← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 5485–5524 · переход к 5490.

стр. 5485

قال ابن طاهر (١): هو ابن وَرَّاز وهو ضعيف (٢). وفي رواية الطبراني: ابن أبي [الخوَّار] (٣) وهو موثق هكذا في التلخيص (٤) أنه من رواية عطاء عن عكرمة ولا رواية له، ولعله من رواية [عمرو] (٥) بن عطاء بن ورَّاز وهو مجهول من السادسة، أو [عمرو] (٥) بن عطاء بن أبي [الخوَّار] (٣) وهو مقبول من الخامسة، وكأنه سقط من التلخيص (٤) اسم [عمرو] (٥). والصَّرورة (٦) بفتح الصاد المهملة: الذي لم يتزوّج والذي لم يحج. وعن عياض بن غنم عند الحاكم (٧) بلفظ: "لا تزوّجوا عاقرًا ولا عجوزًا فإني مكاثر بكم الأمم" وإسناده ضعيف. وفيه أيضًا عن الصنابح بن الأعسر، وسهل بن حنيف، وحرملة بن النعمان، ومعاوية بن حيدة، أشار إلى ذلك الحافظ في الفتح (٨). وفي الباب عن أنس (٩) أيضًا، وعبد الله بن عمرو (١٠)، ومعقل بن يسار (١١)، وأبي هريرة (١٢) أيضًا، وجابر (١٣)، وسيأتي ذلك في الباب الذي بعد هذا.

стр. 5486

قوله: (كتاب النِّكاح) هو في اللغة: الضم والتداخل (١). وفي الشرع (٢): عقد بين الزوجين يحلّ به الوطء. وهو حقيقة في العقد مجاز في الوطء، وهو الصحيح لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ (٣)، والوطء لا يجوز بالإذن. وقال أبو حنيفة (٤): هو حقيقةٌ في الوطء، مجاز في العقد؛ لقوله ﷺ : "تناكحوا تكاثروا" (٥)، وقوله: "لعن الله ناكح يده" (٦). وقال الإمام يحيى (٧) وبعض أصحاب أبي حنيفة: إنه مشترك بينهما، وبه قال أبو القاسم الزَّجَّاجي (٨). وقال الفارسي (٩): إنه إذا قيل: نكح فلانة أو بنت

стр. 5487

فلان فالمراد به: العقد، وإذا قيل: نكح زوجته، فالمراد به: الوطء. ويدل على القول الأوّل ما قيل: إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد كما صرّح بذلك الزمخشري في "كشافه" (١) في أوائل سورة النور، ولكنه منتقض لقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢)، وقال أبو الحسين بن فارس (٣): إن النِّكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج إلا قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ (٤) فإن المراد به الحلم. قوله: (يا معشر الشباب) المعشر: جماعةٌ يشملهم وصف ما، والشباب جمع شاب. قال الأزهري (٥): لم يُجمع فاعِل على فَعَال غيره، وأصله: الحركة والنشاط. وهو اسم لمن بلغ إلى أن يكمل ثلاثين، هكذا أطلق الشافعية، حكى ذلك عنهم صاحب الفتح (٦). وقال القرطبي في المفهم (٧): يقال له: حَدثٌ إلى ستَّ عشرةَ سنةً، ثم شاب إلى اثنين وثلاثين، ثم كهل. قال الزمخشري (٨): إن الشاب من لدن البلوغ إلى اثنين وثلاثين. وقال ابن [شاس] (٩) المالكي في "الجواهر" (١٠): إلى أربعين. وقال النووي (١١): الأصح المختار أن [الشاب] (١٢) من بلغ ولم يجاوز الثلاثين، ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين، ثم هو شيخ.

стр. 5488

وقال الروياني (١) وطائفة: مَنْ جَاوز الثلاثين سُمِّي شيخًا، زاد ابن قتيبة (٢): إلى أن يبلغ الخمسين. وقال أبو إسحاق الإسفرايني (٣) عن الأصحاب: المرجع في ذلك اللغة، وأما بياض الشعر فيختلف باختلاف الأمزجة، هكذ في الفتح (٤). قوله: (الباءة) بالهمز وتاء التأنيث ممدودًا، وفيها لغة أخرى بغير همزة ولا مدٍّ، وقد تُهمز وتُمدُّ بلا هاء. قال الخطابي (٥): المرادُ بالباءة: النِّكاح، وأصله: الموضع [الذي] (٦) يتبوؤه ويأوي إليه. وقال النووي (٧): اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى معنى واحدٍ: (أصحُّهما): أن المرادَ معناها اللغوي: وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم الجماع لقدرته على مُؤنه، وهو مؤنة النِّكاح، فليتزوّج، ومن لم يستطع الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه بالصوم، ليدفع شهوته، ويقطع شرَّ منيِّه، كما يقطعه الوجاء. (والقول الثاني): أن المراد بالباءة مؤنة النِّكاح، سميت باسم ما يلازمها، وتقديره: من استطاع منكم مؤن النِّكاح فليتزوّج، ومن لم يستطع فليصم. قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع الشَّهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن. وقال القاضي عياض (٨): لا يبعد أن تختلف [الاستطاعتان] (٩)، فيكون

стр. 5489

المراد بقوله: "من استطاع [منكم الباءة] (١) "، أي: بلغ الجماع وقدر عليه فليتزوج، ويكون قوله: "ومن لم يستطع" أي لم يقدر على التزويج. وقيل: الباءة بالمدّ: القدرة على مؤن النِّكاح، وبالقصر: الوطء. قال الحافظ (٢): ولا مانع من الحمل على المعنى الأعم بأن يراد بالباءة القدرة على الوطء ومؤن التزويج. وقد وقع في رواية عند الإسماعيلي (٣) من طريق أبي عوانة بلفظ: "من استطاع منكم أن يتزوج فليتزوج"، وفي رواية للنسائي (٤): "من كان ذا طَول فلينكح"، ومثله لابن ماجه (٥) من حديث عائشة، والبزار (٦) من حديث أنس. قوله: (أغض للبصر … إلخ) أي: أشدُّ غضًا وأشدّ إحصانًا له ومنعًا من الوقوع في الفاحشة. قوله: (فَعَلَيْهِ) قيل (٧): هذا من إغراء الغائب، ولا تكاد العرب تغري إلا [الشاهد] (٨)، تقول: عليكَ زيدًا، ولا تقولُ: عليه زيدًا. قال الطيبيُّ (٩): وجوابهُ أنه لما كان الضميرُ [للغائب] (١٠) راجعًا إلى لفظة: من، وهي عبارة عن المخاطبين في قوله: "يا معشر الشباب" وبيان لقوله: "منكم" جاز قوله: عليه، لأنه بمنزلة الخطاب.

