← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6500–6539 · переход к 6505.

стр. 6500

ورواه الشافعي (١) وابن حبان في صحيحه (٢) وابن عدي (٣) أيضًا وَالبيهقي (٤) من حديث عائشة بلفظ: "أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم"، ولم يذكر ما بعده. قال الشافعي (٥): وسمعت من أهل العلم من يعرف هذا الحديث ويقول: يتجاوز للرجل من ذوي الهيئات عثرته ما لم يكن حدًا. وقال عبد الحق (٦): ذكره ابن عدي في باب واصل بن عبد الرحمن الرقاشي ولم يذكر له علة. قال الحافظ (٧): وواصلُ هو أبو حرة، ضعيف، وفي إسناد ابن حبان أبو بكر بن نافع. وقد نص أبو زرعة على ضعفه في هذا الحديث. وفي الباب عن ابن عمر رواه أبو الشيخ (٨) في كتاب الحدود بإسناد ضعيف. وعن ابن مسعود رفعه: "تجاوزوا عن ذنب السخي فإن الله يأخذ بيده عند عثراته"، ورواه الطبراني في الأوسط (٩) بإسناد ضعيف. وأثر الزبير المذكور أخرجه أيضًا الطبراني (١٠). قال في الفتح (١١): وإسناده

стр. 6501

منقطع، وهو عند ابن أبي شيبة (١) [بسند] (٢) حسن عن الزبير. وفي حديث عبد الله بن عمرو دليل على مشروعية المعافاة في الحدود قبل الرفع إلى الإمام لا بعده. وقد تقدَّم الكلام على ذلك. وحديث عائشة (٣) فيه دليل: على أنَّه يشرع إقالة أرباب الهيئات إن وقعت منهم الزلة نادرًا. والهيئة: صورة الشيء، وشكله، وحالته، ومراده: أهل الهيئات الحسنة. والعثرات (٤): جمع عثرة، والمراد بها الزلة كما وقع في الرواية المذكورة. قال الشافعي (٥): وذوي الهيئات الذين يقالون عثراتهم الذين ليسوا يُعرفون بالشرِّ فيزلُّ أحدهم الزِّلَّة. وقال الماوردي (٦): في تفسير العثرات المذكورة وجهان: (أحدهما): الصغائر. (والثاني): أول معصيةٍ زلَّ فيها مطيع. والمراد. بقوله: "إلا الحدود"، أي فإنها لا تقال بل تقام على ذي الهيئة وغيره بعد الرفع إلى الإمام، وأما قبله فيستحبُّ الستر مطلقًا. لما في حديث أبي هريرة عند الترمذي (٧) من حديث: "ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة"، وأخرجه أيضًا الحاكم (٨). ورواه الترمذي (٩) من حديث ابن عمر.

стр. 6502

ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (١) من حديث مسلمة بن مخلد مرفوعًا: "من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة". وروى ابن ماجه (٢) عن ابن عباس مرفوعًا: "من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه كشف الله عورته حتى يفضحه في بيته". قوله: (فلعن الله الشافع والمشفع) فيه التشديد في الشفاعة في الحدود بعد الرفع. وقد تقدم الكلام على حديث المخزومية (٣) الذي ذكره المصنف. [الباب الثامن] باب في حَدِّ القَطْعِ وغيرِهِ هَلْ يسْتَوْفَى في دارِ الحربِ أمْ لا؟ ٢٠/ ٣١٥٩ - (عَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطاةَ: أنَّهُ وَجَدَ رَجُلًا يَسْرِقُ في الغَزوِ فَجَلَدَهُ ولمْ يَقْطَعْ يَدَهُ، وقالَ: نَهانا رسُولُ الله ﷺ عَنِ القَطْعِ في الغَزْو. رَوَاهُ أَحمدُ (٤) وأَبُو داوُدَ (٥) والنَّسائيُّ (٦)، وللتِّرْمِذيِّ (٧) مِنهُ المَرْفوعُ). [صحيح]

стр. 6503

٢١/ ٣١٦٠ - (وعَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "جاهِدُوا النَّاسَ في الله، القريبَ والبَعيدَ، ولا تُيالوا في الله لَوْمَةَ لائمٍ، وأَقِيمُوا حدُودَ الله في الحَضَرِ والسَّفَرِ". رَوَاهُ عَبدُ الله بْنُ أَحمدَ في مُسْنَدِ أَبيهِ) (١). [حسن] حديث بسر بن أرطاة سكت عنه أبو داود (٢). وقال الترمذي (٣): غريب ورجال إسناده عند أبي داود ثقات إلى بسر، وفي إسناد الترمذي ابن لهيعة (٤)، وفي إسناد النسائي بقية بن الوليد (٥). واختلف في صحبة بُسر المذكور، وهو: بضم الباء الموحدة، وسكون السين المهملة، وبعدها راء، قرشيٌّ عامريٌّ، كنيته: أبو عبد الرحمن، فقيل: له صحبة، وقيل: لا صحبة له، وإنَّ مولده بعدَ وفاة النبي ﷺ وله أخبارٌ مشهورٌ (٦)،

стр. 6504

وكان يحيى بن معين (١) لا يحسن الثناء عليه. قال المنذري (٢): وهذا يدل على أنه عنده لا صحبة له. ونقل في "الخلاصة" (٣) عن ابن معين أنه قال: لا صحبة له وأنه رجل سوء. ولي اليمن وله بها آثار قبيحة. انتهى. ونقل عبد الغني (٤): أن حديثه في الدعاء فيه التصريح بسماعه من النبي ﷺ وقد غمزه الدارقطنيُّ، ولا يرتاب منصف: أن الرجل ليس بأهلٍ للرواية؛ وقد فعل في الإسلام أفاعيل لا تصدر عمن في قلبه مثقال حبة من إيمان، كما تضمنت ذلك كتب التاريخ المعتبرة، فثبوت صحبته [لا يرفع] (٥) القدح عنه على ما هو المذهب الراجح، بل هو إجماع لا يختلف فيه أهل العلم كما حققنا ذلك في غير هذا الموضع (٦)، وحققه العلامة محمد بن إبراهيم الوزير في "تنقيحه" (٧). ولكن إذا كان المناط في قبول الرواية هو تحرِّي الصدق، وعدم الكذب،

