← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6360–6399 · переход к 6365.

стр. 6360

رواهُ أَحْمَدُ (١) وابْنُ ماجهْ) (٢). [صحيح] ٣٤/ ٣٠٨٨ - (وعَنْ أَبي رِمْثَةَ قالَ: خَرَجْتُ مَعَ أَبي حَتَّى أَتَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ ، فَرَأَيْتُ بِرَأسِهِ رَدْعَ حِنَّاءٍ، وقالَ لأبي: "هَذَا ابْنُكَ؟ "، قالَ: نَعَمْ، قالَ: "أَمَا إنهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلا تَجْنِي عَليهِ"، وقَرَأَ رَسُولُ الله ﷺ : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣). رَوَاهُ أحمدُ (٤) وأبو دَاوُدَ) (٥). [صحيح] ٣٥/ ٣٠٨٩ - (وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "لَا يُؤخذُ الرَّجلُ بِجَرِيرَةِ أبيهِ، وَلا بِجَرِيرَةِ أَخيهِ". رَواهُ النّسائيُّ) (٦). [صحيح] ٣٦/ ٣٠٩٠ - (وعَنْ رجُلٍ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ قالَ: أَتَيْنَا رسولَ الله ﷺ وهُوَ يُكلِّمُ النَّاسَ، فقامَ إليهِ النَّاسُ فقالوا: يا رسُولَ الله هؤلَاءِ بَنُو فلَانٍ الَّذِينَ قتَلُوا فلَانًا، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "لَا تَجْنِي نَفْسٌ على نفْسٍ". رواهُ أَحمَدُ (٧) والنَّسَائيُّ) (٨). [صحيح] حديث عمرو بن الأحوص أخرجه أيضًا أبو داود (٩)، كما روى ذلك عنه

стр. 6361

صاحب التلخيص (١)، ورجال إسناده ثقات إلا سليمان بن عمرو بن الأحوص وهو مقبول. وحديث الخشخاش أورده في التلخيص (٢): وسكت عنه، وله طرق رجال أسانيدها ثقات. وروى نحوه الطبراني (٣) مرسلًا بإسناد رجاله ثقات. وحديث أبي رمثة أخرجه أيضًا النسائي (٤) والترمذي (٥) وحسنه، وصححه ابن خزيمة (٦) وابن الجارود (٧) والحاكم (٨). قال الحافظ (٩): وأخرج نحوه أحمد (١٠) والنسائي (١١) من رواية ثعلبة بن زَهْدَم، وللنسائي (١٢) وابن ماجه (١٣) وابن حبان (١٤) من رواية طارق المحاربي. ولابن ماجه (١٥) من رواية أسامة بن شريك. انتهى. وحديث ابن مسعود أخرجه أيضًا البزار (١٦) ورجاله رجال الصحيح. وحديث الرجل من بني يربوع (١٧)، رجال أحمد رجال الصحيح.

стр. 6362

وأحاديث الباب يشهد بعضها لبعض ويقوِّي بعضُها بعضًا. والثَّلاثةُ الأحاديثُ الأولى تدلُّ على أنه لا يضمن الولد من جناية أبيه شيئًا، ولا يضمن الوالد من جناية ابنه شيئًا، أما عدم ضمان الولد: فهو مخصوص من ضمان العاقلة بما سلف في حديث جابر. وأما الأب فقد استدل بهذه الأحاديث: على أنه لا يضمن جناية ابنه كما أن الابن لا يضمن جناية الأب، وإلى ذلك ذهب مالك (١) والشافعي (٢) في الابن والأب كما تقدم، وجعلا هذه الأحاديث مخصصة لعموم الأحاديث القاضية بضمان العاقلة على العموم فلا يكون الأب والابن من العاقلة التي تضمن الجناية الواقعة على جهة الخطأ، وخالفتهما في ذلك العترة (٣) كما سلف. ويمكن الاستدلال لهم بأنَّ هذه الأحاديث قاضيةٌ بعدم ضمان الابن لجناية الأب، والأب لجناية الابن سواء كانت عمدًا أو خطأ، فتكون مخصصةً بالأحاديث القاضية بضمان العاقلة، وهذا وإن سلم فلا يتمُّ باعتبار الابن؛ لأنه قد خرج من عموم العاقلة بما تقدم في حديث جابر (٤) من أنه ﷺ جعل دية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرَّأ زوجها وولدها. والحاصل أنه قد تعارض ههنا عمومان؛ لأن الأحاديث القاضية بضمان العاقلة هي أعمُّ من الأب وغيره من الأقارب، كما سلف والأحاديث المذكورة هي أعمُّ من جناية العمد والخطأ. وقد قيل: إن ما تحمله العاقلة في جناية الخطأ والقسامة ليس من تحمل عقوبة الجناية، وإنما هو من باب النصرة والمعاضدة فيما بين الأقارب، فلا معارضة بين هذه الأحاديث وأحاديث ضمان العاقلة. وقد تقدم في باب دية الجنين (٥) من حديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ قال لأبي القاتلة: "أدّ في الصبيِّ غرّةً"، وجعله المصنف دليلًا: على أن الأب من العاقلة كما سلف.

стр. 6363

وأما حديث ابن مسعود (١)، وحديث الرجل الذي من بني يربوع (٢) فهما يدلان على أنه لا يؤاخذ أحدٌ بذنب أحدٍ في عقوبةٍ ولا ضمان، ولكنَّهما مخصصان بأحاديث ضمان العاقلة المتقدمة؛ لأنهما أعمُّ مطلقًا كما خصص بها عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٣). وقد قدمنا أن ضمان العاقلة لجناية الخطأ مجمع عليه على ما حكاه صاحب الفتح (٤)، وقد حمل المصنف ﵀ هذه العمومات على جناية العمد كما سيأتي. قوله: (وعن الخشخاش) بخاءين معجمتين مفتوحتين وشينين معجمتين الأولى ساكنة. قوله: (عن أبي رِمثة) بكسر الراء المهملة وبعدها ميم ساكنة وثاء مثلثة وتاء تأنيث، واسمه رفاعة بن يثربي بفتح التحتية بعدها مثلثة ساكنة ثم راء مكسورة ثم باء موحدة ثم ياء النسبة، وفي اسمه اختلاف كثير. قوله: (رَدْعٌ) (٥) بفتح الراء وسكون الدال المهملة بعدها عين مهملة: وهو لطخ من زعفران أو دم أو حناء أو طيب أو غير ذلك. وهو هنا من حناء كما وقع مبينًا في الرواية. قوله: (بجريرةِ أبيه) بجيم فراء فتحتية فراء فهاء تأنيث. قال في القاموس (٦): والجريرة: الذنب والجناية. ٣٧/ ٣٠٩١ - (وعَنْ عُمَرَ قالَ: الْعَمْدُ والْعَبْدُ والصُّلحُ وَالاعتِرَافُ لَا تَعْقِلُهُ العَاقِلَةُ. رواهُ الدَّارقُطْنِيُّ (٧). [أثر ضعيف منقطع]

стр. 6364

وحكى أحمَدُ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ مِثْلَهُ. وقالَ الزُّهْرِيُّ: مَضَتْ السُّنَّة أن العَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ شيئًا مِنْ دِيةِ العمْدِ إلَّا أنْ يَشاؤوا. رواهُ عَنْهُ مالكٌ في المُوطأ (١). [مقطوع صحيح] وعلى هَذَا وأَمْثَالِهِ تُحْمَلُ العُمُوماتُ المَذْكُورةُ). أثر عمر أخرجه أيضًا البيهقي (٢)، قال الحافظ (٣): وهو منقطع، وفي إسناده عبد الملك بن حسين وهو ضعيف (٤). قال البيهقي (٥): والمحفوظ أنه عن عامر الشعبي من قوله. وأثر ابن عباس أخرجه أيضًا البيهقي (٦)، ولفظه: "لا تحمل العاقلة عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا ولا ما جنى المملوك". وقول الزهري روى معناه البيهقي (٧) عن أبي الزناد عن الفقهاء من أهل المدينة. وفي الباب عن عبادة بن الصامت عند الدارقطني (٨) والطبراني (٩): أن

стр. 6365

رسول الله ﷺ قال: "لا تجعلوا على العاقلة من دية المعترف شيئًا". وفي إسناده محمد بن سعيد المصلوب (١) وهو كذاب، وفيه أيضًا الحارث بن نبهان (٢) وهو منكر الحديث. وقد تمسك بما في الباب من قال: إن العاقلة لا تعقل العمد ولا العبد ولا الصلح ولا الاعتراف. وقد اختلف في المجني عليه إذا كان عبدًا، فذهب الحكم (٣) وحماد (٣) والعترة (٤) وأبو حنيفة (٥) والشافعي (٦) في أحد قوليه إلى أن العاقلة تحمل العبد كالحر. وذهب مالك (٧) والليث وأحمد (٨) وإسحاق وأبو ثور إلى أنها لا تحمله. وقد أجيب عن قول عمر مع كونه مما لا يحتج به لكون أقوال الصحابة لا تكون حجة إلا إذا أجمعوا أن المراد أن العاقلة لا تعقل الجناية الواقعة من العبد على غيره كما يدل على ذلك قول ابن عباس الذي ذكرناه بلفظ: "ولا ما جنى المملوك".

