقيلًا) أي: ابن أبي طالب، وكان أسر مع عمه العباس في غزوة بدر، ويقال: إنه أسر معهما الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وأن العباس افتداه أيضًا، وقد ذكر ابن إسحاق (٥) كيفية ذلك. قوله: (فحثى) بمهملة ثم مثلثة مفتوحة، والضمير في ثوبه يعود على العباس.

стр. 5187

قوله: (يُقِلُّه) بضم أوله من الإقلال: وهو الرفع والحمل (١). قوله: (مر بعضهم) بضم الميم وسكون الراء، وفي رواية: "أؤمر" بالهمز. قوله: (يرفعه) بالجزم؛ لأنَّه جواب الأمر ويجوز الرفع: أي فهو يرفعه، والكاهل بين الكتفين. قوله: (يتبعه) بضم أوله من الإتباع. قوله: (وثم منها درهم) بفتح المثلثة: أي هناك. وفي هذا الحديث بيان كرم النبي ﷺ وعدم التفاته إلى المال قل أو كثر (٢)، وأن الإمام ينبغي له أن يفرق مال المصالح في مستحقيها، وأنَّه يجوز للإمام أن يضع في المسجد ما يشترك فيه المسلمون من صدقة ونحوها. واستدل به ابن بطال على جواز إعطاء بعض الأصناف من الزكاة. قال الحافظ (٣): ولا دلالة فيه؛ لأن المال لم يكن من الزكاة، وعلى تقدير كونه منها فالعباس ليس من أهل الزكاة. فإن قيل: إنما أعطاه من سهم الغارمين كما أشار إليه الكرماني (٤) فقد تعقب، ولكن الحق أن المال المذكور كان من الخراج أو الجزية وهما من مال المصالح. انتهى. قوله: (لم يعتق عليه) يريد أن العباس وعقيلًا قد كان غنمهما النبي ﷺ والمسلمين وهما [رحما النبي] (٥) ﷺ ولعلي ﵁ ولم يعتقا. وسيأتي ما يدل على أن هذا مراد المصنف ﵀ في كتاب العتق في باب ما جاء فيمن ملك ذا رحم محرم. ولا يظهر لذكر هذا الحديث في هذا الموضع وجه مناسبة، فإن المصنف ترجم لافتقار الهبة إلى القبول والقبض وأنَّه على ما يتعارفه الناس، فإن أراد أن قبض العباس قام مقام القبول فغير ظاهر؛ لأن تقدم سؤاله يقوم مقامه على [أن] (٦) المال المذكور في الحديث لم يكن للنبي ﷺ حتى يكون الدفع منه إلى

стр. 5188

العباس وإلى غيره من باب الهبة، بل هو من مال الخراج أو الجزية كما عرفت، والنبي ﷺ إنما تولى قسمته بين مصارفه. قوله: (جادّ عشرين وسقًا) بجيم وبعد الألف دال مهملة مشدّدة: أي أعطاها مالًا يجدّ عشرين وسقًا، والمراد أنه يحصل من [ثمرته] (١) ذلك. والجد: صرام النخل (٢). وهذا الأثر يدل على أن الهبة إنما تملك بالقبض لقوله: "لو كنت جددته [واحترثته] (٣) كان لك"، وذلك لأن قبض الثمرة يكون بالجذاذ وقبض الأرض بالحرث. وقد نقل ابن بطال (٤): اتفاق العلماء أن القبض في الهبة هو غاية القبول. قال الحافظ (٥): وغفل عن مذهب الشافعي (٦)، فإن الشافعية يشترطون القبول في الهبة دون الهدية. [الباب الثاني] باب ما جاء في قبول هدايا الكفار والإهداء لهم ٨/ ٢٤٧٣ - (عَنْ عَلِي ﵁ قالَ: أهْدَى كِسْرَى لِرسولِ الله ﷺ فَقَبِل مِنْهُ وأهْدَى لَهُ قَيْصَرُ فَقَبلَ، وأهْدَتْ لَهُ المُلُوكُ فَقَبِلَ منْها. رَوَاهُ أحْمَدُ (٧) والتِّرْمِذِيُّ) (٨). [ضعيف جدًّا] ٩/ ٢٤٧٤ - (وفي حَدِيثٍ عَنْ بِلالٍ المُؤَذّنِ قالَ: انْطَلَقْتُ حَتَّى أتيْتُهُ - يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وَإذَا أرْبَعُ رَكائبَ مُناخاتٌ عَلَيْهِنَّ أحْمَالُهنّ فاسْتأذَنْتُ، فَقَالَ لي: "أبْشِرْ

