← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 5625–5664 · переход к 5630.

стр. 5625

وفِي رِوَايَةٍ: نَهَى أنْ يُجْمَعَ بَيْنَ المَرأةِ وَعمَّتِهَا، وبَيْنَ المَرأةِ وخَالَتِهَا. رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا ابْنَ ماجَهْ وَالتِّرْمِذِيَّ (١). [صحيح] وَلأَحْمَد (٢) وَالبُخَارِيّ (٣) وَالتِّرْمِذِي (٤) مِنْ حَدِيثِ جابِرٍ مِثْل اللّفْظِ الأوَّلِ). [صحيح] ٨٥/ ٢٧٠٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أنّه جَمَعَ بَيْنَ [امْرأةِ رَجُلٍ وَابْنَتِهِ مِن غَيْرِها] (٥) بعْدَ طَلْقَتَيْنِ وَخُلْعٍ) (٦). [حسن] ٨٦/ ٢٧٠٦ - (وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أهْلِ مِصْرَ كانَتْ لَه صُحْبَةٌ يُقال لَه: جَبَلَة، أنّه جَمَعَ بَيْنَ امْرأةِ رَجُلٍ [وابنته] (٧) مِنْ غَيْرِها (٨). رَوَاهُمَا الدّارَقُطْنِيُّ. [حسن]

стр. 5626

قَالَ البُخارِيُّ (١): وَجمَعَ عَبْدُ الله بْنُ جَعْفَر بَيْنَ ابْنَةِ عَلِيٍّ وَامْرأةِ عَليٍّ). [حسن] حديث أبي هريرة قال ابن عبد (٢) البرّ: أكثر طرقه متواترة عنه، وزعم قوم أنه تفرّد به وليس كذلك. وقال البيهقي (٣) عن الشافعيِّ: إنَّ هذا الحديث لم يرو من وجهٍ يثبته أهل الحديث إلا عن أبي هريرة؛ وروي من وجوه لا يثبتها أهل العلم بالحديث. قال البيهقي (٤): هو كما قال: قد جاء من حديث عليّ (٥)، وابن

стр. 5627

مسعود (١)، وابن عمر (٢)، وابن عباس (٣)، وعبد الله بن عمرو (٤)، وأنس (٥)، وأبي سعيد (٦)، وعائشة (٧)، وليس فيها شيء على شرط الصحيح، وإنما اتفقا على إثبات حديث أبي هريرة.

стр. 5628

وأخرج البخاري (١) رواية عاصم عن الشعبي عن جابر، وبيّن الاختلاف على الشعبي فيه، قال (٢): والحفاظ يروون رواية عاصم خطأ، والصوابُ رواية ابن عون وداود بن أبي هند، انتهى. قال الحافظ (٣): وهذا الاختلاف لم يقدح عند البخاريِّ؛ لأنَّ الشعبي أشهر بجابرٍ منه بأبي هريرة. وللحديث طريق أخرى عن جابرٍ بشرط الصحيح أخرجها النسائي (٤) من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر. وقول من نقل عنهم البيهقي تضعيف حديث جابر معارض بتصحيح الترمذي (٥) وابن حبان (٦) وغيرهما له، وكفى بتخريج البخاريِّ له موصولًا قوّةً. قال ابن عبد البرّ (٧): كان بعض أهل الحديث يزعم أنه لم يرو هذا الحديث غيرُ أبي هريرة، يعني من وجهٍ يصحُّ، وكأنَّه لم يصحَّ حديث الشعبيِّ عن جابر، وصححه عن أبي هريرة، والحديثان جميعًا صحيحان. قال الحافظ (٨): وأما من نقل البيهقي أنهم رووه من الصحابة غير هذين فقد

стр. 5629

ذكر مثل ذلك الترمذي بقوله: وفي الباب، لكن لم يذكر ابن مسعود (١)، ولا ابن عباس (٢) ولا أنسًا (٣) وزاد بدلهم أبا موسى (٤) وأبا أمامة (٥) وسمرة (٦). قال: ووقع لي أيضًا من حديث أبي الدرداء (٧)، ومن حديث عتاب بن أسيد (٤)، ومن حديث سعد بن أبي وقاص (٨)، ومن حديث زينب امرأة ابن مسعود (١). قال: وأحاديثهم موجودة عند ابن أبي شيبة وأحمد، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، وأبي يعلى، والبزار، والطبراني، وابن حبان، وغيرهم، ولولا خشية التطويل لأوردتها مفصلة. قال: لكن في لفظ حديث ابن عباس عند أبي داود (٩) أنه كره أن يجمع بين العمة والخالة وبين العمتين والخالتين. وفي روايته عند ابن حبان (١٠): نهى أن تُزوَّج المرأةُ على العمةِ والخالةِ وقال: "إنكن إذا فعلتُنَّ ذلك قطعتُنَّ أرحامكُنَّ"، انتهى. وأخرج أبو داود في

стр. 5630

المراسيل (١) عن عيسى بن طلحة قال: "نهى رسول الله ﷺ عن أن تنكح المرأة على قرابتها مخافة القطيعة"، وأخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٢). وأخرج الخلال من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن أبي بكر وعمر وعثمان أنهم كانوا يكرهون الجمع بين القرابة مخافة الضغائن. وأحاديث الباب تدلّ على تحريم الجمع بين من ذكر في حديث أبي هريرة، لأن ذلك هو معنى النهي حقيقة. وقد حكاه الترمذي (٣) عن عامة أهل العلم، وقال: لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك. وكذلك حكاه الشافعي (٤) عن جميع المفتين وقال: لا اختلاف بينهم في ذلك. وقال ابن المنذر (٥): لست أعلم في منع ذلك اختلافًا اليوم، وإنما قال بالجواز فرقة من الخوارج، وهكذا حكى الإجماع القرطبي (٦) واستثنى الخوارج؛ قال (٧): ولا يعتدّ بخلافهم لأنهم مرقوا من الدين. وهكذا نقل الإجماع ابن عبد البرّ (٨) ولم يستثن. ونقله أيضًا ابن حزم (٩) واستثنى عثمان البتي. ونقله أيضًا النووي (١٠) واستثنى طائفة من الخوارج والشيعة. ونقله ابن دقيق العيد (١١) عن جمهور العلماء ولم يعين المخالف.

стр. 5631

وحكاه صاحب البحر (١) عن الأكثر؛ وحكي الخلاف عن البتي وبعض الخوارج والروافض. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٢)، وحملوا النهي المذكور في الباب على الكراهة فقط، وجعلوا القرينة ما في حديث ابن عباس (٣) من التعليل بلفظ: "فإنكنّ إذا فعلتنّ ذلك قطعتنّ أرحامكنّ"، وقد رواه ابن حبان (٤) هكذا بلفظ الخطاب للنساء. وفي رواية ابن عديّ (٥) بلفظ الخطاب للرجال. والمراد بذلك أنه إذا جمع الرجل بينهما صارا من نسائه كأرحامه فيقطع بينهما بما ينشأ بين الضرائر من التشاحن، فنسب القطع إلى الرجل لأنه السبب وأضيفت إليه الرحم لذلك. وحديث ابن عباس (٣) هذا المصرّح بالعلة؛ في إسناده أبو حريز بالحاء المهملة ثم الراء ثم الزاي اسمه عبد الله بن حسين (٦)؛ وقد ضعفه جماعة ولكنه قد علق له البخاري ووثقه ابن معين وأبو زرعة. قال في التلخيص (٧): فهو حسن الحديث، ويقوّيه المرسل الذي ذكرنا. قالوا: ولا شكّ أن مجرّد مخافة القطيعة لا يستلزم حرمة النكاح، وإلا لزم حرمة الجمع بين بنات عمين وخالين لوجود علة النهي في ذلك، ولا سيما مع التصريح بذلك كما في مرسل عيسى بن (٨) طلحة، فإنه يعمُّ جميع القرابات.

