← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 5730–5769 · переход к 5735.

стр. 5730

الحديث الأوّل الذي أشار المصنف إليه قد سبق في باب خطبة العيد وأحكامه من كتاب العيدين (١). وحديث علي أخرجه ابن ماجه (٢) بإسناد رجاله رجال الصحيح، وسياقه هكذا: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا وكيع عن هشام الدستوائي عن قتادة عن سعيد بن المسيب عن عليّ، فذكره. وتشهد له أحاديث قد تقدمت في باب حكم ما فيه صورة من الثياب من كتاب اللباس (٣). وحديث ابن عمر أخرجه أيضًا النسائي (٤) والحاكم (٥)، وهو من رواية جعفر بن برقان عن الزهري ولم يسمع منه (٦). وقد أعلّ الحديث بذلك أبو داود والنسائي وأبو حاتم: ولكنه قد روى

стр. 5731

أحمد (١) والنسائي (٢) والترمذي (٣) والحاكم (٤) عن جابر مرفوعًا: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة [تدار] (٥) عليها الخمر". وأخرجه أيضًا الترمذي (٦) من طريق ليث بن أبي سليم عن طاوس عن جابر. وهذا الحديث هو الذي أشار إليه المصنف، وقد حسنه الترمذي (٧)، وقال الحافظ (٨): إسناده جيد. وأما الطريق الأخرى التي انفرد بها الترمذي، فإسنادها ضعيف. وأخرج نحوه البزار (٩) من حديث أبي سعيد والطبراني (١٠) من حديث ابن عباس. وعمران بن حصين (١١). وحديث عمر إسناده ضعيف كما قاله الحافظ في التلخيص (١٢). وأثر أبي أيوب رواه البخاري في [صحيحه (١٣)] (١٤) معلقًا بلفظ: "ودعا ابن

стр. 5732

عمر أبا أيوبَ فرأى في البيت سِتِرًا على الجدار فقال: غلبنا عليه النساء، فقال: من كنت أخشى عليه فلم أكن أخشى عليك، والله لا أطعم لكم طعامًا فرجع"، وقد وصله أحمد في كتاب الورع (١) ومسدد في مسنده (٢) والطبراني (٣). وأثر ابن مسعود قال الحافظ (٤): كذا في رواية المستملي والأصيلي والقابسي. وفي رواية الباقين أبو مسعود، والأوّل تصحيف فيما أظنّ فإني لم أر الأثر المعلق إلا عن أبي مسعود عقبة بن عمرو. وأخرجه البيهقي (٥) من طريق عديّ بن ثابت عن خالد بن سعد عن أبي مسعود وسنده صحيح؛ وخالد بن سعد هو مولى أبي مسعود الأنصاري، ولا أعرف له عن عبد الله بن مسعود رواية. ويحتمل أن يكون ذلك وقع لعبد الله بن مسعود أيضًا لكن لم أقف عليه. وأخرج أحمد في كتاب "الزهد" (٦) من طريق عبد الله بن عتبة قال: "دخل ابن عمر بيت رجل دعاه إلى عرس فإذا بيته قد ستر بالكرور، فقال ابن عمر: يا فلان متى تحوّلت الكعبة في بيتك، ثم قال لنفر معه من أصحاب محمد ﷺ : ليهتك كل رجل ما يليه". وأحاديث الباب وآثاره فيها دليل: على أنَّه لا يجوز الدُّخول في الدعوة يكون فيها منكرٌ مما نهى الله ورسوله عنه لما في ذلك من إظهار الرِّضا بها. قال في الفتح (٧): وحاصله: إنْ كان هناك محرَّمٌ وقدر على إزالته فأزاله فلا بأس، وإن لم يقدر فليرجع، وإن كان مما يكره كراهةَ تنزيه فلا يخفى الورع. قال (٨): وقد فصَّل العلماء في ذلك، فإن كان هناك لهو مما اختلف فيه

стр. 5733

فيجوز الحضور، والأَولى الترك، وإن كان هناك حرام كشرب الخمر نظر، فإن كان المدعوُّ ممَّن إذا حضر رُفع لأجله فليحضر، وإن لم يكن كذلك ففيه للشافعية (١) وجهان: (أحدهما): يحضر وينكر بحسب قدرته، وإن كان الأولى أن لا يحضر. قال البيهقي (٢): وهو ظاهر نصّ الشافعيِّ وعليه جرى العراقيُّون من أصحابه. وقال صاحب الهداية (٣) من الحنفية: لا بأس أن يقعد ويأكل إذا لم يكن يقتدى به، فإن كان ولم يقدر على منعهم فليخرج؛ لما فيه من شين الدين وفتح باب المعصية. وحكي عن أبي حنيفة (٤) أنه قعد، وهو محمولٌ: على أنَّه وقع له ذلك قبل أن يصير منتدى به. قال: هذا كلُّه بعد الحضور، فإن علم قبله لم يلزمه الإجابة. (والوجه الثاني) للشافعية (١): تحريم الحضور لأنه كالرِّضا بالمنكر، وصححه المروزي (٥) فإن لم يعلم حتى حضر فلينههم، فإن لم ينتهوا فليخرج إلا إن خاف على نفسه من ذلك. وعلى ذلك جرى الحنابلة (٦)، وكذا اعتبر المالكية (٧) في وجوب الإجابة إلَّا أن يكون هناك منكر، وكذلك الهادوية (٨). وحكى ابن بطال (٩) وغيره عن مالك: أن الرجل إذا كان من أهل الهيئة لا ينبغي له أن يحضر موضعًا فيه لهو أصلًا، ويؤيد منع الحضور حديث عمران بن حصين: "نهى رسول الله ﷺ عن إجابة طعام الفاسقين"، أخرجه الطبراني في الأوسط (١٠).

стр. 5734

قوله: (فلا يدخل الحمام … إلخ)، قد تقدم الكلام على ذلك في باب ما جاء في دخول الحمام من كتاب الغسل (١). قوله: (فرأى البيت قد ستر)، اختلف العلماء في حكم ستر البيوت والجدران فجزم جمهور الشافعية (٢) بالكراهة. وصرّح الشيخ نصر الدين المقدسي (٣) منهم بالتحريم. واحتج بحديث عائشة عند مسلم (٤) أن النبي ﷺ قال: "إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين، وجذب الستر حتى هتكه"، قال البيهقي (٥): هذه اللفظة تدلّ على كراهة ستر الجدر، وإن كان في بعض ألفاظ الحديث أن المنع كان بسبب الصورة. وقال غيره: ليس في السياق ما يدلّ على التحريم وإنما فيه نفي الأمر بذلك، ونفي الأمر لا يستلزم ثبوت النهي، لكن يمكن أن يحتجّ بفعله ﷺ في هتكه. وقد جاء النهي عن ستر الجدر صريحًا (منها) في حديث ابن عباس عند أبي داود (٦) وغيره: "لا تستروا الجدر بالثياب" وفي إسناده ضعف. وله شاهد مرسل عن عليّ بن الحسين، أخرجه ابن وهب، ثم البيهقي (٧) من طريقه.

