← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6290–6329 · переход к 6295.

стр. 6290

والتوبة النافعة ههنا هي الاعتراف بالقتل عند الوارث إن كان له وارث، أو السلطان إن لم يكن له وارث، والندم على ذلك الفعل والعزم على ترك العود إلى مثله، لا مجرد الندم والعزم بدون اعتراف وتسليم للنفس أو الدية إن اختارها مستحقها، لأن حق الآدمي لا بد فيه من أمر زائد على حقوق الله وهو تسليمه أو تسليم عوضه بعد الاعتراف به. فإن قلت: فعلام تحمل حديث أبي هريرة (١) وحديث معاوية (٢) المذكورين في أول الباب، فإن الأول يقضي بأن القاتل أو المعين على القتل يلقى الله مكتوبًا بين عينيه الإياس من الرحمة، والثاني يقضي بأن ذنب القتل لا يغفره الله. قلت: هما محمولان على عدم صدور التوبة من القاتل، والدليل هذا التأويل ما في الباب من الأدلة القاضية بالقبول عمومًا وخصوصًا، ولو لم يكن من ذلك إلا حديث الرجل القاتل للمائة (٣) الذي تنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. وحديث عبادة بن الصامت (٤) المذكور قبله فإنهما يلجئان إلى المصير إلى ذلك لتأويل، ولا سيما مع ما قدمنا من تأخر تاريخ حديث عبادة ومع كون الحديثين في الصحيحين بخلاف حديث أبي هريرة (١) ومعاوية (٢). وأيضًا في حديث معاوية نفسه ما يرشد إلى هذا التأويل فإنه جعل الرجل القاتل عمدًا مقترنًا بالرجل الذي يموت كافرًا، ولا شك أن الذي يموت كافرًا مصرًا على ذنبه غير تائب منه من المخلدين في النار، فيستفاد من هذا التقييد أن التوبة تمحو ذنب الكفر فيكون ذلك القرين الذي هو القتل أولى بقبولها. وقد قال العلامة الزمخشري في الكشاف (٥): إن هذه الآية يعني قوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا﴾ (٦) فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد (٧) أمر عظيم وخطب غليظ.

стр. 6291

قال (١): ومن ثم روي عن ابن عباس ما روي من أن توبة قاتل المؤمن عمدًا غير مقبولة (٢). وعن سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له، وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد، وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة، وناهيك بمحو الشرك دليلًا. ثم ذكر حديث: "لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم"، وهو عند النسائي (٣) من حديث بريدة. وعند ابن ماجه (٤) من حديث البراء.

стр. 6292

وعند النسائي (١) أيضًا من حديث ابن عمرو. أخرجه أيضًا الترمذي (٢). وأما حديث واثلة بن الأسقع (٣) الذي ذكره المصنف في الرجل الذي أوجب على نفسه النار بالقتل، فأمرهم ﷺ بأن يعتقوا عنه، فهو من أدلة قبول توبة القاتل عمدًا، ولا بد من حمله على التوبة، فإذا تاب القاتل عمدًا فإنه يشرع له التكفير لهذا الحديث، وهو دليل: على ثبوت الكفارة في قتل العمد كما ذهب إليه الشافعي (٤) وأصحابه. ومن أهل البيت القاسم والهادي والمؤيد بالله والإمام يحيى (٥). وقد حكي في البحر (٦) عن الهادي عدم الوجوب في العمد، ولكنه نص في "الأحكام" (٧) و"المنتخب" على الوجوب فيه، وهذا إذا عفى عن القاتل أو رضي الوارث بالدية، وأما إذا اقتص منه فلا كفارة عليه، بل القتل كفارته لحديث عبادة (٨) المذكور في الباب.

стр. 6293

ولما أخرجه أبو نعيم في المعرفة (١): "أن النبي ﷺ قال: القتل كفارة"، وهو من حديث خزيمة بن ثابت (٢)، وفي إسناده ابن لهيعة (٣). قال الحافظ (٤): لكنه من حديث ابن وهب عنه فيكون حسنًا. ورواه الطبراني في الكبير (٥) عن الحسن بن علي موقوفًا عليه. وأما الكفارة في قتل الخطأ فهي واجبة بالإجماع وهو نص القرآن. * * *

стр. 6294

[ثانيًا] أبواب الديات [الباب الأول] باب دية النفس وأعضائها ومنافعها ١/ ٣٠٥٥ - (عَن أبي بكْرِ بْنِ محمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أبيهِ عَنْ جَدِّهِ أن رسُولَ الله ﷺ كَتَبَ إلى أهْلِ اليَمَن كتابًا، وكانَ في كِتابهِ: أنَّ من اعْتَبَطَ مُؤمنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ، فإنَّهُ قَوَدٌ، إلَّا أنْ يُرْضِيَ أوْليَاءَ المَقْتُولِ (١). وأنَّ في النَّفْسِ الدِّيةَ مائةٌ مِنَ الإبلِ (٢). وأنَّ في الأنْف إذَا أوْعَبَ جَدْعَهُ الدِّيَة (٣)، وفي اللِّسَانَ الدِّية (٤)، وفي

стр. 6295

الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةَ (١)، وفي البَيْضَتَيْنِ الدِّيَةَ (٢)، وفي الذَّكَرِ الدِّية (٣)، وفي الصُّلْبِ الدِّية (٤)، وفي الْعَيْنَيْنِ الدِّيةَ، وفي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفَ الدِّيةِ، وفي المَأمُومَةِ ثُلثَ الدِّيةَ، وفي الجَائِفةِ ثَلُثَ الدِّيةِ، وفي المُنَقِّلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الإبِلِ، وفي كُلِّ أصْبع مِنْ أصابعِ اليَدِ والرِّجْلِ عَشرٌ مِنَ الإبِلِ، وفي السِّنِّ خَمسٌ مِنْ الإبِلِ، وفي المُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ (٥)؛ وأنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بالمَرْأَةِ (٦)، وعلى أَهلِ الذَّهَبِ ألْف دِينارٍ. رَواهُ النَّسائيُّ (٧)، وقالَ (٨): وَقَدْ روَى هَذَا الحَديثَ يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسلًا). [صحيح لغيره]

стр. 6296

الحديث أخرجه أيضًا ابن خزيمة (١) وابن حبان (٢) وابن الجارود (٣) والحاكم (٤) والبيهقي (٥) موصولًا. وأخرجه أيضًا أبو داود في المراسيل (٦)، وقد صححه جماعة من أئمة الحديث منهم أحمد والحاكم (٧) وابن حبان (٨) والبيهقي (٩)، وقد قدمنا بسط الكلام عليه واختلاف الحفاظ فيه في باب قتل الرجل بالمرأة (١٠). قوله: (من اعتبط) (١١) بعين مهملة فمثناة فوقية فموحدة فطاء مهملة: وهو القتل بغير سبب موجب، وأصله من اعتبط الناقة: إذا ذبحها من غير مرضٍ ولا داءٍ، فمن قتل مؤمنًا كذلك وقامت عليه البينةُ بالقتل وجب عليه القود إلا أن يرضى أولياءُ المقتول بالدِّية أو يقع منهم العفو.