стр. 5632

وأجيب بأن قطيعة الرحم من الكبائر بالاتفاق، فما كان مفضيّا إليها من الأسباب يكون محرمًا، وأما الإلزام بتحريم الجمع بين سائر القرابات فيرده الإجماع على خلافه، فهو مخصص لعموم العلة أو لقياسها. وأما قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (١). فعمومٌ مخصصٌ بأحاديث الباب. قوله: (وجمع عبد الله بن جعفر)، هذا وصله البغوي في الجعديات (٢) وسعيد بن منصور (٣) من وجه آخر، وبنت علي هي زينب، وامرأته هي ليلى بنت مسعود النهشلية. وفي رواية سعيد بن منصور (٤) أن بنت عليّ هي أم كلثوم بنت فاطمة، ولا تعارض بين الروايتين في زينب وأم كلثوم، لأنه تزوّجهما عبد الله بن جعفر واحدة بعد أخرى مع بقاء ليلى في عصمته، وقد وقع مبينًا عند ابن سعد. وحكى البخاري (٥) عن ابن سيرين أنه قال: لا بأس به، يعني الجمع بين زوجة الرجل وبنته من غيرها. ووصله سعيد بن منصور (٦) بسند صحيح. والأثر عن الرجل الذي من أهل مصر أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (٧) مطوّلًا من طريق أيوب عن عكرمة بن خالد أن عبد الله بن صفوان تزوّج امرأة رجل من ثقيف وابنته - أي من غيرها -. قال [أيوب] (٨): فسئل عن ذلك ابن سيرين، فلم ير به بأسًا. وقال: نبئت أن رجلًا كان بمصر اسمه جبلة جمع بين امرأة رجل وبنته من غيرها. وروى البخاري (٩) عن الحسن البصري أنه كرهه مرّة، ثم قال: لا بأس به، ووصله الدارقطني (١٠).

стр. 5633

وأخرج ابن أبي شيبة (١) عن عكرمة أنه كرهه. وعن سليمان بن يسار ومجاهد والشعبي أنهم قالوا: لا بأس به. واعتبرت الهادوية (٢) في الجمع المحرّم أن يكون بين من لو كان أحدهما ذكرًا حرم على الآخر من الطرفين وزوجة الرجل وابنته من غيرها التحريم إنما هو من طرف واحد، لأنا لو فرضنا البنت رجلًا حرمت عليه امرأة أبيه، بخلاف ما لو فرضنا امرأة الأب رجلًا فإنه أجنبي عن البنت ضرورة فتحلّ له. وحكى البخاري (٣) عن الحسن بن الحسن بن عليّ أنه جمع بين ابنتي عم [في ليلة] (٤). وكره جابر بن زيد [القطيعة] (٥) وليس فيه تحريم لقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٦). وحكى في الفتح (٧) عن ابن المنذر أنه قال: لا أعلم أحدًا أبطل هذا النكاح، قال: وكان يلزم من يقول بدخول القياس في مثل هذا أن يحرمه. [الباب الخامس والعشرون] باب العدد المباح للحرِّ والعبد وما خُصَّ به النبيُّ ﷺ من ذلك ٨٧/ ٢٧٠٧ - (عَنْ قَيْسِ بْنِ الحارِثِ قالَ: أسْلَمْتُ وَعِنْدِي ثَمَان نِسْوَةٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذلكَ لَه، فَقالَ: "اخْتَرْ مِنْهُنَّ أرْبَعًا"، رَوَاه أبُو دَاودَ (٨)، وَابْنُ ماجَهْ) (٩). [حسن]

стр. 5634

٨٨/ ٢٧٠٨ - (وَعَنْ عمَرَ بْنِ الخَطَّابِ قالَ: يَنْكِحُ العَبْدُ امْرأتَيْنِ، وَيُطَلِّق تَطْلِيقَتَيْنِ، وَتَعْتَدُّ الأمَةُ حَيْضَتَيْنِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) (١). [موقوف صحيح] ٨٩/ ٢٧٠٩ - (وَعَنْ قَتَادَةَ عَنْ أنَسٍ: أن النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَطُوفُ على نِسَائِهِ فِي الليْلَةِ الوَاحِدَةِ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ (٢). [صحيح] وفي رِوايَةٍ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدُورُ على نِسَائِهِ فِي السّاعَةِ الوَاحِدَةِ مِنَ اللّيْلِ وَالنّهارِ وَهُنَّ إحْدَى عَشَرَةَ، قُلْتُ لأَنَسٍ: وكانَ يُطِيقُهُ؟ قالَ: كُنّا نتَحَدَّثُ أنّهُ أُعطِيَ قُوَّةَ ثَلاثِينَ. رَوَاهُمَا أحْمَدُ (٣) وَالبُخارِيُّ (٤). [صحيح] حديث قيس بن الحارث (٥)، وفي رواية الحارث بن قيس (٦) في إسناده محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى (٧)، وقد ضعفه غير واحد من الأئمة.

стр. 5635

وقال أبو القاسم البغوي: ولا أعلم للحارث بن قيس حديثًا غير هذا. وقال أبو عمر النمري: ليس له إلا حديث واحد ولم يأت من وجه صحيح. وفي معنى هذا الحديث حديث غيلان الثقفي لما أسلم وتحته عشر نسوة، وسيأتي في باب من أسلم وتحته أختان أو أكثر من أربع (١) ويأتي الكلام عليه هنالك. وفي الباب عن نوفل بن معاوية عند الشافعي (٢) أنه أسلم وتحته خمس نسوة، فقال له النبيّ ﷺ : "أمسك أربعًا وفارق الأخرى"، وفي إسناده رجل مجهول لأن الشافعي قال: حدثنا بعض أصحابنا عن أبي الزناد عن عبد المجيد بن [سهل] (٣) عن عوف بن الحارث عن نوفل بن معاوية قال: أسلمت … فذكره. وفي الباب أيضًا عن عروة بن مسعود (٤)، وصفوان بن أمية (٥)، عند البيهقي، وأثر عمر يقوّيه ما رواه البيهقي (٦)، وابن أبي شيبة (٧) من طريق الحكم بن عتيبة أنه أجمع الصحابة على أنه لا ينكح العبد أكثر من اثنتين. وقال الشافعي (٨) بعد أن روى ذلك عن عليّ، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، أنه لا يعرف لهم من الصحابة مخالف. وأخرجه ابن أبي شيبة (٩) عن جماهير التابعين عطاء والشعبي والحسن وغيرهم.

стр. 5636

قوله: (اختر منهن أربعًا) استدلّ به الجمهور على تحريم الزيادة على أربع. وذهبت الظاهرية (١) إلى أنه يحل للرجل أن يتزوّج تسعًا، ولعلّ وجهه قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢). ومجموع ذلك - لا باعتبار ما فيه من العدل - تسع. وحكي ذلك عن ابن الصباغ (٣)، والعمراني (٤)، وبعض الشيعة. وحكي أيضًا عن القاسم بن إبراهيم (٥)، وأنكر الإمام يحيى الحكاية (٦) عنه، وحكاه صاحب البحر (٧) عن الظاهرية وقوم مجاهيل. وأجابوا عن حديث قيس بن الحارث المذكور بما فيه من المقال المتقدم (٨). وأجابوا عن حديث غيلان الثقفي (٩) بما سيأتي فيه من المقال، وكذلك أجابوا عن حديث نوفل بن معاوية (١٠) بما قدّمنا من كون في إسناده مجهول، قالوا: ومثل هذا الأصل العظيم لا يكتفي فيه بمثل ذلك، ولا سيما وقد ثبت أن رسول الله ﷺ جمع بين تسع أو إحدى عشرة، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (١١).

