← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 5415–5454 · переход к 5420.

стр. 5415

وقال (١): فيحتمل أن يكون المراد: أن العتق يرجح عند الموازنة، بحيث يكون مرجحًا لحسنات المعتق ترجيحًا يوازي سيئة الزنا. اهـ. قال الحافظ (٢): ولا اختصاص لذلك بالفرج بل يأتي في غيره من الأعضاء كاليد في الغصب مثلًا. قوله: (أيُّما امرئٍ مسلم) فيه دليل على أن هذا الأجر مختصٌّ بمن كان من المعتقين مسلمًا، فلا أَجر للكَّافر في عتقه إلا إذا انتهى أمره إلى الإسلام فسيأتي. قوله: (فَكاكه) بفتح الفاء وكسرها لغةً، أي: كانتا خلاصهُ. قوله: (يُجزَى) بضم الياء وفتح الزاي غير [مهموزة] (٣). وأحاديث الباب فيها دليلٌ على أن العتق من القُرَبِ الموجبةِ للسلامة من النَّار، وأنَّ عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى. وقد ذهب البعض إلى تفضيل عتق الأنثى على الذكر. واستدلَّ على ذلك: بأنَّ عتقها يستلزم حريَّة ولدها سواءٌ تزوجها حرٌ أو عبدٌ، ومجرَّد هذه المناسبة لا يصلح لمعارضة ما وقع التصريح به في الأحاديث من فكاك المعتق إمَّا رجلًا، أو امرأتين، وأيضًا عتق الأنثى ربما أفضى في الغالب إلى ضياعها لعدم قدرتها على التكسب بخلاف الذكر. قال في الفتح (٤): وفي قوله: "أعتق الله بكل عضو عضوًا منه"، إشارة إلى أنَّه ينبغي أن لا يكون في الرقبة نقصان لتحصيل الاستيعاب. وأشار الخطابي (٥) إلى أنه يغتفر النقص المجبور بمنفعته كالخصيِّ مثلًا. واستنكره النَّووي (٦) وغيره وقال: لا يشكُّ في أن عتق الخصيِّ وكلِّ ناقصٍ فضيلةٌ، لكنَّ الكامل أولى. ٣/ ٢٥٩٣ - (وَعَنْ أبي ذَرّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله، أيّ الأعمالِ أفْضَلُ؟

стр. 5416

قالَ: "الإيمَانُ بالله، وَالجِهادُ فِي سَبِيلِ الله"، قالَ: قُلْتُ: أيُّ الرّقابِ أفْضَلُ؟ قالَ: "أنْفَسُها عِنْدَ أهْلِها وأكْثَرُها ثَمَنًا") (١). [صحيح] ٤/ ٢٥٩٤ - (وَعَنْ مَيْمُونَةَ بِنتِ الحارِثِ: أنَّهَا أعْتَقَتْ وَليدَةً لَهَا وَلمْ تَسْتأذِنِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَلَمَّا كانَ يَوْمُها الَّذِي يَدُورُ عَلَيْها فِيهِ، قالَتْ: أشَعَرْتَ يا رَسُولَ الله أنِّي أعْتَقْتُ وَليدَتِي؟ قالَ: "أوَ فَعَلْتِ؟ " قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: "أما إنَّكِ لَوْ أعْطَيْتِها أخْوَالَكِ كانَ أعْظَمَ لِأجْرِكِ"، مُتَّفَق عَلَيْهِما (٢). [صحيح] وفِي الثاني دَلِيلٌ على جَوازِ تَبرُّع المَرأةِ بِدُونِ إذْنِ زوْجِها، وأنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ أفْضَلْ مِنَ العِتْقِ). ٥/ ٢٥٩٥ - (وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ الله، أرَأيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أتحَنَّثُ بِها فِي الجاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ وَعِتاقٍ وَصِلَةِ رَحِمٍ، هَلْ لي فِيها مِنْ أجْرٍ؟ قَالَ: "أَسْلَمْتَ على ما سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ" مُتَّفَق عَلَيْهِ (٣). [صحيح] وَقَد احْتَجَّ بِهِ على أن الحَرْبِيَّ يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَمَتى نَفَذَ فَلَهُ وَلَاؤهُ بالخَيْرِ). قوله: (الإيمان بالله والجهاد) قال النووي (٤): ذكر في هذا الحديث الجهاد بعد الإيمان، ولم يذكر الحج وذكر العتق. وفي حديث ابن مسعود (٥) بالصلاة ثم البر ثم الجهاد. وفي حديث آخر (٦) ذكر السلامة من اليد واللسان.

стр. 5417

قال العلماء (١): اختلاف الأجوبة في ذلك باختلاف الأحوال، واحتياج المخاطبين، وذكر ما لا يعلمه السائل والسامعون، وترك [ما علموه] (٢). قال في الفتح (٣): ويمكن أن يقال: إن لفظة "من" مرادة، كما يقال: فلانٌ أعقل الناس، والمراد من أعقلهم. ومنه حديث: "خيركم خيركم لأهله" (٤)، ومن المعلوم: أنَّه لا يصير بذلك خير الناس. اهـ. قوله: (أنفسها عند أهلها) أي: اغتباطهم بها أشدُّ، فإنَّ عتق مثل ذلك ما يقع غالبًا إلا خالصًا، وهو كقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٥). قوله: (وأكثرها ثمنًا) في رواية للبخاري (٦): "أعلاها ثمنًا" بالعين المهملة، وهي رواية النسائي (٧) أيضًا، وللكشميهني (٨) بالغين المعجمة، وكذا النسفي (٨). قال ابن قرقول (٨): معناهما متقارب، ورواية مسلم (٩) كما هنا. قال النووي (١٠): محلّه - والله أعلم - فيمن أراد أن يعتق رقبةً واحدةً، أمَّا لو كان مع شخصٍ ألف درهم مثلًا، فأراد أن يشتري بها رقبةً يعتقها فوجد رقبةً نفيسةً، ورقبتين مفضولتين، فالرقبتان أفضل. قال (١١): وهذا بخلاف الأضحية فإن الواحدة السمينة فيها أفضل، لأنَّ المطلوب هنا فكُّ الرَّقبة، وهناك طيبُ اللحم. قال الحافظ (١٢): والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فرب

стр. 5418

شخص واحد إذا [أعتق] (١) انتفع بالعتق أضعاف ما يحصل من النفع [بعتق] (٢) أكثر عددًا منه. ورب محتاج إلى كثرة اللحم لتفرقته على المحاويج الذين ينتفعون به أكثر مما ينتفع به هو بطيب اللحم، فالضابط أن مهما كان أكثر نفعًا كان أفضل سواء قل أو كثر. واحتجَّ به لمالك (٣) في أن عتق الرقبة الكافرة إذا كافت أعلى ثمنًا من المسلمة أفضل، وخالفه أصبغ (٤) وغيره وقالوا: المراد بقوله: "أعلى ثمنًا" من المسلمين وقد تقدم تقييده بذلك. قوله: (أشعرت) بفتح الشين المعجمة والعين المهملة وهو من الشعور. قوله: (وفي الثاني دليلٌ على جواز تبرع المرأة) إلخ، قد قدمنا الكلام على ذلك في باب ما جاء في تصرف المرأة في مالها ومال زوجها من كتاب الهبة (٥). قوله: (أسلمت على ما سلف لك من خير) فيه دليلٌ: على أن ما فعله الكافرُ حال كفره من القرب يكتب له إذا أسلم فيكون هذا الحديث مخصصًا لحديث: "الإسلام يجب ما قبله"، وقد تقدم (٦) في أوائل كتاب الصلاة، وجبُّ ذنوب الكافر بالإسلام أيضًا مشروط بأن يحسن في الإسلام لما أخرجه مسلم في صحيحه (٧) من حديث عبد الله بن مسعود قال: "قلنا: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام [أُخِذَ] (٨) بالأول والآخر"". وحديث حكيم (٩) المذكور يدل على أنه يصح العتق من الكافر في حال كفره ويثاب عليه إذا أسلم بعد ذلك، وكذلك الصدقة وصلة الرحم.

