← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6430–6469 · переход к 6435.

стр. 6430

عكسه؛ أو أنهم لم يحفروا له أول الأمر، ثم لما فرّ فأدركوه حفروا له حفيرة فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه. أو: أنهم حفروا له في أول الأمر، ثم لما وجد مسَّ الحجارة خرج من الحفرة فتبعوه. وعلى فرض عدم إمكان الجمع فالواجب تقديم رواية الإثبات على النفي، ولو فرضنا: أن ذلك غير مرجح توجه إسقاط الروايتين والرجوع إلى غيرهما كحديث خالد بن اللجلاج (١)، فإن فيه التصريح بالحفر بدون تسمية المرجوم، وكذلك حديثه (٢) أيضًا في الحفر للغامدية. وقد ذهب العترة (٣) إلى أنه يستحب الحفر إلى سرة الرجل وثدي المرأة. وذهب أبو حنيفة (٤) والشافعي (٥) إلى أنه لا يحفر للرجل. وفي قول للشافعي أنه إذا حفر له فلا بأس، وبه قال الإمام يحيى (٦). وفي وجه للشافعية (٧) أنه يخير الإمام، وفي المرأة عندهم ثلاثة أوجه؛ ثالثها: يُحفر [استحبابًا] (٨) إن ثبت زناها بالبينة لا بالإقرار، والمروي عن أبي يوسف (٩) وأبي ثور (١٠): أنه يحفر للرجل والمرأة. والمشهور عن الأئمة الثلاثة (١١) أنه لا يحفر مطلقًا، والظاهر مشروعية الحفر لما قدمنا.

стр. 6431

[الباب الثاني عشر] بابُ تأخيرِ الرَّجْمِ عن الحُبْلَى حتى تضعَ وتأخِير الجلدِ عن ذي المرض المرجوّ زوالُه ٣٤/ ٣١٢٥ - (عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنّ النَّبِيّ ﷺ جاءتْهُ امرأَةٌ منْ غامدٍ منَ الأزْدِ، فقالتْ: يا رسُولَ الله طهِّرْنِي، فقال: "ويحَكِ ارجعِي فاسْتَغْفِري الله وتُوبي إليه"، فقالتْ: أراكَ تُريدُ أنْ تُردّدَني كما رَدَّدْتَ ماعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قالَ: "وما ذَاكَ"؟ قالَتْ: إنَّها حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، قالَ: "أنْتِ؟ "، قالتْ: نعَمْ، فقالَ لَهَا: "حتّى تَضَعي ما في بطْنِكِ"، قالَ: فَكَفَلَها رجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ حتَّى وَضَعتْ، [قالَ] (١): فأتَى النَّبِيَّ ﷺ فقالَ: قدْ وضَعتِ الغامِدِيّةُ، فَقَال: "إِذَنْ لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعَ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ"، فقام رجل مِنَ الأنْصارِ فقالَ: إليّ رَضاعُهُ يا نَبِيّ الله، قالَ: فَرَجَمَها. رَوَاهُ مُسْلمٌ (٢) والدَّارقُطْنِيُّ (٣)، وقالَ: هذا حَدِيثٌ صحيحٌ). [صحيح] ٣٥/ ٣١٢٦ - (وعَنْ عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ أَنَّ امْرَأَةً مِن جُهَيْنَةَ أَتَتْ رَسُولَ الله ﷺ وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنا، فَقالَتْ: يا رسُولَ الله أصَبْتُ حَدًّا فأقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعا نَبيُّ الله ﷺ وَليَّها، فَقالَ: "أحْسِنْ إليْها، فإذا وَضَعَتْ فأتِني"، فَفَعَلَ فأمَرَ بها رسُولُ الله ﷺ فَشُدَّتْ عَليْها ثِيابُها ثم أَمَرَ بها فَرُجِمَتْ ثمَّ صَلَّى عَليها، فقالَ لهُ عُمَرُ: تُصلِّي عَليْها يا رسُولَ الله وقَدْ زَنَتْ؟ قالَ: "لقَدْ تَابَتْ توْبةً لوْ قُسِمَتْ بَينَ سَبْعينَ مِنْ أَهلِ المدِينةِ لوَسِعَتْهمْ، وهَلْ وَجَدت أفضلَ مِنْ أَن جادَتْ بِنَفْسِها لله؟ ". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ، إلا البُخاريّ وابْنَ ماجَهْ (٤). [صحيح]

стр. 6432

وهْوَ دَليلٌ على أن المحْدُودَ محْتَرَزٌ تحْفَظُ عَوْرتهُ مِنَ الْكَشْفِ). ٣٦/ ٣١٢٧ - (وعَنْ عَليّ قالَ: إنَّ أَمَةً لِرَسُولِ الله ﷺ زَنَتْ، فأمَرَنِي أَنْ أَجْلِدهَا، فأتيْتُها فإذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ فَخَشيتُ أنْ أجْلِدَهَا (١) أَنْ أَقْتُلَها، فذَكَرْتُ ذلِكَ للنَّبِيِّ ﷺ فقالَ: "أَحْسَنْتَ اتْرُكْهَا حتى تُماثِلَ". رَواهُ أَحمدُ (٢) ومُسلِمٌ (٣) وأبو داوُدَ (٤) والترْمِذِيُّ وصحَّحهُ) (٥). [صحيح] قوله: (من غامد) بغين معجمة، ودال مهملة: لقب رجل، هو أبو قبيلة، وهم بطن من جهينة، ولهذا وقع في حديث عمران بن حصين المذكور: امرأةً من جُهينة، وهي هذه، واسم غامد المذكور: عمرو بن عبد الله، ولُقِّب غامدًا لإصلاحه أمرًا كان في قومه. وهذه القصة (٦) قد رواها جماعة من الصحابة منهم بريدة (٧)، وعمران بن حصين (٨)، كما ذكره المصنف في هذا الباب (٩)، وفي الباب الأول (١٠).

стр. 6433

ومنهم أبو هريرة (١)، وأبو سعيد (٢)، وجابر بن عبد الله (٣)، وجابر بن سمرة (٤)، وابن عباس (٥). وأحاديثهم عند مسلم، وفي سياق الأحاديث بعض اختلاف، ففي حديث بريدة (٦) المتقدم في الباب الأول: "أنها جاءت بنفسها إلى النبي ﷺ حال الحمل وعند الوضع، وأخر رجمها إلى الفطام، فجاءت بعد ذلك ورجمت". وفي حديثه المذكور في هذا الباب (٧): "أنه كفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، ثم أتى فأخبر النبي ﷺ فقال: "لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا"، فقام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه فرجمت". وفي حديث عمران بن حصين (٨) المذكور أنها: "لما أقرت دعا النبي ﷺ وليها وأمره بالإحسان إليها حتى تضع ثم جاء بها عند الوضع فرجمت ولم يمهلها إلى الفطام". ويمكن الجمع بأنها جاءت عند الولادة وجاء معها وليها وتكلمت وتكلم، ولكنه يبقى الإشكال في [رواية] (٩) أنه رجمها عند الولادة ولم يؤخرها، ورواية أنه أخرها إلى الفطام، وقد قيل: إنهما روايتان صحيحتان والقصة واحدة، ورواية التأخير رواية صحيحة صريحة لا يمكن تأويلها، فيتعين تأويل الرواية القاضية بأنها رجمت عند الولادة بأن يقال: فيها طيٌّ وحَذْفٌ، والتقديرُ أن وليها جاء بها إلى النبي ﷺ عند الولادة فأمر بتأخيرها إلى الفطام ثم أمر بها فرجمت، ولا يخفى أن هذا وإن تمّ باعتبار حديث عمران (٨) المذكور في الباب فلا يتم باعتبار حديث بريدة (٧) المذكور فإن فيه: "أنه قام رجل من الأنصار فقال: إليّ رضاعه يا نبي الله، فرجمها"، وَيبعدُ أنْ يُقالَ: أن هذا لا يدل على أنه قبل قوله وكفالته بل أخرها إلى الفطام ثم أمر برجمها بعد ذلك، لأنَّ السياق يأبى