стр. 5490

وأجاب القاضي عياض (١) بأنَّ الحديثَ ليس فيه إغراء الغائب، بل الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أوّلًا بقوله: "من استطاع منكم"، قد استحسنه القرطبي (٢) والحافظ (٣)؛ والإرشاد إلى الصوم لما فيه من الجوع والامتناع عن مثيرات الشهوة ومستدعيات طغيانها. قوله: (وجاء) بكسر الواء والمدّ وأصله الغمز، ومنه وجأه في عنقه: إذا غمزه، ووجأه بالسيف: إذا طعنه به، ووجأ أنثييه: غمزهما حتى رضَّهما. وتسمية الصيام وجاء: استعارة، والعلاقة المشابهة لأن الصوم لما كان مؤثرًا في ضعف شهوة النِّكاح شبّه بالوجاء. وقد استدل بهذا الحديث على أن من لم يستطع الجماع فالمطلوب منه ترك التزويج، لإرشاده ﷺ من كان كذلك إلى ما ينافيه ويضعف داعيه. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه مكروه في حقه. قوله: (ردّ رسول الله ﷺ على عثمان بن مظعون التبتل) (٤)، هو في الأصل الانقطاع، والمراد به هنا الانقطاع عن النِّكاح وما يتبعه من الملاذّ إلى العبادة، والمراد بقوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ (٥)؛ انقَطِعْ إليه انقطاعًا، وفسَّره مجاهدٌ بالإخلاص، وهو لازم للانقطاع. قوله: (ولو أذن له لاختصينا) الخصي: هو شَقُّ الأنثيين وانتزاع البيضتين. قال الطيبي (٦): كان الظاهر أن يقول: ولو أذن له لتبتلنا، لكنه عدل عن هذا الظاهر إلى قوله: "لاختصينا" لإرادة المبالغة، أي: لبالغنا في التبتل حتى يفضي بنا الأمرُ إلى الاختصاء، ولم يرد به حقيقة الاختصاء؛ لأنه حرام.

стр. 5491

وقيل: بل هو على ظاهره، وكان ذلك قبل النهي عن الاختصاء. وأصل حديث عثمان بن مظعون أنه قال: "يا رسول الله إني رجل [يشق] (١) عليّ العزوبة فأذن لي في الاختصاء، قال: لا، ولكن عليك بالصيام" الحديث (٢). وفي لفظ آخر (٣) أنه قال: "يا رسول الله أتأذن لي في الاختصاء؟ فقال: إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة". وأخرج ذلك من طريق عثمان بن مظعون الطبري (٤). قوله: (إن نفرًا من أصحاب النبي ﷺ … إلخ) أصل الحديث: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ، قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر، فقال بعضهم … " الحديث (٥).

стр. 5492

قوله: (لكني أصوم وأفطر … إلخ)، فيه دليلٌ على أن المشروع هو الاقتصاد في الطاعات؛ لأن إتعاب النفس فيها، والتشديد عليها يُفضي إلى ترك الجميع، والدِّيْنُ يُسْر، ولن يشادَّ أحد الدين إلا غلبه (١)، والشريعة المطهرة مبنية على التيسير وعدم التنفير (٢). قوله: (فمن رغب عن سنتي فليس مني)، المراد بالسنة: الطريقة (٣)، والرغبة: الإعراض. وأراد ﷺ أن التارك لهديه القويم المائل إلى الرهبانية خارج عن الاتباع إلى الابتداع. وقد أسلفنا الكلام على مثل هذه العبارة في مواطن من هذا الشرح. قوله: (فإنَّ خير هذه الأمة أكثرُها نساءً)، قيل: مرادُ ابن عباس بخير هذه الأمة النبي ﷺ .

стр. 5493

كما يدلّ على ذلك ما وقع عند الطبراني (١) بلفظ: "فإن خيرنا كان أكثرنا نساء"، وعلى هذا فيكون التقيد بهذه الأمة لإخراج مثل سليمان فإنه كان أكثر نساء. وقيل: أراد ابن عباس أن خير أمة محمد من كان أكثرها نساء من غيره ممن يساويه فيما عدا ذلك من الفضائل. قال الحافظ (٢): والذي يظهر أن مراد ابن عباس بالخير النبي ﷺ ، وبالأمة: أخصاء أصحابه، وكأنه أشار إلى أن ترك التزويج مرجوح إذ لو كان راجحًا ما آثر النبي ﷺ غيره. قوله: (نهى عن التبتل)، قد استدلّ بهذا النهي، وبقوله في الحديث الأوّل (٣): "فليتزوّج"، وبقوله (٤): "فمن رغب عن سنتي"، وبسائر ما في أحاديث الباب من الأوامر ونحوها من قال بوجوب النِّكاح. قال في الفتح (٥): وقد قَسَّم العلماءُ الرَّجُلَ في التزويج إلى أقسام؛ التائق إليه القادر على مؤنه الخائف عليه نفسه، فهذا يندب له النِّكاح عند الجميع؛ وزاد الحنابلة (٦) في رواية أنه يجب، وبذلك قال أبو عوانة الإسفراييني (٧) من الشافعية وصرّح به في صحيحه، ونقله [المصعبي] (٨) في شرح مختصر الجويني وجهًا وهو قول داود (٩) وأتباعه، انتهى. وبه قالت الهادوية (١٠): مع الخشية على النفس من المعصية.

стр. 5494

قال ابن حزمٍ (١): وفرضٌ على كلِّ قادر على الوطء إن وجد ما يتزوَّج به أو يتسرَّى أن يفعل أحدهما، فإن عجز عن ذلك فليكثر من الصوم، وهو قول جماعة من السلف، انتهى. والمشهور عن أحمد (٢) أنَّه لا يجب على القادر التائق إلا إذا خشي العنت، وعلى هذه الرواية اقتصر ابن هبيرة (٣). وقال [المازري (٤)] (٥): الذي نطق به مذهب مالك أنَّه مندوبٌ، وقد يجب عندنا في حقّ مَن لا يَنْكَفَّ عن الزنا إلا به. وقال القرطبي (٦): المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزوبة لا يرتفع عنه ذلك إلا بالتزويج لا يختلف في وجوب التزويج عليه. وحكى ابن دقيق العيد (٧) الوجوب على من خاف العنت عن المازري (٨)، وكذلك حكي عنه التحريم على من يخلّ بالزوجة في الوطء والإنفاق مع عدم قدرته عليه. والكراهة حيث لا يضرُّ بالزوجة مع عدم التَّوقان إليه، وتزداد الكراهة إذا كان ذلك يفضي إلى الإخلال بشيءٍ من الطاعات التي يعتادها والاستحباب فيما إذا حصل به معنى مقصود من كسر شهوة وإعفاف نفس وتحصين فرج ونحو ذلك، والإباحةُ فيما إذا اتفقت الدواعي والموانع. وقد ذهبْت الهادوية (٩) إلى مثل هذا التفصيل، ومن العلماء من جزم بالاستحباب فيمن هذه صفته لما تقدم من الأدلة المقتضية للترغيب في مطلق النِّكاح. قال القاضي عياض (١٠): هو مندوب في حقّ كل من يرجى منه النسل ولو

стр. 5495

لم يكن له في الوطء شهوة، وكذا في حقّ من له رغبة في نوع من الاستمتاع بالنساء غير الوطء. فأما من لا نسل له ولا أرب له في النساء ولا في الاستمتاع، فهذا مباح في حقه إذا علمت المرأة بذلك ورضيت. وقد يقال: إنه مندوب أيضًا لعموم: "لا رهبانية في الإسلام" (١). قال الحافظ (٢): لم أره بهذا اللفظ، لكن في حديث [سعد بن أبي وقاص] (٣) عند الطبراني (٤): "إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية السمحة". [الباب الثاني] باب صِفَةِ المرأَةِ التي [تُسْتَحَبُّ] (٥) خِطْبَتُهَا ٦/ ٢٦٢٦ - (عَنْ أنَسٍ: أن النَّبِيَّ ﷺ كانَ يأمُرُ بِالبَاءَةِ ويَنْهَى عَنِ التَّبَتُّل نَهْيًا شَدِيدًا ويقُولُ: "تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فإنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأنْبِيَاءَ يَوْمَ القِيامَةِ") (٦). [صحيح لغيره]