стр. 6366

والحاصل أنه لم يكن في الباب ما ينبغي إثبات الأحكام الشرعية بمثله، فالمتوجه الرجوع إلى الأحاديث القاضية بضمان العاقلة مطلقًا لجناية الخطأ، ولا يخرج عن ذلك إلا ما كان عمدًا. وظاهره عدم الفرق بين كون الجناية الواقعة على جهة العمد من الرجل على غيره أو على نفسه، وإليه ذهبت العترة (١) والحنفية (٢) والشافعية (٣)، وذهب الأوزاعي وأحمد (٤) وإسحاق إلى أن جناية العمد على نفس الجاني مضمونة على عاقلته. واعلم أنه [قد] (٥) وقعَ الإجماع على أن دية الخطأ مؤجلة على العاقلة. ولكن اختلفوا في مقدار الأجل، فذهب الأكثر إلى أن الأجل ثلاث سنين. وقال ربيعة: إلى خمس، وحكي في البحر (٦) عن بعض الناس بعد حكايته للإجماع السابق أنه تكون حالة إذ لم يرو عنه ﷺ تأجيلها. قال في البحر (٧): قلنا: روي عن علي أنه قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين (٨)، وقاله عمر (٩) وابن عباس ولم ينكرا. انتهى. قال الشافعي (١٠) في المختصر: لا أعلم مخالفًا أن رسول الله ﷺ قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين. قال الرافعي (١١): تكلم أصحابنا في ورود الخبر بذلك، فمنهم من قال: ورد ونسبه إلى رواية علي ﵇، ومنهم من قال: ورد أنه ﷺ قضى بالدية على العاقلة. وأما التأجيل فلم يرد به الخبر وأخذ ذلك من إجماع الصحابة. وقال ابن المنذر (١١): ما ذكره الشافعي لا نعرفه أصلًا من كتاب ولا سنة،

стр. 6367

وقد سئل عن ذلك أحمد بن حنبل (١) فقال: لا نعرف فيه شيئًا، فقيل: إن أبا عبد الله - يعني الشافعي - رواه عن النبي ﷺ فقال: لعله سمعه من ذلك المدني فإنه كان حسن الظن به، يعني إبراهيم بن أبي يحيى. وتعقبه ابن الرفعة (٢) بأن من عرف حجة على من لم يعرف. وروى البيهقي (٣) من طريق ابن لهيعة عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: من السنة أن تنجم الدية في ثلاث سنين. وقد وافق الشافعي على نقل الإجماع الترمذي في جامعه (٤) وابن المنذر (٥)، فحكى كل واحد منهما الإجماع. وقد روى التأجيل ثلاث سنين ابن أبي شيبة (٦) وعبد الرزاق (٧) والبيهقي (٨) عن عمر وهو منقطع لأنه من رواية الشعبي عنه. ورواه عبد الرزاق (٩) أيضًا عن ابن جريج عن أبي وائل قال: "إن عمر بن الخطاب جعل الدية الكاملة في ثلاث سنين، وجعل نصف الدية في سنتين، وما دون النصف في سنة". وروى البيهقي (١٠) التأجيل المذكور عن عليٍّ وهو منقطع وفي إسناده ابن لهيعة.

стр. 6368

[بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. بلغ السماع عليَّ إلى هاهنا الفقيه العلامة: يحيى بن محسن الحبوري أصلًا وتحشية، فقرأه تحقيق في شهر الله المحرم مفتاح سنة (١٢٢٧ هـ) سبع وعشرين ومائتين وألف كتبه: حسن بن يحيى الكبسي غفر الله لهما] (١). * * *

стр. 6369

[الكتاب التاسع والثلاثون] كتاب الحدود [أولًا: أبواب حد الزنى] [الباب الأول] باب ما جاء في رجم الزاني المحصن وجلد البكر وتغريبه ١/ ٣٠٩٢ - (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ وزَيْدِ بْنِ خالِدٍ أَنَّهُمَا قَالَا: إنَّ رجُلًا مِنَ الأعْرَابِ أَتَى رسُولَ الله ﷺ فقالَ: يَا رَسُولَ الله أنْشُدكَ الله إلَّا قَضيْتَ لِي بكِتابِ الله، وقالَ الخَصْمُ الآخَرُ وهْوَ أَفْقَهُ مِنهُ: نعَمْ فَاقْضِ بيْنَنَا بكِتَابِ الله وائْذَنْ لِي، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "قُلْ"، [قَالَ] (١): إنَّ ابْنِي كانَ عَسِيفًا على هَذَا فَزنى بامْرَأَتِهِ وإنِّي أخْبَرْتُ أَنَّ على ابْنِي الرَّجْمَ فَافْتَدَيْتُ مِنهُ بمِائةِ شَاةٍ وَوَليدَةٍ، فَسَألْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فأخْبَرُوني أنَّ على ابْنِي جَلْدَ مِائةٍ وَتَغْرِيبَ عامٍ، وإنَّ على امْرَأَةِ هَذَا الرَّجمَ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "وَالذِي نفْسِي بِيَدِهِ لأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِكِتَابِ الله، الْوَلِيدَةُ والْغَنَمُ رَدٌّ، وعلى ابْنِكَ جَلْدُ مِائةٍ وَتغريبُ عامٍ، واغْدُ يا أُنَيْسُ - لِرجُلٍ مِنْ أسْلَمَ - إلى امْرَأَة هذا، فإنِ اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها". قالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا فاعَتَرَفتْ، فأمَرَ بهَا رسُولُ الله ﷺ فرُجِمَتْ. رَوَاهُ الجَماعَةُ (٢). قالَ مالِك (٣): العَسيفُ: الأجِيرُ.

стр. 6370

ويَحْتَجُّ بهِ مَنْ يُثْبِتُ الزِّنَا بالإقْرَارِ مَرَّةً وَمَنْ يَقْتَصِرُ على الرَّجمِ). ٢/ ٣٠٩٣ - (وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصَنْ بنَفْيِ عَامٍ، وإِقامَةِ الحَدِّ عَليهْ) (١). [صحيح] ٣/ ٣٠٩٤ - (وعَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّ عَلِيًّا حينَ رَجَمَ المَرْأَةَ ضَرَبَها يَوْمَ الخَمِيس ورَجَمَهَا يَوْمَ الجُمْعَةِ، وقالَ: جَلدْتُها بكِتابِ الله، ورَجَمْتها بسنَّةِ رَسُولِ الله ﷺ . روَاهُما أَحمدُ (٢) والبُخاريُّ) (٣). [صحيح] ٤/ ٣٠٩٥ - (وعَنْ عُبادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خُذوا عَنِّي خُذوا عَنِّي، قدْ جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبيلًا، الْبِكْرُ بالْبِكْرِ جلْدُ مِائةٍ وَنَفْيُ سَنةٍ، والثِّيبُ بالثِّيبِ جلْدُ مِائةٍ والرَّجمُ". رواهُ الجماعة إلَّا البُخاريّ والنَّسائيّ) (٤). [صحيح] ٥/ ٣٠٩٦ - (وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبدِ الله أَنَّ رَجُلًا زَنَى بامْرَأَةٍ فأمَرَ بِه النبِيُّ ﷺ فجُلِدَ الحَدَّ، ثمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ مُحْصَنٌ فأمَرَ بهِ فرُجِمَ. رَوَاهُ أَبُو داودَ) (٥). [إسناده ضعيف] ٦/ ٣٠٩٧ - (وعَنْ جابرِ بْنِ سَمُرَةَ أن رَسُولَ الله ﷺ رَجمَ ماعِزَ بْن مالكٍ وَلَمْ يذْكُرْ جَلْدًا. رواهُ أَحمدُ) (٦). [صحيح لغيره]

