← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6395–6434 · переход к 6400.

стр. 6395

قوله: (فهل أحصنت) (١) بفتح الهمزة أي: تزوجت. وقد روي في هذه القصة زيادات في الاستفصال، منها في حديث ابن عباس عند البخاري (٢) والنسائي (٣) وأبي داود (٤) بلفظ: "لعلك قبَّلت أو غمزت أو نظرت"، والمعنى أنك تجوزت بإطلاق لفظ الزنا على مقدماته. وفي رواية لهم من حديث ابن عباس (٥) أيضًا: "أفنكتها؟ قال: نعم"، وسيأتي ذلك في باب استفسار المقرّ. وفي رواية لمسلم (٦) وأبي داود (٧) من حديث بريدة أنّه ﷺ قال له: "أشربت خمرًا؟ "، قال: لا"، وفيه: "فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريحًا". قوله: (اذهبوا به فارجموه)، فيه دليل على أنه لا يجب أن يكون الإمام أوّل من يرجم، وسيأتي الكلام على ذلك في باب إن السنة بداءة الشاهد بالرجم وبداءة الإمام به (٨). وفيه أيضًا دليل على أنه لا يجب الحفر للمرجوم (٩). لأن النبي ﷺ لم يأمرهم بذلك، وسيأتي بيان ذلك في باب ما جاء في الحفر للمرجوم. قوله: (فلما أذلقته الحجارة) بالذال المعجمة والقاف، أي: بلغت منه الجهد. قوله: (أعضل) بالعين المهملة والضاد المعجمة؛ أي: ضخم عضلة الساق. قوله: (إنه قد زنى الأخِرُ) هو مقصور بوزن الكبد، أي: الأبعد. قوله: (فأقرَّ عند النبيِّ ﷺ أربع مرات) قد تطابقت الروايات التي ذكرها المصنف في هذا الباب على أن ماعزًا أقر أربع مرات.

стр. 6396

ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم (١) بلفظ: "فاعترف ثلاث مرات". ووقع عند مسلم (٢) من طريق شعبة عن سماك قال: "فرده مرتين"، وفي أخرى "مرتين أو ثلاثًا"، قال شعبة: فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: إنه رده أربع مرات. وقد جمع بين الروايات بحمل رواية المرتين: على أنه اعترف مرَّتين في يوم، ومرتين في يومٍ آخر. ويدلّ على ذلك: ما أخرجه أبو داود (٣) عن ابن عباس قال: "جاء ماعز إلى النبي ﷺ فاعترف بالزنا مرتين، فطرده، ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين" كما في الرواية المذكورة في الباب (٤)، فلعله اقتصر الراوي على ما وقع منه في أحد اليومين. وأما رواية الثلاث فلعله اقتصر الراوي فيها على المرَّاتِ التي رده فيها فإنه لم يرده في الرابعة بل استثبت وسأله عن عقله ثم أمر برجمه. قوله: (لو رجعا بعد اعترافهما) (١) أي رجعا إلى رحالهما، ويحتمل أنه أراد الرجوع عن الإقرار، ولكن الظاهر الأول لقوله: "أو قال: لو لم يرجعا"، فإن المراد به: لم يرجعا إليه ﷺ ، فيكون معنى الحديث: لو رجعا إلى رحالهما ولم يرجعا إليه ﷺ بعد كمال الإقرار لم يرجمهما. وقد استدل بأحاديث الباب القائلون بأنه [يشترط] (٥) في الإقرار بالزنا أن يكون أربع مرات، فإن نقص عنها، لم يثبت الحدُّ، وهم: العترة (٦)، وأبو حنيفة (٧)، وأصحابه، وابن أبي ليلى، وأحمد بن حنبل (٨)، وإسحاق، والحسن بن صالح (٩)، هكذا في البحر (١٠)، وفيه أيضًا عن أبي بكر، وعمر، والحسن

стр. 6397

البصري (١)، ومالك (٢)، وحماد، وأبي ثور (٣)، والبتي (٤) والشافعي (٥) أنه يكفي وقوع الإقرار مرة واحدة. وروي ذلك عن داود. وأجابوا عن أحاديث الباب بما سلف من الاضطراب ويرد عليهم بما تقدم. واستدلوا بحديث العسيف المتقدم (٦) فإن فيه أنه ﷺ قال لأنيس: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها". وبما أخرجه مسلم (٧) والترمذي (٨) وأبو داود (٩) والنسائي (١٠) وابن ماجه (١١) من حديث عبادة بن الصامت (١٢): "أنه ﷺ رجم امرأة من جهينة ولم تقر إلا مرة واحدة". وسيأتي الحديث في باب تأخير الرجم عن الحبلى. وكذلك حديث بريدة (١٣) الذي سيأتي هنالك، فإن فيه: "أنه ﷺ رجمها قبل أن تقر أربعًا". وبما أخرجه أبو داود (١٤) والنسائي (١٥) من حديث خالد بن اللجلاج عن أبيه: أنَّه كان قاعدًا يعمل في السُّوق فمرَّت امرأةٌ تحمل صَبِيًّا فثارَ الناسُ معها وثرتُ فيمن ثار، فانتهيتُ إلى النبي ﷺ : وهو يقول: "من أبو هذا معك؟ "

стр. 6398

فسكتت، فقال شاب: خذوها أنا أبوه يا رسول الله، فنظر رسول الله ﷺ إلى بعض من حوله يسألهم عنه، فقالوا: ما علمنا إلا خيرًا، فقال له النبي ﷺ : "أحصنت؟ " قال: نعم، فأمر به فرجم". وعن جابر بن عبد الله عند أبي داود (١): "أن النبي ﷺ أقرَّ عنده رجلٌ: أنه زنى بامرأة، فأمر به النبي ﷺ فجلد الحد ثم أخبر أنه محصن فأمر به فرجم"، وقد تقدم (٢). ومن ذلك حديث الذي أقر بأنه زنى بامرأة وأنكرت، وسيأتي (٣) في باب من أقر أنه زنى بامرأة فجحدت. ومن ذلك حديثُ الرجل الذي ادَّعتِ المرأةُ أنَّهُ وقعَ عليها فأمرَ برجمه، ثم قام آخَرُ فاعترف أنَّهُ الفاعِلُ، ففي رواية: "أنَّهُ رجمهُ"، وفي رواية: "أنَّهُ عَفَا عنهُ" وهُوَ في سنن النسائي (٤) والترمذي (٥). ومن ذلك حديثُ اليهوديين: فإنَّه لم ينقل أن النبي ﷺ كرر عليهما الإقرار (٦). قالوا: ولو كان تربيع الإقرار شرطًا؛ لما تركه النبي ﷺ في مثل هذه الواقعات التي يترتب عليها سفك الدماء وهتك الحرم. وأجاب الأولون عن هذه الأدلة: بأنها مطلقةٌ قيدتها الأحاديث التي فيها أنه وقع الإقرار أربع مرات، وردَّ بأنَّ الإطلاق والتقييد من عوارض الألفاظ، وجميع الأحاديث التي ذكر فيها تربيع الإقرار أفعال، ولا ظاهر لها، وغاية ما فيها: جواز تأخير إقامة الحدِّ بعد وقوع الإقرار مرّةً إلى أن ينتهي إلى أربع، ثم لا يجوز التأخير بعد ذلك، وظاهر السياقات مشعرٌ: بأنَّ النبي ﷺ إنما فعل ذلك في قصة ماعز لقصد التثبت كما يشعر بذلك قوله له: "أبك جنون؟ " (٧)، ثم سؤاله بعد ذلك لقومه، فتحمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحدِّ بعد صدور الإقرار مرّةً

стр. 6399

على من كان أمره ملتبسًا في ثبوت العقل واختلاله، والصحو والسكر، ونحو ذلك. وأحاديث إقامة الحدّ بعد الإقرار مرّة واحدة على من كان معروفًا بصحة العقل، وسلامة إقراره عن المبطلات. وأمَّا ما رواهُ بريدةُ (١) من أن الصحابة كانوا يتحدثون: أنَّه لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مراتٍ لم يرجمه: فليس ذلك مما تقوم به الحجة؛ لأن الصحابيَّ لا يكون فهمه حجة إذا عارض الدليل الصحيح. ومما يؤيد ما ذكرناه: أن النبي ﷺ لما قالت له الغامديةُ: أتريد أن تردَّني كما رددت ماعزًا؟ لم ينكر ذلك عليها، كما سيأتي في باب تأخير الرجم عن الحبلى (٢)، ولو كان تربيع الإقرار شرطًا؛ لقال لها: إنما رددته لكونه لم يقرَّ أربعًا، وهذه الواقعة من أعظم الأدلة الدالة: على أن تربيع الإقرار ليس بشرط للتصريح فيها: بأنها متأخرة عن قضية ماعز. وقد اكتفى فيها بدون أربع مرات كما سيأتي. وأما قوله ﷺ في حديث ابن عباس (٣) المذكور في الباب: "شهدتَ على نفسِكَ أربعَ شهاداتٍ"، فليسَ في هذا ما يدلُّ على الشرطيَّةِ أصلًا، وغاية ما فيه أن النبي ﷺ أخبره بأنه قد استحق الرجم لذلك، وليس فيه ما ينفي الاستحقاق فيما دونَهُ، ولا سيما وقد وقع منه الرجم بدون حصول التربيع كما سلف. وأما الاستدلالُ بالقياسِ على شهادة الزنا فإنه لما اعتبر فيه أربعة شهود اعتُبر في إقراره أن يكونَ أربعَ مراتٍ ففي غايةِ الفسادِ، لأنَّهُ يلزمُ من ذلكَ أن يُعتبر في الإقرارِ بالأموالِ والحقوقِ أن يكونَ مرتينِ لأنَّ الشهادة في ذلك لا بُدَّ أن تكون من رجلين، ولا يكفي فيها الرجل الواحد، واللازم باطل بإجماع المسلمين فالملزوم مثله.