стр. 5637

وأما دعوى اختصاصه بالزيادة على الأربع فهو محلّ النزاع ولم يقم عليه دليل (١). وأما قوله تعالى: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٢) فالواو فيه للجمع لا للتخيير. وأيضًا لفظ: مثنى، معدول به عن اثنين اثنين (٣)، وهو يدلّ على تناول ما كان متصفًا من الأعداد بصفة الاثنينية وإن كان في غاية الكثرة البالغة إلى ما فوق الألوف، فإنك تقول: جاءني القوم مثنى: أي اثنين اثنين، وهكذا ثلاث ورباع، وهذا معلومٌ في لغة العرب لا يشكُّ فيه أحدٌ، فالآية المذكورة تدلُّ بأصل الوضع على أنه يجوز للإنسان أن يتزوَّج من النساء اثنتين اثنتين، وثلاثًا ثلاثًا، وأربعًا أربعًا، وليس من شرط ذلك أن لا تأتي الطائفة الأخرى من العدد إلا بعد مفارقته للطائفة التي قبلها فإنه لا شكَّ: أنَّه يصحُّ لغةً وعرفًا أن يقول الرجل لألف رجلٍ عنده: جاءني هؤلاء اثنين اثنين، أو ثلاثة ثلاثة، أو أربعة أربعة. فحينئذ الآية تدلُّ على إباحة الزواج بعددٍ من النِّساء كثيرٍ، سواءٌ كانت الواو للجمع أو للتخيير، لأنَّ خطاب الجماعة بحكم من الأحكام بمنزلة الخطاب به لكلِّ واحدٍ منهم، فكأنَّ الله سبحانه قال لكلِّ فرد من الناس: انكح ما طاب لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، ومع هذا فالبراءة الأصلية مستصحبةٌ،

стр. 5638

وهي بمجرَّدِها كافيةٌ في الحِلِّ حتى يوجد ناقلٌ صحيحٌ ينقل عنها. وقد يجاب بأنَّ مجموع الأحاديث المذكورة في الباب لا تقصر عن رتبة الحسن لغيره؛ فتنتهض بمجموعها للاحتجاج وإن كان كلُّ واحد منها لا يخلو عن مقالٍ. ويؤيد ذلك كونُ الأصل في الفروج الحرمة كما صرَّح به الخطابي (١)، فلا يجوز الإقدام على شيء منها إلا بدليل. وأيضًا هذا الخلاف مسبوقٌ بالإجماع على عدم جواز الزيادة على الأربع، كما صرّح بذلك في البحر (٢). وقال في الفتح (٣): اتفق العلماء على أن من خصائصه ﷺ الزيادة على أربع نسوة يجمع بينهن. قوله: (ينكح العبدُ امرأتين) قد تمسك بهذا من قال: إنَّه لا يجوز لعبد أن يتزوَّج فوق اثنتين، وهو مرويٌّ عن عليّ (٤) وزيد بن عليّ والناصر والحنفية (٥) والشافعية (٦). ولا يخفى أن قول الصحابي لا يكون حجة على من لم يقل بحجيته، نعم

стр. 5639

لو صحّ إجماع الصحابة على ذلك - كما أسلفنا - لكان دليلًا عند القائلين بحجية الإجماع. ولكنه قد روي عن أبي الدرداء ومجاهد وربيعة [وأبي ثور] (١) والقاسم بن محمد وسالم والقاسمية أنه يجوز له أن ينكح أربعًا كالحرّ، حكى ذلك عنهم صاحب البحر (٢). فالأَوْدى الجزم بدخوله تحت قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣) والحكم له وعليه بما للأحرار وعليهم، إلا أن يقوم دليل يقتضي المخالفة كما في المواضع المعروفة بالتخالف بين حكميهما. قوله: (ويطلق نطليقتين)، سيأتي الكلام على هذا في باب ما جاء في طلاق العبد، وكذلك يأتي الكلام على عدَّة الأمة. قوله: (تسع نسوة) هنَّ: "عائشة وسودة، وحفصة، وأمّ سلمة، وزينب بنت جحش، وصفية، وجويرية، وأمّ حبيبة، وميمونة"، هؤلاء الزوجات اللاتي مات عنهنَّ. واختلف في ريحانة؛ هل كانت زوجة أو سرية؟ وهل ماتت في حياته أو بعده؟ ودخل أيضًا بخديجة ولم يتزوَّج عليها حتى ماتت، وبزينب أمِّ المساكين وماتت في حياته قبل أن يتزوَّج صفية ومن بعدها. قال الحافظ في التلخيص (٤): وأمَّا حديث أنس: أنَّه تزوَّج خمس عشرة امرأةً ودخل منهنَّ بإحدى عشرة، ومات عن تسعٍ، فقد قوَّاه الضِّياء في المختارة (٥). قال: وأمَّا من عقد عليها ولم يدخل بها، أو خطبها ولم يعقد عليها فضبطنا منهنَّ نحوًا من ثلاثين امرأة، وقد حرَّرتُ ذلك في كتابي في الصحابة (٦). وقد ذكر الحافظ في الفتح (٧) والتلخيص (٨) الحكمة في تكثير نسائه ﷺ فليراجع ذلك.

стр. 5640

[الباب السادس والعشرون] بابُ العبدِ يتزوَّجُ بغيرِ إذن سيِّدِهِ ٩٠/ ٢٧١٠ - (عَنْ جابِرٍ قَالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيرِ إذْنِ سَيدِهِ فَهوَ عاهِرٌ" رَوَاهُ أحْمَد (١) وأبو دَاودَ (٢) وَالتِّرْمِذِيُّ (٣) وَقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ). [حسن] الحديث أخرجه أيضًا ابن حبان (٤) والحاكم (٥) وصححاه. وأخرجه أيضًا ابن ماجه (٦) من حديث ابن عمر. قال الترمذي (٧): لا يصحّ إنما هو عن جابر.

стр. 5641

وأخرجه أيضًا أبو داود (١) من حديث العمري عن نافع عن ابن عمر بلفظ: "فنكاحه باطل"، وتعقبه بالتضعيف وبتصويب وقفه [له] (٢)، ورواه ابن ماجه (٣) [من حديث] (٤) ابن عمر وفي إسناده مندل بن عليّ وهو ضعيف. وقال أحمد بن حنبل (٥): هذا حديث منكر، وصوّب الدارقطني وقفه على ابن عمر. وأخرجه أيضًا عبد الرزاق (٦) عن ابن عمر موقوفًا. وقد استدلّ بحديث جابر من قال: إن نكاح العبد لا يصحّ إلا بإذن سيده، وذلك للحكم عليه بأنه عاهر، والعاهر: الزاني، والزنا باطل. وقال الإمام يحيى: أراد أنه كالعاهر وليس بزان حقيقة لاستناده إلى عقد. قال في البحر (٧): قلت: بل زان إن علم التحريم فيحدّ ولا مهر. وقال داود (٨): إن نكاح العبد بغير إذن مولاه صحيح، لأن النكاح عنده فرض عين وفروض الأعيان لا تحتاج إلى إذن وهو قياس في مقابلة النصّ. واختلفوا: هل ينفذ بالإجازة من السيد أم لا؟ فذهبت العترة (٩) والحنفية (١٠) إلى أن عقد العبد بغير إذن مولاه موقوف ينفذ بالإجازة. وقال الناصر (١١) والشافعي (١٢): إنه لا ينفذ بالإجازة بل هو باطل، والإجازة لا تلحق العقود الباطلة.