стр. 5419

[الباب الثاني] باب من أعتق عبدًا وشرط عليه خدمة ٦/ ٢٥٩٦ - (عَنْ سُفَيْنَةَ أبي عَبْدِ الرَّحْمَن قالَ: أعْتَقَتْنِي أُمُّ سَلَمَة وَشَرَطَتْ عَلَيّ أن أخْدُمَ النَّبِيَّ ﷺ ما عَاشَ. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَابْنُ ماجَهْ (٢). وفِي لَفْظٍ: كُنْتُ ممْلُوكًا لأمّ سَلَمَة فَقالَتْ: أعْتِقُكَ وأشْتَرِطُ عَلَيْكَ أنْ تَخْدُمَ رَسُولَ الله ﷺ ما عِشْتَ، فَقُلْتُ: لَوْ لَمْ تَشْتَرِطِي عَلَيَّ ما فارَقْتُ رَسُولَ الله ﷺ ما عِشْتُ، فأعْتَقَتْنِي واشتَرَطَتْ عَلَيَّ" رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٣). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا النسائي (٤) وقال: لا بأس بإسناده. وأخرجه أيضًا الحاكم (٥) وفي إسناده سعيد بن جمهان أبو حفص الأسلمي، وثقه يحيى بن معين وأبو داود السجستاني. وقال أبو حاتم الرازي: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به (٦). وقد استدل بهذا الحديث على صحة العتق المعلق على شرط. وقال ابن رشد (٧): ولم يختلفوا أن العبد إذا أعتقه سيده على أن يخدمه سنين أنه لا يتم عتقه إلا بخدمته.

стр. 5420

قال ابن رسلان: وقد اختلفوا في هذا، فكان ابن سيرين (١) يثبت الشرط في مثل هذا. وسئل عنه أحمد (٢) فقال: يشتري هذه الخدمة من صاحبه الذي اشترط له، قيل له: يشتري بالدراهم؟ قال: نعم. اهـ. وقال الخطابي (٣): هذا وعدٌ عبَّر عنه باسم الشرط، ولا يلزم الوفاء به. وأكثر الفقهاء لا يصححون إيقاع الشرط بعد العتق، لأنه شرط لا يلاقي ملكًا، ومنافع الحرِّ لا يملكها غيره إلا في إجارة أو ما في معناها. قال في البحر (٤): مسألة: ومن قال: اخدم أولادي في ضيعتهم عشر سنين فإذا مضت فأنت حر، عُتِقَ باستكمال ذلك إجماعًا لحصول الشرط والوقت. قال: قلت: ولو خدمهم في غير تلك الضيعة إذ القصد الخدمة لا مكانها، وكذلك لو فرق السنين عليهم لم يضر. قال الإمام يحيى (٥): وللسيد فيه قبل الوفاة كل تصرف إجماعًا. قال في البحر (٦): في دعوى الإجماع نظر. قال الإمام يحيى (٦): وتلزمه الخدمة إجماعًا إذ قد وهبها السيد لهم. قال الهادي (٦): ويعتق بمضي المدة وإن لم يخدم إذا علق بمضيها حيث قال: فإذا مضت. قال: وإذا مات الأولاد قبل الخدمةِ ومضيّ السنين بطل العتق لبطلان شرطه، وقيل: إن كان لهم أولاد عتق بخدمتهم إذ يعمهم اللفظ لا غيرهم من الورثة. [الباب الثالث] باب ما جاءَ فيمن ملك ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ ٧/ ٢٥٩٧ - (عَنْ أبي هُرَيْرةَ قال: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَجْزِي ولَدٌ

стр. 5421

عَنْ وَالدِهِ إلَّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيَعْتِقَهُ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا البُخارِيَّ) (١). [صحيح] ٨/ ٢٥٩٨ - (وَعَنِ الحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ (٢). [صحيح] وفِي لَفْظٍ لأحْمَدَ (٣): "فَهُوَ عَتِيقٌ". [صحيح لغيره] وِلأبي دَاوُدَ (٤) عَنْ عُمَرَ بْن الخَطَّابِ مَوْقُوفًا مِثْلُ حَدِيث سَمُرَةَ. [ضعيف موقوف] وَرَوَى أنَس: أن رِجالًا مِنَ الأنْصَارِ اسْتأذَنُوا النَّبِيَّ ﷺ [فَقالُوا] (٥): يا رَسُولَ الله ائْذَنْ لَنا فَلْنَتْرُكْ لابْنِ أُخْتنا عَبَّاسٍ فِدَاءَهُ، فَقالَ: "لا تَدَعُوا مِنْهُ دِرْهَمًا" رَواهُ البُخارِيُّ (٦). [صحيح]

стр. 5422

وَهُوَ يَدُلُّ على أنَّه إذا كانَ فِي الغَنِيمَةِ ذُو رَحمٍ لِبَعْضِ الغانِمينَ وَلمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ، لِأنّ العَبّاسَ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْ عَليٍّ ﵁). حديث سمرة قال أبو داود (١) والترمذي (٢): لم يروه إلا حماد بن سلمة عن قتادة، عن الحسن، ورواهُ شعبة عن قتادة عن الحسن مرسلًا، وشعبةُ أحفظ من حمَّادٍ، ولكن الرفع من الثقة زيادة لولا ما في سماع الحسن من سمرة من المقال. وقال علي بن المديني (٣): هو حديث منكر. وقال البخاري (٣): لا يصح. وأثر عمر أخرجه أيضًا النسائي (٤) وهو من رواية قتادة عنه ولم يسمع منه فإن مولده بعد موت عمر بنيف وثلاثين سنة. وفي الباب عن ابن عمر مرفوعًا عند النسائي (٥) والترمذي (٦) وابن ماجه (٧) والحاكم (٨) قال: قال رسول الله ﷺ : "من ملك ذا رحم محرم فهو حر"، وهو من رواية ضمرة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عنه. قال النسائي (٩): حديث منكر ولا نعلم أحدًا رواه عن سفيان غير ضمرة. وقال الترمذي (١٠): لم يتابع ضمرة بن ربيعة على هذا الحديث وهو خطأ عند أهل الحديث.

стр. 5423

وقال البيهقي (١): إنه وهم فاحش. وقال الطبراني: وهم فيه ضمرة، والمحفوظ بهذا الإسناد حديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته. وقد رد الحاكم (٢) هذا وقال: إنه روي من طريق ضمرة الحديثين [بالإسناد] (٣) الواحد، وضمرة هذا وثقه يحيى بن معين وغيره ولم يخرج له الشيخان. وقد صحح حديثه هذا ابن حزم (٤) وعبد الحق (٥) وابن القطان (٥). قوله: (لا يَجْزي) بفتح أوّلها أي: لا يكافئه بما لَهُ من الحقوق عليه إلا بأن يشتريه فيعتقه، وظاهره: أنَّه لا يعتق بمجرد الشراء، بل لا بُدَّ من العتق، وبه قالت الظاهرية (٦). وخالفهم غيرهم فقالوا: إنه يعتق بنفس الشراء. قوله: (ذا رَحِم) بفتح الراء وكسر الحاء، وأصله موضع تكوين الولد استعمل للقرابة فيقع على كلِّ مَن بينك وبينه نسبٌ يوجب تحريم النكاح. قوله: (مَحْرَمٍ) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الراء المخففة، ويقال: محرَّم بضم الميم وفتح الحاء وتشديد الراء المفتوحة. والمحرم: من لا يحلُّ نكاحه من الأقارب، كالأب، والأخ، والعم، ومن في معناهم. قال ابن الأثير (٧): الذي ذهب إليه أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين وإليه ذهب أبو حنيفة (٨) وأصحابه وأحمد أن مَنْ مَلَك ذا رَحِمٍ مَحْرَم عتق عليه ذكرًا كان أو أنثى. وذهب الشافعي (٩) وغيره من الأئمة والصحابة والتابعين إلى أنه يعتق عليه الأولاد والآباء والأمهات ولا يعتق عليه غيرهم من قرابته.