стр. 6297

قوله: (وإنَّ في النفس [الدِّية] (١) مائةٌ من الإبل) الاقتصار على هذا النوع من أنواع الدية يدلُّ: على أنه الأصل في الوجوب كما ذهب إليه الشافعي (٢) ومن أهل البيت القاسم بن إبراهيم (٣)، قالا: وبقية الأصناف كانت مصالحةً لا تقديرًا شرعيًا. وقال أبو حنيفة (٤) وزفر والشافعي (٥) في قولٍ له: بل هي من الإبل للنص، ومن النقدين تقويمًا، إذ هما قيم المتلفات، وما سواهما صلح. وذهب جماعة من أهل العلم (٦) إلى أن الدِّيةَ من الإبل مائةٌ، ومن البقر مائتان، ومن الغنم ألفان، ومن الذهب ألفُ مثقال. واختلفوا في الفضة، فذهب الهادي (٧) والمؤيد بالله (٧) إلى أنها عشرة آلاف درهم، وذهب مالك (٨) والشافعي (٩) في قول له إلى أنها اثنا عشر ألف درهم. قال زيد بن علي (١٠) والناصر (١٠): أو مائتا حُلَّةٍ، الحلَّة: إزارٌ ورداءٌ أو قميصٌ وسراويل"، وستأتي أدلة هذه الأقوال في باب أجناس الدية، وسيأتي أيضًا الخلاف في صفة الإبل وتنوُّعِها. قوله: (وإنَّ في الأنف إذا أوعبَ جدعُه الديةَ) بضم الهمزة من أوعب (١١) على البناء للمجهول، أي: قطع جميعه. وفي هذا دليل: على أنه يجب في قطع الأنف جميعه الديةُ، قال في البحر (١٢): فصل: والأنف مركبة من قصبةٍ ومارنٍ وأرنبة وروثة، وفيها الدية إذا استؤصلت من أصل القصبة إجماعًا ثم قال: فرع: قال الهادي (١٣): وفي كل واحدٍ من الأربع حكومة. وقال الناصر (١٣) والفقهاء: بل في المارن الديةُ وفي بعضه حصته.

стр. 6298

وأجاب عن ذلك بأن المارن وحده لا يسمى أنفًا، وإنما الدية في الأنف. وردّ بما رواه الشافعي (١) عن طاوس أنه قال: عندنا في كتاب رسول الله ﷺ : "وفي الأنف إذا قطع مارنه مائة من الإبل". وأخرج البيهقي (٢) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "قضى النبي ﷺ إذا جُدِعَتْ ثندوة الأنف بنصف العقل: خمسون من الإبل وعدلها من الذهب والورِق". قال في النهاية (٣): أراد بالثندوة هنا: روثة الأنف، وهي طرفه ومقدمه. اهـ وإنما قال: أراد بالثندوة هنا؛ لأنَّها في الأصل لحم الثدي أو أصله على ما في القاموس (٤). وفي القاموس (٥) أيضًا أن المارن: الأنف أو طرفه أو ما لان منه، وفيه أن الأرنبة طرف الأنف، وفيه أيضًا أن الروثة طرف الأرنبة. قال في البحر (٦): فرع: فإنْ قطعَ الأرنبة وهي: الغضروف الذي يجمع المنخرين ففيه الدية؛ إذ هو زوجٌ كالعينين، وفي الوترة حكومة، وهي الحاجزة بين المنخرين وفي إحداهما نصف الدية، وفي الحاجز حكومة؛ فإن قطع المارن والقصبة أو المارن والجلدة التي تحته [لزمت] (٧) دية وحكومة. اهـ. والوترة هي الوتيرة. قال في القاموس (٨): وهي حجاب ما بين المنخرين. قوله: (وفي اللسان الدِّية) فيه دليل: على أن الواجب في اللسان إذا قطع جميعه الدية. وقد حكى صاحب البحر (٩) الإجماع على ذلك، قال: فإن جنى ما أبطل كلامه فدية، فإن أبطل بعضه فحصته، ويعتبر بعدد الحروف (١٠). وقيل: بعدد حروف اللسان فقط وهي ثمانية عشر حرفًا لا بما عداها.

стр. 6299

واختلف في لسان الأخرس إذا قطعت؛ فذهب الأكثر إلى أنها يجب فيها حكومة فقط (١). وذهب النخعي (٢) إلى أنها يجب فيها دية. قوله: (وفي الشفتين الدِّية) إلى هذا ذهب جمهور أهل العلم (٣)، وقيل: إنه مجمع عليه. قال في البحر (٤): وحدُّهما من تحت المنخرين إلى منتهى الشدقين في عرض الوجه ولا فضل لإحداهما على الأخرى عند أبي حنيفة (٥) والشافعي (٦) والناصر (٧) والهادوية. وذهب زيد بن ثابت (٨) إلى أن دية العليا ثلث والسفلى ثلثان، ومثله في المنتخب. قال في البحر (٩): إذ منافع السفلى أكثر للجمال والإمساك، يعني للطعام والشراب، وأجاب عنه بقوله ﷺ : "وفي الشفتين الدية" ولم يفصل. ولا يخفى أن غاية ما في هذا: أنَّه يجب في المجموع دية، وليس ظاهرًا في أن لكلِّ واحدة نصف دية؛ حتى يكون ترك الفصل منه ﷺ مشعرًا بذلك، ولا شكَّ أنَّ في السفلى نفعًا زائدًا على النفع الكائن في العليا، ولو لم يكن إلا الإمساك للطعام والشراب، على فرض الاستواء في الجمال. قوله: (وفي البيضتين الدية) في رواية: "وفي الأنثيين الدية"، ومعناهما ومعنى البيضتين واحد، كما في الصحاح (١٠) والضياء والقاموس (١١). وذكر في "الغيث" (١٢) أن الأنثيين هما الجلدتان المحيطتان بالبيضتين، فينظر

стр. 6300

في أصل ذلك فإن كتب اللغة على خلافه (١). وقد قيل: إن وجوب الدية في البيضتين مجمع عليه. وذهب الجمهور (٢): إلى أن الواجب في كل واحدةٍ نصفُ الدية. وحكي في البحر (٣) عن عليٍّ: أنَّ في اليسرى [ثلثا] (٤) الدية إذ النسل منها، وفي اليمنى ثلثها، وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب (٥). قوله: (وفي الذَّكر الدِّية) هذا مما لا يعرف فيه خلاف بين أهل العلم (٦)، وظاهر الدليل عدم الفرق بين ذكر الشاب والشيخ والصبي، كما صرَّح به الشافعي (٧) والإمام يحيى (٨). وأما ذكر العنِّين والخصيِّ فذهب الجمهور (٩) إلى أن فيه حكومة، وذهب البعض إلى أن فيه الدية إذ لم يفصل الدليل. قوله: (وفي الصلب الدِّية) قال في القاموس (١٠): الصُّلب - بالضم وبالتحريك -: عظمٌ من لدن الكاهل إلى العَجْبِ. اهـ. ولا أعرف خلافًا في وجوب الدية (١١) [فيه] (١٢). وقد قيل: [إن] (١٢) المراد بالصُّلب هنا هو ما في الجدول المنحدر من

стр. 6301

الدماغ، لتفريق الرطوبة في الأعضاء، لا نفس المتن، بدليل ما رواه ابن المنذر (١) عن علي أنه قال: في الصُّلب الدِّية إذا منع من الجماع، هكذا في ضوء النهار (٢). والأولى: حمل الصُّلب في كلام الشارع على المعنى اللغويِّ؟ وعلى فرض صلاحية قول عليّ لتقييد ما ثبت عنه ﷺ فليس من لازمه تفسير الصلب بغير المتن، بل غايته أن يعتبر مع كسر المتن زيادة، وهي الإفضاء إلى منع الجماع لا مجرد الكسر مع إمكان الجماع. قوله: (وفي العينين الدية) هذا مما لا أعرف فيه خلافًا (٣) بين أهل العلم، وكذلك لا يعرف الخلاف بينهم: في أن الواجب في كل عين نصف الدِّية. وإنما اختلفوا في عين الأعور فحكي في البحر (٤) عن الأوزاعي، والنخعي (٥)، والعترة (٦)، والحنفية (٧)، والشافعية (٨) أن الواجب فيها نصفُ دية، إذ لم يفصل الدليل.

