← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 5275–5314 · переход к 5280.

стр. 5275

ولمسلم (١) والنسائي (٢): ثلاث ليال. قال الحافظ (٣): وكأنَّ ذكر الليلتين والثلاث لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها ففسح له هذا القدر ليتذكر ما يحتاج إليه. واختلاف الروايات فيه دالٌّ على أنه للتقريب، لا للتحديد، والمعنى لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلًا إلا ووصيته مكتوبة، وفيه إشارة إلى اغتفار الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية التأخير؛ ولذلك قال ابن عمر: لم أبت ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا ووصيتي عندي. قال الطيبي (٤): في تخصيص الليلتين والثلاث بالذكر تسامح في إرادة المبالغة: أي لا ينبغي أن يبيت [زمنًا مّا] (٥) وقد سامحناه في الليلتين [والثلاث] (٦) فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك. قال العلماء (٧): لا يندب أن يكتب جميع الأشياء المحقرة، ولا ما جرت العادة بالخروج منه والوفاء به عن قرب. وقد استدل بهذا الحديث مع قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ (٨) الآية، على وجوب الوصية، وبه قال جماعة من السلف منهم عطاء والزهريُّ وأبو مجلز وطلحة بن مصرِّف في آخرين، وحكاه البيهقي (٩) عن الشافعي في القديم، وبه قال إسحاق وداود (١٠) وأبو عوانة الإسفراييني وابن جرير. قال في الفتح (١١): وآخرون. وذهب الجمهور (١٢) إلى أنها مندوبة وليست بواجبة. ونسب ابن عبد البر (١٣)

стр. 5276

القول بعدم الوجوب إلى الإجماع، وهو مجازفةٌ لما عرفت. وأجاب الجمهور عن الآية بأنها منسوخة (١) كما في البخاري (٢) عن ابن عباس قال: "كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب فجعل لكل واحد من الأبوين السدس". وأجاب القائلون بالوجوب بأن الذي نسخ الوصية للوالدين والأقارب الذين يرثون. وأما من لا يرث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عباس ما يقتضي النسخ في حقه. وأجاب من قال بعدم الوجوب عن الحديث بأن قوله: "ما حق … " إلخ، للجزم والاحتياط؛ لأنَّه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصيةٍ (٣).

стр. 5277

وقيل: الحقُّ لغة (١): الشيء الثابت، ويُطلق شرعًا على ما يثبت به الحكم، وهو أعمُّ من أن يكون واجبًا أو مندوبًا. وقد يُطلق على المباح قليلًا، قاله القرطبي (٢). وأيضًا تفويض الأمر إلى إرادة الموصى يدلُّ على عدم الوجوب، ولكنه يبقى الإشكال في الرواية المتقدمة بلفظ: "لا يحل لامرئ مسلم". وقد قيل: إنه يحتمل أن راويها ذكرها بالمعنى وأراد بنفي الحِل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح. وقد اختلف القائلون بالوجوب، فقال أكثرهم: تجب الوصية في الجملة. وقال طاوس وقتادة وجابر بن زيد في آخرين (٣): تجب للقرابة الذين لا يرثون خاصة. وقال أبو ثور (٤): وجوب الوصية في الآية. والحديث يختص بمن عليه حق شرعي يخشى أن يضيع على صاحبه إن لم يوص به كالوديعة والدين ونحوهما. قال: ويدل على ذلك تقييده بقوله: "له شيء يريد أن يوصي فيه". قال في الفتح (٥): وحاصله يرجعُ إلى قول الجمهور: إنَّ الوصية غير واجبةٍ بعينها، وإنما الواجب بعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير سواءٌ كان بتنجيزٍ أو وصيةٍ. ومحلُّ وجوب الوصية إنما هو إذا كان عاجزًا عن تنجيزه ولم يعلم بذلك غيره ممن يثبت الحقُّ بشهادته. فأما إذا كان قادرًا أو علم بها غيره فلا وجوب.

стр. 5278

قال (١): وعرف من مجموع ما ذكرنا أن الوصية قد تكون واجبة وقد تكون مندوبة فيمن رجا منها كثرة الأجر، ومكروهة في عكسه، ومباحة فيمن استوى الأمران فيه، ومحرمة فيما إذا كان فيها إضرار كما ثبت عن ابن عباس: "الإضرار في الوصية من الكبائر"، رواه سعيد بن منصور (٢) موقوفًا بإسناد صحيح. ورواه النَّسَائِي (٣) مرفوعًا ورجاله ثقات. وقد استدل من قال بعدم وجوب الوصية بما ثبت في البخاري (٤) وغيره (٥) عن عائشة أنها أنكرت أن يكون رسول الله ﷺ أوصى وقالت: "متى أوصى وقد مات يبن سَحري ونحري؟ ". وذلك ما ثبت أيضًا في البخاري (٦) عن ابن أبي أوفى أنه قال: "إن النبي ﷺ لم يوص". وأخرج أحمد (٧) وابن ماجه (٨)،

стр. 5279

قال الحافظ (١): بسند قوي، عن ابن عباس في أثناء حديث فيه: "أمر النبي ﷺ أبا بكر أن يصلِّي بالناس"، قال في آخره: "مات رسول الله ﷺ ولم يُوصِ"، قالوا: ولو كانت الوصية واجبة لما تركها رسول الله ﷺ . وأجيب بأن المراد بنفي الوصية منه ﷺ نفي الوصية بالخلافة لا مطلقًا، بدليل: أنه قد ثبت عنه ﷺ الوصية بعدة أمور، كأمره ﷺ في مرضه لعائشة بإنفاق الذهيبة كما ثبت من حديثها عند أحمد (٢) وابن سعد (٣) وابن خزيمة (٤). وفي المغازي لابن إسحاق (٥) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: "لم يوص رسول الله ﷺ عند موته إلا بثلاث لكلِّ من الداريين، والرهاويين، والأشعريين بجادّ مائة وسق من خيبر، وأن لا يترك في جزيرة العرب دينان، وأن ينفذ بعث أسامة". وفي صحيح مسلم (٦) عن ابن عباس: "وأوصى بثلاث: أن يجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم … " الحديث. وأخرج أحمد (٧) والنسائي (٨) وابن سعد (٩) عن أنس: كانت غاية وصية رسول الله ﷺ حين حضره الموت: "الصلاة وما ملكت أيمانكم". وله شاهد من حديث علي عند أبي داود (١٠) وابن ماجه (١١).

стр. 5280

ومن حديث أم سلمة عند النَّسَائِي (١) بسند جيد. والأحاديث في هذا الباب كثيرة (٢) أورد منها صاحب الفتح (٣) في كتاب الوصايا شطرًا صالحًا، وقد جمعت في ذلك رسالة مستقلة (٤). واستدلوا أيضًا على توجيه نفي من نفى الوصية مطلقًا إلى الخلافة بما في البخاري (٥) عن عمر قال: "مات رسول الله ﷺ ولم يستخلف". وبما أخرجه أحمد (٦).