стр. 5424

وذهب مالك (١) إلى أنه يعتق عليه الولد والوالد والإخوة ولا يعتق غيرهم. قال البيهقي: وافقنا أبو حنيفة في بني الأعمام أنهم لا يعتقون بحق الملك واستدل الشافعي (٢) ومن وافقه بأن غير الوالدين والأولاد قرابة لا يتعلق بها رد الشهادة [ولا تجب] (٣) بها النَّفقةُ مع اختلاف الدين، فأشبه قرابة ابن العم وبأنه لا يعصبه فلا يعتق عليه بالقرابة كابن العم، وبأنه لو استحق العتق عليه بالقرابة لمنع من بيعه إذا اشتراه، وهو مكاتب كالوالد والولد، ولا يخفى أن نصب مثل هذه الأقيسة في مقابلة حديث سمرة (٤) وحديث ابن عمر (٥) مما لا يلتفت إليه منصف، والاعتذار عنهما بما فيهما من المقال المتقدم ساقط لأنهما يتعاضدان فيصلحان للاحتجاج. وحكى في الفتح (٦) عن داود الظاهري أنه لا يعتق أحد على أحد. قوله: (لابن أختنا) بالمثناة من فوق، والمراد: أنَّهم أخوال أبيه عبد المطلب؛ فإنَّ أمَّ العباس هي نُتَيْلة - بالنون والفوقية مصغرًا - بنت جنان بالجيم والنون وليست من الأنصار، وإنما أرادوا بذلك أن أم عبد المطلب منهم لأنها سلمى بنت عمرو بن أُحَيحة - بمهملتين مصغرًا - وهي من بني النجار. ومثله ما وقع في حديث [الهجرة] (٧) أنه ﷺ : "نزل على أخواله بني النجار" (٨)، وأخواله حقيقة إنما هم بنو زهرة وبنو النجار هم أخوال جده عبد المطلب. وقد استدل بحديث أنس هذا من قال: إنه لا يعتق ذو الرحم على رحمه،

стр. 5425

وقد ترجم عليه البخاري (١) فقال: باب إذا أسر أخو الرجل أو عمه هل يفادى؟ قال في الفتح (٢): قيل: إنه أشار بهذه الترجمة إلى تضعيف ما ورد فيمن ملك ذا رحم محرم. [الباب الرابع] بابُ أنَّ مَنْ مَثَّلَ بعبدِهِ عُتِقَ عليهِ ٩/ ٢٥٩٩ - (عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بن شُعَيبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدّه عَبدِ الله بْنِ عمْرٍو: أنَّ زِنْباعًا أبا رَوْح وَجَدَ غُلامًا لَهُ مَعَ جارِيَةٍ لَهُ، فَجَدَعَ أنْفَهُ وَجَبّهُ، فأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقال: "مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكَ"؟ قالَ: زِنباعٌ، فَدَعاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: "مَا حَمَلَكَ على هَذَا؟ "، فَقَالَ: كانَ مِنْ أمْرِهِ كَذَا وكَذَا، فَقَالَ رَسولُ الله ﷺ : "اذْهَبْ فأنْتَ حُرّ"، فَقالَ: يا رسول الله فَمْولى مَن أنا؟ فَقالَ: "مَولَى الله وَرَسُولهِ"، فأوْصَى بِهِ المُسْلِمِينَ؛ فَلمَّا قُبِضَ جاءَ إلى أبي بَكْرٍ فَقالَ: وَصِيَّةُ رَسُول الله ﷺ ، فَقالَ: نَعَمْ، تَجْرِي عَلَيْكَ النَّفَقَةُ وَعَلَى عِيالِكَ، فأجْرَاها عَلَيْهِ حتَّى قُبِضَ، فَلَمّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ جاءَهُ فَقالَ: وَصِيَّةُ رَسُولِ الله ﷺ ، قالَ: نَعَمْ، أيْنَ تُرِيدُ؟ قالَ: مِصْرَ، قالَ: فَكَتَبَ عُمَرُ إلى صَاحِبِ مِصْرَ أنْ يُعْطِيَهُ أرْضًا يأكُلُها. رَوَاهُ أحْمَدُ (٣). [حسن لغيره] وفي رِوَايَةِ أبي حَمْزَةَ الصَّيْرَفِي: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ صَارِخًا، فَقالَ لَهُ: "مَا لكَ؟ " قالَ: سيدِي رآنِي أقَبِّلُ جارَيةً لَهُ فَجَبَّ مَذَاكِيرِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَيَّ بالرّجُلِ"، فَطُلِب فَلَم يُقْدَرْ

стр. 5426

عَلَيْهِ، فَقالَ رَسول الله ﷺ : "اذْهَبْ فَأنْتَ حُرّ". رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١)، وَابْنُ ماجَهْ (٢) وَزَادَ قالَ: على مَنْ نُصْرَتِي يا رَسُولَ الله؟ قالَ: يَقُولُ: أرأيْتَ إنِ اسْتَرَقَّنِي مَوْلاي؟ فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "عَلى كُلّ مُؤْمِنٍ أوْ مُسْلِم". [حسن لغيره] وَرُوِيَ أنّ رَجُلًا أقْعَدَ أمَةً لَهُ فِي مَقْلَى حارٍّ فأحْرَقَ عَجُزَها، فأعْتَقَها عُمَرُ وأوْجَعَهُ (٣) ضَرْبًا [أثر ضعيف]. حَكاهُ أحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، قالَ: وكَذَلِكَ أقُولُ). حديث عمرو بن شعيب، سكت عنه أبو داود (٤). وقال المنذري (٥): في إسناده عمرو بن شعيب وقد تقدم اختلاف الأئمة في حديثه، وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وهو ثقة ولكنه مدلس وبقية رجال أحمد ثقات. وأخرجه أيضًا الطبراني (٦). وأثر عمر أخرجه مالك في الموطأ (٧) بلفظ: "إن وليدة أتت عمر وقد ضربها سيدها بنار [فأصابها] (٨) بها فأعتقها عليه"، وأخرجه أيضًا الحاكم في المستدرك (٩).

стр. 5427

وفي الباب عن ابن عمر عند مسلم (١) وأبي داود (٢) قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه". وعن سويد بن مقرن عند مسلم (٣) وأبي داود (٤) والترمذي (٥) قال: "كنا بني مقرن على عهد رسول الله ﷺ ليس لنا إلا خادمة واحدة فلطمها أحدنا، فبلغ ذلك النبيَّ ﷺ فقال: أعتقوها". وفي رواية (٦): "أنه قيل للنبي ﷺ : إنه لا خادم لبني مقرن غيرها، [قال] (٧): فليستخدموها فإذا استغنوا عنها فليخلُّوا سبيلها". وعن سمرة بن جندب وأبي هريرة ذكرهما ابن الأثير في الجامع (٨) وبيض لهما وكلاهما بلفظ: "من مثّل بعبده عتق عليه".