стр. 6371

حديث جابر بن عبد الله سكت عنه أبو داود (١) والمنذري (٢)، وقد قدمنا في أول الكتاب أن ما سكت عنه فهو صالح للاحتجاج به، وقد أخرجه أبو داود عنه من طريقين (٣)، ورجال إسناده رجال الصحيح. وإخرجه أيضًا النسائي (٤). وحديث جابر بن سمرة أخرجه أيضًا البيهقي (٥)، وأورده الحافظ في "التلخيص" (٦) ولم يتكلم عليه، وقد أخرجه أيضًا البزار (٧)، قال في مجمع الزوائد (٨): في إسناده صفوان بن المغلس لم أعرفه وبقية إسناده ثقات، وحديثه أصله في الصحيح (٩) وسيأتي. قوله: (كتاب الحدود) الحدُّ لغة (١٠): المنع، ومنه سمي البوّابُ: حدَّادًا، وسُميت عقوبات المعاصي حدودًا، لأنها تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حُدَّ لأجلها في الغالب. وأصل الحدِّ (١١): الشيء الحاجز بين الشيئين، ويُقال على ما يميزُ الشيء عن غيره، ومنه حدود الدار والأرض، ويطلق الحد أيضًا على نفس المعصية ومنه: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (١٢). وفي الشرع: عقوبة مقدرة لأجل حق الله. فيخرج التعزير لعدم تقديره، والقصاص لأنه حق لآدمي. قوله: (أَنْشُدك الله) بفتح الهمزة وسكون النون وضم المعجمة أي أذكرك الله.

стр. 6372

قوله: (إلا قضيت لي بكتاب الله) أي لا أسألك إلا القضاء بكتاب الله فالفعل مؤول بالمصدر للضرورة، أو بتقدير حرف المصدر فيكون الاستثناء مفرَّعًا، والمراد بكتاب الله ما حكم به الله على عباده سواء كان من القرآن أو على لسان الرسول ﷺ . وقيل: المراد به القرآن فقط. قوله: (وهو أفقه منه) لعلَّ الرَّاوي عرفَ ذلك قبل الواقعةِ، أو استدل بما وقعَ منه في هذه [القضيَّةِ] (١) على أنه أفقه من صاحبه. قوله: (قال: إنَّ ابني هذا … إلخ) القائل هو الآخر الذي وصفه الراوي بأنه أفقه كما يشعر بذلك السياق. وقال الكرماني (٢): إنَّ القائل هو الأول، ويدل على ذلك ما وقع في كتاب الصلح (٣) من صحيح البخاري بلفظ: "فقال الأعرابي: إن ابني". بعد قوله في الحديث: "جاء أعرابي"، قال الحافظ (٤): والمحفوظ ما في سائر الطرق. قوله: (عسيفًا على هذا) بفتح العين المهملة وكسر السين المهملة أيضًا وتحتية وفاء كالأجير وزنًا ومعنًى (٥). وقد وقع تفسيره بذلك في صحيح البخاري مدرجًا كما أشار إليه المصنف (٦). ووقع في رواية للنسائي (٧) بلفظ: "كان ابني أجيرًا لامرأته". ويطلق العسيف على السائل والعبد والخادم، والعسف في أصل اللغة الجور (٨)، وسمي الأجير بذلك لأن المستأجر يعسفه على العمل، أي: يجور عليه. ومعنى قوله: "على هذا" عند هذا. قوله: (وإني أخبِرتُ) على البناء للمجهول.

стр. 6373

قوله: (جلد مائةٍ) بالإضافة في رواية الأكثرين، وقُرئ بتنوين جلدٍ، ونصب مائة، قال الحافظ (١): ولم يثبت رواية. قوله: ([والغنم] (٢) ردّ) أي: مردود. وقد استدل بذلك على عدم حل الأموال المأخوذة في الصلح مع عدم طيبة النفس. قوله: (وعلى ابنك جلد مائةٍ) حكمه ﷺ بالجلد من دون سؤال عن الإحصان يشعر بأنه عالم بذلك من قبل. ووقع في رواية (٣) بلفظ: "وابني لم يُحصَنُ". قوله: (يا أُنيس) بضم الهمزة بعدها نون ثم تحتية ثم سين مهملة مصغرًا. قال ابن عبد البر (٤): هو ابن الضحاك الأسلمي. وقيل: ابن مرشد. وقال ابن السكن في كتاب الصحابة (٥): لم أدر من هو ولا ذكر إلا في هذا الحديث، وغلط بعضهم فقال: إنه أنس بن مالك وليس الأمر كذلك فإن أنس بن مالك أنصاري وهذا أسلمي كما وقع التصريح بذلك في حديث الباب. قوله: (فإن اعترفتْ فارجمها) فيه دليل لمن قال: إنه يكفي الإقرار مرَّةً واحدةً، وسيأتي الخلاف في ذلك وبيان ما هو الحقُّ. وقد استشكل بعثه ﷺ إلى المرأة مع أمره لمن أتى الفاحشة بالستر. وأجيب بأن بعثه ﷺ إليها لم يكن لأجل إثبات الحدِّ عليها بل لأنها لما قذفت بالزنا بعث إليها لتنكر فتطالب بحد القذف أو تقر بالزنا فيسقط حدٌّ القذف.

стр. 6374

قوله: (فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت) في رواية الأكثرين: فاعترفت فرجمها (١). وفي روايةٍ مختصرة: "فغدا عليها فرجمها" (٢). وفي رواية (٣): "وأما امرأة هذا فترجم". والرواية المذكورة في الباب أتم من سائر الروايات لإشعارها بأن أنيسًا أعاد جوابها على رسول الله ﷺ فأمر بها فرجمها. قال الحافظ (٤): والذي يظهر: أنَّ أنيسًا لما اعترفت أعلم النبي ﷺ مبالغة في الاستثبات مع كونه كان علق له رجمها على اعترافها، ولكنه لا بدَّ من أن يقال: إن أنيسًا أعلم النبي ﷺ ومعه غيره ممن يصحُّ أن يثبت بشهادته حدُّ الزنا، لكنه اختصر ذلك في الرواية وإن كان قد استدل به البعض بأنه يجوز للحاكم أن يحكم بإقرار الزاني من غير أن يشهد عليه غيره، وأنيس قد فوض إليه النبي ﷺ الحكم. وقد يجاب عنه بأنها واقعة عين، ويحتمل أن يكون أنيس قد أشهد قبل رجمها. وقد حكى القاضي عياض (٥) عن الشافعي (٦) في قول له وأبي ثور (٧) أنه يجوز للحاكم في الحدود أن يحكم بما أقر به الخصم عنده وأبى ذلك الجمهور (٨).

стр. 6375

قوله: (بنفي عام) في هذا الحديث. وفي حديث أبي هريرة (١) المذكور قلبه. وفي حديث عبادة بن الصامت (٢) المذكور بعده دليل على ثبوت التغريب ووجوبه على من كان غير محصن. وقد ادعى محمد بن نصر في كتاب "الإجماع" (٣) الاتفاق على نفي الزاني البكر إلا عن الكوفيين. وقال ابن المنذر (٤): أقسم النبي ﷺ في قصة العسيف أنه يقضي بكتاب الله تعالى، ثم قال: "إن عليه جلد مائة وتغريب عام"، وهو المبين لكتاب الله تعالى. وخطب عمر بذلك على رؤوس المنابر، وعمل به الخلفاء الراشدون ولم ينكره أحد فكان إجماعًا. وقد حكى القول بذلك صاحب البحر (٥) عن الخلفاء الأربعة، وزيد بن علي، والصادق، وابن أبي ليلى (٦) والثوري (٦)، ومالك (٧) والشافعي (٨) وأحمد (٩) وإسحاق (٦) والإمام يحيى (١٠) وأحد قولي الناصر (١٠). وحكي عن القاسمية (١٠) وأبي حنيفة (١١) وحماد: أن التغريب والحبس غير واجبين. واستدل لهم بقوله إذ لم يُذْكَرَا في آيةِ الجلدِ (١٢)، وبقوله ﷺ : "إذا زنت أمةُ

