← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6255–6294 · переход к 6260.

стр. 6255

وكذلك في الإسلام كما قاله ابن عمر في الأثر المذكور (١)، وكما روى الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب أنه قال: لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وهكذا روي عن ابن عباس أنه قال: لو وجدت قاتل أبي في الحرم (٢) ما هجته (٣). وأما الاستدلال بحديث أنس المذكور (٤) فوهم، لأن النبيّ ﷺ أمر بقتل ابن خطل في الساعة التي أحل الله له فيها القتال بمكة، وقد أخبرنا بأنها لم تحل لأحد قبله ولا لأحد بعده، وأخبرنا أن حرمتها قد عادت بعد تلك الساعة كما كانت. وأما الاستدلال بعموم الأدلة القاضية باستيفاء الحدود فيجاب: (أولًا) بمنع عمومها لكل مكان وكل زمان لعدم التصريح بهما. وعلى تسليم العموم فهو مخصص بأحاديث الباب لأنها قاضية بمنع ذلك في مكان خاصٍّ وهي متأخرة فإنها في حجة الوداع بعد شرعية الحدود. هذا إذا ارتكب ما يوجب حدًّا أو قصاصًا في خارج الحرم ثم لجأ إليه. وأما إذا ارتكب ما يوجب حدًّا أو قصاصًا في الحرم؛ فذهب بعض العترة إلى أنه يخرج من الحرم ويقام عليه الحدّ. وروى أحمد عن ابن عباس أنه قال: "من سرق أو قتل في الحرم أقيم عليه في الحرم". ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (٥).

стр. 6256

ويؤيده أيضًا أن الجاني في الحرم هاتك لحرمته بخلاف الملتجئ إليه. وأيضًا لو ترك الحدّ والقصاص على من فعل ما يوجبه في الحرم لعَظم الفساد في الحرم. وظاهر أحاديث الباب المنع مطلقًاص غير فرق بين اللاجئ إلى الحرم، والمرتكب لما يوجب حدًّا أو قصاصًا في داخله وبين قتل النفس أو قطع العضو، والآية التي فيها الإذن بمقاتلة من قاتل عند المسجد الحرام لا تدل إلا على جواز المدافعة لمن قاتل حال المقاتلة كما يدل على ذلك التقييد بالشرط. وقد اختلف العلماء في كون هذه الآية منسوخة ومحكمة، حتى قال أبو جعفر في كتاب "الناسخ والمنسوخ" (١): إنها من أصعب ما في الناسخ والمنسوخ. فممن قال بأنها محكمة: مجاهد (٢) وطاوس (٣)، وأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم تمسكًا بظاهر الآية وبأحاديث الباب، وقال في جامع البيان (٤): إن هذا قول الأكثر. ومن القائلين بالنسخ قتادة (٥) قال: والناسخ لها قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٦). وقيل بآية التوبة كما ذكر النَّجري (٧).

стр. 6257

وقال أبو جعفر (١): وهذا قول أكثر أهل النظر وأن المشركين يقاتلون في الحرم وغيره بالقرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢)، وبراءة نزلت بعد البقرة بسنتين، وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (٣). وأما السنة فما روي (٤) أنه ﷺ : "دخل وعلى رأسه المغفر فقتل ابن خطل". وقد اختار صاحب "تيسير البيان" (٥) القول الأوّل وقرّره. وردّ دعوى النسخ؛ أما بآية براءة فلأن قوله تعالى في المائدة: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ (٦) موافق لآية البقرة، والمائدة نزلت بعد براءة في قول أكثر أهل العلم بالقرآن، ثم إن كلمة "حيث" تدل على المكان، فهي عامة في أفراد الأمكنة، وآية البقرة نصّ في النهي عن القتال في مكان مخصوص وهو المسجد الحرام فتكون مخصصةً لآية "براءة"، ويكونُ التقديرُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٧) إلا أن يكونوا في المسجد الحرام فلا تقتلوهم ﴿حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ﴾ (٨). وأما قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٩)، فهو مطلق في الأمكنة والأزمنة والأحوال، وآية البقرة مقيدة ببعض الأمكنة، فيكون ذلك المطلق مقيدًا بها، وإذا أمكن الجمع فلا نسخ. هذا معنى كلامه، وهو طويل، ولكن في كون العام المتأخر يُخَصَّصُ بالخاصِّ المتقدم خلاف بين أهل الأصول (١٠)، والراجح التخصيص،

стр. 6258

[وفي] (١) كون عموم الأشخاص لا يستلزم عموم الأحوال والأمكنة والأزمنة خلاف أيضًا معروف بين أهل الأصول (٢). [الباب السادس عشر] بابُ ما جاءَ في تَوْبةِ القَاتِلِ والتشديدِ في القَتْلِ ٤٩/ ٣٠٤٣ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيّ ﷺ قالَ: "أوَّلُ ما يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ فِي الدّماءِ"، رَوَاهُ الجَماعَةُ إلَّا أبا دَاوُدَ) (٣). [صحيح] ٥٠/ ٣٠٤٤ - (وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلَّا كانَ على ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِها لأَنَّهُ كانَ أوَّلَ مَنْ سَنَّ القَتْلَ"، مُتَّفَق عَلَيْهِ) (٤). [صحيح] ٥١/ ٣٠٤٥ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَعانَ على قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِي الله مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ الله"،

стр. 6259

رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَابْنُ ماجَهْ) (٢). [ضعيف جدًّا] ٥٢/ ٣٠٤٦ - (وَعَنْ مُعاوِيةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى الله أنْ يَغفِرَهُ إلَّا الرَّجُل يَمُوتُ كافِرًا، أوِ الرَّجُلَ يَقْتُلُ مُؤمِنًا مُتَعَمِّدًا"، رَوَاهُ أحْمَدُ (٣) وَالنَّسائيُّ (٤). [صحيح لغيره] وَلأبي دَاوُدَ (٥) مِنْ حَدِيثِ أبي الدَّرْدَاءِ كَذَلِكَ). [صحيح]

стр. 6260

حديث أبي هريرة أخرجه أيضًا البيهقي (١)، وفي إسناده يزيد بن أبي زياد (٢) وهو ضعيف. وقد روي عن الزهري مرسلًا أخرجه البيهقي (٣) من طريق [فرج] (٤) بن فضالة عن الضحاك عن الزهري يرفعه، [وفرج] (٥) ضعيف وقد قوّاه أحمد (٦). وبالغ ابن الجوزي فذكر الحديث في الموضوعات (٧) وسبقه إلى ذلك أبو حاتم فإنه قال في العلل: إنه باطل موضوع. وقد رواه أبو نعيم في الحلية (٨) من طريق حكيم بن نافع (٩)، عن خلف بن حوشب، عن الحكم بن عتيبة، عن سعيد بن المسيب، سمعت عمر … فذكره، وقال: تفرّد به حكيم عن خلف. ورواه الطبراني (١٠) من حديث ابن عباس نحوه. وأورده ابن الجوزي (١١) من طريق أخرى عن أبي سعيد الخدري بلفظ: "يجيء القاتل يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله"، وأعله بعطية (١٢)،