стр. 6400

وإذا قد تقرَّرَ لك عدم اشتراط الأربع عرفت عدم اشتراط ما ذهبت إليه الحنفية (١) والقاسمية (٢) من أن الأربع لا تكفي أن تكون في مجلس واحد، بل لا بد أن تكون في أربعة مجالس، لأنَّ تعدُّدَ الأمكنة فرع تعدُّد الإقرار الواقع فيها، وإذا لم يشترط في الأصل؛ تبعه الفرع في ذلك. وأيضًا: لو فرضنا اشتراط كون الإقرار أربعًا؛ لم يستلزم كون مواضعه متعددة؟ أما عقلًا: فظاهر؛ لأن الإقرار أربع مرات وأكثر منها في موضع واحدٍ من غير انتقالٍ مما لا يخالف في إمكانه عاقل. وأمَّا شرعًا: فليس في الشرع ما يدلُّ على أن الإقرار الواقع بين يديه ﷺ وقع من رجلٍ في أربعة مواضع، فضلًا عن وجود ما يدلُّ على أن ذلك شرط، وأكثر الألفاظ في حديث ماعز بلفظ: "أنَّه أقرَّ أربع مرّات، أو شهد على نفسه أربع شهادات". وأما الردّ الواقع بعد كلِّ مرَّةٍ، كما في حديث أبي بكر (٣) المذكور: فليس في ذلك: أنه ردُّ المقرِّ من ذلك الموضع إلى موضع آخر، ولو سلم: فليس الغرض في ذلك الرد هو تعدد المجالس، بل الاستثبات كما يدل على ذلك ما وقع منه ﷺ من الألفاظ الدالة على أن ذلك الرد لأجله، ومما يؤيد ذلك حديث ابن عباس (٤) المذكور في الباب فإن فيه: "أنه جاء اليوم الأول فأقر مرتين فطرده ثم جاء اليوم الثاني فأقر مرتين فأمر برجمه". وهكذا يجاب عن الاستدلال بما روى نعيم بن هزال أنه ﷺ أعرض عن ماعز في المرة الأولى والثانية والثالثة كما أخرجه أبو داود (٥)، وأخرجه أيضًا أبو داود (٦) والنسائي (٧) من حديث أبي هريرة، والإعراض لا يستلزم أن تكون

стр. 6401

المواضع التي أقر فيها المقر أربعة بلا شك ولا ريب؛ ولو سلم أنه يستلزم ذلك بقرينة: ما روى أنه جاءه من جهة وجهه أولًا ثم من عن يمينه ثم من عن شماله ثم من ورائه، وسيأتي قريبًا (١) أنه كان يقر كل مرة في جهة غير الجهة الأولى، فهذا ليس فيه أيضًا أن الإعراض لقصد تعدد الإقرار أو تعدد مجالسه بل لقصد الاستثبات كما سلف لما سلف. [الباب الرابع] باب استفسار المقرِّ بالزنا واعتبار تصريحه بما لا تردد فيه ١٦/ ٣١٠٧ - (عن ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: لمَّا أتى ماعِز بْنُ مالكٍ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لهُ: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ أَوْ غَمَزْتَ أَوْ نَظَرْتَ؟ "، قالَ: لَا يا رَسُولَ الله، قالَ: "أَفَنِكْتَهَا؟ " لَا يَكْنِي، قالَ: نعَمْ، فَعِنْدَ ذلِكَ أَمَرَ برَجمِهِ. رَوَاهُ أَحمدُ (٢) والبُخاريُّ (٣) وأبُو داودُ) (٤) [صحيح] ١٧/ ٣١٠٨ - (وعَنْ أبي هُريرةَ قالَ: جاءَ الأسْلمِيُّ نَبِيَّ الله ﷺ فَشَهِدَ على نفْسِهِ أنّه أَصَابَ امْرَأَةً حَرَامًا أَرْبَعَ مَرّاتٍ كُلُّ ذلِكَ يُعْرِضُ عَنهُ، فأقبَلَ عَليهِ فِي الخَامِسَةِ، فقالَ: "أَنِكْتَهَا""، قالَ: نعَمْ، قالَ: "كما يَغِيبُ الْمِرْوَدُ في المُكْحُلَةِ والرِّشاءُ في البِئرِ؟ "، قالَ: نعَمْ، قال: "فَهَلْ تَدْرِي ما الزِّنَا؟ "، قالَ: نعَمْ أَتَيْتُ مِنهَا حَرَامًا ما يَأتِي الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ حَلَالًا، قالَ: "فمَا تُرِيدُ بهَذا الْقَولِ؟ "، قالَ: أرِيدُ أنْ تُطَهِّرَنِي فأمرَ به فَرُجِمَ. رَواهُ أَبُو داوُد (٥) والدارقطنِيُّ) (٦). [ضعيف] حديث أبي هريرة أخرجه أيضًا النسائي (٧)، وفي إسناده ابن الهضهاض،

стр. 6402

ذكره البخاري في تاريخه (١)، وحكى الخلاف فيه، وذكر له هذا الحديث، وقال: حديثه في أهل الحجاز ليس يعرف إلا بهذا الواحد. قوله: (أو غمزت) (٢) بغين معجمة وزاي، والمراد لعلَّه وقع منك هذه المقدمات فتجوزت بإطلاق لفظ الزنا عليها. وفي روايةٍ (٣): "هل ضاجعتها"؟ قال: نعم؛ قال: "فهل باشرتها؟ "، قال: نعم، قال: "هل جامعتها"؟ قال: نعم. قوله: (لا يَكْنِي) بفتح أوله وسكون الكاف من الكناية: أي أنه ذكر هذا اللفظ صريحًا ولم يُكَنِّ عنه بلفظٍ آخرَ كالجماعِ. قوله: (المرود) بكسر الميم: الميل (٤). قوله: (والرِّشاء) (٥) بكسر الراء، قال في القاموس (٦): والرِّشاء، ككساء: الحبل، وفي هذا من المبالغة في الاستثبات والاستفصال ما ليس بعده في تطلب بيانِ حقيقةِ الحالِ، فلم يكتف بإقرار المقر بالزنا بل استفهمه بلفظ لا أصرح منه في المطلوب وهو لفظ: النيك، الذي كان ﷺ يتحاشى عن التكلم به في جميع حالاته، ولم يُسمع منه إلا في هذا الموطن، ثم لم يكتف بذلك بل صوره تصويرًا حسيًا، ولا شك أن تصوير الشيء بأمر محسوس أبلغ في الاستفصال من تسميته بأصرح أسمائه وأدلِّها عليه.

стр. 6403

وقد استُدِلَّ بهذين الحديثين؛ على مشروعية الاستفصال للمقرِّ بالزنا، وظاهر ذلك عدم الفرق بين من يجهل الحكم ومن يعلمه ومن كان منتهكًا للحرم ومن لم يكن كذلك، لأن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في المقال (١)، وذهبت المالكية إلى أنه لا يلقن من اشتهر بانتهاك الحرم، وقال أبو ثور: لا يلقن إلا من كان جاهلًا للحكم وإذا قصر الإمام في الاستفصال ثم انكشف بعد التنفيذ وجود مسقط للحد فقيل: يضمن الدية من ماله إن تعمد التقصير وإلا فمن بيت المال. وقيل: على عاقلة الإمام قياسًا على جناية الخطأ. قال في "ضوء النهار" (٢): والحقُّ أنه إذا تعمد التقصير في البحث عن المسقط المجمع على إسقاطه اقتص منه، وإلا فلا يضمن إلا الدية لما عرفت من كون الخلاف شبهة. اهـ. وهذا إنَّما يَتُمُّ بعد تسليم أن استفصالَ المقِرِّ عن المسقِطَاتِ المجمعِ عليها واجبٌ على الإمام، وشرط في إقامة الحد يستلزم عدمه العدم كما هو شأن سائر الشروط على ما عرف في الأصول. والواجبات والشروط لا تثبت بمجرد فعله ﷺ ، وليس في المقام إلا ذلك وغايته الندب. وأما الاستدلال على الوجوب: بأنَّ الإمام حاكم، والحاكم يجب عليه التثبت. فيمكن مناقشته بمنع الصغرى، والسند أنَّ الحاكم هو من يفصل الخصومات بين العباد عند الترافع إليه، ولا خصومة ههنا بل مجرد التنفيذ لما شرعه الله على من تعدى حدوده بشهادة لسانه عليه بذلك، وكون المانع مجوّزًا لا يستلزم القدح في صحة الحكم الواقع بعد كمال السبب وهو الإقرار بشروطه وإلا لزم ذلك في الإقرار بالأموال والحقوق، فيجب على الحاكم مثلًا بعد أن يقر عنده رجل بأنه أخذ مال رجل أن يقول له: لعلك أردت المجاز ولم يصدر منك الأخذ حقيقةً لعلك كذا لعلك كذا، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله.