стр. 5281

والبيهقي (١) عن علي: "أنه لما ظهر يوم الجمل قال: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ لم يعهد إلينا في هذه الإمارة شيئًا … " الحديث. قال القرطبي (٢): كانت الشيعة قد وضعوا أحاديث في أن النبي ﷺ أوصى بالخلافة لعلي (٣)، فرد ذلك جماعة من الصحابة، وكذا من بعدهم.

стр. 5282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5284

فمن ذلك ما استدلت به عائشة (١)، يعني الحديث المتقدم. ومن ذلك أن عليًا لم يدع ذلك لنفسه ولا بعد أن ولي الخلافة ولا ذكره لأحد من الصحابة يوم السقيفة، وهؤلاء ينتقصون عليًا من حيث قصدوا تعظيمه؛ لأنهم نسبوه مع شجاعته العظمى وصلابته إلى المداهنة والتقية (٢) والإعراض عن طلب حقه مع قدرته على ذلك. اهـ.

стр. 5285

ولا يخفى أن نفي عائِشة للوصية حال الموت لا يستلزم نفيها في جميع الأوقات، فإذا أقام البرهان الصحيح من يدعي الوصاية في شيء معين قبل. قوله: (مكتوبةٌ عند رأسه) استدلَّ بهذا على جواز الاعتماد على الكتابة والخطِّ؛ ولو لم يقترن ذلك بالشهادة (١)، وخصَّ محمد بن نصر من الشافعية

стр. 5286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5287

ذلك بالوصية، لثبوت الخبر فيها دون غيرها من الأحكام. قال الحافظ (١): وأجاب الجمهور بأنَّ الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط المشهود به، قالوا: ومعنى قوله: "وصيته مكتوبة عنده"، أي: بشرطها. وقال المحبُّ الطبري (٢): إضمار الإشهاد فيه بعدٌ. وأجيب: بأنَّهم استدلُّوا على اشتراط الإشهاد بأمرٍ خارجٍ، كقوله تعالى:

стр. 5288

﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ (١)، فإنه يدل على اعتبار الإشهاد في الوصية. وقال القرطبي (٢): ذكر الكتابة مبالغةٌ في زيادة التوثُّق وإلا فالوصية المشهود بها متفق عليها ولو لم تكن مكتوبة. اهـ. وقد استوفينا الأدلة عى جواز العمل بالخطِّ في الاعتراضات التي كتبناها على رسالة (الجلال في الهلال) (٣) فليراجع ذلك فإنه مفيدٌ. ٢/ ٢٥٢١ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يا رَسُولَ الله، أيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ أَوْ أعْظَمُ أجْرًا؟ قالَ: "أما وأبِيكَ لَتُفْتَأنَّ، أنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ شَحِيحٌ صَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وتَأمُلُ البَقاءَ وَلَا تُمْهِل حتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذَا وَبفُلانٍ كَذَا وَقَدْ كانَ لفُلانٍ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) (٤). [صحيح] قوله: (أيُّ الصدقة أفضلُ أو أعظمُ)، في روايةٍ للبخاريِّ (٥): "أفضل"، وفي أخرى له (٦): "أعظم". قوله: (لَتُفْتأنَّ) بفتح اللام وضم الفوقية وسكون الفاء وبعدها فوقية أيضًا ثم همزة مفتوحة ثم نون مشدَّد، وهو من الفتيا، وفي نسخة: "لَتُنَبأَنَّ" بضم التاء وفتح النون، بعدها باءٌ موحدَةٌ، ثمَّ همزةٌ مفتوحة، ثمَّ نون مشدَّدةٌ من النبأ. قوله: (أن تصدَّق) بتخفيف الصاد على حذف إحدى التاءين، وأصله: أن تتصدَّق، والتشديد على الإدغام. قوله: (شحيحٌ) قال صاحب المنتهى (٧): الشحُّ: بخلٌ مع حِرْصٍ.

стр. 5289

وقال صاحب المحكم (١): الشحُّ مثلث الشين، والضم أولى. وقال صاحب الجامع (٢): كأن الفتح في المصدر والضم في الاسم. قال الخطابي (٣): فيه أن المرض يقصر يد المالك عن بعض ملكه، وأنَّ سخاوته بالمال في مرضه لا تمحو عنه سمة البخل، فلذلك شرط صحة البدن في الشحِّ بالمال؛ لأنَّه في الحالتين - يجد للمال وقعًا في قلبه لما يأمله من البقاء فيحذر معه الفقر. قال ابن بطال (٤) وغيره: لما كان الشحُّ غالبًا في الصِّحة فالسماح فيه بالصدقة أصدق في النية وأعظم للأجر، بخلاف من يئس من الحياة ورأى مصير المال لغيره. قوله: (وتأمُل) بضم الميم: أي تطمع. قوله: (ولا تمهلْ) بالإسكان على أنه نهي وبالرفع على أنه نفي ويجوز النصب. قوله: (حتى إذا بلغت الحلقوم) أي: قاربت بلوغه؛ إذ لو بلغته حقيقةً لم يصحَّ شيء من تصرُّفاته، والحلقوم: مجرى النفس (٥)، قاله أبو عبيدة. قوله: (قلت لفلان كذا) إلخ، قال في الفتح (٦): الظاهر أن هذا المذكور على سبيل المثال. وقال الخطابي (٧): فلان الأول والثاني الموصى له وفلان الأخير الوارث؛ لأنَّه إن شاء أبطله وإن شاء أجازه. وقال غيره: يُحتمل أن يكونَ المرادُ بالجميع: مَن يُوصي له، وإنما أدخل (كان) في الثالث إشارة إلى تقدير المقدر له بذلك.

стр. 5290

وقال الكرماني (١): يحتمل أن يكون الأول [الوارث] (٢)، والثانى: الموروث، والثالث: الموصى له. قال الحافظ (٣): ويحتمل أن يكون بعضها وصية وبعضها إقرارًا. والحديث يدل على أن تنجيز وفاء الدين والتصدق في حال الصحة أفضل منه حال المرض؛ لأنَّه في حال الصحة يصعب عليه إخراج المال غالبًا لما يخوفه به الشيطان ويزين له من إمكان طول العمر والحاجة إلى المال كما قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (٤). وفي معنى الحديث قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ﴾ الآية (٥). وفي معناه أيضًا ما أخرج الترمذي (٦) بإسنادٍ حسن، وصححه ابن حبان (٧) عن أبي الدرداء مرفوعًا. قال: "مثل الذي يعتقُ ويتصدَّق عند موته مثل الذي [يُهْدِي] (٨) إذا شَبع". وأخرج أبو داود (٩) وصححه ابن حبان (١٠) من حديث أبي سعيد مرفوعًا:

стр. 5291

"لأن يتصدق الرجل في حياته وصحته بدرهم خير له من أن يتصدق عند موته بمائة". ٣/ ٢٥٢٢ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قالَ: "إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ أوِ المَرأةَ بطاعَةِ الله سِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُما الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ [فَيَجِبُ] (١) لَهُمَا النَّارُ"، ثُمَّ قَرأ أبُو هُرَيْرَةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ إلى قَوْلِه: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٢)، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٣) وَالتّرْمِذيُّ (٤). [ضعيف] وَلأحْمَدَ (٥) وَابْنِ مَاجَهْ (٦) مَعْناهُ، وَقالا فيهِ: "سَبْعِينَ سَنَةً"). [ضعيف] الحديث حسنه الترمذي (٧)، وفي إسناده شهر بن حوشب، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين (٨). ولفظ أحمد (٥) وابن ماجه (٦) الذي أشار إليه المصنف: "إنَّ الرجلَ ليعملُ بعمل أهل الخير سبعين سنةً، فماذا أوصى حاف (٩) في وصيته فيُخْتَم له بشر عمله، فيدخل النار. وإنَّ الرجل ليعمل بعمل أهل الشرّ سبعين سنة فيعدل في وصيته فيدخل الجنة".

стр. 5292

وفيه وعيدٌ شديدٌ، وزجرٌ بليغٌ وتهديدٌ؛ لأنَّ مجرَّد المضارة في الوصية إذا كانت من موجبات النَّار بعد العبادة الطويلة في السنين المتعدِّدة فلا شكَّ أنَّها من أشدِّ الذنوب التي لا يقع في مضيقها إلا مَن سبقتْ له الشقاوةُ، وقراءة أبي هريرة للآية لتأييد معنى الحديث وتقويته؛ لأن الله سبحانه قد قيد ما شرعه من الوصيَّة بعدم الضرار، فتكون الوصيةُ المشتملة على الضرار مخالفةً لما [شرعه] (١) الله تعالى وما كان كذلك فهو معصيةٌ. وقد تقدم قريبًا عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا بإسناد صحيح: أن وصية الضرار من الكبائر، وذلك مما يؤيِّد معنى الحديث؛ فما أحقّ وصية الضرار بالإبطال من غير فرق بين الثلث وما دونه وما فوقه. وقد جمعت في ذلك رسالة مشتملة على فوائد (٢) لا يستغنى عنها. [الباب الثاني] باب ما جاءَ في كراهة مجاوزة الثلث والإيصاء للوارث ٤/ ٢٥٢٣ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قالَ: لَوْ أَن النَّاسَ غَضُّوا منَ الثُّلُثِ إلى الرُّبُعِ، فإنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "الثُّلُثُ وَالثلُثُ كثِيرٌ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ) (٣). [صحيح] ٥/ ٢٥٢٤ - (وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ أنَّهُ قالَ: "جَاءَنِي رَسُولُ الله ﷺ يَعُودُنِي مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: يا رسُولَ الله إني قَدْ بَلَغَ بي مِنَ الوَجَعِ ما تَرَى وأنا ذُو مالٍ، ولَا يَرثُنِي إلَّا ابْنَةٌ لي، أفأتَصَدَّقُ بِثُلُثَي مالي؟ قالَ: "لا"، قُلْتُ: فالشَّطْرَ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "لا"، قُلْتُ: فالثّلث؟ قالَ: "الثلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِير - أوْ - كَبِيرٌ، إنَّكَ إنْ تَذرَ وَرَثَتَكَ أغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أنْ تَدَعَهُمْ عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ"، رَوَاهُ

стр. 5293

الجَماعَةُ (١). [صحيح] وفِي رِوَايَةِ أكْثَرِهِم: جاءَنِي يَعودُنِي فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. وفِي لَفْظٍ: عادَنِي رَسُولُ الله ﷺ فِي مَرَضِي فَقالَ: "أوْصَيْتَ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "بِكَمْ؟ "، قُلْتُ: بِمَالي كُلِّهِ فِي سَبِيلِ الله، قالَ: "فَمَا تَرَكْتَ لِوَلَدِكَ؟ "، قُلْتُ: هُمْ أَغْنِياءُ، قالَ: "أوْصِ بالعُشْرِ"، فَمَا زَالَ يَقُولُ وأقُولُ حتَّى قالَ: "أوْصِ بالثُّلُثِ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ - أوْ - كَبِيرٌ"، رَوَاهُ النَّسَائِي (٢) وأحْمَدُ (٣) بمَعْناهُ إلَّا أنَّه قالَ: قُلْتُ: نَعَم جَعَلْتُ مالِيَ كُلَّهُ فِي الفُقَرَاءِ وَالمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ. [إسناده حسن] وَهُوَ دَلِيلٌ على نَسْخِ وُجُوبِ الوَصِيَّةِ للأقْرَبِينَ). ٦/ ٢٥٢٥ - (وَعَنْ أبي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: "إنَّ الله تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ عِنْدَ وَفاتِكُمْ زِيادَة فِي حَسَنَاتِكُمْ ليَجْعَلَها لَكُمْ زِيَادَةً فِي أعمَالِكُمْ"، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) (٤). [حسن بشواهده] حديث أبي الدرداء أخرجه أيضًا أحمد (٥).

стр. 5294

وأخرجه أيضًا البيهقي (١) وابن ماجه (٢) والبزار (٣) من حديث أبي هريرة بلفظ: "إن الله تصدق عليكم عند موتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم". قال الحافظ (٤): وإسناده ضعيف. وأخرجه أيضًا الدارقطني (٥) والبيهقي (٦) من حديث أبي أمامة (٧) بلفظ: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم ليجعل لكم زكاة في أموالكم"، وفي إسناده إسماعيل بن عياش (٨) وشيخه عتبة بن حميد (٩) وهما ضعيفان.

стр. 5295

ورواه (١) العقيلي في الضعفاء (٢) عن أبي بكر الصديق، وفي إسناده حفص بن عمر بن ميمون وهو متروك (٣). وعن خالد بن عبد الله السلمي عند ابن أبي عاصم (٤)، وابن السكن، وابن قانع (٥)، وأبي نعيم (٦)، والطبراني (٧)، وهو مختلف في [صحبته] (٨)، رواه عنه ابنه الحارث وهو مجهول. وقد ذكر الحافظ في التلخيص (٩) حديث أبي الدرداء ولم يتكلم عليه.