стр. 5428

وعن أبي مسعود البدري عند مسلم (١) وغيره (٢) وفيه: "كنت أضرب غلامًا بالسوط، فسمعت صوتًا من خلفي .. إلى أن قال: فإذا رسول الله ﷺ يقول: إن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام"، وفيه "قلت: يا رسول الله هو حر لوجه الله، فقال: لو لم تفعل للفحتك النار، أو لمستك النار". والأحاديث تدل على أن المثلة من أسباب العتق. وقد اختلف: هل يقع العتق بمجرَّدها أم لا؟ فحكى في البحر (٣) عن عليٍّ والهادي، والمؤيَّد بالله، والفريقين: أنه لا يعتق بمجرَّدها، بل يؤمر السيد بالعتق فإن تمرَّد فالحاكم. وقال مالك (٤) والليث وداود (٥) والأوزاعي (٦): بل يعتق بمجردها. وحكى في البحر (٧) أيضًا عن الأكثر: أن من مثَّل بعبد غيره لم يعتق. وعن الأوزاعي: أنه يعتق ويضمن القيمة للمالك. قال النووي (٨) في شرح مسلم عند الكلام عن حديث سويد بن مقرن المتقدم: إنه أجمع العلماء أن ذلك العتق ليس واجبًا، وإنما هو مندوب رجاء الكفارة وإزالة إثم اللطم. وذكر من أدلتهم على عدم الوجوب: إذنه ﷺ لهم بأن يستخدموها. ورد بأن إذنه ﷺ لهم باستخدامها لا يدل على عدم الوجوب بل الأمر قد أفاد الوجوب والإذن بالاستخدام دل على كونه وجوبًا متراخيًا إلى وقت الاستغناء عنها، ولذا أمرهم عند الاستغناء بالتخلية لها.

стр. 5429

ونقل النووي (١) أيضًا عن القاضي (٢) عياض أنه أجمع العلماء على أنه لا يجب إعتاق بشيء مما يفعله المولى من مثل هذا الأمر الخفيف، يعني اللطم المذكور في حديث سويد بن مقرن. قال (٣): واختلفوا فيما كثر من ذلك وشنع من ضرب مبرح لغير موجب أو تحريق بنار أو قطع عضو أو إفساده أو نحو ذلك؛ فذهب مالك (٤) والأوزاعي (٤) والليث (٤) إلى عتق العبد بذلك ويكون ولاؤه له ويعاقبه السلطان على فعله، وقال سائر العلماء (٥): لا يعتق عليه. اهـ. وبهذا يتبين أن الإجماع الذي أطلقه النووي مقيد بمثل ما ذكره القاضي عياض (٢). واعلم: أن ظاهر حديث ابن عمر الذي ذكرناه يقتضي أن اللطم والضرب يقتضيان العتق من غير فرق بين القليل والكثير والمشروع وغيره، ولم يقل بذلك أحد من العلماء. وقد دلت الأدلة على أنه يجوز للسيد أن يضرب عبده للتأديب، ولكن لا يجاوز به عشرة أسواط. ومن ذلك حديث: "إذا ضرب أحدكم خادمه فليجتنب الوجه" (٦)، فأفاد أنه يباح ضربه في غيره، ومن ذلك الإذن لسيد الأمة بحدها، فلا بد من تقييد مطلق الضرب الوارد في حديث ابن عمر هذا بما ورد من الضرب المأذون به، فيكون الموجب للعتق هو ما عداه.

стр. 5430

[الباب الخامس] باب من أعتق شركًا له في عبد ١٠/ ٢٦٠٠ - (عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وكانَ لَهُ مالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ قُوّم العَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فأعْطَى شُرَكاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ العَبْدُ وإلَّا فَقَدْ عَتَقَ عَلَيْهِ [ما عَتَقَ] (١) "، رَوَاهُ الجَماعَةُ (٢) وَالدَّارَقُطْنِيُّ (٣) وَزَادَ: "وَرَقَّ ما بَقِيَ". [صحيح] وفِي رِوَايَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْها (٤): "مَنْ أعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَهُ وبَيْنَ آخَرَ قُوّمَ عَلَيْهِ فِي مالِهِ قِيمَةَ عَدْلٍ لا وَكْسَ وَلا شَطَطَ، ثُمَّ عَتَقَ عَلَيْهِ فِي مالِهِ إنْ كانَ مُوسِرًا". [صحيح] وفِي رِوَايَةٍ: "مَنْ أعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ، فإنْ كانَ مُوسِرًا قُوّمَ عَلَيْهِ ثُمَّ [يَعْتِقُ] (٥) "، رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَالبُخَارِيُّ (٧). [صحيح] وفِي رِوَايَةٍ: "مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أنْ يَعْتِقَ كلَّهُ إنْ كانَ لَهُ مالٌ قَدْرُ ثَمَنِهِ يُقام قيمَةَ عَدْلٍ وَيُعْطِي شُرَكاءَهُ حِصَصَهُمْ وَيُخْلِي سَبِيلَ المُعْتِق" رَوَاهُ البُخارِيُّ (٨). [صحيح]

стр. 5431

وفِي رِوَايَةٍ: "مَنْ أعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ أوْ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وكانَ لَهُ مِنَ المَالِ ما يَبلغَ قِيمَتُهُ بِقِيمَةِ العَدْل فَهُوَ عَتِيق"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالبُخارِيُّ (٢). [صحيح] وفِي روَايَة: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ عتق ما بَقيَ فِي مالِهِ إذَا كانَ لَهُ مالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ" رَوَاهُ مسْلِم (٣) وأبُو دَاوُدَ) (٤). [صحيح] ١١/ ٢٦٠١ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ كانَ يُفْتِي فِي العَبْدِ أوِ الأمَة يَكُونُ بَيْنَ شرَكاءَ، فَيُعْتِقُ أحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ يَقُولُ: قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُهُ [كُلُّهُ] (٥) إذَا كانَ للَّذِي أعْتَقَ مِنَ المَال ما يَبْلُغُ يُقَوّمُ مِنْ مالِهِ قِيمَةَ العَدْلِ وَيُدفع إلى الشّرَكاءِ أنْصِبَاؤُهُمْ، وَيُخَلَّى سَبِيلُ المُعْتقِ، يُخْبِرُ بِذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ . رَواهُ البُخارِيّ) (٦). [صحيح] ١٢/ ٢٦٠٢ - (وَعَنْ أبي المُلَيْحِ عَنْ أبِيهِ: أن رَجُلًا مِنْ قَوْمِنا أعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ ممْلُوكِهِ، فَرُفِعَ ذلكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فَجَعَلَ خَلاصَهُ عَلَيْهِ فِي مالِهِ وَقالَ: "لَيْسَ لله شَريكٌ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٧). [صحيح]

стр. 5432

وفِي لَفْظٍ: "هُوَ حُرّ كُلُّهُ لَيْسَ لله شَرِيكٌ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١)، ولأبي دَاوُدَ مَعْناهُ) (٢). [صحيح] ١٣/ ٢٦٠٣ - (وَعَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدّهِ قالَ: كانَ لَهُمْ غُلامٌ يُقالُ لَهُ: طَهْمَانُ أوْ ذَكْوَانُ، فأعْتَقَ جَدُّهُ نِصْفَهُ، فَجَاءَ العَبْدُ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "تُعْتَقُ فِي عِتْقِكَ، وَتُرَقّ فِي رِقّكَ"، قَالَ: فَكانَ يَخْدُمُ سَيِّدَهُ حتَّى ماتَ. رَوَاهُ أحْمَدُ) (٣). [مرسل بسند ضعيف] ١٤/ ٢٦٠٤ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: "مَنْ أعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مالِهِ، فإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مالٌ قُوّمَ المَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ فِي نَصِيبِ الَّذِي لَمْ يَعْتِقْ غَيْرَ مَشقُوقٍ عَلَيْهِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إِلا النَّسائيَّ) (٤). [صحيح]

стр. 5433

حديث أبي المليح: أخرجه أيضًا النسائي (١) وابن ماجه (٢). وقال النسائيُّ: أرسله سعيد بن أبي عروبة، وساقه عنه مرسلًا. وقال (٣): هشام (٤)، وسعيد (٥) أثبت من همام في قتادة، وحديثهما أولى بالصواب. وأبو المليح (٦) اسمه عامر ويقال: عمر. ويقال: زيد، وهو ثقة محتج بحديثه في الصحيحين، وأبو أسامة بن [عمير] (٧) هذلي بصري له صحبة، ولا يعلم أن أحدًا روى عنه غير ابنه أبي المليح. وقوّى الحافظ في الفتح (٨) إسناد حديث أبي المليح. قال (٩): وأخرجه أحمد (١٠) بإسناد حسن من حديث سمرة: "أن رجلًا أعتق شَقِصًا له في مَملوكٍ، فقال النبي ﷺ : "هو حُرٌّ كُلُّه، وليسَ للهِ شَريكٌ". وحديث إسماعيل بن أمية قال في "مجمع الزوائد" (١١): هو مرسل ورجاله ثقات؛ وأخرجه الطبراني (١٢).