стр. 6404

وبيان الملازمة: أن وجود المانع مجوز في الإقرار بالأموال والحقوق كما هو مجوز في الإقرار بالزنا، فتقرر لك بهذا أن إيجاب الاستفصال على الإمام في مثل الإقرار بالزنا وجعله شرطًا لإقامة الحد بمجرد كونه حاكمًا غير منتهض، فالأولى التعويل على أحاديث الباب القاضية بمطلق مشروعية الاستفصال في الإقرار بالزنا لا بالمشروعية المقيدة بالوجوب أو الشرطية. [الباب الخامس] بابُ أن مَنْ أقرَّ بحدٍّ ولم يُسَمِّهِ لا يُحَدُّ ١٨/ ٣١٠٩ - (عَنْ أَنَسٍ قالَ: كُنْتُ عِندَ النَّبِيِّ ﷺ فجَاءَهُ رَجُلٌ، فقالَ: يا رَسُولَ الله إنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فأقِمْهُ علَيَّ وَلَمْ يَسألْهُ، قالَ: وحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فصَلى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلمَّا قَضى النَّبِيُّ ﷺ الصلاة قَامَ إليهِ الرَّجُلُ فقالَ: يا رَسُولَ الله إنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فأقِمْ فِيَّ كِتَابَ الله، قالَ: "أَلَيْسَ قدْ صَلَّيْتَ مَعَنا؟ "، قالَ: نعَمْ، قَالَ: "فإنَّ الله قَدْ غفَرَ لكَ ذَنْبَكَ - أوْ حدَّكَ - ". أخرَجاهُ (١). [صحيح] ولأحمدَ (٢) ومُسلِم (٣) مِنْ حديثِ أبي أمامةَ نَحْوُهُ). [صحيح] لفظ حديث أبي أمامة الذي أشار إليه المصنف قال: "بينا رسول الله ﷺ في المسجد ونحن معه إذْ جاء رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقمه علي، فسكت عنه ثم أعاد فسكت [عنه] (٤) وأقيمت الصلاة، فلما انصرف رسول الله ﷺ تبعه الرجل واتبعته أنظر ماذا يرد عليه، فقال له: "أرأيت حين خرجت من بيتك أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء؟ "، قال: بلى يا رسول الله، قال: "ثم شهدت الصلاة معنا؟ "، قال: نعم يا رسول الله، قال: "فإن الله تعالى قد غفر لك حدك - أو قال: ذنبك - ".

стр. 6405

وفي الباب عن ابن مسعود عند مسلم (١) والترمذي (٢) وأبي داود (٣) والنسائي (٤) قال: إني عالجت امرأة من أقصى المدينة فأصبت منها ما دون أن أمسها فأنا هذا فأقم علي ما شئت، فقال عمر: لقد ستر الله عليك لو سترت على نفسك، فلم يرد النبي ﷺ شيئًا، فانطلق الرجل فأتبعه النبي ﷺ رجلًا فدعاه فتلا عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إلى آخر الآية (٥)، فقال رجل من القوم: أله خاصة أم للناس عامة؟ فقال: للناس كافة. هذا لفظ أبي داود، وهذا الرجل هو أبو اليسر كعب بن عمرو، وقيل غيره. قوله: (إني أصبتُ حدًّا) قال في النهاية (٦): أي: أصبتُ ذنبًا أوجب علي حدًّا، أي: عقوبةً. قال النووي في شرح مسلم (٧): هذا الحديث معناه: معصية من المعاصي الموجبة للتعزير، وهي هنا من الصغائر، لأنها كفَّرتها الصلاةُ، ولو أنها كانت موجبة لحدٍّ أو غيره لم [تسقط] (٨) بالصلاة. فقد أجمع العلماء (٩) على أن المعاصي الموجبة للحدود لا تسقط حدودها بالصلاة. وحكى القاضي عياض (١٠) عن بعضهم: أن المراد الحدُّ المعروف، قال: وإنما لم يحدَّه لأنه لم يفسر موجب الحدِّ، ولم يستفسره النبي ﷺ إيثارًا للستر، بل استحب تلقين الرجل صريحًا. انتهى.

стр. 6406

ومما يؤيد ما ذهب إليه الجمهور من أن المراد بالحدِّ المطلق في الأحاديث هو غير الزنا، ونحوه من الأمور التي توجب الحدَّ ما في حديث ابن مسعود الذي ذكرناه من قوله: "فأصبتُ منها ما دون أن أمسها"، فإنَّ هذا يفسر ما أبهم في حديث أنس (١) وأبي أمامة (٢). هذا إذا كانت القصة واحدة، وأما إذا كانت متعددة فلا ينبغي تفسير ما أبهم في قصة بما فسر في قصة أخرى، وتوجه العمل بالظاهر، والحكم بأن الصلاة تكفر ما يصدق عليه أنه يوجب الحد. ولا شكَّ ولا ريب أن من أقرّ بحدٍّ من الحدود ولم يفسره لا يطالب بالتفسير ولا يقام عليه الحد إن لم يقع منه ذلك لأحاديث الباب. ولما سيأتي من أنها تدرأ الحدود بالشبهات (٣) بعد ثبوتها وتعيينها، فبالأولى قبل التفسير للقطع بأنها مختلفة المقادير فلا يتمكن الإمام من إقامتها مع الإبهام. ويؤيد ذلك ما سلف من استفصاله ﷺ لماعز (٤) بعد أن صرح بأنه زنى. [الباب السادس] باب ما يُذْكَرُ في الرجُوعِ عن الإِقَرارِ ١٩/ ٣١١٠ - (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قالَ: جَاءَ ماعِزٌ الأسْلَمِيُّ إلى رَسُولِ الله ﷺ فقالَ إنَّهُ قد زَنى، فأعْرَضَ عَنهُ، ثم جاءَهُ من شِقِّه الآخَرِ فقالَ إنَّهُ قدْ زَنى، فأعْرَضَ عَنهُ، ثمَّ جاءَهُ مِنْ شِقِّهِ الآخرِ فقالَ: يا رسُولَ الله إنه قدْ زَنى، فأمَرَ بهِ في الرَّابِعةِ، فأخْرَجَ إلى الحَرَّةِ فرُجِمَ بالحِجَارَةِ، فلمَّا وَجدَ مَسّ الحِجَارَةِ فرَّ يَشْتَدُّ حتَّى مَرّ برَجُل مَعهُ لِحْيُ جملٍ فضَرَبَهُ بهِ وضَرَبَهُ النَّاسُ حتَّى ماتَ، فذَكَرُوا ذلِكَ لِرَسُولِ الله ﷺ أنَّهُ فرَّ حِينَ وَجدَ مَسّ الحِجَارَةِ وَمَسّ المَوْتِ، فقالَ

стр. 6407

رَسُولُ الله ﷺ : "هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ". رَوَاهُ أحمدُ (١) وابْنُ ماجَهْ (٢) والتِّرمذيُّ وقالَ: حَسَنٌ) (٣). [صحيح] ٢٠/ ٣١١١ - (وعَنْ جَابِرٍ في قِصَّةِ ماعِزٍ قالَ: كُنْتُ فِيمَنْ رجمَ الرجُلَ، إنَّا لما خَرَجنَا بهِ فَرجمْناهُ فَوَجدَ مَسَّ الحِجارِةِ صَرَخَ بِنَا: يَا قَوْمُ رُدُّونِي إلى رَسُولِ الله ﷺ فإنَّ قَوْمِي قتَلُوَنِي وغَرُّونِي مِنْ نَفْسِي، وأَخْبَرونِي أَنَّ رسُولَ الله ﷺ غيرُ قاتِلِي، فَلَمْ نَنْزِعْ عَنهُ حتَّى قتَلنَاهُ؛ فلمَّا رجعْنَا إلى رسُولِ الله ﷺ وأخبَرَناهُ قالَ: "فَهَلَّا ترَكْتُمُوهُ وجئْتُمُونِي بهِ"، لِيَسْتَثْبِتَ رسُولُ الله ﷺ مِنهُ، فأمّا تَرْكُ حَدٍّ فَلا. رَوَاه أَبُو دَاوُدَ) (٤) [حسن] الحديث الأول قال الترمذي (٥) بعد أن قال: إنه حديث حسن، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة. انتهى. ورجال إسناده ثقات، فإن الترمذي رواه من حديث عبدة بن سليمان عن محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبي هريرة. والحديث الثاني أخرجه أيضًا النسائي (٦) وأشار إليه الترمذي (٧) وفي إسناده محمد بن إسحاق، وفيه خلاف قد تقدم الكلام عليه. وأخرج البخاري (٨) ومسلم (٩) والترمذي (١٠) والنسائي (١١) من حديث أبي

стр. 6408

سلمة بن عبد الرحمن عن جابر طرفًا منه، ولفظ أبي داود (١) قال: ذكرت لعاصم بن عمر بن قتادة قصة ماعز بن مالك فقال لي: حدثني حسن بن محمد بن علي بن أبي طالب قال: حدثني ذلك من قول رسول الله ﷺ : " [فلا] (٢) تركتموه من شئتم من رجال أسلم ممن لا أتهم"، قال: ولا أعرف الحديث قال: فجئت جابر بن عبد الله فقلت: إن رجالًا من أسلم يحدثون: أن رسول الله ﷺ قال لهم حين ذكروا له جزع ماعز من الحجارة حين أصابته: "ألا تركتموه"، وما أعرف الحديث؟ قال: يا ابن أخي، أنا أعلم الناس بهذا الحديث … فذكره. وفي الباب عن نعيم بن هزَّال عن أبيه عند أبي داود (٣) وفيه: "فلمَّا رُجِمَ وجد مسَّ الحجارة فخرج يشتدّ، فلقيه عبد الله بن أنيس، وقد عجز أصحابه فنزع له بوظيف بعيرٍ فقتله، ثم أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: "هلّا تركتموه، لعله أن يتوب فيتوب الله عليه! ". قوله: (فلما وجدَ مسَّ الحجارةِ فرَّ يشتدُّ حتى مرَّ برجُلٍ معه لِحْيُ جملٍ … إلخ)، ظاهر هذه الرواية ورواية نعيم بن هزَّال أنه وقع منه الفرار حتى ضربه الرجل الذي معه لحي الجمل. وظاهر قوله في حديث جابر المذكور (٤): "صرخ يا قوم … إلخ"، أنه لم يفرَّ. ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم (٥) والنسائي (٦) وأبي داود (٧) واللفظ له