стр. 5735

وعند سعيد بن منصور من حديث سلمان موقوفًا أنه أنكر ستر البيت. وقال: "أمحموم بيتكم وتحوّلت الكعبة عندكم؟ ثم قال: لا أدخله حتى يهتك". وأخرج الحاكم (١) والبيهقي (٢) من حديث محمد بن كعب عن عبد الله بن يزيد الخطمي أنه رأى بيتًا مستورًا فقعد وبكى، وذكر حديثًا عن النبيّ ﷺ فيه: "كيف بكم إذا سترتم بيوتكم" الحديث، وأصله في النسائي (٣). [الباب السادس] باب حجة من كره النثار والانتهاب منه ١٩/ ٢٧٦٢ - (عَنْ زيدِ بْنِ خَالِد: أَنَّهُ سَمِعَ النّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنِ النُّهْبَةِ وَالْخِلْسَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤). [حسن لغيره] ٢٠/ ٢٧٦٣ - (وَعَنْ عَبْدِ الله بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيّ: أن رَسُولَ الله ﷺ نَهَى

стр. 5736

عَنْ المِثْلَةَ والنُّهْبَى. رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَالْبُخَارِيُّ (٢) [صحيح] ٢١/ ٢٧٦٤ - (وَعَنْ أنَسٍ أن النّبِي ﷺ قَالَ: "مَنْ انْتَهَبَ فَلَيْس مِنّا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (٤) [صحيح] وَقَدْ سَبَقَ مِنْ حَدِيث عُمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مِثْلَهُ). حديث زيد بن خالد، قال في مجمع الزوائد (٥): أخرجه أحمد (٦) والطبراني (٧)، وفي إسناده رجل لم يسمّ (٨). وحديث عمران تقدم، وتقدم في شرحه الكلام عليه وعلى النثار. والحاصل أن أحاديث النهي عن النهبى ثابتة عن النبيّ ﷺ من طريق جماعة من الصحابة (٩) في الصحيح وغيره، وهي تقتضي تحريم كل انتهاب.

стр. 5737

ومن جملة ذلك انتهاب النثار، ولم يأت ما يصلح لتخصيصه، ولو صح حديث جابر الذي أورده الجويني (١) وصححه، وأورده الغزالي (٢) والقاضي حسين (١) من الشافعية لكان مخصصًا لعموم النهي عن النهبى، ولكنه لم يثبت عند أئمة الحديث المعتبرين، حتى قال الحافظ (٣): إنه لا يوجد ضعيفًا فضلًا عن صحيح. والجويني وإن كان من أكابر العلماء فليس هو من علماء الحديث، وكذلك الغزالي، والقاضي حسين؛ وإنما هم من الفقهاء الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره كما يعرف ذلك من له أنسة بعلم السنة واطلاع على مؤلفات هؤلاء. ولفظ حديث جابر عندهم: "أن النبيّ ﷺ حضر في إملاك فأتي بأطباق فيها جوز ولوز فنثرت، فقبضنا أيدينا فقال: ما لكم لا تأخذون؟ فقالوا: إنك نهيت عن النهبى، فقال: إنما نهيتكم عن نهبى العساكر، خذوا على اسم الله فتجاذبناه"، ولكنه قد روي هذا الحديث البيهقي (٤) من حديث معاذ بن جبل بإسناد ضعيف منقطع. ورواه الطبراني (٥) من حديث عائشة عن معاذ، وفيه بشر بن إبراهيم

стр. 5738

[المفلوج] (١)، قال ابن عديّ (٢): هو عندي ممن يضع الحديث، وساقه العقيلي (٣) من طريقه ثم قال: لا يثبت في الباب شيء. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات (٤). ورواه (٥) أيضًا من حديث أنس، وفي إسناده خالد بن إسماعيل، قال ابن عديّ (٦): يضع الحديث، وقال غيره: كذّاب. وقد روي ابن أبي شيبة في مصنفه (٧) عن الحسن والشعبي أنهما كانا لا يريان به بأسًا. وأخرج (٨) كراهيته عن ابن مسعود وإبراهيم النخعي وعكرمة.

стр. 5739

قال في البحر (١): فصل: والنثار - بضم النون وكسرها -: ما ينثر في النكاح أو غيره. مسألة: (الحسن البصري) (٢)، ثم (القاسم (٣)، وأبو حنيفة (٤)، وأبو عبيد (٥)، وابن المنذر (٤) من أصحاب الشافعي) وهو مباح إذ ما نثره مالكه [إلَّا أباحه] (٦). (الإمام يحيى) (٦): ولا قول للهادي فيه ولا نصًا ولا تخريجًا. (عطاء (٧) وعكرمة (٨)، وابن أبي ليلى (٩)، وابن شبرمة)، ثم (الشافعي (١٠) ومالك) (١١): بل يكره لمنافاته المروءة والوقار. (الصيمري) (١٢): يندب ويكره الانتهاب لذلك. قلت: الأقرب ندبهما لخبر جابر (١٣)، انتهى. وقد تقدم في باب من أذن في انتهاب أضحيته من أبواب الضحايا (١٤) حديث جعله المصنف حجة لمن رخص في النثار.

стр. 5740

[الباب السابع] باب ما جاءَ في إجابة دعوة الختان ٢٢/ ٢٧٦٥ - (عَنِ الحَسَن قالَ: دُعِيَ عُثْمانُ بْنُ أبي العاص إلى خِتانٍ فأَبى أنْ يُجِيبَ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: إنّا كُنَّا لا نأتِي الخِتانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَلَا نُدْعَى لَهُ. رَوَاهُ أَحْمَد (١) [إسناده ضعيف] الأثر هو في مسند أحمد (١) بإسناد لا مطعن فيه إلا أن فيه ابن إسحاق وهو ثقة ولكنه مدلس. وقد أخرجه الطبراني في الكبير (٢) بإسناد أحمد، وأخرجه (٣) أيضًا بإسناد آخر فيه حمزة العطار، وثقه ابن أبي حاتم (٤) وضعفه غيره. وقد استدلّ به على عدم مشروعية إجابة وليمة الختان لقوله: "كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله ﷺ "، وقد قدمنا أن مذهب الجمهور (٥) من الصحابة والتابعين، وجوب الإجابة إلى سائر الولائم. وهي - على ما ذكره القاضي عياض (٦) والنووي (٧) - ثمانٌ: الأعذار بعين مهملة وذال معجمة للختان.

стр. 5741

والعقيقة للولادة. والخُرْس بضم المعجمة وسكون الراء بعدها السين المهملة لسلامة المرأة من الطلق، وقيل: هو طعام الولادة. والعقيقة: مختصٌّ بيوم السابع. والنقيعة: لقدوم المسافر، مشتقةٌ من النقع وهو الغبار. والوكيرة: للمسكن المتجدد، مأخوذٌ من الوكر وهو المأوى والمستقرّ. والوضيمة: بضاد معجمة: لما يتخذ عند المصيبة. والمأدبة: لما يتخذ بلا سبب ودالها مضمومة ويجوز فتحها، انتهى (١). وقد زيد وليمة الإملاك وهو التزوُّج، ووليمة الدخول وهو العرس وقلّ من غاير بينهما. ومن الولائم: الإحذاق بكسر الهمزة وسكون المهملة وتخفيف الذال المعجمة وآخره قاف: الطعام الذي يتخذ عند حذق الصبيّ، ذكره ابن الصباغ في الشامل (٢)، وقال ابن الرفعة (٣): هو الذي يصنع عند ختم القرآن. وذكر المحاملي (٤) في الولائم: العتيرة بفتح المهملة ثم مثناة مكسورة: وهي شاة تذبح في أوّل رجب.