стр. 6505

فلا ملازمة بين القدح في العدالة وعدم قبول الرواية، وهذا يتمشى على قول من قال: إنَّ الكفر والفسق مظنةُ تهمةٍ (١)، لا من قال: إنهما سلب أهلية؛ على ما تقرر في الأصول (٢). وحديث عبادة بن الصامت أخرج أوله الطبراني في "الأوسط" و"الكبير"، قال في مجمع الزوائد (٣): وأسانيد أحمد وغيره ثقات، ويشهدُ لصحته عمومات الكتاب والسنة وإطلاقاتهما لعدم الفرق فيها بين القريب والبعيد والمقيم والمسافر. ولا معارضة بين الحديثين؛ لأنَّ حديث بسر (٤) أخصُّ مطلقًا من حديث عبادة (٥)، فيبنى العام على الخاص، وبيانه أن السفر المذكور في حديث عبادة أعم مطلقًا من الغزو المذكور في حديث بسر، لأن المسافر قد يكون غازيًا وقد لا يكون، وأيضًا حديث بسر في حدِّ السَّرقة، وحديث عبادة في عموم الحدِّ. وقوله: "فجلده"، فيه إجمال لعدم ذكر عدد الجلد، والظاهر أن أمر ذلك إلى الإمام كسائر التعزيرات. * * *

стр. 6506

[ثالث] [أبواب] (١) حَدُّ شاربِ الخَمْر [الباب الأول: الجلد في الخمر بالجريد والنعال وغيرها] ١/ ٣١٦١ - (عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ برَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ فَجُلِدَ بجَريدَتَيْنِ نَحو أَرْبَعِينَ، قالَ: وفَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ، فلمّا كانَ عُمَرُ استَشارَ النَّاسَ، فقالَ عَبدُ الرَّحمنِ: أَخَفُّ الحُدُودِ ثمانِينَ فَأمَرَ بهِ عُمَرُ. رواهُ أحمدُ (٢) ومُسْلِمٌ (٣) وأبُو داوُد (٤) والترِّمِذيُّ وصحّحَهُ) (٥). [صحيح] ٢/ ٣١٦٢ - (وعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيّ ﷺ جَلَدَ في الخَمْرِ بالجَريدِ والنِّعالِ، وَجلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعينَ. مُتَّفَقٌ عَليهِ) (٦). [صحيح] ٣/ ٣١٦٣ - (وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ قالَ: جِيءَ بالنُّعْمانِ أَو ابْنِ النُّعْمانَ شارِبًا، فأمَرَ رسُولُ الله ﷺ مَنْ كانَ في البَيتِ أنْ يَضْربُوهُ فَكُنْتُ فِيمَنْ ضَرَبَهُ، فَضَرَبْناهُ بالنعالِ والجَرِيدِ) (٧). [صحيح] ٤/ ٣١٦٤ - (وعَنِ السِّائِبِ بْنِ يزيدَ قالَ: كُنّا نُؤتى بالشّاربِ في عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ وفي إمْرَةِ أَبي بَكْرٍ وصَدْرًا مِنْ إمْرَةِ عُمَرَ فَنَقُومُ إليْهِ نَضْرِبهُ بأيْدِينا

стр. 6507

ونِعالِنا وأَرْدِيَتِنا، حَتّى كانَ صَدْرًا مِنْ إِمْرَةِ عُمَرَ فَجَلَدَ فِيها أَرْبَعين، حَتّى إذَا عَتَوْا فِيها وفَسَقُوا جَلَدَ ثَمانِينَ. رَواهُما أَحمَدُ والبُخاريُّ) (١). [صحيح] ٥/ ٣١٦٥ - (وعَنْ أبي هُرَيْرَة قالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ برَجُلٍ قَدْ شَرِبَ، فقالَ: "اضْرِبُوهُ" فقالَ أَبو هُرَيرةَ: فمِنّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، والضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، والضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ القَوْمِ: أَخْزاكَ الله، قالَ: "لا تَقولوا هكذَا، لَا تعينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ". رواهُ أحمَدُ (٢) والبُخارِيُّ (٣) وأَبُو داوُد) (٤). [صحيح] ٦/ ٣١٦٦ - (وعَنْ حُصَيْنِ بْنِ المُنْذِرِ قالَ: شَهِدْتُ عُثْمانَ بْن عفَّانَ أُتِيَ بالوَلِيدِ قَدْ صلّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ قالَ: أَزيدُكُمْ، فشَهِدَ عليهِ رَجُلَانِ أَحَدُهُما حُمْرانُ أَنَّهُ شَرِبَ الخَمْرَ، وشَهِدَ آخَرُ أنهُ رَآهُ يَتَقَيَّؤها، فقالَ عُثْمانُ: إنَّهُ لمْ يَتَقَيَّأهَا حَتَّى شَرِبَها، فقالَ: يَا عَلَيُّ قُمْ فاجلِدْهُ، فقالَ عَليُّ: قُمْ يا حسَن فاجلِدْهُ، فقالَ الحَسَن: وَلّ حارَّها مَنْ تَوَلَّى قارَّهَا، فكأنَّهُ وجدَ عليهِ، فقالَ: يا عَبدَ الله بْن جَعفَرْ قُمْ فاجلِدْهُ، [فَجلَدَهُ] (٥) وَعلي يَعدُّ حتَّى بلغَ أَرْبعِينَ فقالَ: أمْسِكْ، ثمَّ قالَ: جلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أرْبَعِينَ، وأبو بكْرٍ أرْبعِينَ، وَعُمَرُ ثمَانِينَ وكُلٌّ سنَّةٌ. وهذا أَحَبُّ إليَّ. رواهُ مُسلمٌ (٦). [صحيح] وفيهِ مِنَ الْفِقْهِ أن لِلْوَكِيلِ أنْ يُوَكِّلَ، وأَن الشهَادَتَيْنِ على شَيْئَيْنِ إذَا آلَ مَعْناهُما إلى شَيْءٍ واحِدٍ جُمعتَا جائزةٌ كالشَّهادةِ على الْبَيْعِ والإِقْرَار بهِ، أوْ على القَتْلِ والإقْرارِ بِهِ). قوله: (قد شرب الخمر) اعلم أن الخمر يطلق على عصير العنب المشتدِّ إطلاقًا حقيقيًا إجماعًا.

стр. 6508

واختلفوا هل يطلق على غيره حقيقةً أو مجازًا؟ وعلى الثاني هل مجازُ لغةٍ كما جزم به صاحب المحكم (١)؟ قال صاحب الهداية من الحنفية (٢): الخمر عندنا: ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتدَّ، وهو المعروف عند أهل اللغة، وأهل العلم. انتهى. أو من باب القياس على الخمر الحقيقية عند من يثبت التسمية بالقياس؟ وقد [صرَّح] (٣) الراغب (٤): أن الخمر عند البعض اسم لكلِّ مسكر، وعند بعضٍ: للمتخذ من العنب والتمر، وعند بعضهم: لغير المطبوخ. ورجح: أن كل شيء يستر العقل يسمى خمرًا لأنها سميت بذلك لمخامرتها للعقل، وسترها له، وكذا قال جماعة من أهل اللغة منهم: الجوهري (٥) وأبو نصر القشيري (٦) والدينوري (٧) وصاحب القاموس (٨). [ويؤيد ذلك] (٩) أنها حرمت بالمدينة، وما كان شرابهم يومئذٍ إلا نبيذ البسر والتمر. ويؤيده أيضًا: أن الخمر في الأصل: الستر، ومنه: خمار المرأة لأنه يستر وجهها، والتغطية ومنه: "خمروا آنيتكم" (١٠) أي: غطوها، والمخالطة، ومنه: خامره داءٌ، أي: خالطه، والإدراك: ومنه: اختمر العجين، أي: بلغ وقت إدراكه. قال ابن عبد البر (١١): الأوجه كلُّها موجودة في الخمر؛ لأنها تركت حتى أدركت وسكنت، فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه.