стр. 6409

قال: "لما أمر رسول الله ﷺ برجم ماعز بن مالك خرجنا إلى [البقيع] (١)، فوالله ما أوثقناه، ولا حفرنا له، ولكنَّه قام لنا، قال أبو كامل: فرميناه بالعظام، والمدر، والخزف، فاشتدَّ، واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرَّة فانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرَّة حتى سكت". فظاهر هذه الرواية أنه إنما فرّ لأجل ما في ذلك المحلِّ الذي فر إليه من الأحْجَارِ التي تقتل بلا تعذيب، بخلاف المحلِّ الذي كان فيه، فإنه لم يكن فيه من الأحجار ما هو كذلك. ويمكن الجمع بين هذه الروايات بأن يقال: إنه فرَّ أوَّلًا من المكان الأوّل لأجل عدم الحجارة فيه إلى الحرَّة، فلمَّا وصل إليها، ونصب نفسه، ووجد مسَّ الحجارة التي تقضي إلى الموت، قال ذلك المقال، وأمرهم أن يردُّوه إلى رسول الله ﷺ ، فلما لم يفعلوا هرب، فلقيه الرجل الذي معه لحي الجمل، فضربه به فوقع، ثم رجموه حتى مات. قوله: (هلَّا تركتموه) استُدِلَّ به على أنه يقبل من المقرِّ الرجوع عن الإقرار ويسقط عنه الحدُّ، وإلى ذلك ذهب أحمد (٢) والشافعية (٣) والحنفية (٤) والعترة (٥). وهو مروي عن مالك في قول له. وذهب ابن أبي ليلى (٦)، والبتي (٧)، وأبو ثور (٨) ورواية عن مالك (٩)، وقول

стр. 6410

للشافعي (١): أنَّه لا يقبل منه الرجوع عن الإقرار بعد كما له كغيره من الإقرارات. قال الأولون: ويترك إذا هرب لعله يرجع. قال في البحر (٢) مسألة إذا هرب المرجوم بالبينة أتبع الرجم حتى يموت، لا بالإقرار؛ لقوله ﷺ ماعز: "هلَّا خليتموه"، ولصحة الرجوع عن الإقرار، ولا ضمان إذ لم يضمنهم ﷺ لاحتمال كون هربه رجوعًا، أو غيره. انتهى. وذهبت المالكية (٣) إلى أن المرجوم لا يترك إذا هرب، وعن أشهب (٤) إن ذكر عذرًا فقيل: يترك وإلا فلا، ونقله [القعنبي (٥)] (٦) عن مالك. وحكى اللخميُّ عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة. قوله: (ليستثبت رسول الله ﷺ … إلخ)، هذا من قول جابر، يعني: أن النبيّ ﷺ إنما قال ذلك لأجل الاستثبات والاستفصال، فإنْ وجد شبهةً يسقط بها الحدّ أسقطه لأجلها، وإن لم يجد شبهة كذلك أقام عليه الحدَّ، وليس المراد: أن

стр. 6411

النبي ﷺ أمرهم أن يدعوه، وأنَّ هرب المحدود من الحدِّ من جملة المسقطات، ولهذا قال: "فهلا تركتموه وجئتموني به؟ ". [الباب السابع] بابُ أن الحدَّ لا يجِبُ بالتُّهمِ وأنَّهُ يسقُط بالشُّبهاتِ ٢١/ ٣١١٢ - (عَن ابْنِ عبَّاسٍ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَاعنَ بيْنَ العَجْلَانِيِّ وامْرَأَتِهِ، فقالَ [شَدّادُ بنُ الهْادِ] (١): هِيَ المَرْأَةُ الَّتِي قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لوْ كُنْتُ رَاجمًا أحدًا بغَيْرِ بَيِّنَةٍ لرَجمْتُها"، قالَ: لَا، تِلْكَ امْرَأَةٌ كانَتْ قدْ أَعلنَتْ في الإسْلَامِ. مُتَّفَقٌ عليهِ) (٢). [صحيح] ٢٢/ ٣١١٣ - (وعَن ابْنِ عبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لوْ كُنْتُ رَاجِمًا أحَدًا بغيرِ بيِّنَةٍ [رجمْتُ] (٣) فلَانَةَ، فقَدْ ظَهَرَ منْهَا الرَّيبَةُ في مَنْطِقِها وهَيْئتِهَا ومَنْ يَدْخُلُ علَيْها". رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ (٤). [صحيح] وَاحْتَجّ بهِ منْ لَمْ يَحُدّ المَرْأَةَ بِنُكُولِهَا عَنِ اللِّعَانِ). حديث ابن عباس الثاني إسناده في سنن ابن ماجه (٥) هكذا: حدثنا العباس بن الوليد الدمشقي، قال: حدثنا زيد بن يحيى بن عبيد قال: حدثني الليث بن سعد عن عبيد الله بن أبي جعفر عن أبي الأسود عن عروة عن ابن عباس … فذكره.

стр. 6412

والعباس صدوق، وزيد بن يحيى ثقة، وبقية رجال الإسناد رجال الصحيح. وقد ورد بألفاظ منها ما ذكره المصنف ومنها ألفاظ أُخر، وفي بعضها أنها لما أتت بالولد على النعت المكروه قال ﷺ : "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن"، أخرجه أحمد (١) وأبو داود (٢) من حديثه، ولفظ البخاري (٣): "لولا ما مضى من كتاب الله". وقد تقدم في اللعان (٤) ما قاله ﷺ في شأن الولد الذي كان في بطن المرأة وقت اللعان فإنه قال: "إن أتت به على الصفة الفلانية فهو لشريك بن سحماء، وإن أتت به على الصفة الفلانية فهو لزوجها هلال بن أمية". قوله: فقال شداد بن الهاد في الفتح (٥) في كتاب اللعان: إن السائل هو عبد الله بن شداد بن الهاد وهو ابن خالة ابن عباس قال: سماه أبو الزناد عن القاسم بن محمد في هذا الحديث، كما في كتاب الحدود من صحيح البخاري (٦). قوله: (كانت قد أعلنت في الإسلام) في لفظ للبخاري (٧): "كانت تظهر في الإسلام السوء"، أي: كانت تعلن بالفاحشة، ولكن لم يثبت عليها ذلك ببينة ولا اعتراف كما تقدم في اللعان. قال الداودي (٨): فيه جواز عيب من [يسلك] (٩) مسالك السوء. وتعقب بأن ابن عباس لم يسمها، فإن أراد إظهار العيب على العموم فمحتمل. وقد استدل المصنف ﵀ [تعالى] (١٠) بقوله ﷺ : "لو كنت راجمًا

стр. 6413

أحدًا بغير بينة لرجمتها" (١)، على أنه لا يجب الحد بالتهم، ولا شك أن إقامة الحد إضرار بمن لا يجوز الإضرار به وهو قبيح عقلًا وشرعًا، فلا يجوز منه إلا ما أجازه الشارع كالحدود والقصاص وما أشبه ذلك بعد حصول اليقين، لأن مجرد الحدس والتهمة والشك مظنة للخطأ والغلط، وما كان كذلك فلا يستباح به تأليم المسلم وإضراره بلا خلاف. ٢٣/ ٣١١٤ - (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "ادْفَعُوا الحُدُودَ ما وجدْتُمْ لهَا مدفَعًا". رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ) (٢). [ضعيف] ٢٤/ ٣١١٥ - (وعَنْ عائشةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ادرءوا الحُدُود عَنَ المُسْلِمينَ ما استَطَعْتُمْ، فإنْ كانَ لهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبيلَهُ، فإن الامام إنْ يُخْطِئ في العَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أنْ يُخْطِئ في العُقُوبَةِ". رَواهُ التِّرْمِذِيُّ (٣) وذَكَرَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ مَوْقوفًا، وأنْ الْوَقْفَ أصَحُّ. قالَ: وَقَدْ رُويَ عَنْ غيْرِ واحِدٍ مِن الصّحابَةِ ﵃ أنّهُمْ قالوا مثلَ ذلكَ). [ضعيف] حديث أبي هريرة أخرجه ابن ماجه (٤) بإسناد ضعيف لأنه من طريق إبراهيم بن الفضل وهو ضعيف (٥).

стр. 6414

وحديث عائشة (١) أخرجه أيضًا الحاكم (٢) والبيهقي (٣) ولكن في إسناده يزيد بن أبي زياد (٤) وهو ضعيف كما قال الترمذي (٥). وقال البخاري فيه: إنه منكر الحديث. وقال النسائي: متروك. انتهى. والصواب الموقوف كما في رواية وكيع. قال البيهقي (٦): رواية وكيع أقرب إلى الصواب. قال: ورواه رشدين عن عقيل عن الزهري ورشدين (٧) ضعيف. وفي الباب عن علي (٨) مرفوعًا: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، وفيه المختار بن نافع (٩)، قال البخاري (١٠) وهو منكر الحديث، قال: وأصحُّ ما فيه حديث سفيان الثوريِّ عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود، قال: "ادرءوا الحدود بالشبهات، ادفعوا القتل عن المسلمين ما استطعتم" (١١).