стр. 5189

فَقَدْ جاءَكَ الله بِقَضَائِكَ"، [ثم] (١) قال: "ألم تر الرَّكائب المُناخاتِ الأربع؟ " فقلت: بلى، فقال: "إن لك رقابهن وما عليهن، فإن عليهن كسوة وطعامًا أهداهن إليَّ عظيم فَدَكٍ فاقبضهن واقضِ دينك"، ففعلت: مختصر لأبي داود) (٢). [إسناد صحيح] حديث علي أخرجه أيضًا البزار (٣) وأورده في التلخيص (٤) ولم يتكلم عليه، ولم يذكره صاحب مجمع الزوائد (٥) في باب هدايا الكفار، [وقد حسَّنه الترمذي (٦)، وفي إسناده نوير بن أبي فاختة (٧) وهو ضعيف] (٨). وحديث بلال سكت عنه أبو داود (٩) والمنذري (١٠)، [ورجال إسناده ثقات] (١١). وهو حديث طويل أورده أبو داود في باب: الإمام يقبل هدايا المشركين، من كتاب الخراج (١٢)، وفيه: "أن بلالًا كان يتولى نفقة النبي ﷺ ، وكان إذا أتى النبي ﷺ إنسان مسلمًا عاريًا يأمر بلالًا أن يستقرض له البُرْد (١٣) حتى لزمته ديون فقضاها عنه رسول الله ﷺ بالأربع الركائب وما عليها".

стр. 5190

وفي الباب عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي عند النَّسَائِي (١) قال: "لما قدم وفدُ ثقيف قدموا معهم بهدية، فقال النبي ﷺ : "أهدية أم صدقة؟ فإن كانت هدية فإنما يُبتغى بها وجه رسول الله ﷺ وقضاءَ الحاجة، وإن كانت صدقة فإنما يُبتغى بها وجه الله"، قالوا: لا، بل هدية، [فقبلها] (٢) منهم". وعن أنس عند الشيخين (٣): "أن أُكيدر دومة أهدى لرسول الله ﷺ جبة سندس". ولأبي داود (٤): "أن ملك الروم أهدى إلى النبي ﷺ مُستقة سندس [فلبسها] (٥) … " الحديث. والمستقة (٦) بضم الفوقانية وفتحها: الفروة الطويلة الكُمَّين وجمعها مساتق. وعن أنس أيضًا عند أبي داود (٧): "أن ملك ذي يزن أهدى إلى رسول الله ﷺ حلة أخذها بثلاثة وثلاثين بعيرًا فقبلها". وعن علي أيضًا عند الشيخين (٨): "أن أكيدر دومة الجندل (٩) أهدى إلى النبي ﷺ ثوب حرير، فأعطاه عليًا فقال: "شققه خُمُرًا بين الفواطم"" (١٠).

стр. 5191

وعن أبي حميدة الساعدي عند البخاري (١) قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ تبوك، وأهدى ابنُ العَلْمَاءِ (٢) للنبي ﷺ بُرْدًا، وكتب له ببحرهم (٣)، وجاء إلى رسول الله ﷺ رسول صاحب أيلة بكتاب، وأهدى إليه بغلة بيضاء … " الحديث. وفي مسلم (٤): "أهدى فروة الجذامي إلى رسول الله ﷺ بغلة بيضاء ركبها يوم حنين". وعن بريدة عند إبراهيم الحربي (٥) وابن خزيمة (٦) وابن أبي عاصم (٧): "أن أمير القبط أهدى إلى رسول الله ﷺ جاريتين وبغلة، فكان يركب البغلة بالمدينة، وأخذ إحدى الجاريتين لنفسه فولدت له إبراهيم، ووهب الأخرى لحسان".