стр. 6509

ونقل عن ابن الأعرابي (١) أنه قال: سميت الخمر خمرًا؛ لأنها تركت حتى اختمرت، واختمارها: تغيّر رائحتها. قال الخطابي (٢): زعم قومٌ أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب، فيقال لهم: إن الصحابة الذين سمُّوا غير المتخذ من العنب خمرًا عربٌ فصحاءُ، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحًا؛ لما أطلقوه. انتهى. ويجاب بإمكان أن يكون ذلك الإطلاق الواقع منهم شرعيًا لا لغويًا. وأما الاستدلال على اختصاص الخمر بعصير العنب بقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ (٣) ففاسد؛ لأن الصيغة لا دليل فيها على الحصر المدعى، وذكر شيءٍ بحكمٍ لا ينفي ما عداه. وقد روى ابن عبد البر (٤) عن أهل المدينة، وسائر الحجازيين، وأهل الحديث كلهم: أن كل مسكرٍ خمر. وقال القرطبي (٥): الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها وكثرتها تبطل مذهب الكوفيين القائلين: بأنَّ الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قولٌ مخالف للغة العرب، وللسنَّة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنهم لمَّا نزل تحريم الخمر؛ فهموا من الأمر بالاجتناب تحريم كلِّ ما يُسكر، ولم يفرِّقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره، بل سوّوا بينهما وحرّموا كلَّ ما يسكر نوعه، ولم يتوقفوا [ولم يستفصلوا] (٦) ولم يشكل عليهم شيءٌ من ذلك، بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم ترددٌ لتوقفوا عن الإراقة حتى يستفصلوا، ويتحققوا التحريم. وقد أخرج أحمد في مسنده (٧)، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من

стр. 6510

الحنطة خمرٌ، ومن الشعير خمرٌ، ومن التمر خمر، ومن الزبيب خمرٌ، ومن العسل خمر". وروي أيضًا أنه خطب عمر على المنبر وقال: "ألا إن الخمر قد حرمت وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل". وهو في الصحيحين (١) وغيرهما (٢). وهو من أهل اللغة: وتعقب: بأنَّ ذلك يمكن أن يكون إطلاقًا للاسم الشرعي لا اللغوي، فيكون حقيقةً شرعيةً. قال ابن المنذر (٣): القائل: بأنَّ الخمر من العنب، وغيره: عمر، وعلي، وسعد، وابن عمر، وأبو موسى، وأبو هريرة، وابن عباس، وعائشة، ومن غيرهم: "ابن المسيِّب، والشافعي (٤)، وأحمد (٥)، وإسحق، وعامة أهل الحديث. وحكاه في البحر (٦) عن الجماعة المذكورين من الصحابة إلا أبا موسى، وعائشة، وعن المذكورين من غيرهم إلا ابن المسيِّب، وزاد: العترة، ومالكًا (٧)، والأوزاعي. وقال: إنَّه يكفر مستحلُّ خمر الشجرتين، ويفسق مستحل ما عداهما، ولا يكفر لهذا الخلاف، ثم قال: فرع: وتحريم سائر المسكرات بالسنَّة والقياس فقط، إذ لا يسمى خمرًا إلا مجازًا. وقيل: بهما وبالقرآن؛ لتسميتها خمرًا في حديث: "إن من التمر خمرًا" الخبر، وقول أبي موسى وابن عمر: "الخمر ما خامر العقل"، قلنا: مجازًا. انتهى.

стр. 6511

وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أحاديث: (منها) ما هو بلفظ: "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٍ، كُلُّ مسكرٍ حَرَامٌ" (١). (ومنها) ما هو بلفظ: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام" (٢). (ومنها) ما هو بلفظ: "كلُّ شرابٍ أسكرَ فهو حَرَامٌ" (٣). وهذا لا يفيد المطلوب، وهو كونها حقيقة في غير عصير العنب، أو مجازًا؛ لأنَّ هذه الأحاديث غايةُ ما يثبت بها: أنَّ المسكر على عمومه يقال له: خمر ويحكم بتحريمه، وهذه حقيقة شرعيةٌ لا لغويةٌ، وقد صرّح الخطابي (٤) بمثل هذا وقال: إن مسمَّى الخمر كان مجهولًا عند المخاطبين حتى بيّنه الشارع بأنه ما أسكر. فصار ذلك كلفظ الصلاة، والزكاة، وغيرهما من الحقائق الشرعية، وقد عرفت ما سلف عن أهل اللغة من الخلاف. قوله: (فجلد بجريدتين نحو أربعين) الجريد (٥): سعف النخل. وفي ذلك دليل: على مشروعية أن يكون الجلد بالجريد، وإليه ذهب بعض الشافعية (٦). وقد صرّح القاضي أبو الطيب (٧) ومن تبعه بأنه لا يجوز بالسوط. وصرّح القاضي حسين بتعين السوط، واحتجّ بأنه إجماع الصحابة، وخالفه النووي في شرح مسلم (٨) فقال: أجمعوا على الاكتفاء بالجريد، والنعال، وأطراف الثياب، ثمَّ قال: والأصحّ جوازه بالسوط.