стр. 5296

قوله: (غَضُّوا) بمعجمتين: أي نقصوا (١)، ولو للتمني فلا تحتاج إلى جواب، أو شرطية والجواب محذوف. ووقع التَّصريحُ بالجواب في رواية ابن أبي عمر في مسنده عن سفيان بلفظ: "كان أحبَّ إليَّ"، وأخرجه الإسماعيلي (٢) من طريقه، ومن طريق أحمد بن عبدة عن سفيان. وأخرجه من طريق العباس بن الوليد عن سفيان بلفظ: "كان أحبَّ إلى رسول الله ﷺ ". قوله: (إلى الربع) زاد أحمد (٣) في الوصيَّة، وكذا ذكر هذه الزيادة الحميدي (٤). قوله: (فإنَّ رسول الله ﷺ ) هو كالتعليل لما اختاره من النقصان عن الثلث، وكأنَّه أخذ ذلك من وصفه ﷺ للثلث بالكثرة. قوله: (والثلث كثير) في رواية مسلم (٥): "كثيرٌ أو كبيرٌ"، الشك هل هو بالموحدة أو المثلثة، والمراد أنَّه كثير بالنسبة إلى ما دونه. وفيه دليلٌ على جواز الوصية بالثلث، وعلى أنَّ الأولى أن ينقصَ عنه ولا يزيد عليه. قال الحافظ (٦): وهو ما يبتدره الفهم. ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل: أي كثير أجره. ويحتمل أن يكون معناه كثيرٌ غير قليل.

стр. 5297

قال الشافعي (١): وهذا أولى معانيه، يعني أن الكثرة أمر نسبي، وعلى الأول عوّل ابن عباس كما تقدم، والمعروف من مذهب الشافعي (٢) استحباب النقص عن الثلث. وفي شرح مسلم للنووي (٣): إن كان الورثة فقراء استحب أن ينقص منه، وإن كانوا أغنياء فلا. وقد استدل بذلك على أنها لا تجوز الوصية بأزيد من الثلث. قال في الفتح (٤): واستقر الإجماع على منع الوصية بأزيد من الثلث، لكن اختلف فيمن ليس له وارثٌ خاصٌّ، فذهب الجمهور (٥) إلى منعه من الزيادة على الثلث، وجوّز له الزيادة الحنفية (٦) وإسحاق وشريك وأحمد (٧) في رواية وهو قول علي وابن مسعود. واحتجوا بأن الوصية مطلقة في الآية فقيدتها السنة بمن له وارث فبقي من لا وارث له على الإطلاق، وحكاه في البحر (٨) عن العترة. قوله: (قال: الثلث والثلث كثير، أو كبير) يعني بالمثلثة أو الموحدة، وهو شكٌّ من الراوي. قال الحافظ (٩): والمحفوظ في أكثر الروايات بالمثلثة، قال: الثلث بالنصب على الإغراء أو بفعل مضمر نحو عين الثلث، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف. قوله: (إنك إن [تذر]) (١٠) بفتح أن على التعليل وبكسرها على الشرطية. قال النووي (١١): هما صحيحان.

стр. 5298

وقال القرطبي (١): لا معنى للشرط هاهنا؛ لأنَّه يصير لا جواب له ويبقى "خيرٌ" لا رافع له. وقال ابن الجوزي (٢): سمعناه من رواة الحديث بالكسر وأنكره ابن الخشَّاب (٣) وقال: لا يجوز الكسر؛ لأنَّه لا جواب له لخلو لفظ خير عن الفاء وغيرها مما اشترط في الجواب. وتعقب بأنه لا مانع من تقديرها كما قال ابنُ مالك. قوله: (ورثتك) قال ابن المنير (٣): إنما عبر له ﷺ بلفظ الورثة ولم يقل: [بنتك] (٤)، مع أنه لم يكن له يومئذ إلا ابنة واحدة، لكون الوارث حينئذ لم يتحقق؛ لأن سعدًا إنما قال ذلك بناء على موته في ذلك المرض وبقائها بعده حتى ترثه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله، فأجابه ﷺ بكلام كلي مطابق لكل حالة وهو قوله: "ورثتك" ولم يخص بنتًا من غيرها. وقال الفاكهيُّ شارح العمدة (٣): إنما عبَّر ﷺ بالورثة؛ لأنَّه اطَّلع على أن سعدًا سيعيش، ويحصل له أولاد غير البنت المذكورة، فإنَّه ولد له بعد ذلك أربعة بنين. اهـ؛ وهم: عامر، ومصعب، ومحمد، وعمر، وزاد بعضهم: إبراهيم، ويحيى، وإسحاق، وزاد ابن (٥) سعد: عبد الله، وعبد الرحمن، وعمرًا، وعمران، وصالحًا، وعثمان، وإسحاق الأصغر، [وعمرًا] (٦) الأصغر، وعُميرًا - مصغرًا -، وذكر له من البنات ثنتي عشرة بنتًا. قال الحافظ (٧) ما معناه: إنه قد كان لسعدٍ وقت الوصيَّة ورثةٌ غير ابنته، وهم أولاد أخيه عتبة بن أبي وقاص، منهم: هاشم بن عتبة، وقد كان موجودًا إذ ذاك. قوله: (عالة) (٨) أي: فقراء وهو جمع عائل: وهو الفقير، والفعل منه عال يعيل: إذا افتقر.

стр. 5299

قوله: (يتكففون الناس) أي: يسألونهم بأكفِّهم، يقال: تكفف الناس (١) واستكفَّ: إذا بسط كفه للسؤال، أو سأل ما يكف عنه الجوع، أو سأل كفافًا من طعام. قال ابن عبد البر (٢): وفي هذا الحديث تقييد مطلق القرآن بالسنة؛ لأنَّه سبحانه قال: ﴿بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣)، فأطلق، وقيدت السنة الوصية بالثلث. قال في الفتح (٤): وفيه أنَّ خطابَ الشارع للواحد يعمّ مَن كان بصفته من المكلَّفين لإطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعد هذا، وإن كان الخطاب إنما وقع له بصيغة الإفراد. ولقد أبعد من قال: إن ذلك يختصُّ بسعد ومن كان في مثل حاله ممن يخلف وارثًا ضعيفًا أو كان ما يخلفه قليلًا. وفي حديث أبي الدرداء (٥) وما ورد في معناه دليل على أن الإذن لنا بالتصرف في ثلث أموالنا في أواخر أعمارنا من الألطاف الإلهية بنا والتكثير لأعمالنا الصالحة، وهو من الأدلة الدالة على اشتراط القربة في الوصية. ٧/ ٢٥٢٦ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ: أن النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ على ناقَتِهِ وأنا تَحْتَ جِرَانِها وَهِيَ تَقْصَعُ بِجِرَّتِها، وَإِنَّ لُغامَها يَسِيلُ بَيْنَ كَتِفي، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إنَّ الله قَدْ أعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلا وَصِيةَ لوَارِثٍ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا أبا دَاوُدَ وصَحَّحَهُ التِّرْمذِيُّ) (٦). [صحيح] ٨/ ٢٥٢٧ - (وَعَنْ أبي أُمَامَةَ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ:

стр. 5300

"إنَّ الله قَدْ أعْطَى كُل ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلا النَّسائيَّ) (١). [صحيح] ٩/ ٢٥٢٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [قالَ] (٢): قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تجوزُ وَصِيَّةٌ لوَارِثٍ إلَّا أنْ يَشاءَ الوَرَثَةُ") (٣). [إسناده حسن] ١٠/ ٢٥٢٩ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدّهِ أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "لا وَصِيَّةَ لوَارِثٍ إلا أنْ يُجيزَ الوَرَثَةُ" (٤)، رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِي). [إسناده واهٍ] [و] (٥) حديث عمرو بن خارجة أخرجه أيضًا الدارقطني (٦) والبيهقي (٧).