стр. 5742

وتعقب بأنها في معنى الأضحية فلا معنى لذكرها مع الولائم. قيل: ومن جملة الولائم تحفة الزائر. [الباب الثامن] باب الدف واللهو في النكاح ٢٣/ ٢٧٦٦ - (عَنْ مُحَمَّدٍ بن حاطبٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فَصْل ما بَيْنَ الحَلال والحَرَام الدُّف وَالصوْت فِي النِّكاح"، رَوَاهُ الخمسةُ إلا أبا دَاوُدَ (١) [حسن] ٢٤/ ٢٧٦٧ - (وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ النّبِيّ ﷺ قَالَ: "أَعْلِنُوا هَذَا النِّكاحَ وَاضْربوا عَلَيْهِ بالغرْبال"، رَوَاهُ ابْن ماجَه (٢) [ضعيف دون الشطر الأول فهو حسن] ٢٥/ ٢٧٦٨ - (وَعَنْ عَائِشَةَ: أنها زَفَّت امْرَأةً إلى رجلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ النّبِيّ ﷺ : "يَا عَائِشَةَ مَا كَانَ مَعَكُمْ مِنْ لَهْوٍ، فإن الْأنصَارَ يُعْجبُهم اللهو"، رَوَاهُ أَحْمَدَ (٣) وَالْبُخَارِيُّ (٤) [صحيح]

стр. 5743

٢٦/ ٢٧٦٩ - (وَعَنْ عَمْرو بْنِ يَحْيَى المَازِني عَنْ جَدّهِ أبي حَسَنٍ: أَنَّ النَّبِيّ ﷺ كانَ يَكْرَهُ نكاحَ السِّرّ حَتى يُضْرَبَ بدفّ وَيقال: أَتَيْناكمْ أتَيْناكمْ، فَحَيُّونا نُحَيّيكمْ. رَوَاهُ عَبْدُ الله بْن أَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ (١) [ضعيف جدًّا] ٢٧/ ٢٧٧٠ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أنْكَحَتْ عائشَةُ ذَاتَ قَرَابةٍ لَهَا منَ الْأَنْصَارِ، فَجَاءَ رَسول الله ﷺ فَقَالَ: "أَهْدَيْتُم الفَتاةَ؟ "، قالوا: نَعَمْ، قَالَ: "أرْسَلْتُمْ مَعَهَا مَنْ يُغَنَي؟ "، قالَتْ: لا، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إن الأنصَارَ قَوْم فِيهم غَزَل، فَلَوْ بَعَثتُمْ مَعَهَا مَنْ يَقُول: أتيْناكُمْ أتيْنَاكُمْ فَحيّانا وَحيّاكم"، رَوَاهُ ابْن ماجَه (٢) [ضعيف] ٢٨/ ٢٧٧١ - (وَعَنْ خالِدِ بْنِ ذَكْوَانَ عَنِ الرُّبَيِّع بِنْتِ معَوّذٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ بُنِي عَليَّ، فَجَلَسَ على فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي وَجُوَيْرَات يَضْرِبْنَ بالدُّفِّ يَنْدِبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائي يَوْمَ بَدْرٍ، حَتّى قَالَتْ إحْدَاهُنَّ: وَفِينا نَبِيٌّ يَعْلَم ما فِي غَدٍ، فَقَالَ النّبِيُّ ﷺ : "لَا تَقُولي هَكَذَا وَقُولي كَما كُنْتِ تَقُولِينَ"، رَوَاهُ الْجَمَاعَة إلا مسْلِمًا وَالنّسائي (٣) [صحيح]

стр. 5744

حديث محمد بن حاطب حسَّنه الترمذي (١). قال: ومحمد بن حاطب قد رأى النبيّ ﷺ وهو صغيرٌ، وأخرجه الحاكم (٢). وحديث عائشة في إسناده خالد بن إلياس وهو متروك (٣). وقد أخرجه أيضًا الترمذي (٤) بلفظ: قال رسول الله ﷺ : "أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف"، قال الترمذي (٥): هذا حديث غريبٌ، وعيسى بن ميمون الأنصاري يضعف في الحديث، وعيسى بن ميمون الذي يروي عن أبي نجيح هو ثقة، انتهى. وقد روى الترمذي هذا الحديث من طريق الأوّل، وأخرجه أيضًا البيهقي (٦) وفي إسناده خالد بن إلياس وهو منكر الحديث (٣). وحديث عمرو بن يحيى في إسناده [الحسين] (٧) بن عبد الله بن ضميرة قال في مجمع الزوائد (٨): وهو متروك ويشهد له حديث ابن عباس (٩) المذكور وحديث ابن عباس سياقه في سنن ابن ماجه (١٠) هكذا، حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا جعفر بن عون، أخبرنا الأجلح عن أبي الزبير عن ابن عباس، فذكره.

стр. 5745

والأجلح وثقه ابن معين والعجلي وضعفه النسائي، وبقية رجال، الإسناد رجال الصحيح. وأخرجه أيضًا الطبراني (١) وأبو الشيخ. وفي الباب عن عامر بن سعد قال: دخلت على قرظة بن كعب وأبي مسعود الأنصاري في عرس "وإذا جوار يغنين، فقلت: أي صاحبي رسول الله ﷺ أهل بدر يفعل هذا عندكم، فقالا: اجلس إن شئت فاستمع معنا، وإن شئت فاذهب، فإنه قد رخص لنا اللهو عند العرس"، أخرجه النسائي (٢) والحاكم (٣) وصححه. وأخرج الطبراني (٤) من حديث السائب بن يزيد: "أن النبيّ ﷺ رخص في ذلك". قوله: (الدفّ والصوت) أي ضرب الدفّ (٥) ورفع الصوت. وفي ذلك دليل على أنه يجوز في النكاح ضرب الأدفاف ورفع الأصوات بشيء من الكلام نحو: أتيناكم أتيناكم ونحوه، لا بالأغاني المهيجة للشرور المشتملة على وصف الجمال والفجور ومعاقرة الخمور، فإن ذلك يحرم في النكاح كما يحرم في غيره (٦)،

стр. 5746

وكذلك سائر الملاهي المحرّمة (١). قال في البحر (٢): الأكثر وما يحرم من الملاهي في غير النكاح يحرم فيه لعموم النهي. (النخعي (٣) وغيره): يباح في النكاح لقوله ﷺ : "واضربوا عليه بالدفوف" (٤)، فيقاس المزمار وغيره. قال: قلنا: هذا لا ينافي عموم قوله ﷺ : "إنما نهيت عن صوتين أحمقين" (٥) الخبر ونحوه فيحمل على ضربة غير ملهية. قال الإمام يحيى (٦): دفُّ الملاهي مدوَّر جلده من رقِّ أبيض ناعم، في عرضه سلاسل يسمى الطار، له صوت يطرب لحلاوة نغمته، وهذا الإِشكال في تحريمه وتعلُّق النَّهيِ به. وأما دفُّ العرب، فهو على شكل الغربال، خلا أنه لا خروق فيه، وطوله إلى أربعة أشبار، فهو الذي أراده ﷺ لأنه المعهود حينئذٍ.