стр. 5192

وفي كتاب الهدايا لإبراهيم الحربي (١): "أهدى يوحنا بن رؤبة إلى النبي ﷺ بغلته البيضاء". وعن أنس أيضًا عند البخاري (٢) وغيره (٣): "أن يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها … " الحديث. والأحاديث المذكورة في الباب تدل على جواز قبول الهدية من الكافر، ويعارضها حديث عياض بن حمار الآتي (٤)، وسيأتي الجمع بينها وبينه. ١٠/ ٢٤٧٥ - (وَعَنْ أسَماءَ بنْتِ أبي بَكْرٍ قالَتْ: أتَتْني أُمِّي رَاغبَةً فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَهِي مُشْرِكَةٌ، فَسألْتُ النَّبيَّ ﷺ : أصِلُها؟ قالَ: "نعَمْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٥). [صحيح]

стр. 5193

زَادَ البُخاريُّ (١): قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: فأنْزَلَ الله فيها: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (٢) وَمَعْنَى رَاغبَةً: أيْ طامعَةً تَسْألُني شَيْئًا). [صحيح] ١١/ ٢٤٧٦ - (وَعَنْ عامِر بْنِ عَبْدِ الله بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ ابْنَةُ عَبْدِ العُزَّى بْنِ سَعْدٍ على ابْنَتها أسَماءَ بِهَدَايا ضِبَابٍ وأقطٍ وَسمْن وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فأبَتْ أسَماءُ أنْ تَقْبَلَ هَدِيَّتَها وَتُدْخلَها بَيْتَها، فَسالَتْ عائشَةُ النَّبِيَّ ﷺ ، فأنْزَلَ الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ … ﴾ (٢) إلى آخر الآيةِ، فأمَرَها أن تَقْبَلَ هَدِيَّتَها وأنْ تُدْخلَها بَيْتَهَا. رَوَاهُ أحْمَدُ) (٣). [حسن لغيره] حديث عامر بن عبد الله بن الزبير ذكره المصنف هكذا مرسلًا، ولم يقل عن أبيه. وقد أخرجه ابن سعد (٤) وأبو داود الطيالسي (٥) والحاكم (٦) من حديث عبد الله بن الزبير.

стр. 5194

وأخرجه أيضًا الطبراني (١) كأحمد، وفي إسنادهما مصعب بن ثابت ضعفه أحمد (٢) وغيره، ووثقه ابن حبان (٣). قوله: (أتتني أمي) في رواية للبخاري (٤) في الأدب مع ابنها، وذكر الزبير أن اسم ابنها المذكور الحارث بن مدرك بن عبيد بن عمر بن مخزوم. قوله: (راغبة) اختلف في تفسيره، فقيل: ما ذكره المصنف من أنها راغبة في شيء تأخذه من بنتها وهي على شركها. وقيل: راغبة في الإسلام. وتعقب بأن الرغبة لو كانت في الإسلام لم [يحتج] (٥) إلى الاستئذان. وقيل: معناه راغبة عن ديني. وقيل: راغبة في القرب مني ومجاورتي. ووقع في رواية لأبي داود (٦): "راغمة" بالميم: أي كارهة للإسلام، ولم تقدم مهاجرة. قوله: (قال: نعم) فيه دليل على جواز الهدية للقريب الكافر (٧). والآية المذكورة تدل على جواز الهدية للكافر مطلقًا من القريب وغيره. ولا منافاة ما بين ذلك وما بين قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٨) الآية، فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل، والآية المذكورة خاصة بمن لم يقاتل، وأيضًا البر والصلة والإحسان لا تستلزم التحاب والتواد المنهي عنه. ومن الأدلة القاضية بالجواز قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا

стр. 5195

لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١). ومنها أيضًا: حديث ابن عمر عند البخاري (٢) وغيره (٣): "أن النبي ﷺ كسا عمر حلة فأرسل بها إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم". قوله: (قال ابن عيينة) إلخ، لا ينافي هذا ما رواه ابن أبي حاتم (٤) عن السدي أنها نزلت في ناس من المشركين كانوا ألين جانبًا للمسلمين وأحسن أخلاقًا من سائر الكفَّار؛ لأن السبب خاص واللفظ عامّ، فيتناول كل من كان في معنى والدة أسماء، كذا قال الحافظ (٥)، ولا يخفى ما فيه؛ لأن محل الخلاف تعيين سبب النزول وعموم اللفظ لا يرفعه. وقيل: إن هذه الآية منسوخة بالأمر بقتل المشركين حيث وجدوا. قوله: (قُتَيْلة) بضم القاف وفتح الفوقية وسكون التحتية مصغرًا. ووقع عند الزبير بن بكار أن اسمها قَيْلة بفتح القاف وسكون التحتية، وضبطه ابن ماكولا (٦) بسكون الفوقية. قوله: (ضباب وأقط) في رواية غير أحمد: "زبيب وسمن وقرظ"، ووقع في نسخة من هذا الكتاب قرظ مكان أقط. قوله: (فأمرها أن تقبل هديتها) إلخ، فيه دليل على جواز قبول هدية المشرك كما دلت على ذلك الأحاديث السالفة، وعلى جواز إنزاله منازل المسلمين. ١٢/ ٢٤٧٧ - (وَعَنْ عِياضِ بْنِ حمارٍ: أنَّه أهْدَى للنَّبِيّ ﷺ هَدِيَّةً أوْ ناقَةً، فَقَالَ النَّبِيِّ ﷺ : "أسْلَمْتَ؟ " قَالَ: لا، قالَ: "إني نهِيتُ عَنْ زَبْدِ المُشرِكِينَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٧)