стр. 5434

ويشهد له ما في حديث ابن عمر المذكور (١) بلفظ: "وإلا فقد عتق عليه ما عتق". وما أخرجه أبو داود (٢) والنسائي (٣) بإسناد حسن عن ابن التِّلْب - بالتاء الفوقانية - عن أبيه: "أنَّ رجلًا أعتق نصيبًا له من مملوك فلم يضمنه النبي ﷺ ". وحديث أبي هريرة قال أبو داود: ورواه رَوْحُ بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة، لم يذكر السعاية. اهـ. ورواهُ يحيى بن سعيدُ، وابن أبي عدي، عن سعيد بن أبي عروبة لم يذكرا فيه السعاية. اهـ. ورواهُ يزيد بن زريع عن سعيدٍ فذكر فيه السعاية. وقال البخاري: رواه سعيد عن قتادة فلم يذكر فيه السعاية. وقال الخطابي (٤): اضطرب سعيد بن أبي عروبة في السعاية مرة يذكرها ومرة [لا يذكرها (٥)]، فدل على أنها ليست من متن الحديث عنده وإنما هي من كلام قتادة (٦)،

стр. 5435

وتفسيره على ما ذكره همام (١) وبينه.

стр. 5436

قال (١): ويدل على ذلك حديث ابن عمر، يعني الذي فيه: "وإلا فقد عتق عليه ما عتق". وقال الترمذي (٢): روى شعبة هذا الحديث عن قتادة ولم يذكر فيه السعاية. وقال النسائي (٣): أثبت أصحاب قتادة شعبة وهمام على خلاف سعيد بن أبي عروبة وصوّب روايتهما. قال (٤): وقد بلغني أن همامًا روى هذا الحديث عن قتادة، فجعل قوله: "وإن لم يكن مال .. إلخ" من قول قتادة. وقال عبد الرحمن بن مهدي (٥): أحاديث همام عن قتادة أصح من حديث غيره لأنه كتبها إملاء. قال أبو بكر النيسابوري (٦): ما أحسن ما رواه همام وضبطه، فَصَلَ قول قتادة. وقال ابن عبد البر (٧): الذين لم يذكروا السعاية أثبت ممن ذكرها. وقال أبو محمد الأصيلي وأبو الحسن بن القصار وغيرهما: من أسقط السعاية أولى ممن ذكرها.

стр. 5437

وقال البيهقي (١): "قد اجتمع ههنا شعبة مع فضل حفظه وعلمه بما سمع من قتادة وما لم يسمع، وهشام مع فضل حفظه، وهمام مع صحة كتابه وزيادة معرفته بما ليس من الحديث على خلاف سعيد بن أبي عروبة ومن تابعه في إدراج السعاية في الحديث". وذكر أبو بكر الخطيب (٢) أن أبا عبد الرحمن بن يزيد المقري قال: رواه همام وزاد فيه ذكر الاستسعاء وجعله من قول قتادة وميزه من كلام النبي ﷺ . وقال ابن العربي (٣): اتفقوا على أن ذكر الاستسعاء ليس من قول النبي ﷺ ، وإنما هو من قول قتادة، وقد ضعف أحمد رواية سعيد بن أبي عروبة، ولكنه قد تابع سعيدًا على ذكر الاستسعاء جماعة كما ذكر ذلك البخاري، (منهم) جرير بن حازم (٤)، (ومنهم) حجاج بن حجاج (٥) عن قتادة، (ومنهم) أحمد بن حفص أحد شيوخ البخاري عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن حجاج وفيها ذكر السعاية. ورواه عن قتادة أيضًا حجاج بن أرطاة كما رواه الطحاوي (٦). ورواه أيضًا عن قتادة أبان كما في سنن أبي داود (٧). ورواه أيضًا موسى بن خلف عن قتادة كما ذكر ذلك الخطيب (٨). ورواه أيضًا شعبة عن قتادة كما في صحيح مسلم (٩) والنسائي (١٠).

стр. 5438

وقد رجح رواية سعيد للسعاية، ورفعها جماعة منهم ابن دقيق العيد (١)، قالوا: لأن سعيد بن أبي عروبة أعرف بحديث قتادة لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه، وإن كان همام وهشام أحفظ منه، لكنه لم يناف [ما روياه] (٢)، وإنما اقتصرا من الحديث على بعضه، وليس المجلس متحدًا حتى يتوقف في زيادة سعيد، ولهذا صحح صاحبا الصحيحين كون الجميع مرفوعًا. قال في الفتح (٣): وأما ما أُعِلَّ به حديثُ سعيدٍ من كونه اختلط، أو تفرَّد به فمردودٌ لأنه في الصحيحين (٤) وغيرهما من رواية من سمع منه قبل الاختلاط كيزيد بن زريع ووافقه عليه أربعة وآخرون معهم لا نطيل بذكرهم، وهمام هو الذي انفرد بالتفصيل (٥)، وهو الذي خالف الجميع في القدر المتفق على رفعه، فإنه جعله واقعة عين، وهم جعلوه حكمًا عامًا، فدل على أنه لم يضبطه كما ينبغي. والعجيب ممن طعن في رفع الاستسعاء بكون همام جعله من قول قتادة، ولم يطعن فيما يدل على ترك الاستسعاء وهو قوله في حديث ابن عمر (٦): "وإلا فقد عتق منه ما عتق" بكون أيوب جعله من قول نافعٍ، وميزه كما صنع همَّام سواءً، فلم يجعلوه مدرجًا كما جعلوا حديث همَّام مدرجًا مع كون يحيى بن سعيد وافق أيوب في ذلك، وهمَّام لم يوافقه أحدٌ، وقد جزم بكون حديث نافع مدرجًا محمدُ بن وضَّاح وآخرون. والذي يظهر: أن الحديثين صحيحان مرفوعان وفاقًا لصاحبي الصحيح. [قال] (٧) ابن الموَّاق (٨): والإنصاف: أن لا يُوَهَّم الجماعة بقول واحد مع احتمال أن يكون سمع قتادة يفتي به، فليس بين تحديثه به مرَّةً وفتياه أخرى منافاةٌ.