стр. 6434

ذلك كل الإباء، وما أكثر ما يقع مثل هذا الاختلاف بين الصحابة في القصة الواحدة التي مخرجها متحد بالاتفاق ثم ترتكب لأجل الجمع بين روايتهم العظائم التي لا تخلو في الغالب من تعسفات وتكلفات كأن السهو والغلط والنسيان لا يجري عليهم وما هم إلا كسائر الناس في العوارض البشرية، فإن أمكننا الجمع بوجه سليم عن التعسفات فذاك، وإلا توجه علينا المصير إلى الترجيح وحمل الغلط أو النسيان على الرواية المرجوحة، إما من الصحابي أو ممن هو دونه من الرواة. وقد مر لنا في هذا الشرح عدة مواطن من هذا القبيل مشينا فيها على ما مشى عليه الناس من الجمع بوجوه ينفر عن قبولها كل طبع سليم، ويأبى الرضا بها كل عقل مستقيم. قوله: (أصبت حدًا فأقمِهُ عليَّ) هذا الإجمال قد وقع من المرأة تبيينه كما في سائر الروايات، ولكنه وقع الاختصار في هذه الرواية كما يشعر بذلك قوله ﷺ عقب ذلك: "أحسِنْ إليها فإذا وضَعَتْ فأتِني"، وقد قدَّمنا أن مجرَّد الإقرار بالحد من دون تعيين لا يجوزُ للإمام أنْ يُحِدَّ بهِ. قوله: (أحسِنْ إليها) إنما أَمَرَهُ بذلكَ لأنَّ سائر قرابتها ربما حملتهم الغيرة وحمية الجاهلية على أن يفعلوا بها ما يؤذيها فأمره بالإحسان تحذيرًا من ذلك. قوله: (فَشُدتْ) في رواية (١): "فشكَّتْ" ومعنا هُما واحدٌ. والغرضُ من ذلكَ: أن لا تنكشفَ عند وقوع الرجم عليها لما جرت به العادةُ من الاضطراب عند نزولِ الموت وعدم المبالاة بما يبدو من الإنسان، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن المرأة ترجم قاعدة والرجل قائمًا لما في ظهور عورة المرأة من الشناعة. وقد زعم النووي (٢): أنه اتفق العلماء على أن المرأة ترجم قاعدةً، وليس في الأحاديث ما يدلُّ على ذلك، ولا شك أنَّه أقرب إلى الستر، ولم يحك ذلك في البحر (٣) إلا عن أبي حنيفة (٤) والهادوية (٥).

стр. 6435

وحكي عن ابن أبي ليلى (١)، وأبي يوسُفَ (١) أنها تحدُّ قائمةً، وذهبَ مالكٌ (٢) إلى أن الرجُلَ يحدُّ قاعِدًا. قوله: (ثم صلى عليها) قد تقدم الخلاف في ذلك في كتاب (٣) الجنائز. قوله: (لو قُسِّمَتْ بينَ سبعينَ … إلخ) في رواية بريدة المتقدمة (٤) في الباب الأول: "لو تَابها صاحِبُ مُكْس"، ولا مانع مِنْ أنْ يكونَ ذلك قد وقع جميعه منه ﷺ . وفيهِ دليل: على أن الحدود لا تسقط بالتوبة، وإليه ذهب جماعة من العلماء منهم الحنفية والهادي. وذهب جماعة منهم إلى سقوطه بها، ومنهم الشافعي (٥)، وقد استُدِلَّ بقصة الغامدية: على أنه يجب تأخير الحد عن الحامل حتى تضع، ثم حتى ترضع وتفطم، وعند الهادوية (٦) أنها لا تؤخر إلى الفطام إلا إذا عدم مثلها [للرضاع] (٧) والحضانة، فإن وجد من يقوم بذلك لم تؤخر، وتمسكوا بحديث بريدة (٨) المذكور. قوله: (اتركها حتى تماثل) بالمثلثة، قال في القاموس (٩): تماثل العليل: قارب البُرء، وفي رواية لأبي داود (١٠): "حتى ينقطع عنها الدم"، وسيأتي في باب حد الرقيق بلفظ: "إذا تعالت من نفاسها فاجلدها" (١١)، وفيه دليل على أن المريض يمهل حتى يبرأ أو يقارب البرء. وقد حكي في البحر (١٢) الإجماع على أنه يمهل البكر حتى تزول شدة الحر والبرد والمرض المرجو، فإن كان مأيوسًا فقال الهادي (١٣) وأصحاب الشافعي (١٤): إنه يضرب بعثكول إن احتمله.

стр. 6436

وقال الناصر (١) والمؤيد بالله (١): لا يحدُّ في مرضه وإن كان مأيوسًا. والظاهر: الأول، لحديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف الآتي قريبًا (٢). وأما المرجوم إذا كان مريضًا أو نحوه فذهبت العترة (٣) والشافعية (٤) والحنفية (٥) ومالك (٦) إلى أنه لا يمهل لمرض ولا لغيره إذ القصد إتلافه. وقال المروزي (٧): يؤخر لشدة الحر، أو البرد، أو المرض، سواء ثبت بإقراره أو بالبينة. وقال الإسفراييني (٧) يؤخر للمرض فقط، وفي الحرِّ والبرد أوجه: يرجم في الحال، أو حيث ثبت بالبينة لا الإقرارِ أو العكسُ. [الباب الثالث عشر] بابُ صِفَةِ سَوْطِ الجَلْدِ وكيفَ يُجْلَدُ مَنْ بهِ مَرَضٌ لا يُرْجَى بُرْؤهُ ٣٧/ ٣١٢٨ - (عَنْ زيدِ بْنِ أسْلَمَ أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ على نَفْسِهِ بالزِّنَا على عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ ، فَدَعا رسُولُ الله ﷺ بِسَوْطِ فأتِيَ بِسَوْطٍ مكسورٍ، فقالَ: "فَوْقَ هذا"، فأتِيَ بِسَوْطٍ جَديدٍ لَمْ تُقْطَعْ ثَمَرَتُهُ، فقالَ: "بَيْنَ هذيْنِ"، فأتِيَ بِسَوْط قَدْ لَانَ وَرُكِبَ بهِ فأمرَ بهِ فجُلِدَ. رواهُ مالكٌ في المُوطأ (٨) عَنهُ). [ضعيف]

стр. 6437

٣٨/ ٣١٢٩ - (وعَنْ أبي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبادةَ قالَ: كانَ بَيْنَ أَبْيَاتِنَا رُويجِلٌ ضَعيفٌ مُخْدَج فلمْ يَرُعِ الْحَيَّ إلَّا وهْوَ على أَمَةٍ مِنْ إِمائِهِمْ يَخْبُثُ بهَا، فذكَرَ ذلك سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لِرَسُول الله ﷺ ، وكانَ ذلِكَ الرَّجُلُ مُسْلِمًا فقالَ: "اضْرِبُوهُ حَدَّهُ"، قالُوا: يا رسُولَ الله إنَّهُ أَضْعَفُ مِمَّا تَحْسبُ، لوْ ضَرَبْنَاهُ مِائةً قَتلْناهُ، فقالَ: "خُذُوا لهُ عِثْكَالًا فِيهِ مائَةُ شِمْرَاخ، ثمَّ اضْرِبُوهُ بهِ ضَرْبَةً واحِدَةً"، قالَ: فَفَعلُوا. رَواهُ أَحمدُ (١) وابنُ ماجهْ (٢). [صحيح] ولأبي داوُدَ (٣) معْناه مِنْ رواية أبي أُمامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ بعضِ الصَّحابَة مِنَ الأنْصَارِ، وَفِيهِ ولَوْ حَمَلْنَاهُ إليْكَ لَتَفَسَّخَتْ عِظَامُهُ ما هُوَ إلَّا جلْدٌ على عَظْمٍ). [صحيح] حديث زيد بن أسلم هو مرسل وله شاهد عند عبد الرزاق (٤) عن معمر، عن يحيى بن أبي كثيرٍ نحوه، وآخرُ عندَ ابن وهبٍ من طريق كريب مولى ابن عباس، فهذه المراسيل الثلاثة يشد بعضها بعضًا. وحديث أبي أمامة أخرجه أيضًا الشافعي (٥) والبيهقي (٦) وقال: هذا هو المحفوظ عن أبي أمامة مرسلًا.