стр. 6415

وروي عن عقبة بن عامر ومعاذ أيضًا موقوفًا (١). وروي منقطعًا وموقوفًا على عمر (٢). ورواه ابن حزم في كتاب "الإيصال" (٣) عن عمر (٤) موقوفًا عليه. قال الحافظ (٥): وإسناده صحيح. ورواه ابن أبي شيبة (٦) من طريق إبراهيم النخعي عن عمر بلفظ: "لأن أخطئ في الحدود بالشبهات أحب إليّ من أن أقيمها بالشبهات". وفي مسند أبي حنيفة للحارثي من طريق مقسم عن ابن عباس بلفظ: "ادرءوا الحدود بالشبهات" [كذا في التلخيص (٧)] (٨)، وما في الباب وإن كان فيه المقال المعروف فقد شد من عضده ما ذكرناه فيصلح بعد ذلك للاحتجاج به على مشروعية درء الحدود بالشبهات المحتملة لا مطلق الشبهة. وقد أخرج البيهقي (٩) وعبد الرزاق (١٠) عن عمر أنه عذر رجلًا زنى في الشام وادعى الجهل بتحريم الزنا. وكذا روي عنه وعن عثمان أنهما عذرا جارية زنت وهي أعجمية وادعت أنها لم تعلم التحريم (١١). ٢٥/ ٣١١٦ - (وَعَن ابْن عَبَّاسٍ قالَ: قالَ عُمرُ بْن الخَطَّابِ:

стр. 6416

كانَ فِيما أَنْزَلَ الله آيةُ الرَّجْمِ فَقَرَأناها وَعَقَلْنَاها وَوعيناها، وَرَجَمَ رَسُولُ الله ﷺ وَرَجمْنا بَعْدَهُ، فأخْشَى إنْ طالَ بِالنَّاسِ زَمانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: والله ما نجدُ الرّجْمَ في كِتابِ الله تعالى، فَيضِلُّوا بِترْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا الله تعالى، والرَّجْمُ في كِتَابِ الله حَقٌّ على مَنْ زَنى إذا أَحْصَنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إذا قامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كانَ الحَبَلُ أَوْ الاعْتِرَافُ. رَواهُ الجَمَاعَةُ إلَّا النَّسَائيَّ) (١). [صحيح] قوله: (آية الرجم) هي: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة". وقد قدمنا الكلام على ذلك في أول كتاب الحدود (٢)، وهذه المقالة وقعت من عمر لَمَّا صدر من الحجِّ وقدم المدينة. قوله: (فأخشى إن طال بالناس زمان … إلخ)، قد وقع ما خشيه ﵁ حتى أفضى ذلك إلى أن الخوارج وبعض المعتزلة أنكروا ثبوت مشروعية الرجم كما سلف. وقد أخرج عبد الرزاق (٣) والطبراني (٤) عن ابن عباس: أن عمر قال: "سيجيء أقوام يكذبون بالرجم". وفي رواية للنسائي (٥): "وإن ناسًا يقولون: ما بال الرجم فإنَّ ما في كتاب الله [تعالى] (٦) الجلد". وهذا من المواطن التي وافق حدس عمر فيها الصواب. وقد وصفه ﷺ بارتفاع طبقته في ذلك الشأن كما قال: "إنْ يكنْ في هذه الأمة محدَّثون فمنهم عمر" (٧).

стр. 6417

قوله: (إذا قامت البينة) أي شهادة أربعة شهود ذكور بالإجماع. قوله: (أو كان الحبل) بفتح المهملة والموحدة، وفي رواية "الحمل". وقد استدلَّ بذلك من قال: إن المرأة تحدُّ إذا وجدت حاملًا، ولا زوج لها ولا سيِّد، ولم تذكر شبهة، وهو مرويٌّ عن عمر (١) ومالك وأصحابه (٢). قالوا: إذا حملت ولم يعلم لها زوج ولا عرفنا إكراهها لزمها الحد إلا أن تكون غريبة وتدَّعي أنه من زوج أو سيد. وذهب الجمهور (٣): إلى أن مجرَّد الحبل لا يثبت به الحدُّ، بل لا بدَّ من الاعتراف، أو البينة، واستدلوا بالأحاديث الواردة في درء الحدود بالشبهات. والحاصل: أن هذا من قول عمر، ومثل ذلك لا يثبت به مثل هذا الأمر العظيم الذي يفضي إلى هلاك النفوس، وكونه قاله في مجمع من الصحابة ولم ينكر عليه، لا يستلزم أن يكون إجماعًا كما بينا ذلك في غير موضع من هذا الشرح؛ لأن الإنكار في مسائل الاجتهاد غير لازم للمخالف، ولا سيما والقائل بذلك عمر وهو بمنزلة من المهابة في صدور الصحابة وغيرهم، اللهمَّ إلا أن يدَّعى أن قوله: إذا قامت البينة وكان الحبل أو الاعتراف من تمام ما يرويه عن كتاب الله تعالى ولكنه خلاف الظاهر، لأن الذي كان في كتاب الله هو ما أسلفنا في أول كتاب الحدود. وقد أجاب الطحاوي (٤) بتأويل ذلك على أن المراد أن الحبل إذا كان من زنا وجب فيه الرجم، ولا بد من ثبوت كونه من زنا.

стр. 6418

وتعقب بأنه يأبى ذلك جعل الحبل مقابلًا للبينة والاعتراف. قوله: ([أو] (١) الاعتراف) قد تقدم الخلاف في مقداره وما هو الحق. [الباب الثامن] باب من أقَرَّ أنَّه زنى بامرأةٍ فجحدت ٢٦/ ٣١١٧ - (عَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ أَنَّ رُجلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنَّهُ قد زَنى بامَرَأَةٍ سَمَّاها، فأرْسَلَ النبيُّ ﷺ إلى المَرْأَةِ فَدَعاها فَسألَها عَمَّا قالَ فأنْكَرَتْ، فَحدَّهُ وَتَرَكَها. رَوَاهُ أَحمدُ (٢) وَأَبُو داوُدَ) (٣). [صحيح] الحديث في إسناده عبد السلام بن حفص أبو مصعب المدني، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم الرازي (٤): ليس بمعروف. وفي الباب عن ابن عباس عند أبي داود (٥) والنسائي (٦): "أن رجلًا من بكر بن ليث أتى النبي ﷺ فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات فجلده مائة وكان بكرًا، ثم سأله البينة على المرأة فقالت: كذب يا رسول الله، فجلده حد الفرية ثمانين"، وفي إسناده القاسم بن فياض الصنعاني تكلم فيه غير واحد حتى قال ابن

стр. 6419

حبان (١): إنه بطل الاحتجاج به، وقال النسائي (٢): هذا حديث منكر. وقد استدلَّ بحديث سهل بن سعد مالك (٣) والشافعي (٤) فقالا: يحد من أقرّ بالزنا بامرأة معيَّنةٍ للزنا لا للقذف. وقال الأوزاعي (٣) وأبو حنيفة (٥): يحد للقذف فقط، قالا: لأن إنكارها شبهة. وأجيب بأنه لا يبطل به إقراره. وذهبت الهادوية (٦) ومحمد (٧)، وروي عن الشافعي إلى أنه يحد للزنا والقذف. واستدلوا بحديث ابن عباس (٨) الذي ذكرناه، وهذا هو الظاهر لوجهين: (الأول): أن غاية ما في حديث سهل "أن النبي ﷺ لم يحد ذلك الرجل للقذف"، وذلك لا ينتهض للاستدلال به على السقوط لاحتمال أن يكون ذلك لعدم الطلب من المرأة، أو لوجود مسقط، بخلاف حديث ابن عباس فإن فيه: أنه أقام الحد عليه. (الوجه الثاني): أن ظاهر أدلة القذف العموم فلا يخرج من ذلك إلا ما خرج بدليل، وقد صدق على من كان كذلك أنه قاذف، وقد تقدم طرف من الكلام في باب من أقر بالزنا بامرأة لا يكون قاذفًا من أبواب اللعان.