стр. 5642

وقال مالك (١): إن العقد نافذ وللسيد فسخه. وردّ بأنه لا وجه لنفوذه مع قوله ﷺ : "باطل" كما وقع في رواية من حديث جابر. قالت العترة (٢) والشافعي (٣): ولا يحتاج في بطلانه إلى فسخ. وخالف في ذلك مالك (١). [الباب السابع والعشرون] بابُ الخيارِ للأمَةِ إذا أعتِقَتْ تحتَ عَبْدٍ ٩١/ ٢٧١١ - (عَنِ القاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ: أن بَرِيرَةَ كانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ، فَلَمّا أعْتَقَتْها قالَ لَهَا رَسول الله ﷺ : "اخْتارِي فإنْ شِئْتِ أن تَمْكُثِي تَحْتَ هَذَا العَبْدِ، وَإنْ شِئْتِ أنْ تفارِقيهِ"، رَوَاه أحْمَدُ (٤) وَالدارَقُطْني) (٥). [ضعيف] ٩٢/ ٢٧١٢ - (وَعَنِ القاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ: أن بَرِيرَةَ خَيّرَها النَّبِيُّ ﷺ وكانَ زَوْجها عَبْدًا. رَوَاه مُسْلِمٌ (٦) وأبو دَاودَ (٧) وَابْنُ ماجَه (٨). [صحيح] ٩٣/ ٢٧١٣ - (وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ: أن بَرِيرَةَ أعْتِقَتْ وكانَ زَوْجها عَبْدًا فَخَيَّرَها رَسُولُ الله ﷺ وَلَو كانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرهَا. رَوَاهُ أحْمَد (٩) وَمُسْلِم (١٠)

стр. 5643

وأبُو دَاودَ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَه) (٢). [صحيح دون قوله: "ولو كان حرًا … "]. ٩٤/ ٢٧١٤ - (وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ أن بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغيثٍ عَبْدٌ لآلِ أبي أحْمَدَ، فَخَيّرَها رَسُول الله ﷺ وَقالَ: "إنْ قَرَبَكِ فَلا خيارَ لَكِ"، رَوَاه أبو دَاودَ (٣). [ضعيف] وَهُوَ دَلِيلٌ على أن الخيارَ على التَّراخي ما لَمْ [تُطَأ] (٤). ٩٥/ ٢٧١٥ - (وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كان زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أسْوَدَ يقال لَه: مغِيثٌ، عَبْدًا لبَنِي فُلانٍ كأني أنْظُر إلَيْهِ يَطُوف وَرَاءَها فِي سِكَكِ المَدِينَةِ. رَوَاه البُخارِيُّ (٥). [صحيح] وفِي لَفْظٍ: أن زَوْجَ بَرِيرَةَ كانَ عَبْدًا أسْوَدَ لبَنِي [المُغِيرَةَ] (٦) يَوْمَ أعْتِقَتْ بَرِيرَةُ، والله لَكأني بِهِ فِي المَدِينَةِ وَنَوَاحِيها، وإن دمُوعَهُ لَتَسِيل عَلَى لحْيَتِهِ، يَتَرَضاها لِتَخْتَارَه فَلَمْ تَفْعَلْ. رَوَاه التِّرْمِذِيُّ وَصحَّحَه (٧). [صحيح] وَهُوَ صَرِيحٌ بِبَقاءِ عُبُودِيتِه يَوْمَ العِتْقِ). ٩٦/ ٢٧١٦ - (وَعَنْ إبْرَاهِيمَ عَن الأسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ زَوْج بَرِيرةَ حُرًّا، فَلَمّا أعْتقَتْ خَيّرَها رَسُول الله ﷺ فاخْتارَتْ نَفْسَها. رَوَاه الخَمْسَة (٨).

стр. 5644

قالَ البُخارِيُّ (١): قَوْل الأسْوَدِ مُنْقَطعٌ، ثم عائِشَة عَمّةُ القاسِمِ وَخالَةُ عُرْوَةَ فَرِوايَتُهُما عَنْها أوْلى مِنْ رِوَايَةِ أجْنَبِيّ يَسْمَع مِنْ وَرَاءِ حِجابٍ). رواية أنه كان عبدًا ثابتة أيضًا من طريق ابن عمر عند الدارقطني (٢) والبيهقي (٣) قال: "كان زوج بريرة عبدًا"، وفي إسناده ابن أبي ليلى وهو ضعيف (٤). ومن طريق صفية بنت أبي عبيدٍ عند النسائي (٥) والبيهقي (٦) بإسناد صحيح. وروى ابن سعد في الطبقات (٧) عن عبد الوهاب عن دواد بن عطاء بن أبي هند عن عامر الشعبي: "أن النبيّ ﷺ قال لبريرة لما [أعتقت] (٨): قد عتق بُضْعُك مَعَكِ (٩) فاختاري". ووصل هذا المرسل الدارقطني (١٠) من طريق أبان بن صالح عن هشام عن

стр. 5645

أبيه عن عائشة، وهذه الرواية مطلقةٌ ليس فيها ذكر أنَّه كان عبدًا أو حرًا. وروى شعبةُ عن عبد الرحمن: أنَّه قال: ما أدري أحرٌّ أم عبدٌ؟! وهذا شكٌ، وهو غير قادحٍ في روايات الجزم، وكذلك الرواية المطلقة تحمل على الروايات المقيدة. والحاصل أنَّه قد ثبت من طريق ابن عباسٍ، وابن عمر، وصفية بنت أبي عبيد، أنه كان عبدًا، ولم يرو عنهم ما يخالف ذلك. وثبت عن عائشة من طريق القاسم وعروة: أنَّه كان عبدًا، ومن طريق الأسود أنه كان حرًّا، ورواية اثنين أرجح من رواية واحد على فرض صحة الجميع، فكيف إذا كانت رواية الواحد معلولة بالانقطاع كما قال البخاري (١). وروي عن البخاري (٢) أيضًا أنه قال: هي من قول الحكم. وقول ابن عباس: إنه كان عبدًا، أصحّ (١). وقال البيهقي (٣): روينا عن القاسم (٤) ابن أخيها، وعن عروة (٥) ومجاهد (٦) وعمرة، كلهم عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "إن شئت أن تثوي تحت العبد". قال المنذري (٧): وروي عن الأسود أنه كان عبدًا، فاختلف عليه مع أن بعضهم يقول: إن لفظ: "إنه كان حرًّا"، من قول إبراهيم، وإذا تعارضت الرواية عن الأسود فتطرح ويرجع إلى رواية الجماعة عن عائشة. على أنا لو فرضنا أن الروايات عن عائشة متعارضةٌ ليس لبعضها مرجحٌ على بعض كان الرجوع إلى رواية غيرها بعد إطراح روايتها.

стр. 5646

وقد روى غيرها أنه كان عبدًا على طريق الجزم، فلم يبق حينئذ شكٌّ في رجحان عبوديَّتِه. وقال أحمد بن حنبل (١): إنما يصحُّ أنه كان حرًّا عن الأسود وحده، وما جاء عن غيره فليس بذاك. وصحّ عن ابن عباس وغيره أنه كان عبدًا. ورواه علماء المدينة (١)، وإذا روى علماء المدينة شيئًا وعملوا به فهو أصحّ. وقال الدارقطني: قال عمران بن جرير عن عكرمة عن عائشة: كان حرًّا، وهو وهم في شيئين: في قوله: كان حرًّا، وفي قوله: عن عائشة، وإنما هو من رواية عكرمة عن ابن عباس، ولم يختلف على ابن عباس أنه كان عبدًا، وكذا جزم الترمذي (٢) عن ابن عمر. وقال ابن القيم في الهدي (٣): إن حديث عائشة رواه ثلاثة: الأسود، وعروة، والقاسم: فأما الأسود فلم يختلف عنه أنه كان حرًّا. وأما عروة ففيه روايتان صحيحتان متعارضتان إحداهما: أنه كان حرًّا، والثانية: أنه كان عبدًا. وأما عبد الرحمن بن القاسم [فعنه] (٤) روايتان صحيحتان: إحداهما: أنه كان حرًّا، والثانية: الشكّ، انتهى. وقد عرفت مما سلف ما يخالف هذا، وعلى فرض صحته فغاية الأمر أن الروايات عن عائشة متعارضة فيرجع إلى رواية غيرها، وقد عرفت أنها متفقة على الجزم بكونه عبدًا. وقد اختلف أهل العلم فيما إذا كان الزوج حرًّا: هل يثبت للزوجة الخيار أم لا؟ فذهب الجمهور (٥) إلى أنه لا يثبت وجعلوا العلة في الفسخ عدم الكفاءة، لأنَّ المرأة إذا صارت حرَّةً وكان زوجها عبدًا لم يكن كفؤًا لها.