стр. 6438

ورواه الدارقطني (١) عن فليح، عن أبي سالم، عن سهل بن سعدٍ وقال: وهم فليح، والصواب: عن أبي حازم، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه. ورواهُ الطبراني (٢) من حديث أبي أمامة بن سهل عن أبي سعيد الخدري، وقال (٣): إن كانت الطرق كلها محفوظةً فيكون أبو أمامة قد حمله عن جماعة من الصحابة، وأرسله أخرى. ورواهُ أبو داود (٤) من حديث الزهريِّ عن أبي أمامة عن رجل من الأنصار، ولفظه: "أنه اشتكى رجلٌ منهم حتى أضنى، فعاد جلدة على عظم فدخلت عليه جارية لبعضهم، فهشَّ لها فوقع عليها فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك وقال: استفتوا لي رسول الله ﷺ ، فإني قد وقعت على جارية دخلت عليَّ، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ وقالوا: ما رأينا بأحد من الناس من الضُّرِّ مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله ﷺ أن يأخذوا له مائة شمراخ فيضربونه بها ضربة واحدة". وأخرجه النسائي (٥) من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه باللفظ الذي ذكره أبو داود (٦) وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر الثعلبي.

стр. 6439

قال المنذري (١): لا يحتج به وهو كوفي، وقال في التقريب (٢): صدوق يَهِمُ من السادسة. وقال الحافظ في بلوغ المرام (٣): إنَّ إسناد هذا الحديث حسنٌ، ولكنه اختلف في وصله وإرساله. قوله: (لم تقطع ثمرته) أي: عذبته، وهي طرفه. قوله: (ورُكب به) بضم الراء وكسر الكاف - على صيغة المجهول - أي: ركب به الراكب على الدابة وضربها به حتى لان. قوله: (رويجل) (٤) تصغير رجل للتحقير. قوله: (مُخْدَجٌ) (٥) بضم الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح الدال المهملة بعدها جيم، وهو السقيم الناقص الخَلْق. وفي روايةٍ: مقعد. قوله: (يَخْبُثُ (٦) بها) بفتح أوله وسكون الخاء المعجمة وضم الموحدة وآخره مثلثة؛ أي يزني بها. قوله: (عِثْكالًا) بكسر المهملة، وسكون المثلثة، قال في القاموس (٧): كقرطاس: العِذْق، والشمراخ، ويقال: عثكول، وعثكولة بضم العين. انتهى. وجاء في رواية: "إثكال" (٨) وفي أخرى (٩): "أثكول" وهما لغتان في العثكال، وهو الذي يكون فيه البسر. والشِّمراخ بكسر الشين المعجمة وسكون

стр. 6440

الميم وآخره خاء معجمة وهو غصن دقيق. وقال في القاموس (١): الشِّمراخ بالكسر: العثكال عليه بسر، أو عنب كالشمروخ. انتهى. والمراد ههنا بالعثكال: العنقود من النخل الذي يكون فيه أغصان كثيرة، وكلُّ واحدةٍ من هذه الأغصان يسمى شمراخًا. وحديث زيد بن أسلم (٢) فيه دليل على أنه ينبغي أن يكون السوط الذي يجلد به الزاني متوسطًا بين الجديد والعتيق، وهكذا إذا كان الجَلْد بعودٍ ينبغي أن يكون متوسطًا بين الكبير والصغير، فلا يكون من الخشب التي تكسر العظم، وتجرح اللحم، ولا من الأعواد الرقيقة التي لا تؤثر في الألم، وينبغي أن يكون متوسطًا بين الجديد والعتيق. قال في البحر (٣): وقدر عرضه بأصبعٍ، وطوله بذراعٍ. وحديث أبي أمامة (٤) فيه دليل: على أن المريض إذا لم يحتمل الجلد ضُرب بعثكول أو ما يشابهه مما يحتمله، ويشترط أن تباشره جميع الشماريخ. وقيل: [يكفي الاعتماد (٥)] وهذا العمل من الحيل الجائزة شرعًا. وقد جوَّز الله مثله في قوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ (٦) الآية. [الباب الرابع عشر] بابُ مَنْ وقعَ على ذاتِ مُحْرَمٍ أَو عَمِلَ عَمَلَ قومِ لوطٍ أو أَتى بهيمةً ٣٩/ ٣١٣٠ - (عن البَرَاءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: لَقِيتُ خالِي ومَعَهُ الرَّايَةُ، فقُلْتُ: أَيْنَ تُريدُ؟ قالَ: بَعَثَني رسُولُ الله ﷺ إلى رجُلٍ تَزوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعدِهِ أَنْ أَضْرِبَ عَنُقَهُ وآخُذَ مالهُ. رواهُ الخمْسَةُ (٧). ولمْ يَذْكُرِ ابْنُ ماجهْ والتِّرْمذيُّ أَخْذ المَالِ). [صحيح]

стр. 6441

الحديث حسنه الترمذي (١)، وأخرجه أبو داود (٢) عن البراء أيضًا بلفظ: "بينما [أنا] (٣) أطوف على إبل لي ضلَّت، إذ أقبل ركبٌ أو فوارسُ معهم لواءٌ فجعل الأعراب يطيفون بي لمنزلتي من النبي ﷺ إذ أتوا قبةً فاستخرجوا منها رجلًا، فضربوا عنقه، فسألت عنه؟ فذكروا: أنَّه أعرس بامرأة أبيه". قال المنذري (٤): وقد اختلف في هذا اختلافًا كَثيرًا؛ فروي عن البراء، وروي عنه، عن عمه، وروي عنه قال: مرَّ بي خالي أبو بردة بن نيار ومعه لواء، وهذا لفظ الترمذي (٥). وروي عنه، عن خاله وسمَّاه هشيم في حديثه الحارث بن عمرو، وهذا لفظ ابن ماجه (٦). وروي عنه (٧) قال: "مرَّ بنا أناس ينطلقون". وروي (٨) عنه: "إني لأطوف على إبل ضلَّت في تلك الأحياء في عهد النبي ﷺ إذ جاءهم رهط معهم لواء"، وهذا لفظ النسائي. وللحديث أسانيد كثيرة منها ما رجاله رجال الصحيح. والحديث فيه دليل: على أنه يجوز للإمام أن يأمر بقتل من خالف قطعيًا مَن

стр. 6442

قطعيات الشريعة كهذه المسألة؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١)، ولكنَّهُ لا بدَّ من حمل الحديث: على أن ذلك الرجل الذي أمر [النبي] (٢) ﷺ بقتله عالم بالتحريم، وفعلَهُ مستحلًّا، وذلكَ من موجباتِ الكفرِ، والمرتدُّ يقتلُ للأدلةِ الآتية. وفيه أيضًا: متمسك لقول مالك: إنه يجوز التعزير بالقتل. وفيه دليل أيضًا: على أنه يجوز أخذ مال من ارتكب معصية مستحلًّا لها بعد إراقة دمه. وقد قدمنا في كتاب الزكاة الكلام على التأديب بالمال (٣). ٤٠/ ٣١٣١ - (وعَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فاقْتُلُوا الْفَاعِلَ والمَفْعُولَ بهِ". رواهُ الخمْسَةُ إلَّا النَّسائيَّ) (٤). [صحيح] ٤١/ ٣١٣٢ - (وعَنْ سعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ في الْبِكْرِ يُوجَدُ على اللوطّيةِ يُرْجَمُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (٥). [موقوف بسند صحيح] الحديث الذي من طريق عكرمة أخرجه أيضًا الحاكم (٦) والبيهقي (٧).