стр. 6261

ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة (١). قال الحافظ (٢): ومحمدٌ لا يستحقُّ أن يحكم على أحاديثه بالوضع، فأما عطية فضعيف، لكن حديثه يحسنه الترمذي إذا توبع. وحديث معاوية (٣) جميع رجال إسناده ثقات ويشهد له ما في هذا الباب من الأحاديث القاضية بعدم المغفرة للقاتل. وحديث أبي الدرداء (٤) الذي أشار إليه المصنف لفظه: قال أبو الدرداء: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركًا، أو مؤمن قتل مؤمنًا متعمدًا". وروى أبو داود (٥) أيضًا عن عبادة بن الصامت أنه روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من قتل مؤمنًا فاعتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا". قال الخطابي (٦): فاعتبط: أي فقتله بغير سبب، وفسَّره يحيى بن يحيى الغساني بأنه الذي يقتل صاحبه في الفتنة فيرى أنه على هدى، لا يستغفر الله من ذلك. وهذان الحديثان سكت عنهما أبو داود (٧) والمنذري (٨) في مختصر السنن، ورجال إسناد كل واحد منهما موثقون. قوله: (أول ما يقضى بين الناس … إلخ)، فيه دليل على عظم ذنب القتل، لأن الابتداء إنما يكون بالأهمِّ وعائد الموصول محذوف، والتقدير: أول ما يقضى فيه، ويجوز أن تكون "ما" مصدرية ويكون تقديره أوّل قضاء في الدماء.

стр. 6262

أو يكون المصدر بمعنى اسم المفعول: أي أوّل مقضيٍّ فيه الدماء. وقد استشكل الجمع بين هذا الحديث والحديث الذي أخرجه أصحاب السنن (١) عن أبي هريرة بلفظ: "أول ما يحاسب العبد عليه صلاته". وأجيب بأن الأول يتعلق بمعاملات العباد، والثاني بمعاملات الله [تعالى] (٢). قال الحافظ (٣): على أنَّ النسائي (٤) أخرجهما في حديث واحد أورده من طريق أبي وائل عن ابن مسعود رفعه: "أول ما يحاسب العبد به الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء". وقد استدلّ بحديث ابن مسعود الأوّل (٥) المذكور على أن القضاء يختصّ بالناس ولا يكون بين البهائم وهو غلط، لأن مفاده حصر الأوّلية في القضاء بين الناس، وليس فيه نفي القضاء بين البهائم مثلًا بعد القضاء بين الناس. قوله: (على ابن آدم الأوّل) هو قابيل عند الأكثر، وعكس القاضي جمال الدين بن واصل في تاريخه (٦) فقال: اسم المقتول قابيل اشتقّ من قبول قربانه. وقيل: اسمه قابن بنون بدل اللام بغير ياء. وقيل: قبن، مثله بغير ألف.

стр. 6263

وعن الحسن: لم يكن ابن آدم المذكور وأخوه المقتول من صلب آدم، وإنما كانا من بني إسرائيل، أخرجه الطبري (١). وعن مجاهد (٢): أنهما كانا ولدي آدم لصلبه. وهذا هو المشهور، وهو الظاهر من حديث الباب لقوله الأوّل: أي: أوّل من ولد لآدم، ويقال: إنه لم يولد [في الجنة لآدم] (٣) غيره وغير توأمته، ومن ثمّ فخر على أخيه هابيل فقال: نحن من أولاد الجنة، وأنتم من أولاد الأرض، ذكر ذلك ابن إسحاق في "المبتدأ" (٤). قوله: (كِفْلٌ من دمها) - بكسر الكاف، وسكون الفاء - وهو النصيب. وأكثر ما يطلق على الأجر كقوله تعالى: ﴿كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ (٥)، ويطلق على الإثم كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ (٦). قوله: (لأنه أوّل من سنّ القتل) فيه دليل: على أن من سنَّ شيئًا كتب له، أو عليه، وهو أصل في: أن المعونة على ما لا يحلُّ حرام. وقد أخرج مسلم (٧) من حديث جرير: "من سنَّ في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"، وهو محمولٌ على من لم يتب من ذلك الذنب. قوله: (بشطر كلمة) قال الخطابي (٨): قال ابن عيينة: مثل أن يقول: "إن" من قوله: اقتل، وفي هذا من الوعيد الشديد ما لا يقادر قدره، فإذا كان شطر الكلمة موجبًا لكتب الإياس من الرحمة بين عيني قائلها، فكيف بمن أراق دم المسلم ظلمًا وعدوانًا بغير حجة نيرة؟.

стр. 6264

وقد استدلّ بهذا الحديث وبحديث معاوية (١) وأبي الدرداء (٢) المذكورين بعده على أنها لا تقبل التوبة من قاتل العمد، وسيأتي بيان ما هو الحقّ إن شاء الله [تعالى] (٣). ٥٣/ ٣٠٤٧ - (وَعَنْ أبي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إذَا تَوَاجَه المسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِما فَقَتَلَ أحَدُهُما صَاحِبَهُ فالقاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ"، فَقِيلَ: هَذَا القاتِلُ فَمَا بالُ المَقْتُولِ؟ قالَ: "قَدْ أرَادَ قَتْل صَاحِبِهِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) (٤). [صحيح] ٥٤/ ٣٠٤٨ - (وَعَنْ جُنْدَبِ البَجَلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "كانَ مِمَّنْ كانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَرحٌ، فأخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِها يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حتَّى ماتَ، قالَ الله تَعالى: بادَرَنَي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ"، أخْرَجَاهُ) (٥). [صحيح] ٥٥/ ٣٠٤٩ - (وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بحَدِيدَةٍ فَحَديدَتُهُ في يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالدًا مُخَلَّدًا فِيها أبدًا؛ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبدًا؛ وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ مُتَرَدٍّ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدًا مُخَلَّدًا فِيها أبَدًا") (٦). [صحيح] ٥٦/ ٣٠٥٠ - (وَعَنِ المِقْدَادِ بْنِ الأسْوَدِ أنَّهُ قالَ: يا رسول الله، أرأيْتَ إنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الكُفَّارِ فَقاتَلَنِي فَضَرَبَ إحْدَى يَدَيَّ بالسَّيْفِ فَقَطَعَها، ثُمَّ لاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ فَقالَ: أسْلَمْتُ لله، أفأقْتُلُهُ يا رَسُولَ الله بَعْدَ أنْ قَالَها؟ قالَ: "لا تَقْتُلْهُ"، قالَ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله إنَّهُ قَطَعَ يَدِي ثُمَّ قالَ ذلكَ بَعْدَ أن قَطَعَها، أفأقْتُلُهُ؟ قالَ: "لَا تَقْتُلْهُ، فإن قتلته فإنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ

стр. 6265

كَلِمَتَهُ الَّتي قالَ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما) (١). [صحيح] ٥٧/ ٣٠٥١ - (وَعَنْ جابرٍ قالَ: لَمَّا هاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى المَدِينَةِ هاجَرَ إلَيْهِ الطُّفَيْل بْنُ عَمْرٍو وَهاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فاجْتَوَوُا المَدِينَةَ فَمَرِضَ فَجَزعَ فأخَذَ مَشاقِصَ فَقَطَعَ بِهَا بِرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حتَّى ماتَ، فَرآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنامِهِ وَهَيْئَتُهُ حَسنَةٌ ورآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقالَ لَهُ: ما صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ قالَ: غَفَرَ لي بِهِجْرَتِي إلى نَبِيِّهِ ﷺ ، فَقالَ: ما لي أرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قالَ: قِيلَ لي لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ ما أفْسَدْتَ، فَقَصَّها الطُّفَيْلُ على رَسُولِ الله ﷺ ، فَقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَلِيَدَيْهِ فاغْفِرْ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وَمُسْلِمٌ) (٣). [صحيح] قوله: (فالقاتل والمقتول في النار)، قال في الفتح (٤): قال العلماء: معنى كونهما في النار أنهما يستحقان ذلك، ولكن أمرهما إلى الله تعالى إن شاء عاقبهما ثم أخرجهما من النار كسائر الموحدين، وإن شاء عفا عنهما أصلًا. وقيل: هو محمول على من استحلّ ذلك، ولا حجة فيه للخوارج (٥). ومن قال من المعتزلة (٦) بأن أهل المعاصي مخلدون في النار لأنه لا يلزم من قوله: "القاتل والمقتول في النار" استمرار بقائهما فيها.

стр. 6266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6267

واحتجَّ به من لم ير القتال في الفتنة، وهم كل من ترك القتال مع عليٍّ في حروبه: كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأبي بكرة، وغيرهم، وقالوا: يجب الكفُّ حتى لو أراد قتله لم يدفعه عن نفسه. ومنهم من قال: لا يدخل في الفتنة، فإن أرادَ أحدٌ قتلَهُ دفع عن نفسه. انتهى. ويدلُّ على القول الآخر حديث أبي هريرة عند أحمد (١) ومسلم (٢)، وقد تقدم في باب دفع الصائل من كتاب الغصب (٣)، وفيه: "أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله". ويدلّ على القول الأوّل ما تقدم من الأحاديث في باب أن الدفع لا يلزم المصول عليه من ذلك الكتاب (٤). قال في الفتح (٥): وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصرة الحقّ وقتال الباغين. وحمل هؤلاء الأحاديث الواردة في ذلك على من ضعف عن القتال، أو قصر نظره عن معرفة صاحب الحقِّ.

стр. 6268

قال: واتفق أهل السنَّة على وجوب منع الطعن علي أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من ذلك، ولو عرف المحقَّ منهم؛ لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا الله عن المخطئ في الاجتهاد، بل ثبت: أنَّه يؤجر أجرًا واحدًا، وأنَّ المصيب يؤجر أجرين. قال الطبري (١): لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل، وكسر السيوف، لما أقيم حقّ ولا أبطل باطل، ولوجد أهلُ الفسوق سبيلًا إلى ارتكاب المحرمات؛ من أخذ الأموال، وسفك الدماء، وسبي الحريم بأن يحاربوهم، ويكفّ المسلمون أيديهم ويقولوا: هذه فتنة وقد نهينا عن القتال فيها، وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء. اهـ. وقد أخرج البزار (٢) زيادة في هذا الحديث تبين المراد، وهي: "إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار". ويؤيده ما أخرجه مسلم (٣) بلفظ: "لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قَتَلَ، ولا المقتول فيم قُتِلَ؟ " فقيل: كيف يكون ذلك؟ قال: "الهرج، القاتلُ والمقتول في النار". قال القرطبي (٤): فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهل من طلب دنيا أو اتباع هوى فهو الذي أريد بقوله: "القاتل والمقتول في النار". قال الحافظ (٥): ومن ثم كان الذين توقفوا عن القتال في الجمل وصفِّين أقل عددًا من الذين قاتلوا، وكلهم متأوّل مأجور إن شاء الله [تعالى] (٦) بخلاف من جاء بعدهم ممن قاتل على طلب الدنيا. اهـ. وهذا يتوقف على صحة نيات جميع المقتتلين في الجمل وصفين وإرادة كل

стр. 6269

واحد منهم الدين لا الدنيا وصلاح أحوال الناس لا مجرّد الملك [ومنافسة] (١) بعضهم لبعض مع علم بعضهم بأنه المبطل وخصمه المحقّ، ويبعد ذلك كل البعد، ولا سيما في حقّ من عرف منهم الحديث الصحيح أنها: "تقتل عمارًا الفئة الباغية" (٢)، فإن إصراره بعد ذلك على مقاتلة من كان معه عمار معاندة للحقّ وتماد في الباطل كما لا يخفى على منصف، وليس هذا منا محبة لفتح باب المثالب على بعض الصحابة [﵃] (٣)، فأنا كما علم الله من أشدّ الساعين في سد هذا الباب والمنفرين للخاصّ والعامّ عن الدخول فيه حتى كتبنا في ذلك رسائل (٤) وقعنا بسببها مع المتظهرين بالرفض والمحبين له بدون تظهر في أمور يطول شرحها، حتى رُمينا تارة بالنصب وتارة بالانحراف عن مذاهب أهل البيت، وتارة بالعداوة للشيعة، وجاءتنا الرسائل المشتملة على العتاب من كثير من الأصحاب والسباب من جماعة من غير ذوي الألباب. ومن رأى ما لأهل عصرنا من الجوابات على رسالتنا التي سمَّيناها: (إرشاد الغبيّ إلى مذهب أهل البيت في صحب النبيّ) (٥)، وقف على بعض أخلاق القوم وما جُبلوا عليه من عداوة من سلك مسلك الإنصاف وآثر نص الدليل على مذاهب الأسلاف، وعداوة الصحابة الأخيار، وعدم التقييد بمذاهب الآل الأطهار، فإنا قد حكينا في تلك الرسالة إجماعهم على تعظيم الصحابة ﵃، وعلى ترك السبّ لأحد منهم من ثلاث عشرة طريقًا، وأقمنا الحجة على من يزعم أنه من أتباع أهل البيت، ولا يتقيد بمذاهبهم في مثل هذا الأمر الذي هو مزلة أقدام المقصرين فلم يقابل ذلك بالقبول، والله المستعان وأقول (٦):