стр. 5647

ويؤيد هذا قول عائشة في حديث الباب (١): "ولو كان حرًّا لم يخيرها". ولكنه قد تعقب ذلك بأن هذه الزيادة مدرجة من قول عروة كما صرّح بذلك النسائي في سننه (٢)، وبيّنه أيضًا أبو داود (٣) في رواية مالك، ولو سلم أنه من قولها فهو اجتهاد وليس بحجة. وذهبت العترة (٤) والشعبي (٥) والنخعي (٦) والثوري (٧) والحنفية (٨) إلى أنَّه يثبت الخيار ولو كان الزوج حرًّا، وتمسكوا أوّلًا بتلك الرواية التي فيها أنه كان زوج بريرة حرًّا، وقد عرفت عدم صلاحية ذلك للتمسك به. ومما يصلح للتمسك به ما وقع في بعض روايات حديث بريرة: "أن النبي ﷺ قال لها: ملكت نفسك فاختاري"، فإن ظاهر هذا مشعر بأن [السبب] (٩) في التخيير هو ملكها لنفسها وذلك مما يستوي فيه الحرّ والعبد. وقد أجيب عن ذلك بأنه يحتمل أن المراد [من ذلك] (١٠) أنها استقلت بأمر النظر في مصالحها من غير إجبار عليها من سيدها كما كانت من قبل يجبرها سيدها على الزوج. ومن جملة ما يصلح للاحتجاج به على عدم الفسخ إذ كان الزوج حرًّا ما في سنن النسائي (١١) أن رسول الله ﷺ قال: "أيما أمة كانت تحت عبد فعتقت فهي بالخيار ما لم يطأها زوجها"، وفي إسناده (حسين بن عمرو بن أمية الضمري) (١٢) وهو مجهول.

стр. 5648

وأخرج النسائي (١) أيضًا عن القاسم بن محمد قال: "كان لعائشة غلام وجارية، قالت: فأردت أن أعتقهما فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: ابدئي بالغلام قبل الجارية". قالوا: ولو لم يكن التخيير ممتنعًا إذا كان الزوج حرًّا، لم يكن للبداءة بعتق الغلام فائدة، فإذا بدأت به عتقت تحت حر فلا يكون لها اختيار، وفي إسناد هذا الحديث [عبد الله بن عبد الرحمن] (٢) وهو ضعيف. قال العقيلي (٣): لا يعرف إلا به. قال ابن حزم (٤): لا يصحّ هذا الحديث، ولو صح لم يكن فيه حجة لأنه ليس فيه أنهما كانا زوجين ولو كانا زوجين يحتمل أن تكون البداءة بالرجل لفضل عتقه على الأنثى كما في الحديث الصحيح. قوله: (وهي عند مُغِيْث) بضم الميم وكسر المعجمة ثم تحتية ساكنة ثم مثلثة. ووقع عند العسكري بفتح المهملة وتشديد التحتية وآخره باء موحدة. وجزم ابن ماكولا (٥) وغيره بالأوّل. ووقع عند المستغفري في الصحابة (٦) أن اسمه مقسم. قال الحافظ: وما أظنه إلا تصحيفًا.

стр. 5649

قوله: (إن قربك فلا خيار لك)، فيه دليل على أن خيار من عتقت على التراخي، وأنه يبطل إذا مكنت الزوج من نفسها. وإلى ذلك ذهب مالك (١) وأبو حنيفة (٢) وأحمد (٣) والهادوية (٤) وهو قول للشافعي (٥) وله قول آخر أنه على الفور، وفي رواية عنه أنه إلى ثلاثة أيام. وقيل: بقيامها من مجلس الحاكم، وقيل: من مجلسها، وهذان القولان للحنفية (٦). والقول الأوّل هو الظاهر لإطلاق التخيير لها إلى غاية هي تمكينها من نفسها. ويؤيد ذلك ما أخرجه أحمد (٧) عن النبيّ ﷺ بلفظ: "إذا عتقتِ الأمةُ فهي بالخيارِ، ما لم يطأها، إن تشأ فارقته، وإن وطئها فلا خيار لها ولا تستطيع فراقه"، وفي رواية للدارقطني (٨): "إن وطئك فلا خيار لك". [الباب الثامن والعشرون] باب من أعتق أمة ثم تزوجها ٩٧/ ٢٧١٧ - (عَنْ أبي مُوسَى قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أيُّمَا رَجُلٍ كانَتْ عِنْدَه وَلِيدَةٌ فَعَلّمَها فأحْسَنَ تَعْلِيمَها، وأدَّبها فأحْسَنَ تأدِيبَها، ثم أعْتَقَها وَتَزوَّجَها فَلَه أجْرَانِ؛ وَأيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أهْلِ الكِتابِ آمنَ بِنَبِيِّهِ وآمنَ بي فَلَهُ أجْرَانِ؛ وَأيُّمَا رَجُلٍ

стр. 5650

مَمْلُوكٍ أدَّى حَقَّ موالِيهِ وَحَق رَبّه فَلَه أجْرَانِ"، رَوَاه الجَماعة (١) إلَّا أبا دَاودَ (٢) فإنَّمَا لَه مِنْه: "مَنْ أعْتَقَ أمَتَه ثم تَزَوَّجَها كان لَه أجْرَانِ". [صحيح] ولِأحْمَدَ (٣) قالَ: قالَ رَسُول الله ﷺ : "إذا أعْتَقَ الرَّجُل أمَتَه ثمَّ تَزَوجَها بِمَهْرٍ جَدِيدٍ كانَ لَه أجْرَانِ"). [صحيح] ٩٨/ ٢٧١٨ - (وَعَنْ أنَسٍ: أن النّبِيَّ ﷺ أعْتَقَ صَفِيّةَ وَتَزَوَّجَها، فَقالَ لَه ثابتٌ: ما أصْدَقَها؟ قالَ: نَفْسَها؟ أعْتَقَها وَتَزَوَّجَها. رَوَاه الجَماعَة إلّا التِّرْمِذِي وأبا دَاودَ (٤). [صحيح] وفِي لَفْظٍ: أعْتَقَ صَفِيّةَ وَتَزَوجها وَجَعَلَ عِتْقَها صَدَاقَها. رَوَاهُ البُخاريُّ (٥). [صحيح] وفِي لَفْظٍ: أعْتَقَ صَفِيّةَ ثم تَزَوجَها وَجَعَلَ عِتْقَها صَدَاقَها. رَوَاه الدارَقُطْنيُّ (٦). [صحيح] وفِي لَفْظٍ: أعْتَقَ صَفِيّةَ وَجَعَلَ عِتْقَها صَدَاقَها: رَوَاه أحْمَد (٧) وَالنّسائيٌّ (٨) وأبو دَاودَ (٩) وَالتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَه (١٠). [صحيح]