стр. 5196

وأبو دَوُادَ (١) وَالتِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ) (٢). [حسن] الحديث صححه أيضًا ابن خزيمة (٣). وفي الباب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عند موسى بن عقبة في المغازي (٤): "أن عامر بن مالك الذي يدعى مُلاعب الأسنة قدم على رسول الله ﷺ وهو مشرك، فهدى له، فقال: إني [لا أقبل] (٥) هدية مشرك … " الحديث. قال في الفتح (٦): رجاله ثقات إلا أنه مرسل، وقد وصله بعضهم ولا يصح. قوله: (زَبد المشركين) بفتح الزاي وسكون الموحدة بعدها دال. قال في الفتح (٧): هو الرفد. اهـ. يقال: زَبَده يَزْبِده بالكسر، وأما يَزْبُدُه بالضمِّ (٨): فهو إطعام الزُّبْد. قال الخطابي (٩): يشبه أن يكون هذا الحديث منسوخًا؛ لأنَّه ﷺ قد قبل هدية غير واحد من المشركين.

стр. 5197

وقيل (١): إنما ردها ليغيظه فيحمله ذلك على الإسلام. وقيل: ردَّها؛ لأنَّ للهدية موضعًا من القلب، ولا يجوز أن يميل إليه بقلبه، فردَّها قطعًا لسبب الميل، وليس ذلك مناقضًا لقبول هدية النجاشي وأكيدر دومة، والمقوقِس؛ لأنهم أهل كتاب، كذا في النهاية (٢). وجمع الطبري بين الأحاديث فقال: الامتناع فيما أهدي له خاصة، والقبول فيما أهدي للمسلمين، وفيه نظر؛ لأن من جملة أدلة الجواز السابقة ما وقعت الهدية فيه له ﷺ خاصة، وجمع غيره بأن الامتناع في حق من يريد بهديته التودد والموالاة، والقبول في حق من يرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام. قال الحافظ (٣): وهذا أقوى من الذي قبله. وقيل: يمتنع ذلك لغيره من الأمراء، ويجوز له خاصة. وقال بعضهم: إنَّ أحاديث الجواز منسوخة بحديث الباب عكس ما تقدم عن الخطابي، ولا يخفى أن النسخ لا يثبت بمجرَّد الاحتمال، وكذلك الاختصاص. وقد أورد البخاري في صحيحه (٤) حديثًا استنبط منه جواز قبول هدية الوثني، ذكره في باب قبول الهدية من المشركين (٥) من كتاب الهبة والهدية. قال الحافظ في الفتح (٦): وفيه فساد قول من حمل رد الهدية على الوثني دون الكتابي، وذلك لأن الواهب المذكور في ذلك الحديث وثني. [الباب الثالث] باب الثواب على الهدية والهبة ١٣/ ٢٤٧٨ - (عَنْ عائِشَة قالَتْ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْها.

стр. 5198

رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالبُخارِيُّ (٢) وأبُو دَاوُدَ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ) (٤). [صحيح] ١٤/ ٢٤٧٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أن أعْرَابِيًّا وَهَبَ للنَّبِيِّ ﷺ هِبَةَّ فَأثابَهُ عَلَيْها، قالَ: "رَضِيتَ؟ "، قالَ: لا، فزاده قالَ: "أرَضِيتَ؟ "، قالَ: لا، فَزَادَهُ؛ قالَ: "أرَضِيتَ؟ "، قالَ: نَعَمْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ لا أَتَّهِبَ هِبَةً إلا مِنْ قُرَشِي أو أنصارِي أو ثَقَفِي"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٥). [صحيح] حديث ابن عباس أخرجه أيضًا ابن حبان في صحيحه (٦). وقال في مجمع الزوائد (٧): رجال أحمد رجال الصحيح. وأخرجه أبو داود (٨) والنسائي (٩) من حديث أبي هريرة بنحوه، وطوله الترمذي (١٠)، ورواه [ابن ماجه] (١١) من وجه آخر وبيّن أن الثواب كان ست