стр. 5301

وحديث أبي أمامة حسنه الترمذي (١) والحافظ (٢)، وفي إسناده إسماعيل بن عياش (٣)، وقد قوى حديثه إذا روى عن الشاميين جماعة من الأئمة منهم أحمد والبخاري، وهذا من روايته عن الشاميين؛ لأنَّه رواه عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة، وصرح في روايته بالتحديث. وحديث ابن عباس حسَّنه في التلخيص (٤)، وقال في الفتح (٥): رجاله ثقاتٌ لكنَّه معلولٌ، فقد قيل: إن عطاء الذي رواهُ عن ابن عباس هو الخراساني [وهو لم يسمع من ابن عباس (٦)] (٧). وأخرج نحوه البخاري (٨) من طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس موقوفًا. قال الحافظ (٩): إلا أنه في تفسير وإخبار بما كان من الحكم قبل نزول القرآن فيكون في حكم المرفوع. وأخرجه أيضًا أبو داود في المراسيل (١٠) عن مرسل عطاء الخراساني، ووصله يونس بن راشد عن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس (١١). قال الحافظ (١٢): والمعروف المرسل. وحديث عمرو بن شعيب قال في التلخيص (١٣): إسناده واه. وفي الباب عن أنس عند ابن ماجه (١٤).

стр. 5302

وعن جابر عند الدارقطني (١) وصوب إرساله. وعن علي عنده (٢) أيضًا وإسناده ضعيف، وهو عند ابن أبي شيبة (٣). وعن مجاهد مرسلًا عند الشافعي (٤). قال في الفتح (٥): ولا يخلو إسناد كل [منها] (٦) من مقال، لكن [مجموعها] (٧) يقتضي أن للحديث أصلًا، بل جنح الشافعي في (٨) الأم إلى أن هذا المتن متواتر فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي ﷺ قال عام الفتح: "لا وصية لوارث" ويأثِرونَهُ عمَّنْ حفظوه عنه ممن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة فهو أقوى من نقل واحد. وقد نازع الفخر الرازي (٩) في كون هذا الحديث متواترًا، قال: وعلى تقدير تسليم ذلك فالمشهور من مذهب الشافعي (١٠) أن القرآن لا ينسخُ بالسُّنَّة. قال الحافظ (١١): لكن الحجة في هذا إجماع العلماء على مقتضاه كما صرح به الشافعي (١٢) وغيره.

стр. 5303

قال (١): والمراد بعدم صحَّة وصيَّة الوارث عدم اللزوم؛ لأن الأكثر على أنها موقوفةٌ على إجازة الورثة. وقيل: إنَّها لا تصحُّ الوصية لوارثٍ أصلًا وهو الظاهر؛ لأنَّ النفي إما أن يتوجَّه إلى الذَّات. والمراد لا وصية شرعية، وإما إلى ما هو أقرب إلى الذات، وهو: الصحَّة، ولا يصحُّ أن يتوجَّه هاهنا إلى الكمال الذي هو أبعد المجازين. وحديث ابن عباس (٢) المذكور، وإن دل على صحة الوصية لبعض الورثة مع رضا البعض الآخر، فهو لا يدل على أن النفي غير متوجه إلى الصحة بل هو متوجه إليها، وإذا رضي الوارث كانت صحيحة كما هو شأن بناء العام على الخاص، وهكذا حديث عمرو بن شعيب (٣). وحكى صاحب البحر (٤) عن الهادي والناصر وأبي طالب وأبي العباس أنها تجوز الوصية للوارث. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٥)، قالوا: ونسخ الوجوب لا يستلزم نسخ الجواز. وأجاب الجمهور عن ذلك بأن الجواز أيضًا منسوخ، كما صرح بذلك حديث ابن عباس (٢) المذكور في الباب. وقد اختلف في تعيين ناسخ آية الوصية للوالدين والأقربين. فقيل: آية الفرائض. وقيل: الأحاديث المذكورة في الباب. وقيل: دل الإجماع على ذلك وإن لم يتعين دليله، هكذا في الفتح (٦). وقد قيل: إن الآية مخصوصة؛ لأن الأقربين أعم من أن يكونوا وارثين أم لا؟ فكانت الوصية واجبة لجميعهم، وخص منها الوارث بآية الفرائض وبأحاديث

стр. 5304

الباب، وبقي حق من لا يرث من الأقربين من الوصية على حاله، قاله طاوس (١) وغيره. قوله: (وأنا تحت [جِرَانِهَا]) (٢) بكسر الجيم. قال في القاموس (٣): جران البعير بالكسر مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره. قوله: (وهي تقصع بجرتها) الجرة بكسر الجيم وتشديد الراء. قال في القاموس (٤): الجِرّة بالكسر: هيئة الجرِّ، وما يفيض به البعير فيأكله ثانية، وقد اجترَّ وأجرَّ، واللقمة يتعلل بها البعير إلى وقت علفه. والقصع: البلع قال في القاموس (٥): قصع كمنع: ابتلع جُرَع الماء، والناقةُ بجرَّتها: ردَّتها إلى جوفها، أو: مضغتها، أو: هو بعد الدَّسْع (٦) وقبل المضغ، أو: هو أن يملأ بها فاها، أو شدَّة المضغ. اهـ. قوله: (وإن لُغامها) بضمِّ اللام بعدها عينٌ معجمةٌ، وبعد [الألف] (٧) ميمٌ، هو: اللعاب. قال في القاموس (٨): لغم الجمل، كمنع رمى بلعابه لزبده. قال (٩): والملاغم: ما حول الفم. قوله: (إلا أن يشاء الورثة) في ذلك ردٌّ على المزنيِّ وداود (١٠) والسبكي حيث قالوا: إنها لا تصحُّ الوصية بما زاد على الثلث، ولو أجاز الورثة.