стр. 6420

[الباب التاسع] بابُ الحثِّ على إقامةِ الحَدِّ إذا ثبتَ والنَّهي عَنِ الشَّفاعَةِ فيهِ ٢٧/ ٣١١٨ - (عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "حَدٌّ يُعْمَلُ بهِ في الأرْضِ خَيْرٌ لأهْلِ الأرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صبَاحًا". رَوَاهُ ابْنُ ماجهْ (١) والنَّسائيُّ (٢)، وَقالَ: ثَلاثين، وَأَحمْد (٣) بِالشَّكِّ فِيهم). [حسن بلفظ: "أربعين"] ٢٨/ ٣١١٩ - (وعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ حالَتْ شفاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله فَهُوَ مُضَّادُّ الله في أَمرِه". رَوَاهُ أَحمدُ (٤) وَأَبُو داوُد) (٥). [صحيح] حديث أبي هريرة: أخرج نحوه الطبراني في الأوسط (٦) من حديث ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "وحَدٌّ يقام في الأرض بحقه أزكى من مطر أربعين صباحًا"، قال في مجمع الزوائد (٧): وفي إسناده زريق بن السحب ولم أعرفه (٨)، وفي إسناد

стр. 6421

حديث أبي هريرة المذكور في الباب (١) عند ابن ماجه والنسائي جرير بنُ يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي، وهو ضعيف منكر الحديث (٢). وحديث ابن عمر أخرجه أيضًا الحاكم (٣) وصححه، وأخرجه ابن أبي شيبة (٤) عنه من وجه آخر صحيح موقوفًا عليه. وأخرج نحوه الطبراني في الأوسط (٥) عن أبي هريرة مرفوعًا وقال فيه: "فقد ضادّ الله في ملكه". وحديث أبي هريرة: فيه الترغيب في إقامة الحدود، وأنَّ ذلك مما ينتفع به الناس، لما فيه من تنفيذ أحكام الله تعالى، وعدم الرأفة بالعصاة، وردعهم عن هتك حرم المسلمين، ولهذا ثبت عنه ﷺ من حديث عائشة في الصحيحين (٦). أن النبي ﷺ خطب فقال: "أيها الناس إنما هلك الذين من قبلكم: أنه كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا الحد عليه". فإذا كان ترك الحدود والمداهنة فيها وإسقاطها عن الأكابر من أسباب الهلاك؛ كانت إقامتها على كلّ أحدٍ من غير فرق بين شريف ووضيع من أسباب الحياة، وتبين سر قوله ﷺ : "حدّ يعمل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحًا … " الحديث.

стр. 6422

وحديث ابن عمر المذكور (١): فيه دليل على تحريم الشفاعة في الحدود والترهيب لفاعلها بما هو غاية في ذلك، وهو وصفه بمضادة الله تعالى في أمره. وقد ثبت النهي عن ذلك في الصحيحين كما في حديث عائشة في قصة المرأة المخزومية لما شفع فيها أسامة بن زيد فقال النبي ﷺ له: "أتشفع في حد من حدود الله"، وفي لفظ: "لا أراك تشفع في حد من حدود الله"، وسيأتي في باب ما جاء في المختلس (٢) من كتاب القطع. ولكنه ينبغي أن يقيد المنع من الشفاعة بما إذا كان بعد الرفع إلى الإمام لا إذا كان قبل ذلك لما في حديث صفوان بن أمية عند أحمد (٣) والأربعة (٤)، وصححه الحاكم (٥) وابن الجارود (٦): "أن النبي ﷺ قال له لما أراد أن يقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه: "هلَّا كان قبل أن تأتيني به؟ "". وأخرج أبو داود (٧) والنسائي (٨) والحاكم (٩) وصححه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب". وأخرج الطبراني (١٠) عن عروة بن الزبير قال: "لقي الزبير سارقًا فشفع فيه،

стр. 6423

فقيل له: حتى يبلغ الإمام، قال: إذا بلغ الإمام فلعن الله الشافع والمشفع". وأخرج ابن أبي شيبة (١) قال الحافظ (٢): بسند حسن: "أن الزبير، وعمارًا، وابن عباس، أخذوا سارقًا فخلوا سبيله، قال عكرمة: فقلت: بئس ما صنعتم حين خليتم سبيله، فقالوا: لا أمَّ لك، أما لو كنت أنت لسرّك أن يُخَلَّى سبيلك". وأخرج الدارقطني (٣) من حديث الزبير مرفوعًا: "اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي، فإذا وصل إلى الوالي فعفا، فلا عفا الله عنه". والموقوف أصح. وقد ادعى ابن عبد البر (٤) الإجماع: على أنه يجب على السلطان الإقامة إذا بلغه الحدُّ، وهكذا حكي الإجماع في البحر (٥). وحكى الخطابي (٦) عن مالك (٧): أنه فرق بين من عُرِف بأذية الناس وغيره، فقال: لا يشفع في الأول مطلقًا، وفي الثاني: تحسن الشفاعة قبل الرفع لا بعده، والراجحُ عدمُ الفرقِ بينَ المحدودينَ، وعلى التَّفصيل المذكور بينَ قبل الرَّفعِ وبعدهُ تحملُ الأحاديثُ الواردةُ في الترغيبِ في السترِ على المسلمِ، فيكونُ السترُ هو الأفضلَ قبلَ الرفعِ إلى الإمامِ. [الباب العاشر] بابُ أن السُّنَّةَ بداءَةُ الشاهِدِ بالرجْمِ وبداءةُ الإمامِ بهِ إذا ثبتَ بالإقرارِ ٢٩/ ٣١٢٠ - (عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَ لِشُرَاحَة زَوْجٌ غائِبٌ بِالشَّامِ وَأَنَّها حَمَلَتْ فَجاءَ بِها مَوْلاها إلى عَليِّ بْنِ أَبي طالِبٍ، فَقالَ: إنَّ هذِهِ زَنَت وَاعْتَرَفَتْ فَجَلدَها يَومَ الخَمِيسِ مائَةً، ورَجَمَها يَوْمَ الجُمُعَةِ، وحَفَرَ لها إلى السُّرَّةِ

стр. 6424

وَأَنا شَاهِدٌ ثمَّ قال: إنَّ الرجْمَ سُنَّةٌ سَنَّها رَسُولُ الله ﷺ ، وَلَوْ كانَ شَهدَ على هذِهِ أَحَدٌ لكانَ أَوَّلَ مَنْ يَرمِي الشَّاهِدُ، يَشْهَدُ ثمَّ يُتْبَعُ شهَادَتهُ حَجَرَهُ، وَلكنَّها أَقَرَّتْ فأنا أوَّلُ مَنْ رَمَاها، فَرماها بحَجَرٍ ثمَّ رَمَى النَّاسُ وَأَنَا فِيهمْ، فَكُنْتُ وَالله فِيمَنْ قَتَلَها. رواهُ أَحمَدُ) (١). [صحيح] الحديث أخرجه [أيضًا] (٢) النسائي (٣) والحاكم (٤)، وأصله في [صحيح] (٥) البخاري (٦) ولكن بدون ذكر الحفر وما بعده كما تقدم في أول كتاب الحدود من حديث الشعبي. وسيأتي الكلام على الحفر قريبًا (٧). وأما كون [الشَّهادَة] (٨) أول من يرمي الزاني المحصن حيث ثبت ذلك بالشهادة فقد ذهب أبو حنيفة (٩) والهادوية (١٠) إلى أن ذلك واجبٌ عليهم، وأنَّ الإمام يجبرهم على ذلك، لما فيه من الزَّجر عن التساهل والترغيب في التثبت، وإذا كان ثبوت الزنا بالإقرار، وجب أن يكون الإمام أول من يرجم، أو مأموره؛ لما عند أبي داود (١١) في رواية من حديث أبي بكرة: "أن النبي ﷺ رجم امرأة وكان هو أول من رماها بحصاة مثل الحمصة، ثم قال: ارموها واتقوا الوجه". ويجاب بأن مجرد هذا الفعل لا يدل على الوجوب.

стр. 6425

وأما حديث العسيف المتقدم (١): فلا يدل قوله ﷺ فيه: "واغد يا أنيس [على] (٢) امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" على وجوب البداءة بذلك منه، بل غايته الأمر بنفس الرجم لا بالرجم الخاص الذي هو محل النزاع. وأما ما رواه المصنف في الباب عن علي (٣) [﵇] (٤) فإنما ينتهض للاحتجاج به على قول من يقول بالحجية لا على من يخالف في ذلك والمقام مقام اجتهاد، ولهذا حكى صاحب البحر (٥) عن العترة والشافعي (٦) أنه لا يلزم الإمام حضور الرجم. وهو الحق لعدم دليل يدل على الوجوب، ولما تقدَّمَ (٧) في حديث ماعز: "أنه ﷺ أمر برجم ماعز، ولم يخرج معهم"، والزنا منه ثبت بإقراره كما سلف. وكذلك لم يحضر في رجم الغامدية كما زعم البعض. قال في التلخيص (٨): لم يقع في طرق الحديثين أنه حضر، بل في بعض الطرق ما يدل على أنه لم يحضر، وقد جزم بذلك الشافعي (٩)، قال: وأما الغامدية ففي سنن أبي داود (١٠) وغيره (١١) ما يدل على ذلك. وإذا تقرر هذا تبين عدم الوجوب على الشهود ولا على الإمام. وأما الاستحباب فقد حكى ابن دقيق العيد (١٢) أن الفقهاء استحبوا أن يبدأ الإمام بالرجم إذا ثبت الزنا بالإقرار وتبدأ الشهود به إذا ثبت بالبينة.