стр. 5496

٧/ ٢٦٢٧ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "أنْكِحُوا أُمَّهاتِ الأوْلادِ فإنِّي أُباهِي [بِكُمْ] (١) يَوْمَ القِيَامَةِ"، رَوَاهُمَا أحْمَدُ) (٢). [صحيح لغيره] ٨/ ٢٦٢٨ - (وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ قَالَ: جاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي أصَبْتُ امْرأةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجمالٍ وَإِنَّهَا لا تَلِدُ فأَتَزَوَّجها؟ قالَ: "لا". ثمَّ أتاهُ الثَّانِيَةَ فَنهاهُ، ثُمَّ أتاهُ الثَّالِثَةَ، فَقالَ: "تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ فإني مُكاثِرٌ بِكُمْ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٣) والنَّسائيُّ) (٤). [صحيح] حديث أنس أخرجه أيضًا ابن حبان (٥) وصححه، وذكره في مجمع الزوائد في موضعين فقال في أحدهما (٦): رواه أحمد (٧) والطبراني في الأوسط (٨) من طريق حفص بن عمر عن أنس، وقد ذكره ابن أبي حاتم، وروى عنه جماعة وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال في موضع آخر (٩): وإسناده حسن. وحديث عبد الله بن عمرو أشار إليه الترمذي (١٠). وقال في

стр. 5497

مجمع الزوائد (١): وفيه جرير بن عبد الله [العامري] (٢)، وقد وثق وهو ضعيف. وحديث معقل أخرجه أيضًا ابن حبان (٣) وصححه الحاكم (٤). وفي الباب أحاديث قد تقدمت الإشارة إليها، وقد تقدم تفسير التبتل. والولود: كثيرة الولد، والودود: المودودة، لما هي عليه من حسن الخلق والتودّد إلى الزوج، وهو فعول بمعنى مفعول، والمكاثرة يوم القيامة: إنما تكون بكثرة أمته ﷺ . وهذه الأحاديث وما في معناها تدلّ على مشروعية النِّكاح ومشروعية أن تكون المنكوحة ولودًا. قال الحافظ في الفتح (٥) بعد أن ذكر بعض أحاديث الباب ما لفظه: وهذه الأحاديث وإن كان في الكثير منها ضعف فمجموعها يدل على أن لما يحصل به المقصود من الترغيب في التزويج أصلًا، لكن في حق من يتأتى منه النسل، انتهى. وقد تقدم الكلام على أقسام النِّكاح. ٩/ ٢٦٢٩ - (وَعَنْ جابِرٍ: أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: "يا جابِرُ تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أمْ ثَيِّبًا؟ "، قالَ: ثَيِّبًا، فَقالَ: "هَلَّا تَزَوّجْتَ بِكْرًا تُلاعِبُها وَتُلاعِبُكَ؟ "، رَوَاهُ الجَماعَةُ) (٦). [صحيح] ١٠/ ٢٦٣٠ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ عَن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "تُنْكَحُ المَرْأةُ لأرْبَعٍ: لِمَالهَا، وِلِحَسَبِهَا، وَلجَمَالِها، وَلِدِينهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ"، رواهُ الجَماعَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) (٧). [صحيح]

стр. 5498

١١/ ٢٦٣١ - (وَعَنْ جابِرٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "إنَّ المَرأةَ تُنْكَحُ على دِينِها وَمَالِهَا وَجمالِهَا، فَعَلَيْكَ بِذَاتِ الدّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَهُ) (٢). [صحيح] قوله: (بكرًا) هي التي لم توطأ، والثيب (٣): هي التي قد وُطِئتْ. قوله: (تلاعبها وتلاعبك)، زاد البخاري في رواية له في النفقات (٤): "وتضاحكها وتضاحكك". وفي رواية لأبي عبيد: "تداعبها وتداعبك" بالدال المهملة مكان اللام. وفيه دليل على استحباب نكاح الأبكار إلا لمقتضٍ، لنكاح الثيب كما وقع لجابر فإنه قال للنبي ﷺ لما قال له ذلك: "هلك أبي وترك سبع بنات أو تسع بنات فتزوّجت ثيبًا كرهت أن أجيئهن بمثلهن، فقال: بارك الله لك"، هكذا في البخاري في النفقات (٤). وفي رواية له ذكرها في المغازي من صحيحه (٥): "كنَّ لي تسع أخوات فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهنّ، ولكن امرأة تقوم عليهنّ وتمشطهنّ، قال: أصبت". قوله: (تنكح المرأة لأربع) أي: لأجل أربع. قوله: (لحسبها) بفتح الحاء والسين المهملتين [بعدهما] (٦) باء موحدة: أي شرفها، والحسب في الأصل (٧): الشرف بالآباء وبالأقارب، مأخوذ من الحساب لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم وحسبوها، فيحكم لمن زاد عدده على غيره.

стр. 5499

وقيل: المراد بالحسب ههنا الأفعال الحسنة. وقيل: المال؛ وهو مردود بذكره قبله، ويؤخذ منه أن الشريف النسيب يستحب له أن يتزوج نسيبة إلا إن تعارض: نسيبة غير ديِّنة، وغير نسيبة ديِّنة، فتقدم ذات الدين، وهكذا في كل الصفات. وأما ما أخرجه أحمد (١) والنسائي (٢) وصححه ابن حبان (٣) والحاكم (٤) من حديث بريدة رفعه: "إنَّ أحسابَ أَهلِ الدُّنيا الذين يذهبون إليه المال"، فقال الحافظ (٥): يحتمل أن يكون المراد أنه حسب من لا حسب له، فيقوم النسب الشريف لصاحبه مقام المال لمن لا نسب له. ومنه حديث سمرة رفعه: "الحسب: المال، والكرم: التقوى"، أخرجه أحمد (٦) والترمذي وصححه (٧) هو والحاكم (٨). قوله: (وجمالها)، يؤخذ منه استحباب نكاح الجميلة، ويلحق بالجمال في الذات الجمال في الصفات. قوله: (فاظفر بذات الدين)، فيه دليل على أن اللائق بذي الدين والمروءة أن يكون الدين مطمح نظره في كل شيء لا سيما فيما تطول صحبته كالزوجة.

стр. 5500

وقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو عند ابن ماجه (١) والبزار (٢) والبيهقي (٣) رفعه: "لا تزوَّجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن يرديهن، ولا تزوَّجوهن لأموالهنّ فعسى أموالهنّ أن تطغيهن، ولكن تزوَّجوهن على الدين، ولأمة سوداء ذات دين أفضل". ولهذا قيل: إن معنى حديث الباب الإخبار منه ﷺ بما يفعله الناس في العادة، فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع، وآخرها عندهم ذات الدين فاظفر أيها المسترشد بذات الدين. قوله: (تربت يداك) (٤) أي: لصقت بالتراب، وهي كناية عن الفقر. قال الحافظ (٥): وهو خبرٌ بمعنى الدُّعاء لكن لا يراد به حقيقته، وبهذا جزم صاحب العمدة (٦)، وزاد غيره أن صدور ذلك من النبي ﷺ في حق مسلم لا يستجاب، لشرطه ذلك على ربه. وحكى ابن العربي (٧) أن المعنى: استغنت. ورُدَّ بأن المعروف: أترب إذا استغنى، وترب إذا افتقر.

