← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 5240–5279 · переход к 5245.

стр. 5240

[الكتاب الرابع والعشرون] كتاب الوقف [الباب الأول] باب ما يعد من الوقف ١/ ٢٥٠٤ - (عَنْ أبي هُرَيْرَة أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إذا ماتَ الانْسانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلاثةِ أشيْاءَ: صَدَقَة جَارِيةٍ، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفْعُ بِه، أوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخارِيَّ وَابْنَ ماجَهْ) (١). [صحيح] ٢/ ٢٥٠٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أن عُمَرَ أصَابَ أرضًا منْ أرْضِ خَيْبَرَ، فَقَالَ: يا رَسُولَ الله أصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَر لَمْ أُصِبْ مالًا قَطُّ أنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تأمُرُنِي؟ فقالَ ﷺ : "إن شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَها وَتَصَدَّقْتَ بِهَا"، فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ على أنْ لا تُباعَ وَلا تُوهَبَ ولا تُورَثَ، في الفُقَراءِ وَذَوِي القُرْبَى وَالرِّقابِ وَالضَّيْفِ وَابْنِ السَّبيلِ، لا جُناحَ على مَنْ وَليَها أنْ يأكُل مِنْهَا بالْمَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوّلٍ. وفِي لَفْظٍ: غَيْرَ مُتأثِّلٍ مالًا. رَوَاهُ الجَماعَةُ (٢). [صحيح] وفي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ فِي صَدَقَةِ عُمَرَ: لَيْس على الوَلِي جناح أنْ يأكُلَ ويُؤْكِلَ صَدِيقًا لَهُ غَيْرَ مُتأثِّلٍ، قالَ: وكانَ ابْنَ عُمَرَ هُوَ يَلي صَدَقَةَ عُمَرَ، ويُهْدِي لِناسٍ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِم. أخْرَجَهُ البُخارِيُّ (٣). [صحيح]

стр. 5241

وفِيهِ منَ الفقْهِ: أن مَنْ وَقَفَ شَيْئًا على صِنْفٍ مِنَ النَّاسِ وَوَلَدُهُ مِنْهُمْ دَخَلَ فيهِ). ٣/ ٢٥٠٦ - (وَعَنْ عُثمانَ: أن النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ وَلَيْس بِها ماءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرَ بِئْرِ رُومَةَ، فَقال: "مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَجْعَلَ فِيها دَلْوَهُ مَعَ دِلاءِ المُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْها فِي الجَنَّةِ؟ " فاشْتَرَيْتُها مِنْ صُلْبِ مالي. رَوَاهُ النَّسائي (١) والتِّرْمِذِي (٢) وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. [حسن] وفِيهِ جَوَازُ انْتِفاعِ الواقِفِ بِوَقْفِهِ العامّ). حديث عثمان أخرجه [البخاري (٣) أيضًا] (٤) تعليقًا. قوله: (إلا من ثلاثة أشياء) فيه دليل على أن ثواب هذه الثلاثة لا ينقطع بالموت. قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة لكونه كاسبها، فإن الولد من كسبه (٥)، وكذا

стр. 5242

ما يخلفه من العلم كالتصنيف والتعليم، وكذا الصدقة الجارية وهي الوقف. وفيه الإرشاد إلى فضيلة الصدقة الجارية والعلم الذي يبقى بعد موت صاحبه والتزوج الذي هو سبب حدوث الأولاد. وهذا الحديث قد قدمنا الكلام عليه وعلى ما ورد موروده في باب وصول ثواب القراءة المهداة إلى الموتى من كتاب الجنائز (١). قوله: (أرضًا بخيبر) هي المسماة بِثَمَغ كما في رواية للبخاريِّ (٢) وأحمد (٣)، وثَمَغٌ (٤) بفتح المثلثة والميم، وقيل: بسكون الميم وبعدها غينٌ معجمة. قوله: (أنفس منه) النفيس (٥): الجيد. قال الداوودي (٦): سمي نفيسًا لأنَّه يأخذ بالنفس. قوله: (وتصدَّقت بها) أي: بمنفعتها، وفي رواية للبخاري: "حبّس أصلها وسبّل ثمرتها"، وفي أخرى له: "تصدَّق بثمره وحبَّس أصله". قوله: (ولا يورث)، زاد الدارقطني (٧): "حبيس ما دامت السموات والأرض". وفي رواية للبيهقي (٨): "تصدق بثمره وحبس أصله، لا يباع ولا يورث". قال الحافظ (٩): وهذا ظاهر أن الشرط من كلام النبي ﷺ ، بخلاف بقية الروايات فإن الشرط فيها ظاهر أنه من كلام عمر.

стр. 5243

وفي البخاري (١) بلفظ: "فقال النبي ﷺ : "تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث ولكن ينفق ثمره"". وفي البخاري (٢) أيضًا في المزارعة، قال النبي ﷺ لعمر: "تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولكن ينفق ثمره فتتصدق به". فهذا صريح أن الشرط من كلام النبي ﷺ ، ولا منافاة؛ لأنَّه يمكن الجمع بأن عمر شرط ذلك الشرط بعد أن أمره النبي ﷺ به، فمن الرواة من رفعه إلى النبي ﷺ ، ومنهم من وقفه على عمر لوقوعه منه امتثالًا للأمر الواقع منه ﷺ . قوله: (وذوي القربى) قال في الفتح (٣): يحتمل أن يكون هم من ذكر في الخمس ويحتمل أن يكون المراد بهم قربى الواقف، وبهذا جزم القرطبي (٤). قوله: (والضيف) هو من نزل بقوم يريد القِرى. قولهُ: (أن يأكل منها بالمعروف) قيل: المعروف هنا هو ذكر في ولي اليتيم، وقد تقدم الكلام على ذلك في باب ما يحل لولي اليتيم من كتاب التفليس (٥). قال القرطبي (٦): جرت العادة بأنَّ العامل يأكل من ثمرة الوقف حتى لو اشترط الواقفُ: أن العاملَ لا يأكل لاستقبح ذلك منه. والمراد بالمعروف: القدر الذي جرت به العادة. وقيل: القدر الذي يدفع الشهوة. وقيل: المراد أن يأخذ منه بقدر عمله والأول أولى كذا في الفتح (٧). قوله: (غير متموِّلٍ)، أي: غير متخذ منها مالًا، أي: ملكًا. قال الحافظ (٨): والمراد أنه لا يتملّك شيئًا من رقابها.

стр. 5244

قوله: (غير متأثِّلٍ) بمثناة ثم مثلثة بينهما همزة، وهو اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده قديم، وأثلة كل شيء: أصله. قوله: (قال في صدقة عمر) أي: في روايته لها عن ابن عمر كما جزم بذلك المزي في الأطراف (١). ورواهُ الإسماعيلي (٢) من طريق ابن أبي عمر عن سفيان عن عمرو بن دينار عن ابن عمر. قوله: (وكان ابن عمر) هو موصول الإسناد كما في رواية الإسماعيلي (٣). قوله: (لناس) بيّن الإسماعيلي أنهم آل عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العاص، وإنما كان ابن عمر يهدي منه أخذًا بالشرط المذكور وهو: ويؤكِلُ صديقًا له. ويحتمل أن يكون إنما أطعمهم من نصيبه الذي جعل له أن يأكل منه بالمعروف، فكان يُؤخِّره ليهديَ لأصحابه منه. قال في الفتح (٤): وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف. وقد روى أحمد (٥) عن ابن عمر قال: أول صدقة - أي موقوفة - كانت في الإسلام صدقة عمر. وروى عمر بن شبة (٦) عن عمرو بن سعد بن معاذ قال: "سألنا عن أول حبس في الإسلام، فقال المهاجرون: صدقة عمر، وقال الأنصار: صدقة رسول الله ﷺ ، وفي إسناده الواقدي. وفي مغازي الواقدي (٧) أن أول صدقة موقوفة كانت في الإسلام أراضي مُخَيريق بالمعجمة مصغرًا التي أوصى بها إلى النبي ﷺ فوقفها.