стр. 6376

أحدِكم فَلْيجلِدْهَا" الحديث (١). وهذا الاستدلال من الغرائب، فإن عدم ذكر التغريب في آية الجلد لا يدل على مطلق العدم. وقد ذكر التغريب في الأحاديث الصحيحة الثابتة باتفاق أهل العلم بالحديث من طريق جماعة من الصحابة بعضها ذكره المصنف في الباب وبعضها لم يذكر، وليس بين هذا الذكر وبين عدمه في الآية منافاة، وما أشبه هذا الاستدلال بما استدل به الخوارج على عدم ثبوت رجم المحصن فقالوا: لأنه لم يذكر في كتاب الله. وأغرب من هذا استدلاله بعدم ذكر التغريب في قوله: "إذا زنت أمة أحدكم" (١). والحاصل أن أحاديث التغريب قد جاوزت حدَّ الشهرة المعتبرة عند الحنفية (٢) فيما ورد من السنة زائدًا على القرآن فليس لهم معذرة عنها بذلك، وقد عملوا بما هو دونها بمراحل كحديث نقض الوضوء بالقهقهة (٢)، وحديث جواز الوضوء بالنبيذ (٣)، وهما زيادة على ما في القرآن، وليس هذه الزيادة مما يخرج بها المزيد عليه عن أن يكون مجزئًا حتى تتجه دعوى النسخ. وقد أجاب صاحب البحر (٤) عن أحاديث التغريب بأنه عقوبة لا حدّ، ويجاب عن ذلك القول بموجبه، فإن الحدود كلها عقوبات والنزاع في ثبوته لا في مجرد التسمية. وأما الاستدلال بحديث سهل بن سعد عند أبي داود (٥): "أن رجلًا من

стр. 6377

بكر بن ليث أقرَّ للنبيِّ ﷺ أنه زنى بامرأةٍ، وكان بكرًا فجلده النبيُّ ﷺ مائة، وسأله البينة على المرأة إذ كذبته فلم يأت بشيء فجلده حد الفرية ثمانين جلدة". قالوا: ولو كان التغريب واجبًا لما أخلَّ به النبيُّ ﷺ ، فيجاب عنه باحتمال أن يكون ذلك قبل مشروعية التغريب. غاية الأمر: احتمال تقدمه وتأخره على أحاديث التغريب، والمتوجه عند ذلك المصير إلى الزيادة التي لم تقع منافية للمزيد، ولا يصلح ذلك للصرف عن [الوجوب] (١) إلا على فرض تأخره ولم يعلم. وهكذا يقال في حديث: "إذا زنت أمة أحدكم" المتقدم (٢). وبه يندفع ما قاله الطحاوي (٣) من أنه ناسخ للتغريب معللًا ذلك بأنه إذا سقط عن الأمة سقط عن الحرة لأنها في معناها. قال: ويتأكد ذلك بأحاديث: "لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم" (٤)، وقد تقدمت (٥). قال: وإذا انتفى عن النساء انتفى عن الرجال. قال: وهو مبني على أن العموم إذا خص سقط الاستدلال به وهو مذهب ضعيف (٦). انتهى. وغاية الأمر أنا لو سلمنا تأخُّر حديث الأَمَة عن أحاديث التغريب كان معظم ما يستفاد منه: أن التغريب في حقِّ الإماء ليس بواجب، ولا يلزم ثبوت مثل ذلك في حقِّ غيرها، أو يقال: إنَّ حديث الأمة المذكور مخصصٌ لعموم أحاديث التغريب مطلقًا على ما هو الحقُّ من أنه يبني العامُّ على الخاصِّ؛ تقدم، أو تأخر، أو قارن. ولكن ذلك التخصيص باعتبار عدم الوجوب في الخاصِّ لا باعتبار عدم الثبوت مطلقًا، فإن مجرَّد الترك لا يفيد مثل ذلك.

стр. 6378

وظاهِر أحاديثِ التغريبِ أنه ثابتٌ في الذكر والأنثى، وإليه ذهب الشافعي (١). وقال مالك (٢) والأوزاعي: لا تغريب على المرأة؛ لأنها عورة. وهو مروي عن علي (٣) وظاهرها أيضًا أنه لا فرق بين الحر والعبد، وإليه ذهب الثوري وداود والطبري والشافعي (٤) في قول له، والإمام يحيى (٥) ويؤيده قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٦). وقد ذهب بعضهم إلى أنه ينصف في حقِّ الأمة، والعبد، قياسًا على الحد. وهو قياس صحيح. وفي قول للشافعي (٧) أنه لا ينصف فيهما. وذهب مالك (٨) وأحمد بن حنبل (٩) وإسحاق والشافعي في قول (١٠) له، وهو مروي عن الحسن إلى أنَّه لا تغريب للرقّ. واستدلوا بحديثٍ: "إذا زنت أمة أحدكم " المتقدم (١١)، وقد تقدم الجواب عن ذلك، وسيأتي الحديث أيضًا في باب السيد يقيم الحد على رقيقه. وظاهر الأحاديث المذكورة في الباب أن التغريب هو نفي الزاني عن محله سنة، وإليه ذهب مالك والشافعي (١٢) وغيرهما ممن تقدم ذكره. والتغريب يصدق بما يُطلق عليه اسم الغربة شرعًا، فلا بدَّ من إخراج الزاني عن المحلِّ الذي لا يصدق عليه اسم الغربة فيه.

стр. 6379

قيل: وأقله مسافة قصر (١). وحكي في البحر (٢) عن علي، وزيد بن علي، والصادق، والناصر في أحد قوليه، أن التغريب هو حبس سنة. وأجاب عنه: بأنه مخالف لوضع التغريب. وتعقبه صاحب ضوء النهار (٣) بأن مخالفة الوضع لا تنافي التجوز، وهما مشتركان في فقد الأنيس. قال: ومنه: "بدأ الدين غريبًا وسيعود غريبًا" (٤). وجعل قرينة المجاز حديث النهي عن سفر المرأة مع غير محرم.

стр. 6380

ويجاب عن هذا التعقب بأن الواجب حمل الأحكام الشرعية على ما هي حقيقة فيه في لسان الشارع، ولا يعدل عن ذلك إلى المجاز إلا لملجئ، ولا ملجئ هنا، فإن التغريب المذكور في الأحاديث شرعًا: هو إخراج الزاني عن موضع إقامته بحيث يعدُّ غريبًا، والمحبوس في وطنه لا يصدق عليه ذلك الاسم، وهذا المعنى هو المعروف عند الصحابة الذين هم أعرف بمقاصد الشارع؛ فقد غرَّب عمر من المدينة إلى الشام، وغرَّب عثمان إلى مصر، وغرَّب ابن عمر أمته إلى فدك. وأمَّا النهيُ عن سفر المرأة فلا يصلح جعله قرينة على أن المراد بالتغريب هو الحبس. أما (أولًا): فلأنَّ النهي مقيد بعدم المحرم. وأما (ثانيًا): فلأنه عامٌّ مخصوصٌ بأحاديث التغريب.

стр. 6381

وأما (ثالثًا): فلأنَّ أمر التغريب إلى الإمام لا إلى المحدود، ونهي المرأة عن السفر إذا كانت مختارة له، وأمَّا مع الإكراه من الإمام فلا نهي يتعلق بها. قوله: (جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله)، في هذا الحديث، وكذلك في حديث عبادة (١) المذكور بعده. وحديث جابر بن عبد الله (٢) دليل: على أنَّه يجمع للمحصن يبن الجلد والرجم. أمَّا الرَّجم فهو مجمع عليه. وحكي في البحر (٣) عن الخوارج أنه غير واجب، وكذلك حكاه عنهم أيضًا ابن العربي (٤)، وحكاه أيضًا عن بعض المعتزلة كالنظَّام (٥) وأصحابه، ولا مستند لهم إلا أنه لم يذكر في القرآن وهذا باطل، فإنه قد ثبت بالسنة المتواترة المجمع عليها.

стр. 6382

وأيضًا هو ثابت بنص القرآن لحديث عمر (١) عند الجماعة أنه قال: كان مما أنزل على رسول الله ﷺ آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده. ونسخ التلاوة لا يستلزم نسخ الحكم كما أخرجه أبو داود (٢) من حديث ابن عباس. وقد أخرج أحمد (٣) والطبراني في الكبير (٤) من حديث أبي أمامة بن سهل عن خالته العجماء: "إن فيما أنزل الله من القرآن: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة". وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٥) من حديث أبي بن كعب بلفظ: "كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة وكان فيها آية الرجم: الشيخ والشيخة" الحديث. وأما الجلد فقد ذهب إلى إيجابه على المحصن مع الرجم جماعة من العلماء منهم: العترة (٦)، وأحمد (٧)، وإسحاق، وداود الظاهري (٨)، وابن المنذر (٩)، تمسكًا بما سلف.