стр. 6512

وحكى الحافظ (١) عن بعض المتأخرين أنه يتعين السوط للمتمرِّدين، وأطراف الثياب، والنعال، للضعفاء ومن عداهم، بحسب ما يليق بهم، وهذه الرواية مُصرِّحةٌ بأن الأربعين كانت بجريدتين. وفي رواية للنسائي (٢): "أنَّ النبيّ ﷺ ضربه بالنعال نحوًا من أربعين". وفي رواية لأحمد (٣) والبيهقي (٤): "فأمر نحوًا من عشرين رجلًا، فجلده كل واحد جلدتين بالجريد والنعال". فيجمع بأن جملة الضربات كانت نحو أربعين إلا أن كل جلدةٍ بجريدتين، وهذا الجمع باعتبار مجرَّد الضرب بالجريد، وهو مبينٌ لما أجمل في الرواية المذكورة في حديث أنس (٥) بلفظ: "إن النبيّ ﷺ جلد في الخمر بالجريد والنعال". وكذلك ما في سائر الروايات المجملة. ولكن الجمع بين الضرب بالجريد والنعال في روايات الباب يدلّ على أن الضرب بهما غير مقدر بحدّ، لأنها إذا كانت الضربات بالجريد مقدرة بذلك المقدار فلم يأت ما يدلُّ على تقدير الضربات النعال إلا برواية النسائي (٢) المتقدمة فإنها مصرّحة أن الضرب كان بالنعال فقط نحوًا من أربعين. وورد أيضًا الضرب بالأردية كما في رواية السائب بن يزيد (٦) المذكورة. وفي حديث عليّ (٧) المذكور في جلد الوليد تصريح بأن النبيّ ﷺ جلد أربعين، وهو يخالف ما سيأتي (٨) من حديثه: "أن النبيّ ﷺ لم يسن في ذلك سنة". ويمكن الجمع: بأنَّ المراد بالسنّة المذكورة في الحديث الآتي هي الطريقة المستمرة، وفعل الأربعين في مرّةٍ واحدةٍ، لا يستلزم أن يكون ذلك سنةً مع عدم الاستمرار، كما في سائر الروايات.

стр. 6513

وقيل: تحمل رواية الأربعين على التقريب دون التحديد. ويمكن الجمع أيضًا بما سيأتي أنه جلد الوليد بسوط له طرفان، فكان الضرب باعتبار المجموع أربعين، وبالنظر إلى الحاصل من كل واحد من الطرفين ثمانين (١). وقد ضعف الطحاوي (٢) هذه الرواية التي فيها التصريح بأن النبي ﷺ جلد أربعين لعبد الله بن فيروز. ويجاب عنه: بأنه قد قوّي الحديث البخاري كما روى ذلك الترمذي عنه. ووثق عبد الله المذكور أبو زرعة والنسائي، وإخراج مسلم له دليل على أنه من المقبولين. وقال ابن عبد البر (٣) أن هذا الحديث أثبت شيء في هذا الباب، واستدلَّ الطحاوي (٤) على ضعف الحديث بقوله فيه: "وكلٌّ سنةٌ … إلخ"، قال: لأنَّ عليًا لا يُرجِّح فعل عمر على فعل النبي [ ﷺ ] (٥). بناء منه على أن قول عليٍّ: "وهذا أحبّ إليّ" إشارةٌ إلى الثمانين التي فعلها عمر، وليس الأمر كذلك، بل المشار إليه: هو الجلد الواقع بين يديه في تلك الحال، وهو أربعون كما يشعر بذلك الظاهر، ولكنه يُشْكلُ من وجه آخر، وهو: أن الكلَّ من فعل النبي ﷺ وعمر لا يكون سنةً، بل السُّنَّة فعلُ النبيِّ ﷺ فقط (٦). وقد قيل: إنَّ المراد: أنَّ ذلك جائز، قد وقع لا محذور فيه. ويمكن أن يقال: إنَّ إطلاق السُّنَّة على فعل الخلفاء لا بأس به، لما في حديث العرباض بن سارية عند أهل السنن (٧) بلفظ: "عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين الهادين عضّوا عليها بالنواجذ … " الحديث.

стр. 6514

ويمكن أن يقال: المراد بالسنّة: الطريقة المألوفة، وقد ألف الناس ذلك في زمن عمر، كما ألفوا الأربعين في زمن النبي ﷺ وزمن أبي بكر. قوله: (أخفُّ الحدود ثمانين) هكذا ثبت بالياء. قال ابن دقيق العيد (١): حذف عامل النصب، والتقدير: أجعله ثمانين. وقيل: التقدير أجلده ثمانين. وقيل: التقدير: أرى أن نجعله ثمانين. قوله: (النعمان أو ابن النعمان) هكذا في نسخ هذا الكتاب مكبرًا. وفي صحيح البخاري: النعيمان، أو ابن النعيمان بالتصغير. قوله: (وعن حضين) بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة. قوله: (لا تعينوا عليه الشيطان) في ذلك دليل: على أنه لا يجوز الدعاء على من أقيم عليه الحدُّ، لما في ذلك من إعانة الشيطان عليه، وقد تقدَّمَ في حديث جلد الأمة النَّهيُ للسيِّدِ عن التثريب عليها (٢). [وقد] (٣) تقدم أيضًا: "أن النبي ﷺ أمر السارق بالتوبة، فلما تاب قال: تاب الله عليك" (٤). وهكذا ينبغي أن يكون الأمر في سائر المحدودين. قوله: (إنه لم يتقيأها حتى شربها) فيه دليلٌ: على أن يكفي في ثبوت حدِّ الشرب شاهدان: أحدهما يشهد على الشرب، والآخر على القيء. ووجه الاستدلال بذلك أنه وقع بمجمع من الصحابة، ولم ينكر، وإليه

стр. 6515

ذهب مالك (١) والناصر (٢) والقاسمية (٢). وذهبت الشافعية (٣) والحنفية (٤) إلى أنه لا يكفي ذلك الاحتمال، لإمكان أن يكون المتقيء لها مكرهًا على شربها أو نحو ذلك. قوله: (ولِّ حارّها) بحاء مهملة وبعد الألف وراء مشددة: قال في القاموس (٥): والحار من العمل: شاقه وشديده. اهـ. و (قارَّها) (٦) بالقاف وبعد الألف راء مشدَّدةٌ: أي: ما لا مشقة فيه من الأعمال. والمراد: ولِّ الأعمال الشاقَّة من تولى الأعمال التي لا مشقة فيها، استعار للمشقة الحرَّ، ولما لا مشقة فيه البرد. قوله: (جُمِعَتَا) بضم الجيم، وفتح الميم، والعين: لفظ تأكيد للشهادتين، كما يقال: جُمَع لتأكيد ما فوق الاثنتين؛ وفي بعض النسخ جميعًا وهو الصواب. والأحاديث المذكورة في الباب فيها دليل: على مشروعية حدِّ الشرب، وقد ادّعى القاضي عياض (٧) الإجماع على ذلك. وقال في البحر (٨): مسألة: "ولا ينقص حدُّه عن الأربعين إجماعًا"، وذكر أن الخلاف إنما هو في الزيادة على الأربعين. وحكى ابن المنذر (٩)، والطبري (٩)، وغيرهما عن طائفةٍ من أهل العلم أن الخمر لا حدَّ فيها، وإنما فيها التعزير، واستدلوا بالأحاديث المروية عنه ﷺ وعن الصحابة من الضرب بالجريد والنعال والأردية، وبما أخرجه عبد الرزاق (١٠) عن