стр. 5245

وقد ذهب إلى جواز الوقف ولزومه جمهور العلماء (١). قال الترمذي (٢): لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافًا في جواز وقف الأرضين. وجاء عن شريح (٣) أنه أنكر الحبس. وقال أبو حنيفة (٤): لا يلزم وخالفه جميع أصحابه إلا زفر. وقد حكى الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال: لو بلغ أبا حنيفة لقال به. واحتج الطحاوي (٥) لأبي حنيفة بأن قوله ﷺ : "حبس أصلها" لا يستلزم التأبيد، بل يحتمل أن يكون أراد مدة اختياره. قال في الفتح (٦): ولا يخفى ضعف هذا التأويل، ولا يفهم من قوله: "وقفت وحبست" إلا التأبيد حتى يصرح بالشرط عند من يذهب إليه، وكأنه لم يقف على الرواية التي فيها: "حبس ما دامت السموات والأرض". قال القرطبي (٧): رادّ الوقف مخالف للإجماع فلا يلتفت إليه (٨)، انتهى. ومما يؤيد [هنا] (٩) ما ذهب إليه الجمهور (١٠) حديث: "أما خالد فقد حبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله"، وهو متفق عليه (١١). وقد تقدم في الزكاة (١٢). ومن ذلك حديث أبي هريرة المذكور في أول الباب (١٣)، فإن قوله: "صدقة جارية" يشعر بأن الوقف يلزم ولا يجوز نقضه، ولو جاز النقض لكان الوقف صدقة منقطعة، وقد وصفه في الحديث بعدم الانقطاع. ومن ذلك قوله ﷺ : "لا يباع ولا يوهب ولا يورث" ما تقدم (١٤)، فإن هذا منه ﷺ بيان لماهية التحبيس التي أمر بها عمر، وذلك يستلزم لزوم الوقف وعدم جواز نقضه، وإلا لما كان تحبيسًا، والمفروض أنه تحبيس.

стр. 5246

ومن ذلك حديث أبي قتادة عند النَّسَائِي (١) وابن ماجه (٢) وابن حبان (٣) مرفوعًا: "خيرُ ما يخلفه الرجل بعدَهُ ثلاثٌ: ولدٌ صالحٌ يدعو لَهُ، وصدقةٌ تجري يبلُغُهُ أجرُهَا، وعِلْمٌ يعمل به من بعدِهِ". والجري يستلزم عدم جواز النقض من الغير، ومن ذلك وقف أبي طلحة الآتي (٤) وقولُ رسول الله ﷺ له: "أرى أن تجعلها في الأقربين". وما روي من حديث أنس عند الجماعة (٥): "أن حسان باع نصيبه منه"، فمع كونِ فعلِهِ ليس بحجَّةٍ قد رُوي أنه أنكر عليه. ومن ذلك وقف جماعة من الصحابة منهم عليٌّ، وأبو بكرٍ، والزبيرُ، وسعيدُ، وعمرُو بن العاص، وحكيمُ بن حزام، وأنسُ وزيدُ بن ثابتٍ، روى ذلك كله البيهقي (٦).

стр. 5247

ومنه أيضًا وقف عثمان لبئر رومة كما في حديث الباب (١). واحتج لأبي حنيفة (٢) ومن معه بما أخرجه البيهقي في الشعب (٣) من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لما نزلت آية الفرائض: "لا حبس بعد سورة النساء". ويجاب عنه بأن في إسناده ابن لهيعة ولا يحتج بمثله. ويجاب أيضًا بأن المراد بالحبس المذكور: توقيف المال عن وارثه وعدم إطلاقه إلى يده. وقد أشار إلى مثل ذلك في النهاية (٤). وقال في البحر (٥): أراد حبس الجاهلية للسائبة والوصيلة والحام. سلَّمنا فليس في آية الميراث منع الوقف لافتراقهما، انتهى. وأيضًا لو فرض أن المراد بحديث ابن عباس الحبس الشامل للوقف لكونه نكرة في سياق النفي لكان مخصصًا بالأحاديث المذكورة في الباب. واحتج لهم أيضًا على عدم لزوم حكم الوقف بما رواه الطحاوي (٦) وابن عبد البر (٧) عن الزهري: "أن عمر قال: لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ لرددتها"، وهو يشعر بأن الوقف لا يمتنع الرجوع عنه، وأن الذي منع عمر من الرجوع كونه ذكره للنبي ﷺ ، فكره أن يفارقه على أمر ثم يخالفه إلى غيره. ويجاب عنه بأنه لا حجة في أقوال الصحابة وأفعالهم إلا إذا وقع الإجماع منهم ولم يقع هاهنا. وأيضًا هذا الأثر منقطع؛ لأن الزهري لم يدرك عمر.

стр. 5248

فالحق أن الوقف من القربات التي لا يجوز نقضها بعد فعلها لا للواقف ولا لغيره. وقد حكي في البحر (١) عن محمد وابن أبي ليلى أن الوقف لا ينفذ إلا بعد القبض، وإلا فللواقف الرجوع لأنَّه صدقة ومن شرطها القبض. ويجاب بأنه بعد التحبيس قد تعذر الرجوع، وإلحاقه بالصدقة إلحاق مع الفارق. قوله: (من يشتري بئر رومة) بضم الراء وسكون الواو. وفي رواية للبغوي في الصحابة (٢) من طريق بشر بن بشير الأسلمي عن أبيه: "أنها كانت لرجل من بني غفار عين يقال لها: رُوْمَةَ، وكان يبيع منها القربة بمدٍّ، فقال له النبي ﷺ : تبيعنيها بعين في الجنة؟ فقال: يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي ﷺ فقال: أتجعل لي ما جعلت له؟ قال: نعم، قد جعلتها للمسلمين". وللنسائي (٣) من طريق الأحنف عن عثمان قال: "اجعلها سقاية للمسلمين وأجرها لك"، وزاد أيضًا في رواية (٤) من هذه الطريق أن عثمان قال ذلك وهو محصور، وصدقه جماعة منهم: علي بن أبي طالب [﵇] (٥) وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص. قوله: (فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين)، فيه دليل على أنه يجوز للواقف أن يجعل لنفسه نصيبًا من الوقف (٦). ويؤيده جعل عمر لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف، وظاهره عدم الفرق بين أن يكون هو الناظر أو غيره.