стр. 5305

واحتجُّوا بالأحاديث الآتية في الباب الذي بعد (١) هذا. ولكن في هذا الحديث (٢) وحديث، عمرو بن شعيب المذكور بعده (٣) زيادة يتعين القول بها. قال الحافظ (٤): إن صحت هذه الزيادة فهي حجة واضحة. واحتجوا من جهة المعنى بأن المنع إنما كان في الأصل لحق الورثة فإذا أجازوه لم يمتنع. واختلفوا بعد ذلك في وقت الإجازة، فالجمهور على أنهم إن أجازوا في حياة الموصى كان لهم الرجوع متى شاءوا، وإن أجازوا بعده نفذ. وفصل المالكية (٥) في الحياة بين مرض الموت وغيره، فألحقوا مرض

стр. 5306

الموت بما بعده، واستثنى بعضهم ما إذا كان المجيز في عائلة الموصى وخشي من امتناعه انقطاع معروفه عنه لو عاش فإن لمثل هذا الرجوع. وقال الزهري (١) وربيعة (١): ليس لهم الرجوع مطلقًا، واتفقوا على اعتبار كون الموصى له وارثًا يوم الموت، حتى لو أوصى لأخيه الوارث حيث لا يكون للموصي ابن ثم ولد له ابن قبل موته صحت الوصية للأخ المذكور؛ ولو أوصى لأخيه وله ابن فمات الابن قبل موت الموصى فهي وصية لوارث. [الباب الثالث] باب في أَن تبرعات المريض من الثلث ١١/ ٢٥٣٠ - (عَنْ أبي زيدٍ الأنْصارِيّ: أنَّ رجُلًا أعْتَقَ سِتَّةَ أعْبُدٍ عِنْدَ مَوْتهِ لَيْسَ لَهُ مالٌ غَيْرُهُمْ، فأقْرَعَ بَيْنَهُمْ رَسُولُ الله ﷺ ، فأعْتَقَ اثْنَيْنِ وأرَقَّ أرْبَعَةً. رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وأَبُو دَاوُد (٣) بِمَعْناهُ وَقَالَ فِيه: لَوْ شَهِدْتُهُ قَبْلَ أنْ يُدْفَنَ لمْ يُدْفَنْ فِي مَقابِر المُسْلِمِين). [صحيح لغيره] ١٢/ ٢٥٣١ - (وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أن رَجُلًا أعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعا بهْم رَسُولُ الله ﷺ ، فَجَزَّأهُمْ أثلاثًا ثُم أقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فأعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأرَقَّ أرْبعَة وَقالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا. رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخاريَّ (٤). [صحيح]

стр. 5307

وفِي لَفْظٍ: إنَّ رَجُلًا أعْتَقَ عِنْدَ مَوْتِهِ سِتَّةَ رَجْلَةٍ لَهُ، فَجاءَ وَرَثَتُهُ مِنَ الأعْرَابِ فأخْبَرُوا رَسُولَ الله ﷺ بِمَا صَنَعَ، قالَ: "أوَ فَعَلَ ذلكَ؟ لَوْ عَلِمْنا إنْ شاءَ الله ما صَلَّيْنا عَلَيْه"، فأقْرَعَ بَيْنَهُمْ فأعْتَقَ مِنْهُمُ اثْنَيْنِ وأرَقَّ أرْبَعَةً. رَوَاهُ أحْمَدُ (١). [صحيح] وَاحْتَجَّ بِعُمُومِهِ مَنْ سَوَّى بَيْنَ مُتَقَدِّمِ العَطايا وَمُتأخِّرِها؛ لأنَّهُ لَمْ يَسْتَفْصِلْ هَلْ أعْتَقَهُمْ بكَلمَةٍ أوْ بِكَلِماتٍ). حديث أبي زيد أخرجه أيضًا النسائي (٢)، وسكت عنه أبو داود (٣) والمنذري (٤)، ورجال إسناده رجال الصحيح. قوله: (أعتق ستة أعبد عند موته) قال القرطبي (٥): ظاهره أنه نجز عتقهم من مرضه. قوله: (فأقرع بينهم) هذا نصٌّ في اعتبار القرعة شرعًا، وهو حجة لمالك والشافعي (٦) وأحمد (٧) والجمهور على أبي حنيفة (٨) حيث يقول: القرعة من القمار وحكم الجاهلية، ويعتق من كل واحد من العبيد ثلثه ويستسعي في باقيه ولا يقرع بينهم، وبمثل ذلك قالت الهادوية (٩).

стр. 5308

قوله: (فأعتق اثنين وأرق أربعة)، في هذا أيضًا حجة على أبي حنيفة ومن معه حيث يقولون: يعتقون جميعًا. قال ابن عبد البر (١): في هذا القول ضروب من الخطأ والاضطراب. قال ابن رسلان: وفيه ضرر كثير؛ لأن الورثة لا يحصل لهم شيء في الحال أصلًا، وقد لا يحصل من السعاية شيء أو يحصل في الشهر خمسة دراهم أو أقل، وفيه ضرر على العبيد لإلزامهم السعاية من غير اختيارهم. قوله: (لو شهدته قبل أن يدفن) إلخ، هذا تفسير للقول الشديد الذي أبهم في الرواية الأخرى، وفيه تغليظ شديد وذم متبالغ، وذلك لأن الله سبحانه لم يأذن للمريض بالتصرف إلا في الثلث، فإذا تصرف في أكثر منه كان مخالفًا لحكم الله تعالى ومشابهًا لمن وهب غير ماله. قوله: (فجزّأهم) بتشديد الزاي وتخفيفها لغتان مشهورتان: أي قسمهم. وظاهره أنه اعتبر عدد أشخاصهم دون قيمتهم، وإنما فعل ذلك لتساويهم في القيمة والعدد. قال ابن رسلان: فلو اختلفت قيمتهم لم يكن بد من تعديلهم بالقيمة مخافة أن يكون ثلثهم في العدد أكثر من ثلث الميت في القيمة. قوله: (رَجْلة) بفتح الراء وسكون الجيم جمع رجل (٢). قوله: (ما صلينا عليه) هذا أيضًا من تفسيرِ القول الشديد المبهم في الرواية المتقدمة. والحديثان يدلان على أن تصرفات المريض إنما تنفذ من الثلث ولو كانت منجزةً في الحال ولم تضف إلى ما بعدَ الموت، وقد قدمنا حكايةَ الإجماع على المنع من الوصيَّةِ بأزيدَ من الثلثِ لمن كان له وارث، والتنجيز حال المرض المخوف حكمه حكمُ الوصيَّةِ. واختلفوا هل يعتبر ثلث التركة حال الوصية أو حال الموت، وهما وجهان

стр. 5309

للشافعية (١) أصحهما الثاني، وبه قال أبو حنيفة (٢) وأحمد (٣) والهادوية (٤)، وهو قول علي ﵁ وجماعة من التابعين. وقال بالأول مالك وأكثر العراقيين والنخعي وعمر بن عبد العزيز، وتمسكوا بأن الوصية عقد، والعقود تعتبر بأولها، وبأنه لو نذر أن يتصدق بثلث ماله اعتبر ذلك حال النذر اتفاقًا. وأجيب بأن الوصية ليست عقدًا من كل وجده، ولذلك لا يعتبر فيها الفورية ولا القبول، وبالفرق بين النذر والوصية بأنها يصح الرجوع فيها والنذر يلزم، وثمرة هذا الخلاف تظهر فيما لو حدث له مال بعد الوصية. واختلفوا أيضًا هل يحسب الثلث من جميع المال أو يتقيد بما علمه الموصى دون ما خفي عليه أو تجدد له ولم يعلم به، وبالأول قال الجمهور (٥)، وبالثاني قال مالك. وحجة الجمهور أنه لا يشترط أن يستحضر مقدار المال حال الوصية اتفاقًا، ولو كان عالمًا بجنسه، فلو كان العلم به شرطًا لما جاز ذلك. [الباب الرابع] بابُ وصيَّةِ الحَرْبيِّ إذا أسلمَ ورثَتُهُ هل يجبُ تنفيذُها ١٣/ ٢٥٣٢ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيِه عَنْ جَدِّه: أن العاصَ بْنَ وَائِلٍ أوْصَى أنْ يُعْتَقَ عَنُهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ، فأعْتَقَ ابْنُهُ هِشامٌ خَمْسِينَ رَقَبَةً، فأرَادَ ابْنُهُ عَمْرٌو أنْ يَعْتقَ عَنْهُ الخَمْسينَ الباقِيَةَ، فَقَالَ: يا رَسُولَ الله: إنَّ أبي أوْصى بِعِتْقِ مِائة رَقَبَةٍ، وإنَّ هِشامًا أعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ رَقَبَةً وَبَقِيَت خَمْسونَ رَقَبَةً، أفأعْتِق عَنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ كَانَ مُسْلمًا فأعْتَقْتُمْ عَنْهُ أوْ تَصَدّقْتُمْ عَنْهُ أوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ بَلَغَهُ ذلكَ"، رَوَاهُ أبو دَاوُدَ) (٦). [حسن]