стр. 6516

الزهري: "أنَّ النبي ﷺ لم يفرض في الخمر حدًّا، وإنما كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقولَ لهم: "ارفعوا"". وأخرج أبو داود (١) والنسائي (٢) بسند قوي عن ابن عباس أن النَّبي ﷺ لم يوقت في الخمر حدًا، ومما سيأتي في باب من وجد منه سكر أو ريح (٣). وأجيب: بأنه قد انعقد إجماع الصحابة على جلد الشارب، واختلافهم في العدد إنما هو بعد الاتفاق على ثبوت مطلق الجلد، وسيأتي في الباب المشار إليه الجواب عن بعض ما تمسكوا به. وقد ذهبت العترة (٤)، وما لك (٥)، والليث، وأبو حنيفة (٦)، وأصحابه، والشافعي (٧) في قول له: إلى أن حدّ السكران ثمانون جلدة. وذهب أحمد (٨)، وداود (٩)، وأبو ثور (١٠)، والشافعي (١١) في المشهور عنه إلى أنه أربعون لأنها هي التي كانت في زمنه ﷺ وزمن أبي بكر وفعلها علي في زمن عثمان كما سلف. واستدلَّ الأولون: بأنَّ عمر جلد ثمانين بعدما استشار الصحابة كما سلف، وبما سيأتي عن علي (١٢) أنه أفتى بأنه يجلد ثمانين، وبما في حديث أنس (١٣) المذكور أن النبي ﷺ جلد في الخمر نحو أربعين بجريدتين. والحاصل: أن دعوى إجماع الصحابة غير مسلَّمةٍ؛ فإن اختلافهم في ذلك

стр. 6517

قبل إمارة عمر وبعدها وردت به الروايات الصحيحة، ولم يثبت عن النبي ﷺ الاقتصار على مقدار معيَّن، بل جلد تارةً بالجريد، وتارةً بالنعالِ، وتارةً بهما فقط، وتارةً بهما مع الثياب، وتارة بالأيدي والنعال، والمنقول من المقادير في ذلك: إنما هو بطريق التخمين، ولهذا قال أنس: نحو أربعين، والجزم المذكور في رواية عليّ بالأربعين يعارضه ما سيأتي من أنه ليس في ذلك عن النبي [ ﷺ ] (١) سنة، فالأولى الاقتصار على ما ورد عن الشارع من الأفعال وتكون جميعها جائزةً فأيها وقع؛ فقد حصل به الجلد المشروع الذي أرشدنا إليه ﷺ بالفعل والقول كما في حديث: "من شرب الخمر فاجلدوه"، وسيأتي (٢). فالجلد المأمور به هو الجلد الذي وقع منه ﷺ ومن الصحابة بين يديه، ولا دليل يقتضي تحتم مقدار معين لا يجوز غيره. لا يقال: الزيادة مقبولةٌ فيتعين المصير إليها، وهي رواية الثمانين. لأنا نقول: هي زيادة شاذةٌ لم يذكرها إلا ابن دحية (٣)، فإنه قال في كتاب (وهج الجمر في تحريم الخمر): صح عن عمر أنه قال: لقد هممت أن أكتب في المصحف أن رسول الله ﷺ جلد في الخمر ثمانين. وقد قال الحافظ في التلخيص (٤): إنه لم يسبق ابن دحية إلى تصحيحه. وحكى ابن الطلاع (٣) أن في مصنف عبد الرزاق (٥): "أنه ﷺ جلد في الخمر أربعين". وورد من طريق لا تصح أنه جلد ثمانين (٦). انتهى. وهكذا ما رواه أبو داود (٧) من حديث عبد الرحمن بن أزهر أنه ﷺ أمر بجلد الشارب أربعين، فإنه قال ابن أبي حاتم في العلل (٨): سألت أبي عنه فقال:

стр. 6518

لم يسمعه الزهري عن عبد الرحمن بل عن عقيل بن خالد عنه ولو صح لكان من جملة الأنواع التي يجوز فعلها، لا أنه هو المتعين لمعارضة غيره له على أنه قد رواه الشافعي (١) عن عبد الرحمن المذكور بلفظ: "أتي رسول الله ﷺ بشارب فقال: اضربوه، فضربوه بالأيدي والنعال". ومن ذلك حديث أبي سعيد عند الترمذي (٢) وقال: حسن؛ "أن رسول الله ﷺ ضرب في الخمر بنعلين أربعين" وسيأتي (٣). ومما يؤيد عدم ثبوت مقدار معين عنه ﷺ طلب عمر للمشورة من الصحابة، فأشاروا عليه بآرائهم، ولو كان قد ثبت تقديره عنه ﷺ لما جهله جميع أكابر الصحابة. ٧/ ٣١٦٧ - (وعَنْ عَليِّ بْنِ أبي طَالِبٍ قالَ: ما كُنْتُ لأُقِيمَ حدًّا على أحَدٍ فَيَمُوت وأجِدُ في نَفسي مِنهُ شَيئًا إلَّا صاحِبَ الخَمْرِ، فإِنَّهُ لَوْ ماتَ وَدَيْتُهُ، وذلِكَ أَن رَسُولَ الله ﷺ لمْ يَسُنَّهْ. متَّفَقٌ عَليهِ (٤). [صحيح] وهْوَ لأبي داوُد (٥) وابْنِ مَاجَهْ (٦) وقالَا فيهِ: لَمْ يُسِنَّ فيهِ شيئًا إنَّمَا قلْنَاهُ نَحْنُ. [صحيح]