стр. 5747

وقد حكى أبو طالب (١) عن الهادي أنه محرّم أيضًا إذ هو آلة لهو. وحكى المؤيد بالله (٢) عن الهادي أنه يكره فقط وهو الذي في الأحكام. وقال أبو العباس (٣) وأبو حنيفة (٤) وأصحابه: بل مباحٌ لقوله ﷺ : "واضربوا عليه بالدفوف" (٥)، وهذا هو الظاهر للأحاديث المذكورة في الباب بل لا يبعد أن يكون ذلك مندوبًا، لأن ذلك أقل ما يقيده الأمر في قوله: "أعلنوا هذا النكاح" (٦) الحديث، وبؤيد ذلك ما في حديث المازني المذكور (٧): "أن النبيَّ ﷺ كان يكره [نكاح] (٨) السرّ حتى يضرب بدفّ". قوله: (ما كان معكم لهو)، قال في الفتح (٩) في رواية شريك: "فقال: فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدُّفّ وتغنّي؟ قلتُ: تقولُ ماذا؟ قال: تقول: أَتَيْنَاكُمْ أتيناكُمْ … فَحيانَا وَحيَّاكُم ولولا الذَّهبُ الأحَـ … ـــمَرُ ما حَلَّتْ بوادِيكُم وَلولا الحِنْطَةُ السمرَاءُ … ما سَمِنَتْ عَذاريكُم قوله: (بُنِي عَليَّ) أي: تُزُوِّج بي. قوله: (كمجلسك) بكسر اللام، أي: مكانك. قال الكرماني (١٠): هو محمول على أن ذلك كان من وراء حجاب، أو كان قبل نزول آية الحجاب أو عند الأمن من الفتنة. قال الحافظ (١١): والذي صحّ لنا بالأدلة القوية أن من خصائصه ﷺ جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها. قال الكرماني (١٢): ويجوز أن تكون الرواية: كمجلسك، بفتح اللام.

стр. 5748

قوله: (يندبن) من الندبة بضم النون: وهي ذكر أوصاف الميت بالثناء عليه. قال المهلب (١): وفي هذا الحديث إعلان النكاح بالدفّ وبالغناء المباح، وفيه إقبال الإمام إلى العرس وإن كان فيه لهو ما لم يخرج عن حدّ المباح، وسيأتي الكلام في الغناء وآلات الملاهي مبسوطًا في أبواب السبق (٢) إن شاء الله [تعالى] (٣). [الباب التاسع] باب الأوقات التي يستحب فيها البناء على النساء وما يقول إذا زفت إليه ٢٩/ ٢٧٧٢ - (عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسول الله ﷺ فِي شَوال وَبَنَى بي فِي شَوَّال، فأيُّ نِساء رَسول الله ﷺ كانَ أحْظَى عِنْدَه مِنِّي، وكانَتْ عائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أَنْ تَدخلَ نِساؤُها فِي شَوَّالٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وَمُسْلِم (٥) وَالنّسائيُّ (٦) [صحيح] ٣٠/ ٢٧٧٣ - (وَعَنْ عَمْرو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه عَن النّبِيّ ﷺ قَالَ: "إِذَا أفَادَ أَحَدُكُمْ امْرَأةً أوْ خَادِمًا أَوْ دَابّةً فَلْياخذْ بِناصِيَتِها وَلْيَقُلْ: اللَّهُم إني أسألكَ مِنْ خَيرِها وَخَيْر ما جَبَلْتَها عَلَيْهِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ شَرها وَشَرّ مَا جَبَلْتَها عَلَيْهِ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (٧) وأبو دَاوُدَ (٨) بِمَعْنَاهُ). [حسن]

стр. 5749

حديث عمرو بن شعيب أخرجه أيضًا النسائي (١) وسكت عنه أبو داود (٢)، ورجال إسناده إلى عمرو بن شعيب ثقات. وقد تقدم اختلاف الأئمة في حديث عمرو بن شعيب، ولفظه في سنن أبي داود (٢): "إذا تزوَّج أحدكم امرأة أو اشترى خادمًا فليقل: اللَّهمّ إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشرّ ما جبلتها عليه"، وإذا اشترى بعيرًا فليأخذ بذروة سنامه وليقل مثل ذلك. وفي رواية (٣): "ثم ليأخذ بناصيتهما" - يعني المرأة والخادم - "وليدع بالبركة". واستدلّ المصنف بحديث عائشة (٤) على استحباب البناء بالمرأة في شوّال، وهو إنما يدلّ على ذلك إذا تبين أن النبيّ ﷺ قصد ذلك الوقت لخصوصية له لا توجد في غيره، لا إذا كان وقوع ذلك منه ﷺ على طريق الاتفاق وكونه بعض أجزاء الزمان، فإنه لا يدلّ على الاستحباب لأنه حكم شرعي يحتاج إلى دليل وقد تزوّج ﷺ بنسائه في أوقات مختلفة على حسب الاتفاق ولم يتحر وقتًا مخصوصًا، ولو كان مجرّد الوقوع يفيد الاستحباب لكان كل وقت من الأوقات التي تزوّج فيها [النبيّ] (٥) ﷺ يستحب البناء فيه وهو غير مسلّم.

стр. 5750

والحديث الثاني (١) فيه استحباب الدعاء بما تضمنه الحديث عند تزوّج المرأة وملك الخادم والدابة، وهو دعاء جامع لأنه إذا لقي الإنسان الخير من زوجته أو خادمه أو دابته وجنب الشرّ عن تلك الأمور كان في ذلك جلب النفع واندفاع الضرر. قوله: (وإذا أفاد أحدكم) قال في القاموس (٢): أفدت المال: استفدته وأعطيته، انتهى. والمراد هنا الأوّل. [الباب العاشر] باب ما يكره من تزين النساء به وما لا يكره ٣١/ ٢٧٧٤ - (عَنْ أسمَاءَ بِنْتِ أَبي بَكْرٍ قَالَتْ: أتَتِ النّبي ﷺ امْرأةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله إنَّ لي ابنة عُرَيِّسًا، وَإِنَّهُ أصَابَها حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ شَعْرُها أفأصِلهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَعَنَ الله الوَاصِلَةَ وَالمسْتَوْصَلَة" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] وَمَتّفَقٌ على (٤) مِثْلِهِ من حَدِيثِ عَائَشَةَ). [صحيح] ٣٢/ ٢٧٧٥ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَعَنَ الْوَاصِلَةَ وَالْمسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمسْتَوْشِمَةَ) (٥). [صحيح] ٣٣/ ٢٧٧٦ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنّهُ قَالَ: لَعَنَ الله الوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ للحُسْنِ المُغَيِّرَاتِ خَلْقَ الله تعالى، وَقَالَ: ما لِي لا ألْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٦) [صحيح]

стр. 5751

٣٤/ ٢٧٧٧ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ أنّهُ قَالَ، وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعَرٍ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذه وَيَقُولُ: "إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِساؤهمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ) (١). [صحيح] ٣٥/ ٢٧٧٨ - (وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أيُّمَا امْرَأةٍ أدْخَلَتْ في شَعْرِهَا مِنْ شَعْرِ غَيْرِهَا فَإنَّمَا تُدْخِلُهُ زُورًا"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢). وَفِي لَفْظٍ: "أَيُّمَا امْرأةٍ زَادَتْ فِي شَعْرِهَا شَعْرًا لَيْسَ مِنْهُ، فَإنّهُ زُورٌ تَزِيدُ فِيهِ"، رَوَاهُ النّسائيُّ (٣) وَمَعْنَاهُ مُتّفَق عَلَيْهِ) (٤). [صحيح] ٣٦/ ٢٧٧٩ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَنْهَى عَنِ النَّامِصَةِ وَالْوَاشِرَةِ وَالْوَاصِلَةِ وَالْوَاشِمَةِ إلّا مِنْ دَاءٍ) (٥). [حسن] ٣٧/ ٢٧٨٠ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْعَن القاشِرَةَ وَالْمَقْشُورَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمَوْشُومَةَ، وَالْوَاصِلَةَ وَالْمَوْصُولَةَ. رَوَاهُمَا أَحْمَدَ) (٦). [صحيح دون قوله: "لعن القاشرة والمنشورة"] وَالنَّامِصَةَ: نَاتِفَة الشّعْرِ مِنَ الْوَجْهِ. وَالْوَاشِرَة: الَّتِي تَشِر الأسْنَانَ حتّى يكُونَ لَهَا أشْرٌ، أي: تَحَدُّدٌ وَرِقّةٌ تَفْعَلُه المَرأة الكَبِيرَة تتَشَبّه بالحَدِيثَةِ السِّنِّ. وَالْوَاشِمَةُ: الّتي تَغْرِزُ مِنَ اليَدِ بِإِبْرَةٍ ظَهْرِ الكَفّ وَالْمِعْصَم، ثُمَّ تحتشي بالكُحْلِ أوْ بالنَّئُورِ: وَهُوَ دُخانُ الشَّحْمِ حتّى يَخْضَر.