стр. 5439

[قلت (١)]: ويؤيده أن البيهقيَّ أخرج عن قتادة أنَّه أفتى به. ومما يؤيِّد الرفع في حديث ابن عمر أعني قوله: "وإلا فقد عتق عليه ما عتق" إن الذي رفعه مالكٌ، وهو أحفظ لحديث نافع من أيوب، وقد تابعه عبيدُ الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب كما قال البيهقي (٢)، ولا شك أن الرفع زيادة معتبرة لا يليق إهمالها كما تقرر في الأصول (٣) وعلم الاصطلاح وما ذهب إليه بعض أهل الحديث من الإعلال لطريق الرفع بالوقف في طريق أخرى لا ينبغي التعويل عليه، وليس له مستند ولا سيما بعد الإجماع على قبول الزيادة (٤) التي لم تقع منافية مع تعدد مجالس السَّماع، فالواجب قبول الزيادتين المذكورتين في حديث ابن عمر (٥)، وحديث أبي هريرة (٦)، وظاهرهما التعارض، والجمع ممكن لا كما قال الإسماعيلي (٧). وقد جمع البيهقيُّ (٨) بين الحديثين بأن معناهما أن المعسر إذا أعتق حصته لم يسرِ العتق في حصة شريكه، بل تبقى حصة شريكه على حالها وهي الرق، ثم يستسعى العبد في عتق بقيته فيحصل ثمن الجزء لشريك سيده ويدفعه إليه ويعتق وجعلوه في ذلك كالمكاتب، وهو الذي جزم به البخاري. قال الحافظ (٩): والذي يظهر أنه في ذلك باختياره لقوله: غير مشقوق عليه فلو كان ذلك على سبيل اللزوم بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل

стр. 5440

ذلك لحصل له غاية المشقة، وهي لا تلزم في الكتابة بذلك عند الجمهور لأنها غير واجبة فهذه مثلها. قال البيهقي (١): لا يبقى بين الحديثين بعد هذا الجمع معارضة أصلًا. قال الحافظ (٢): وهو كما قال إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرقُّ في حصة الشريك إذا لم يختر العبد الاستسعاء، فيعارضه حديث أبي المليح (٣) الذي ذكره المصنف. قال (٤): ويمكن حمله على ما إذا كان المعتق غنيًا أو على ما إذا كان جميعه له فأعتق بعضه. واستدل على ذلك بحديث ابن التَّلب (٥) الذي تقدَّم ثم قال: وهو محمولٌ على المعسر، وإلا لتعارضا. وجمع بعضهم بطريق أخرى فقال أبو عبد الملك: المراد بالاستسعاء: أن العبد يستمرُّ في حصَّة الذي لم يعتق رفيقًا، فيسعى في خدمته بقدرِ ما له فيه من الرِّقِّ. قال (٤): ومعنى قوله: "غير مشقوقٍ عليه" أي من جهة سيِّده المذكور، فلا يكلفه من الخدمة فوق حصَّة الرِّقِّ، ويؤيِّد هذا حديثُ إسماعيل بن أمية (٦) الذي ذكره المصنِّف، ولكنَّه يردُّ عليه ما وقع في روايةٍ للنسائي (٧)، وأبي داود (٨) بلفظ: "واستسعى في قيمته لصاحبه". واحتجَّ من أبطل السعاية بحديث الرجل الذي أعتق ستة مماليك عند موتِه

стр. 5441

فجزَّأهم رسولُ الله ﷺ ثلاثة أجزاء ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرقَّ أربعة، وقد تقدم (١) في باب تبرعات المريض من كتاب الوصايا. ووجه الدلالة منه أن الاستسعاء لو كان مشروعًا لنجز من كلِّ واحدٍ منهم عتق ثلثه، واستسعى في بقية قيمته لورثة الميت. وأجاب من أثبت السعاية بأنَّها واقعةُ عينٍ، فيحتمل أن [تكون] (٢) قبل مشروعية السعاية، ويحتمل أن تكون السعاية مشروعة في غير هذه الصورة. وقد أخرج عبد الرزاق (٣) بإسنادٍ رجالُه ثقاتٌ: "أن رجلًا من بني عذرة أعتق مملوكًا له عند موته، وليس له مال غيره، فأعتق رسول الله ﷺ بثلثه وأمره أن يسعى في الثلثين". واحتجوا أيضًا بما أخرجه النسائي (٤) عن ابن عمر من حديث، وفيه: "وليس على العبد شيءٌ". وأجيب بأنَّ ذلكَ مختصٌّ بصورة اليسار، لقوله في هذا الحديث: "وله وفاءٌ"، والسعاية إنما هي في صورة الإعسار. وقد ذهب إلى الأخذ بالسعاية إذا كان المعتق معسرًا أبو حنيفة (٥)

стр. 5442

وصاحباه (١) والأوزاعي (٢) والثوري (١) وإسحاق (٣) وأحمد في رواية (٤)، وإليه [ذهبت] (٥) الهادوية (٦) وآخرون. ثم اختلفوا فقال الأكثر: يعتق جميعه في الحال ويستسعى العبد في تحصيل قيمة نصيب الشريك، وزاد ابن أبي ليلى (٢) فقال: ثم يرجع العبد على المعتق الأول بما دفعه إلى الشريك. وقال أبو حنيفة (٧) وحده: يتخير بين السعاية وبين عتق نصيبه، وهذا يدل على أنه لا يعتق عنده ابتداء إلا النصيب الأول فقط؛ وعن عطاء: يتخيَّر الشريكُ بين ذلك وبين إبناء حصته في الرقِّ. وخالف الجميع زفر (٨) فقال: يعتق كله، وتقوم حصة الشريك فتؤخذ إن كان المعتق موسرًا وتبقى في ذمته إن كان معسرًا.

стр. 5443

وقد حكى في البحر (١) عن الفريقين من الحنفية (٢) والشافعية (٣) مثل قول زفر فينظر في صحة ذلك. وحكى أيضًا عن الشافعي (٣) أنه يبقى نصيب شريك المعسر رفيقًا. وعن الناصر (٤) أنه يسعى العبد مطلقًا. وعن أبي حنيفة (٢) يسعى عن المعسر ولا يرجع عليه، والموسر يخير شريكه بين تضمينه أو السعاية أو [إعتاق] (٥) نصيبه كما مر. وعن عثمان البتِّي (٦) أنه لا شيء على المعتق إلا أن تكون جارية تراد للوطء فيضمن ما أدخل على شريكه فيها من الضرر. وعن ابن شبرمة (٧) أن القيمة في بيت المال. وعن محمد بن إسحاق أن هذا الحكم للعبيد دون الإماء. قوله: (قيمة عَدْلٍ) بفتح العين: أي لا زيادة فيه ولا نقص (٨). قوله: (لا وَكْس) بفتح الواو وسكون الكاف بعدها سين مهملة: أي لا نقص (٩). والشطط بشين معجمة ثم طاء مهملة مكررة: وهو الجور بالزيادة على القيمة (١٠)، من قولهم: شطَّني فلانٌ، إذا شق عليك وظلمك حقك. قوله: (أو شِرْكًا له في مملوك) الشِّرْك بكسر الشين المعجمة وسكون الراء: الحصة والنصيب. قال ابن دقيق العيد (١١): هو في الأصل مصدر.

стр. 5444

قوله: (شِقْصًا) بكسر الشين المعجمة وسكون القاف، وفي الرواية الثانية شَقِيصًا بفتح الشين ووكسر القاف، والشقص والشقيص: مثل النِّصف والنَّصيف، وهو القليل من كلِّ شيءٍ، وقيل: هو النصيب قليلًا كان أو كثيرًا. [الباب السادس] باب التدبير ١٥/ ٢٦٠٥ - (عَنْ جابِرٍ: أن رَجُلًا أعْتَقَ غُلامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فاحْتاج فأخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ "، فاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ الله بِكَذَا وكَذَا فَدَفَعَهُ إلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وفي لَفْظٍ قالَ: أعْتَقَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ غُلامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ وكانَ مُحْتاجًا وكانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَباعَهُ رَسُولُ الله ﷺ بِثَمَانِمائَةِ دِرْهَمٍ، فأعْطَاهُ فَقالَ: "اقْض دَيْنَكَ، وأنْفِقْ على عيالكَ"، رَوَاهُ النَّسائِي) (٢). [صحيح] ١٦/ ٢٦٠٦ - (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ الأحْنَفِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدّهِ: أنَّهُ أعْتَقَ غُلامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ وكاتَبَهُ، فأدَّى بَعْضًا وَبَقِيَ بَعْضٌ وَماتَ مَوْلاهُ، فأتَوا ابْنَ مَسْعُودٍ فَقالَ: ما أخَذَ فَهُوَ لَهُ، وَما بَقِيَ فلا شَيءَ لَكُمْ. رَوَاهُ البُخارِيّ فِي تَارِيخِهِ) (٣). [موقف حسن] حديث جابر أخرجه أيضًا الأربعة (٤) ....