стр. 5199

بكرات، وكذا رواه الحاكم وصححه (١) على شرط مسلم. قوله: (ويثيب عليها) أي: يعطي المهدي بدلها، والمراد بالثواب المجازاة، وأقله ما يساوي قيمة الهدية، ولفظ ابن أبي شيبة (٢): "ويثيب ما هو خير منها" وقد أعل حديث عائشة المذكور بالإرسال. قال البخاري (٣): لم يذكر وكيع ومحاضر عن هشام عن أبيه عن عائشة، وفيه إشارة إلى أن عيسى بن يونس تفرد بوصله عن هشام. وقال الترمذي (٤) والبزار: لا نعرفه إلا من حديث عيسى بن يونس. وقال أبو داود (٥): تفرد بوصله عيسى بن يونس، وهو عند الناس مرسل. انتهى. وقد استدل بعض المالكية (٦) بهذا الحديث على وجوب المكافأة على الهدية إذا أطلق المهدي، وكان ممن مثله يطلب الثواب؛ كالفقير للغني بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى. ووجه الدلالة منه مواظبته ﷺ ، ومن حيث المعنى أن الذي أهدى قصد أن يعطى أكثر مما أهدى فلا أقل أن يعوض بنظير هديته، وبه قال الشافعي في القديم (٧) والهادوية (٨). ويجاب بأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب، ولو وقعت [المواظبة] (٩)

стр. 5200

كما تقرر في الأصول (١). وذهبت الحنفية (٢) والشافعي في [الجديد (٣) إلى] (٤) أن الهبة للثواب باطلة لا تنعقد؛ لأنها بيع مجهول، ولأن [موضوع] (٥) الهبة التبرع. قوله: (إلّا من قرشي) إلخ، لفظ أبي داود (٦): "وايم الله لا أقبلُ هدية بعد يومي هذا من أحد إلا أن يكون مهاجريًا أو قرشيًا أو أنصاريًا أو دوسيًا أو ثقفيًا"، وسبب همه ﷺ بذلك ما رواه الترمذي (٧) من حديث أبي هريرة قال: "أهدى رجل من فزارة إلى النبي ﷺ ناقة من إبله فعوضه منها بعض العوض فتسخطه، فسمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "إن رجالًا من العرب يهدي أحدهم الهدية فأعوضه عنها بقدر ما عندي فيظل يتسخط علي … "" الحديث. وقد كان بعض أهل العلم والفضل يمتنع هو وأصحابه من قبول الهدية من أحد أصلًا، لأن صديق ولا من قريب ولا غيرهما، وذلك لفساد النيات في هذا الزمان، حكى ذلك ابن رسلان. [الباب الرابع] باب التعديل بين الأولاد في العطية والنهي أن يرجع أحد في عطيته إلَّا الوالد ١٥/ ٢٤٨٠ - (عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اعْدِلُوا بَيْنَ أبْنائِكُمْ، اعْدِلُوا بَيْنَ أبْنائِكُمْ، اعْدِلُوا بَيْنَ أبْنائِكُم"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٨) وأبُو دَاوُدَ (٩)