стр. 6383

وذهب مالك (١) والحنفية (٢) والشافعية (٣) وجمهور العلماء (٤) إلى أنه لا يجلد المحصن بل يرجم فقط، وهو مروي عن أحمد بن حنبل (٥). وتمسَّكوا بحديث سمرة (٦) في أنه ﷺ لم يجلد ماعزًا بل اقتصر على رجمه، قالوا: وهو متأخر عن أحاديث الجلد فيكون ناسخًا لحديث عبادة (٧) المذكور. ويجاب بمنع التأخر المدعى فلا يصلح ترك جلد ماعز للنسخ لأنه فرع التأخر، ولم يثبت ما يدل على ذلك، ومع عدم ثبوت تأخره لا يكون ذلك الترك مقتضيًا لإبطال الجلد الذي أثبته القرآن على كل من زنى. ولا ريب أنه يصدق على المحصن أنه زان فكيف إذا انضم إلى ذلك من السنة ما هو صريح في الجمع بين الجلد والرجم للمحصن كحديث عبادة (٧) المذكور، ولا سيما وهو ﷺ في مقام البيان والتعليم لأحكام الشرع على العموم بعد أن أمر الناس في ذلك المقام بأخذ ذلك الحكم عنه فقال: "خذوا عني خذوا عني" (٧)، فلا يصح الاحتجاج بعد نص الكتاب والسنة بسكوته ﷺ في بعض المواطن أو عدم بيانه لذلك أو إهماله للأمر به. وغاية ما في حديث سمرة (٦) أنه لم يتعرض لذكر جلده ﷺ لماعز ومجرد هذا لا ينتهض لمعارضة ما هو في رتبته، فكيف بما بينه وبينه ما بين السماء والأرض. وقد تقرر أن المثبت أولى من النافي (٨). ولا سيما كون المقام مما يجوز فيه أن الراوي ترك ذكر الجلد لكونه معلومًا من الكتاب والسنة.

стр. 6384

وكيف يليق بعالم أن يدَّعيَ نسخَ الحُكْمِ الثابتِ كتابًا وسنة بمجرد ترك الراوي لذلك الحكم في قضية عين لا عموم لها. وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يقول بعد موته ﷺ بعدة من السنين لما جمع لتلك المرأة بين الرجم والجلد: "جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله" (١). فكيف يخفى على مثله الناسخ وعلى من بحضرته من الصحابة الأكابر؟. وبالجملة: إنا لو فرضنا أنَّه ﷺ أمر بترك جلد ماعزٍ، وصحَّ لنا ذلك لكان على فرض تقدمه منسوخًا، وعلى فرض التباس المتقدم بالمتأخر مرجوحًا، ويتعين تأويله بما يحتمله من وجوه التأويل. وعلى فرض تأخره، غاية ما فيه أنه يدل على أن الجلد لمن استحق الرجم غير واجب لا غير جائز، ولكن أين الدليل على التأخير؟ قال ابن المنذر (٢): عارض بعضهم الشافعي فقال: الجلد ثابت على البكر بكتاب الله، والرجم ثابت بسنة رسول الله كما قال عليٌّ. وقد ثبت الجمع بينهما في حديث عبادة (٣)، وعمل به عليٌّ ووافقه أبيٌّ، وليس في قصة ماعز ومن ذكر معه تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم لاحتمال أن يكون ترك ذكره لوضوحه وكونه الأفضل. انتهى. وقد استدل الجمهور (٤) أيضًا بعدم ذكر الجلد في رجم الغامدية وغيرها، قالوا: وعدمُ ذكرِهِ يدلُّ على عدم وقوعِهِ، وعدمُ وقوعِهِ يدلُّ على عدمِ وجوبهِ. ويجاب بمنع كون عدم الذكر يدل على عدمِ الوقوع. لم لا يقال: إن عدم الذكر لقيام أدلة الكتاب والسنة القاضية بالجلد. وأيضًا عدم الذكر لا يعارض صرائح الأدلة القاضية بالإثبات، وعدم العلم ليس علمًا بالعدم، ومن عَلِمَ حجةٌ على من لم يعلم.

стр. 6385

[الباب الثاني] بابُ رَجْمِ المحصَن مِنْ أهلِ الكتابِ وأنَّ الإسلامَ ليسَ بشرطٍ في الإحصَانِ ٧/ ٣٠٩٨ - (عَن ابْنِ عُمَرَ أَنَّ اليَهودَ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ بِرجُلٍ وامْرَأَةٍ مِنْهُمْ قَدْ زَنَيَا، فقالَ: "مَا تَجِدُونَ في كِتابِكُمْ؟ "، فقالُوا: تُسَخَّمُ وُجُوهُهُمَا وَيُخْزَيَانِ، قالَ: "كَذْبْتُمْ إنَّ فِيهَا الرَّجَمَ، فأتُوا بالتَّوْرَاةِ فاتلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ"، فجاءوا بالتَّوْرَاةِ وجَاءُوا بقَارئ لَهُمْ فَقَرأَ حتَّى إذَا انْتَهَى إلى مَوْضِعٍ مِنْها وَضعَ يَدَهُ عَليهِ، فقِيلَ لهُ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفعَ يَدَهُ فإِذَا هِيَ تَلُوحُ، فقالَ أَوْ قالُوا: يَا محمَّد إنَّ فِيها الرَّجمَ ولكِنَّا كُنَّا نَتَكاتَمهُ بَيْنَنا، فأمَرَ بِهِمَا رَسُولُ الله ﷺ فَرُجِمَا، قالَ: فَلَقَدْ رأَيْتُهُ يَجْنَأ عَلَيْهَا يَقيها الحِجَارَةَ بَنفْسِهِ. متَّفَقٌ عَليهِ (١). وفِي رِوَايةِ أَحمدَ (٢) بِقَارِئٍ لَهُمْ أعْوَرَ يقالُ لهُ: ابْنُ صُورِيا. [صحيح] ٨/ ٣٠٩٩ - (وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبدِ الله قالَ: رجَمَ النبيُّ ﷺ رجُلًا مِنْ أسْلَمَ وَرَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ وامْرأَةً. رَوَاهُ أَحمدُ (٣) ومُسلمٌ (٤). [صحيح] ٩/ ٣١٠٠ - (وعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازبٍ قال: مُرَّ على النبيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمٍ مَجلُودٍ فدَعاهُم فقالَ: "أهكَذَا تَجِدونَ حَدَّ الزِّنَا في كِتابِكُمْ؟ "، قالُوا: نعَمْ، فَدَعا رجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ، فقالَ: "أَنْشُدُكَ بالله الذِي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلى مُوسى، أَهكذَا تَجِدُون حَدَّ الزَّانِي في كِتابِكُمْ؟ "، قالَ: لَا، ولوْلَا أَنَّكَ نَشَدْتَنِي بِهذا لمْ أخبِرْكَ بحَدِّ الرَّجمِ، ولكِنْ كَثُرَ في أشْرَافِنَا وكُنَّا إذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذَنا الضَّعِيفَ أَقمْنَا عَليهِ الحَدَّ، فقُلنا: تعَالَوْا فَلْنَجْتَمِع على شَيءٍ نُقِيمُهُ على الشَّرِيفِ والْوَضِيعِ فَجَعَلْنا التَّحْمِيمَ والجَلْدَ مَكانَ الرَّجْمِ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "اللهُمَّ إنِّي أوَّلُ

стр. 6386

مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إذْ أَمَاتُوهُ"، فأمرَ بهِ فرُجِمَ فأَنْزَلَ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ إلى قوْلِه: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ (١)، يَقُولُونَ: ائتُوا محمَّدًا فإنْ أَمَرَكُمْ بالتَّحْمِيمِ والجَلْدِ فخُذُوهُ، وَإِنْ أَفْتاكُمْ بالرجْمِ فاحْذَرُوا، فأنْزَلَ الله ﵎: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٢) قالَ: هيَ في الكُفّارِ كُلُّهَا. رَوَاهُ أَحمدُ (٣) ومسْلِمُ (٤) وأبُو دَاوُد) (٥). [صحيح] قوله: (تُسَخَّمُ) بسين مهملة ثم خاء معجمة، قال في القاموس (٦): السخم - محركةً - السَّواد. والأسخم: الأسود، ثم قال: وقد تسخم عليه، وسخم بصدره تسخيمًا: أغضبه ووجهه سوَّده. قوله: (ويخزيان) بالخاء، والزاء المعجمتين، أي: يفضحان ويشهران. قال في القاموس (٧) خزي، كرضي، خِزيًا بالكسر: وقع في بليةٍ، وشهرةٍ، فذلَّ بذلك. وأخزاه الله: فضحه. قوله: (فإذا هي تلوح) يعني آية الرجم. قوله: (فلقد رأيته يَجْنَأُ) بفتح أوله وسكون الجيم وفتح النون بعدها همزة أي: ينحني. قال في القاموس (٨): جنأ عليه، كجعل، وفرح، جُنُوءًا، أكَبَّ كأجْنَأَ وجَانَأ وَتَجَانَا، وكفرِحَ: أشرف كاهله على صدره فهو أجنأ، والمُجْنَأُ بالضم: الترس لا