стр. 5501

وقيل: معناه ضعف عقلك، وقيل: افتقرت من العلم، وقيل: فيه شرط مقدر: أي وقع لك ذلك إن لم تفعل، ورجحه ابن العربي. وقيل: معنى تربت: خابت. قال القرطبي (١): معنى الحديث أن هذه الخصال الأربع هي التي يرغب في نكاح المرأة لأجلها فهو خبر عما في الوجود من ذلك لا أنه وقع الأمر به، بل ظاهره إباحة النِّكاح لقصد كلٍّ من ذلك [لكن قصد الدين أولى] (٢). قال (٣): ولا يظن من هذا الحديث أن هذه الأربع يؤخذ منها الكفاءة: أي تنحصر فيها فإن ذلك لم يقل به أحد فيما علمت وإن كانوا اختلفوا في الكفاءة ما هي، وسيأتي الكلام على الكفاءة. [الباب الثالث] باب خطبة المجبرة إلى وليها والرشيدة إلى نفسها ١٢/ ٢٦٣٢ - (عَنْ عِرَاكٍ عَنْ عُرْوَةَ: أن النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ عائِشَةَ إلى أبي بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ؛ إنَّمَا أنا أخُوكَ، فَقالَ: "أنتَ أخِي فِي دِيِن الله وكتَابِهِ وَهِيَ لي حَلالٌ"، رَوَاهُ البُخارِيّ هَكَذا مُرْسَلًا) (٤). [مرسل] ١٣/ ٢٦٣٣ - (وَعَنْ أُمّ سَلَمَةَ قالَتْ: لَمَّا ماتَ أبُو سَلَمَةَ أرْسَلَ إِليَّ النَّبِيُّ ﷺ حاطِبَ بْنَ أبي بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ لي بِنْتًا، وأنا غَيُورٌ، فَقَالَ: "أمَّا ابْنَتُها فَنَدْعو الله أنْ يُغْنِيَهَا عَنْها، وأدْعو الله أنْ يُذهِبَ بِالغَيْرَةِ"، مُخْتَصَرٌ مِنْ مُسْلِمَ) (٥). الحديث الأول فيه دليل على أن خطبة المرأة الصغيرة البكر تكون إلى وليها.

стр. 5502

قال ابن بطال (١): وفيه أن النهي عن إنكاح البكر حتى تستأمر مخصوص بالبالغة التي يتصوّر منها الإذن. وأما الصغيرة فلا إذن لها، وسيأتي الكلام علي ذلك في باب ما جاء في الإجبار والاستئمار (٢). قوله: (وأنا غيور) هذه الصيغة يستوي فيها المذكر والمؤنث فيقول كل واحد منهما: أنا غيور، والمراد بالغيرة التي وصفت بها نفسها أنها تغار إذا تزوّج زوجها امرأة أخرى، والنبي ﷺ قد كان له زوجات قبلها. قال في القاموس (٣): وأغار أهله تزوّج عليها فغارت، انتهى. وفيه دليل على أن المرأة البالغة الثيبة تخطب إلى نفسها، وسيأتي الكلام على هذا. [الباب الرابع] بابُ النهي أن يخطُبَ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أخِيه ١٤/ ٢٦٣٤ - (عَنْ عُقبةَ بْنِ عامِرٍ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "المُؤْمِنُ أخو المُؤْمِنِ، فَلا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَبْتاعَ على بَيْعِ أخيِهِ، ولَا يَخْطُبُ على خِطْبَةِ أخِيهِ حتَّى يَذَرَ"، رَواهُ أحمَدُ (٤) وَمُسْلِمٌ) (٥). [صحيح] ١٥/ ٢٦٣٥ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "لَا يخطُبُ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ أخِيهِ حتَّى يَنْكِح أوْ يَتْرُكَ"، رَوَاهُ البُخارِيُّ (٦) وَالنسائيُّ) (٧). [صحيح]

стр. 5503

١٦/ ٢٦٣٦ - (وَعَنِ ابن عُمَرَ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "لَا يخْطُبُ الرَّجُلُ على خِطْبَةِ الرَّجُلِ حتَّى يَتْرُكَ الخاطبُ قَبْلَهُ أوْ يأذَنَ لَهُ الخاطِبُ"، رَوَاهُ أحْمَد (١) والبُخارِيُّ (٢) والنَّسائيُّ) (٣). [صحيح] قوله: (أن يبتاع على بيع أخيه)، قد تقدَّم الكلامُ على هذا في كتاب البيع (٤). قوله: (ولا يخطب … إلخ)، استُدلَّ بهذا الحديث على تحريم الخطبة على الخطبة لقوله في أول الحديث: "لا يَحِلُّ"، وكذلكَ استُدِلَّ بالنهي المذكور في حديث أبي هريرة (٥) وحديث ابن عمر (٦) وفي لفظ للبخاري (٧): "نهى أن يبيع بعضكم على بيع بعض أو يخطب"، وفي لفظ لأحمد (٨) من حديث الحسن عن سمرة: "أن رسول الله ﷺ نهي أن يخطب الرجل على خطبة أخيه". وقد ذهب إلى هذا الجمهور (٩)، وجزموا بأنَّ النهي للتحريم كما حكى ذلك الحافظ في فتح الباري (١٠). وقال الخطابي (١١): إن النهي ههنا [للتأديب] (١٢) وليس بنهي تحريم يبطل العقد عند أكثر الفقهاء.

стр. 5504

قال الحافظ (١): ولا ملازمة بين كونه للتحريم وبين البطلان عند الجمهور بل هو عندهم للتحريم ولا يبطل العقد. وحكى النووي (٢) أن النَّهيَ فيه للتحريم بالإجماع، ولكنهم اختلفوا في شروطه؛ فقالت الشافعية (٣) والحنابلة (٤): محلّ التحريم إذا صرَّحت المخطوبة بالإِجابة أو وليُّها الذي أذِنَتْ له، وبذلك قالت الهادوية (٥)، فلو وقع التصريح بالردّ فلا تحريم، وليس في الأحاديث ما يدلّ على اعتبار الإجابة. وأما ما احتجّ به من قول فاطمة بنت قيس (٦) للنبي ﷺ : إنَّ معاوية وأبا جهم خطباها، فلم ينكر النبيُّ ﷺ ذلك عليهما، بل خطبها لأسَامة، فليس فيه حجة كما قال النووي (٧)، لاحتمال أن يكونا خطباها معًا، أو لم يعلم الثاني بخطب الأوّل، والنبيّ ﷺ أشار بأسامة ولم يخطب كما سيأتي. وعلى تقدير أن يكون ذلك خطبة، فلعله كان بعد ظهور رغبتها عنهما. وظاهر حديث فاطمة الآتي (٨) قريبًا أن أسامة خطبها مع معاوية وأبي جهم قبل مجيئها إلى النبي ﷺ . وعن بعض المالكية (٩): لا تمتنع الخطبة إلا بعد التراضي على الصداق، ولا دليل على ذلك. وقال داود الظاهري (١٠): إذا تزوجها الثاني فُسخ النِّكاح قبل الدخول وبعده، وللمالكية (٩) في ذلك قولان؛ فقال بعضهم: يفسخ قبله لا بعده. قال في الفتح (١١): وحجة الجمهور أن المنهي عنه الخطبة وهي ليست شرطًا في صحة النِّكاح، فلا يفسخ النِّكاح بوقوعها غير صحيحة.