стр. 5201

وَالنَّسائيُّ) (١). [صحيح] ١٦/ ٢٤٨١ - (وَعَنْ جابِرٍ قَال: قالَتِ امْرأةُ بَشِيرٍ: انْحَلِ ابْنِي غُلامًا وأشْهِدْ لي رَسُولَ الله ﷺ ، فأتى رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: إنَّ ابْنَةَ فُلانٍ سألَتْنِي أنْ أنْحَلَ ابْنَها غُلامي، فَقَالَ: "لَهُ إخْوَةٌ؟ "، قال: نَعَمْ، قال: "فَكُلُّهُمْ أعْطَيْتَ مِثْلَ ما أعْطَيْتَه؟ " قالَ: لا، قالَ: "فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا، وإني لا أشْهَدُ إلَّا على حَق"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَمُسْلِم (٣) وأبُو دَاوُد (٤). [صحيح لغيره] رَوَاهُ أحمد (٥) مِنْ حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ وَقال فِيه: "لا تُشْهِدْنِي على جَوْرٍ، إنَّ لِبَنِيكَ عَلَيْكَ مَنِ الحَق أنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ"). [صحيح لغيره] ١٧/ ٢٤٨٢ - (وَعَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ: أن أباهُ أتى بِهِ رَسُول الله ﷺ فَقالَ: إني نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلامًا كانَ لي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْل هَذَا؟ "، فَقَال: لا، فَقَال: "فأرْجِعْهُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْه (٦). [صحيح] وَلَفْظُ مُسْلم (٧) قالَ: تَصَدقَ عَلَيّ أبي بِبَعْضِ مَالِه، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لا أرْضَى حتَّى تُشْهِدَ رَسُول الله ﷺ ، فانْطَلَقَ أبي إلَيْه يُشْهِدُهُ على صَدَقَتِي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أفَعَلْتَ هَذَا [بوَلَدِك] (٨) كلهِم؟ "، قالَ: لا، فَقالَ: "اتَّقُوا الله وَاعْدِلُوا فِي أوْلادِكُمْ"، فَرَجَعَ أبي فِي تِلْكَ الصدقَة. [صحيح] وَللْبُخارِي (٩) مِثْلُهُ لَكِنْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ العَطِيَّةِ لا بِلَفْظِ: الصدَقَةِ). [صحيح]

стр. 5202

حديث النعمان بن بشير الأول سكت عنه أبو داود (١) والمنذري (٢)، ورجال إسناده ثقات إلا المفضل بن المُهَلَّب بن أبي صُفْرة وهو صدوق (٣). وفي الباب عن ابن عباس عند الطبراني (٤) والبيهقي (٥) وسعيد بن منصور (٦) بلفظ: "سووا بين أولادكم في العطية، ولو كنت مفضلًا أحدًا لفضلت النساء" وفي إسناده سعيد بن يوسف وهو ضعيف. وذكر ابن عدي في الكامل (٧) أنه لم ير له أنكر من هذا، وقد حسن الحافظ في الفتح (٨) إسناده. قوله: (اعدلوا بين أولادكم)، تمسَّك به من أوجب التسوية بين الأولاد في العطية، وبه صرح البخاري وهو قول طاوس والثوري (٩) وأحمد (١٠) وإسحاق وبعض المالكية (١١). قال في الفتح (١٢): والمشهور عن هؤلاء أنها باطلة.

стр. 5203

وعن أحمد (١) تصحُّ، ويجب أن يرجع عنه، ويجوز التفاضل إن كان له سبب، كأن يحتاج الولد لزمانته، أو دَينه، أو نحو ذلك دون الباقين. وقال أبو يوسف (٢): تجب التَّسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار. وذهب الجمهور (٣) إلى أن التسوية مستحبة، فإن فضَّل بعضًا صح وكُره، وحمل الأمر على الندب، وكذلك حملوا النهي الثابت في رواية لمسلم (٤) بلفظ: "أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء؟ " قال: "بلى، قال: فلا إذن" على التنزيه. وأجابوا عن حديث النعمان بأجوبة عشرة ذكرها في فتح الباري (٥) وسنوردها هاهنا مختصرة مع زيادات مفيدة، فقال: (أحدها): أن الموهوب للنعمان كان جميع مال والده، حكاه ابن عبد البر (٦). وتعقبه بأن كثيرًا من طرق الحديث مصرحة بالبعضية كما في حديث الباب: "أن الموهوب كان غلامًا"، وكما في لفظ مسلم (٧) المذكور قال: تصدق عليَّ أبي ببعض ماله. (الجواب الثاني): أن العطية المذكورة لم تنجز، وإنما جاء بشير يستشير النبي ﷺ ذلك، فأشار عليه بأن لا يفعل فترك، حكاه الطبري (٨).