стр. 6302

وحكي أيضًا عن علي (١)، وعمر (٢)، وابن عمر (٣)، والزهري (٤)، ومالك (٥)، والليث، وأحمد (٦)، وإسحاق: أن الواجب فيها دية كاملة لعماية بذهابها. وأجاب عنه: بأنَّ الدليل لم يفصل، وهو الظاهر، ثم حكي أيضًا عن العترة (٧) والشافعية (٨) والحنفية (٩): أنَّه يقتصُّ من الأعور إذا أذهبَ عينَ من له عينان، وخالف في ذلك أحمد بن حنبل (١٠)، والظاهر ما قاله الأولون. قوله: (وفي الرِّجل الواحدة نصف الدية)، هذا أيضًا مما لا أعرف فيه خلافًا (١١). وهكذا لا خلاف في أن في اليدين دية كاملة. قال في البحر (١٢): وحدُّ موجب الدية مفصلُ السَّاق، واليدان كالرجلين بلا خلاف، والحدُّ الموجب للدية من الكوع كما حكاه صاحب البحر (١٣) عن العترة وأبي حنيفة (١٤) والشافعي (١٥)، فإن قُطِعت اليدُ من المنكب أو الرِّجلُ من الرُّكبة ففي كلِّ واحدةٍ منهما نصفُ [دية] (١٦) وحكومةٌ عند أبي حنيفة (١٧) ومحمد

стр. 6303

والقاسمية (١) والمؤيد بالله، وعند أبي يوسف والشافعي (٢) في قول له: إنه يدخل الزائد على الكوع ومفصل الساق في دية اليد والرجل فلا تجب حكومة لذلك. قوله: (وفي المأمومة ثلث الدِّية) هي الجناية البالغة أمَّ الدِّماغ، وهو: الدماغُ، أو: الجلدة الرقيقة التي عليها، كما حكاه صاحب القاموس (٣). وإلى إيجاب ثلث الدية فقط في المأمومة ذهب علي (٤) وعمر (٥) والعترة (٦) والحنفية (٧) والشافعية (٨). وذهب بعض أصحاب الشافعي (٩) إلى أنه يجب مع ثلث الدية حكومة لغشاوة الدماغ. وحكى ابن المنذر (١٠) الإجماع على أنه يجب في المأمومة ثلث الدية إلا عن مكحول فإنه قال: يجب الثلث مع الخطأ والثلثان مع العمد. قوله: (وفي الجائفة ثلث الدية) قال في القاموس (١١): الجائفة: هي الطعنة التي تبلغ الجوف، أو تنفذه، ثم فسر الجوف بالبطن.

стр. 6304

وقال في البحر (١) هي ما وصل جوف العضو من ظهر، أو صدر، أو وركٍ، أو عنقٍ، أو ساقٍ أو عضدٍ مما له جوف. وهكذا في "الانتصار" (٢)، وفي "الغيث" (٣) أنها ما وصل الجوف وهو من ثغرة النحر إلى المثانة. اهـ. وهذا هو المعروف عند أهل العلم، والمذكور في كتب اللغة (٤). وإلى وجوب ثلث الدية في الجائفة ذهب الجمهور (٥) وحكي في نهاية المجتهد (٦) الإجماع على ذلك … قوله: (وفي المنقلة خمسة عشر من الإبل) في روايةٍ: "خمس عشرة"، قال في القاموس (٧): هي الشجة التي ينقل منها فراش العظام وهي قشور تكون على العظم دون اللحم، وفي "النهاية" (٨) أنها التي تخرج صغار العظام وتنتقل عن أماكنها. وقيل: التي تنقل العظم؛ أي تكسره. وقد حكى صاحب البحر (٩) القول بإيجاب خمس عشرة ناقة عن علي وزيد بن ثابت والعترة والفريقين يعني الشافعية (١٠) والحنفية (١١). قوله: (وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل) هذا مذهب الأكثرين (١٢). وروي عن عمر (١٣) أنه كان يجعل في الخنصر ستًا من الإبل، وفي البنصر تسعًا، وفي الوسطى عشرًا، وفي السبابة اثنتي عشرة، وفي الإبهام ثلاث عشرة، ثم روي عنه الرجوع عن ذلك.

стр. 6305

وروي عن مجاهد (١) أنه قال: في الإبهام خمس عشرة، وفي التي تليها عشر، وفي الوسطى عشر، وفي التي تليها ثمان، وفي الخنصر سبع، وهو مردود بحديث الباب وبما سيأتي قريبًا من حديث أبي موسى (٢) وعمرو بن شعيب (٣). وذهبت الشافعية (٤) والحنفية (٥) والقاسمية (٦) إلى أن في كل أنملة ثلث دية الأصبع إلا أنملة الإبهام ففيها النصف. وقال مالك (٧): بل الثلث. قوله: (وفي السن خمس من الإبل) ذهب إلى هذا جمهور العلماء (٨). وظاهر الحديث عدم الفرق بين الثنايا والأنياب والضروس؛ لأنه يصدق على كلِّ منها أنه سنّ. وروي عن علي أنه يجب في الضرس عشر من الإبل. وروي عن عمر وابن عباس أنه يجب في كل ثنية خمسون دينارًا، وفي الناجذ أربعون، وفي الناب ثلاثون، وفي كل ضرس خمسة وعشرون. وروى مالك (٩) والشافعي (١٠) عن عمر أن في كسر الضرس جملًا، قال الشافعي: وبه أقول لأني لا أعلم له مخالفًا من الصحابة، وفي قول للشافعي: في كل سن خمس من الإبل ما لم تزد على دية النفس، وإلا كفت في جميعها دية. وأجاب عنه في البحر (١١) بأنه خلاف الإجماع. وردّ بأنه لا وجه للحكم

стр. 6306

بمخالفة الإجماع لاختلاف الناس في دية الأسنان، وسيأتي قريبًا ما يدل على أن جميع الأسنان مستوية. قوله: (وفي الموضحة خمس من الإبل) هي التي تكشف العظم بلا هشم. وقد ذهب إلى إيجاب الخمس في الموضحة الشافعية (١) والحنفية (٢) والعترة (٣) وجماعة من الصحابة. وروي عن مالك أن الموضحة إن كانت في الأنف أو [اللحى] (٤) الأسفل فحكومةٌ، وإلا فخمس من الإبل. وذهب سعيدُ بن المسيب إلى أنَّه يجب في الموضحة عُشْرُ الدِّية، وذلك عَشْرٌ من الإبل، وتقدير أرش الموضحة المذكور في الحديث إنما هو في موضحة الرأس، والوجه لا موضحة ما عداهما من البدن؛ فإنها على النصف من ذلك كما هو المختار لمذهب الهادوية وكذلك الهاشمة والمنقلة والدامية، وسائر الجنايات. وحكي في البحر (٥) عن الإمام يحيى: أنَّ الموضحة، والهاشمة، والمنقلة: إنما أرشها المقدر في الرأس، وفيها في غيره حكومة. وقيل: بل في جميع البدن لحصول معناها حيث وقعت. قال في البحر (٦): وهو الأقرب للمذهب لكن ينسب من دية ذلك العضو قياسًا على الرأس، ففي الموضحة نصف عشر دية ما هي فيه. اهـ. وحكي في البحر (٧) أيضًا في موضع آخر عن الإمام يحيى والقاسمية وأحد قولي الشافعي (٨) أن في الموضحة ونحوها في غير الرأس حكومة إذ لم يقدر الشرع أرشها إلا فيه. وحكى الشافعي في قول له: أن الحكم واحد.