стр. 6519

قلْتُ: ومَعْنَى لمْ يَسُنَّهُ يعْنِي لمْ يُقَدِّرْهُ ويُوَقِّتْهُ بَلَفْظِهِ ونُطْقِهِ). ٨/ ٣١٦٨ - (وعَنْ أَبِي سعِيدٍ قالَ: جُلِدَ على عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ في الخَمْرِ بِنَعْلَيْنِ أَرْبَعِينَ، فلمَّا كانَ زَمَنُ عُمَرَ جَعَلَ بَدَلَ كُلِّ نَعْلٍ سوْطًا. رَواهُ أَحمدُ) (١). [ضعيف] ٩/ ٣١٦٩ - (وعَنْ عُبَيْدِ الله بْنِ عَدِيِّ بْنِ الخيارِ: أَنَّهُ قالَ لعُثْمانَ: قدْ أكْثَرَ النَّاسُ في الْوَليدِ، فقالَ: سَنَأْخُذُ مِنهُ بالحَقِّ إنْ شَاءَ الله تعالى، ثمَّ دَعَا عَلِيًّا فأمَرَهُ أنْ يَجْلِدَهُ، فَجَلَدَهُ ثمانينَ. مُخْتَصَرًا مِنَ البُخاريِّ (٢). وفي روايَة له (٣): أرْبعِينَ. [صحيح] وَيَتَوَجَّهُ الجَمْعُ بيْنَهُما بِمَا رَوَاهُ أبُو جَعْفَر مُحَمَّدٌ بنُ عَليٍّ أن عليّ بْنَ أبي طالبٍ جَلَدَ الوليدَ بِسَوْطٍ لهُ طَرَفانِ. رَواهُ الشَّافعِيُّ في مُسْنَدِهِ) (٤). [موقوف بسند متقطع] ١٠/ ٣١٧٠ - (وعَنْ أبي سعِيدٍ قالَ: أُتِيَ رسُولُ الله ﷺ برَجُلٍ نَشوَانَ، فقالَ: إني لَمْ أَشْرَبْ خَمْرًا، إنَّمَا شَرِبْتُ زَبيبًا وتَمْرًا في دُبَّاءَةٍ، [قالَ] (٥): فأمَرَ بهِ فَنُهِزَ بالأيْدي وخُفِقَ بالنِّعالِ، ونَهى عَنِ الدُّبَّاء، ونهى عَن الزَّبيبِ والتَّمْرِ، يَعْني أَنْ يُخْلَطا. رواهُ أَحمدُ) (٦). [إسناده صحيح] ١١/ ٣١٧١ - (وعنِ السائِبِ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ عَليهمْ، فقالَ: إنِّي وجَدْتُ

стр. 6520

مِنْ فلَانٍ ريحَ شَرَابٍ، فَزَعَمَ أَنَّهُ شَرِبَ الطِّلأَ، وإنِّي سَائِلٌ عَمَا شَرِبَ، فإنْ كانَ مُسْكِرًا جلَدْتُهُ، فَجلَدَهُ عُمَرُ الحَدَّ تامًّا. رواه النَّسائيُّ (١) والدَّارَقُطْنِيُّ) (٢). [إسناده صحيح] ١٢/ ٣١٧٢ - (وعَنْ عليٍّ في شارب الخَمْرِ قالَ: إنَّهُ إذَا شرِبَ سَكِرَ، وإذَا سَكَرَ هَذى، وإذَا هَذَى افْتَرى، وعلى المُفْتَري ثمانُون جلْدَةً. رواهُ الدَّارقطنيُّ (٣). [ضعيف] ومالكٌ بمَعْناهُ) (٤). [موقوف ضعيف] ١٣/ ٣١٧٣ - (وعَن ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّهُ سُئلَ عَنْ حَدِّ العَبدِ في الخَمْرِ فقالَ: بَلَغنِي أنّ عَليهِ نِصْفَ حَدِّ الحُرِّ في الخَمْر وأَن عُمَرَ وعُثمانَ وعَبدَ الله بْنَ عُمرَ جلَدُوا عَبيدَهُمْ نِصفَ الحَدِّ في الخَمرِ. رواهُ مالكٌ في المُوطَّإِ) (٥). [موقوف ضعيف] حديث أبي سعيد الأول أخرجه الترمذي (٦) وحسنه، قال (٧): وفي الباب عن

стр. 6521

علي، وعبد الرحمن بن أزهر، وأبي هريرة، والسائب، وابن عباس، وعقبة بن الحارث. انتهى. وأثر أبي جعفر محمد بن علي فيه انقطاع (١). وحديث أبي سعيد الثاني أصله في صحيح مسلم (٢). وأخرج الشيخان (٣) عن جابر: "أن رسول الله ﷺ نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعًا، وأن ينبذ الرطب والبسر جميعًا". وأخرج نحوه مسلم عن أبي هريرة (٤)، وابن عمر (٥)، وابن عباس (٦)، واتفقا (٧) عليه من حديث أبي قتادة بلفظ: "نهى رسول الله ﷺ أن يجمع بين التمر والزهو، والتمر والزبيب، ولينبذ كل منهما على حدة، والنهي عن الانتباذ في الدباء". أخرجه مسلم (٨) من حديث أبي هريرة: "أن النبي ﷺ قال لوفد عبد القيس: أنهاكم عن الدباء والحنتم والنقير والمقيَّر". وأخرج نحوه الشيخان (٩) من حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس. ولهما (١٠) أيضًا عن أنس: نهى عن الدباء والمزفت. وللبخاري (١١) عن ابن أبي أوفى: "نهى عن المزفت والحنتم والنقير". ولهما (١٢) عن علي في النهي عن الدباء والمزفت.

стр. 6522

ولعائشة عند مسلم (١): "نهى وفد عبد القيس أن ينتبذوا في الدباء والنقير والمزفت والحنتم". انتهى. والدُّباء (٢): هو القرع، والحنتم (٣): هو الجِرَارُ الخضر، والنقير (٤): هو أصلُ الجذع ينقر، ويتخذ منه الإناء، والمزفت (٥): هو المطلي بالزفت، والمقيَّر (٦): المطلي بالقار. وأثر عمر رواه النسائي (٧) من طريق الحارث بن مسكين، وهو ثقةٌ عن ابن القاسم، يعني: عبد الرحمن صاحب مالك، وهو ثقة أيضًا، عن مالك عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد عن عمر، والسائب له صحبة. وأثر علي الآخر أخرجه أيضًا الشافعي (٨) وهو من طريق ثور بن زيد الديلي، ولكنه منقطع، لأن ثورًا لم يلحق عمر بلا خلاف، ووصله النسائي (٩) والحاكم (١٠) فروياه عن ثور عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه عبد الرزاق (١١) عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة، ولم يذكر ابن عباس، وقد أعِلَّ هذا بما تقدم في أول الباب: أن عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخفُّ الحدود ثمانون، فأمر به عمر. قال في التلخيص (١٢): ولا يقال: يحتمل أن يكون عليٌّ، وعبد الرحمن أشارا بذلك جميعًا، لما ثبت في صحيح مسلم (١٣) عن علي في جلد الوليد بن