стр. 6443

وقال الحافظ (١): رجاله موثقون إلا أن فيه اختلافًا. وقال الترمذي (٢): وإنما يعرف هذا الحديث عن ابن عباس، عن النبي ﷺ من هذا الوجه. وروى محمد بن إسحاق هذا الحديث عن عمرو بن أبي عمرو فقال: "ملعون من عمل عمل قوم لوط" (٣)، ولم يذكر القتل. انتهى. وقال يحيى بن معين: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب، ثقةٌ، ينكر عليه حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به" (٤). ويجاب عن ذلك: بأنَّه قد احتجّ الشيخان به، وروى عنه مالك في الموطأ، وقد استنكر النسائيُّ هذا الحديث. والأثر المرويُّ عن ابن عباس من طريق سعيد بن جبير، ومجاهد: أخرجه أيضًا النسائي (٥)، والبيهقي (٦). وفي الباب عن أبي هريرة عن ابن ماجه (٧)، والحاكم (٨) أن النبيَّ ﷺ قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به، أحصنا أو لم يُحصنا"، وإسناده ضعيف.

стр. 6444

وقال ابن الطَّلاع في أحكامه (١): لم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه. وثبت عنه أنه قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به"، رواه عنه ابن عباس وأبو هريرة. انتهى. قال الحافظ (٢): وحديث أبي هريرة لا يصحُّ. وقد أخرجه البزَّار (٣) من طريق عاصم بن عمر العمريِّ، عن سهيل، عن أبيه عنه، وعاصم متروك. وقد رواهُ ابن ماجه (٤) من طريقه بلفظ: "فارجموا الأعلى والأسفل". وأخرج البيهقي (٥) من حديث أبي موسى أنَّه ﷺ قال: "إذا أتى الرجلُ الرجلَ، فهما زانيان؛ وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان"، وفي إسناده محمد بن عبد الرحمن، كذَّبه أبو حاتم (٦)، وقال البيهقيُّ (٥): لا أعرفه، والحديث منكر بهذا الإسناد. انتهى. ورواهُ أبو الفتح الأزدي في "الضعفاء" والطبراني في "الكبير" (٧) من وجه آخر عن أبي موسى وفيه [بشر بن المفضل البجلي] (٨)، وهو مجهول. وقد أخرجه أبو داود الطيالسي (٩) في مسنده عنه.

стр. 6445

وأخرج البيهقي (١) عن علي أنه رجم لوطيًا. قال الشافعي: وبهذا نأخذ: يرجم اللوطي محصنًا كان أو غير محصن. وأخرج البيهقي (٢) أيضًا عن أبي بكر: أنَّه جمعَ الناس في حقِّ رجلٍ يُنكح كما ينكح النساء، فسأل أصحابَ رسول الله ﷺ عن ذلك، فكان من أشدهم يومئذٍ قولًا علي بن أبي طالب، قال: هذا ذنبٌ لم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن نحرقه بالنار، فاجتمع أصحاب رسول الله ﷺ على أن يحرقه بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار. وفي إسناده إرسال. وروى (٣) من وجهٍ آخر: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي في غير هذه القصة قال: يرجم ويحرق بالنار. وأخرج البيهقي (٤) أيضًا عن ابن عباس؛ أنه سئل عن حد اللوطيِّ فقال: ينظر أعلى بناء في القرية فيرمي به منكسًا ثم يتبع الحجارة. وقد اختلف أهل العلم في عقوبة الفاعل لِلِّواط، والمفعول به، بعد اتفاقهم على تحريمه (٥)، وأنَّه من الكبائر للأحاديث المتواترة في تحريمه، ولعن فاعله؛ فذهب من تقدم ذكره من الصحابة: إلى أن حدَّه القتل، ولو كان بكرًا، سواءٌ كان فاعلًا، أو مفعولًا، وإليه ذهب الشافعيُّ (٦)، والناصر، والقاسم بن إبراهيم. واستدلوا بما ذكره المصنف وذكرناه في هذا الباب، وهو بمجموعه ينتهض للاحتجاج به. وقد اختلفوا في كيفية قتل اللوطي؛ فروي عن علي أنه يقتل بالسيف ثم يحرق لعظم المعصية، وإلى ذلك ذهب أبو بكر كما تقدم عنه. وذهب عمر، وعثمان: إلى أنه يلقى عليه حائط.

стр. 6446

وذهب ابن عباس: إلى أنه يلقى من أعلى بناءٍ في البلد (١). وقد حكى صاحب الشفاء (٢) إجماع الصحابة على القتل. وقد حكى البغوي (٣) عن الشعبي، والزهري، ومالك (٤) وأحمد (٥) وإسحاق: أنه يرجم. وحكى ذلك الترمذي (٦) عن مالك والشافعي وأحمد وإسحاق. وروي عن النخعي (٧) أنه قال: لو كان يستقيم أن يرجم الزاني مرتين لرجم اللوطيُّ. وقال المنذري (٨): حرَّقَ اللوطية بالنار أبو بكر وعلي وعبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الملك.

стр. 6447

وذهب سعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، والحسن (١)، وقتادة والنخعي (٢) والثوري (٣) والأوزاعي (٣) وأبو طالب (٤) والإمام يحيى (٤) والشافعي (٥) في قول له إلى أن حد اللوطي حد الزاني فيجلد البكر ويغرَّب، ويرجم المحصن. وحكاه في البحر (٦) عن القاسم بن إبراهيم، وروى عنه المؤيد بالله القتل مطلقًا كما سلف. واحتجوا بأنَّ التلوُّط نوع من أنواع الزنا؛ لأنه إيلاج فرج في فرج فيكون اللائط والملوط به داخلين تحت عموم الأدلة الواردة في الزاني المحصن والبكر؛ وقد تقدمت. ويؤيد ذلك حديث: "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان"، وقد تقدم (٧). وعلى فرض عدم شمول الأدلة المذكورة لهما فهما لاحقان بالزاني بالقياس. ويجاب عن ذلك: بأنَّ الأدلة الواردة بقتل الفاعل والمفعول به مطلقًا مخصصة لعموم أدلة الزنا الفارقة بين البكر والثيب على فرض شمولها لِلُّوطي ومبطلة للقياس المذكور على فرض عدم الشمول، لأنه يصير فاسدَ الاعتبار كما تقرَّر في الأصول (٨)، وما أحقَّ مرتكب هذه الجريمة، ومقارف هذه الرذيلة الذميمة بأنْ يعاقب عقوبةً يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذَّب تعذيبًا يكسر شهوة