стр. 6307

قال الإمام يحيى (١): وهو غير بعيد إذ لم يفصل الخبر. اهـ. وهو يستفاد أيضًا من العموم المستفاد من تحلية الموضحة بالألف واللام. وأخرج البيهقي (٢) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أن أبا بكر وعمر قالا: في الموضحة في الوجه والرأس سواء. وأخرج البيهقي (٣) أيضًا عن سليمان بن يسار نحو ذلك. قوله: (وإن الرجل يقتل بالمرأة) قد تقدم الكلام على هذا مبسوطًا. قوله: (وعلى أهل الذهب ألف دينار) فيه دليل لمن جعل الذهب من أنواع الدية الشرعية كما سلف. ٢/ ٣٠٥٦ - (وعَنْ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ: أن رسُولَ الله ﷺ قَضى في الأنْفِ إذَا جُدِع كُلُّهُ بِالْعَقْلِ كامِلًا، وَإِذَا جُدِعَتْ أَرْنَبَتُه فَنِصْفُ الْعَقْلِ، وَقَضى في الْعَيْنِ نِصْفَ الْعَقْلِ، وَالرّجْلِ نِصْفَ العَقْلِ، وَالْيَدِ نِصْفَ العَقْلِ، وَالْمَأمُومَةِ ثُلُثَ الْعَقْلِ، وَالْمُنَقِّلَة خَمْسَةَ عَشَرَ مِنَ الإِبِلِ. رَوَاهُ أحمدُ (٤)، وَرَواهُ أبُو داوُدَ (٥) وَابْنُ ماجَهْ (٦)، وَلَمْ يَذْكُرَا فِيهِ الْعَيْنَ ولَا وَالْمُنَقِّلَة). [حسن] ٣/ ٣٠٥٧ - (وعَنِ ابْن عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "هذِهِ وَهِذِهِ سَوَاءٌ"، يَعْني الخِنْصرَ والإبْهامَ. رَواه الجَمَاعَةُ إلَّا مُسْلِمًا (٧). [صحيح]

стр. 6308

وفي رِوَايَةٍ قالَ: "دِيَةُ أَصابعِ الْيَدَيْنِ والرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ لِكُلِّ أصْبُعٍ". رَواهُ التِّرْمِذِيُّ (١) وَصَحَّحَهُ. [صحيح] ٤/ ٣٠٥٨ - (وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النبيَّ ﷺ قالَ: "الأسْنانُ سَواءٌ الثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَواءٌ". رَواهُ أبو داوُدَ (٢) وَابْن ماجَهْ) (٣). [صحيح] ٥/ ٣٠٥٩ - (وعَنِ أَبي مُوسى أن النبيَّ ﷺ قَضَى في الأصابع بِعَشْرٍ عَشْرٍ مِنَ الإِبلِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ (٤) وأَبُو داوُدَ (٥) والنَّسائيُّ) (٦). [صحيح لغيره] ٦/ ٣٠٦٠ - (وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فِي كُلِّ أصْبُعٍ عَشْرٌ مِنَ الإبلِ، وفي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإبل، والأصابعُ سواءٌ، والأسْنانُ سواءً". رواهُ الخَمْسَةُ إلَّا التِّرْمِذِيَّ) (٧). [صحيح] ٧/ ٣٠٦١ - (وعَنْ عمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "في المَوَاضِحِ خَمْسٌ خَمْسٌ مِنَ الإبلِ". رَواهُ الخَمْسَة) (٨). [حسن] ٨/ ٣٠٦٢ - (وعَنْ عمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى

стр. 6309

في الْعَيْنِ الْعَوْرَاءِ السَّادَّةِ لمكانِها إذا طُمِسَتْ بِثُلثِ دِيَتِها، وَفي الْيَدِ الشَّلَّاءِ إذا قُطِعَتْ بِثُلُثِ دِيتها، وَفي السِّنِّ السَّوْدَاءِ إذا نُزعَتْ بِثُلُثِ دِيَتها. رَواهُ النَّسائيُّ (١)، وَلأبي داوُدَ (٢) مِنْهُ: قَضَى في الْعَينِ الْقائِمةِ السَّادَّة لمَكانِها بِثُلُثِ الدِّيَةِ). [حسن] ٩/ ٣٠٦٣ - (وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ أَنَّهُ قَضى في رَجُلٍ ضَرَبَ رَجُلًا فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَبَصَر وَنِكَاحُهُ وَعَقْلُهُ بأرْبعِ دِياتٍ. ذَكَرَهُ أحمد بْن حَنْبَل في رِوَايَةِ أَبي الحارِث وَابْنِهِ عَبْدِ الله) (٣). [أثر صحيح] حديث عمرو بن شعيب الأول في إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي، وقد تكلم فيه جماعة من أهل العلم ووثقه جماعة (٤)، ولفظ أبي داود (٥): "قضى رسول الله ﷺ في الأنف إذا جدع الدِّية كاملةً، وإن جدعت ثندوته فنصف العقل، خمسون من الإبل، أو عدلها من الذهب أو الوَرِق أو مائة بقرةٍ، أو ألف شاةٍ، وفي اليد إذا قطعت نصف العقل، وفي الرجل نصف العقل، وفي المأمومة ثلث العقل: ثلاث وثلاثون وثلث، أو قيمتها من الذهب، أو الوَرِق، أو البقر، أو الشاء، والجائفةُ مثل ذلك، وفي الأصابع في كلِّ أصبع عشر من الإبل" وهو حديث طويل.

стр. 6310

وحديث ابن عباس الثاني (١) أخرجه أيضًا البزار (٢) وابن حبان (٣) ورجال إسناده رجال الصحيح. وحديث أبي موسى (٤) أخرجه أيضًا ابن حبان (٥) وابن ماجه (٦). وسكت عنه أبو داود (٧) والمنذري (٨) وإسناده لا بأس به. وحديث عمرو بن شعيب الثاني (٩) سكت عنه أبو داود (١٠) والمنذري (١١) وصاحب التلخيص (١٢)، ورجال إسناده إلى عمرو بن شعيب ثقات. وحديثه الثالث (١٣) أخرجه أيضًا ابن خزيمة (١٤) وابن الجارود (١٥) وصححاه. وحديثه الرابع (١٦) سكت عنه أبو داود (١٧) والنسائي (١٨) ورجال إسناده إلى عمرو بن شعيب ثقات. وأثر عمر أخرجه أيضًا ابن أبي شيبة (١٩) عن خالد عن عوف سمعت شيخًا في زمن الحاكم وهو ابن المهلب عم أبي قلابة قال: "رمى رجل رجلًا بحجر في رأسه في زمن عمر فذهب سمعه وبصره وعقله وذكره فلم يقرب النساء فقضى عمر فيه بأربع ديات وهو حي".

стр. 6311

وقد قدَّمنا الكلام المتعلق بفقه أكثر هذه الأحاديث في شرح حديث عمرو بن حزم المذكور في أول الباب (١)، ونتكلم الآن على ما لم يذكر هنالك. قوله: (فنصف العقل) أي الدية. قوله: (هذه وهذه سواء … إلخ) هذا نصٌّ صريحٌ يردُّ القول بالتفاضل بين الأصابع، ولا أعرف مخالفًا من أهل العلم لما يقتضيه إلا ما روي عن عمر (٢) ومجاهد (٣)، وقد قدَّمنا أنه روي عن عمر الرجوع. قوله: (الأسنانُ سواءٌ) [هذه] (٤) جملة مستقلة؛ لفظ الأسنان فيها مبتدأ ولفظ سواءٌ خبره، وقوله: "الثنية" مبتدأ، والضرس مبتدأ آخر والخبر عنهما قوله: "سواء". وإنما تعرضنا لمثل هذا مع وضوحه لأنه ربما ظُنَّ أن سواء الأولى بمعنى غير، وأنَّ الخبر عن الأسنان هو سواء الثانية، ويكون التقدير: الأسنان غير الثنية والضرس سواء، ولا شكَّ أن هذا غيرُ مراد، بل المراد: الحكم على جميع الأسنان التي يدخل تحتها الثنيةُ والضرسُ بالاستواء والتنصيص على الثنية، والضرس: إنما هو لدفع توهم عدم دخولهما تحت الأسنان، ولهذا اقتصر في الرواية الثانية على قوله: "الأسنان سواء". وبهذا يندفع قول من ذهب إلى تفضيل الثنيَّة والضِّرس من الصحابة وغيرهم، وقولُ من حكم في الأسنان بأحكام مختلفة كما سلف.