стр. 6523

عقبة أنه جلده أربعين وقال: "جلد رسول الله ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلّ سنة، وهذا أحبّ إليّ"، فلو كان هو المشير بالثمانين ما أضافها إلى عمر ولم يعمل بها لكن يمكن أن يقال: إنه قال لعمر باجتهاد ثم تغيَّر اجتهاده. ولهذا الأثر طرق: (منها) ما تقدم، و (منها) ما أخرجه الطبري (١) والطحاوي (٢) والبيهقي (٣) وفيه: "أن رجلًا من بني كلب يقال له: ابن وبرة، أخبره أن خالد بن الوليد بعثه إلى عمر وقال له: إن الناس قد انهمكوا في الخمر واستخفوا العقوبة، فقال عمر لمن حوله: ما ترون؟ فقال علي فذكر مثل ما تقدم". وأخرج نحوه عبد الرزاق (٤) عن عكرمة. وأخرج ابن أبي شيبة (٥) عن أبي عبد الرحمن السُّلميِّ عن عليٍّ قال: "شرب نفرٌ من أهل الشام الخمر وتأوَّلوا الآية الكريمة، فاستشار فيهم، فقلت: أرى أن تستتيبهم؛ فإن تابوا ضربتهم ثمانين، وإلا ضربت أعناقهم لأنهم استحلوا ما حرم، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين". وأثر ابن شهاب فيه انقطاع لأنه لم يدرك عمر ولا عثمان. قوله: (فإنه لو مات وَدَيْتُهُ) في هذا الحديث دليل على أنَّه إذا مات رجلٌ بحد من الحدود لم يلزم الإمام ولا نائبه الأرش، ولا القصاص إلا حدَّ الشُّرب. وقد اختلف أهل العلم في ذلك. فذهب الشافعي (٦) وأحمد بن حنبل (٧) والهادي (٨) والقاسم (٨) والناصر (٨) وأبو يوسف (٩) ومحمد (٩) إلى أنه لا شيء فيمن مات بحدٍّ أو قِصاصٍ مطلقًا من غير فرق بين حد الشرب وغيره.

стр. 6524

وقد حكى النووي (١) الإجماع على ذلك، وفيه نظر، فإنه قد قال أبو حنيفة (٢) وابن أبي ليلى: إنها تجب الدية على العاقلة، كما حكاه في البحر (٣). وأجابا: بأنَّ عليًا لم يرفع هذه المقالة إلى النبي ﷺ ، بل أخرجها مخرج الاجتهاد. وكذلك يجاب عن رواية عبيد بن عمير: "أنَّ عليًا وعمر قالا: من مات من حدِّ أو قِصاصٍ فلا دية له، الحقُّ قَتَلَهُ"، ورواه بنحوه ابن المنذر (٤) عن أبي بكر. واحتجَّا بأن اجتهاد بعض الصحابة لا يجوز به إهدار دم امرئٍ مُسلم مجمعٍ على أنه لا يهدر. وقد أجيب عن هذا: بأن الهدر ما ذهب بلا مقابل له، ودَم المحدود مقابل للذنب. ورد: بأنَّ المقابل للذنب عقوبة لا تفضي إلى القتل. وتعقب هذا الردُّ: بأنه تسبب بالذنب إلى ما يفضي إلى القتل في بعض الأحوال، فلا ضمان. وأما من مات بتعزير فذهب الجمهور (٥) إلى أنه يضمنه الإمام. وذهبت الهادوية (٦) إلى أنه لا شيء فيه كالحد. وحكى النووي (٧) عن الجمهور من العلماء أنه لا ضمان فيمن مات بتعزير لا على الإمام، ولا على عاقلته، ولا في بيت المال.

стр. 6525

وحُكي عن الشافعي (١): أنه يضمنه الإمام ويكون على عاقلته. قوله: (لم يسنه) قد قدمنا الجمع بين هذا وبين روايته السابقة: "أن النبي ﷺ جلد أربعين". قوله: (فجلده ثمانين)، هذا يخالف ما تقدم في أول الباب أن عليًا أمر بجلده أربعين، وظاهر هذه الرواية أنه جلده بنفسه وأن جملة الجلد ثمانون. وقد جمع المصنف بين الروايتين بما ذكره من رواية أبي جعفر، ولا بدَّ من الجمع بمثل ذلك؛ لأنَّ حمل ذلك على تعدد الواقعة بعيدٌ جدًّا، فإن المحدود في القصتين واحدٌ، وهو الوليد بن عقبة، وكان ذلك بين يدي عثمان في حضرة عليّ. قوله: (نشوان) بفتح النون وسكون الشين. قال في القاموس (٢): رجلٌ نشوان، ونشيان: سكران بَيِّنُ النشوة. انتهى. قوله: (في دُبَّاءة) (٣) بضم الدال، وتشديد الباء الموحدة: واحدة الدُّباء، وهي: الآنية التي تتخذ منه. قوله: (نُهِزَ) بضم النون وكسر الهاء بعدها زايٌ: وهو الدفع باليد، قال في القاموس (٤): نهزه، كمنعه: ضربه ودفعه. قوله: (ونهى عن الزبيب والتمر) يعني: أنْ يُخلطا فيه دليل على أنه لا يجوز الجمع بين الزبيب والتمر وجعلهما نبيذًا، وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب الأشربة إن شاء الله [تعالى] (٥). قوله: (فزعم أنَّه شرب الطِّلاء) هي: الخمرة اللذيذة على ما في القاموس (٦). قوله: (إذا شرب سكر … إلخ)، اعلم أن معنى هذا الأثر لا يتمُّ إلا بعد تسليم أنَّ كلَّ شارب [خمرٍ] (٧) يهذي بما هو افتراء، وأنَّ كلَّ مفترٍ يجلد ثمانين

стр. 6526

جلدة، والكلُّ ممنوعٌ، فإن الهذيان إذا كان ملازمًا للسكر، فلا يلازمه الافتراء، لأنَّه نوع خاصٌ من أنواع ما يهذو به الإنسان، والجلد إنما يلزم من افترى افتراءً خاصًّا، وهو القذف لا كلَّ مفتر، وهذا مما لا خلاف فيه، فكيف صحَّ مثل هذا القياس؟! فإن قال قائل: إنه من باب الإخراج للكلام على الغالب؛ فذلك أيضًا ممنوع، فإن أنواع الهذيان بالنسبة إلى الافتراء، وأنواع الافتراء بالنسبة إلى القذف هي الغالبة بلا ريب. وقد تقرر في علم المعاني أنَّ أصل (إذا) (١) الجزمُ بوقوع الشرط، ومثل هذا الأمر النادر مما يبعد الجزم بوقوعه، باعتبار كثرة الأفراد المشاركة له في ذلك الاسم وغلبتها، وللقياس شروط مدونة في الأصول (٢) لا تنطبق على مثل هذا الكلام. ولكن مثلُ أمير المؤمنينَ وَمَنْ بحضرته من الصحابة الأكابر هم أصل الخبرة بالأحكام الشرعية ومداركها. قوله: (بلغني أنَّ عليه نصف حدِّ الحرِّ) قد ذهب إلى التنصيف للعبد في حد الزنا والقذف والشرب الأكثر من أهل العلم (٣). وذهب ابن مسعود (٤)، والليث،