стр. 6448

الفسقة المتمرِّدين، فحقيق بمن أتى بفاحشةِ قومٍ ما سبقهم بها من أحدٍ من العالمين أن يَصْلى من العقوبة، بما يكون في الشدَّة والشناعة، مشابهًا لعقوبتهم. وقد خسف الله تعالى بهم، واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم. وذهب أبو حنيفة (١) والشافعي (٢) في قول له والمرتضى (٣) والمؤيد بالله (٣): إلى أَنَّه يعزر اللوطيّ فقط، ولا يخفى ما في هذا المذهب من المخالفة للأدلة المذكورة في خصوص اللُّوطي، والأدلة الواردة في الزاني على العموم. وأما الاستدلال لهذا بحديث: "لأن أخطئ في العفو خير من أن أخطئ في العقوبة" (٤)، فمردود: بأن ذلك إنما هو مع الالتباس، والنزاع ليس هو في ذلك. ٤٢/ ٣١٣٣ - (وعَنْ عمْرِو بْنِ أبي عمْرٍو عَنْ عكْرِمةَ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ أن النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ وقَعَ على بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهْ، واقْتلُوا البَهيمَةَ". رواه أحمدُ (٥) وأبُو دَاوُدَ (٦) والتِّرْمِذِيُّ (٧) وقالَ: لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حدِيثِ عمْرِو بْنِ أبي عمْرٍو. [إسناده حسن] ورَوى الترْمِذِي (٨) وأبُو داوُد (٩) مِنْ حدِيثِ عاصِمٍ عَنْ أبي رُزينٍ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ أَنهُ قَالَ: مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فلَا حَدَّ عَليهِ. وذَكَرَ أَنهُ أصَحُّ). [حسن]

стр. 6449

الحديث الذي رواهُ عكرمة أخرجه أيضًا النسائيُّ (١)، وابن ماجه (٢)، قال الترمذي (٣): هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . وقد رواه سفيان الثوريُّ عن عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس: أنّه قال: "من أتى بهيمةً فلا حدَّ عليه"، حدثنا بذلك محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، وهذا أصحُّ من الحديث الأول. والعمل على هذا عند أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق. انتهى. وقد روى هذا الحديث ابن ماجه (٤) في سننه من حديث إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول الله: "من وقع على ذات محرم فاقتلوه، ومن وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة". وإبراهيم (٥) المذكور قد وثقه أحمد. وقال البخاري: منكر الحديث، وضعَّفه غير واحد من الحفاظ. وأخرجه (٦) أبو يعلى الموصلي (٧) من حديث عبد الغفار بن عبد الله بن

стр. 6450

الزبير، عن علي بن مسهر عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة مرفوعًا. وذكر ابن عدي (١) عن أبي يعلى أنه قال: بلغنا أن عبد الغفار رجع عنه، وذكر ابن عدي أنهم كانوا لقنوه. وأخرج هذا الحديث البيهقي (٢) بلفظ: "ملعون من وقع على بهيمة وقال: اقتلوه واقتلوها لا يقال: هذا [الذي] (٣) فعل [بها] (٤) كذا وكذا"، ومال البيهقي إلى تصحيحه (٥). ورواه أيضًا من طريق عباد بن منصور عن عكرمة (٦). ورواه عبد الرزاق (٧) عن إبراهيم بن محمد عن داود بن الحصين عن عكرمة، وإبراهيم ضعيف، وإن كان الشافعي يقوي أمره، إذا عرفت هذا تبين لك أنه لم يتفرد برواية الحديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة كما قال الترمذي، بل رواه عن عكرمة جماعة كما بينا. وقد قال البيهقي: رويناه عن عكرمة من أوجه مع أن تفرد عمرو بن أبي عمرو لا يقدح في الحديث، فقد قدمنا أنه احتج به الشيخان ووثقه يحيى بن معين. وقال البخاري: عمرو صدوق، ولكنه روى عن عكرمة مناكير. والأثر الذي رواه أبو رزين عن ابن عباس أخرجه أيضًا النسائي (٨)، ولا حكم لرأي ابن عباس إذا انفرد، فكيف إذا عارض المروي عن رسول الله ﷺ من طريقه؟

стр. 6451

وقد اختلفَ أهلُ العلم فيمن وقعَ على بهيمةٍ، فأخرج البيهقي (١) عن جابر بن زيد أنَّه قال: من أتى البهيمةَ أقيمَ عليه الحدُّ. وأخرج أيضًا (٢) عن الحسن بن علي ﵁ أنه قال: إن كان محصنًا رجم. وروى أيضًا (٣) عن الحسن البصري (٤) أنه قال: هو بمنزلةِ الزاني، وقالَ الحاكم: أرى أن يجلد ولا يبلغ به الحدُّ، وهو مجمعٌ على تحريم إتيان البهيمة، كما حكى ذلك صاحب البحر (٥). وقد ذهب إلى أنه يوجب الحدَّ كالزنا الشافعي (٦) في قول له والهادوية (٧) وأبو يوسف، وذهب أبو حنيفة (٨) ومالك (٩) والشافعي (١٠) في قولٍ له، والمرتضى (١١) والمؤيد بالله (١١) والناصر (١١) والإمام يحيى (١١) إلى أنه يوجب التعزير فقط؛ إذ ليس بزنا. وردَّ بأنه فرج محرَّم شرعًا مشتهى طبعًا فأوجب الحد كالقبل. وذهب الشافعي (١٢) في قول له إلى أنه يقتل أخذًا بحديث الباب.

стр. 6452

وفي الحديث دليل: على أنها تقتل البهيمة، والعلة في ذلك ما روى أَبو داود (١) والنسائي (٢) أنه قيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال: ما أراه قال ذلك إلا أنه يكره أن يؤكل لحمها وقد عمل بها ذلك العمل. وقد تقدم أن العلة أن يقال: [هذه التي] (٣) فعل بهذا كذا وكذا. وقد ذهب إلى تحريم لحم البهيمة المفعول بها وإلى أنها تذبح، علي [﵇] (٤) والشافعي (٥) في قول له، وذهبت القاسمية (٦) والشافعي (٥) في قول له وأبو حنيفة (٧) وأبو يوسف (٧) إلى أنه يكره أكلها تنزيهًا فقط. قال في البحر (٨): إنها تذبح البهيمة ولو كانت غير مأكولة لئلا تأتي بولد مشوّه، كما روي أن راعيًا أتى بهيمة فأتت بولد مشوه. انتهى. وأما حديث: "أن النبي ﷺ نهى عن ذبح الحيوان إلَّا لأكله" (٩)، فهو عموم مخصِّص لحديث الباب.

стр. 6453

[الباب الخامس عشر] باب فيمَنْ وطيءَ جاريَة امرأَتِهِ ٤٣/ ٣١٣٤ - (عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّه رُفِعَ إليهِ رَجلٌ غَشِيَ جارِيةَ امْرَأْتِهِ، فقالَ: لأقْضِيَنَّ فِيها بِقَضاءِ رَسُولِ الله ﷺ ، إنْ كانَتْ أَحَلَّتْهَا لَكَ جَلَدْتُكَ مِائَةً، وإنْ كانَتْ لمْ تحِلَّها لَكَ رَجَمْتُكَ. رواهُ الخَمْسةُ (١). [ضعيف] وفي روايةِ: عَنِ النُّعْمانِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قالَ في الرَّجُلِ يأتِي جارِيةَ امْرَأَتِهِ، قال: لا إنْ كانَتْ أحَلَّتْها لهُ جَلَدْتُهُ مِائةً، وإنْ لَمْ تَكُنْ أحلَّتْهَا له رَجَمْتُهُ".