стр. 6312

قوله: (قضى في [العين] (١) العوراء السادَّة لمكانها) أي: التي هي باقية لم يذهب إلا نورها، والمراد بالطمس: ذهاب جرمها، وإنما وجب فيها ثلث دية العين الصحيحة؛ لأنها كانت بعد ذهاب بصرها باقية الجمال، فإذا قلعت، أو فقئت ذهب ذلك. قوله: (وفي اليد الشلاء … إلخ) هي التي لا نفع فيها، وإنما وجب فيها ثلث دية الصحيحة (٢) لذهاب الجمال أيضًا. قوله: (وفي السنِّ السوداء إلخ) نفع السنِّ السوداء باقٍ، وإنما ذهب منها مجرد الجمال فيكون على هذا التقدير: ذهاب النفع كذهاب الجمال، وبقاؤه فقط كبقائه وحده (٣). قال في البحر (٤): مسألة: وإذا اسودَّ السنُّ وضعف، ففيه: الدية لذهاب الجمال والمنفعة، ولقول عليٍّ ﵇: إذا اسودَّت فقد تمّ عقلها؛ أي ديتها، فإن لم تضعف فحكومة، وقال الناصر (٥) وزفر (٦): وكذا لو اصفرت أو احمرت. وقيل: لا شيء في الاصفرار؛ إذ أكثر الأسنان كذلك، قلنا: إذا لم يحصل بجناية. اهـ. قوله: (بأربع ديات) فيه دليل: على أنَّه يجب في كلِّ واحدٍ من الأربعة المذكورة دية عند من يجعل قول الصحابي حجة. وقد استدلَّ بها صاحب البحر وزعم أنه لم ينكره أحد من الصحابة فكان إجماعًا. وقد قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" (٧): إنه وجد في حديث معاذ:

стр. 6313

في السمع الدِّية، قال: وقد رواه البيهقي (١) من طريق قتادة عن ابن المسيب عن علي ﵁، وقد زعم الرافعي أنه ثبت في حديث معاذ أن في البصر الدية. قال الحافظ (٢): لم أجده وروى البيهقي (٣) من حديث معاذ في العقل الدية، وسنده ضعيف، قال البيهقي: وروينا عن عمر وعن زيد بن ثابت مثله. وقد زعم الرافعي أن ذلك في حديث عمرو بن حزم وهو غلط. وأخرج البيهقي (٤) عن زيد بن أسلم بلفظ: "مضت السنة في أشياء من الإنسان … إلى أن قال: وفي اللسان الدية وفي الصوت إذا انقطع الدية". والحاصل: أنه قد ورد النصُّ بإيجاب الدية في بعض الحواسّ الخمس الظاهرة كما عرفت، ويقاس ما لم يرد فيه نصٌّ منها على ما ورد فيه. وقد قيل: إنها تجب الدية في ذهاب القول بغير قطع اللسان بالقياس على السمع بجامع فوات القوَّة، والأولى: التعويل على النصِّ المذكور في حديث زيد بن أسلم (٥). وأما ذهاب النكاح فيمكن أن يستدلَّ لإيجاب الدية فيه بالقياس على سلس البول، فإنه قد روى محمد بن منصور بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي أنه قضى بالدية لمن ضرب حتى سلس بوله، والجامع ذهاب القوة ولكن هذا على القول بحجية قول علي. قال في البحر (٦): وفي إبطالِ مَنِيّ الرجل بحيثُ لا يقع منه حمل دية

стр. 6314

كاملة، إذ هو إبطال منفعة كاملة كالشلل، ويخالف مَني المرأة ولبنها ففيهما حكومةٌ، إذ قد يطرأُ ويزول بخلافه من الرجل فيستمر، وإذا انقطع لم يرجع. اهـ. وهذا إذا كان ذهابُ النكاح بغير قطع الذكر أو الأنثيين، فإن كان بذلك دخلت ديته في دية ذلك المقطوع، وهكذا ذهاب البصر إذا كان بغير قلع العينين أو فقئهما، وإلا وجبت الدية للعينين ولا شيء لذهابه، وهكذا السمع لو ذهب بقطع الأذنين. [الباب الثاني] بابُ ديةِ أهلِ الذِمَّةِ ١٠/ ٣٠٦٤ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جَدِّهِ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "عَقْلُ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ المُسلمِ". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) والنَّسَائيُّ (٢) والتِّرْمِذِيُّ (٣). [حسن] وفي لَفْظٍ: قَضَى أَنّ عَقْلَ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ نِصْفُ عَقْلِ المسْلِمِينَ وَهُمُ اليَهُودُ والنَّصارَى. رَواهُ أَحمدُ (٤) والنَّسائيُّ (٥) وابْنُ ماجَهْ (٦). [حسن] وفي روايةٍ: كانَتْ قِيمَةُ الدِّيةِ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ثَمَانمائةِ دِينارٍ وثَمانِيةَ آلافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أهْلِ الكِتابِ يَوْمَئذٍ النِّصْفُ مِنْ دِيةِ المُسلمِ، قالَ: وكانَ ذلِكَ كَذلِكَ حتى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ فقامَ خَطِيبًا، فقالَ: إنَّ الإبلَ قدْ غَلَتْ، قالَ فَفَرَضَهَا عُمَرُ على أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دينَار، وعلى أَهْلِ الْوَرِقِ اثنَيْ عشَرَ أَلْفًا، وعلى أَهْلِ البَقَرِ مائتَيْ بقَرَةٍ؛ وعلى أَهْلِ الشَّاةِ أَلْفَي شَاةٍ، وعلى أَهْلِ الْحُللِ مائَتي حلَّةٍ، قالَ:

стр. 6315

وَتَرَكَ دِيةَ أَهْلِ الذِّمّةِ لمْ يَرْفَعْها فِيما رَفَعَ مِنَ الدِّيةِ. رواهُ أبُو دَاوُد) (١). [حسن] ١١/ ٣٠٦٥ - (وعَنْ سَعِيد بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: كانَ عُمَرُ يَجْعَلُ دِيةَ اليهُودِيِّ والنّصْرانيِّ أرْبعةَ آلافٍ، والمَجُوسِيِّ ثَمانِمائةٍ. رَواهُ الشَّافِعِي (٢) والدَّارقطنيُّ) (٣). [أثر صحيح] حديث عمرو بن شعيب حسنه الترمذي (٤)، وصححه ابن الجارود (٥). وأثر عمر أخرجه أيضًا البيهقي (٦). وأخرج ابن حزم في "الإيصال" (٧) من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر: أن رسول الله ﷺ قال: "ديةُ المجوسيِّ ثمانمائة درهم"، وأخرجه أيضًا الطحاوي (٨) وابن عدي (٩) والبيهقي (١٠) وإسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة. وروى البيهقي (١١) عن ابن مسعود وعلي أنهما كانا يقولان: "في دية المجوسي ثمانمائة درهم". وفي إسناده ابن لهيعة. وأخرج البيهقي (١٢) أيضًا عن عقبة بن عامر نحوه، وفيه أيضًا ابن لهيعة وروى نحو ذلك ابن عدي (٩) والبيهقي (١٠) والطحاوي (٨) عن عثمان، وفيه ابن لهيعة.

стр. 6316

قوله: (عقل الكافر نصف دية المسلم) أي دية الكافر نصف دية المسلم، فيه دليل: على أن دية الكافر الذميِّ نصف دية المسلم، وإليه ذهب مالك (١). وذهب الشافعي (٢) والناصر (٣) إلى أن دية الكافر أربعة آلاف درهم. والذي في منهاج النووي (٤) أنَّ دية اليهوديِّ والنصرانيِّ ثلث دية المسلم، ودية المجوسيِّ ثلثا عشر دية المسلم، قال شارحه (٥) "المحلى": أنه قال بالأول عمر وعثمان، وبالثاني عمر وعثمان أيضًا وابن مسعود. ثم قال النووي في المنهاج (٤): وكذا وثَنِيٌّ له أمان، يعنيي أنَّ ديته دية [مجوسيّ] (٦)، ثم قال: والمذهب أن من لم يبلغه الإسلام إن تمسك بدين لم يبدّل فديته دية دينه وإلا فكمجوسي. وحكي في البحر (٧) عن زيد بن علي والقاسمية وأبي حنيفة (٨) وأصحابه أن دية المجوسيِّ كالذميِّ، وعن الناصر (٧) والإمام يحيى والشافعي (٩) ومالك (١٠) أنها ثمانمائة درهم. وذهب الثوري (١١) والزهري (١١) وزيد بن علي (١٢) وأبو حنيفة (١٣) وأصحابه والقاسمية (١٢) إلى أن دية الذمي كدية المسلم. وروي عن أحمد (١٤): أن ديته مثلُ دية المسلم إن قُتِلَ عمدًا وإلا فنصفُ ديةٍ.