стр. 5310

الحديث سكت عنه أبو داود (١)، أشار المنذري (٢) إلى الاختلاف في حديث عمرو بن شعيب وقد قدمنا غير مرة أن حديثه عن أبيه عن جده من قسم الحسن. وقد صحح له الترمذي بهذا الإسناد عدة أحاديث. والحديث يدل على أن الكافر إذا أوصى بقربة من القرب لم يلحقه ذلك لأن الكفر مانع، وهكذا لا يلحقه ما فعله قرابته المسلمون من القرب كالصدقة والحج والعتق من غير وصية منه، ولا فرق بين أن يكون الفاعل لذلك ولدًا أو غيره، وليس في هذا الحديث ما يدل على عدم صحة وصية الكافر، إذ لا ملازمة بين عدم قبول ما أوصى به من القرب وعدم صحة الوصية مطلقًا. نعم، فيه دليل أنه لا يجب على قريب الكافر من المسلمين تنفيذ وصيته بالقرب. قال في البحر (٣): مسألة: ولا تصح يعني الوصية من كافر في معصية كالسلاح لأهل الحرب. وبناء البيع في خطط المسلمين. [وتصح] (٤) بالمباح إذ لا مانع (٥). اهـ. [الباب الخامس] باب الإيصاءِ بما يدخُله النيابةُ من خلافة وعتاقة ومحاكمة في نسب وغيره ١٤/ ٢٥٣٣ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: حَضَرْتُ أبي حينَ أصِيبَ فأثْنَوْا عَلَيْهِ وَقالُوا: جَزَاكَ الله خَيْرًا، فَقَالَ: رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ، قالُوا: اسْتَخْلِفْ، فَقَالَ: أتَحمَّلُ أمْركُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا لَوَدِدْتُ أنَّ حَظِّي مِنْها الكَفافُ لا عَليّ ولَا لِيَ، فإنْ أسْتَخْلِفْ فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي - يَعْنِي، أبا بَكْرٍ -، وَإنْ أتْرُكْكُمْ فَقَدْ تَرَكَكُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي - يَعْنِي رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَ عَبْدُ الله: فَعَرَفْتُ أنَّهُ حِينَ ذَكَرَ رَسُولَ الله ﷺ

стр. 5311

غَيْر مُسْتَخْلِفٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] ١٥/ ٢٥٣٤ - (وَعَنْ عائِشَةَ: أن عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ وَسَعْدَ بْنَ أبي وَقَّاصٍ احْتَصَما إلى النَّبيِّ ﷺ فِي ابْنِ أمَةِ زَمْعَةَ، فَقالَ سَعْد: يا رَسُول الله أوْصَانِي أخي إذَا قَدِمْتُ أنْ أنْظُرَ ابْنَ أمَةِ زَمْعَةَ فأقْبِضَهُ فإنَّه ابْنِي، وَقالَ ابْنُ زَمْعَةَ: أخي وَابْنُ أمَةِ أبي وُلدَ على فِرَاشِ أبي، فَرَأى النَّبِي ﷺ شَبَهًا بَيْنَهُ بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: "هُوَ لَك يا عَبْدُ بْن زَمْعَةَ، الوَلَدُ للْفِرَاشِ وَاحْتَجبِي مِنْهُ يا سَودَةُ"، رَوَاهُ البُخارِي) (٢). [صحيح] ١٦/ ٢٥٣٥ - (وَعَنِ الشَّريدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِي: أن أُمّهُ أوْصَتْ أنْ يُعْتَقَ عَنْها رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ، فَسألَ رَسُولَ الله ﷺ عَن ذلك فَقالَ: عنْدِي جارِيَة سَوْدَاء فَقال: "ائْتِ بِها"، فَدَعا بِها فَجاءَتْ، فَقالَ لَهَا: "مَنْ رَبّكِ؟ "، قالَتِ: الله، قال: "مَنْ أنا؟ "، قالَتْ: أنْتَ رَسُولُ الله، قالَ: "اعْتقْها فإنَّهَا مُؤمِنَةٌ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالنَّسائي) (٤). [حسن] حديث الشَّريد: رواهُ النَّسَائِي (٤) من طريق موسى بن سعيدٍ، وهو صدوقٌ لا بأس به، وبقية رجاله ثقاتٌ. وقد أخرجه أيضًا أبو داود (٥) وابن حبان (٦). قوله: (فقد استخلف من هو خير مني)، استدل بهذا المصنف على جواز الوصية بالخلافة.

стр. 5312

وقد ذهبت الأشعرية والمعتزلة إلى أن طريقها العقد والاختيار في جميع الأزمان. وذهبت العترة إلى أن طريقها الدعوة، وللكلام في هذا محل آخر. قوله: (أنه حين ذكر رسول الله ﷺ غير مستخلف) يعني أنه سيقتدي برسول الله ﷺ في ترك الاستخلاف ويدع الاقتداء بابي بكر وإن كان الكل عنده جائزًا، ولكن الاقتداء برسول الله ﷺ في الترك أولى من الاقتداء بأبي بكر في الفعل. قوله: (وعن عائشة أن عبد بن زمعة) إلخ، سيأتي الكلام على هذا الحديث (١) في باب أن الولد للفراش (٢) إن شاء الله؛ لأن المصنف ﵀ سيذكره هنالك وهو الموضع الذي يليق به، وإنما ذكره هاهنا للاستدلال به على جواز الإيصاء بالنيابة في دعوى النسب والمحاكمة. ووجه ذلك أن النبي ﷺ لم ينكر على سعد بن أبي وقاص دعواه بوصاية أخيه في ذلك، ولو كانت النيابة بالوصية في مثله غير جائزة لأنكر عليه. قوله: (وعن الشريد بن سويد) إلخ، استدل به المصنف على جواز النيابة في العتق بالوصية. ووجهه أنه أخبر النبي ﷺ بتلك الوصية ولم يبين له أن مثل ذلك لا يجوز، ولو كان غير جائز لبينه لما تقرر من عدم جواز تأخر البيان عن وقت الحاجة (٣). قوله: (فقال لها: من ربك) إلخ، قد اكتفى النبي ﷺ بمعرفة الله والرسول في كون تلك الرقبة مؤمنة، وقد ثبت مثل ذلك في عدة أحاديث: (منها): حديث معاوية بن الحكم السلمي عند مسلم (٤) وغيره (٥).