стр. 5249

قال في الفتح (١): ويُستنبط منه صحة الوقف على النفس، وهو قول ابن أبي ليلى (٢)، وأبي يوسف (٣)، وأحمد (٤) في الأرجح عنه، وقال به ابن شعبان من المالكية (٥)، وجمهورهم على المنع إلا إذا استثنى لنفسه شيئًا يسيرا بحيث لا يتهم أنه قصد حرمان ورثته. ومن الشافعية ابن سريج وطائفة. وصنف فيه محمد بن عبد الله الأنصاري (٦) شيخُ البخاريِّ جزءا ضخمًا. واستدل له بقصة عمر هذه، وبقصة راكب البدنة، وبحديث أنس (٧) في "أنه ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها". ووجه الاستدلال به أنه أخرجها عن ملكه بالعتق وردها إليه بالشرط. اهـ. وقد حكى في البحر (٨) جواز الوقف على النفس عن العترة وابن شبرمة والزبيري وابن الصباغ. وعن الشافعي (٩) ومحمد والناصر أنه لا يصح الوقف على النفس، قالوا:

стр. 5250

لأنَّه تمليك فلا يصح أن يتملكه لنفسه من نفسه كالبيع والهبة، ولقوله ﷺ : "سبِّل الثمرة"، وتسبيل الثمرة: تمليكها للغير. قال في الفتح (١): وتعقب بأن امتناع ذلك غير مستحيل، ومنعه تمليكه لنفسه إنما هو لعدم الفائدة، والفائدة في الوقف حاصلة؛ لأنَّ استحقاقه إياه ملكًا غير استحقاقه إياه وقفًا. اهـ. ويؤيد صحة الوقف على النفس حديث الرجل الذي قال للنبي ﷺ : "عندي دينار، فقال: تصدق به على نفسك"، أخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣)، وأيضًا المقصود من الوقف تحصيل القربة وهي حاصلة بالصرف إلى النفس. [الباب الثاني] باب وقف المشاع والمنقول ٤/ ٢٥٠٧ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قالَ عُمَرُ للنَّبِيِّ ﷺ : إنَّ المِائَةَ السَّهْمَ الَّتِي لِي

стр. 5251

بِخَيْبَر لَمْ أُصِبْ مالًا أعْجَبَ قَطُّ إليَّ مِنْها قَدْ أرَدْتُ أنْ أتَصَدَّقَ بِها، فَقالَ النَّبيّ ﷺ : "احْبِسْ أصْلَها وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا"، رَوَاهُ النَّسائيُّ (١) وَابْنُ ماجَهْ) (٢). [صحيح] ٥/ ٢٥٠٨ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ الله إيمَانًا وَاحْتِسابًا فإنَّ شِبَعَهُ وَرَوْثَهُ وَبَوْلَهُ فِي مِيزانِهِ يَوْمَ القِيامَةِ حَسَناتٌ"، رَوَاهُ أحْمَدَ (٣) وَالبُخارِي) (٤). [صحيح] ٦/ ٢٥٠٩ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: أرَادَ رَسُولُ الله ﷺ الحَجَّ، فَقالَتِ امْرأةٌ لِزَوْجِها: أَحِجَّني مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَالَ: ما عِنْدِي ما أُحِجُّكِ عَلَيْهِ، قالَتْ: أحِجَّني

стр. 5252

عَلَى جَمَلِكَ فُلانٍ، قالَ: ذلكَ حَبِيسٌ فِي سبيل الله، فأتى رَسُولَ الله ﷺ ، فسأله: فَقَالَ: "أمَا إنَّكَ لَوْ أحْجَجْتَها عَلَيْهِ كانَ فِي سَبيلِ الله" رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١). [صحيح]. وَقَدْ صَحَّ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ فِي حَقّ خالِدٍ: "قَدِ احْتَبَس أدْرَاعَهُ وأعْتادَهُ فِي سَبِيلِ الله") (٢). [صحيح] حديث ابن عمر أخرجه أيضًا الشافعي (٣) ورجال إسناده ثقات، وهو متفق عليه من حديث أبي هريرة (٤) كما تقدم، وله طرق عند الشيخين. وحديث ابن عباس أخرجه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه (٥)، وأخرجه أيضًا البخاري (٦) والنسائي (٧) مختصرًا، وسكت عنه أبو داود (٨) والمنذري (٩) ورجال إسناده ثقات.

стр. 5253

وقد تقدم نحوَه من حديث أم معقل الأسدية (١) في باب الصرف في سبيل الله وابن السبيل من كتاب الزكاة. وحديث تحبيس خالد لأدراعه وأعتاده قد تقدم (٢) أيضًا في باب ما جاء في تعجيل الزكاة من كتاب الزكاة. قوله: (إن المائة السهم) إلخ، استدل المصنف بهذا الحديث على صحة وقف المشاع. وقد حكى صحة ذلك في البحر (٣) عن الهادي والقاسم والناصر والشافعي (٤) وأبي يوسف (٥) ومالك (٦). واحتج لهم بأن عمر وقف مائة سهم بخيبر ولم تكن مقسومة. وحكى في البحر (٧) أيضًا عن الإمام يحيى، ومحمد (٨): أنه لا يصح وقف المشاع لأن من شرطه التعيين. وحكى (٩) أيضًا عن المؤيد بالله أنه يصح فيما قسمته مهايأة لا في غيره لتأديته إلى منع القسمة أو بيع الوقف. وعن أبي طالب (١٠) يصحُّ فيما قسمته إفرازٌ كالأرض المستوية وإلا فلا. وأوضح ما احتجَّ به من منع من وقف المشاع أن كلَّ جزءٍ من المشترك محكوم عليه بالمملوكية للشريكين، فيلزم مع وقف أحد الشريكين أن يحكم عليه بحكمين مختلفين متضادين مثل صحة البيع بالنسبة إلى كونه مملوكا، وعدم الصحة بالنسبة إلى كونه موقوفا فيتصف كل جزء بالصحة وعدمها، ويتَّصف بذلك الجملة.

стр. 5254

وأجاب صاحب المنار (١) عن هذا بأنه نظير العتق المشاع، وقد صح ذلك هناك كحديث الستة الأعبد (٢) كما صح هنا، وإذا صح من جهة الشارع بطل هذا الاستدلال. وقد استدل البخاري (٣) على صحة وقف المشاع بحديث أنس في قصة بناء المسجد، وأن النبي ﷺ قال: "ثامنوني حائطكم، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ". وهذا ظاهر في جواز وقف المشاع، ولو كان غير جائز لأنكر عليهم النبي ﷺ قولهم هذا وبيَّن لهم الحكم. وحكى ابن المنيِّر (٤) عن مالك أنَّه لا يجوزُ وقفُ المشاع إذا كان الواقف واحدًا لأنَّه يدخل الضرر على شريكه.

стр. 5255

قوله: (من احتبس فرسًا) إلخ، فيه دليل على أنه يجوز وقف الحيوان، وإليه ذهب العترة (١) والشافعي (٢) والجمهور (٣). وقال أبو حنيفة (٤): لا يصح لعدم دوامه. وقال محمد: لا يصح في الخيل فقط إذ هي معروضة للتلف. وحديث الباب يرد عليهما. ويؤيد الصحة حديث عمر بن الخطاب المتقدم (٥) في باب نهي المتصدق أن يشتري ما تصدق به من كتاب الزكاة، فإن فيه أن عمر حمل على فرس في سبيل الله، واطلع النبي ﷺ على ذلك وقرره ونهاه عن شرائه برخص، وقد ترجم عليه البخاري (٦) في كتاب الوقف: باب وقف الدواب والكراع والعروض والصامت. ومن أدلة الصحة حديث ابن عباس (٧) المذكور. وحديث تحبيس خالد يدل على جواز وقف المنقولات (٨)، وقد تقدم الكلام عليه. [الباب الثالث] باب من وقف أو تصدق على أقربائه أو وصى لهم من يدخل فيه ٧/ ٢٥١٠ - (عَنْ أنَسٍ أن أبا طَلْحَةَ قالَ: يا رَسُولَ الله إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] (٩) وإنَّ أحَبَّ أمْوَالي إليَّ بَيْرَحَاء، وَإنَّهَا صَدَقَةٌ لله أرْجُو بِرَّها وَذُخْرَها عِنْدَ الله، فَضعْها يا رَسُولَ الله حَيْثُ أراكَ الله، فَقَالَ: "بَخٍ