стр. 5204

ويجاب عنه بأن أمره ﷺ له بالارتجاع يُشعر بالتنجيز. وكذلك قول عمرة: "لا أرضى حتى تشهد … " إلخ. ([الجواب] (١) الثالث): أنَّ النعمان كان كبيرًا ولم يكن قبض الموهوب فجاز لأبيه الرجوع، ذكره الطحاوي. قال الحافظ (٢): وهو خلاف ما في أكثر طرق الحديث خصوصًا قوله: "أرجعه"، فإنه يدل على تقدم وقوع القبض. والذي تظافرت عليه الروايات أنه كان صغيرًا وكان أبوه قابضًا له لصغره، فأمره برد العطية المذكورة بعدما كانت في حكم المقبوض. (الرابع): أن قوله: "أرجعه" دليل الصحة، ولو لم تصح الهبة لم يصح الرجوع، وإنما أمره بالرجوع: لأن للوالد أن يرجع فيما وهب لولده، وإن كان الأفضل خلاف ذلك، لكن استحباب التسوية رجح على ذلك، فلذلك أمره به. قال في الفتح (٣): وفي الاحتجاج بذلك نظر، والذي يظهر أن معنى قوله: "أرجعه"، أي: لا تمض لهبة المذكورة، ولا يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة. (الخامس): أن قوله: "أشهد على هذا غيري" إذن بالإشهاد على ذلك، وإنما امتنع من ذلك لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد؛ لأن الإمام ليس في شأنه أن يشهد وإنما [من] (٤) شأنه أن يحكم، حكاه الطحاوي وارتضاه ابن القصار (٥). وتعقب بأنه لا يلزم من كون الإمام ليس من شأنه أن يشهد أن يمتنع من تحمل الشهادة ولا من أدائها إذا تعينت عليه، والإذن المذكور مراد به التوبيخ لما تدل عليه بقية ألفاظ الحديث. قال الحافظ (٦): وبذلك صرح الجمهور في هذا الموضع.

стр. 5205

وقال ابن حبان (١): قوله: "أشهد" صيغة أمر، والمراد به نفي الجواز، وهي كقوله لعائشة: "اشترطي لهم الولاء" (٢). اهـ. ويؤيد هذا تسميته ﷺ لذلك جورًا كما في الرواية المذكورة في الباب. (السادس): التمسك بقوله: "ألا سويت بينهم؟ " على أن المراد بالأمر الاستحباب وبالنهي التنزيه. قال الحافظ (٣): وهذا جيد لولا ورود تلك الألفاظ الزائدة على هذه اللفظة، ولا سيما رواية: "سوِّ بينهم". (السابع): قالوا: المحفوظ في حديث النعمان: "قاربوا بين أولادكم" لا سوُّوا. وتعقب بأنكم لا توجبون المقارنة كما لا توجبون التسوية. (الثامن): في التشبيه الواقع في التَّسويةِ بينهم بالتَّسويةِ منهم في البرِّ قرينة تدلُّ على أن الأمر للندب. وردَّ بأن إطلاق الجور على عدم التسوية والنهي عن التفضيل يدلان على الوجوب فلا تصلح تلك القرينة لصرفهما وإن صلحت لصرف الأمر. (التاسع): ما تقدَّم عن أبي بكر من نحلته لعائشة وقوله لها: "فلو كنت احترثته" كما تقدم في أول كتاب الهبة (٤)، وكذلك ما رواه الطحاوي عن عمر: أنه نحل ابنه عاصمًا دون سائر ولده (٥)، ولو كان التفضيل غير جائز لما وقع من الخليفتين. قال في الفتح (٦): وقد أجاب عروة عن قصة عائشة بأن إخوتها كانوا راضين. ويجاب بمثل ذلك عن قصة عاصم. اهـ. على أنه لا حجة في فعلهما لا سيما إذا عارض المرفوع.

стр. 5206

(العاشر): أن الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله لتمليك الغير جاز له أن يخرج بعض أولاده بالتمليك لبعضهم، ذكره ابن عبد البر (١). قال الحافظ (٢): ولا يخفى ضعفه لأنَّه قياس مع وجود النص. اهـ. فالحق أن التسوية واجبة وأن التفضيل محرم. واختلف الموجبون في كيفية التسوية، فقال محمد بن الحسن (٣) وأحمد (٤) وإسحاق (٧) وبعض الشافعية (٥) والمالكية (٦): العدل أن يعطي الذكر حظين كالميراث. واحتجوا بأن ذلك حظه من المال لو مات عند الواهب. وقال غيرهم: لا فرق بين الذكر والأنثى، وظاهر الأمر بالتسوية (٧)، ويؤيده حديث ابن عباس المتقدم. قوله: (وعن النعمان بن بشير أن أباه) إلخ، قد روى هذا الحديث عن النعمان عدد كثير من التابعين. منهم عروة بن الزبير عند مسلم (٨) والنسائي (٩) وأبي داود (١٠).