стр. 6454

رواهُ أبُو دَاوُدَ (١) والنَّسَائيُّ) (٢). [ضعيف] الحديث قال الترمذي (٣): في إسناده اضطراب، سمعت محمدًا يعني البخاري يقول: لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث إنما رواه عن خالد بن عرفطة، وأبو بشر لم يسمع من حبيب بن سالم هذا الحديث أيضًا إنما رواه عن خالد بن عرفطة. انتهى. والذي في السنن: أن أبا بشر رواهُ عن خالد بن عرفطة، عن حبيب، ولكنَّ الترمذيَّ رواهُ في سننه عن أبي بشر، عن حبيب، وخالد بن عرفطة. قال أبو حاتم الرازي (٤): هو مجهول. وقال الترمذي (٥): سألت محمد بن إسماعيل عنه فقال: أنا أتقي هذا الحديث. وقال النسائي: أحاديث النعمان هذه مضطربة. وقال الخطابي (٦): هذا الحديث غير متصل، وليس العمل عليه. انتهى. وعُرْفُطَة: بضم العين، وسكون الراء المهملتين، وضم الفاء، وبعدها طاء مهملة مفتوحة وتاء تأنيث. وفي الباب عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق عند أبي داود (٧) والنسائي (٨): "أن رسول الله ﷺ قضى في رجلٍ وقع على جارية امرأته: إنْ كان

стр. 6455

استكرهها فهي حرَّة، وعليه لسيدتها مثلُها، وإنّ كانت طاوعته فهي له، وعليه لسيدتها مثلُها". قال النسائي (١): لا تصح هذه الأحاديث. وقال البيهقي (٢): قبيصة بن حريث غير معروف. وروينا عن أبي داود أنه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: رواه عن سلمة بن المحبق شيخ لا يعرف لا يحدث عنه غير الحسن يعني: قبيصة بن حريث. وقال البخاري في التاريخ: قبيصة بن حريث سمع سلمة بن المحبق في حديثه نظر (٣). وقال ابن المنذر: لا يثبت خبر سلمة بن المحبق. وقال الخطابي (٤): هذا حديث منكر، وقبيصة بن حريث غير معروف والحجة لا تقوم بمثله، وكان الحسن لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع. وقال بعضهم: هذا كان قبل الحدود. وقد روى أبو داود (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧) من طريق الحسن البصري عن سلمة بن المحبق نحو ذلك إلا أنه قال: "وإن كانت طاوعته فهي ومثلها من ماله لسيدتها". وقد اختلف في هذا الحديث عن الحسن فقيل عنه عن قبيصة بن حريث عن سلمة بن المحبق. وقيل: عنه عن سلمة من غير ذكر قبيصة.

стр. 6456

وقيل: عن جون بن قتادة عن سلمة. وجون بن قتادة قال الإمام أحمد (١): لا يعرف، والمُحَبَّق: بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وبعدها باء موحدةٌ، مشددةٌ مفتوحةٌ، ومن أهل اللغة (٢) من يكسرها. والمحبَّق لقب، واسمه صخر بن عبيد، وسلمة ابنه، له صحبة سكن البصرة، كنيته أبو سنان كني بابنه سنان. وذكر أبو عبد الله بن منده: أن لابنه سنان صحبة أيضًا. وجَوْن: بفتح الجيم وسكون الواو وبعدها نون. وقد اختلف أهل العلم في الرجل يقع على جارية امرأته، فقال الترمذي (٣): روي عن غير واحدٍ من الصحابة منهم: عليٌّ، وابن عمر: أن عليه الرجم. وقال ابن مسعود: ليس عليه حد ولكن يعزر. وذهب أحمد (٤) وإسحاق إلى ما رواه النعمان بن بشير. انتهى. وهذا هو الراجح؛ لأن الحديث وإن كان فيه المقال المتقدم فأقلُّ أحواله أن يكون شبهةً يُدرأ بها الحدُّ. قال في البحر (٥): مسألة: ولو أباحت الزوجة للزوج وطء أمتها، أو وطأ امرأةٍ يستحقُّ دمها؛ حُدَّ. وقال أبو حنيفة (٦): لا، إذ هما شبهة. قلنا: لا نسلم. انتهى. وهذا منع مجرد، فإن مثل حديث النعمان (٧) إذا لم يكن شبهة فما الذي يكون شبهة؟

стр. 6457

قوله: (وإن كانت لم تحلها لك رجمتك)، زاد أبو داود (١): فوجدوه أحلتها له فجلده مائة (٢). [الباب السادس عشر] بابُ حد زِنَا الرقيقِ خمسونَ جلدةً ٤٤/ ٣١٣٥ - (عَنْ عَليٍّ قالَ: أَرْسَلني رَسُولُ الله ﷺ إلى أَمَةٍ سَوْداءَ زَنَتْ لأجْلدَها الحَدَّ، قالَ: فَوَجدْتُها في دَمِها، فأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، فأخْبَرْتُهُ بِذلِكَ، فقالَ لي: "إذا تَعَالَتْ مِنْ نِفاسِها فاجْلِدْها خَمْسين". رَوَاه عَبْدُ الله بْن أَحمَدَ في المُسْنَدِ) (٣). [صحيح لغيره] ٤٥/ ٣١٣٦ - (وعَنْ عَبدِ الله بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبي رَبيعَةَ المخْزُومِيِّ قالَ: أَمَرَني عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ في فِتْيَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَجَلدْنا وَلائِدَ مِنْ وَلائِدِ الإِمارَةِ خَمْسينَ خَمْسينَ في الزِّنا. رَوَاهُ مالِكٌ في المُوَطَّأ) (٤). [موقوف صحيح] حديث عليّ: قد تقدم الكلام عليه في باب تأخير الرجم عن الحبلي (٥)، وسيأتي أيضًا في الباب الذي بعد (٦) هذا. وأثر عمر مؤيد لحديث الباب لوقوع ذلك منه بمحضر جماعة من الصحابة.

стр. 6458

وروى ابن وهب عن ابن جريج عن عمرو بن دينار: "أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ كانت تجلد وليدتها إذا زنت خمسين" (١). ويشهد لذلك عموم قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢)، ولا قائل بالفرق بين الأمة والعبد، كما حكى ذلك صاحب البحر (٣). وروي عن ابن عباس أنه قال: لا حد على مملوك حتى يتزوج (٤) تمسكًا بقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ (٥)، فإنه تعالى علق حد الإماء بالإحصان. وأجاب عنه في البحر (٦): بأن لفظ الإحصان محتمل لأنه بمعنى أسلمن وبلغن وتزوجن، قال: ولو سلم فخلاف ابن عباس منقوض، والأولى الجواب بحديث أبي هريرة (٧)، وزيد بن خالد الآتي في الباب الذي بعد (٨) هذا، فإن فيه: "أنه سئل ﷺ عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: "إن زنت فاجلدوها""، وهذا نص في محل النزاع. وأخرج مسلم (٩) وأبو داود (١٠) والترمذي (١١) من حديث أبي عبد الرحمن السلمي أن عليًا خطب فقال: يا أيها الناس أقيموا الحدود على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن. وقد وافق ابن عباس طاوس وعطاء وابن جريج، وذهب الجمهور إلى خلاف (١٢) ذلك.