стр. 5256

بَخٍ، ذلكَ [مالٌ] (١) رَابخٌ" مَرَّتَيْنِ، وَقَدْ سَمِعْتُ [ما قلت وإني] (٢)، "أُرَى أنْ تجعَلَها فِي الأقْرَبِينَ"، فَقَالَ أبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يا رَسُولَ الله، فَقَسَمَها أبُو طَلْحَة فِي أقَارِبِه وَبَنِي عَمِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] وفِي رِوَايةٍ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ (٤)، قَالَ أبُو طَلْحَةَ: يا رَسُولَ الله أرَى رَبَّنا يَسألُنا مِنْ أمْوَالِنا فأُشْهِدُكَ إني جَعَلْتُ أرْضي بَيْرَحاءَ لله، فَقالَ: "اجْعَلْها فِي قَرَابَتِكَ"، قالَ فَجَعَلَها فِي حَسَّانِ بْنِ ثابِتٍ وأبيّ بْنِ كَعْبٍ رَوَاهُ أحْمَدُ (٥) وَمُسْلِمٌ (٦). [صحيح] وِلْلبُخارِي (٧) مَعْناهُ وَقالَ فِيه: "اجْعَلْها لِفُقَرَاءِ قَرَابَتكَ". [صحيح] قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الله الأنْصارِيُّ: أبُو طَلْحَةَ زيدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الأسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عمْرِو بْنِ زيدِ مَناةَ بْنِ عَدِيّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مالكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَحَسَّانِ بْنِ ثابِت بْنِ المُنْذِرِ بْنِ حرَامٍ، يَجْتَمعانِ إلى حرَامٍ وَهُوَ الأب الثَّالثُ، وأُبَيُّ بنُ كَعْبِ بن قَيْسِ بْنِ عَتِيك بْنِ مُعاوِيةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَعَمْروٌ يَجْمَعُ حَسَّانَ وأبا طَلْحَةَ وأبَيًّا (٨)، وبَيْنَ أُبَيٍّ وأبي طَلْحَةَ ستَّةُ آباءٍ). ٨/ ٢٥١١ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَة قالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيَرتَكَ

стр. 5257

الأَقرَبِينَ﴾ (١) دَعا رَسُولُ الله ﷺ قُرَيْشًا فاجْتَمَعُوا فَعَمّ وَخَصَّ، فَقالَ: "يا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤيّ: أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّة بْنِ كَعْبٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بَني عَبْدِ شَمْسٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ؛ يا بَني عَبْدِ مَنَافٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بَنِي هاشِمٍ أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يا فاطِمَةُ أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ فإني لا أمْلِكُ لَكُمْ مِنَ الله شَيْئًا غَيْرَ أن لَكُمْ رَحِمًا سأبِلُّها بِبِلَالِهَا" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢)، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ). [صحيح] قوله: (بيرحاء) بفتح الموحدة، وسكون التحتية، وفتح الراء وبالمهملة والمدِّ، وجاء في ضبطه أوجهٌ كثيرةٌ جمعها ابن الأثير في النهاية (٣) فقال: ويُروى بفتح الباء وبكسرها وبفتح الراء وضمها وبالمد والقصر، فهذه ثمان لغات. وفي رواية حماد بن سلمة "بريحا" بفتح أوَّله وكسر الراء وتقديمها على التحتانية، وهي عند مُسلم (٤)، ورجَّح هذه صاحب الفائق (٥) وقال: هي وزن فعيلة من البراح: وهي الأرض الظاهرة المنكشفة. وعند أبي داود (٦) "بأريحا" وهي بإشباع الموحدة والباقي مثله، ووهم من ضبطه بكسر الموحدة وفتح الهمزة، فإن أريحا من الأرض المقدسة. قال الباجي (٧): أفصحها بفتح الباء الموحدة وسكون الياء وفتح الراء مقصورًا، وكذا جزم به الصغاني (٨). وقال الباجي (٧) أيضًا: أدركت أهل العلم ومنهم أبو ذر يفتحون الراء في كل حال.

стр. 5258

قال الصوري (١): وكذا الباء الموحدة. قوله: (بخ بخ) كلاهما بفتح الموحدة وسكون المعجمة، وقد ينوّن مع التثقيل أو التخفيف بالكسر وبالرفع لغات. قال في الفتح (٢): وإذا كررت فالاختيار أن تنوّن الأولى وتسكن الثانية، وقد يسكنان جميعًا كما قال الشاعر (٣): بَخْ بَخْ لوالدهِ وللمَوْلودِ ومعناهما تفخيم الأمر والإعجاب به. قوله: (رابح) شكَّ القعنبي (٤) هل هو بالتحتانية، أو بالموحدة؟ ورواه البخاريُّ عن بالشك. قوله: (في الأقربين) اختلف العلماء في الأقارب. فقال أبو حنيفة (٥): القرابة: كل ذي رحم محرم من قبل الأب [أو] (٦) الأم ولكن يبدأ بقرابة الأب قبل الأم. وقال أبو يوسف (٧) ومحمد من جمعهم أب منذ الهجرة من قبل أب أو أم من غير تفصيل، زاد زفر: ويقدم من قرب وهو رواية عن أبي حنيفة (٨)، وأقل من يدفع له ثلاثة. وعند محمد اثنان. وعند أبي يوسف واحد، ولا يصرف للأغنياء عندهم إلا إن شرط ذلك. وقالت الشافعية (٩): القريب من اجتمع في النسب سواء قرب أم بعد، مسلمًا كان أو كافرا، غنيًا أو فقيرًا، ذكرًا أو أنثى، وارثًا أو غير وارث، محرمًا أو غير محرم.

стр. 5259

واختلفوا في الأصول والفروع على وجهين، وقالوا: إنْ وجد جمعٌ محصورون أكثر من ثلاثةٍ استوعبوا. وقيل: يقتصر على ثلاثةٍ، وإن كانوا غير محصورين فنقل الطحاوي (١) الاتفاق على البطلان. قال الحافظ (٢): وفيه نظر؛ لأنَّ عند الشافعية وجهًا بالجواز ويصرف منهم لثلاثة ولا يجب التسوية. وقال أحمد (٣) في القرابة كالشافعي إلا أنه أخرج الكافر. وفي رواية عنه: القرابة كل من جمعه والموصي الأب الرابع إلى ما هو أسفل منه. وقال مالك (٤): يختصُّ بالعصبة سواء كان يرثه أو لا، ويبدأ بفقرائهم حتَّى يغنوا ثم يُعطي الأغنياء، هكذا في الفتح (٥). وحكى في البحر (٦) عن مالك: أن ذلكَ يختصُّ بالوارث. وعند الهادوية (٧): أن القرابة والأقارب لمن ولده جدّا أبوي الواقف. واحتجوا: بأن النبي ﷺ جعل سهم ذوي القربى لبني هاشم، وهاشم جد أبيه عبد الله، وهذا ظاهر في جد الأب، وأما جد الأم فلا، بل هو يدل على خلاف المدّعى من هذه الحيثية، إذ لم يصرف النبي ﷺ إلى من ينسب إلى جد أمه. وأجاب صاحب شرح الأثمار (٨) أن خروج من ينتسب إلى جد الأم هنا مخصص من عموم الآية، والعموم يصح تخصيصه فلا يلزم إذا خص هاهنا أن يخرجوا حيث لم يخصَّ.