стр. 5505

قوله: (لا يخطب الرجل على خطبة الرجل)، ظاهره أنه لا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة الفاسق ولا على خطب الكافر، نحو أن يخطب ذمية فلا يجوز لمن يجوّز نكاحها أن يخطبها، ولكنه يقيد هذا الإطلاق بقوله في حديث أبي هريرة (١): "لا يخطب الرجل على خطبة أخيه"، فإنه لا أخوة بين المسلم والكافر، وبقوله في حديث عقبة (٢): "المؤمن أخو المؤمن … إلخ"، فإنه يخرج بذلك الفاسق، وإلى المنع من الخطبة على خطبة الكافر والفاسق ذهب الجمهور (٣). قالوا: والتعبير بالأخ خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له. وذهب الأوزاعي (٤) وجماعة من الشافعية إلى أنها تجوز الخطبة على خطبة الكافر وهو الظاهر. قوله: ("حتى يترك"، وفي حديث عقبة (٢) "حتى يذر")، في ذلك دليل على أنه يجوز للآخر أن يخطب بعد أن يعلم رغبة الأوّل عن النِّكاح. وأخرج أبو الشيخ (٥) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "حتى ينكح أو يدع" قال الحافظ (٦): وإسناده صحيح. [الباب الخامس] باب التعريض بالخطبة في العدة ١٧/ ٢٦٣٧ - (عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أن زَوجَها طَلَّقَها ثَلاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ سُكْنى ولَا نَفَقَةَ، قالَت: وقالَ لي رَسُولُ الله ﷺ : "إذَا حَلَلْتِ فَآذنِينِي"، فآذَنْتُهُ فَخَطَبَها مَعاوِيَةُ وأبُو جَهْم وأُسامَةُ بنُ زَيْدٍ، فَقالَ رَسُول الله ﷺ : "أمَّا مُعاوِيَةُ فَرَجُل تَرِبٌ لا مالَ لَهُ، وأمَّا أبَو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّاب للنِّساء، وَلَكِنْ

стр. 5506

أُسامَةَ"، فَقالتْ بِيَدِها هَكَذَا أُسامَةُ أُسامَةُ، فَقالَ لَهَا رَسُولُ الله ﷺ : "طاعَةُ الله وَطاعَةُ رَسُولِهِ"، قالَت: فَتَزَوَّجْتُهُ فاغْتُبطْت [به] (١)، رَواهُ الجَماعَةُ إلا البُخَارِيَّ) (٢). [صحيح] ١٨/ ٢٦٣٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (٣) يَقُولُ: إني أُرِيدُ التَّزْوِيجَ وَلَوَدَدْتُ أنَّهُ يُسِّرَ لي امْرأة صَالِحَة. رَوَاهُ البُخارِيُ) (٤). [صحيح] ١٩/ ٢٦٣٩ - "وَعَنْ سُكَيْنَةَ بِنْتِ حَنْظَلةَ قالَتْ: اسْتأذَنَ عَلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ عَلي وَلْم تَنقَضِ عِدَّتِي مِنْ مَهْلَكَةِ زوْجِي، فقالَ: قَدْ عَرَفْتِ قَرَابتي مِن رَسُول الله ﷺ وَقَرَابَتِي مِن علي، ومَوْضِعي مِنَ العَرَبِ، قُلتُ: غَفَرَ الله لكَ يا أبا جَعْفَرٍ إنَّك رَجُلٌ يُوخَذُ عَنْكَ وَتَخْطُبُني فِي عِدَّتِي، فَقالَ: إنَّمَا أخْبَرْتُكِ بِقَرَابَتي مِنْ رَسُولِ الله ﷺ وَمِنْ عَلِيّ وَقدْ دَخَلَ رَسُولُ الله ﷺ عَلى أمِّ سَلَمَةَ وَهِي مُتأيّمَة مِنْ أبي سَلَمَةَ، فقالَ: "لَقَدْ عَلِمْتِ أني رَسُولُ الله ﷺ وَخِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ وَمَوْضِعِي مِنْ قَوْمِي"، كانَتْ تِلْكَ خِطْبَتَهُ. روَاهُ الدَّارَقُطْنيّ) (٥). [ضعيف] حديث سكينة (٦) رواه الدارقطني من طريق عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل (٧) عنها وهي عمته، ومنقطع لأن محمد بن عليّ هو الباقر ولم يدرك النبيّ ﷺ (٨).

стр. 5507

قوله: (لا سكنى ولا نفقة) سيأتي الكلام على ذلك. قوله: (معاوية) اختلف فيه؛ فقيل: هو ابن أبي سفيان، وقيل غيره، وفي صَحيح مسلم (١) التصريح بأنه هو. قوله: (فرجل ضرّاب) في رواية: "لا يضع عصاه عن عاتقه"، وهو كناية عن كثرة ضربه للنساء، كما وقع التصريح بتلك في حَديث الباب. قوله: (فاغتبطت [به]) (٢) الغِبطة بكسر الغين المعجمة: حسن الحال والمسرة كما في القاموس (٣). قوله: (يقول: إني أريد التزويج) هو تفسير التعريض المذكور في الآية. قال الزمخشري (٤): التعريض أن يذكر المتكلم شيئًا يدّل به على شيء لم يذكره. وتعقب بأن هذا التعريف لا يخرج المجاز. وأجاب سعد الدين (٥) بأنه لم يقصد التعريف، ثم حقق التعريض بأنه ذكر شيء مقصود بلفظ حَقيقي أو مجازي أو كنائي ليدل به على شيء آخر لم يذكر في الكلام مثل أن يذكر المجيء للتسليم ومراده التقاضي، فالسلام مقصود والتقاضي عرض: أي أميل إليه الكَلام عن عرض أي جانب، وامتاز عن الكناية فلم يشتمل على جميع أقسامها. والحاصل أنهما يجتمعان ويفترقان، فمثل: جئت لأسلم عليك، كناية وتعريض. ومثل: طويل النجاد، كناية لا تعريض، ومثل: آذيتني فستعرف، خطابًا لغير المؤذي تعريض بتهديد المؤذي لا كناية، وقد قيل في تفسير

стр. 5508

التعريض المذكور في الآية: أن يقول لها: إني فيك لراغب، ولا يستلزم التصريح بالرغبة التصريح بالخطبة. ومن التعريض ما وقع في حديث فاطمة بنت قيس عند أبي داود (١): "أن النبيّ ﷺ قال لها: لا تفوتينا بنفسك". ومنه قول الباقر المذكور في الباب (٢). ومنه قوله ﷺ لأمّ سلمة كما في الحديث المذكور. قال في الفتح (٣): واتفق العلماء على أن المراد بهذا الحكم مَن مات عنها زوجها. واختلفوا في المعتدّة من الطلاق البائن، وكذا من وقف نكاحها. وأما الرجعية فقال الشافعي (٤): لا يجوز لأحد أن يعرّض لها بالخطبة فيها. والحاصل أن التصريح بالخطبة حرام لجميع المعتدات (٥)، والتعريض مباحٌ للأولى وحرام في الأخيرة مختلف فيه في البائن. واختلف فيمن صرَّح بالخطبة في العدَّة، لكن لم يعقد إلا بعد انقضائها، فقال مالك (٦): يفارقها دخل أو لم يدخل. وقال الشافعي (٧): يصحّ العقد وإن ارتكب النهي بالتصريح المذكور لاختلاف الجهة. وقال المهلب (٨): علة المنع من التصريح في العدّة أن ذلك ذريعة إلى المواقعة في المدة التي هي محبوسة فيها على ماء الميت أو المطلّق. وتعقب بأن هذه العلة تصلح أن تكون لمنع العقد لا لمجرد التصريح، إلا