стр. 6270

إني بُلِيتُ بأهلِ الجهلِ في زَمَنٍ … قامُوا بهِ ورجالُ العِلْم قد قعدُوا ومما يؤيد ما تقدم من التأويل للحديث المذكور ما أخرجه مسلم (١) عن أبي هريرة يرفعه: "من قاتل تحت راية عُمِّيَّةٍ يغضب لعصبيةٍ أو يدعو إلى عصبيّة أو ينصرُ عصبيةً، فقتل؛ فقتلة جاهلية". وقد قدَّمنا ما هو أبسط من هذا الكلام في باب دفع الصائل (٢)، وباب أن الدفع لا يلزم المصول عليه (٣) من كتاب الغصب فراجعه. قوله: (فقيل: هذا القاتل فما بال المقتول)، القائل هو أبو بكرة كما وقع مبينًا في رواية مسلم (٤). ومعنى ذلك أن هذا القاتل قد استحق النار بذنبهم وهو الإقدام على قتل صاحبه، فما بال المقتول؟ أي: فما ذنبه. قوله: (قال: قد أراد قتل صاحبه)، في لفظ للبخاري (٥) في كتاب الإيمان: "إنه كان حريصًا على قتل صاحبه". وقد استدلّ بذلك من ذهب إلى المؤاخذة بالعزم وإن لم يقع الفعل. وأجاب من لم يقل بذلك أن في ذلك فعلًا وهو المواجهة بالسلاح ووقوع القتال، ولا يلزم من كون القاتل والمقتول في النار أن يكونا في مرتبة واحدة، فالقاتل يعذّب على القتال والقتل، والمقتول يعذّب على القتال فقط، فلم يقع التعذيب على العزم المجرّد، ويؤيد هذا حديث: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدّثت به أنفسها ما لم يتكلموا به [أو] (٦) يعملوا" (٧). قال في الفتح (٨): والحاصل أن المراتب ثلاث: الهمّ المجرّد وهو يثاب

стр. 6271

عليه ولا يؤاخذ به، واقتران الفعل بالهمّ أو بالعزم ولا نزاع في المؤاخذة به، والعزم وهو أقوى من الهمّ وفيه النزاع. قوله: (يتوجأ) (١) أي يضرب بها نفسه، وحديث جندب البجلي (٢)، وأبي هريرة (٣)، يدلان على أن من قتل نفسه من المخلدين في النار، فيكون عموم إخراج الموحدين مخصصًا بمثل هذا وما ورد في معناه كما حققنا ذلك مرارًا. وظاهر حديث جابر (٤) المذكور يخالفهما فإن الرجل الذي قطع براجمه بالمشاقص ومات من ذلك أخبر بعد موته الرجل الذي رآه في المنام بأن الله تعالى غفر له، ووقع منه ﷺ التقرير لذلك بل دعا له. ويمكن الجمع بأنه لم يرد قتل نفسه بقطع البراجم، وإنما حمله الضجر وما حلّ به من المرض على ذلك بخلاف الرجل المذكور في حديث جندب (٢) فإنه قطع يده مريدًا لقتل نفسه، وعلى هذا فتكون الأحاديث الواردة في تخليد من قتل نفسه في النار وتحريم الجنة عليه مقيدة بأن يكون مريدًا للقتل (٥).

стр. 6272

وقد أخرج الشيخان (١) من حديث أبي هريرة قال: "شهدنا مع رسول الله ﷺ فقال لرجل ممن يَدَّعي الإسلام: "هذا من أهل النار"، فلما حضر القتال قاتل قتالًا شديدًا فأصابه جراح، فقيل: يا رسول الله الذي قلت آنفًا أنه من أهل النار قد قاتل قتالًا شديدًا وقد مات، فقال ﷺ : إلى النار، فكاد بعض المسلمين أن يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل له: إنه لم يمت ولكن به جراحة شديدة، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فأخذ ذباب سيفه فتحامل عليه فقتل نفسه، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فقال: "الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله"، ثم أمر بلالًا فنادى في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله تعالى ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر". وأخرج أبو داود (٢) من حديث جابر بن مسلمة قال: "أخبر النبيّ ﷺ برجل قتل نفسه، فقال: لا أصلي عليه".

стр. 6273

قوله: (أرأيت إن لقيت رجلًا)، في رواية للبخاري (١): "إني لقيت كافرًا فاقتتلنا فضرب يدي فقطعها"، وظاهرها أن ذلك وقع، والذي في نفس الأمر بخلافه، وإنما سأل المقداد عن الحكم في ذلك لو وقع كما في حديث الباب. وفي لفظ للبخاري (١) في غزوة بدر بلفظ: "أرأيت إن لقيت رجلًا من الكفار" الحديث. قوله: (ثم لاذ مني بشجرة) أي: التجأ إليها، وفي رواية للبخاري (٢): "ثم لاذ بشجرة". قوله: (فقال: أسلمت لله) أي: دخلت في الإسلام. قوله: (فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله). قال الكرماني (٣): القتل ليس سببًا لكون كل منهما بمنزلة الآخر، لكنه عند النحاة مؤوّل بالإخبار: أي هو سبب لإخباري لك بذلك، وعند البيانيين المراد لازمه. قوله: (وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته). قال الخطابي (٤): معناه أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم، فإذا أسلم صار مُصان الدم كالمسلم، فإن قتله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحًا بحقّ القصاص كالكافر بحقّ الدين، وليس المراد إلحاقه به في الكفر كما يقوله الخوارج من تكفير المسلم بالكبيرة (٥). وحاصله: اتحاد المنزلتين مع اختلاف المأخذ، أي: أنَّه مثلك في صون الدم، وإنك مثله في الهدر. ونقل ابن التين (٦) عن الداودي أن معناه: إنك صرت قاتلًا كما كان هو

стр. 6274

قاتلًا، وهذا من المعاريض لأنه أراد الإغلاظ بظاهر اللفظ دون باطنه، وإنما أراد أن كلًّا منهما قاتل ولم يرد أنه صار كافرًا بقتله إياه. ونقل ابن بطَّال (١) عن المهلب أن معناه أنك بقصدك لقتله عمدًا آثم كما كان هو بقصده لقتلك آثمًا، فأنتما في حالة واحدة من العصيان. وقيل: المعنى أنت عنده حلال الدم قبل أن يسلم كما كان عندك حلال الدم قبل ذلك. وقيل: معناه أنه مغفور له بشهادة التوحيد كما أنك مغفور لك بشهادة بدر. ونقل ابن بطال (٢) عن ابن القصَّار أن معنى قوله: "وأنت بمنزلته"، أي: في إباحة الدم، وإنما قصد بذلك ردعه وزجره عن قتله [لا أن] (٣) الكافر إذا قال: أسلمتُ، حرم قتله. وتعقب بأن الكافر مباح الدم، والمسلم الذي قتله إن لم يتعمد قتله ولم يكن عرف أنه مسلم وإنما قتله متأوّلًا فلا يكون بمنزلته في إباحة الدم. وقال القاضي عياض (٤): معناه أنه مثله في مخالفة الحقِّ وارتكاب الإثم وإن اختلف النوع في كون أحدهما كفرًا والآخر معصيةً. واستدلَّ بهذا الحديث على صحة إسلام من قال: أسلمتُ لله، ولم يزد على ذلك. وقد ورد في بعض طرق الحديث: "أنه قال: لا إله إلا الله" كما في صحيح مسلم (٥). قوله: (فاجتووا المدينة) أي: استوخموها (٦).