стр. 5207

وأبي الضحى (١) عند النَّسَائِي (٢) وابن حبان (٣) وأحمد (٤) والطحاوي (٥). والمفضل بن المهلب عند أحمد (٦) وأبي داود (٧) والنسائي (٨). وعبد الله بن عتبة بن مسعود عند أحمد (٩). وعون بن عبد الله عند أبي عوانة (١٠). والشعبي عند الشيخين (١١) وأبي داود (١٢) وأحمد (١٣) والنسائي (١٤) وابن ماجه (١٥) وابن حبان (١٦) وغيرهم (١٧). وقد رواه النَّسَائِي (١٨) من مسند بشير والد النعمان فشذَّ بذلك. قوله: (نحلت ابني هذا) بفتح النون والحاء المهملة: أي أعطيت، والنحلة بكسر النون وسكون المهملة: العطية بغير عوض.

стр. 5208

قوله: (غلامًا) في رواية لابن حبان (١) والطبراني (٢) عن الشعبي: "أن النعمان خطب بالكوفة فقال: إن والدي بشير بن سعد أتى النبي ﷺ فقال: إن عمرة بنت رواحة نفست بغلام وإني سميته النعمان وإنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال هو لي، وأنها قالت: أشهد على ذلك رسول الله ﷺ ". وفيه قوله: "لا أشهد على جَور". وجمع ابن حبان (٣) بين الروايتين بالحمل على واقعتين: (إحداهما): عند ولادة النعمان وكانت العطية حديقة. (والأخرى): بعد أن كبر النعمان وكانت العطية عبدًا. قال في الفتح (٤): وهو جمع لا بأس به إلا أنه يعكر عليه أنه يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسئلة حتى يعود إلى النبي ﷺ فيستشهده على العطية الثانية بعد أن قال له في الأولى: "لا أشهد على جور". وجوَّز ابن حبان (٥) أن يكون بشير ظن نسخ الحكم. وقال غيره: يحتمل أن يكون حمل الأمر الأول على كراهة التنزيه، أو ظن أنه لا يلزم من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد؛ لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر من ثمن العبد. قال الحافظ (٦): "ثم ظهر [لي] (٧) وجه آخر من الجمع يسلم من هذا الخدش ولا يحتاج إلى جوابه، وهو أن عَمْرة لما امتنعت من تربيته إلا أن يهب له شيئًا يخصه به وهبه الحديقة المذكورة تطييبًا لخاطرها، ثم بدا له فارتجعها؛ لأنَّه لم يقبضها منه غيره، فعاودته عمرة في ذلك فمطلها سنة أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلامًا ورضيت عمرة بذلك إلا أنها خشيت أن

стр. 5209

يرتجعه أيضًا، فقالت له: أشهد على ذلك رسول الله ﷺ ، تريد بذلك تثبيت العطية وأن تأمن رجوعه فيها ويكون مجيئه للإشهاد إلى النبي ﷺ مرة واحدة وهي الأخيرة، وغاية ما فيه أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره، أو كان النعمان يقص بعض القصة تارة وبعضها أخرى، فسمع كلٌّ ما رواه فاقتصر عليه". اهـ. ولا يخفى ما في هذا الجمع من التكلف. وقد وقع في رواية عند ابن حبان (١) عن النعمان قال: سألت أُمي أَبي بعضَ الموهبة لي من ماله، زاد مسلم (٢) والنسائي (٣) من هذا الوجه: "فالتوى بها سنة" أي: مطلها. وفي رواية لابن حبان (٤) أيضًا: "بعد حولين"، ويجمع بينها بأن المدة كانت سنة وشيئًا فجبر الكسر تارة وألغاه أخرى. وفي رواية له (٥) قال: "فأخذ بيدي وأنا غلام"، ولمسلم (٦): "انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله ﷺ "، ويجمع بينهما بأنه أخذ بيده فمشى معه بعض الطريق وحمله في بعضها لصغر سنه. قوله: (فقال: أرجعه)، لفظ مسلم (٧): "اردده". وله (٨) أيضًا والنسائي (٩): "فرجع فرد عطيته". ولمسلم (١٠) أيضًا: "فرد تلك الصدقة". زاد في رواية لابن حبان (١١): "لا
следующие страницы →