стр. 5752

[وَالْمُتَنْمِصَةُ] (١) وَالْمُؤتَشِرَةُ وَالْمُسْتَوْشِمَةُ: اللَّاتي يُفْعَلُ بِهِن ذلكَ بإذْنِهِنّ. وأمّا القاشِرَةُ وَالْمَقْشُورَةُ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: نَرَاهُ أرَادَ هَذِهِ الْغَمْرَةَ الّتِي يُعالِجُ بِهَا النِّساءُ وُجُوهَهُنَّ حتّى يَنْسَحِقَ أَعْلَى الجِلْدِ وَيَبْدُو ما تَحْتَهُ مِنَ الْبَشَرَةِ، وَهُوَ شَبِيهْ بِما جاءَ فِي النّامِصَةِ). حديث عائشة الثاني قال في مجمع الزوائد (٢): وفيه من لم أعرفه من النساء. وفي الباب عن ابن عباس قال: "لعنت الواصلة والمستوصلة، والنامصة [والمتنمصة] (١)، والواشمة والمستوشمة من غير داء"، أخرجه أبو داود (٣). وعن جابر عند مسلم (٤): "زجر رسول الله ﷺ المرأة أن تصل شعرها بشيء". وعن معقل بن يسار عند أحمد (٥) والطبراني (٦). وعن أبي أمامة عند الطبراني (٧) بإسناد صحيح. وعن ابن عباس أيضًا حديث آخر عند الطبراني (٨). قوله: (عُرَيِّسًا) (٩) بضم العين المهملة وفتح الراء وتشديد الياء المكسورة تصغير عروس، والعروس يقع على المرأة والرجل في وقت الدخول.

стр. 5753

قوله: (حَصْبة) (١) بفتح الحاء وإسكان الصاد المهملتين، ويقال أيضًا: بفتح الصاد وكسرها ثلاث لغات حكاهنّ جماعة، والإسكان أشهر: وهي بُثَرٌ تخرج في الجلد، تقول منه: حَصِبَ جلده، - بكسر الصاد - يحصب. قوله: (فتمرَّق) (٢) بالراء المهملة بمعنى تساقط، هكذا حكى القاضي عياض في "المشارق" (٣) عن جمهور الرواة، وحكي عن جماعة من رواة صحيح مُسلم أنه بالزاي. قال: وهذا وإن كان قريبًا من معنى الأوّل ولكنه لا يستعمل في الشعر في حال المرض. قوله: (الواصلة) هي التي تصل شعر امرأة بشعر امرأة أخرى ليكثر به شعر المرأة. والمستوصلة: هي التي تستدعي أن يفعل بها ذلك، ويقال لها: موصولة، كما في الرواية الأخرى. والواشمة: فاعلة الوشم: وهو أن تغرز في ظهر الكفّ أو المعصم أو الشفة حتى يسيل الدم ثم يحشى ذلك الموضع بالكحل أو النئور فيخضرّ ذلك الموضع وهو مما تستحسنه الفساق. والنَّئُور الذي ذكره المصنف، قال في القاموس (٤): كصبور: وهو دخان الشحم كما ذكر، وقد يطلق على أشياء أخر كما في القاموس (٥)، وقد يكون الوشم بدارات ونقوش، وقد يكثر وقد يقلّل، والوصل حرام لأن اللعن لا يكون على أمر غير محرّم. قال النووي (٦): وهذا هو الظاهر المختار. قال (٧): وقد فصله أصحابنا فقالوا: إن وصلت شعرها بشعر آدمي فهو حرام بلا خلاف، وسواء كان شعر رجل أو امرأة، وسواءٌ شعر المَحْرَمِ والزوج [و] (٨) غيرهما بلا خلاف لعموم الأدلة.

стр. 5754

ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه، وإن وصلته بشعر غير آدمي فإن كان شعرًا نجسًا وهو شعر الميتة وشعر ما لا يؤكل لحمه إذا انفصل في حياته فهو حرام أيضًا للحديث. ولأنه حمل نجاسة في صلاتها وغيرها عمدًا، وسواء في هذين النوعين المزوّجة وغيرها من النساء والرجال. وأما الشَّعْرُ الطَّاهر من غير الآدميِّ فإن لم يكن لها زوجٌ ولا سيِّد فهو حرامٌ أيضًا، وإن كان فثلاثة أوجه: (أحدها): لا يجوز لظاهر الأحاديث. (والثاني): يجوز، (وأصحها عندهم) إن فعلته بإذن الزوج أو السيد جاز وإلا فهو حرام، انتهى. وقال القاضي عياض (١): اختلف العلماء في المسألة، فقال مالك والطبري وكثيرون أو الأكثرون: الوصل ممنوع بكل شيء، سواء وصلته بشعر أو صوف أو خرق. واحتجوا بحديث جابر (٢): "أن النبيّ ﷺ زجر أن تصل المرأة برأسها شيئًا". وقال الليث بن سعد: النهي مختصّ بالوصل بالشعر، ولا بأس بوصله بصوف وخرق وغيرهما. وقال الإمام المهدي (٣): إن وصل شعر النساء بشعر الغنم لا وجه لتحريمه. ويرده عموم حديث جابر (٢) المذكور فإنه شامل للشعر والصوف والوبر وغيرها. وحكى النووي (٤) عن عائشة أنه يجوز الوصل مطلقًا. قال (٥): ولا يصحّ عنها بل الصحيح عنها كقول الجمهور. قال القاضي عياض (٦): فأما ربط خيوط الحرير الملوّنة ونحوها ما لا يشبه

стр. 5755

الشعر فليس بمنهيّ عنه لأنه ليس بوصل ولا هو في معنى مقصود الوصل، وإنما هو للتجمل والتحسين. ويجاب بأن تخصيص عموم حديث جابر (١) لا يكون إلا بدليل، فما هو؟ وذهبت الهادوية (٢) إلى جواز الوصل بشعر المَحْرَم. ويجاب بأنَّ تحريم مطلق الوصل يستلزم تحريم الوصل بشعر المحرم. وكذلك عموم حديث جابر (١) وحديث معاوية (٣). وقال الإمام يحيى (٤): إنما يحرم على غير ذوات الأزواج. ويجاب عنه بحديث أسماء المذكور؛ فإنَّه مصرِّحٌ بأنَّ الوصل فيه للعروس، ولم يجزه ﷺ . وأما الوشم فهو حرامٌ أيضًا لما تقدم. قال أصحاب الشافعي (٥): هذا الموضع الذي وشم يصير نجسًا، فإن أمكن إزالته بالعلاج وجب إزالته، وإن لم يُمكن إلا بالجرح، فإن خافت منه التلف، أو فوات عضو، أو منفعته، أو شيئًا فاحشًا في عضوٍ ظاهر لم تجب إزالته، وإذا تابت لم يبق عليها إثم، وإن لم تَخَفْ شيئًا من ذلك ونحوه لزمها إزالته، وتعصي بتأخيره وسواءٌ في هذا كلِّه الرَّجل والمرأة. قوله: (والمتنمصات) (٦) بالتاء الفوقية، ثم النُّون، ثم الصَّاد المهملة: جمع متنمصة، وهي التي تستدْعي نتف الشعر من وجهها، ويروى بتقديم النون على التاء. قال النووي (٧): والمشهور تأخيرها، والنامصة: المزيلةُ له من نفسها أو من غيرها وهو حرامٌ. قال النووي (٧) وغيره: إلا إذا نبت للمرأة لحيةٌ، أو شواربُ فلا تحرم إزالتها بل تستحبُّ.