стр. 5260

وقد استدلَّ أيضًا على خروج من ينتسب إلى جدِّ الأم بأنهم ليسوا بقرابة؛ لأن القرابة: العشيرة والعصبة، وليس من كان من قِبَل الأمِّ بعصبةٍ ولا عشيرةٍ وإنْ كانوا أرحامًا وأصهارًا، ولهذا قال في البحر (١): وقرابتي وأقاربي أو ذوو أرحامي لمن ولده جدُّ أبيه ما تناسلوا؛ لصرفه ﷺ سهم ذوي القربى في الهاشميين والمطَّلبيين، وعلَّل إعطاء المطلبيين بعدم الفرقة لا القرب، وهو الظاهر كما وقع منه ﷺ التصريح بذلك لما سله بعض بني عبد شمس عن تخصيص المطلبيين بالعطاء دونهم، فقال: إنهم لم يفارقوني في جاهليةٍ ولا إسلامٍ، ولو كان الصَّرف إليهم للقرابة فقط لكان حكمهم وحكم بني عبد شمس واحدًا؛ لأنهم متَّحدونَ في القرب إليه ﷺ . قوله: (أفعلُ) بضم اللام على أنه قول أبي طلحة. قوله: ([فَقَسَمَها] (٢) أبو طلحة) فيه تعيين أحد الاحتمالين في لفظ أفعل، فإنه احتمل أن يكون فاعله أبو طلحة كما تقدم، واحتمل أن يكون صيغة أمر، وانتفى هذا الاحتمال الثاني بهذه الرواية: "وذكر ابن عبد البر (٣) أن إسماعيل القاضي رواهُ عن القعنبي عن مالك فقال في روايته، فقسمها رسول الله ﷺ في أقاربه وبني عمه"، أي: في أقارب أبي طلحة وبني عمِّه. قال ابن عبد البر (٤): إضافة القسم إلى النبي ﷺ وإن كان شائعًا في لسان العرب على معنى أنه الآمر به، لكن أكثر الرواة لم يقولوا ذلك، والصواب رواية من قال: "فقسمها أبو طلحة". قوله: (في أقاربه وبني عمه) في الرواية الثانية: "فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب"، وقد تمسَّك به مَنْ قال: أقلُّ مَنُ يُعطي من الأقارب إذا لم يكونوا منحصرين: اثنان، وفيه نظر؛ لأنَّه وقع في رواية للبخاري (٥): "فجعلها أبو طلحةَ في ذوي رحمه، وكان منهم حسانُ وأبيُّ بنُ كعب". فدلَّ ذلك: على أنَّه أعطى غيرهما معهما.

стр. 5261

وفي مرسل أبي بكر بن حزم: "فرده على أقاربه أبي بن كعب وحسان بن ثابت وأخيه أو ابن أخيه شداد بن أوس ونبيط بن جابر فتقاوموه، فباع حسان حصته من معاوية بمائة ألف درهم" (١). قوله: (ابن حرام) بالمهملتين. قوله: (ابن زيد مناة) هو بالإضافة. قوله: (وبين أبي وأبي طلحة ستةُ آباء) قال في الفتح (٢): هو مُلْبسٌ مُشْكِلٌ، وشرع الدمياطي (٣) في بيانه، ويغني عن ذلك ما وقع في رواية المستملي (٢) حيث قال عقب ذلك: وأبيُّ بن كعبٍ هو ابن قيسِ بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، فعمرو بن مالك يجمع حسانَ وأبا طلحة وأبيا. اهـ. وفي قصة أبي طلحة هذه فوائد: (منها): أن الوقف لا يحتاج في انعقاده إلى قبول الموقوف عليه (٤). واستدلَّ به الجمهور على أنَّ مَنْ أوصى أن يُفرَّق ثلثُ ماله حيث أرى الله الوصيَّ إنها تصحُّ وصيته، ويفرِّقه الوصيُّ في سبيل الخير، ولا يأكل منه شيئًا، ولا يعطي منه وارثًا للميت، وخالف في ذلك أبو ثور. وفيه جواز التصدُّق من الحيِّ في غير مرض الموت بأكثر من ثلث ماله؛ لأنَّه ﷺ لم يستفصل أبا طلحة عن قدر ما تصدَّق به. وقال لسعد بن أبي وقاص في مرضه: "الثلث كثير" (٥). وفيه تقديم الأقرب من الأقارب على غيرهم. وفيه جواز إضافة حبِّ المال إلى الرجل الفاضل العالم ولا نقص عليه في ذلك؛ وقد أخبر الله تعالى عن الإنسان ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ (٦)، والخيرُ

стр. 5262

هنا: المال اتفاقًا كما قال صاحب الفتح (١). وفيه التمسُّك بالعموم لأنَّ أبا طلحة فهم من قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢) تناول ذلك لجميع أفراده، فلم يقفْ حتى يردَ عليه البيان عن شيء يعيِّنُه، بل بادر إلى إنفاق ما يحبُّه، فأقرَّه النبي ﷺ على ذلك. وفيه جواز تولِّي المتصدِّق لقَسْم صدقته. وفيه جواز أخذ الغنيِّ من صدقة التطوُّع إذا حصلت له بغير مسئلة. واستدلّ به على مشروعية الحبس والوقف. قال الحافظ (٣): ولا حجَّة فيه لاحتمال أن تكون صدقةُ أبي طلحة صدقةُ تمليك. قال (٤): وهو ظاهر سياق [الماجِشُونَ] (٥) عن إسحاق، يعني في رواية البخاري (٦). وفيه أنه لا يجب الاستيعاب لأن بني حرام الذي اجتمع فيه أبو طلحة وحسان كانوا بالمدينة كثيرًا. قوله: (فعم وخص) أي: جاء بالعام أولًا فنادى بني كعب، ثم خص بعض البطون فنادى بني مرة بن كعب وهم بطن من بني كعب ثم كذلك. وفيه دليل على أن جميعَ مَنْ ناداهم رسول الله ﷺ يطلق عليهم لفظ الأقربين لأنَّ النبيَّ ﷺ فعل ذلك ممتثلًا لقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيَرتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ (٧)، واستدل به أيضًا على دخول النساء في الأقارب لعموم اللفظ ولذكره ﷺ فاطمة. وفي رواية للبخاري (٦) من حديث أبي هريرة هذا أيضًا أنه ﷺ ذكر عمته صفية.