стр. 6275

قوله: (فأخذ مشاقص) جمع مشقص (١)، وقد تقدم تفسيره في باب من اطلع في بيت قوم مغلق عليهم بغير إذنهم، وقد تقدم أيضًا في الحجّ. قوله: (براجمه) جمع برجمة بضم الموحدة وسكون الراء وضم الجيم. قال في القاموس (٢): وهي المفصل الظاهر أو الباطن من الأصابع والإصبع الوسطى من كل طائر أو هي مفاصل الأصابع كلها أو ظهور العصب من الأصابع ورؤوس السلاميات إذا قبضت كفك نشرت وارتفعت. اهـ. قوله: (فشخبت) (٣) بفتح الشين والخاء المعجمتين والباء الموحدة: أي انفجرت يداه دمًا. قوله: (لن نصلح منك ما أفسدت)، فيه دليل على أن من أفسد عضوًا من أعضائه لم يصلح يوم القيامة بل يبقى على الصفة التي هو عليها عقوبة له. ٥٨/ ٣٠٥٢ - (وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أصحَابِهِ: "بايِعُونِي على أنْ لا تُشْرِكُوا بالله شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، ولَا تَزْنُوا، وَلا تَقْتُلُوا أوْلَادَكُمْ، وَلا تأتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أيْدِيكُمْ وأرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْروفٍ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فأجْرُهُ على الله، وَمَنْ أصَابَ مِنْ ذلكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ في الدُّنْيا فَهُوَ كفَّارَته، وَمَنْ أصَابَ مِنْ ذلكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرهُ الله فَهُوَ إلى الله، إنْ شاءَ عَفا عَنْهُ، وَإنْ شاءَ عاقَبَهُ"، فَبَايَعْناهُ على ذلكَ (٤). [صحيح] وفِي لَفْظِ: "ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ الله إلَّا بالحَقِّ" (٥). [صحيح]

стр. 6276

٥٩/ ٣٠٥٣ - (وَعَنْ أبي سَعِيد أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "كانَ فِيمَنْ كانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسألَ عَنْ أعْلَمِ أهْلِ الأرْضِ، فَدُلَّ على رَاهِبِ فأتاهُ، فَقَالَ: إنَّهُ قَدْ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقالَ: لا، فَقَتَلَهُ فَكَفَّلَ بِهِ مِائَةً، ثُمَّ سألَ عَنْ أَعْلَمِ أهْلِ الأرْضِ، فَدُلَّ على رجُلٍ عالِمِ، فَقالَ: إنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقالَ: نَعَمْ، مَنْ يَحُولُ بَيْنَك وبَيْنَ التَّوْبَةِ، انْطَلِقْ إلى أرضِ كَذا وكَذا فإنَّ بِهَا أناسًا يَعْبُدون الله فاعْبُدِ الله مَعَهُم، ولا تَرجِعْ إلى أرضِك فإنَّهَا أرضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حتَّى إذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أتاهُ المَوتُ، فاخْتَصَمَت فِيهِ مَلائِكَة الرَّحمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ، فَقالَت مَلائِكَة الرَّحْمَةِ: جاء تائِبًا مُقْبِلًا فَقَبِلَه الله، وقالَتْ مَلائِكَةُ العَذابِ: إنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، فأتاهُمْ مَلَكٌ في صُورِةِ آدمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ، فَقالَ: قِيسُوا ما بيْنَ الأرْضِينِ، فإلى أيّهِما كان أدْنى فَهُوَ لَهُ، فَقاسُوا فَوجَدُوهُ أدْنى إلى الأرْضِ الَّتِي أراد، فَقَبَضَتْهُ ملائِكَةُ الرَّحْمَةِ"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا) (١). [صحيح] ٦٠/ ٣٠٥٤ - (وعنْ واثِلَة بْنِ الأسْقَعِ قال: أتَيْنا رسُولَ الله ﷺ فِي صَاحِبٍ لَنا أوْجَبَ، يَعْنِي النَّارَ بالقَتْلِ، فَقَالَ: "أعْتِقُوا عَنْهُ يَعْتِقِ الله بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ"، رَوَاهُ أَحْمَدُ (٢) وأبُو دَاوُدَ) (٣). [ضعيف]

стр. 6277

حديث واثلة أخرجه أيضًا النسائي (١) وابن حبان (٢) والحاكم (٣). قوله: (وحولَهُ عصابةٌ) (٤) بفتح اللام على الظرفية. والعِصابةُ بكسر العين: الجماعة من العشرة إلى الأربعين، ولا واحد لها من لفظها. وقد جمعت على عصائب وعُصُب. قوله: (بايعوني) المبايعة هنا: عبارة عن المعاهدة، سميت بذلك تشبيهًا بالمعاوضة المالية كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٥). قوله: (ولا تقتلوا أولادكم) قال محمد بن إسماعيل التيميُّ (٦) وغيره: خصَّ القتل بالأولاد لأنه قتلٌ وقطيعة رحم، فالعناية بالنهي عنه آكد، ولأنه كان شائعًا فيهم وهو وأد البنات أو قتل البنين خشيةَ الإملاق، أو خصهم بالذكر، لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم. قوله: (ولا تأتوا ببهتان) البهتان الكذب الذي يبهت سامعه (٧)، وخصَّ

стр. 6278

الأيدي والأرجل بالافتراء، لأن معظم الأفعال يقع بهما إذا كانت هي العوامل، والحوامل للمباشرة والسعي، ولذا يسمون الصنائع: الأيادي. وقد يعاقب الرجل بجناية قولية فيقال: هذا بما كسبت يداك. ويحتمل أن يكون المراد: لا تبهتوا الناس كفاحًا وبعضكم يشاهد بعضًا كما يقال: قلت كذا بين يدي فلان. قاله الخطابي (١). وقد تعقب بذكر الأرجل. وأجاب الكرماني (٢): بأنَّ المراد: الأيدي، وذكر الأرجل للتأكيد ومحصله: أن ذكر الأرجل إن لم يكن مقتضيًا فليس بمانع، ويحتمل أن يكون المراد بما بين [الأرجل والأيدي] (٣) القلب؛ لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه، فلذلك نسب إليه الافتراء. وقال أبو محمد بن أبي جمرة (٤): يحتمل أن يكون قوله: "بين أيديكم": أي في الحال. وقوله: "وأرجلكم" أي في المستقبل لأن السعي من أفعال الأرجل. وقال غيره: أصل هذا كان في بيعة النساء وكنى به كما قال الهروي (٥) عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلقطه إلى زوجها، ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال احتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولًا. قوله: (ولا تعصوا في معروفٍ) هو ما عرف من الشارع حسنه نهيًا وأمرًا. قال النووي (٦): يحتمل أن يكون المراد ولا تعصوني ولا أحدًا ولي الأمر عليكم في المعروف، فيكون التقييد بالمعروف متعلقًا بشيء بعده. وقال غيره (٦): نبه بذلك على أن طاعة المخلوق إنما تجب فيما كان غير معصية لله فهي جديرة بالتوقي في معصية الله.