стр. 6317

احتجَّ من قال: إن ديته ثلث دية المسلم بفعل عمر (١) المذكور من عدم رفع دية أهل الذمة وأنها كانت في عصره أربعة آلاف درهم ودية المسلم اثنا عشر ألف درهم. ويجاب عنه بأن فعل عمر ليس بحجة على فرض عدم معارضته لما ثبت عنه ﷺ ، فكيف وهو هنا معارض للثابت قولًا وفعلأ. وتمسكوا في جعل دية المجوسي ثلثي عشر دية المسلم بفعل عمر المذكور في الباب. ويجاب عنه بما تقدم ويمكن الاحتجاج لهم بحديث عقبة بن عامر (٢) الذي ذكرناه فإنه موافق لفعل عمر، لأن ذلك المقدار هو ثلثا عشر الدية إذ هي اثنا عشر ألف درهم وعشرها اثنا عشر مائة، وثلثا عشرها ثمانمائة. ويجاب بأن إسناده ضعيف كما أسلفنا فلا يقوم بمثله حجة. لا يقال: إن الرواية الثانية من حديث الباب (٣) بلفظ: "قضى أن عقل أهل الكتابين، إلخ" مقيدة باليهود والنصارى، والرواية الأولى منه مطلقة فيحمل المطلق على المقيد، ويكون المراد بالحديث دية اليهود والنصارى دون المجوس. لأنا نقول: لا نسلم صلاحية الرواية الثانية للتقييد ولا للتخلص، لأن ذلك من التنصيص على بعض أفراد المطلق أو العام، وما كان كذلك فلا يكون مقيدًا لغيره ولا مخصصًا له، ويوضح ذلك: أن غاية ما في قوله: عقل أهل الكتابين أن يكون من عداهم بخلافهم لمفهوم اللَّقَب، وهو غير معمولٍ به عند الجمهور وهو الحقُّ فلا يصلح لتخصيص قوله ﷺ : "عقل الكافر نصف دية المسلم" ولا لتقييده على فرض الإطلاق ولا سيما ومخرج اللفظين واحدٌ والراوي واحدٌ، فإنَّ ذلك يفيد: أن أحدهما من تصرُّف الراوي، واللازم الأخذ بما هو مشتمل على زيادة، فيكون المجوسيُّ داخلًا تحت ذلك العموم، وكذلك كل من له ذمّة من الكفار، ولا يخرج عنه إلا من لا ذمّة له، ولا أمان، ولا عهد من

стр. 6318

المسلمين؛ لأنه مباحُ الدم، ولو فرض عدم دخول المجوسيِّ تحت ذلك اللفظ؛ كان حكمه حكم اليهود والنصارى، والجامع الذمة من المسلمين للجميع ويؤيد ذلك حديث: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (١). واحتج القائلون بأن دية الذمي كدية المسلم بعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ (٢)، قالوا: وإطلاق الدية يفيد: أنَّها الدية المعهودة، وهي دية المسلم. ويجاب عنه (أولًا) بمنع كون المعهود ههنا هو دية المسلم، لِمَ لا يجوز أن يكون المراد بالدية الدية المتعارفة بين المسلمين لأهل الذمة والمعاهدين. (وثانيًا) بأن هذا الإطلاق مقيد بحديث الباب. واستدلوا (ثانيًا) بما أخرجه الترمذي (٣) عن ابن عباس، وقال: غريب: أن النبيّ ﷺ ودى العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضَّمْري - وكان لهما عهدٌ من النبي ﷺ ؛ لم يشعر به عمرو - بدية المسلمين. وبما أخرجه البيهقي (٤) عن الزهريِّ: أنها كانت دية اليهوديِّ والنصرانيِّ في زمن النبي ﷺ مثل دية المسلم، وفي زمن أبي بكر وعمر وعثمان، فلما كان معاوية أعطى أهل المقتول النصف وألقى النصف في بيت المال. قال: ثم قضى عمر بن عبد العزيز بالنصف وألغى ما كان جعل معاوية. وبما أخرجه (٥) أيضًا عن عكرمة، عن ابن عباس قال: "جعل رسول الله ﷺ دية العامريين دية الحر المسلم وكان لهما عهد". وأخرج (٦) أيضًا من وجه آخر أنه ﷺ جعل دية المعاهدين دية المسلم.

стр. 6319

وأخرج (١) أيضًا عن ابن عمر: "أن النبي ﷺ ودى ذميًا دية مسلم". ويجاب عن حديث ابن عباس بأن في إسناده [أبا سعيد] (٢) البقال واسمه سعيد بن المرزبان ولا يحتج بحديثه، والراوي عنه أبو بكر بن عياش، وحديث الزهري مرسل ومراسيله قبيحة، لأنه حافظ كبير لا يرسل إلا لعلة. وحديث ابن عباس الآخر في إسناده أيضًا [أبو سعيد] (٢) البقال المذكور، وله طريق أخرى فيها الحسن بن عمارة وهو متروك (٣). وحديث ابن عمر في إسناده أبو كرز (٤) وهو أيضًا متروك. ومع هذه العلل فهذه الأحاديث معارضة بحديث الباب (٥) وهو أرجح منها من جهة صحته، وكونه قولًا وهذه فعلًا والقول أرجح من الفعل، ولو سلمنا صلاحيتها للاحتجاج وجعلناها مخصصة لعموم حديث الباب كان غاية ما فيها إخراج المعاهد ولا ضير في ذلك، فإن بين الذمي والمعاهد فرقًا، لأن الذمي ذل ورضي بما حكم به عليه من الذلة بخلاف المعاهد فلم يرضَ بما حكم عليه به منها فوجب ضمان دمه وماله الضمان الأصلي الذي كان بين أهل الكفر وهو الدية الكاملة التي ورد الإسلام بتقريرها. ولكنه يعكر على هذا ما وقع في رواية من حديث عمرو بن شعيب عند

стр. 6320

أبي داود (١) بلفظ: "دية المعاهد نصف دية الحر"، وتخلص عن هذا بعض المتأخرين فقال: إن لفظ المعاهد يطلق على الذمي فيحمل ما وقع في حديث عمرو بن شعيب (٢) عليه ليحصل الجمع بين الأحاديث، ولا يخفى ما في ذلك من التكلف. والراجح العمل بالحديث الصحيح وطرح ما يقابله مما لا أصل له في الصحة. وأما ما ذهب إليه أحمد (٣) من التفصيل باعتبار العمد والخطأ فليس عليه دليل. [الباب الثالث] باب دية المرأة في النفس وما دونها ١٢/ ٣٠٦٦ - (عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "عَقْلُ المَرأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حتَّى يبْلُغَ الثُّلُثَ مِنْ دِيَتِهِ". رَوَاهُ النَّسائيُّ (٤) والدَّارَقُطْنِيُّ) (٥). [ضعيف] ١٣/ ٣٠٦٧ - (وعَنْ رَبيعَةَ بْنِ أبي عَبدِ الرَّحمنِ أنهُ قالَ: سألت سعيد بْنِ المُسَيَّبِ: كمْ في أصْبُعِ المَرْأَةِ؟ قالَ: عشْرٌ مِنَ الإبلِ، قلْتُ: كمْ في أصْبُعَيْنِ؟ قالَ: عِشرُون مِنَ الإبلِ، قلْتُ: فكَمْ في ثَلاثِ أصَابِعَ؟ قالَ: ثلَاثونَ مِنَ الإبلِ، قلْتُ: فكَمْ في أَرْبَعِ أَصَابِعَ؟ قالَ: عشْرُونَ مِنَ الإبِلِ، قُلْتُ: حِينَ عَظُمَ جُرْحهَا واشْتَدَّتْ مُصِيبتها نَقصَ عَقْلُها، قالَ سعِيدٌ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ قلْتُ: بلْ