стр. 5263

واستُدِلَّ به أيضًا على دخول الفروع، وعلى عدم التخصيص بمن يرث ولا بمن كان مسلمًا. قال في الفتح (١): ويحتمل أن يكون لفظ الأقربين صفة لازمةً للعشيرة، والمراد بعشيرته: قومه وهم قريشٌ. وقد روى ابن مردويه (٢) من حديث عدي بن حاتم: "أن النبي ﷺ ذكر قريشًا فقال: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيَرتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ (٣) يعني قومه" وعلى هذا فيكون قد أمر بإنذار قومه فلا يختص بالأقرب منهم دون الأبعد فلا حجة فيه في مسئلة الوقف؛ لأن صورتها ما إذا وقف على قرابته أو على أقرب الناس إليه مثلًا، والآية تتعلق بإنذار العشيرة. وقال ابن المنير (٤): لعله كان هناك قرينة فهم بها ﷺ تعميم الإنذار، ولذلك عمَّهم. اهـ. ويحتمل أن يكون أوّلًا خصّ اتباعًا لظاهر القرابة ثم عمّ لما عنده من الدليل على التعميم لكونه أرسل إلى الناس كافة. قوله: (سأبلّها ببلالها) بكسر الباء، قال في القاموس (٥): بلّ رحمه بلًّا وبلالًا بالكسر: وصلها، وكقطام: اسم لصلة الرحم. اهـ. [الباب الرابع] باب أن الوقف على الولد يدخل فيه ولد الولد بالقرينة لا بالإطلاق ٩/ ٢٥١٢ - (عَنْ أَنسٍ قالَ: بَلَغَ صَفِيَّةَ أن حَفْصَةَ قالَتْ: بِنْتُ يَهُودِيّ،

стр. 5264

فَبَكَتْ، فَدَخَلَ عَلَيْها النَّبِيُّ ﷺ وَهِيَ تَبْكِي وَقَالَتْ: قالَتْ لي حَفْصَةُ: أنْتِ ابْنَةُ يَهْودِيّ، فَقَالَ النّبِي ﷺ : "إنَّكِ لَابْنَةُ نَبيٍّ، وَإنَّ عَمَّكِ لَنَبِيّ، وَإنَّكِ لَتَحْتَ نَبِي، فَبِمَ تَفْتَخِرُ عَلَيْك؟ "، ثُمَّ قالَ: "اتَّقي الله يا حَفصَة"، رَوَاهُ أحْمَد (١) وَالترمذي وَصَحَّحَهُ) (٢). [صحيح] ١٠/ ٢٥١٣ - (وَعَنْ أبي بَكْرَةَ أن النبيَّ ﷺ صَعِدَ المِنْبَرَ فَقَالَ: "إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ يُصْلح الله على يَدَيْهِ بَين فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسلِمِينَ"، يَعْنِي الحَسَنَ بْنَ عَلِيّ. رَوَاهُ أحْمدُ (٣) وَالبُخارِيُّ (٤) وَالترْمِذِي) (٥). [صحيح] ١١/ ٢٥١٤ - (وفِي حَدِيثٍ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زيدٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعَلِيّ: "وأمَّا أنْتَ يا عَلِيُّ فخَتَني وأبُو وَلَدِي"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٦). [إسناده ضعيف]

стр. 5265

١٢/ ٢٥١٥ - (وَعَنْ أُسامَةَ بْنِ زيدٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: وَحَسَن وَحُسَيْنٌ على وَرِكَيْهِ: "هَذَانِ ابْنايَ وَابْنا ابْنَتِي، اللهُم إني أُحِبّهَما فأحِبّهُما وأحِبّ مِنْ يُحبُّهُما"، رَوَاهُ التّرْمِذِي وَقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) (١). [حسن] ١٣/ ٢٥١٦ - (وَقالَ البَراءُ عَنِ النَّبِيّ ﷺ : "أنا النّبِي لا كَذِبْ، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ"، وَهُوَ فِي حَدِيثٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ) (٢). [صحيح] ١٤/ ٢٥١٧ - (وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قال: سَمِعْتُ النَّبِيّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ للأنْصَارِ ولِأبْناءِ الأنْصَارِ، ولِأبناءِ أبْناءِ الأنْصَارِ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالبُخارِيُّ (٤). [صحيح] وفِي لَفْظٍ: "اغْفِرْ لِلأنْصَارِ وَلِذَرَارِي الأنْصَارِ وَلِذَرَارِي ذَرَارِيهمْ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِي وَصَحَّحَهُ) (٥). [صحيح] حديث أنس أخرجه أيضًا النسائي (٦). وحديث أسامة بن زيد الأوّل (٧) قد ورد في معنى المقصود منه أحاديث:

стр. 5266

(منها): عن عمر بن الخطاب رفعه عند الطبراني (١) بلفظ: "كل ولد أمّ فإن عصبتهم لأبيهم، ما خلا ولد فاطمة فإني أنا أبوهم وعصبتهم". وعن ابن عباس عند الخطيب (٢) بنحوه. وعن جابر عند الطبراني في الكبير (٣) بنحوه أيضًا.

стр. 5267

قال السخاوي في رسالته [الموسومة] (١) "بالإسعاف بالجواب على مسئلة الأشراف" (٢)، بعد أن ساق حديث جابر بلفظ: "إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه، وإن الله جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب"، ما لفظه: وقد كنت سئلت عن هذا الحديث وبسطت الكلام عليه (٣)، وبينت أنه صالح للحجة، وبالله التوفيق اهـ. وفي الميزان (٤) في حرف العين منه في ترجمة عبد الرحمن بن محمد الحاسب ما لفظه: [لا يُدْرى] (٥) من ذا وخبره مكذب. وروى الخطيب (٦) من طريق عبد الله بن عبد الرحمن بن محمد عن أبيه عن خزيمة بن حازم، حدثني المنصور - يعني الدوانيقي -، حدثني أبي عن أبيه علي عن جده قال: "كنت أنا وأبي العباس عند رسول الله ﷺ إذ دخل علي، فقال النبي ﷺ : "لله أشد حبًا لهذا مني، إن الله جعل [ذرية] (٧) كل نبي من صلبه، وجعل ذريتي في صلب علي". اهـ.

стр. 5268

وذكر في الميزان (١) أيضًا في ترجمة عثمان بن أبي شيبة أحاديث عنه من جملتها حديث: "لكل بَنِي أبٍ عصبة ينتمون إليه، إلا ولد فاطمة، أنا عُصْبَتهم". ثم حكى عن العقيلي (٢) بعد أن ساق هذا الحديث وغيره أنه قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: أنكر أبي هذه الأحاديث، أنكرها جدًّا، وقال: هذه موضوعة مع أحاديث من هذا النحو. قال الذهبي (٣) بعد ذلك: قلت: عثمان بن أبي شيبة لا يحتاج إلى متابع، ولا ينكر له أن ينفرد بأحاديث لسَعَة ما روى وقد يغلط. وقد اعتمده الشيخان في صحيحيهما. اهـ. وحديث أسامة الآخر (٤) أخرج نحوه الترمذي (٥) أيضًا من حديث البراء بدون قوله: "هذان ابناي"، ولفظه: إن النبي ﷺ أبصر حسنًا وحسينًا فقال: "اللهم إني أحبهما فأحبهما". وأخرجه أيضًا الشيخان (٦) من حديثه بلفظ: رأيت رسول الله ﷺ والحسن على عاتقه يقول: "اللهم إني أحبه فأحبه". قوله: (إنَّك لابنةُ نبيٍّ) إنَّما قال لها ذلك لأنها من ذرية هارون، وعمُّها موسى، وبنو قريظة من ذرّية هارون، فسمَّى رسول الله ﷺ هارون أبًا لها، وبينها وبينه آباء متعدِّدون، وكذلك جعل الحسن ابنًا له وهو ابن ابنته، وكذلك الحسين، كما في سائر الأحاديث، ووصف نفسه بأنه ابن عبد المطلب وهو جده، وجعل لأبناء الأنصار وأبنائهم حكم الأنصار، وذلك كله يدل على أن حكم أولاد الأولاد حكم الأولاد، فمن وقف على أولاده دخل في ذلك أولاد الأولاد ما