стр. 5445

وابن حبان (١) والبيهقي (٢) من طرق كثيرة بألفاظ متنوعة. وفي الباب عن ابن عمر مرفوعًا وموقوفًا عند البيهقي (٣) بلفظ: "المدبر من الثلث"، ورواه الشافعي (٤)، [قال] (٥) [والحفاظ] (٦) يوقفونه على ابن عمر. ورواه الدارقطني (٧) مرفوعًا بلفظ: "المدبَّر لا يباع، ولا يوهب، وهو حرٌّ من الثلث"، وفي إسناده عبيدة بن حسان وهو منكر الحديث (٨). وقال الدارقطني في العلل: الأصح وقفه. وقال العقيلي (٩): لا يُعرف إلا بعلى بن ظبيان، وهو منكرُ الحديث. وقال أبو زرعة: الموقوف أصحُّ. وقال ابن القطان (١٠): المرفوع ضعيف. وقال البيهقي (١١): الصحيح [موقوف] (١٢). وقد روي نحوه عن علي (١٣) موقوفًا عليه. وعن أبي قلابة (١٤) مرسلًا: "أن رجلًا أعتق عبدًا له عن دبر، فجعله النبي ﷺ من الثلث". وروى الشافعي (١٥) والحاكم (١٦) عن عائشة: "أنها باعت مدبرة سحرَتها".

стр. 5446

قوله: (أن رجلًا) في مُسلمٍ (١) أنه أبو مذكور الأنصاري، والغلام اسمه: يعقوب. ولفظ أبي داود (٢): "أن رجلًا يقال له: أبو مذكور أعتق غلامًا يقال له: يعقوب". اهـ، وهو يعقوب القِبْطي كما في رواية مسلم (٣) وابن أبي شيبة. قوله: (عن دُبُر) بضم الدال والموحدة وهو العتق في دُبُر الحياة، كأن يقول السيدُ لعبده: أنت حرٌّ بعد موتي، أو إذا متُّ فأنت حرٌّ؛ وسمي السيدُ مدبِّرًا بصيغة اسم الفاعل؛ لأنه دبَّر أمر دنياه باستخدامه ذلك المدبَّر واسترقاقه، ودبَّر أمر آخرته بإعتاقه وتحصيل أجر العتق. قوله: (فاشتراه نعيم بن عبد الله)، في رواية للبخاري (٤): نعيم بن النحام بالنون والحاء المهملة المشددة، وهو لقب والد نعيم. وقيل: إنَّه لقبٌ لنعيمٍ، وظاهر الرواية خلاف ذلك. والحديث يدلُّ على جواز بيع المدبَّر مطلقًا من غير تقييد بالفسق والضرورة، وإليه ذهب الشافعي (٥) وأهل الحديث، ونقله البيهقي في المعرفة (٦) عن أكثر الفقهاء. وحكى النووي (٧) عن الجمهور: أنه لا يجوز بيع المدبَّر مطلقًا والحديث يردُّ عليهم. وروي عن الحنفية (٨) والمالكية (٩): أنه لا يجوز بيع المدبَّر تدبيرًا مطلقًا، لا المدبر تدبيرًا مقيدًا، نحو أن يقول: إن مت من مرضي هذا ففلان حرٌّ، فإنه يجوز

стр. 5447

بيعه؛ لأنه كالوصية، فيجوز الرجوع فيه كما يجوز الرجوع فيها. وقال أحمد (١): يمتنع بيع المدبرة دون المدبر. وقال الليث (٢): يجوز بيعه إن شرط على المشتري عتقه. وقال ابن سيرين (٣): لا يجوز بيعه إلا من نفسه. وقال مالك وأصحابه: [لا يجوز بيعه] (٤) إلا إذا كان على السيد دين فيباع له. قال النووي (٥): وهذا الحديث صريح أو ظاهر في الرد عليهم. لأن النبي ﷺ إنما باعه لينفقه سيده على نفسه، ولعلَّه لم يقف على رواية النسائي (٦) التي ذكرها المصنف، نعم، لا وجه لقَصْرِ جواز البيع على حاجة قضاء الدين، بل يجوز البيع لها ولغيرها من الحاجات، والرواية المذكورة قد تضمنت أن الرجل المذكور كان محتاجًا للبيع لما عليه من الدين ومن نفقة أولاده. وقد ذهب إلى جواز البيع لمطلق الحاجة عطاء (٧) والهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو طالب، كما حكى ذلك عنهم في البحر (٨)، وإليه مال ابن دقيق العيد (٩)، فقال: من منع البيع مطلقًا كان الحديث حجة عليه، لأن المنع الكلي يناقضه الجواز الجزئي، ومن أجازه في بعض الصور فله أن يقول: قلت بالحديث في الصورة التي ورد فيها فلا يلزمه القول به في غير ذلك من الصور. وأجاب من أجازه مطلقًا بأن قوله في الحديث: "وكان محتاجًا" لا مدخل له في الحكم، وإنما ذكر لبيان السبب في المبادرة لبيعه ليبين للسيد جواز البيع. ولا يخفى أن في الحديث إيماءً إلى المقتضي لجواز البيع [بقوله] (١٠): "فاحتاج"، وبقوله: "اقض دينك وأنفق على عيالك".

стр. 5448

لا يقال: الأصل جواز البيع، والمنع منه يحتاج إلى دليل، ولا يصلح لذلك حديث الباب، لأن غايته أن البيع فيه وقع للحاجة ولا دليل على اعتبارها في غيره، بل مجرد ذلك الأصل كافٍ في الجواز. لأنا نقول: قد عارض ذلك الأصل إيقاع العتق المعلق فصار الدليل بعده على مدعي الجواز، ولم يرد الدليل إلا في صورة الحاجة فيبقى ما عداها على أصل المنع. وأما ما ذهب إليه الهادوية (١) من جواز بيع المدبر للفسق كما يجوز للضرورة، فليس على ذلك دليل إلا ما تقدم عن عائشة (٢) من بيعها للمدبرة التي سحرتها، وهو مع كونه أخص من الدعوى لا يصلح للاحتجاج به لما قررناه غير مرة من أن قول الصحابة وفعله ليس بحجة. واعلم أنها قد اتفقت طرقُ هذا الحديث على أن البيع وقع في حياة السيد، إلا ما أخرجه الترمذي (٣) بلفظ: "أن رجلًا مِنَ الأنصار دبَّر غلامًا له فمات". وكذلك رواه الأئمة أحمد (٤) وإسحاق وابن المديني والحميدي (٥) وابن أبي شبية (٦) عن ابن عيينة. ووجه البيهقي (٧) الرواية المذكورة بان أصلها: "أن رجلًا من الأنصار أعتق مملوكه إن حدث به حدث، فمات فدعا به النبي ﷺ فباعه من نعيم". كذلك رواه مطر الوراق عن عمر (٨). وقال البيهقي (٩): فقوله: "فمات" من بقية الشرط: أي فمات من ذلك

стр. 5449

الحدث، وليس إخبارًا عن أن المدبر مات، فحذف من رواية ابن عيينة قوله: "إن حدث به حدث"، فوقع الغلط بسبب ذلك. اهـ. وقد استُدِلَّ بحديث الباب وما في معناه على مشروعية التدبير، وذلك مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف هل يُنَفَّذُ من رأس المال أو من الثلث؟ فذهب الفريقان من الشافعية (١) والحنفية (٢) ومالك (٣) والعترة (٤)، وهو مروي عن علي (٥) وعمر (٦) أنه ينفذ من الثلث، واستدلوا بما قدمنا من قوله ﷺ : "وهو حرٌّ من الثلث". وذهب ابنُ مسعود (٧)، والحسن البصريُّ، وابنُ المسيِّب، والنخعي (٨) وداود (٩) ومسروق (٩): إلى أنَّه ينفذ من رأس المال قياسًا على الهبة وسائر الأشياء التي يخرجها الإنسان من ماله في حال حياته. واعتذروا عن الحديث الذي احتجَّ به الأوَّلون بما فيه من المقال المتقدم، ولكنه معتضد بالقياس على الوصية، ولا شكَّ أنَّه بالوصية أشبه منه بالهبة لما بينه وبين الوصية من [المشابهة] (١٠) التامة.