стр. 5313

(ومنها): عن رجل من الأنصار عند أحمد (١). (ومنها): عن أبي هريرة عند أبي داود (٢). وعن حاطب عند أبي أحمد الغسَّال في "كتاب السنة". وعن ابن عباس عند الطبراني (٣) وغير ذلك. [الباب السادس] بابُ وَصِيَّةِ مَنْ لا يَعِيشُ مِثْلُهُ ١٧/ ٢٥٣٦ - (عَنْ عمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: رأيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ [﵁] (٤) قَبْلَ أنْ يُصَابَ بأيَّامٍ بالمَدِينَةِ وَقَفَ على حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ وعُثْمانَ بْنِ حُنَيْف قالَ: كَيْفَ فَعَلْتُما أتخافا أنْ تَكُونا قَدْ حَمَّلْتُمَا الأرْضَ ما لا تُطيقُ؟ قالا: حَمَّلْناها أمْرًا هِيَ لَهُ مُطِيقَة، ومَا فيها كَثيرُ فَضْلٍ، قالَ: انْظُرَا أنْ تَكُونا حَمَّلْتُمَا الأرْضَ ما لا تُطيقُ، قال: قالا: لا، فَقَالَ عمَرُ: لَئِنْ سَلَّمَني الله لأدَعَنّ أرَاملَ أَهْلِ العرَاقِ لَا يَحْتَجْنَ إلى رَجُلٍ بَعْدي أبَدًا. قالَ: فمَا أتَتْ عَلَيْهِ [رَابعَةٌ] (٥) حتَّى أُصِيبَ، قالَ: إني لقَائِمٌ ما بَيْني وَبَيْنَهُ إلا عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسٍ غَدَاةَ أُصِيبَ، وكانَ إذَا مَرَّ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ قالَ: اسْتَووا، حتّى

стр. 5314

إذَا لَمْ يَرَ فِيهنَّ خَلَلًا تَقَدَّمَ وكَبَّرَ، وَرُبَّمَا قَرأ سُورَةَ يُوسُفَ أوِ النّحْل أوْ نَحْوَ ذلكَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولى حتَّى يَجْتَمِعَ النَّاسُ، فَمَا هُوَ إلَّا أن كَبَّرَ فَسَمعْتُه يَقُول: قَتَلنِي أوْ أكَلَنِي الكَلْبُ حينَ طَعَنَهُ فطارَ العِلْجُ بسكينٍ ذاتِ طرفين لا يمر على أحدٍ يمينًا ولا شمالًا إلَّا طعنه، حتى طعَنَ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا ماتَ مِنْهُم [سبعة] (١)؛ فَلَما رأى ذلكَ رَجُلٌ منَ المُسْلِمِينَ طَرَحَ عَلَيْهِ بُرْنُسًا؛ فَلَمَّا ظَنَّ العِلْجُ أنَّهُ مَأخُوذٌ نَحَرَ نَفْسَهُ؛ وَتَناوَلَ عُمَرُ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فَقَدَّمَهُ، فَمَنْ يَلِي عُمَرَ فَقَدْ رأى الَّذِي أرَى، وأمَّا نَوَاحِي المَسْجدِ فإنهُمْ [لا يَدْرُونَ] (٢)، غَيْرَ أنهُمْ قَدْ فَقَدُوا صَوْتَ عُمَرَ وَهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحانَ الله، سُبْحانَ الله، فَصَلَّى بِهمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ صَلاةً خَفِيفة؛ فَلَمَّا انْصَرَفُوا قالَ: يا ابْنَ عَبَّاسٍ انْظُرْ مَنْ قَتَلَنِي، فَجالَ ساعَةً ثُم جاءَ فَقَالَ: غُلامُ المُغِيرَةِ، فَقالَ: الصَّنَعُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: قاتَلَهُ الله لَقَدْ أمْرَتُ بِهِ مَعْرُوفًا، الحَمْد لله الذِي لَمْ يَجْعَلْ مَنِيَّتِي بيَدِ رَجُلٍ يَدَّعي الإسْلامَ، قَدْ كُنْتَ أنْتَ وأبُوكَ تُحِبَّانِ أنْ [تَكْثُرَ] (٣) العُلُوجُ بالمَدِينَةِ، وكانَ العَبَّاسُ أكْثَرهُم رَقِيقًا، فَقالَ: إنْ شِئْتَ فَعلْتُ: أيْ إنْ شئْتَ قَتَلْنا، قالَ: كَذَبْتَ بَعْدَما تَكَلَّمُوا بِلسانِكُمْ، وَصَلُّوا قِبْلَتَكُمْ، وَحَجُّوا حَجَّكُمْ؛ فاحْتُمِل إلى بَيْتِهِ، فانْطَلَقْنا مَعَهُ، وكأنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُمْ مُصِيبَةٌ قَبْلَ يَوْمئذٍ، فَقائِلٌ يَقُولُ أخافُ عَلَيْهِ، فأُتِي بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جَوْفِه، ثُم أُتي بِلَبنٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ، فَعَلِمُوا أنَّهُ مَيِّتٌ، فَدَخَلْنا عَلَيْهِ وَجاءَ النَّاسُ يَثْنُونَ عَلَيْهِ، وَجاءَ رَجُلٌ شابٌّ، فَقالَ: أبْشر يا أميرَ المُؤْمِنِينَ بِبُشرَى الله لَكَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ الله ﷺ وَقَدَمٍ فِي الإسْلامِ ما قَدْ عَلِمْتَ، ثُمَّ وُلِّيتَ فَعَدَلْتَ، ثُمَّ شَهادَةٌ؛ فَقالَ: وَدِدْتُ ذلكَ كَفَافًا لا عَليَّ ولَا لِيَ؛ فَلَمَّا أدْبَرَ إذَا إزَارُه تَمَسُّ الأرْضَ، فَقالَ: ردُّوا عَلي الغلَامَ، قالَ: يا ابْنَ أخي ارْفَعْ ثَوْبكَ فإنَّه أبَقَى لثَوْبِكَ وأتْقَى لِرَبكَ، يا عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ انْظَرْ ما عَليّ مِنَ الدّيْنِ، فَحَسَبُوهُ فَوجَدُوهُ سِتةً وثَمَانِينَ ألْفًا ونَحْوَهُ، قالَ: إنْ وَفّى لَهُ مالُ
следующие страницы →