стр. 5269

تناسلوا، [وكذا] (١) أولاد البنات، وفي ذلك خلاف. ومما يؤيد القول بدخول أولاد البنات: ما أخرجه البخاري (٢) ومسلم (٣) وأبو داود (٤) والنسائي (٥) والترمذي (٦) عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله ﷺ : "ابنُ أختِ القوم منهم". وللأحاديث المذكورة في الباب فوائد خارجة عن مقصود المصنف من ذكرها في هذا الباب، والتعرض لذلك يستدعي بسطًا طويلًا فلنقتصر على بيان المطلوب منها هاهنا. [الباب الخامس] باب ما يصنع بفاضل مال الكعبة ١٥/ ٢٥١٨ - (عَنْ أبي وَائِلٍ قالَ: جَلَسْتُ إلى شَيْبَةَ فِي هَذَا المَسْجِدِ فَقَالَ: جَلَس إليّ عُمَرُ فِي مَجْلِسِكَ هَذَا، فَقَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ لا أدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إلا قَسَمْتُها بَيْنَ المُسْلِمِينَ، قُلْتُ: ما أما بِفاعِلٍ؟ قالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاكَ، فَقَالَ: هُمَا المَرْءَانِ يُقْتَدَى بِهِما. رَوَاهُ أحْمَدُ (٧) وَالبُخارِيُّ) (٨). [صحيح] ١٦/ ٢٥١٩ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَوْلا أن قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ - أوْ قالَ: - بِكُفْرٍ؛ لأنْفَقْتُ كَنْزَ الكَعْبَةِ فِي سَبِيلِ الله، وَلجَعَلْتُ بَابَهَا بِالأرْضِ وَلأدْخَلْتُ فِيها مِنَ الحِجْرٍ" رَوَاهُ مُسْلِمٌ) (٩). [صحيح]

стр. 5270

قوله: (جلست إلى شيبة) هو ابن عثمان بن طلحة بن عبد العزَّى بن عثمان بن عبد الله بن عبد الدار بن قصيِّ العبدريّ الحَجَبيّ، بفتح المهملة والجيم، ثم موحدةٌ: نسبةً إلى حجابة الكعبة. قول: (فيها) أي: في الكعبة؛ والمراد بالصفراء: الذهب، والبيضاء: الفضة. قال القرطبي (١): غلط من ظن أن المراد بذلك حلية الكعبة، وإنما أراد الكنز الذي بها، وهو ما كان يهدى إليها فيدَّخر ما يزيد عن الحاجة، وأمَّا الحلي فمحبسة عليها كالقناديل، فلا يجوز صرفها في غيرها. وقال ابن الجوزي (٢): كانوا في الجاهلية يهدون إلى الكعبة المال تعظيمًا لها فيجتمع فيها. قوله: (هما المرءان) تثنية مرء، بفتح الميم، ويجوز ضمّها، والراء ساكنة على كل حال بعدها همزة: أي الرجلان. قوله: (يُقتدى بهما) في روايةٍ للبخاري (٣): "أقتدي بهما". قال ابن بطال (٤): أراد عمر ذلك لكثرة إنفاقه في منافع المسلمين، ثم لما ذكر أن النبي ﷺ لم يتعرَّض له أمسك، وإنما ترك ذلك؛ لأنَّ ما جعل في الكعبة وسبِّل لها يجري مجرى الأوقاف، فلا يجوز تغييره عن وجهه، وفي ذلك تعظيم للإسلام وترهيب للعدو. قال في الفتح (٥): أما التعليل الأول فليس بظاهر من الحديث، بل يحتمل أن يكون تَرْكُهُ [ ﷺ ] (٦) لذلك رعاية لقلوب قريش كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، ثم أيد هذا الاحتمال بحديث عائشة المذكور في الباب (٧)، ثم قال: فهذا هو التعليل المعتمد. اهـ.

стр. 5271

والمصير إلى هذا الاحتمال لا بُدَّ منه لنصِّه ﷺ عليه، فلا يلتفت [إلى] (١) الاحتمالات المخالفة له، وعلى هذا فإنفاقه جائز كما جاز لابن الزبير بناء البيت على قواعد إبراهيم لزوال السبب الذي لأجله ترك بناءه ﷺ . واستدلَّ التَّقيُّ السبكي بحديث أبي وائل هذا على جواز تحلية الكعبة بالذهب والفضة، وتعليق قناديلهما فيها وفي مسجد المدينة، فقال: هذا الحديث عمدةٌ في مال الكعبة وهو ما يُهدى إليها، أو ينذر لها، قال: وأما قوله [الشافعي] (٢): لا يجوز تحلية الكعبة بالذهب والفضة، ولا تعليق قناديلهما فيها، ثم حكى وجهين في ذلك: (أحدهما): الجواز تعظيمًا كما في المصحف. (والآخر): المنع إذ لم يقل أحد من السلف به فهذا مشكل؛ لأن للكعبة من التعظيم ما ليس لبقية المساجد، بدليل تجويز سترها بالحرير والديباج. وفي جواز ستر المساجد بذلك خلاف، ثم تمسك للجواز بما وقع في أيام الوليد بن عبد الملك من تذهيبه سقوف المسجد النبوي. قال (٣): ولم ينكر ذلك عمر بن عبد العزيز، ولا أزاله في خلافته؛ ثم استُدِلَّ للجواز: بأن تحريم استعمال الذهب والفضة إنما هو فيما يتعلق بالأواني المعدة للأكل والشرب ونحوهما. قال (٣): وليس في تحلية المساجد بالقناديل الذهب شيء من ذلك. ويجاب عنه بأن حديث أبي وائل [لا يصلح] (٤) للاستدلال به على جواز تحلية الكعبة وتعليق القناديل من الذهب والفضة كما زعم؛ لأنَّه إن أراد أن النبي ﷺ اطلع على ذلك وقرره فقد عرفت الحامل له ﷺ على ذلك، وإن أراد وقوع الإجماع من الصحابة أو ممن بعدهم عليه فممنوع، وإن أراد

стр. 5272

غير ذلك فما هو؟ وأما القياس على ستر الكعبة بالحرير والديباج فقد تعقب بأن تجويز ذلك قام الإجماع عليه. وأما التحلية بالذهب والفضة فلم ينقل عن فعل من يقتدي به كما قال في الفتح (١)، وفعل الوليد وترك عمر بن عبد العزيز لا حجة فيهما، نعم القول بالتحريم يحتاج إلى دليل ولا سيما مع ما قدمنا من اختصاص تحريم استعمال آنية الذهب والفضة بالأكل والشرب، ولكن لا أقل من الكراهة، فإن وضع الأموال التي ينتفع بها أهل الحاجات في المواضع التي لا ينفع الوضع فيها آجلًا ولا عاجلًا مما لا يشك في كراهته.

стр. 5273

[الكتاب الخامس والعشرون] كتاب الوصايا [الباب الأول] باب الحث على الوصية والنهي عن الحيف فيها وفضيلة التنجيز حال الحياة ١/ ٢٥٢٠ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ شَيءٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ"، رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (١). [صحيح] واحتج بِهِ مَنْ يَعْمَلُ بِالخَطّ إِذَا عُرِفَ). قوله: (كتاب الوصايا)، قال في الفتح (٢): الوصايا جمع وصيَّةٍ كالهدايا، وتُطلق على فعل الموصى، وعلى ما يوصى به من مالٍ أو غيره من عهدٍ ونحوه، فتكون بمعنى المصدر، وهو الإيصاء، وتكون بمعنى المفعول، وهو الاسم. وهي في الشرع: عهدٌ خاصٌّ مضافٌ إلى ما بعد الموت.