стр. 6387

حديد فيه. انتهى، وفي هذه اللفظة روايات كثيرة هذه أصحها على ما ذكره صاحب المشارق (١). قوله: (رجلًا من أسلم) هو: ماعز بن مالك الأسلمي. قوله: (وامرأة هي الجهنية) ويقال لها: الغامدية. قوله: (مُحَمَّمٍ) (٢) بضم الميم الأولى، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم الثانية مفتوحة: اسم مفعول؛ أي: مسوَّد الوجه، والتحميم: التسويد. وأحاديث الباب تدلُّ: على أن حدَّ الزنا يقام على الكافر كما يقام على المسلم. وقد حكى صاحب البحر (٣) الإجماع على أنه يجلد الحربيُّ. وأمَّا الرجم: فذهب الشافعي (٤) وأبو يوسف والقاسمية إلى أنه يرجم المحصن من الكفار. وذهب أبو حنيفة (٥) ومحمد، وزيد بن علي (٦)، والناصر (٦)، والإمام يحيى (٦) إلى أنه يجلد ولا يرجم. قال الإمام يحيى (٦): والذمي كالحربي في الخلاف. وقالَ مالكٌ (٧): لا حدَّ عليه. وأما الحربي المستأمن؛ فذهبت العترة (٨) والشافعي (٩) وأبو يوسف (١٠) إلى أنه يحدُّ. وذهب مالك (١١) وأبو حنيفة (١٢) ومحمد إلى أنَّه لا يحدُّ.

стр. 6388

وقد بالغ ابن عبد البر (١) فنقل الاتفاق على أن شرط الإحصان الموجب للرجم هو الإسلام. وتعقب بأن الشافعي (٢) وأحمد (٣) لا يشترطان ذلكَ ومن جُملَةِ من قال: بأن الإسلام شرط ربيعة (٤) شيخُ مالكٍ وبعضُ الشافعية. وأحاديث الباب تدلُّ على أنه يحدُّ الذميّ كما يحدّ المسلم. والحربيُّ، والمستأمن، يلحقان بالذمي بجامع الكفر. وقد أجاب من اشترط الإسلام عن أحاديث الباب: بأنه ﷺ إنما أمضى حكم التوراة على أهلها، ولم يحكم عليهم بحكم الإسلام، وقد كان ذلك عند مقدمه المدينة. وكان إذ ذاك مأمورًا باتباع حكم التوراة، ثم نسخ ذلك الحكم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ (٥). ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف، ونصب مثله في مقابلة أحاديث الباب من الغرائب، وكونه ﷺ فعل ذلك عند مقدمه المدينة لا ينافي ثبوت الشرعية، فإنَّ هذا حكمٌ شرعه الله لأهل الكتاب، وقرره رسول الله ﷺ ، ولا طريق لنا إلى ثبوت الأحكام التي توافق أحكام الإسلام إلا بمثل هذه الطريق، ولم يتعقب ذلك في شرعنا ما يبطله. ولا سيما وهو مأمور بأن يحكم بينهم بما أنزل الله ومنهيٌّ عن اتباع أهوائهم، كما صرَّح بذلك القرآن. وقد أتوه ﷺ يسألونه عن الحكم ولم يأتوه ليعرّفهم شرعهم، فحكم بينهم بشرعه، ونبههم على أن ذلك ثابت في شرعهم كثبوته في شرعه. ولا يجوز أن يقال: إنَّه حكم بينهم بشرعهم مع مخالفته لشرعه لأن الحكم منه بما هو منسوخ عنده لا يجوز على مثله، وإنما أراد بقوله: فإني أحكم بينكم

стр. 6389

بالتوراة. كما وقع في رواية من حديث أبي هريرة (١) إلزامهم الحجة. وأما الاحتجاج بقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ (٢) فغاية ما فيه أن الله شرع هذا الحكم بالنسبة إلى نساء المسلمين، وهو مخرّج على الغالب كما في الخطابات الخاصة بالمؤمنين والمسلمين، مع أن كثيرًا منها يستوي فيه الكافر والمسلم بالإجماع، ولو سلمنا أن الآية تدلُّ بمفهومها: على أن نساء الكفار خارجات عن ذلك الحكم، فهذا المفهوم قد عارضه منطوق حديث ابن عمر (٣) المذكور في الباب، فإنه مصرح بأنه ﷺ رجم اليهودية مع اليهودي. ومن غرائب التعصبات: ما روي عن مالك: أنه قال: إنما رجم النبيُّ ﷺ اليهوديين؛ لأن اليهود يومئذٍ لم يكن لهم ذمة فتحاكموا إليه. وتعقب بأنَّه ﷺ إذا أقام الحدَّ على من لا ذمة له، فَلأَنْ يقيمه على من له ذمة بالأولى، كذا قال الطحاوي (٤). وقال القرطبي (٥) معترضًا على قول مالك: إن مجيء اليهود سائلين له ﷺ يوجب له عهدًا كما لو دخلوا للتجارة؛ فإنهم في أمان إلى أن يردوا إلى مأمنهم. وأجاب بعضهم بأنَّه ﷺ لما أمر برجمهما من دون استفصال عن الإحصان كان دليلًا على أنه حكم بينهم بشرعهم؛ لأنه لا يرجم في شرعه إلا المحصن. وتعقب ذلك: بأنَّه قد ثبت في طريق عند [الطبري (٦)] (٧): "أن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس، وقد زنى رجل منهم بامرأة بعد إحضانهما". وأخرج أبو داود (٨) عن أبي هريرة قال: "زنى رجل وامرأة من اليهود وقد أحصنا"، وفي إسناده رجل من مزينة لم يسم.

стр. 6390

وأخرج الحاكم (١) من حديث ابن عباس: "أتي رسول الله ﷺ بيهودي ويهودية قد أحصنا". وأخرج البيهقي (٢) من حديث عبد الله بن الحارث الزبيدي: "أن اليهود أتوا رسول الله ﷺ بيهودي ويهودية قد زنيا وقد أحصنا" وإسناده ضعيف، فهذا يدل على أنه ﷺ قد علم بالإحصان بإخبارهم له لأنهم جاءوا إليه سائلين يطلبون رخصة فيبعد أن يكتموا عنه مثل ذلك. ومن جملة ما تمسك به من قال: إن الإسلام شرط حديث ابن عمر مرفوعًا (٣) وموقوفًا (٤): "من أشرك بالله فليس بمحصن"، ورجح الدارقطني وغيره الوقف. وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده (٥) على الوجهين، ومنهم من أوّل الإحصان في هذا الحديث بإحصان القذف. ولأحاديث الباب فوائد ليس هذا موضع بسطها. [الباب الثالث] بابُ اعتبارِ تَكْرَارِ الإقْرَارِ بالزِّنا [أربعًا] (٦) ١٠/ ٣١٠١ - (عَنْ أبي هُرَيْرَةَ قالَ: أتى رجُلٌ رسُولَ الله ﷺ وَهْوَ في المَسْجِدِ فَنَادَاهُ فقالَ: يا رسُولَ الله إنِّي زَنَيْتُ، فأعْرضَ عَنهُ حتَّى رَدَّدَ عَليهِ أَرْبَعَ