стр. 6321

عالِمٌ مُتَثَبِّتٌ أوْ جاهِلٌ متعَلِّمٌ، قالَ: هِيَ السُّنَّةُ يا ابْنَ أَخِي. رَوَاهُ مالكٌ في المُوطَّأ (١) عنه). [مقطوع صحيح] حديث عمرو بن شعيب هو من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عنه، وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة كما حكي ذلك عنه في بلوغ المرام (٢). وحديث سعيد بن المسيب أخرجه أيضًا البيهقي (٣) [من طريق مالك] (٤) وعلى تسليم أن قوله: من السنة، يدل على الرفع فهو مرسل. وقد قال الشافعي (٥) فيما أخرجه عنه البيهقي أن قول سعيد: من السنة، يشبه أن يكون عن النبي ﷺ أو عن عامة من أصحابه ثم قال: وقد كنا نقول: إنه على هذا المعنى، ثم وقفت عنه وأسأل الله الخير لأنا قد نجد منهم من يقول السنة، ثم لا نجد لقوله السنة نفاذًا إنها عن النبي ﷺ ، والقياس أولى بنافيها. وروى صاحب التلخيص (٦) عن الشافعي أنه قال: كان مالك يذكر أنه السنة وكنت أتابعه عليه وفي نفسي منه شيء، ثم علمت أنه يريد أنه سنة أهل المدينة فرجعت عنه. وفي الباب عن معاذ بن جبل (٧) عن النبي ﷺ قال: "دية المرأة نصف دية

стр. 6322

الرجل"، قال البيهقي (١): إسناده لا يثبت مثله. وأخرج البيهقي (٢) عن علي أنه قال: دية المرأة على النصف من دية الرجل في الكل، وهو من رواية إبراهيم النخعي عنه وفيه انقطاع. وأخرجه ابن أبي شيبة (٣) من طريق الشعبي عنه، وأخرجه أيضًا (٤) من وجه آخر عنه وعن عمر. قوله: (عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديته)، فيه دليل على أنَّ أرش المرأة يساوي أرش الرَّجل في الجراحات التي لا يبلغ أرشها إلى ثلث دية الرجل، وفيما بلغ أرشه إلى مقدار الثلث من الجراحات يكون أرشها فيه كنصف أرش الرجل، لحديث سعيد بن المسيب (٥) المذكور. وإلى هذا ذهب الجمهور من أهل المدينة منهم مالك (٦) وأصحابه، وهو مذهب سعيد بن المسيب كما تقدم في رواية مالك (٦) عنه. ورواه أيضًا عن عروة بن الزبير، وهو مروي عن عمر (٧) وزيد بن ثابت (٨) وعمر بن عبد العزيز، وبه قال أحمد (٩) وإسحاق والشافعي (١٠) في قول، وصفة التقدير أن يكون على الصفة المذكورة في حديث الباب عن سعيد بن المسيب فإنه جعل أرش إصبعها عشرًا، وأرش الأصبعين عشرين، وأرش الثلاث ثلاثين لأنها دون ثلث دية الرجل، فلما سأله السائل عن أرش الأربع الأصابع جعلها عشرين من الإبل، لأنها لما جاوزت ثلث دية الرجل وكان أرش الأصابع الأربع من الرجل أربعين من الإبل كان أرش الأربع من المرأة عشرين، وهذا كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: "إن المرأة حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها".

стр. 6323

والسبب في ذلك أن سعيدًا جعل التنصيف بعد بلوغ الثلث من دية الرجل راجعًا إلى جميع الأرش، ولو جعل التنصيف باعتبار المقدار الزائد على الثلث، لا باعتبار ما دونه، فيكون مثلًا في الأصبع الرابعة من المرأة خمس من الإبل، لأنها هي التي جاوزت الثلث، ولا يحكم بالتنصيف في الثلاث الأصابع، فإذا قطع من المرأة أربع أصابع كان فيها خمس وثلاثون ناقة لم يكن في ذلك إشكال، ولم يدل حديث عمرو بن شعيب (١) المذكور إلا على أن أرشها في الثلث فما دون مثل أرش الرجل، وليس في ذلك دليل على أنها إذا حصلت المجاوزة للثلث لزم تنصيف ما لم يجاوز الثلث من الجنايات على فرض وقوعها متعددة، كالأصابع والأسنان، وأما لو كانت جنايةً واحدةً مجاوزةً للثلث من دية الرجل فيمكن أن يقال باستحقاق نصف أرش الرجل في الكلِّ، فإنْ كان ما أفتى به سعيد مفهومًا من مثل حديث عمرو بن شعيب فغير مسلَّم، وإنْ كان حفظ ذلك التفصيل من السنة التي أشار إليها، فإن أراد سنة أهل المدينة كما تقدم عن الشافعي فليس في ذلك حجة، وإنْ أراد السنة الثابتة عنه ﷺ فنعم، ولكن مع الاحتمال لا ينتهض إطلاق تلك السنة للاحتجاج به، ولا سيما بعد قول الشافعي (٢) إنه علم أن سعيدًا أراد سنة أهل المدينة، ومع ذلك فالمرسل لا تقوم به حجة، فالأولى أن يحكم في الجنايات المتعددة بمثل أرش الرجل في الثلث فما دون، وبعد المجاوزة يحكم بتنصيف الزائد على الثلث فقط لئلا يتقحم الإنسان في مضيق مخالف للعدل والعقل والقياس بلا حجة نيرة. وحكى صاحب البحر (٣) عن ابن مسعود وشريح أن أرش المرأة يساوي أرش الرجل، حتى يبلغ أرشها خمسًا من الإبل ثم ينصف. قال في نهاية المجتهد (٤): إنَّ الأشهر عن ابن مسعودٍ، وعثمان، وشريحٍ، وجماعة: أن دية جراحة المرأة مثلُ دية جراحة الرجل؛ إلا الموضحة فإنَّها على النصف.

стр. 6324

وحكي في البحر (١) أيضًا عن زيد بن ثابت، وسليمان بن يسار: أنَّهما يستويان حتى يبلغ أرشها خمس عشرة من الإبل. وعن الحسن البصري (٢): يستويان إلى النصف ثم ينصف، وهذه الأقوال لا دليل عليها. وذهب علي، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والليث، والثوري، والعترة (٣) والشافعية (٤) والحنفية (٥) كما حكى ذلك عنهم صاحب البحر (٦) إلى أن أرش المرأة نصفُ أرش الرجل في القليل والكثير. واستدلوا بحديث معاذ (٧) الذي ذكرناه، وهو مع كونه لا يصلح للاحتجاج به لما سلف يمكن الجمع بينه وبين حديث الباب إما بحمله على الدية الكاملة كما هو ظاهر اللفظ. وذلك مجمع عليه كما حكاه في البحر (٦) في موضعين. حكى في أحدهما (٨) بعد حكاية الإجماع خلافًا للأصم وابن عليّة أن ديتها مثلُ دية الرجل، ويمكن الجمع بوجه آخر على فرض أن لفظ الدية يصدق على دية النفس وما دونها وهو أن يقال: هذا العموم مخصوص بحديث عمرو بن شعيب (٩) المذكور فتكون ديتها كنصف ديةُ الرجل فيما جاوز الثلث فقط. [الباب الرابع] باب دية الجنين ١٤/ ٣٠٦٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيرَة قالَ: قَضَى رَسُولُ الله ﷺ في جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لَحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثمَّ إنَّ المرْأَةَ التي قَضَى عَلَيْها بالْغُرةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضى رسُولُ الله ﷺ بأنَّ مِيرَاثها لِبَنيها وَزوْجِها وأَنَّ العقْلَ على عَصَبَتِها. [صحيح]