стр. 6459

قوله: (إذا تعالت من نفاسها) بالعين المهملة، أي: خرجت. وفيه دليل على أنه يمهل من كان مريضًا حتى يصح من مرضه. وقد تقدم الكلام على ذلك في باب تأخير الرجم عن الحبلي. [الباب السابع عشر] باب السّيدِ يقيمُ الحَدَّ على رقيقهِ ٤٦/ ٣١٣٧ - (عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "إذا زَنَتْ أَمَة أحَدِكُمْ فَتبيّنَ زناهَا فَلْيجْلِدْها الحَدَّ وَلَا يُثرِّبْ عَلَيها، ثم إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْها الحَّدّ وَلَا يُثرِّبْ عَليهَا، ثمّ إنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا، وَلوْ بِحَبْلٍ مِن شَعْرٍ". مُتَّفقٌ عَليهِ (١). [صحيح] وَرَواهُ أَحمَدُ (٢) في رِوايَةٍ، وأبُو داوُد (٣)، وذَكَرا فِيهِ في الرّابعَةِ الحَدَّ والبيْع. [صحيح لغيره] قال الخَطَّابيُّ (٤): مَعْنَى لا يُثَرِّبْ: لا يَقْتَصِرْ عَلى التَّثْريبِ). ٤٧/ ٣١٣٨ - (وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ وزيدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِّي قالا: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الأمَةِ إذَا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ، قال: "إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثمَّ إنْ زَنت فاجْلدُوها، ثمّ إن زَنَتْ فاجْلدُوها، ثم بيعُوها وَلوْ بِضَفِيرٍ"، قالَ ابْنُ شِهابٍ: لا أَدْري أبَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرّابِعَةِ. مُتَّفَقٌ عَليهِ) (٥). [صحيح]

стр. 6460

٤٨/ ٣١٣٩ - (وعَنْ عَليٍّ أن خادِمًا للنبيِّ ﷺ أَحْدَثَتْ فأمَرَني النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أقِيمَ عَليْهَا الحَدّ، فأتَيْتُها فَوَجَدْتُها لَمْ تَجفّ مِنْ دَمِها، فأتَيْتُهُ فأخْبَرْتهُ، فقالَ: "إذا جَفَّتْ مِنْ دَمِها فأقِمْ عَليْها الحَدّ، أَقِيمُوا الحُدُودَ على ما مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ". رَوَاهُ أَحْمدُ (١) وأَبُو دَاوُدَ) (٢). [صحيح لغيره] حديث عليّ: أخرجه مُسَلم في صحيحه (٣)، والبيهقي (٤)، والحاكم (٥)، ووهم فاستدركه. قوله: (فتبيَّن زناها) الظاهر: أن المراد تبينه بما يتبين في حقِّ الحرَّة، وذلك: إمَّا بشهادة أربعةٍ، أو بالإقرار على الخلاف المتقدم فيه. وقيل: إنَّ المراد بالتبين: أن يعلم السيد بذلك، وإن لم يقع إقرار، ولا قامت شهادة. وإليه ذهب بعضهم. وحكى في البحر (٦) الإجماع على أنه يعتبر شهادة أربعة في العبد كالحرِّ، والأمةُ حكمها حكمه. وقد ذهب الأكثر إلى أن الشهادة تكون إلى الإمام أو الحاكم. وذهب بعض أصحاب الشافعي (٧) إلى أنها تكون عند السيد.

стр. 6461

قوله: (ولا يُثَرِّبُ عليها) بمثناة تحتية مضمومة ومثلثة مفتوحة ثم راء مشددة مكسورة وبعدها موحدة وهو التعنيف (١). وقد ثبت في رواية عند النسائي (٢) بلفظ: "ولا يعنفها"، والمراد: أن اللازم لها شرعًا هو الحدُّ فقط؛ فلا يضمَّ إليه سيدُها ما ليس بواجبٍ شرعًا، وهو المحريب. وقيل: إنَّ المراد نهي السيد عن أن يقتصر على التثريب دون الحد، وهو مخالف لما يفهمه السياق. وفي ذلك كما قال ابن بطال (٣) دليل على أنَّه لا يعزر من أقيم عليه الحد بالتعنيف واللوم، ولهذا لم يثبت: أنَّه ﷺ سبَّ أحدًا ممن أقام عليه الحدَّ، بل نهى ﷺ عن ذلك كما سيأتي من حديث أبي هريرة في كتاب حد شارب (٤) الخمر. قوله: (ثم إن زنت) فيه دليل على أنه لا يقام على الأمة الحدُّ إلا إذا زنت بعد إقامة الحدِّ عليها، لا إذا تكرَّر منها الزنا قبل إقامة الحد كما يدلُّ على ذلك لفظ: "ثم" بعد ذكر الجلد. قوله: (فليبعها) ظاهر هذا أنها لا تحدُّ إذا زنت بعد أن جلدها في المرّة الثانية، ولكنَّ الرواية التي ذكرها المصنف عن أبى هريرة وزيد بن خالد (٥) مصرحة بالجلد في الثالثة، وكذلك الرواية التي ذكرها عن أحمد (٦) وأَبي داود (٧) أنهما ذكرا في الرابعة الحدَّ، والبيعَ؛ نصٌّ في محل النزاع، وبها يُردُّ على النووي (٨) حيث قال: إنه لما لم يحصل المقصود من الزجر عدل إلى الإخراج

стр. 6462

عن الملك دون الجلد مستدلًا على ذلك بقوله: "فليبعها"، وكذا وافقه على ذلك ابن دقيق العيد (١) وهو مردود. وأمَّا الحافظ في الفتح (٢) فقال: الأرجح: أنه يجلدها قبل البيع، ثم يبيعها، وصرَّح بأن السكوت عن الجلد للعلم به، ولا يخفى: أنَّه لم يسكت ﷺ عن ذلك كما سلف. وظاهر الأمر بالبيع أنه واجب. وذهب الجمهورُ (٣) إلى أنه مستحب فقط. وزعم بعض الشافعية أن الأمر بالبيع منسوخ كما حكاه ابن الرفعة (٣) في "المطلب" (٤)، ولا أعرف له ناسخًا: فإنْ كان هو النهي عن إضاعة المال، كما زعم بعضهم؛ فيجاب عنه أولًا: بأنَّ الإضاعة إنما تكون إذا لم يكن شيء في

стр. 6463

مقابل المبيع، والمأمور به ههنا هو البيع، لا الإضاعة، وذكر الحبل من الشعر للمبالغة ولو سلم عدم إرادة المبالغة لما كان في البيع بحبل من شعر إضاعة، وإلا لزم أن يكون بيع الشيء [الكثير] (١) بالحقير إضاعة، وهو ممنوع. وقد ذهب داود (٢) وسائر أهل الظاهر إلى أن البيع واجب، لأن ترك مخالطة الفسقة ومفارقتهم واجبتان، وبيع [الكثير] (١) بالحقير جائزٌ إذا كان البائع عالمًا به بالإجماع. قال ابن بطال (٣): حمل الفقهاء الأمر بالبيع على الحضِّ على مباعدة من تكرر منه الزنا لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك، ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا. قال (٤): وحمله بعضهم على الوجوب، ولا سلف له في الأمة فلا يشتغل به. انتهى. وظاهره: أنه أجمع السلف على عدم وجوب البيع؛ فإن صحَّ ذلك كان هو القرينة الصارفة للأمر عن الوجوب وإلا كان الحقُّ ما قاله أهل الظاهر. وأحاديث الباب فيها دليل: على أن السيد يقيم الحدَّ على مملوكه، وإلى ذلك ذهب جماعة من السلف، والشافعي (٥). وذهبت العترة (٦): إلى أن حد المماليك إلى الإمام إن كان ثَمَّ إمام، وإلا كان إلى سيده. وذهب مالك (٧) إلى أن الأمة إن كانت مزوجة كان أمر حدها إلى الإمام إلا أن يكون زوجها عبدًا لسيدها فأمر حدها إلى السيد، واستثنى مالك أيضًا القطع في السرقة. وهو وجه للشافعية (٨)، وفي وجه لهم آخر يستثنى حدُّ الشرب.