стр. 6279

قوله: (فَمَنْ وفى منكم) أي: ثبتَ على العهد، ولفظ "وفى" بالتخفيف، وفي رواية بالتشديد وهما بمعنًى. قوله: (فأجره على الله) هذا على سبيل التفخيم (لأنه لما ذكرَ المبالغةَ المقتضيةَ لوجودِ العوضِ أثبتَ ذكرَ الأجرِ) (١). وقد وقع التصريح في رواية في الصحيحين (٢) بالعوض فقال: بالجنة. قوله: (ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو) أي العقاب (كفارةٌ له). قال النووي (٣): عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ (٤)، فالمرتدُّ إذا قُتِل على ارتداده لا يكون القتلُ [له كفارة] (٥). قال الحافظ (٦): وهذا بناءً على أن قوله: "من ذلك شيئًا" يتناول جميع ما ذكر وهو ظاهر. وقد قيل: يحتمل أن يكون المراد ما ذكر بعد الشرك، بقرينة أن المخاطب بذلك المسلمون فلا يدخل حتى يحتاج إلى إخراجه. ويؤيده رواية مسلم (٧) من طريق أبي الأشعث، عن عبادة في هذا الحديث: "ومن أتى منكم حدًا" إذ القتل على الشرك لا يسمى حدًّا. ويجاب بأن خطاب المسلمين لا يمنع التحذير لهم من الإشراك. وأما كون القتل على الشرك لا يسمَّى حدًّا فإن أراد لغةً، أو شرعًا فممنوع، وإن أراد عرفًا فذلك غير نافع، فالصواب ما قاله النووي. وقال الطيبي (٨): الحقُّ أن المراد بالشرك: الشركُ الأصغر، وهو الرياء، ويدلُّ عليه: تنكير "شيئًا"، أي: شركًا أيًا ما كان.

стр. 6280

وتعقِّب: بأنَّ عرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد. وقد تكرَّر هذا اللفظ في الكتاب، والأحاديث حيث لا يراد به إلا ذلك. وقال القاضي عياض (١): ذهب أكثر العلماء: إلى أن الحدود كفارات واستدلوا بالحديث. ومن العلماء (٢) من وقف لأجل حديث أبي هريرة الذي أخرجه الحاكم في المستدرك (٣) والبزار (٤) من رواية: معمر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "لا أدري الحدود كفارة لأهلها أم لا؟ ". قال الحافظ (٥): وهو صحيح على شرط الشيخين. وقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر. وذكر الدارقطني أن عبد الرزاق تفرد بوصله وأن هشام بن يوسف رواه عن معمر فأرسله. وقد وصله الحاكم (٣) من طريق آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذئب فقويت رواية معمر. قال القاضي عياض (٦): لكن حديث عبادة أصح إسنادًا. ويمكن الجمع بينهما أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولًا قبل أن يُعْلِمَه الله ثم [أعلمه] (٧) بعد ذلك، وهذا جمع حسن لولا أن القاضي ومن تبعه جازمون بأن حديث عبادة المذكور كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله ﷺ البيعة

стр. 6281

الأولى بمنى، وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام خيبر؛ فكيف يكون حديثه متقدمًا؟ ويمكن أن يجاب: بأن أبا هريرة لم يسمعه من النبي ﷺ وإنما سمعه من صحابي آخر كان سمعه من النبي ﷺ قديمًا، ولم يسمع من النبيّ ﷺ بعد ذلك: أنَّ الحدود كفارة كما سمع عبادة، ولا يخفى ما في هذا من التعسف، على أنه يبطله: أن أبا هريرة صرَّح بسماعه من النبي ﷺ ، وأنَّ الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك. ورجح الحافظ (١): أن حديث عبادة المذكور لم يقع ليلة العقبة وإنما وقع في ليلة العقبة ما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي (٢): "أن النبي ﷺ قال لمن حضر من الأنصار: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم"، فبايعوه على ذلك وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه". وقد ثبت في الصحيح (٣) من حديث عبادة أنه قال: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره"، الحديث ساقه البخاري في كتاب الفتن من صحيحه (٣). وأخرج أحمد (٤) والطبراني (٥) من وجه آخر عن عبادة أنها جرت له قصة مع أبي هريرة عند معاوية بالشام فقال: "يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إِذْ بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة والنشاط والكسل وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول بالحقّ ولا نخاف في الله لومة لائم، وعلى أن ننصر رسول الله ﷺ [إذا قدم] (٦) علينا يثرب فنمنعه مما نمنع به أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة" الحديث.

стр. 6282

قال الحافظ (١): والذي يقوي أنَّ هذه البيعة المذكورة في حديث عبادة وقعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الآية التي في الممتحنة (٢) وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾، ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحديبية بلا خلاف. والدليل على ذلك ما عند البخاري (٣) في كتاب الحدود في حديث عبادة هذا أن النبي ﷺ لما بايعهم قرأ الآية كلها. وعنده (٤) في تفسير الممتحنة من هذا الوجه قال: قرأ النساء. ولمسلم (٥) من طريق معمر عن الزهري قال: "فتلا علينا آية النساء قال: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ (٦) ". وللطبراني (٧) من هذا الحديث: "بايعنا رسول الله ﷺ على ما بايع عليه النساء يوم الفتح". ولمسلم (٨): "أخذ علينا رسول الله ﷺ كما أخذ على النساء". فهذه أدلة ظاهرة في أن هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية، بل بعد صدور البيعة، بل بعد فتح مكة وذلك بعد إسلام أبي هريرة بمدة. وقد أطال الحافظ في الفتح (٩) الكلام في كتاب الإيمان على هذا، فمن رام الاستكمال فليراجعه. واعلم أن عبادة بن الصامت لم يتفرَّد برواية هذا المعنى، بل روى ذلك علي بن أبي طالب وهو في الترمذي (١٠) وصححه الحاكم (١١)، وفيه: "من أصاب

стр. 6283

ذنبًا فعوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة"، وهو عند الطبراني (١) بإسناد حسن (٢)، ولفظه: "من أصاب ذنبًا أقيم عليه حدُّ ذلك الذنب فهو كفارة له". وللطبراني (٣) عن ابن عمر مرفوعًا: "ما عوقب رجلٌ على ذنبٍ إلا جعله الله كفارةً لما أصاب من ذلك الذنب". قال ابن التين (٤): يريد بقوله: "فعوقب به" أي بالقطع [في السرقة] (٥) والجلد أو الرجم في الزنا. وأما قتل الولد فليس له عقوبة معلومةٌ إلا أن يريد قتل النفس فكنَّى عنه. وفي رواية الصنابحي (٦) عن عبادة في هذا الحديث: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٧)، ولكن قوله في حديث الباب (٨): "فعوقب به"، هو أعم من أن تكون العقوبة حدًا أو تعزيرًا. قال ابن التين (٢): وحكي عن القاضي إسماعيل وغيره أن قتل القاتل إنما هو إرداع لغيره. وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم لأنه لم يصل إليه حقٌّ. قال الحافظ (٩): بل وصل إليه حقٍّ وأيُّ حقٍّ، فإنَّ المقتول ظلمًا تكفر عنه ذنوبه بالقتل، كما ورد في الخبر الذي صححه ابن حبان (١٠): "إنَّ السيف محّاءٌ للخطايا".