стр. 5450

قوله: (ما أخذ فهو له وما بقي فلا شيء لكم)، استدل به القاضي زيد والهادوية (١) على أن الكتابة لا يبطل بها التَّدبير، ويعتق العبد عندهم بالأسبق منهما. وقال المنصور (٢) بالله: لا تصح (٣) الكتابة بعد التدبير لأنها بيع فلا تصح إلا حيث يصح البيع. وردَّ بأن ذلك تعجيل للعتق مشروط. [الباب السابع] باب المكاتب ١٧/ ٢٦٠٧ - (عَنْ عَائِشَةَ: أن بَريرَة جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِن كِتابَتِها شَيْئًا، فَقَالَت لَهَا عائِشَةُ: ارجِعِي إلى أهْلِكِ، فإن أحَبُّوا أن أقْضِيَ عَنْكِ كِتابَتَكِ وَيَكُونُ وَلاؤُكِ لي فَعَلْتُ، فَذَكَرَتْ بَريْرَةُ ذلكَ لأِهْلِهَا فأبَوْا وَقالُوا: إنْ شاءَتْ أنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ ويَكُونُ لَنا وَلاؤُكِ، فَذَكَرَتْ ذلكَ لِرَسُولِ الله ﷺ ، فَقالَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ : "ابْتاعِي فأعْتِقي، فإنَّمَا الوَلاءُ لِمَن أعْتَقَ"، ثمَّ قامَ فَقالَ: "ما بالُ أُناسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كتابِ الله تَعَالى، مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فَلَيْسَ لَهُ، وَإنْ شَرَطَهُ مائَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ الله أحَقُّ وأوْثَقُ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٤) [صحيح] وفِي رِوَايَةٍ قالَتْ: جاءَتْ بَرِيرَةُ فَقالتْ: إني كاتَبْتُ أهْلِي على تِسْعِ أوَاقٍ، فِي كُلّ عامٍ أُوقِيَّةٌ .. الحَدِيثُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٥). [صحيح] قوله: (باب المكاتَبِ) بفتح الفوقانية: من تقع له الكتابة، وبكسرها: من تقع منه. والكتابة: بكسر الكاف وفتحها.

стр. 5451

قال الراغب (١): اشتقاقها من كتب بمعنى: أوجب، ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (٢) أو بمعنى: جمع وضم، ومنه: كتب الخطَّ. قال الحافظ (٣): وعلى الأوَّل: تكون مأخوذة من معنى الالتزام، وعلى الثاني: تكون مأخوذة من الخطِّ، لوجوده عند عقدها غالبًا. قال الروياني (٤): الكتابة إسلامية ولم تكن تُعرف في الجاهلية. وقال ابن التين (٥): كانت الكتابة متعارفة قبل الإسلام فأقرها النبي ﷺ . وقال ابن خزيمة (٥): وقد كانوا يكاتبون في الجاهلية بالمدينة. قوله: (أن بريرة) قد تقدَّم ضبط هذا الاسم وبيان اشتقاقه في باب من اشترى عبدًا بشرط أن يعتقه (٦) من كتاب البيع. وتقدم أيضًا طرف من شرح هذا الحديث في باب أن من شرط الولاء أو شرط شرطًا فاسدًا (٧) من كتاب البيع أيضًا. قوله: (فإنْ أحبوا) إلخ، ظاهره: أن عائشة طلبت أن يكون الولاء لها إذا بذلت جميع مال الكتابة، ولم يقع ذلك … إذ لو وقع لكان اللوم على عائشة بطلبها ولاء من أعتقه غيرها. وقد رواهُ أبو أسامة (٨) بلفظ يزيل الإشكال فقال: "أن أعدَّها لهم عدَّة واحدةً وأعتقك، ويكون ولاؤك لي فعلت". وكذلك رواهُ وهيب عن هشام، فعرف بذلك أنَّها أرادت أن تشتريها شراء صحيحًا ثم تعتقها؛ إذ العتق فرع ثبوت الملك. ويؤيده قول النبي ﷺ : "ابتاعي فأعتقي" (٩)، والمراد بالأهل هنا في قول عائشة: "ارجعي إلى أهلك": السادة، والأهل في الأصل: الآل، وفي الشرع: من تلزم نفقته.

стр. 5452

قوله: (إن شاءت أن تحتسب)، هو من الحِسبة بكسر الحاء المهملة، أي: تحتسب الأجر عند الله ولا يكون لها ولاء. قوله: (فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ )، في رواية للبخاري (١): "فسمع بذلك النبي ﷺ فسألني"، وفي أخرى له (٢): "فسمع بذلك النبي ﷺ أو بلغه". قوله: (ابتاعي فأعتقي) هو كقوله في حديث ابن عمر (٣): "لا يمنعك ذلك". قوله: (على تسع أواق) في رواية معلقة للبخاري (٤): "خمس أواقٍ نُجِّمَتْ عليها في خمس سنين"، ولكن المشهور رواية التسع، وقد جزم الإسماعيلي (٥) بأنَّ رواية الخمس غلط. ويمكن الجمع: بأنَّ التسعَ أصلٌ. والخمسَ كانت بقيت عليها، وبهذا جزم القرطبي (٦)، والمحب الطبري (٧). ويعكر عليه ما في تلك الرواية بلفظ: "ولم تكن [قضت] (٨) من كتابتها شيئًا". وأجيب بأنها كانت حصلت الأربع الأواق قبل أن تستعين ثم جاءتها وقد بقي عليها خمس. وقال القرطبي (٩): يجاب بأن الخمس هي التي كانت استحقت عليها بحلول نجمها من جملة التسع الأواق المذكورة. ويؤيده ما وقع في رواية للبخاري (١٠) ذكرها في أبواب المساجد بلفظ: "فقال أهلها: إن شئت أعطيت ما يبقى". وقد قدمنا بقية الكلام على هذا الحديث في ذلك الباب من كتاب البيع فليرجع إليه، وله فوائد أخر خارجة عن المقصود.

стр. 5453

قال ابن بطال (١): أكثر الناس من تخريج الوجوه في حديث بريرة حتى بلغوها نحو مائة وجه. وقال النووي (٢): صنف فيه ابن خزيمة وابن جرير تصنيفين كبيرين أكثرا فيهما من استنباط الفوائد. ١٨/ ٢٦٠٨ - (وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدّهِ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "أيُّمَا عَبْدٍ كُوتِبَ بِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ فأدَّاها إلَّا عَشْرَ أوقِيَّاتٍ فَهُوَ رَقِيقٌ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ (٣). [حسن] وفِي لَفْظٍ: "المُكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ [عَلَيْهِ] (٤) مِنْ مُكاتَبِتِه دِرْهَمٌ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ) (٥). [حسن]

стр. 5454

١٩/ ٢٦٠٩ - (وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إذَا كانَ لإحْدَاكُنَّ مُكاتَبٌ وكانَ عِنْدَهُ ما يُؤَدِّي فُلْتَحْتَجبْ مِنْهُ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ وَصحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (١). [حسن] ويُحْمَلُ الأمْرُ بالاحْتِجابِ على النَّدْبِ). ٢٠/ ٢٦١٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "يُودَى المُكاتَبُ بِحصَّةِ ما أدَّى دِيَة الحُرّ وَمَا بَقيَ دِيَةَ العَبْدِ"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلا ابْنَ ماجَهْ) (٢). [صحيح] ٢١/ ٢٦١١ - (وَعَنْ عليّ [﵇] (٣) عَن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "يُوَدَى
следующие страницы →