стр. 5651

وفِي رِوَايَةٍ: أن النّبِيَّ ﷺ اصْطَفَى صَفِيّةَ بِنْتَ حُيَي فاتخَذَها لِنَفْسِهِ وَخَيّرَها أنْ يَعْتِقَها وَتَكُونَ زَوْجَتَه، أوْ يُلْحِقَها بِأهْلِها، فاخَتارَتْ أنْ يَعْتِقَها وَتَكونَ زَوْجَتَه. رَوَاهُ أحْمَدُ (١). [صحيح] وَهُوَ دَلِيلٌ على أن مَنْ جَرَى عَلَيْهِ مِلْكُ المُسْلِمِينَ مِنَ السّبْي يَجُوزُ رَدُّهُ إلى الكُفّارِ إذَا كانَ على دِينِهِ). حديث أبي موسى فيه دليل على مشروعية تعليم الإماء وإحسان تأديبهنّ ثم إعتاقهن والتزوّج بهنّ، وأن ذلك مما يستحقّ به فاعله أجرين. كما أن من آمن من أهل الكتاب يستحقّ أجرين: أجر بإيمانه بالنبيّ الذي كان على دينه وأجرًا بإيمانه بنبينا ﷺ . وكذلك المملوك الذي يؤدّي حقّ الله وحقّ مواليه يستحقّ أجرين. وليس في هذا الحديث ما يدلّ على أنه يصحّ أن يجعل العتق صداق المعتقة. ولكن الذي يدلّ على ذلك حديث أنس (٢) المذكور لقوله فيه: "ما أصدقها؟ قال: نفسها". وكذلك سائر الألفاظ المذكورة في بقية الروايات. وقد أخذ بظاهر ذلك من القدماء سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي (٣) وطاوس والزهري، ومن فقهاء الأمصار الثوري (٤) وأبو يوسف وأحمد (٥) وإسحاق. وحكاه في البحر (٦) عن العترة والأوزاعي والشافعي والحسن بن

стр. 5652

صالح (١) فقالوا: إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها صحّ العقد والعتق والمهر. وذهب من عدا هؤلاء إلى أنه لا يصح أن يكون العتق مهرًا، ولم يحكِ هذا القول في البحر (٢) إلا عن مالك (٣) وابن شبرمة. وحكى (٤) في موضع آخر عن أبي حنيفة ومحمد أنها تستحقّ مهر المثل لأنها قد صارت حرّة فلا يستباح وطؤها إلا بالمهر (٥). وحكى بعضهم عدم صحة جعل العتق مهرًا عن الجمهور (٦). وأجابوا عن ظاهر الحديث بأجوبة ذكرها في فتح الباري (٧): (منها): أنَّه أعتقها بشرط أن يتزوَّجها فوجب له عليها قيمتها، وكانت معلومةً فتزوَّجها بها، ولكنه لا يخفى: أنَّ ظاهر الروايات: أنَّه جعل المهر نفس العتق، لا قيمة المعتقة. (ومنها): أنَّه جعل نفس العتق مهرًا، ولكنَّه من خصائصه. ويجاب عنه؛ بأنَّ دعوى الاختصاص تفتقر إلى دليلٍ. (ومنها): أنَّ معنى قوله: "أعتقها وتزوَّجها" أنَّه أعتقها ثم تزوَّجها، ولم يعلم أنَّه ساق لها صداقًا، فقال: "أصدقها نفسها"، أي: لم يصدقها شيئًا فيما أعلم، ولم ينف نفس الصداق. ويجاب بأنَّه يبعد أن يأتي الصحابيُّ الجليل بمثل هذه العبارة في مقام التبليغ ويكون مريدًا لما ذكرتم، فإنَّ هذا لو صحَّ لكان من باب الإلغاز والتعمية.

стр. 5653

وقد أيَّدوا هذا التأويل البعيد بما أخرجه البيهقي (١) من حديث [أميمة بنت رزيبة] (٢) عن أمها: "أن النبيّ ﷺ أعتق صفية وخطبها وتزوّجها وأمهرها [رزيبة] (٣) وكان أتي بها سبية من بني قريظة والنضير". قال الحافظ (٤): وهذا لا يقوم به حجة لضعف إسناده، ويعارضه ما أخرجه الطبراني (٥) وأبو الشيخ من حديث صفية نفسها قالت: "أعتقني النبي ﷺ وجعل عتقي صداقي". قال الحافظ (٤): وهذا موافق لحديث أنس (٦). وفيه ردّ على من قال: إن أنسًا قال ذلك بناء على ما ظنه. (ومنها): أنه يحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها بغير مهر، فلزمها الوفاء بذلك ويكون خاصًّا به ﷺ ، ولا يخفى أن هذا تعسف لا ملجئ إليه. (ومنها): ما قاله ابن الصلاح (٧) من أن العتق حلّ محلّ المهر وليس بمهر. قال: وهذا كقولهم: "الجوع زاد من لا زاد له"، وجعل هذا أقرب الوجوه إلى لفظ الحديث، وتبعه النووي (٨). والحامل لمن خالف الحديث على هذه التآويل ظنُّ مخالفته للقياس، قالوا: لأنَّ العقد إما أن يقع قبل عتقها وهو محال لتناقض حكم الحرية والرقّ أو بعده، وذلك غير لازم لها. وأجيب بأن العقد يكون بعد العتق، فإذا وقع منها الامتناع لزمتها السعاية بقيمتها ولا محذور في ذلك.

стр. 5654

وبالجملة فالدليل قد ورد بهذا، ومجرّد الاستبعاد لا يصلح لإبطال ما صحّ من الأدلة والأقيسة مطرحة في مقابلة النصوص الصحيحة فليس بيد المانع برهان. ويؤيد الجواز ما أخرجه الطحاوي (١) عن ابن عمر: "أن النبيّ ﷺ جعل عتق جويرية بنت الحارث [القرضية] (٢) صداقها". وأخرج نحوه أبو داود (٣) من طريق عائشة. وقد نسب القول بالجواز ابن القيم في الهدي (٤) إلى عليّ بن أبي طالب، وأنس بن مالك، والحسن البصري، وأبي سلمة قال: وهو الصحيح الموافق للسُّنة وأقوال الصحابة والقياس، وأطال البحث في المقام بما لا مزيد عليه فليراجع. [الباب التاسع والعشرون] باب ما يذكر في ردِّ المنكوحة بالعيب ٩٩/ ٢٧١٩ - (عَنْ جَمِيلِ بْنِ زيدٍ قالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنَ الأنْصَارِ ذَكَرَ أنّهَ كانَت لَهُ صُحْبَةٌ يُقالُ لَه: كَعْبُ بْنُ زيد أوْ زيدُ بْنُ كَعْبٍ: أن رَسُولَ الله ﷺ تزَوَّجَ امَرأةً مِنْ بَنِي غِفارٍ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْها فَوَضَعَ ثَوْبَه وَقَعَدَ عَلى الفرَاش أبْصَرَ بِكَشْحِها بَياضًا، فانحازَ عن الفِرَاشِ ثم قالَ: "خُذِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ"، وَلَمْ يأخُذْ مِمّا آتاها شَيْئًا. رَوَاه أحْمَدُ (٥) وَرَوَاهُ سَعِيدٌ فِي سُنَنِهِ (٦)، وَقالَ: عنْ زيدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَلَم يَشُكّ). [ضعيف]