стр. 5509

أن يقال: التصريح ذريعة إلى العقد، [والعقد] (١) ذريعة إلى الوقاع، وقد وقع الاتفاق على أنه إذا وقع العقد في العدّة لزم التفريق بينهما. واختلفوا هل تحلّ له بعد ذلك؟ فقال مالك (٢) والليث والأوزاعي: لا يحلّ نكاحها بعد. وقال الباقون: بل يحلّ له إذا انقضت العدّة أن يتزوّجها إذا شاء (٣). [الباب السادس] باب النظر إلى المخطوبة ٢٠/ ٢٦٤٠ - (فِي حَدِيث الوَاهِبَةِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ (٤): فَصَعَّدَ فِيها النَّظَرَ وَصَوَّبَهُ. [صحيح] وَعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّهُ خَطَبَ امْرأة، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "انْظُرْ إلَيْها فإنَّه أحْرَى أنْ يُؤْدَم بَيْنكُما"، رَوَاهُ الخَمْسَةُ إلا أبا داوُدَ) (٥). [صحيح] ٢١/ ٢٦٤١ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَة قالَ: خطبَ رَجُلٌ امْرأةً، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "انْظُرْ إلَيْها فإنَّ فِي أعْيُنِ الأنصَارِ شَيْئًا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٦) وَالنَّسائيُّ) (٧). [صحيح]

стр. 5510

٢٢/ ٢٦٤٢ - (وَعَنْ جابِرٍ قالَ: سمعْت النبي ﷺ يَقُولُ: "إذَا خَطَبَ أحَدُكُمْ المرأة فَقَدَرَ أنْ يَرَى مِنها بَعْض ما يَدْعُوه إلى نِكاحِها فَلْيَفْعَل"، رَواهُ أحْمَدُ (١) وأبُو دَاودَ) (٢). [حسن] ٢٣/ ٢٦٤٣ - (وَعَنْ مُوسى بْنِ عَبْدِ الله عنْ أبي حُمَيْدٍ أوْ حُمَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إذَا خَطَب أحَدُكُمْ امْرأةً فَلا جُناحَ عَلَيْه أنْ يَنْظُرَ مِنْها إذَا كانَ، إنّمَا يَنْظُرُ إلَيْهَا لخِطْبَةٍ وإنْ كانَتْ لا تَعْلَمُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ) (٣). [إسناده صحيح] ٢٤/ ٢٦٤٤ - (وَعَنْ مُحمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "إذَا ألْقَى الله فِي قَلْبِ امْرِئٍ خِطْبَةَ امرأةٍ فَلا بأس أنْ يَنْظُرَ إلَيْها"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وابْنُ ماجَة) (٥). [صحيح لغيره] حديثُ الواهبة نفسَها سيأتي في باب جعل تعليم القرآن

стр. 5511

صداقًا (١)، ويأتي الكلام عليه هنالك إن شاء الله. وحديث المغيرة أخرجه أيضًا الدارمي (٢) وابن حبانَ وصححه (٣). وحديث أبي هريرة أخرجه أيضًا مسلم في صحيحه (٤) من حديث أبي حازم عنه، ولفظه: "كنت عند النبي ﷺ ، فأتاه رجل فأخبره أنه تزوّج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله ﷺ : "أنظرت إليها؟ "، قال لا، قال: "فاذهب فانظر إليها، فإن في أعين الأنصار شيئًا". وحديث جابر أخرجه أيضًا الشافعي (٥) وعبد الرزاق (٦) والبزار (٧) والحاكم وصححه (٨)، قال الحافظ (٩): ورجاله ثقات، وهي إسناده محمد بنُ إسحاق، وأعله ابن القطان (١٠)، بواقد بن عبد الرحمن، وقال: المعروف واقد بن عمرو. ورواية الحاكم (٨) فيها واقد بن عمرو، وكذا رواية الشافعي (٥) وعبد الرزاق (٦). وحديث أبي حميدة أخرجه أيضًا الطبراني (١١) والبزار (١٢)، وأورده الحافظ في التلخيص (١٣) وسكت عنه. وقال في مجمع الزوائد (١٤): رجال أحمد رجال الصحيح. وحديث محمد بن مسلمة أخرجه أيضًا ابن حبان (١٥) والحاكم

стр. 5512

وصحَّحاه (١)، وسكت عنه الحافظ في التلخيص (٢). وفي الباب عن أنس عند ابن حبان (٣) والدارقطني (٤) والحاكم (٥) وأبي عوانة (٦) وصححوه وهو مثل حديث المغيرة. وعنه أيضًا عند أحمد (٧) والطبراني (٨) والحاكم (٩) والبيهقي (١٠): "أن النبي ﷺ بعث أمّ سليم إلى امرأة فقال: انظري إلى عرقوبيها وشمي معاطفها"، واستنكره أحمد والمشهور فيه من طريق عمارة عن ثابت عنه. ورواه أبو داود في المراسيل (١١) عن موسى بن إسماعيل عن حماد مرسلًا. قال: ورواه محمد بن كثير الصنعاني عن حماد موصولًا. وعن محمد بن الحنفية عند عبد الرزاق (١٢) وسعيد بن منصور (١٣): "أن عمر خطب إلى علي ابنته أمّ كلثوم، فذكر له صغرها، فقال: أبعث بها إليك فإن رضيت فهي امرأتك، فأرسل بها إليه، فكشف عن ساقها، فقالت: لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينيك". قوله: (أن يؤدم بينكما) أي تحصل الموافقة والملاءمة بينكما. قوله: (فإن في أعين الأنصار شيئًا) قيل: عمش، وقيل: صغر.