стр. 6325

وَفِي رِوَايَةٍ: اقْتَتَلَتِ امْرأَتان مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُما الأخْرَى بحَجَرٍ فقَتَلْتَها ومَاء في بَطْنِها، فاخْتَصَمُوا إلى رسولِ الله ﷺ فَقَضَى أن ديَةَ جَنِينها غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ وَليدَةٌ، وَقَضى بِدِية المَرْأَةِ على عاقلتها مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما (١). [صحيح] وفِيه دليلٌ على أَن دِية شِبْه العمدْ تحْمِلُها العاقلةُ). ١٥/ ٣٠٦٩ - (وعَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَشَارَهُمْ في إمْلَاصِ المَرأَةِ، فقالَ المُغِيرَةُ: قضى النَّبِيُّ ﷺ فِيهِ بالْغُرَّةِ: عبْدٍ أَو أَمَةٍ، فَشَهِدَ محمَّدُ بْنُ مَسْلمةَ أنهُ شَهِدَ النَّبِيَّ ﷺ قَضى به. مُتَّفَقٌ عَليهِ) (٢). [صحيح] ١٦/ ٣٠٧٠ - (وعَنِ المُغِيرةِ أَنَّ امْرَأَةً ضَرَبَتْها ضَرَّتُها بِعَمُود فسْطَاطٍ، فَقَتَلَتْها وَهِيَ حُبْلَى فأُتِيَ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ فَقضَى فِيهَا على عَصَبَةِ الْقاتلةِ بالدِّيَةِ في الجَنِينِ غُرَّةٌ، فقالَ عَصبَتُها: أَنَدِي ما لَا طَعِمَ ولَا شَرِبَ ولَا صَاحَ ولَا اسْتَهَلّ، مِثلُ ذلِكَ يُطَلُّ، فَقالَ: "سَجْعٌ مثلُ سجْعِ الأعْرَابِ". رَواهُ أحمدُ (٣) وَمُسْلِمٌ (٤) وأَبُو داوُد (٥) والنَّسائيُّ (٦)، وكَذَلِكَ التِّرمذيُّ (٧) وَلمْ يَذْكُرِ اعْتِرَاضَ العَصَبَة وجَوَابَهُ). [صحيح] ١٧/ ٣٠٧١ - (وعن ابن عبَّاسٍ في قِصَّةِ حَمَلِ بْنِ مالكٍ قالَ: فَأَسقَطَتْ غُلامًا قَدْ نَبَتَ شَعْرُهُ مَيِّتًا وَمَاتَتَ المرأَةُ فَقَضَى على العَاقِلَةِ بالدِّيةِ، فقالَ عَمُّها: إنَّها قدْ أسْقَطَتْ يا نَبِيّ الله غُلامًا قَدْ نَبتَ شَعْر، فَقالَ أبُو القَاتِلَةِ: إنَّهُ كَاذِب إنَّهُ وَالله ما اسْتَهَلَّ ولَا شَرب [ولا أكَلَ] (٨) فَمِثْلُهُ يُطَلُّ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أسَجْعُ الجَاهِلِيَّةِ وكَهَانَتِها، أَدِّ في الصَّبِيِّ غُرةً". رَوَاهُ أبو داوُد (٩) والنَّسائيُّ (١٠). [صحيح لغيره]

стр. 6326

وَهْوَ دَليلٌ على أن الأبَ مِنَ العَاقِلةِ). حديث ابن عباس أخرجه أيضًا ابن ماجه (١) وابن حبان (٢) والحاكم (٣) وصحَّحاه. قوله: (في جنين امرأةٍ) الجنين - بفتح الجيم بعده نونان بينهما ياء تحتية ساكنة، بوزن عظيم - وهو حمل المرأة ما دام في بطنها (٤) سمي بذلك لاستتاره، فإنْ خرج حيًّا؛ فهو ولد، أو ميتًا، فهو سقط، وقد يطلق عليه جنين. قال الباجي في شرح رجال الموطإ (٥): الجنين: ما ألقته المرأة مما يعرف أنَّه ولدٌ، سواء كان ذكرًا، أو أنثى، ما لم يستهلَّ صارخًا. قوله: (بغرَّةٍ) - بضمِّ الغين المعجمة، وتشديد الراء - وأصلها: البياض في وجه الفرس. قال الجوهري (٦): كأنَّه عبر بالغرَّة عن الجسم كلِّه، كما قالوا: أعتق رقبة وقوله: "عبد أو أمةٍ" تفسيرٌ للغرّة، وقد اختلف؛ هل لفظ غرَّةٍ مضاف إلى عبدٍ أو منون؟ قال الإسماعيلي (٧): قرأه العامة بالإضافة وغيرهم بالتنوين. وحكي القاضي عياض (٨) الاختلاف، وقال: التنوين أوجه؛ لأنه بيانٌ للغرَّة ما هي؟ وتوجيه الإضافة: أن الشيء قد يضاف إلى نفسه لكنه نادرٌ. قال الباجي (٩): يحتمل أن [تكون] (١٠) "أو" شكًا من الراوي في تلك الواقعة المخصوصة، ويحتمل أن تكون للتنويع وهو الأظهر.

стр. 6327

قال في الفتح (١): قيل: المرفوع من الحديث قوله: "بغرّة"، وأما قوله: "عبدٍ أو أمة" فشك من الراوي في المراد بها. وروي عن أبي عمرو بن العلاء: أنَّه قال: الغرّة: عبد أبيضٌ، أو أمةٌ بيضاءُ. فلا يجزي عنده في دية الجنين الرقبةُ السوداءُ؛ وذلك منه مراعاةً لأصل الاشتقاق، وقد شذَّ بذلك، فإن سائر أهل العلم يقولون بالجواز. وقال مالك (٢): الحمران أولى من السودان. قال في الفتح (٣) وفي رواية ابن أبي عاصم: "ما له عبد ولا أمة، قال: عشر من الإبل، قالوا: ما له شيء إلا أن تعينه من صدقة بني لحيان، فأعانه بها". وفي حديثه عند الحارث بن أبي أسامة (٤): "وفي الجنين عبد، أو أمة، أو عشر من الإبل، أو مائة شاة".

стр. 6328

ووقع في حديث أبي هريرة (١): "قضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرةٍ عبدٍ، أو أمةٍ، أو فرسٍ، أو بغل". وكذا وقع عند عبد الرزاق (٢) عن حمل بن النابغة: "قضى رسول الله ﷺ بالدية في المرأة وفي الجنين غرة عبد أو أمة أو فرس"، وأشار البيهقي (٣) إلى أن ذكر الفرس في المرفوع وهم، وأنَّ ذلك أدرج من بعض رواته على سبيل التفسير للغرَّة، وذكر أنَّه في رواية حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار، عن طاوس بلفظ:

стр. 6329

"فقضى أن في الجنين غرة"، قال طاوس: الفرس غرَّةٌ؛ وكذا أخرج الإسماعيلي (١) عن عروة قال: الفرس غرَّةٌ. وكأنهما رأيا: أن الفرس أحقُّ بإطلاق الغرة من الآدمي. ونقل ابن المنذر، والخطابى (٢) عن طاوس، ومجاهد، وعروة بن الزبير: الغرة عبد أو أمة أو فرس (٣). وتوسع داود ومن تبعه من أهل الظاهر فقالوا: يجزئ كل ما وقع عليه اسم غرة. وحكي في الفتح (٤) عن الجمهور: أن أقلَّ ما يجزي من العبد والأمة ما سلم [من] (٥) العيوب التي يثبت بها الردُّ في البيع؛ لأن المعيب ليس من الخيار. واستنبط الشافعي (٦) من ذلك أن يكون منتفعًا به بشرط أن لا ينقص عن سبع سنين؛ لأن من لم يبلغها لا يستقلَّ غالبًا بنفسه، فيحتاج إلى التعهد بالتربية، فلا يجبر المستحقُّ على أخذه، وافقه على ذلك القاسمية. وأخذ بعضهم من لفظ الغلام المذكور في رواية أن لا يزيد على خمس عشرة ولا تزيد الجارية على عشرين. وقال ابن دقيق العيد (٧): إنه يجزئ ولو بلغ الستين وأكثر منها ما لم يصل إلى سنِّ الهرم، ورجحه الحافظ (٨) وذهب الباقر (٩) والصادق والناصر (٩) في أحد قوليه إلى أن الغرة عشر الدية، وخالفهم في ذلك الجمهور وقالوا: الغرة ما ذكر في الحديث. قال في الفتح (١٠): وتطلق الغرَّةُ على الشيء النفيس، آدميًا كان أم غيره، ذكرًا أم أنثى.
следующие страницы →