стр. 5655

١٠٠/ ٢٧٢٠ - (وَعَنْ عُمَرَ أنّهُ قالَ: أيُّمَا امْرأةٍ غُرَّ بِها رَجُلٌ بِها جُنُونٌ أوْ جُذَامٌ أوْ بَرَصٌ فَلَها مَهْرُها بمَا أصَابَ مِنْها وَصَداقُ الرَّجُلِ على مَنْ غَرَّهُ. رَوَاهُ مالِكٌ فِي المُوَطّأ (١) وَالدّارَقُطْنِيُّ (٢). [ضعيف] وفِي لَفْظٍ: قَضَى عُمَرُ فِي البَرْصَاءِ وَالجَذْماء وَالمَجْنُونَةِ إذَا دَخَلَ بِها فُرّقَ بَيْنَهُمَا، وَالصَّدَاقُ لَهَا بِمَسِيسِهِ إيّاها وَهُوَ لَهُ على وَليِّها. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) (٣). [ضعيف] حديث كعب بن زيدٍ أو زيد بن كعب: قد اختُلف فيه؛ فقيل: هكذا، وقيل: إنه من حديث كعب بن عجرة، وقيل: من حديث ابن عمر. وقد أخرجه أيضًا من حديث كعب بن زيدٍ، أو زيد بن كعب: ابن عديّ (٤) والبيهقي (٥). ومن حديث كعب بن عجرة: الحاكم في المستدرك (٦)، ومن حديث ابن عمر: أبو نعيم في الطب (٧).

стр. 5656

والبيهقي (١). وجميل بن زيد المذكور هو ضعيف، وقد اضطرب في هذا الحديث (٢). وأثر عمر أخرجه أيضًا سعيد بن منصور (٣) عن هشيم عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب عنه. ورواه الشافعي (٤) من طريق مالك (٥) وابن أبي شيبة (٦) عن أبي إدريس عن يحيى، قال الحافظ في بلوغ المرام (٧): ورجاله ثقات. وفي الباب عن عليّ أخرجه سعيد بن منصور (٨). قوله: (امرأة من بني غفار) قيل: اسمها الغالية، وقيل: أسماء بنت النُّعمان، قاله الحاكم، يعني الجَوْنية. وقال الحافظ (٩): الحقّ أنها غيرها. وقد استُدِلَّ بحديثي الباب على أن البرص والجنون والجذام عيوب يفسخ بها النكاح، ولكن حديث كعب ليس بصريح في الفسخ لأن قوله: "خذي عليك ثيابك"، وفي رواية: "الْحَقِي بأهلك" (١٠) يمكن أن يكون كناية طلاق.

стр. 5657

وقد ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة [فمن] (١) بعدهم إلى أنه يُفْسَخ النكاح بالعيوب وإن اختلفوا في تفاصيل ذلك وفي تعيين العيوب التي بها يُفْسَخُ النكاح (٢). وقد روي عن علي (٣) وعمر (٤).

стр. 5658

وابن عباس (١) أنها لا تردّ النساء إلا بأربعة عيوب: الجنون والجذام والبرص والداء في الفرج. وخالف الناصر (٢) في البرص فلم يجعله عيبًا يردّ به النكاح، والرجل يشارك المرأة في الجنون والجذام والبرص، وتفسخه المرأة بالجبّ والعنة. وذهب بعض الشافعية (٣) إلى أن المرأة تردّ بكل عيب تردّ به الجارية في البيع. ورجحه ابن القيم واحتجّ له في الهدي (٤) بالقياس على البيع. وقال الزهري: يفسخ النكاح بكل داء عضال. وقال أبو حنيفة (٥) وأبو يوسف (٥)، وهو قول للشافعي (٦): إنَّ الزوج لا يردُّ الزوجة بشيءٍ لأنَّ الطلاق بيده، والزوجة لا تردُّه بشيءٍ إلا الجبَّ والعنَّة، وزاد محمدٌ: الجذام والبرص، وزادت الهادوية (٧) على ما سلف: الرقّ وعدم الكفاءة في الرجل أو المرأة، والرتق والعفل والقرن في المرأة، والجبّ والخصاء والسل في الرجل، والكلام مبسوط على العيوب التي يثبت بها الردّ والمقدار المعتبر منها وتعدادها في الكتب الفقهية (٨). ومن أمعن النظر لم يجد في الباب ما يصلح للاستدلال به على الفسخ بالمعنى المذكور عند الفقهاء. أما حديث كعب فلما أسلفنا من كونه غير صريح في محل النزاع لذلك الاحتمال.

стр. 5659

وأما أثر عمر فلما تقرّر من أن قول الصحابي ليس بحجة (١)، نعم حديث بريرة (٢) الذي سلف دليل على ثبوت الفسخ للرقّ إذا عتق، وأما غير ذلك فمحتاج إلى دليل. قوله: (وصداق الرجل على من غره) [قد] (٣) ذهب إلى هذا مالك (٤) وأصحاب الشافعي (٥) والهادوية (٦) فقالوا: إنه يرجع الزوج بالمهر على من غرّر عليه بأن أوهمه أن المرأة لا عيب فيها فانكشف أنها معيبة بأحد تلك العيوب؛ لكن بشرط أن يعلم بذلك العيب لا إذا جهل. وذهب أبو حنيفة (٧) والشافعي (٨) إلى أنه لا رجوع للزوج على أحد لأنه قد لزمه المهر بالمسيس. وقال المؤيد بالله وأبو طالب (٩): إنه يرجع الزوج بالمهر على المرأة، ولا يخفى أن قول عمر لا يصلح للاحتجاج به وتضمين الغير بلا دليل لا يحلّ، فإن كان الفسخ بعد الوطء فقد استوفى الزوج ما في مقابلة المهر فلا يرجع به على أحد، وإن كان قبل الوطء فالرجوع على المرأة أولى لأنه لم يستوف منها ما في مقابلة المهر، ولا سيما على أصل الهادوية لأن الفسخ بعيب من جهة الزوجة ولا شيء لها عندهم فيما كان كذلك. * * *

стр. 5660

[ثانيًا]: أبواب أنكحة الكفار [الباب الأول] باب ذكر أَنكحة الكفار وإقرارهم عليها ١/ ٢٧٢١ - (عَن عُروَةَ: أنَّ عَائِشَةَ أخْبَرَتْهُ أن النِّكاحَ فِي الجاهِلِيَّة كانَ على أربَعَةِ أنْحاء: فَنِكاحٌ مِنْهَا نِكاحُ النّاسِ اليَومَ، يَخْطُبُ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ وَليّتَهُ أوِ ابْنَتَهُ فَيُصْدِقها ثم يَنْكِحُها. وَنِكاحٌ آخَرُ، كانَ الرَّجُلُ يَقول لامْرأتِهِ إِذَا طَهُرَت من طَمْثِها: أرسلي إلى فُلانٍ فاسْتَبْضِعِي مِنْهُ وَيعْتَزِلهَا زَوْجُها وَلَا يَمَسَّها حَتّى يَتَبَيّنَ حَمْلُها من ذلكَ الرجُلِ الَّذِي تَسْتَبضِعُ منْه، فإذَا تَبَيَّن حَمْلُها أصَابَهَا زَوجُها إذَا أحَبّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذلك رَغْبَةً فِي نَجابَةِ الوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكاحُ يُسَمّى نِكاحَ الاسْتِبْضاعِ. وَنِكاحٌ آخَرُ، يَجْتَمِعُ الرّهْط دُونَ العَشَرَة فَيَدْخُلُونَ على المَرأةِ كُلُّهُمْ فَيُصِيبُونَها، فإذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمر لَيالٍ بَعْدَ أن تَضَعَ حَمْلَها أرسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أنْ يَمْتَنِعَ حَتّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَها، فَتَقُول لَهُمْ: قَد عَرَفْتُمُ الّذِي كانَ مِنْ أَمْرِكُمْ وَقَدْ وَلَدْتُ فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ، فَتُسَمِّي مَن أحَبَّت باسمه، فَيُلْحَقُ بِهِ وَلَدُها لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَمْتَنِعَ مِنْهُ الرَّجُلُ. وَنِكاحٌ رَابِعٌ، يَجْتَمِعُ النّاسُ الكَثِير فَيَدْخُلونَ على المَرأةِ لَا تَمْتَنِع مِمّنْ جاءَها، وَهُن البَغايا يَنْصُبْنَ على أبْوَابِهِن الرّاياتِ وَتَكُون عَلَمًا، فَمَنْ أرَادَهُن دَخَلَ عَلَيْهِن، فإذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُن وَوَضَعَتْ جَمَعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهَا القافَة، ثم ألْحَقُوا وَلَدَها بالَّذِي يَرَوْنَ، فالْتَاطَ بِهِ وَدُعِيَ ابْنَه لَا يَمْتَنِعُ مِنْ ذلكَ. فَلَمّا بَعَثَ الله محَمّدًا ﷺ بالحَقّ هَدَمَ نِكاحَ الجاهِلِيَّةِ كُلَّهُ إلَّا نِكَاحَ النّاسِ اليَوْمَ. رَوَاهُ