стр. 6391

مَرَّات، فلمَّا شَهِدَ على نَفْسِهِ أَرْبَع شَهَاداتِ دَعاه النَّبِيُّ ﷺ فقالَ: "أَبِكَ جُنُونٌ؟ "، قالَ: لَا، قالَ: "فَهَلْ أَحْصنْتَ؟ "، قالَ: نَعَمْ، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اذْهَبُوا بهِ فارْجُمُوهُ"، قالَ ابْنُ شِهَابِ: فأَخْبَرَنِي مَنْ سمعَ جابرَ بْنَ عَبدِ الله قالَ: كُنْتُ فِيمَنْ رَجَمهُ، فرَجمْناهُ بِالمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الحِجَارةُ هَرَبَ فَأَدرَكْنَاهُ بِالحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ. مُتَّفَقٌ عَليهِ (١). [صحيح] وهْوَ دَليلٌ على أنّ الإحْصَانَ يَثبُتُ بالإقْرارِ مَرَّةً، وأَنَّ الجَوَابَ بنعَمْ إقَرَارٌ). ١١/ ٣١٠٢ - (وعَنْ جابرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: رَأَيْتُ ماعِزَ بْنَ مالكٍ حِينَ جِيءَ بهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهْوَ رَجُلٌ قَصِيرٌ أَعْضَلُ لَيْسَ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أنَّهُ زَنَى، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "فَلَعَلَّكَ؛ "، قالَ: لَا والله إنَّهُ قَدْ زَنى الآخِرُ، فرَجَمَهُ. رَوَاهُ مُسلِمٌ (٢) وأبُو دَاوُدَ (٣). [صحيح] وَلأَحمدَ (٤): أنّ ماعِزًا جاءَ فأقرَّ عندَ النَّبِيِّ ﷺ أرْبَعَ مَرَّاتِ فَأَمَرَ برَجْمِهِ). [صحيح لغيره] ١٢/ ٣١٠٣ - (وعَن ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِمَاعزِ بْنِ مالكٍ: "أَحَقٌّ ما بَلَغَنِي عَنكَ"؟ قالَ: وما بَلغكَ عَنِي؟ قالَ: "بَلَغنِي أَنَّكَ وقَعْتَ بِجَارِيَةِ آلِ فلَانٍ"، قالَ: نعَمْ، فشهَدَ أَرْبَعَ شهادَاتٍ فَأُمِرَ بهِ فَرُجِمَ. رَواهُ أحمدُ (٥) ومُسْلمٌ (٦) وأبو داوُد (٧) والترْمذِيُّ (٨) وَصَحَّحَهُ. [صحيح]

стр. 6392

وفي روايةٍ قالَ: جاءَ ماعِزُ بْنُ مالكٍ إلى النَّبِيِّ ﷺ فاعتَرَفَ بالزِّنَا مَرَّتَيْنِ فَطَرَدَهُ، ثمَّ جاءَ فاعتَرَفَ بالزِّنَا مَرَّتَيْنِ، فقالَ: "شهِدْتَ على نَفْسِكَ أَرْبَعَ مَرّاتٍ، اذْهَبُوا بهِ فارْجُمُوهُ". رَواهُ أبُو داود) (١). [صحيح] ١٣/ ٣١٠٤ - (وعَنْ أبي بكْرٍ الصِّديقِ قالَ: كُنْتُ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ جالِسًا فجَاءَ ماعِزُ بْنُ مالكٍ فاعْتَرَفَ عِندَهُ مَرّةً فَردّهُ، ثمَّ جاءَ فاعْتَرفَ عِندَهُ الثَّانِيَةَ فَردّهُ، ثمّ جاءَ فاعْترفَ عِندَهُ الثَّالِثَةُ فَردّهُ، فقُلْتُ: لهُ: إنّكَ إنِ اعْتَرَفْتَ الرّابعَةَ رجمكَ، قالَ: فاعْتَرف الرّابعَةَ فحَبَسهُ، ثمّ سَألَ عَنْهُ فقالُوا: ما نَعلَمُ إلّا خَيْرًا قالَ: فأمَرَ برَجمِهِ) (٢) [صحيح لغيره] ١٤/ ٣١٠٥ - (وعَنْ بُريْدةَ قال: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ أنّ ماعِزَ بْنَ مالَكٍ لوْ جلَسَ في رَحْلِهِ بَعْدَ اعتِرَافِهِ ثَلاث مَرَّاتٍ لَمْ يَرْجمْهُ، وإنّما رَجمه عِندَ الرّابعةِ. رَوَاهُما أحمدُ) (٣). [صحيح] ١٥/ ٣١٠٦ - (وعَنْ بُرَيْدَةَ أَيْضًا قالَ: كُنّا أَصحابَ رَسُولِ الله ﷺ نَتَحَدَّثُ أَنَّ الْغَامِدِيّةَ وماعِزَ بْنِ مالِكٍ، لوْ رَجَعَا بَعدَ اعْتَرافِهِمَا، أَوْ قالَ: لوْ لَمْ يَرجعَا بَعدَ اعْتَرافِهمَا لَمْ يَطلُبهمَا، وإنّما رَجمُهما بَعدَ الرّابِعَةِ. رَواهُ أَبو داوُدَ) (٤) [ضعيف] قصة ماعز قد رواها جماعة من الصحابة (منهم) من ذكره المصنف (ومنهم) جماعة لم يذكرهم.

стр. 6393

وقد اتفق عليها الشيخان من حديث أبي هريرة (١)، وابن عباس (٢)، وجابر، دون تسمية صاحب القصة (٣). وقد أطال أبو داود في سننه (٤) واستوفى طرقها. وحديث أبي بكر أخرجه أيضًا أبو يعلى (٥) والبزار (٦) والطبراني (٧)، وفي أسانيدهم كلهم جابر الجعفي وهو ضعيف.

стр. 6394

وحديث بريدة الآخر أخرج نحوه النسائي (١)، وفي إسناده بشير بن مهاجر الكوفي الغنوي. وقد أخرج له مسلم ووثقه يحيى بن معين. وقال الإمام أحمد (٢): منكر الحديث يجيء بالعجائب مرجئ متهم، وقال أبو حاتم الرازي (٢): يكتب حديثه، ولكنه يشهد لهذا الحديث حديثه الأول الذي ذكره المصنف. وحديث أبي بكر الذي قبله (٣)، وكذلك الرواية الأخرى من حديث ابن عباس [التي عزاها] (٤) المصنف (٥) إلى أبي داود، لأن قوله فيها: "شهدت على نفسك أربع مرات، اذهبوا به فارجموه"، يشعر بأن ذلك هو العلة في ثبوت الرجم. وقد سكت أبو داود (٦) والمنذري (٧) عن هذه الرواية ورجالها رجال الصحيح. قوله: (أبكَ جنونٌ) وقعَ في روايةٍ من حديث بريدة (٨): "فسأل: أبه جنون؟ فأخبرَ بأنه ليس بمجنون". وفي لفظ (٩): "فأرسل إلى قومه فقالوا: ما نعلم إلا أنه في العقل من صالحينا". وفي حديث أبي سعيد (١٠): "ما نعلم به بأسًا". ويجمع بين هذه الروايات بأنه سأله أولًا ثم سأل عنه احتياطًا. وفيه دليل: على أنه يجب على الإمام الاستفصال والبحث عن حقيقة الحال، ولا يعارض هذا عدم استفصاله ﷺ في قصة العسيف المتقدمة (١١)، لأن عدم ذكر الاستفصال فيها لا يدل على العدم لاحتمال أن يقتصر الراوي على نقل بعض الواقع.

стр. 6395

قوله: (فهل أحصنت) (١) بفتح الهمزة أي: تزوجت. وقد روي في هذه القصة زيادات في الاستفصال، منها في حديث ابن عباس عند البخاري (٢) والنسائي (٣) وأبي داود (٤) بلفظ: "لعلك قبَّلت أو غمزت أو نظرت"، والمعنى أنك تجوزت بإطلاق لفظ الزنا على مقدماته. وفي رواية لهم من حديث ابن عباس (٥) أيضًا: "أفنكتها؟ قال: نعم"، وسيأتي ذلك في باب استفسار المقرّ. وفي رواية لمسلم (٦) وأبي داود (٧) من حديث بريدة أنّه ﷺ قال له: "أشربت خمرًا؟ "، قال: لا"، وفيه: "فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريحًا". قوله: (اذهبوا به فارجموه)، فيه دليل على أنه لا يجب أن يكون الإمام أوّل من يرجم، وسيأتي الكلام على ذلك في باب إن السنة بداءة الشاهد بالرجم وبداءة الإمام به (٨). وفيه أيضًا دليل على أنه لا يجب الحفر للمرجوم (٩). لأن النبي ﷺ لم يأمرهم بذلك، وسيأتي بيان ذلك في باب ما جاء في الحفر للمرجوم. قوله: (فلما أذلقته الحجارة) بالذال المعجمة والقاف، أي: بلغت منه الجهد. قوله: (أعضل) بالعين المهملة والضاد المعجمة؛ أي: ضخم عضلة الساق. قوله: (إنه قد زنى الأخِرُ) هو مقصور بوزن الكبد، أي: الأبعد. قوله: (فأقرَّ عند النبيِّ ﷺ أربع مرات) قد تطابقت الروايات التي ذكرها المصنف في هذا الباب على أن ماعزًا أقر أربع مرات.