стр. 5756

وقال ابن جرير (١): لا يجوز حلق لحيتها ولا عنفقتها ولا شاربها. قوله: (والمتفلجات) بالفاء والجيم جمع متفلجة، وهي التي تبرد ما بين أسنانها الثنايا والرباعيات، وهو من الفلج - بفتح الفاء واللام -: وهو الفرجة بين الثنايا والرباعيات، تفعل ذلك العجوز ومن قاربها في السنِّ إظهارًا للصغر، وحسن الأسنان، لأنَّ هذه الفرجة اللطيفة بين الأسنان تكون للبنات الصغائر، فإذا عجزت المرأة كبرت سنها فتبردها بالمبرد لتصير لطيفة حسنة المنظر وتوهم كونها صغيرة. قال النووي (٢): ويقال له: الوشر، وهذا الفعل حرامٌ على الفاعلة والمفعول بها. قوله: (قُصَّة) (٣) بضم القاف، وتشديد الصاد المهملة، وهو: القطعة من الشعر، من قصصت الشعر: أي قطعته. قال الأصمعي (٤) وغيره (٥): هو شعر ومقدم الرأس المقبل على الجبهة. وقيل: شعر الناصية. قوله: (عن مثل هذه) أي عن التزين بمثل هذه القصة من الشعر. قوله: (إنما هلكت بنو إسرائيل … إلخ) هذا تهديدٌ شديدٌ؛ لأنَّ كون مثل هذا الذنب كان سببًا لهلاك مثل تلك الأمة يدلّ على أنه من أشدِّ الذنوب. قال القاضي عياض (٦): قيل: يحتمل أنه كان محرَّمًا عليهم فعوقبوا باستعماله وهلكوا بسببه.

стр. 5757

وقيل: يحتمل أنَّ ذلك الهلاك كان به وبغيره مما ارتكبوه من المعاصي، فعند ظهور ذلك فيهم هلكوا، وفيه معاقبة العامة بظهور المنكر، انتهى. قوله: (إلا من داء) ظاهره أن التحريم المذكور إنما هو فيما إذا كان لقصد التحسين لا لداء وعلة فإنه ليس بمحرم، وظاهر قوله: "المغيرات خلق الله" أنه لا يجوز تغيير شيء من الخلقة عن الصفة التي هي عليها. قال أبو جعفر (١) الطبري: في هذا الحديث دليل على أنه لا يجوز تغيير شيء مما خلق الله المرأة عليه بزيادةٍ أو نقصٍ، التماسًا للتحسين لزوج أو غيره، كما لو كان لها سنٌّ زائدةٌ، أو عضو زائدٌ فلا يجوز لها قطعه، ولا نزعه: لأنَّه من تغيير خلق الله، وهكذا لو كان لها أسنانٌ طوالٌ فأرادت تقطيع أطرافها. وهكذا قال القاضي عياض (٢) وزاد: إلا أن تكون هذه الزوائد مؤلمةً وتتضرَّر بها فلا بأس بنزعها، قيل: وهذا إنما هو في التغيير الذي يكون باقيًا، فأما ما لا يكون باقيًا كالكحل ونحوه من الخضابات فقد أجازه مالك وغيره من العلماء. قوله: (هذه الغمرة) بفتح الغين المعجمة وسكون الميم بعدها راء: طلاء من الورس. وفي القاموس (٣): في مادة الغمر، وبالضم: الزعفران كالغمرة. ٣٨/ ٢٧٨١ - (وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كانَتْ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ تَخْضُبُ وَتَطَيّبُ، فَتَرَكَتْهُ فَدَخَلَتْ عَلَيَّ، فَقُلْت: أَمَشْهَدٌ أمْ مُغِيبٌ؟ فَقَالَتْ: مَشْهَدٌ، قَالَتْ: عُثْمَانُ لا يُرِيدُ الدّنْيَا وَلَا يُرِيدُ النِّساءَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ الله ﷺ فأخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَلَقِيَ عُثْمَانَ فَقَالَ: "يَا عُثْمَانُ تُؤْمِنُ بِمَا نُؤْمِنُ بِهِ؟ "، قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "فَأُسْوَةٌ ما لَكَ بِنَا") (٤). [صحيح لغيره]

стр. 5758

٣٩/ ٢٧٨٢ - (وَعَنْ كَرِيمَةَ بِنْتِ هَمَّامِ قَالَتْ: دَخَلْتُ المَسْجِدَ الحَرَامَ فأخْلَوْهُ لِعَائِشَةَ فَسأَلَتْهَا امْرأةٌ: ما تَقُولِينَ يَا أمّ المُؤمِنِينَ فِي الحِنّاءِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ حَبِيبِي ﷺ يُعْجِبهُ لَوْنُه وَيَكْرَهُ رِيحَهُ، وَلَيْسَ بِمُحَرّمٍ عَلَيْكُنَّ بَيْنَ كُلّ حَيْضَتَيْنِ، أَوْ عِنْدَ كُلّ حَيْضَةٍ. رَوَاهمَا أحْمَد (١). [ضعيف] ٤٠/ ٢٧٨٣ - (وَعَنْ [أَنَسٍ] (٢) قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّساء بالرِّجَالِ (٣). [صحيح] وَفِي رِوَايَةٍ: لَعَنَ رَسُولُ الله ﷺ المُخَنَّثِينَ مِنَ الرّجالِ، وَالمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّساءِ، وَقَالَ: "أخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتكُم"، فَأخْرَجَ النّبِيّ ﷺ فُلانَةٌ، وأخْرَجَ عُمَرُ فُلانًا (٤). رَوَاهُمَا أحْمَدُ وَالْبُخَارِي). [صحيح] حديث عائشة الأوّل أخرجه أحمد (٥) من طرق مختلفة متعدّدة، هذه المذكورة هنا أحدها. قال في مجمع الزوائد (٦): وأسانيد أحمد رجالها ثقات. وقد تقدم ما يشهد له أوّل كتاب النكاح.

стр. 5759

وحديثها الثاني أيضًا تقدم ما يشهد له في كتاب الطهارة. قوله: (أمشهدٌ أم مغيبٌ)، أي: أزوجُكِ شاهدٌ أم غائب؟ والمراد: أن ترك الخضاب والطيب إنْ كان لأجل غيبة الزوج فذاك، وإن كان لأمرٍ آخر مع حضوره فما هو؟ فأخبرتها: أن زوجها لا حاجة له بالنساء، فهي في حكم من لا زوج لها. واستنكار عائشة عليها ترك الخضاب والطيب يشعر بأن ذوات الأزواج يحسن منهنَّ التزين للأزواج بذلك. وكذلك قوله في الحديث الآخر: "وليس بمحرَّم عَليكنَّ بين كل حيضتين"، يدلُّ على أنه لا بأس بالاختضاب بالحناء، وقد تقدم الكلام في الخضاب في الطهارة (١). وقد ذكر في البحر (٢) أنه يستحبّ الخضاب للنساء. قوله: (لعن الله المتشبهين من الرجال … إلخ)، فيه دليل على أنه يحرم على الرجال التشبه بالنساء، وعلى النساء التشبه بالرجال في الكلام واللباس والمشي وغير ذلك، والمترجلات من النساء: المتشبهات بالرجال. وقد تقدم الكلام على المخنثين ضبطًا وتفسيرًا، وذكر من أخرجه النبي ﷺ [منهم] (٣). وقد أخرج أبو داود (٤) من حديث أبي هريرة قال: "أُتي رسول الله ﷺ بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء، فقال رسول الله ﷺ : ما بال هذا؟ قالوا: يتشبه بالنساء، فأمر به فنفي إلى النفيع - بالنون - فقيل: يا رسول الله ألا تقتله، فقال: إني نهيت أن أقتل المصلين". وروى البيهقي (٥) أن أبا بكر أخرج مخنثًا، وأخرج عمر واحدًا.