стр. 6284

وروى الطبراني (١) عن ابن مسعود قال: إذا جاء القتل محا كلَّ شيءٍ. وللطبرانيِّ (٢) أيضًا عن الحسن بن عليٍّ نحوه. وللبزار (٣) عن عائشة مرفوعًا: "لا يمرُّ القتل بذنب إلا محاهُ، فلولا القتلُ ما كُفِّرَتْ"، ولو كان حدُّ القتل إنما شرع للإرداع فقط لم يشرع العفو عن القاتل. ويستفاد من الحديث: أنَّ إقامة الحدِّ كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود. قال في الفتح (٤): وهو قول الجمهور. وقيل: لا بدَّ من التوبة، وبذلك جزم بعض التابعين وهو قول المعتزلة ووافقهم ابن حزم (٥)، ومن المفسرين البغوي (٦) وطائفة يسيرة. قوله: (فهو إلى الله) قال المازري (٧): فيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب، وردٌّ على المعتزلة الذين يوجبون تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة، لأنَّ النبي ﷺ أخبرنا بأنه تحت المشيئة، ولم يقل: لا بد أن يعذبه. وقال الطيبي (٨): فيه إشارة إلى الكفّ عن الشهادة بالنار على أحدٍ، أو بالجنة لأحدٍ، إلا مَنْ ورد النص فيه بعينه.

стр. 6285

قوله: (إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه) يشمل من تاب من ذلك ومن لم يتب، وإلى ذلك ذهبت طائفة، وذهب الجمهور (١): إلى أن من تاب لا يبقى عليه مؤاخذة، ومع ذلك فلا يأمن من مكر الله، لأنه لا اطلاع له، هل قبلت توبته أم لا. وقيل: يفرق بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب. قوله: (انطلق إلى أرض كذا وكذا … إلخ) قال العلماء (٢): في هذا استحباب مفارقة التائب للمواضع التي أصاب بها الذنوب، والأخدان المساعدين له على ذلك ومقاطعتهم ما داموا على حالهم، وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والمتعبدين الورعين. قوله: (نصف الطريق) هو بتخفيف الصاد؛ أي بلغ نصفها، كذا قال النووي (٣). قوله: (فقال: قيسوا ما بين الأرضين) هذا محمول على أن الله تعالى أمرهم عند اشتباه الأمر عليهم واختلافهم فيه أن يحكِّموا رجلًا يمر بهم، فمر المَلَك في صورة رجل فحكم بذلك. وقد استدل بهذا الحديث على قبول توبة القاتل عمدًا. قال النووي (٤): هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس. وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا: فمراد قائله الزجر والتورية، لا إنه يعتقد بطلان توبته، وهذا الحديث وإن كان شرع من قبلنا وفي الاحتجاج به خلاف، فليس هذا موضع الخلاف، وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقريره، فإن ورد كان شرعًا لنا بلا شك، وهذا وقد ورد شرعنا به، وذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ﴾ (٥) إلى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (٥) الآية.

стр. 6286

وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (١)، فقال النووي في شرح مسلم (٢): إنَّ الصواب في معناها: أن جزاءه جهنم، فقد يجازى بذلك، وقد يجازى بغيره. وقد لا يجازي بل يعفى عنه، فإنْ قتل عمدًا مستحلًا بغير حقٍّ، ولا تأويل؛ فهو كافرٌ مرتدٌّ يخلد في جهنم بالإجماع، وإن كان غير مستحل بل معتقدًا تحريمه فهو فاسقٌ عاصٍ مرتكبُ كبيرةٍ جزاؤها جهنم خالدًا فيها، لكن تفضل الله تعالى وأخبر: أنه لا يخلد من مات موحدًا فيها، فلا يخلد هذا ولكن قد يعفى عنه ولا يدخل النار أصلًا. وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر عصاة الموحدين ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد في النار، قال: فهذا هو الصواب في معنى الآية، ولا يلزم من كونه يستحقُّ أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء، وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم وإنما فيها أنها جزاؤه، أي: يستحق أن يجازى بذلك. وقيل: وردت الآية في رجل بعينه. وقيل: المراد بالخلود طول المدَّة لا الدوام. وقيل: معناها هذا جزاؤه إن جازاه، وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة لمخالفتها حقيقة لفظ الآية، ثم قال: الصواب ما قدمناه، اهـ كلام النووي. وينبغي أن نتكلم أولًا في معنى الخلود، ثم نبين ثانيًا الجمع بين هذه الآية وبين ما خالفها، فنقول: معنى الخلود الثبات الدائم. قال في الكشاف (٣) عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٤) ما لفظه: والخلد: الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع، قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ (٥). وقال امرؤ القيس (٦):

стр. 6287

ألا أَنْعِمْ (١) صباحًا أيها الطَّللُ (٢) البالي … وهَلْ يَنْعمنْ مَنْ كانَ في العصر الخالي وهَلْ يَنْعمنْ إلا سعيدٌ مخلَّدٌ … قليلُ الهموم لا يبيتُ [على حالِ] (٣) وقال في القاموس (٤): وخلد خلودًا دام. اهـ. وأما بيان الجمع بين هذه الآية وما خالفها فنقول: لا نزاع أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ (٥) من صيغ العموم الشاملة للتائب وغير التائب بل للمسلم والكافر، والاستثناء المذكور في آية الفرقان، أعني قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَن تَابَ﴾ (٦) بعد قوله تعالى ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٧) مختص بالتائبين فيكون مخصصًا لعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ (٥)، أمَّا على ما هو المذهب الحقُّ من أنه يبنى العامُّ على الخاص مطلقًا: تقدَّم، أو تأخر، أو قارن فظاهر. وأما على مذهب من قال: إن العامّ المتأخر ينسخ الخاصَّ المتقدم، فإذا سلَّمنا تأخر، قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ (٥) على آية الفرقان، فلا نسلم تأخرها عن العمومات القاضية بأن القتل مع التوبة من جملة ما يغفره الله كقوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (٨)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٩). ومن ذلك ما أخرجه مسلم (١٠) عن أبي هريرة: "أن النبي ﷺ قال: من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه".