стр. 5513

قال في الفتح (١): الثاني وقع في رواية أبي عوانة في مستخرجه فهو المعتمد. وأحاديث الباب فيها دليل على أنه لا بأس بنظر الرجل إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها، والأمر المذكور في حديث أبي هريرة (٢) وحديث المغيرة (٣) وحديث جابر (٤) للإباحة بقرينة قوله في حديث أبي حميد (٥): "فلا جناح عليه"، وفي حديث محمد بن مسلمة (٦): "فلا بأس"، وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء (٧). وحكى القاضي عياض (٨) كراهته، وهو خطأ مخالف للأدلة المذكورة ولأقوال أهل العلم. وقد وقع الخلاف في الموضع الذي يجوز النظر إليه من المخطوبة؛ فذهب الأكثر إلى أنه يجوز إلى الوجه والكفين فقط (٩). وقال داود (١٠): يجوز النظر إلى جميع البدن. وقال الأوزاعي (١١): ينظر إلى مواضع اللحم، وظاهر الأحاديث أنه يجوز له النظر إليها سواء كان ذلك بإذنها أم لا، وروي عن مالك (١٢) اعتبار الإذن. [الباب السابع] باب النهي عن الخَلْوَةِ بالأَجنبيةِ والأَمرِ بِغَضِّ النَّظَرِ والعَفْوِ عَنْ نظرِ الفَجأةِ ٢٥/ ٢٦٤٥ - (عَنْ جابِرٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بالله وَاليَوْمِ

стр. 5514

الآخِرِ فَلا يخْلُوَنَّ بامْرأةٍ لَيْسَ مَعَها ذُو مَحْرَمٍ مِنْها، فإنَّ ثالِثَهُما الشَّيْطانُ") (١). [حسن لغيره] ٢٦/ ٢٦٤٦ - (وَعَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بامْرأةٍ لَا تحِلّ لَهُ، فإنَّ ثالِثَهُما الشَّيْطانُ إلا مَحْرَمٌ"، رواهُما أحْمَدُ (٢). [صحيح لغيره]

стр. 5515

وقَدْ سَبَقَ مَعْناهُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ في حَدِيثٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] ٢٧/ ٢٦٤٧ - (وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ أن النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلى عَوْرةِ الرَّجُلِ، وَلا تَنْظُرُ المَرْأةُ إلى عَوْرَةِ المرَأةِ، وَلا يُفْضِي الرّجُلُ إلى الرَّجُلِ في الثَّوْبِ الوَاحِدِ، وَلا المَرْأةُ إلى المَرْأةِ فِي الثَّوْب الواحِدِ") (٢). [صحيح] ٢٨/ ٢٦٤٨ - (وَعنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله قالَ: سَأَلْت رَسُولَ الله ﷺ عَنْ نَظَرِ الفَجْأَةِ؟ فَقالَ: "اصرِفْ بَصَرَكَ"، رَوَاهُمَا أحْمَدُ (٣) وَمُسلِم (٤) وأبُو داود (٥) وَالتِّرمذِيُّ) (٦). [صحيح] ٢٩/ ٢٦٤٩ - (وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قالَ رَسُول الله ﷺ لِعَلِيٍّ: "يا عَلِي لا تُتْبعِ النَّظْرَةَ النَّظرة، فإنَّمَا لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ"، رَوَاةُ أحْمَدُ (٧) وأبُو دَاودَ (٨) وَالتِّرمِذِي) (٩). [حسن] ٣٠/ ٢٦٥٠ - (وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامرٍ أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "إيَّاكُمْ وَالدخُول على النِّساء"، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ: يا رَسُولَ الله أفَرأيْتَ الحَمْوَ؟ قال: "الحَمْوُ المَوْتُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١٠) وَالبُخارِيُّ (١١) والتِّرْمِذِي وَصححه (١٢)

стр. 5516

قالَ: وَمَعْنَى الحَمْوِ يُقالُ: هُوَ أخُو الزَّوْجِ كأنَّهُ كَرِهَ أنْ يَخْلُوَ بِهَا). [صحيح] حديث جابر (١) وعامر (٢) يشهد لهما حديث ابن عباس (٣) الذي أشار إليه المصنف، وقد تقدم في باب النهي عن سفر المرأة للحجّ من كتاب الحجّ، وقد أشار الترمذي (٤) إلى حديث عامر. وحديث بريدة قال الترمذي (٥): حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك. وأخرجه بهذا اللفظ من حديث عليّ البزار (٦) والطبراني في الأوسط (٧). قال في مجمع الزوائد (٨): ورجال الطبراني ثقات، والخلوة بالأجنبية مجمع على تحريمها كما حكى ذلك الحافظ في الفتح (٩). وعلة التحريم ما في الحديث من كون الشيطان ثالثهما وحضوره يوقعهما في المعصية، وأما مع وجود المحرم فالخلوة بالأجنبية جائزة لامتناع وقوع المعصية مع حضوره. واختلفوا هل يقوم غيره مقامه في ذلك كالنسوة الثقات؟ فقيل: يجوز لضعف التهمة. وقيل: لا يجوز وهو ظاهر الحديث. وحديث أبي سعيد أخرج نحوه أحمد (١٠) والحاكم (١١) من حديث جابر.

стр. 5517

وأخرجه أيضًا أحمد (١) وابن حبان (٢) والحاكم (٣) من حديث ابن عباس. وأخرجه أيضًا الطبراني في الأوسط (٤) من حديث أبي موسى. وأخرجه أيضًا البزار (٥) من حديث سمرة. قوله: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل … إلخ)، فيه دليل على أنه يحرم على الرجل نظر عورة الرجل، وعلى المرأة نظر عورة المرأة، وقد تقدم في كتاب الصلاة بيان العورة من الرجل، والعورة من المرأة. والمراد هنا العورة المغلظة. قال في البحر (٦): فصل: يجب ستر العورة المغلظة من غير من له الوطء إجماعًا لقوله ﷺ : "احفظ عورتك" الخبر (٧) ونحوه، انتهى. قوله: (ولا يفضي الرجل … إلخ)، فيه دليل على أنه يحرم أن يضطجع الرجل مع الرجل أو المرأة مع المرأة في ثوب واحد مع الإفضاء ببعض البدن، لأن ذلك مظنة لوقوع المحرّم من المباشرة أو مس العورة أو غير ذلك. وحديث بريدة (٨) [سكت عنه أبو داود وقال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك، و] (٩) فيه دليل على أن النظر الواقع فجأة من دون قصد وتعمد لا يوجب إثم الناظر لأن التكليف به خارج عن الاستطاعة، وإنما الممنوع منه النظر الواقع على طريقة التعمد أو ترك صرف البصر بعد نظر الفجأة.

стр. 5518

وقد استدل بذلك من قال بتحريم النظر إلى الأجنبية ولم يحكه في البحر (١) إلا عن المؤيد باللهِ وأبي طالب. وحكي في البحر (٢) أيضًا عن الفقهاء والإمام يحيى أنه يجوز ولو لشهوة. وتعقبه صاحب المنار (٣) أن كتب الفقهاء ناطقة بالتحريم. قال: ففي منهاج النووي (٤) وهو عمدتُهم: ويحرم نظر فحلٍ بالغ إلى عورة حرةٍ أجنبية، وكذا وجهها. وكفيها عند خوف فتنةٍ،. وكذا عند الأمن على الصحيح. ثم قال في نظر الأجنبية إلى الأجنبي: كهو إليها. وفي المنتهى (٥) من كتب الحنابلة: ولشاهدٍ ومعاملٍ نظر وجه مشهود عليها، ومن تعامله، وكفيها لحاجة، والحنفية (٦) لا يجيزون النظر إلى الوجه والكفين مع الشهوة، ولفظ الكنز (٧): ولا ينظر من اشتهي. قال الشارح العيني (٨) في الشاهد: لا يجوز له وقت التحمل [أن] (٩) ينظر إليها لشهوة، هذا ما تعقب به صاحب المنار (١٠). قال في بهجة المحافل (١١) للعامري الشافعي في حوادث السنة الخامسة ما لفظه: وفيها نزول الحجاب وفيه مصالح جليلة وعوائد في الإسلام جميلة، ولم يكن لأحد بعده النظر إلى أجنبية لشهوة أو لغير شهوة، وعفي عن نظر الفجأة، انتهى.