стр. 6426

[الباب الحادي عشر] بابُ ما جاءَ في الحَفْرِ للمرجُومِ ٣٠/ ٣١٢١ - (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قالَ: لمَّا أَمَرَنا رسُولُ الله ﷺ أَنْ نَرْجُمَ ماعِزَ بْنَ مالِكٍ خَرَجْنَا بهِ إلى الْبَقِيعِ فَوَالله ما حَفرْنا لهُ، ولَا أَوْثَقْنَاهُ، وَلكِنْ قامَ لنَا فَرَمَيْنَاهُ بالْعِظَامِ وَالخَزْفِ، فاشْتَكَى فَخَرَجَ يَشْتَدُّ حتَّى انْتَصَبَ لنَا في عُرْض الحَرَّةِ، فَرَميْناه بجَلامِيدِ الجَنْدَلِ حَتَّى سَكَتَ) (١). [صحيح] ٣١/ ٣١٢٢ - (وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ بريْدَةَ عنْ أَبيهِ قال: جاءَتِ الغَامِدِيَّةُ، فَقالَتْ: يا رسُولَ الله إنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي، وَأَنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله لِمَ تُرَدِّدُنِي لعَلَّك تُرَدِّدُنِي كما رَدَّدْتَ ماعِزًا، فوالله إنِّي لحُبْلى، قالَ: "إمَّا لا، فاذْهَبِي حتى تَلدِي"، فَلمَّا ولدتْ أَتَتْهُ بالصَّبِيِّ في خرْقَةٍ قالتْ: هذا قدْ وَلدْتُهُ، قالَ: "اذْهَبِي فأَرْضِعِيهِ حتَّى تَفْطُمِيهِ"، فلمّا فطَمَتْهُ أتَتْهُ بالصَّبِيِّ في يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فقالتْ: هذا يَا نَبِيّ الله قدْ فطَمْتُهُ وَقدْ أكَلَ الطّعامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إلى رجلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، ثمّ أَمَرَ بِهَا فحُفِر لهَا إلى صَدْرِها، وأَمَرَ النّاسَ فَرَجَمُوها، فيُقْبِل خَالِدُ بْنُ الوَليدِ بِحَجَر فَرَمَى رَأسَها فَنَضَخَ الدّمُ على وَجهِ خَالدٍ فَسَبّها، فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ سَبّهُ إيّاها، فقالَ: "مَهْلًا يا خَالِدُ، فوَالذِي نفْسِي بيدِهِ لقَدْ تابَتْ تَوْبَة لَوْ تابهَا صاحِبُ مكْسٍ لغفِرَ لهُ"، ثمّ أمَرَ بهَا فَصُلِّيَ علَيها ودُفنَتْ. رَوَاهُما أَحْمَدُ (٢) ومُسْلِمٌ (٣) وأَبُو داوُد (٤). ٣٢/ ٣١٢٣ - (وعَنْ عَبدِ الله بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ ماعِز بْنِ مالكٍ الأسلميّ أتى رسُولَ الله ﷺ فقالَ: يا رسُولَ الله إنِّي زَنَيْتُ، وإنِّي أرِيدُ أنْ تُطهِّرنِي

стр. 6427

فرَدَّهُ؛ فلمَّا كانَ الغَدُ أَتاهُ، فقالَ: يا رَسُولَ الله إنِّي قَدْ زَنَيْتُ، فرَدَّهُ الثَّانِيةَ، فأرْسَلَ رسُولُ الله ﷺ إلى قَوْمِهِ، فقال: "هل تَعْلَمُونَ بعَقْلِهِ بأسًا تُنْكِرُونَ مِنهُ شيئًا؟ " قالُوا: ما نَعْلَمُهُ إلَّا وَفِي الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِيْنَا فِيما نَرَى، فأتَاهُ الثَّالِثَةَ فأرْسَلَ إلَيْهِمْ أَيْضًا فَسأل عنهُ، فأخبَرُوهُ: أَنَّهُ لَا بَأسَ بهِ، ولَا بعَقْلِهِ، فلمّا كانَ الرّابعَةُ حُفِرَ لهُ حُفْرَةٌ، ثمّ أَمَرَ بهِ فَرُجِمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ (١) وأحمدُ (٢)، وقالَ في آخره: فأمر النَّبِيُّ ﷺ فَحُفِرَ لهُ حُفْرَةٌ فجُعِلَ فِيهَا إلى صَدْرِه، ثمَّ أَمَرَ النَّاسَ برَجمهِ). [صحيح] ٣٣/ ٣١٢٤ - (وعَنْ خالدِ بْنِ اللّجْلَاجِ أنّ أَباهُ أَخْبَرهُ فذَكَرَ قصَّةَ رجل اعْتَرَفَ بالزِّنَا، قال: فقالَ لهُ رسُولُ الله ﷺ : "أحْصَنْتَ؟ "، قالَ: نعَمْ، فأمَرَ برَجمهِ، فذَهَبْنَا فَحَفرْنا لهُ حتَّى أَمكنَنَا ورمَيْنَاهُ بالحِجَارةِ حتَّى هَدَأَ. رَواهُ أحمدُ (٣) وأبُو دَاوُد) (٤). [إسناده حسن] حديث خالد بن اللجلاج في إسناده محمد بن عبد الله بن علاثة وهو مختلف فيه (٥)، وقد أخرجه أيضًا النسائي (٦) ولأبيه صحبة، وهو بفتح اللام

стр. 6428

وسكون الجيم وآخره جيم أيضًا، وهو عامري كنيته أبو العلاء، عاش مائة وعشرين سنة. قوله: (والخزف) (١) بفتح الخاء المعجمة والزاي آخره فاء: وهي أكسار الأواني المصنوعة من المدر. قوله: (في عُرْضِ الحرَّة) بضم العين المهملة وسكون الراء، والحرة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء: وهي أرض ذات أحجار سود، وقد سمي بذلك مواضع منها موضع وقعة حنين، وموضع بتبوك وبِنَقَدَةَ وبين المدينة والعقيق، وقِبليّ المدينة، وببلاد عبس، وببلاد فزارة، وببلاد بني القَيْنِ، وبالدَّهناءِ، وبعالية الحجاز، وقربَ فَيْد، وبجبال طَيءٍ، وبأرض بارِقٍ، وبنجدٍ، وببني مُرَّةَ، وقربَ خيبرَ - وهيَ حَرَّةُ النَّارِ - وبظاهر المدينة تحت واقم - وبها كانت وقعةُ الحرةِ أيام يزيد - وبالبُرَيكِ في طريق اليمن وحَرَّةُ غُلَّاسٍ ولُبْنٍ، ولَفْلَفٍ، وشُوْرَانُ، والحمارةِ وجفلٍ، وميطانَ، ومعشرٍ، وليلى، وعبَّادٍ والرَّجْلاءِ وقمأةَ مواضع بالمدينة، كذا في القاموس (٢). قوله: (بجلاميد الجندل) الجلاميد: جمع جلمد، وهو: الصخر، كالجلمود. والجندل، كجعفر: ما يُقلُّهُ الرجل من الحجارة، وبكسر الدال، وكعُلَبِط: الموضع يجتمع فيه الحجارة، وأرض جُنَدِلَةٌ كعُلَبِطة، وقد تفتح: كثيرتها كذا في القاموس (٣). قوله: (إمَّا لا فاذهبي) قال النووي في شرح مسلم (٤): هو بكسر الهمزة من إما، وتشديد الميم، وبالإمالة، ومعناه: إذا أبيت أن تستري نفسك وتتوبي عن قولك، فاذهبي حتى تلدي فترجمين بعد ذلك. اهـ. قوله: (فَنَضَخَ) (٥) بالخاء المعجمة، وبالمهملة.

стр. 6429

قوله: (صاحب مَكْس) بفتح الميم وسكون الكاف بعدها مهملة: هو من يتولى الضرائب التي تؤخذ من الناس غير حق. قال في القاموس (١): مكس في البيع، يمكس: إذا جبى مالًا، والمكس: النقص والظلم، ودراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو درهم كان يأخذه المصدق بعد فراغه من الصدقة. انتهى. قوله: (فصلَّى عليها) قال القاضي عياض (٢): هو بفتح الصاد واللام عند جمهور رواة مسلم، ولكن في رواية ابن أبي شيبة (٣) وأبي داود (٤) والطبراني (٥): (فَصُلِّي) بضم الصَّاد على البناء للمجهول. ويؤيده ما وقع في رواية لأبي داود (٦) بلفظ: "ثم أمرهم فصلوا عليها"، ووقع في [حديث] (٧) عمران بن حصين عند مسلم (٨): "أنه قال عمر للنبي ﷺ : [يُصلَّى] (٩) عليها؟ فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين أهل المدينة لوسعتهم"". قوله: (إلا وَفِيَّ العقل) بفتح الواو وكسر الفاء وتشديد الياء صفة مشبهة. وهذه الأحاديث المذكورة في الباب قد قدمنا الكلام على فقهها، وإنما ساقها المصنف ههنا للاستدلال بها على ما ترجم الباب به وهو الحفر للمرجوم. وقد اختلفت الروايات في ذلك، فحديث أبي سعيدٍ (١٠) المذكور فيه: أنهم لم يحفروا لماعز، وحديث عبد الله بن بريدة (١١) فيه: أنهم حفروا له إلى صدره. وقد جمع بين الروايتين: بأن المنفيَّ حفيرةٌ لا يمكنه الوثوب منها، والمثبت

стр. 6430

عكسه؛ أو أنهم لم يحفروا له أول الأمر، ثم لما فرّ فأدركوه حفروا له حفيرة فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه. أو: أنهم حفروا له في أول الأمر، ثم لما وجد مسَّ الحجارة خرج من الحفرة فتبعوه. وعلى فرض عدم إمكان الجمع فالواجب تقديم رواية الإثبات على النفي، ولو فرضنا: أن ذلك غير مرجح توجه إسقاط الروايتين والرجوع إلى غيرهما كحديث خالد بن اللجلاج (١)، فإن فيه التصريح بالحفر بدون تسمية المرجوم، وكذلك حديثه (٢) أيضًا في الحفر للغامدية. وقد ذهب العترة (٣) إلى أنه يستحب الحفر إلى سرة الرجل وثدي المرأة. وذهب أبو حنيفة (٤) والشافعي (٥) إلى أنه لا يحفر للرجل. وفي قول للشافعي أنه إذا حفر له فلا بأس، وبه قال الإمام يحيى (٦). وفي وجه للشافعية (٧) أنه يخير الإمام، وفي المرأة عندهم ثلاثة أوجه؛ ثالثها: يُحفر [استحبابًا] (٨) إن ثبت زناها بالبينة لا بالإقرار، والمروي عن أبي يوسف (٩) وأبي ثور (١٠): أنه يحفر للرجل والمرأة. والمشهور عن الأئمة الثلاثة (١١) أنه لا يحفر مطلقًا، والظاهر مشروعية الحفر لما قدمنا.