стр. 5760

وأخرج الطبراني (١) من حديث واثلة بن الأسقع: "أن النبيّ ﷺ خرج الخنيث". [الباب الحادي عشر] باب التسمية والتستر عند الجماع ٤١/ ٢٧٨٤ - (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أتى أهْلَهُ قَالَ: بِسْمِ الله، اللَّهُم جَنِّبْنا الشَّيْطان وجنِّبِ الشيطانَ ما رَزَقْتَنَا، فإنْ قُدّرَ بَيْنَهُما فِي ذلكَ وَلَدٌ لَنْ يَضُرّ ذلك الوَلَدَ الشَّيْطَانُ أَبَدًا"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا النَّسائيّ (٢) [صحيح] ٤٢/ ٢٧٨٥ - (وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السّلَمِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا أتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ فَلْيَسْتَتِرْ وَلَا يَتَجَرَّدَا تجَرُّدَ العِيرَيْنِ"، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) (٣). [ضعيف]

стр. 5761

٤٣/ ٢٧٨٦ - (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إيّاكُمْ وَالتّعَرّيَ، فإنّ مَعَكُمْ مَنْ لا يُفارِقُكُمْ إلّا عِنْدَ الغائِطِ وَحِينَ يُفْضِي الرّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ، فاسْتَحْيُوهُمْ وكْرِمُوهُمْ"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١) وَقَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيبٌ). [ضعيف] زاد الترمذي (٢) بعد قوله: حديث غريب: لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وحديث عتبة في إسناده رشدين بن سعد وهو ضعيف (٣)، وكذلك في إسناده الأحوص بن حكيم وهو أيضًا ضعيف (٤)، ولكنه قد تابع رشدين بن سعد عبد الأعلى بن عديّ وهو ثقة. ويشهد لصحة الحديثين - حديث عتبة بن عبد السلمي (٥)، وحديث ابن عمر (١) - الأحاديث الواردة في الأمر بستر العورة والمبالغة في ذلك. (منها) حديث بَهْز بن حَكيم عن أبيه عن جده قال: "قلت: يا نبي الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك، قلت: يا رسول الله إذا كان القوم بعضهم في بعض، قال: إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يراها، قال: قلت: إذا كان أحدنا خاليًا، قال: فالله أحقّ أن يُستَحْيَا [منه] (٦) من الناس"، هذا لفظ الترمذي (٧) وقال: حديث حسن.

стр. 5762

ففي هذا الحديث الأمر بستر العورة في جميع الأحوال، والإذن بكشف ما لا بد منه للزوجات والمملوكات حال الجماع، ولكنه ينبغي الاقتصار على كشف المقدار الذي تدعو الضرورة إليه حال الجماع، ولا يحلّ التجرّد كما في حديث عتبة (١) المذكور. قوله: (إذا أتى أهله) في رواية للبخاري (٢): "حين يأتي أهله". وفي رواية للإسماعيلي (٣): "حين يجامع أهله"، وذلك ظاهرٌ: في أن القول يكون مع الفعل. وفي رواية لأبي داود (٤): "إذا أراد أن يأتي أهله" وهي مفسرةٌ لغيرها من الروايات فيكون القول قبل الشروع، ويحمل ما عدا هذه الرواية على المجاز كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٥) أي: إذا أردت القراءة. قوله: (جَنِّبنا) في رواية للبخاري (٦) بالإفراد. قوله: (فإنْ قُدِّرَ بينهما في ذلك ولدٌ)، في رواية للبخاري: "فإن قضى الله بينهما ولدًا". قوله: (لن يضرَّ ذلك الولدَ الشيطانُ)، في روايةٍ لمُسلمٍ (٧) وأحمد (٨): "لم يُسَلّط عليه الشيطان"، ولفظ البخاري (٩): "لم يضرَّه شيطانٌ"، واللفظ الذي ذكره المصنف لأحمد. واختلف في الضرر المنفي بعد الاتفاق على عدم الحمل على العموم في أنواع الضرر على ما نقل القاضي عياض (١٠)، وإن كان ظاهرًا في الحمل على عموم الأحوال في صيغة النفي مع التأبيد، وكأن سبب ذلك الاتفاق ما ثبت في

стр. 5763

الصحيح (١) أن كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين يولد إلا من استثني، فإن هذا الطعن نوع من الضرر. ثم اختلفوا فقيل: المعنى لم يسلط عليه من أجل بركة التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٢). وقيل: المراد: لم يطعن في بطنه، وهو بعيد لمنابذته لظاهر الحديث المتقدم، وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا. وقيل: المراد: لم يصرعه. وقيل: لم يضرّه في بدنه. وقال ابن دقيق العيد (٣): يحتمل أن لا يضرّه في دينه أيضًا، ولكن يبعده انتفاء العصمة لاختصاصها بالأنبياء. وتعقب بأنه اختصاص من خصّ بالعصمة بطريق الوجوب لا بطريق الجواز، فلا مانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمدًا وإن لم يكن ذلك واجبًا له. وقال الداودي (٤): معنى لم يضرّه: أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية. وقيل: لم يضرّه بمشاركة أبيه في جماع أمه كما جاء عن مجاهد أن الذي يجامع ولا يسمي يلتفّ الشيطان على إحليله فيجامع معه (٥). [الباب الثاني عشر] باب ما جاءَ في العزل ٤٤/ ٢٧٨٧ - (عَنْ جابِرٍ قَالَ: كنّا نَعْزِل على عَهْدِ رَسولِ الله ﷺ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ (٦). [صحيح]

стр. 5764

وَلمُسْلِمٍ (١): كنّا نَعْزِلُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَبَلَغَهُ ذلكَ فَلَمْ يَنْهَنَا). [صحيح] ٤٥/ ٢٧٨٨ - (وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ لِي جَارِيَةً هِيَ خادِمَتُنا وَسَانِيَتُنا فِي النّخْلِ وأنا أطوفُ عَلَيْهَا وأكْرَهُ أنْ تَحْمِلَ، فَقَالَ: "اعْزِلْ عَنْها إنْ شِئْتَ فإنّهُ سَيأتِيها ما قدّرَ لَهَا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٢) وَمُسْلِمٌ (٣) وَأَبُو دَاوُدَ (٤). [صحيح] ٤٦/ ٢٧٨٩ - (وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ بَنِي المصْطَلَقِ فأصَبْنَا سَبْيًا مِنَ الْعَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّساءَ وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العزْبَةُ وأحْبَبْنا العَزْلَ، فَسألْنا عَنْ ذلكَ رَسُولَ الله ﷺ فَقَالَ: "مَا عَلَيْكمْ أنْ لا تَفْعَلُوا فإنَّ الله قَدْ كَتَبَ ما هُوَ خَالِقٌ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٥). [صحيح] ٤٧/ ٢٧٩٠ - (وَعَنْ أبي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَتْ الْيَهُودُ: العَزْلُ المَوْؤُودَةُ الصّغْرَى، فَقَالَ النّبِيُّ ﷺ : "كَذَبَتْ يَهُودُ، إِنَّ الله لَوْ أَرَادَ أَنْ يَخْلقَ شَيْئًا لَمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ أنْ يَصْرِفَهُ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦) وأبو دَاوُدَ) (٧). [صحيح] ٤٨/ ٢٧٩١ - (وَعَنْ أبي سَعِيد قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ فِي العَزْلِ: "أَنْتَ تَخْلقُهُ، أنْتَ تَرْزُقُهُ، أقِرَّهُ قَرَارَهُ فَإنَّمَا ذلكَ القَدَرُ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٨). [إسناده ضعيف] ٤٩/ ٢٧٩٢ - (وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ: أَنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيّ ﷺ فَقَالَ:

стр. 5765

إني أعْزِلُ عَنِ امْرَأَتِي، فَقَالَ لَهُ ﷺ : "لِمَ تَفْعَلُ ذلكَ؟ "، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَشْفَقُ على وَلَدِها أوْ على أوْلادِها، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَوْ كانَ ضَارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ"، رَوَاهُ أحْمَدُ (١) وَمُسْلِمٌ) (٢). [صحيح] ٥٠/ ٢٧٩٣ - (وَعَنْ جُذَامَة بِنْتِ وَهْبٍ الأسَدِيّةِ قَالَتْ: حَضَرْتُ رَسُولَ الله ﷺ فِي أنَاسٍ وَهُوَ يَقُولُ: "لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أنهَى عَنِ الغِيْلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسِ فَإِذَا هُمْ يَغِيلُونَ أَوْلادَهُمْ، فَلا يَضُرُّ أوْلادَهُمْ شَيْئًا"، ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ذَلِكَ الوأْدُ الخَفِيُّ، وَهِيَ: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ (٣) "، رَوَاهُ أحْمَدُ (٤) وَمُسْلِمٌ (٥). [صحيح] ٥١/ ٢٧٩٤ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّاب قَالَ: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ أنْ يَعْزِلَ عَنِ الحُرَّةِ إلَّا بإذْنِها. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٦) وَابْنُ مَاجَهْ (٧) وَلَيْسَ إسْنادُهُ بِذَلِكَ). [ضعيف]

стр. 5766

حديث أبي سعيد الثاني أخرجه أيضًا الترمذي (١) والنسائي (٢). قال الحافظ (٣): ورجاله ثقات. وقال في مجمع الزوائد (٤): رواهُ البزار وفيه موسى بن وردان وهو ثقة، وقد ضُعِّفَ، وبقية رجاله ثقات. وأخرج نحوه النسائي من حديث جابر (٥)، وأبي هريرة (٦)، وجزم الطحاوي بكونه منسوخًا وعكسه ابن حزم (٧). وحديث عمر بن الخطاب في إسناده ابن لهيعة (٨) وفيه مقال معروف. ويشهد له ما أخرجه عبد الرزاق (٩) والبيهقي (١٠) عن ابن عباس قال: "نهي عن عزل الحرة إلا بإذنها". وروى عنه ابن أبي شيبة (١١) أنه كان يعزل عن أمته. وروى البيهقي (١٢) عن ابن عمر مثله. ومن أحاديث هذا الباب عن أنس عند أحمد (١٣) والبزار (١٤)

стр. 5767

وابن حبان (١) وصححه: "أن رجلًا سأل عن العزل، فقال النبي ﷺ : لو أن الماء الذي يكون منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولدًا". وله شاهدان في الكبير للطبراني (٢) عن ابن عباس، وفي الأوسط (٣) له عن ابن مسعود. قوله: (كنّا نعزل) العزل (٤): النزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج. قوله: (والقرآن ينزل) فيه جواز الاستدلال بالتقرير من الله ورسوله على حكم من الأحكام، لأنه لو كان ذلك الشيء حرامًا لم يقرّرا عليه، ولكن بشرط أن يعلمه النبي ﷺ . وقد ذهب الأكثر من الأهل الأصول (٥) على ما حكاه في الفتح (٦) إلى أن الصحابي إذا أضاف الحكم إلى زمن النبيّ ﷺ كان له حكم الرفع.

стр. 5768

قال (١): لأن الظاهر: أن النبيّ ﷺ اطلع على ذلك وأقره لتوفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام، قال: وقد وردت عدةُ طرقٍ تصرِّح باطلاعه على ذلك. وأخرج مسلم (٢) من حديث جابر قال: "كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك نبيّ الله ﷺ فلم ينهنا". [ووقع] (٣) في حديث الباب (٤) المذكور الإذن له بالعزل، فقال: "اعزل عنها إن شئت". قوله: (ما عليكم أن لا تفعلوا) وقع في رواية في البخاري (٥) وغيره (٦): "لا عليكم أن لا تفعلوا"، قال ابن سيرين (٧): هذا أقرب إلى النهي. وحكى ابن عون عن الحسن (٧) أنه قال: والله لكان هذا زجرًا. قال القرطبي (٨): كأن هؤلاء فهموا من لا، النهي عما سألوا عنه، فكأنه قال: لا تعزلوا وعليكم أن لا تفعلوا ويكون قوله: "وعليكم" إلى آخره تأكيدًا للنهي. وتعقب بأن الأصل عدم هذا التقدير، وإنما معناه: ليس عليكم أن تتركوا، وهو الذي يساوي أن لا تفعلوا. وقال غيره: معنى لا عليكم أن لا تفعلوا: أي لا حرج عليكم أن لا تفعلوا ففيه نفي الحرج عن عدم الفعل، فأفهم ثبوت الحرج في فعل العزل، ولو كان المراد نفي الحرج عن الفعل لقال: لا عليكم أن تفعلوا إلا إن يدّعي أن لا زائدة، فيقال: الأصل عدم ذلك. وقد اختلف السلف في حكم العزل، فحكى في الفتح (٩) عن ابن عبد البر (١٠) أنه قال: لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرّة إلا

стр. 5769

بإذنها، لأن الجماع من حقها ولها المطالبة به وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزلٌ. قال الحافظ (١): ووافقه في نقل هذا الإجماع ابن هبيرة (٢). قال: وتعقب بأن المعروف عند الشافعية (٣) أنه لا حقّ للمرأة في الجماع، وهو أيضًا مذهب الهادوية (٤)، فيجوز عندهم العزل عن الحرَّة بغير إذنها؛ على مقتضى قولهم: إنَّه لا حقَّ لها في الوطء، ولكنَّه وقع التصريح في كتب الهادوية (٥) بأنه لا يجوز العزل عن الحرَّة إلا برضاها، ويدلُّ على اعتبار الإذن من الحرة حديث عمر (٦) المذكور ولكن فيه ما سلف. وأما الأمَة فإن كانت زوجةً فحكمها حكم الحرَّة. واختلفوا: هل يعتبر الإذن منها أو من سيِّدها وإن كانت سُرِّيَّةً، فقال في الفتح (٧): يجوز بلا خلاف عندهم إلا في وجه حكاه الروياني في المنع مطلقًا كمذهب ابن حزم (٨)، وإن كانت السرية مستولدةً فالراجح الجواز فيها مطلقًا لأنها ليست راسخة في الفراش. وقيل: حكمها حكم الأمة المزوّجة. قوله: (كذبت يهود) فيه دليل على جواز العزل، ومثله ما أخرجه الترمذي (٩) وصححه عن جابر قال: "كانت لنا جوار وكنا نعزل، فقالت اليهود:
следующие страницы →