стр. 6288

وما أخرجه الترمذي (١) وصححه من حديث صفوان بن عسال قال: قال رسول الله ﷺ : "باب مِنْ قِبَل المغرب يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين سنة، خلقه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض مفتوح للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها". وأخرج الترمذي (٢) أيضًا عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر". وأخرج مسلم (٣) من حديث أبي موسى أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها". ونحو هذه الأحاديث مما يطول تعداده. لا يقال: إن هذه العمومات مخصصة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٤) الآية. لأنَّا نقول: الآية أعمُّ من وجه وهو شمولها للتائب وغيره، وأخصُّ من وجه: وهو كونها في القاتل، وهذه العمومات أعمّ من وجه: وهو شمولها لمن كان ذنبه القتل، ولمن كان ذنبه غير القتل؛ وأخصُّ من وجه: وهو كونها في التائب، وإذا تعارض عمومان لم يبق إلا الرجوع إلى الترجيح. ولا شكّ أن الأدلة القاضية بقبول التوبة مطلقًا أرجح لكثرتها، وهكذا أيضًا يقال: إنَّ الأحاديث القاضية بخروج الموحدين من النار وهي متواترة المعنى، كما يعرف ذلك من له إلمام بكتب الحديث، تدلُّ على خروج كلِّ موحدٍ، سواء كان ذنبه القتل أو غيره، والآية القاضية بخلود من قتل نفسًا هي أعمُّ من أن يكون القاتل موحدًا، أو غير موحد، فيتعارض عمومان وكلاهما ظنيِّ الدلالة، ولكن عموم آية القتل قد عورض بما سمعته بخلاف أحاديث خروج

стр. 6289

الموحدين، فإنها إنما عورضت بما هو أعم منها مطلقًا كآيات الوعيد للعصاة (١) الدالة على الخلود الشاملة للكافر والمسلم، ولا حكم لهذه المعارضة أو بما هو أخص منها مطلقًا كالأحاديث القاضية بتخليد بعض أهل المعاصي نحو من قتل نفسه، وهو يبني العام على الخاص، وبما قررناه يلوح كل انتهاض القول بقبول توبة القاتل إذا تاب وعدم خلوده في النار إذا لم يتب. ويتبين لك أيضًا أنه لا حجة فيما احتج به ابن عباس من أن آية الفرقان مكية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا [مُتَعَمِّدًا] (٢)﴾ (٣) الآية كما أخرج ذلك عنه البخاري (٤) ومسلم (٥) وغيرهما (٦). وكذلك لا حجة له فيما أخرجه النسائي (٧) والترمذي (٨) عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "يجيء المقتول متعلقًا بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دمًا يقول: يا رب قتلني هذا حتى يدنيه من العرش". وفي رواية للنسائي (٩): "فيقول: أي رب سل هذا فيم قتلني؟ ". لأن غاية ذلك وقوع المنازعة بين يدي الله ، وذلك لا يستلزم أخذ التائب بذلك الذنب ولا تخليده في النار على فرض عدم التوبة.

стр. 6290

والتوبة النافعة ههنا هي الاعتراف بالقتل عند الوارث إن كان له وارث، أو السلطان إن لم يكن له وارث، والندم على ذلك الفعل والعزم على ترك العود إلى مثله، لا مجرد الندم والعزم بدون اعتراف وتسليم للنفس أو الدية إن اختارها مستحقها، لأن حق الآدمي لا بد فيه من أمر زائد على حقوق الله وهو تسليمه أو تسليم عوضه بعد الاعتراف به. فإن قلت: فعلام تحمل حديث أبي هريرة (١) وحديث معاوية (٢) المذكورين في أول الباب، فإن الأول يقضي بأن القاتل أو المعين على القتل يلقى الله مكتوبًا بين عينيه الإياس من الرحمة، والثاني يقضي بأن ذنب القتل لا يغفره الله. قلت: هما محمولان على عدم صدور التوبة من القاتل، والدليل هذا التأويل ما في الباب من الأدلة القاضية بالقبول عمومًا وخصوصًا، ولو لم يكن من ذلك إلا حديث الرجل القاتل للمائة (٣) الذي تنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وحديث عبادة بن الصامت (٤) المذكور قبله فإنهما يلجئان إلى المصير إلى ذلك لتأويل، ولا سيما مع ما قدمنا من تأخر تاريخ حديث عبادة ومع كون الحديثين في الصحيحين بخلاف حديث أبي هريرة (١) ومعاوية (٢). وأيضًا في حديث معاوية نفسه ما يرشد إلى هذا التأويل فإنه جعل الرجل القاتل عمدًا مقترنًا بالرجل الذي يموت كافرًا، ولا شك أن الذي يموت كافرًا مصرًا على ذنبه غير تائب منه من المخلدين في النار، فيستفاد من هذا التقييد أن التوبة تمحو ذنب الكفر فيكون ذلك القرين الذي هو القتل أولى بقبولها. وقد قال العلامة الزمخشري في الكشاف (٥): إن هذه الآية يعني قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ (٦) فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد (٧) أمر عظيم وخطب غليظ.

стр. 6291

قال (١): ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي من أن توبة قاتل المؤمن عمدًا غير مقبولة (٢). وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلًا. ثم ذكر حديث: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم"، وهو عند النسائي (٣) من حديث بريدة. وعند ابن ماجه (٤) من حديث البراء.

стр. 6292

وعند النسائي (١) أيضًا من حديث ابن عمرو. أخرجه أيضًا الترمذي (٢). وأما حديث واثلة بن الأسقع (٣) الذي ذكره المصنف في الرجل الذي أوجب على نفسه النار بالقتل، فأمرهم ﷺ بأن يعتقوا عنه، فهو من أدلة قبول توبة القاتل عمدًا، ولا بد من حمله على التوبة، فإذا تاب القاتل عمدًا فإنه يشرع له التكفير لهذا الحديث، وهو دليل: على ثبوت الكفارة في قتل العمد كما ذهب إليه الشافعي (٤) وأصحابه. ومن أهل البيت القاسم والهادي والمؤيد بالله والإمام يحيى (٥). وقد حكي في البحر (٦) عن الهادي عدم الوجوب في العمد، ولكنه نص في "الأحكام" (٧) و"المنتخب" على الوجوب فيه، وهذا إذا عفى عن القاتل أو رضي الوارث بالدية، وأما إذا اقتص منه فلا كفارة عليه، بل القتل كفارته لحديث عبادة (٨) المذكور في الباب.

стр. 6293

ولما أخرجه أبو نعيم في المعرفة (١): "أن النبي ﷺ قال: القتل كفارة"، وهو من حديث خزيمة بن ثابت (٢)، وفي إسناده ابن لهيعة (٣). قال الحافظ (٤): لكنه من حديث ابن وهب عنه فيكون حسنًا. ورواه الطبراني في الكبير (٥) عن الحسن بن علي موقوفًا عليه. وأما الكفارة في قتل الخطأ فهي واجبة بالإجماع وهو نص القرآن. * * *

стр. 6294

[ثانيًا] أبواب الديات [الباب الأول] باب دية النفس وأعضائها ومنافعها ١/ ٣٠٥٥ - (عَن أبي بكْرِ بْنِ محمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ أن رسُولَ الله ﷺ كَتَبَ إلى أهْلِ اليَمَن كتابًا، وكانَ في كِتابهِ: أنَّ من اعْتَبَطَ مُؤمنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ، فإنَّهُ قَوَدٌ، إلَّا أنْ يُرْضِيَ أوْليَاءَ المَقْتُولِ (١). وأنَّ في النَّفْسِ الدِّيةَ مائةٌ مِنَ الإبلِ (٢). وأنَّ في الأنْف إذَا أوْعَبَ جَدْعَهُ الدِّيَة (٣)، وفي اللِّسَانَ الدِّية (٤)، وفي
следующие страницы →