стр. 5519

وفي شرح السيلقية للإمام يحيي في شرح الحديث الرابع والعشرين في شرح قوله: إياكم وفضول النظر فإنه يبذر الهوى ويولد الغفلة: التصريح بتحريم النظر إلي النساء الأجانب لشهوة أو لغير شهوة. وقال ابن مظفر في "البيان" (١): إنه يحرم النظر إلى الأجنبية مع الشهوة اتفاقًا. وقال الإمام عزّ الدين في جواب له: والصحيح المعمول عليه رواية "شرح الأزهار" (٢) وفى رواية "البحر" (٣): أن الإمام يحيى ومن معه يجوّزون النظر ولو مع شهوة (٤). اهـ. ومن جملة ما استدلّ به المانعون من النظر مطلقًا قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٦). وأجيب بأن ذلك خاص بأزواج النبيّ ﷺ ، لأنه إنما شرع قطعًا لذريعة وقوف أصحاب رسول الله ﷺ في بيته. ولا يخفى أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ومن جملة ما استدلوا به حديث ابن عباس عند البخاري (٧): "أن النبي ﷺ أردف الفضل بن العباس يوم النحر خلفه، وفيه قصة المرأة الوضيئة الخثعمية، فطفق الفضل ينظر إليها، فأخذ النبيّ ﷺ بذقن الفضل فحوّل وجهه عن النظر إليها".

стр. 5520

وأجيب بأن النبيّ ﷺ إنما فعل ذلك لمخافة الفتنة لما أخرجه الترمذي (١) وصححه من حديث عليّ وفيه: "فقال العباس: لويت عنق ابن عمك، فقال: رأيت شابًا وشابة فلم آمن عليهما الفتنة". وقد استنبط منه ابن القطان (٢) جواز النظر عند أمن الفتنة حيث لم يأمرها بتغطية وجهها، [فلو] (٣) لم يفهم العباس أن النظر جائز ما سأل، ولو لم يكن ما فهمه جائزًا ما أقرّه عليه. وهذا الحديث أيضًا يصلح للاستدلال به على اختصاص آية الحجاب السابقة بزوجات النبيّ ﷺ ، لأن قصة الفضل في حجة الوداع وآية الحجاب في نكاح زينب في السنة الخامسة من الهجرة كما تقدم. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٤)، فروى البيهقي (٥) عن ابن عباس أن المراد بما ظهر: الوجه والكفان. وروى البيهقي (٦) أيضًا عن عائشة نحوه، وكذلك روى الطبراني (٧) عنها. وروى الطبراني (٨) أيضًا عن ابن عباس قال: هي الكحل. وروى نحو ذلك عنه البيهقي (٩).

стр. 5521

وقال في الكشاف (١): الزينة: ما تزيَّنتْ به المرأة من حليٍّ، أو كحلٍ، أو خضابٍ، فما كان ظاهرًا منها: كالخاتم والفتخة (٢) والكحل والخضاب فلا بأس

стр. 5522

بإبدائه للأجانب، وما خفي منها كالسوار والخلخال والدُّمْلُج (١)، والقلادة، والإكليل، والوشاح، والقُرْط (٢) فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورينِ؛ وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتَّصَوُّن والتَستُر، لأنَّ هذه الرين واقعة على مواضع من الجسد لا يحلُّ النظر إليها لغير هؤلاء، وهي: الذراع، والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، والأذن، فنهى عن إبداء الزِّين نفسها؛ ليُعلم أن النظر إليها إذا لم يحلّ لملابستها تلك المواقع، بدليل أن النظر إليها غير ملابسةٍ لها لا مقال في حلِّه، كأنّ النظر إلى المواقع أنفسها مُتمكنًا في الحظر ثابتَ القدم في الحرمة، شاهدًا على أن النساء حقُّهن أن يَحْتَطْنَ في سترها، ويتَّقين الله في الكشف [عنها] (٣)، انتهى. والحاصلُ: أن المرأةَ تُبدي من مواضع الزِّينة فا تدعو إليه الحاجة عند مزاولة الأشياء، والبيع، والشراء، والشهادة، فيكون ذلك مستثنى من عُموم النَّهي عن إبداء مواضع الزينة، وهذا على فَرْض عدم ورود تفسير مرفوع، وسيأتي في الباب الذي بعد هذا ما يدلّ على أن الوجه والكفين مما يستثنى. قوله: (الحمو الموت) أي: الخوف منه أكثر من غيره كما أن الخوف من الموت أكثر من الخوف من غيره. قال الترمذي (٤): يقال: هو أخو الزوج. ورَوى مسلم (٥) عن الليث أنه قال: الحمو: أخو الزوج وها أشبهه من أقارب الزوج، ابن العم ونحوه. وقال النووي (٦): اتَّفق أهلُ اللغة: على أن الأحماء: أقاربُ زوج المرأة؛ كأبيه، وأخيه، وابن أخيه، وابن عمه، ونحوهم؛ وأنَّ الأختان: أقارب زوجة الرجل؛ وأن الأصهار تقع على النوعين. اهـ.

стр. 5523

[الباب الثامن] باب أن المرأةَ عورةٌ إلا الوجهَ والكفين وأنَّ عبدها كمحرمها في نظر ما يبدو منها غالبًا ٣١/ ٢٦٥١ - (عَنْ خالِدٍ بْنِ دُرَيْكٍ عَنْ عائشةَ أن أسماءَ بِنْت أبي بَكرٍ دَخَلَتْ على رَسُولِ الله ﷺ وَعَلَيْها ثِيابٌ رِقاقٌ فأعْرَضَ عَنْها وَقالَ: "يا أسمَاءُ إنَّ المَرْأةَ إذَا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ لَهَا أنْ يُرى مِنْها إلَّا هَذَا وَهَذَا"، وأشارَ إلي وَجْههِ وكَفَّيْهِ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (١) وَقالَ: هَذَا مُرسَل، خالِد بن دَريْكٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عائِشَةَ)، [حسن لغيره] ٣٢/ ٢٦٥٢ - (وَعَن أنَسٍ: أن النَّبِيَّ ﷺ أتى فاطمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وهَبَهُ لَهَا، قالَ: وعَلى فاطِمَة ثَوبٌ إذَا قَنَّعَتْ بِهِ رأسَها لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْها، وَإذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْها، لَمْ يَبْلُغْ رأسَها؛ فَلَمِّا رأى النَّبِيُّ ﷺ ما تَلْقَى، قالَ: "إنَّهُ لَيْس عَلَيْكِ بأس، إنَّمَا هَوَ أبُوكِ وَكُلامُكِ"، رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ (٢). [صحيح]

стр. 5524

وَيُعَضّدُ ذلك قَوْلُهُ: "إذَا كانَ لإحْدَاكن مُكاتَبٌ وكانَ عِنْدَهُ ما يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مَنْهُ") (١). [ضعيف] حديث عائشة: في إسناده سعيد بن بشير أو عبد الرحمن البصري، نزيل دمشق، مولى بني نصر، وقد تكلم فيه غير واحد (٢). وذكر الحافظ أبو أحمد الجرجاني هذا الحديث، وقال: لا أعلم رواه عن قتادة غير سعيد بن بشير، وقال مرّة فيه: عن خالد بن دريك عن أمّ سلمة بدل عائشة. وحديث أنس أخرجه أيضًا البيهقي (٣) وابن مردويه (٤)، وفي إسناده أبو جميع
следующие страницы →