стр. 6431

[الباب الثاني عشر] بابُ تأخيرِ الرَّجْمِ عن الحُبْلَى حتى تضعَ وتأخِير الجلدِ عن ذي المرض المرجوّ زوالُه ٣٤/ ٣١٢٥ - (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنّ النَّبِيّ ﷺ جاءتْهُ امرأَةٌ منْ غامدٍ منَ الأزْدِ، فقالتْ: يا رسُولَ الله طهِّرْنِي، فقال: "ويحَكِ ارجعِي فاسْتَغْفِري الله وتُوبي إليه"، فقالتْ: أراكَ تُريدُ أنْ تُردّدَني كما رَدَّدْتَ ماعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قالَ: "وما ذَاكَ"؟ قالَتْ: إنَّها حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، قالَ: "أنْتِ؟ "، قالتْ: نعَمْ، فقالَ لَهَا: "حتّى تَضَعي ما في بطْنِكِ"، قالَ: فَكَفَلَها رجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ حتَّى وَضَعتْ، [قالَ] (١): فأتَى النَّبِيَّ ﷺ فقالَ: قدْ وضَعتِ الغامِدِيّةُ، فَقَال: "إِذَنْ لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعَ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ"، فقام رجل مِنَ الأنْصارِ فقالَ: إليّ رَضاعُهُ يا نَبِيّ الله، قالَ: فَرَجَمَها. رَوَاهُ مُسْلمٌ (٢) والدَّارقُطْنِيُّ (٣)، وقالَ: هذا حَدِيثٌ صحيحٌ). [صحيح] ٣٥/ ٣١٢٦ - (وعَنْ عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ أَنَّ امْرَأَةً مِن جُهَيْنَةَ أَتَتْ رَسُولَ الله ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنا، فَقالَتْ: يا رسُولَ الله أصَبْتُ حَدًّا فأقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعا نَبيُّ الله ﷺ وَليَّها، فَقالَ: "أحْسِنْ إليْها، فإذا وَضَعَتْ فأتِني"، فَفَعَلَ فأمَرَ بها رسُولُ الله ﷺ فَشُدَّتْ عَليْها ثِيابُها ثم أَمَرَ بها فَرُجِمَتْ ثمَّ صَلَّى عَليها، فقالَ لهُ عُمَرُ: تُصلِّي عَليْها يا رسُولَ الله وقَدْ زَنَتْ؟ قالَ: "لقَدْ تَابَتْ توْبةً لوْ قُسِمَتْ بَينَ سَبْعينَ مِنْ أَهلِ المدِينةِ لوَسِعَتْهمْ، وهَلْ وَجَدت أفضلَ مِنْ أَن جادَتْ بِنَفْسِها لله؟ ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ، إلا البُخاريّ وابْنَ ماجَهْ (٤). [صحيح]

стр. 6432

وهْوَ دَليلٌ على أن المحْدُودَ محْتَرَزٌ تحْفَظُ عَوْرتهُ مِنَ الْكَشْفِ). ٣٦/ ٣١٢٧ - (وعَنْ عَليّ قالَ: إنَّ أَمَةً لِرَسُولِ الله ﷺ زَنَتْ، فأمَرَنِي أَنْ أَجْلِدهَا، فأتيْتُها فإذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ فَخَشيتُ أنْ أجْلِدَهَا (١) أَنْ أَقْتُلَها، فذَكَرْتُ ذلِكَ للنَّبِيِّ ﷺ فقالَ: "أَحْسَنْتَ اتْرُكْهَا حتى تُماثِلَ". رَواهُ أَحمدُ (٢) ومُسلِمٌ (٣) وأبو داوُدَ (٤) والترْمِذِيُّ وصحَّحهُ) (٥). [صحيح] قوله: (من غامد) بغين معجمة، ودال مهملة: لقب رجل، هو أبو قبيلة، وهم بطن من جهينة، ولهذا وقع في حديث عمران بن حصين المذكور: امرأةً من جُهينة، وهي هذه، واسم غامد المذكور: عمرو بن عبد الله، ولُقِّب غامدًا لإصلاحه أمرًا كان في قومه. وهذه القصة (٦) قد رواها جماعة من الصحابة منهم بريدة (٧)، وعمران بن حصين (٨)، كما ذكره المصنف في هذا الباب (٩)، وفي الباب الأول (١٠).

стр. 6433

ومنهم أبو هريرة (١)، وأبو سعيد (٢)، وجابر بن عبد الله (٣)، وجابر بن سمرة (٤)، وابن عباس (٥). وأحاديثهم عند مسلم، وفي سياق الأحاديث بعض اختلاف، ففي حديث بريدة (٦) المتقدم في الباب الأول: "أنها جاءت بنفسها إلى النبي ﷺ حال الحمل وعند الوضع، وأخر رجمها إلى الفطام، فجاءت بعد ذلك ورجمت". وفي حديثه المذكور في هذا الباب (٧): "أنه كفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، ثم أتى فأخبر النبي ﷺ فقال: "لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا"، فقام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه فرجمت". وفي حديث عمران بن حصين (٨) المذكور أنها: "لما أقرت دعا النبي ﷺ وليها وأمره بالإحسان إليها حتى تضع ثم جاء بها عند الوضع فرجمت ولم يمهلها إلى الفطام". ويمكن الجمع بأنها جاءت عند الولادة وجاء معها وليها وتكلمت وتكلم، ولكنه يبقى الإشكال في [رواية] (٩) أنه رجمها عند الولادة ولم يؤخرها، ورواية أنه أخرها إلى الفطام، وقد قيل: إنهما روايتان صحيحتان والقصة واحدة، ورواية التأخير رواية صحيحة صريحة لا يمكن تأويلها، فيتعين تأويل الرواية القاضية بأنها رجمت عند الولادة بأن يقال: فيها طيٌّ وحَذْفٌ، والتقديرُ أن وليها جاء بها إلى النبي ﷺ عند الولادة فأمر بتأخيرها إلى الفطام ثم أمر بها فرجمت، ولا يخفى أن هذا وإن تمّ باعتبار حديث عمران (٨) المذكور في الباب فلا يتم باعتبار حديث بريدة (٧) المذكور فإن فيه: "أنه قام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه يا نبي الله، فرجمها"، وَيبعدُ أنْ يُقالَ: أن هذا لا يدل على أنه قبل قوله وكفالته بل أخرها إلى الفطام ثم أمر برجمها بعد ذلك، لأنَّ السياق يأبى

стр. 6434

ذلك كل الإباء، وما أكثر ما يقع مثل هذا الاختلاف بين الصحابة في القصة الواحدة التي مخرجها متحد بالاتفاق ثم ترتكب لأجل الجمع بين روايتهم العظائم التي لا تخلو في الغالب من تعسفات وتكلفات كأن السهو والغلط والنسيان لا يجري عليهم وما هم إلا كسائر الناس في العوارض البشرية، فإن أمكننا الجمع بوجه سليم عن التعسفات فذاك، وإلا توجه علينا المصير إلى الترجيح وحمل الغلط أو النسيان على الرواية المرجوحة، إما من الصحابي أو ممن هو دونه من الرواة. وقد مر لنا في هذا الشرح عدة مواطن من هذا القبيل مشينا فيها على ما مشى عليه الناس من الجمع بوجوه ينفر عن قبولها كل طبع سليم، ويأبى الرضا بها كل عقل مستقيم. قوله: (أصبت حدًا فأقمِهُ عليَّ) هذا الإجمال قد وقع من المرأة تبيينه كما في سائر الروايات، ولكنه وقع الاختصار في هذه الرواية كما يشعر بذلك قوله ﷺ عقب ذلك: "أحسِنْ إليها فإذا وضَعَتْ فأتِني"، وقد قدَّمنا أن مجرَّد الإقرار بالحد من دون تعيين لا يجوزُ للإمام أنْ يُحِدَّ بهِ. قوله: (أحسِنْ إليها) إنما أَمَرَهُ بذلكَ لأنَّ سائر قرابتها ربما حملتهم الغيرة وحمية الجاهلية على أن يفعلوا بها ما يؤذيها فأمره بالإحسان تحذيرًا من ذلك. قوله: (فَشُدتْ) في رواية (١): "فشكَّتْ" ومعنا هُما واحدٌ. والغرضُ من ذلكَ: أن لا تنكشفَ عند وقوع الرجم عليها لما جرت به العادةُ من الاضطراب عند نزولِ الموت وعدم المبالاة بما يبدو من الإنسان، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن المرأة ترجم قاعدة والرجل قائمًا لما في ظهور عورة المرأة من الشناعة. وقد زعم النووي (٢): أنه اتفق العلماء على أن المرأة ترجم قاعدةً، وليس في الأحاديث ما يدلُّ على ذلك، ولا شك أنَّه أقرب إلى الستر، ولم يحك ذلك في البحر (٣) إلا عن أبي حنيفة (٤) والهادوية (٥).
следующие страницы →