стр. 6396

ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم (١) بلفظ: "فاعترف ثلاث مرات". ووقع عند مسلم (٢) من طريق شعبة عن سماك قال: "فرده مرتين"، وفي أخرى "مرتين أو ثلاثًا"، قال شعبة: فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: إنه رده أربع مرات. وقد جمع بين الروايات بحمل رواية المرتين: على أنه اعترف مرَّتين في يوم، ومرتين في يومٍ آخر. ويدلّ على ذلك: ما أخرجه أبو داود (٣) عن ابن عباس قال: "جاء ماعز إلى النبي ﷺ فاعترف بالزنا مرتين، فطرده، ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين" كما في الرواية المذكورة في الباب (٤)، فلعله اقتصر الراوي على ما وقع منه في أحد اليومين. وأما رواية الثلاث فلعله اقتصر الراوي فيها على المرَّاتِ التي رده فيها فإنه لم يرده في الرابعة بل استثبت وسأله عن عقله ثم أمر برجمه. قوله: (لو رجعا بعد اعترافهما) (١) أي رجعا إلى رحالهما، ويحتمل أنه أراد الرجوع عن الإقرار، ولكن الظاهر الأول لقوله: "أو قال: لو لم يرجعا"، فإن المراد به: لم يرجعا إليه ﷺ ، فيكون معنى الحديث: لو رجعا إلى رحالهما ولم يرجعا إليه ﷺ بعد كمال الإقرار لم يرجمهما. وقد استدل بأحاديث الباب القائلون بأنه [يشترط] (٥) في الإقرار بالزنا أن يكون أربع مرات، فإن نقص عنها، لم يثبت الحدُّ، وهم: العترة (٦)، وأبو حنيفة (٧)، وأصحابه، وابن أبي ليلى، وأحمد بن حنبل (٨)، وإسحاق، والحسن بن صالح (٩)، هكذا في البحر (١٠)، وفيه أيضًا عن أبي بكر، وعمر، والحسن

стр. 6397

البصري (١)، ومالك (٢)، وحماد، وأبي ثور (٣)، والبتي (٤) والشافعي (٥) أنه يكفي وقوع الإقرار مرة واحدة. وروي ذلك عن داود. وأجابوا عن أحاديث الباب بما سلف من الاضطراب ويرد عليهم بما تقدم. واستدلوا بحديث العسيف المتقدم (٦) فإن فيه أنه ﷺ قال لأنيس: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". وبما أخرجه مسلم (٧) والترمذي (٨) وأبو داود (٩) والنسائي (١٠) وابن ماجه (١١) من حديث عبادة بن الصامت (١٢): "أنه ﷺ رجم امرأة من جهينة ولم تقر إلا مرة واحدة". وسيأتي الحديث في باب تأخير الرجم عن الحبلى. وكذلك حديث بريدة (١٣) الذي سيأتي هنالك، فإن فيه: "أنه ﷺ رجمها قبل أن تقر أربعًا". وبما أخرجه أبو داود (١٤) والنسائي (١٥) من حديث خالد بن اللجلاج عن أبيه: أنَّه كان قاعدًا يعمل في السُّوق فمرَّت امرأةٌ تحمل صَبِيًّا فثارَ الناسُ معها وثرتُ فيمن ثار، فانتهيتُ إلى النبي ﷺ : وهو يقول: "من أبو هذا معك؟ "

стр. 6398

فسكتت، فقال شاب: خذوها أنا أبوه يا رسول الله، فنظر رسول الله ﷺ إلى بعض من حوله يسألهم عنه، فقالوا: ما علمنا إلا خيرًا، فقال له النبي ﷺ : "أحصنت؟ " قال: نعم، فأمر به فرجم". وعن جابر بن عبد الله عند أبي داود (١): "أن النبي ﷺ أقرَّ عنده رجلٌ: أنه زنى بامرأة، فأمر به النبي ﷺ فجلد الحد ثم أخبر أنه محصن فأمر به فرجم"، وقد تقدم (٢). ومن ذلك حديث الذي أقر بأنه زنى بامرأة وأنكرت، وسيأتي (٣) في باب من أقر أنه زنى بامرأة فجحدت. ومن ذلك حديثُ الرجل الذي ادَّعتِ المرأةُ أنَّهُ وقعَ عليها فأمرَ برجمه، ثم قام آخَرُ فاعترف أنَّهُ الفاعِلُ، ففي رواية: "أنَّهُ رجمهُ"، وفي رواية: "أنَّهُ عَفَا عنهُ" وهُوَ في سنن النسائي (٤) والترمذي (٥). ومن ذلك حديثُ اليهوديين: فإنَّه لم ينقل أن النبي ﷺ كرر عليهما الإقرار (٦). قالوا: ولو كان تربيع الإقرار شرطًا؛ لما تركه النبي ﷺ في مثل هذه الواقعات التي يترتب عليها سفك الدماء وهتك الحرم. وأجاب الأولون عن هذه الأدلة: بأنها مطلقةٌ قيدتها الأحاديث التي فيها أنه وقع الإقرار أربع مرات، وردَّ بأنَّ الإطلاق والتقييد من عوارض الألفاظ، وجميع الأحاديث التي ذكر فيها تربيع الإقرار أفعال، ولا ظاهر لها، وغاية ما فيها: جواز تأخير إقامة الحدِّ بعد وقوع الإقرار مرّةً إلى أن ينتهي إلى أربع، ثم لا يجوز التأخير بعد ذلك، وظاهر السياقات مشعرٌ: بأنَّ النبي ﷺ إنما فعل ذلك في قصة ماعز لقصد التثبت كما يشعر بذلك قوله له: "أبك جنون؟ " (٧)، ثم سؤاله بعد ذلك لقومه، فتحمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحدِّ بعد صدور الإقرار مرّةً

стр. 6399

على من كان أمره ملتبسًا في ثبوت العقل واختلاله، والصحو والسكر، ونحو ذلك. وأحاديث إقامة الحدّ بعد الإقرار مرّة واحدة على من كان معروفًا بصحة العقل، وسلامة إقراره عن المبطلات. وأمَّا ما رواهُ بريدةُ (١) من أن الصحابة كانوا يتحدثون: أنَّه لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مراتٍ لم يرجمه: فليس ذلك مما تقوم به الحجة؛ لأن الصحابيَّ لا يكون فهمه حجة إذا عارض الدليل الصحيح. ومما يؤيد ما ذكرناه: أن النبي ﷺ لما قالت له الغامديةُ: أتريد أن تردَّني كما رددت ماعزًا؟ لم ينكر ذلك عليها، كما سيأتي في باب تأخير الرجم عن الحبلى (٢)، ولو كان تربيع الإقرار شرطًا؛ لقال لها: إنما رددته لكونه لم يقرَّ أربعًا، وهذه الواقعة من أعظم الأدلة الدالة: على أن تربيع الإقرار ليس بشرط للتصريح فيها: بأنها متأخرة عن قضية ماعز. وقد اكتفى فيها بدون أربع مرات كما سيأتي. وأما قوله ﷺ في حديث ابن عباس (٣) المذكور في الباب: "شهدتَ على نفسِكَ أربعَ شهاداتٍ"، فليسَ في هذا ما يدلُّ على الشرطيَّةِ أصلًا، وغاية ما فيه أن النبي ﷺ أخبره بأنه قد استحق الرجم لذلك، وليس فيه ما ينفي الاستحقاق فيما دونَهُ، ولا سيما وقد وقع منه الرجم بدون حصول التربيع كما سلف. وأما الاستدلالُ بالقياسِ على شهادة الزنا فإنه لما اعتبر فيه أربعة شهود اعتُبر في إقراره أن يكونَ أربعَ مراتٍ ففي غايةِ الفسادِ، لأنَّهُ يلزمُ من ذلكَ أن يُعتبر في الإقرارِ بالأموالِ والحقوقِ أن يكونَ مرتينِ لأنَّ الشهادة في ذلك لا بُدَّ أن تكون من رجلين، ولا يكفي فيها الرجل الواحد، واللازم باطل بإجماع المسلمين فالملزوم مثله.
следующие страницы →