стр. 5274

قال الأزهري (١): الوصيةُ من وصيت الشيء بالتخفيف أصيه إذا وصلته، وسمِّيتْ وصيةً: لأنَّ الميت يصل بها ما كان في حياته بعد مماته، ويقال: وصيَّة بالتشديد، ووصاةٌ بالتخفيف بغير همز. وتُطلق شرعًا أيضًا على ما يقع به الزجر عن المنهجات والحث على المأمورات. قوله: (ما حقُّ) ما نافية بمعنى: ليس، والخبر ما بعد "إلا". وروى الشافعي (٢) عن سفيان بلفظ: "ما حقُّ امرئٍ يؤمن بالوصية … " الحديث. أي: يؤمن بأنها حق، كما حكاه ابن عبد البر (٣) عن ابن عيينة. ورواه ابن عبد البر والطحاوي (٤) بلفظ: "لا يحل لامرئ مسلم له مال". وقال الشافعي (٥): معنى الحديث: ما الحزمُ والاحتياطُ للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده، وكذا قال الخطابي (٦). قوله: (مسلم) قال في الفتح (٧): هذا الوصف خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو ذُكر للتهييج؛ لتقع المبادرة إلى الامتثال لما يشعر به من نفي الإسلام عن تارك ذلك. ووصية الكافر جائزةٌ في الجملة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع (٨). قوله: (يبيت) صفة لمُسلمٍ كما جزم به الطيبيُّ (٩). قوله: (ليلتين) في رواية للبيهقي (١٠) وأبي عوانة (١١): ليلة أو ليلتين،

стр. 5275

ولمسلم (١) والنسائي (٢): ثلاث ليال. قال الحافظ (٣): وكأنَّ ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها ففسح له هذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه. واختلاف الروايات فيه دالٌّ على أنه للتقريب، لا للتحديد، والمعنى لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلًا إلا ووصيته مكتوبة، وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية التأخير؛ ولذلك قال ابن عمر: لم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا ووصيتي عندي. قال الطيبي (٤): في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة: أي لا ينبغي أن يبيت [زمنًا مّا] (٥) وقد سامحناه في الليلتين [والثلاث] (٦) فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك. قال العلماء (٧): لا يندب أن يكتب جميع الأشياء المحقرة، ولا ما جرت العادة بالخروج منه والوفاء به عن قرب. وقد استدل بهذا الحديث مع قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ (٨) الآية، على وجوب الوصية، وبه قال جماعة من السلف منهم عطاء والزهريُّ وأبو مجلز وطلحة بن مصرِّف في آخرين، وحكاه البيهقي (٩) عن الشافعي في القديم، وبه قال إسحاق وداود (١٠) وأبو عوانة الإسفراييني وابن جرير. قال في الفتح (١١): وآخرون. وذهب الجمهور (١٢) إلى أنها مندوبة وليست بواجبة. ونسب ابن عبد البر (١٣)

стр. 5276

القول بعدم الوجوب إلى الإجماع، وهو مجازفةٌ لما عرفت. وأجاب الجمهور عن الآية بأنها منسوخة (١) كما في البخاري (٢) عن ابن عباس قال: "كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل لكل واحد من الأبوين السدس". وأجاب القائلون بالوجوب بأن الذي نسخ الوصية للوالدين والأقارب الذين يرثون. وأما من لا يرث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عباس ما يقتضي النسخ في حقه. وأجاب من قال بعدم الوجوب عن الحديث بأن قوله: "ما حق … " إلخ، للجزم والاحتياط؛ لأنَّه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصيةٍ (٣).

стр. 5277

وقيل: الحقُّ لغة (١): الشيء الثابت، ويُطلق شرعًا على ما يثبت به الحكم، وهو أعمُّ من أن يكون واجبًا أو مندوبًا. وقد يُطلق على المباح قليلًا، قاله القرطبي (٢). وأيضًا تفويض الأمر إلى إرادة الموصى يدلُّ على عدم الوجوب، ولكنه يبقى الإشكال في الرواية المتقدمة بلفظ: "لا يحل لامرئ مسلم". وقد قيل: إنه يحتمل أن راويها ذكرها بالمعنى وأراد بنفي الحِل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح. وقد اختلف القائلون بالوجوب، فقال أكثرهم: تجب الوصية في الجملة. وقال طاوس وقتادة وجابر بن زيد في آخرين (٣): تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصة. وقال أبو ثور (٤): وجوب الوصية في الآية. والحديث يختص بمن عليه حق شرعي يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به كالوديعة والدين ونحوهما. قال: ويدل على ذلك تقييده بقوله: "له شيء يريد أن يوصي فيه". قال في الفتح (٥): وحاصله يرجعُ إلى قول الجمهور: إنَّ الوصية غير واجبةٍ بعينها، وإنما الواجب بعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير سواءٌ كان بتنجيزٍ أو وصيةٍ. ومحلُّ وجوب الوصية إنما هو إذا كان عاجزًا عن تنجيزه ولم يعلم بذلك غيره ممن يثبت الحقُّ بشهادته. فأما إذا كان قادرًا أو علم بها غيره فلا وجوب.

стр. 5278

قال (١): وعرف من مجموع ما ذكرنا أن الوصية قد تكون واجبة وقد تكون مندوبة فيمن رجا منها كثرة الأجر، ومكروهة في عكسه، ومباحة فيمن استوى الأمران فيه، ومحرمة فيما إذا كان فيها إضرار كما ثبت عن ابن عباس: "الإضرار في الوصية من الكبائر"، رواه سعيد بن منصور (٢) موقوفًا بإسناد صحيح. ورواه النَّسَائِي (٣) مرفوعًا ورجاله ثقات. وقد استدل من قال بعدم وجوب الوصية بما ثبت في البخاري (٤) وغيره (٥) عن عائشة أنها أنكرت أن يكون رسول الله ﷺ أوصى وقالت: "متى أوصى وقد مات يبن سَحري ونحري؟ ". وذلك ما ثبت أيضًا في البخاري (٦) عن ابن أبي أوفى أنه قال: "إن النبي ﷺ لم يوص". وأخرج أحمد (٧) وابن ماجه (٨)،

стр. 5279

قال الحافظ (١): بسند قوي، عن ابن عباس في أثناء حديث فيه: "أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلِّي بالناس"، قال في آخره: "مات رسول الله ﷺ ولم يُوصِ"، قالوا: ولو كانت الوصية واجبة لما تركها رسول الله ﷺ . وأجيب بأن المراد بنفي الوصية منه ﷺ نفي الوصية بالخلافة لا مطلقًا، بدليل: أنه قد ثبت عنه ﷺ الوصية بعدة أمور، كأمره ﷺ في مرضه لعائشة بإنفاق الذهيبة كما ثبت من حديثها عند أحمد (٢) وابن سعد (٣) وابن خزيمة (٤). وفي المغازي لابن إسحاق (٥) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "لم يوص رسول الله ﷺ عند موته إلا بثلاث لكلِّ من الداريين، والرهاويين، والأشعريين بجادّ مائة وسق من خيبر، وأن لا يترك في جزيرة العرب دينان، وأن ينفذ بعث أسامة". وفي صحيح مسلم (٦) عن ابن عباس: "وأوصى بثلاث: أن يجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم … " الحديث. وأخرج أحمد (٧) والنسائي (٨) وابن سعد (٩) عن أنس: كانت غاية وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: "الصلاة وما ملكت أيمانكم". وله شاهد من حديث علي عند أبي داود (١٠) وابن ماجه (١١).
следующие страницы →