стр. 6464

وروي عن الثوري (١) والأوزاعي (١): أنه لا يقيم السيد إلا حد الزنا. وذهبت الحنفية (٢) إلى أنه لا يقيم الحدود على المماليك إلا الإمام مطلقًا. وظاهر أحاديث الباب أنه يحدُّ المملوكَ سيده من غير فرقٍ بين أن يكون الإمام موجودًا أو معدومًا، وبين أن يكون السيد صالحًا لإقامة الحد أم لا. وقال ابن حزم (٣): يقيمه السيد إلا إنْ كان كافرًا. وقد أخرج البيهقي (٤) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: أدركت بقايا الأنصار وهم يضربون الوليدة من ولائدهم في مَجَالسِهم إذا زنت. ورواه الشافعي (٥) عن ابن مسعود وأبي بردة. وأخرجه أيضًا البيهقي (٦) عن خارجة بن زيد عن أبيه. وأخرجه (٧) أيضًا عن أبي الزناد، عن أبيه، عن الفقهاء الذين يُنتهى إلى أقوالهم من أهل المدينة: أنهم كانوا يقولون: لا ينبغي لأحدٍ يقيم شيئًا من الحدود دون السلطان؛ إلا أن للرجل أن يقيم حد الزنا على عبده وأمته. وروى الشافعي (٨) عن ابن عمر: أنه قطع يد عبده وجلد عبدًا له زنى. وأخرج مالك (٩) عن عائشة: "أنها قطعت يد عبد لها".

стр. 6465

وأخرج (١) أيضًا: "أن حفصة قتلت جارية لها سحرتها". وأخرج عبد الرزاق (٢) والشافعي (٣): "أن فاطمة بنت رسول الله ﷺ حدَّتْ جارية لها زنت"، وتقدم في الباب الذي قبل هذا (٤): "أنها جلدت وليدة لها خمسين". وقد احتجَّ من قال: إنه لا يقيم الحدود مطلقًا إلا الإمامُ بما رواه الطحاوي (٥) عن مسلم بن يسار: أنه قال: "كان رجل من الصحابة يقول: الزكاة والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان". قال الطحاوي (٥): لا نعلم له مخالفًا من الصحابة، وتعقبه ابن حزم (٦) بأنه خالفه اثنا عشر صحابيًا. وظاهر أحاديث الباب: أن الأمة والعبد يجلدان سواء كانا محصنين أم لا،

стр. 6466

وقد تقدم الخلاف في ذلك في الباب الذي قبل هذا. وقد اختلف أهل العلم في المملوك إذا كان محصنًا هل يرجم أم لا؟ فذهب الأكثر إلى الثاني، وذهب الزهري وأبو ثور (١) إلى الأول. واحتج الأولون بأن الرجم لا يتنصَّف، واحتجَّ الآخرون بعموم الأدلة. وأما المكاتب فذهبت العترة (٢) إلى أنه لا رجم عليه ويجلد كالحر بقدر ما أدي وفي البقية كالعبد، وذهبت الشافعية (٣) والحنفية (٤) إلى أنه يجلد كالعبد مطلقًا لحديث: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" (٥). وقد تقدَّمَ وتقدم الكلامُ على التقسيطِ في المكاتبِ في بابِ الكتابةِ (٦). * * *

стр. 6467

[ثانيًا] [أبواب] (١) القطع في السَّرقة [الباب الأول] بابُ ما جاءَ في كَمْ يقطعُ السَّارِقُ؟ ١/ ٣١٤٠ - (عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَطَعَ في مِجَنّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَراهِمَ. رَواهُ الجَماعَةُ (٢). وفي لفْظِ بَعْضِهِمْ: قِيمَتُهُ ثلَاثَةُ دَرَاهِمَ). [صحيح] ٢/ ٣١٤١ - (وعَنِ عَائِشةَ قَالتْ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْطَعُ يَدَ السّارِقِ في رُبُعِ دينار فَصاعِدًا. رَواهُ الجَماعَةُ إلَّا ابْنَ ماجَهْ (٣). [صحيح] وفي روايَةٍ أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "لا تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ إلَّا في رُبُعِ دِينارٍ فصاعدًا"، رواهُ أَحمَدُ (٤) ومسْلِمٌ (٥) والنَّسائيُّ (٦) وابْنُ ماجَهْ (٧). [صحيح] وفي رِوايَةٍ قالَ: "تُقْطعُ يَدُ السّارِقِ في رُبُعِ دِينارٍ"، رَوَاهُ البُخَاريُّ (٨)

стр. 6468

والنَّسائيُّ (١) وأَبُو داوُدَ (٢). [صحيح] وَفي رِوَايَةٍ قالَ: "تُقْطَعُ اليَدُ في رُبُعِ دِينارٍ فصَاعِدًا". رَوَاهُ البُخاريُّ (٣). [صحيح] وفي روايةٍ قال: "اقْطَعُوا في رُبُعِ دِينَارٍ، وَلا تقْطَعُوا فِيما هُوَ أَدْنَى مِنْ ذلِكَ"، وكَانَ رُبُعُ الدِّينَارِ يَوْمَئذٍ ثَلاثَةَ دَرَاهِمَ، والدِّينَارُ اثْنَى عشر دِرْهَمًا. رَوَاهُ أَحمدُ (٤). [صحيح] وفي روايةٍ قَالَ رسُولُ الله ﷺ : "لا تُقْطَعُ يَدُ السَارقِ فيما دُونَ ثمَنِ الْمِجَنِّ"، قِيل لِعائشةَ: ما ثَمَنُ الْمِجَنِّ؟ قالتْ: رَبُعُ دِينَارٍ. رَواهُ النَّسائيُّ) (٥). [منكر] ٣/ ٣١٤٢ - (وعَنِ الأعمَش عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رسُولُ الله ﷺ : "لَعَنَ الله السَّارِقَ يَسْرِق البَيْضةَ فتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرقُ الحَبْلَ فتُقْطعُ يَدُهُ"، قالَ الأعمَشُ: كانُوا يَروْنَ أَنهُ بَيْضُ الحَدِيدِ، والحَبْلُ كانوا يرَوْنَ أَنَّ مِنها ما يُساوِي دَرَاهِمَ. متَّفَقٌ عَليهِ (٦)، وليْسَ لِمُسلمٍ فيهِ زيادَةُ قوْلِ الأعمَشِ). [صحيح] قوله: (في مِجَنّ) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون وهو الترس (٧)، ويُقَالُ له: مِجنة (٨) بكسر الميم أيضًا، وجُنَانٌ وجُنَانَةٌ بضمهِمَا.

стр. 6469

قوله: (فصاعدًا) هو منصوب على الحالية: أي: فزائدًا، ويستعمل بالفاء وبثم، لا بالواو. وفي رواية لمسلم (١): "لن تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فما فوقه". قوله: (في ربع دينار) هذه الرواية موافقةٌ لرواية الثلاثة الدراهم التي هي ثمن المجن، كما في رواية النسائي المذكورة في الباب (٢): "أن ثمن المجنِّ كان ربع دينار"، وكما في رواية أحمد (٣): "أَنه كان ربع الدينار يومئذٍ ثلاثة دراهم". قال الشافعي (٤): وربع الدينار موافقٌ لرواية: ثلاثة دراهم؛ وذلك أن الصَّرف على عهد رسول الله ﷺ اثنا عشر درهمًا بدينار، وكان كذلك بعده. وقد تقدم أن عمر فرض الدية على أهل الوَرِق اثني عشر ألف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار. وأخرج ابن المنذر: أنَّه أُتيَ عثمان بسارقٍ سرق أترجَّةً، فقوِّمت بثلاثة دراهم من حساب [الدينار] (٥) باثني عشر، فَقُطِعَ (٦). وأخرج أيضًا البيهقي (٧) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه: أن عليًا قطع في ربع دينار وكانت قيمته درهمين ونصفًا. وأخرج البيهقي (٨) أيضًا من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي: القطع في ربع دينار فصاعدًا. وأخرج (٩) أيضًا من طريقه عن علي أنه قطع يد سارق في بيضة من حديد ثمنها ربع دينار، ورجاله ثقات ولكنه منقطع.
следующие страницы →