стр. 5661

البُخارِيُّ (١) وأبُو دَاودَ) (٢). [صحيح] قوله: (أربعة أنحاء) (٣) جمع نحو: أي ضرب وزنًا ومعنًى، ويطلق النحو أيضًا على الجهة والنوع، وعلى العِلْم المعروف اصطلاحًا. قال الداودي (٤) وغيره: بقي عليها أنحاء لم تذكرها. (الأوّل): نكاح الخدن، وهو في قوله تعالى: ﴿وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٥) كانوا يقولون: ما استتر فلا بأس به، وما ظهر فهو لوم. (الثاني): نكاح المتعة وقد تقدم (٦). (الثالث): نكاح البدل، وقد أخرج الدارقطني (٧) من حديث أبي هريرة كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: انزل لي عن امرأتك وأنزل لك عن امرأتي. وإسناده ضعيف جدًّا. قال الحافظ (٨): والأوّل لا يُرَدّ لأنها أرادت ذكر بيان نكاح من لا زوج لها أو من أذن لها زوجها في ذلك. والثاني يحتمل أن لا يردّ لأن الممنوع منه كونه مقدَّرًا بوقتٍ، لا أن عدم الوليّ فيه شرط، وعدم ورود الثالث أظهر من الجميع، انتهى. قوله: (وليته، أو ابنته) التخيير للتنويع لا للشك.

стр. 5662

قوله: (فيُصدقها) بضم أوّله (ثم يَنْكِحُها) أي: يعيِّن صداقها، ويسمِّي مقداره ثم يعقد عليها. قوله: (من طمثها) بفتح الطاء المهملة وسكون الميم، بعدها مثلثة: أي حيضها، وكأنَّ السرَّ في ذلك أن يسرع علوقها منه. قوله: (فاستبضعي منه) بموحدة بعدها ضاد معجمة: أي اطلبي منه المباضعة وهو الجماع. ووقع في رواية الدارقطني (١): "استرضعي" براء بدل الباء الموحدة، قال محمد بن إسحاق الصغانيُّ: الأوّل هو الصواب، والمعنى: اطلبي الجماع منه لتحملي، والمباضعة (٢): المجامعة، مشتقة من البضع وهو الفرج. قوله: (في نجابة الولد) لأنَّهم كانوا يطلبون ذلك من أكابرهم ورؤسائهم في الشجاعة أو الكرم أو غير ذلك. قوله: (فهو ابنُكَ يا فلان) هذا إذا كان الولد ذكرًا، أو تقول: هي ابنتك إذا كانت أنثى. قال في الفتح (٣): لكن يحتمل أن لا يفعل ذلك إلا إذا كان ذكرًا لما عرف من كراهتهم في البنت، وقد كان منهم من يقتل بنته التي يتحقق أنها بنته فضلًا عمن يكون بمثل هذه الصفة. قوله: (عَلَمًا) بفتح اللام: أي علامةً. وأخرج الفاكهي (٤) من طريق ابن أبي مُلَيْكَة قال: تبرَّز عمر بأجياد، فدعا بماءٍ فأتته أمُّ مهزولٍ - وهي من البغايا التسع اللاتي كنَّ في الجاهلية - فقالت: هذا ماءٌ ولكنَّه في إناءٍ لم يدبغ، فقال: هلمَّ فإنَّ الله جعل الماء طهورًا. وروى الدارقطني (٥) أيضًا من طريق مجاهدٍ في قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ

стр. 5663

إِلَّا زَانِيَةً﴾ (١): هنَّ بغايا كنَّ في الجاهلية معلومات، لهنَّ راياتٌ يعرفن بها. ومن طريق عاصم بن المنذر عن عروة مثله، وزاد: كرايات البيطار. وقد ساق هشام بن الكلبيِّ في كتاب المثالب (٢) أسامي صواحبات الرايات في الجاهلية، فسمى منهنَّ أكثر من عشر نسوةٍ مشهورات. قوله: (القافة) (٣) بقاف ثم فاء جمع قائف: وهو الذي يعرف شبه الولد بالوالد بالآثار الخفية. قوله: (فالتاط به) (٤) بالمثناة الفوقية، بعدها طاء مهملة: أي استلحقه، وأصل اللوط: بفتح اللام اللصوق. قوله: (إلا نكاح الناس اليوم) أي الذي بدأتْ بذكره، وهو أن يَخْطُبَ [الرجل فتزوّجه] (٥). وقد احتجَّ بهذا الحديث على اشتراط الوليّ، وتعقب بأن عائشة - وهي الراوية - كانت تجيز النكاح بغير وليّ، ويجاب بأن فعلها ليس بحجة. [الباب الثاني] باب من أسلم وتحته أُختان أَو أكثر من أَربع ٢/ ٢٧٢٢ - (عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ فَيْروزٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أسْلَمْت وَعِنْدِي امْرَأَتَانِ أخْتَانِ، فأَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أنْ أطَلِّقَ إحْدَاهُمَا، رَوَاهُ الخَمْسَة إلا النّسائي (٦). [حسن]

стр. 5664

وفِي لَفْظِ التِّرْمِذِيّ (١): "اخْتَرْ أيّتَهُما شِئْتَ"، وَعَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أسْلَمَ غَيْلان الثَّقَفِيُّ وَتَحْتَهُ عَشْر نِسْوَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّة، فَأَسْلَمْنَ مَعَه، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَخْتارَ مِنْهُنَّ أرْبَعًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وَابْنُ مَاجَهْ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ (٤). [صحيح] وَزَادَ أَحْمَدُ (٥) فِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا كانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ طَلّقَ نِسَاءَهُ وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَ بَنِيه، فَبَلَغَ ذلكَ عُمَرَ، فَقَالَ: إنَّ لأَظُنُّ الشّيْطَانَ فِيما يَسْتَرِقُ مِنَ السَّمْعِ سَمِعَ بِمَوْتِكَ فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِكَ، وَلَعَلَّكَ لَا تَمْكُثُ إلا قَلِيلًا، وَايْم الله لَتُرَاجِعَنَّ نِساءَكَ وَلْتُرْجِعَن مالَكَ أوْ لأوَرّثُهُن مِنْكَ ولَامرَن بِقَبْرِكَ أنْ يُرْجَمَ كما رُجِمَ قَبْرُ أبي رِغَالٍ (٦). قَوْلُهُ: لَتُرَاجِعَن نِسَاءَكَ. دَلِيلٌ على أنَّهُ كانَ رَجْعيًا، وَهُوَ يَدُلُّ على أن
следующие страницы →