стр. 6527

والزهري (١)، وعمر بن عبد العزيز، إلى أنه يستوي الحر والعبد في ذلك لعموم الأدلة. ويجاب: بأن القرآن مصرّح في حد الزنا بالتنصيف. قال الله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢)، ويلحق بالإماء العبيد، ويلحق بحد الزنا سائر الحدود، وهذا قياس صحيح لا يختلف في صحته من أثبت العمل بالقياس. [الباب الثاني] باب ما وَرَدَ في قَتْلِ الشَّارِبِ في الرَّابِعَةِ وبيانِ نَسْخِهِ ١٤/ ٣١٧٤ - (عَنْ عَبدِ الله بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فاجْلِدُوهُ، فإنْ عَادَ فاجْلِدُوهُ، فإنْ عادَ فاجْلِدُوهُ، فإنْ عادَ فاقْتُلُوهُ". - قالَ عَبدُ الله: ائتُونِي بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الخَمْرَ في الرَّابِعَةِ فَلَكُمْ عليَّ أَنْ أَقْتُلَه. رَواهُ أَحمدُ) (٣). [صحيح لغيره]

стр. 6528

١٥/ ٣١٧٥ - (وعَنْ مُعاوِيَةَ أن نبيَّ الله ﷺ قالَ: "إذَا شَرِبوا الخَمْرَ فَاجْلِدُوهُمْ، ثمَّ إذَا شَرِبوا فاجْلِدُوهُمْ، ثمَّ إذَا شَرِبُوا الرَّابعَةَ فاقْتُلُوهُمْ" رواهُ الخمْسَةُ إلَّا النَسَائيَّ (١). [صحيح] قالَ التِّرْمِذِيُّ: إنّما كانَ هذَا في أَوَّلِ الأمْر ثمّ نُسِخَ بَعدُ، هكذَا رَوى محمَّدُ بنُ إسْحَاقَ عَنْ محمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جابر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إنْ شَرِبَ الخَمْرَ فاجِلدُوهُ، فإنْ عادَ الرَّابِعةَ فاقْتُلُوهُ"، قال: ثمَّ أتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بَعدَ ذلِكَ بِرَجُلٍ قدْ شَرِبَ في الرَّابِعَةِ فضَرَبَهُ ولمْ يَقْتلهُ) (٢). ١٦/ ٣١٧٦ - (وَعَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤْيبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فاجْلِدُوهُ، فإِنْ عادَ فاجْلِدُوهُ، فإِنْ عادَ في الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابعةِ فاقتُلُوهُ"، فأتِي برَجُل قدْ شَرِبَ فجَلَدَهُ، ثمَّ أتِيَ بِهِ فجلَدَهُ، ثمَّ أتِيَ بهِ فجلَدَهُ، ثم أتِيَ بهِ فجلَدَهُ وَرُفِعَ الْقَتْلُ وكانَتْ رُخْصَة. رواهُ أَبو دَاوُدَ (٣) وذكَرَهُ

стр. 6529

التِّرْمِذِيُّ (١) بمَعْناهُ). [ضعيف مرسل] ١٧/ ٣١٧٧ - (وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنْ سَكِرَ فاجلِدُوهُ، ثمَّ إنْ سَكِرَ فاجلدُوهُ، فإِنَّ عادَ في الرَّابِعَةِ فاضْرِبُوا عُنُقَهُ". رَوَاهُ الخَمْسة إلا التِّرْمِذِيَّ (٢). [صحيح لغيره] وَزَادَ أَحمدُ: قالَ الزُّهْريُّ: فأُتِيَ رسُولُ الله ﷺ بِسَكْرَانَ في الرَّابِعَةِ فخلَّى سَبِيلَهُ). [إسناده ضعيف] حديث ابن عمرو أخرجه أيضًا الحارث بن أبي أسامة في مسنده من طريق الحسن البصري، ورواه من طريق ابن حزم، والحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو فهو منقطع، وقد جزم بعدم سماعه منه ابن المديني وغيره (٣)، ووقع في نسخة من هذا الكتاب (عبد الله بن عمر) بدون واو، والصواب إثباتها

стр. 6530

وحديث معاوية قال البخاري (١): هو أصحُّ ما في هذا الباب. وأخرجه أيضًا الشافعي (٢)، والدارمي (٣)، وابن المنذر (١). وابن حبان وصححه (٤) من حديث أبي هريرة. وأخرجه ابن أبي شيبة من رواية أبي سعيد والمحفوظ أنه عن معاوية. وأخرجه أبو داود (٥) من رواية أبان العطار، وفيه: "فإن شربوا، يعني بعد الرابعة فاقتلوهم". ورواه أيضًا أبو داود (٦) من حديث ابن عمر، وقال: وأحسبه قال في الخامسة: "ثم إن شربها فاقتلوه". [قال] (٧): وكذا في حديث غطيف: في الخامسة. وحديث جابر أخرجه أيضًا النسائي (٨). وحديث قبيصة بن ذؤيب أخرجه أيضًا الشافعي (٩) وعبد الرزاق (١٠) وعلَّقه الترمذي (١١). وأخرجه أيضًا الخطيب (١٢) عن ابن إسحاق، عن الزهري عن قبيصة، قال سفيان بن عيينة: حدَّث الزهري بهذا، وعنده منصور بن المعتمر، ومخول بن راشد فقال لهما: كونا وافدي أهل العراق بهذا الحديث.

стр. 6531

وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة، ولد عام الفتح. وقيل: إنه ولد أول سنة من الهجرة، ولم يذكر له سماع من رسول الله ﷺ ، وعده الأئمة من التابعين، وذكروا أنه سمع الصحابة (١). قال المنذري (٢): وإذا ثبت أن مولده أول سنة من الهجرة، أمكن أن يكون سمع من [رسول الله] (٣) ﷺ . وقد قيل: إنه أتي به النبي ﷺ وهو غلام يدعو له، وذكر عن الزهري أنَّه كان إذا ذكر قبيصة بن ذؤيب قال: كان من علماء هذه الأمة، وأما أبوه ذؤيب بن حلحلة فله صحبة. انتهى. ورجال الحديث مع إرساله ثقات. وأعلَّه الطحاوي (٤) بما أخرجه من طريق الأوزاعيِّ أن الزهري راويه قال: بلغني عن قبيصة، ولم يذكر أنه سمع منه، وعورض بأنه رواه ابن وهب عن يونس قال: أخبرني الزهري أن قبيصة حدثه أنه بلغ عن النبي ﷺ ، ويونس أحفظ لحديث الزهري من الأوزاعي، وأخرج عبد الرزاق (٥) عن ابن المنكدر مثله. وأما حديث أبي هريرة فقد قدمنا من أخرجه ومن صححه. وفي الباب عن الشريد بن أوس الثقفي عند أحمد (٦) والأربعة (٧) والدارمي (٨)، والطبراني (٩)، وصححه الحاكم (١٠).

стр. 6532

وعن شرحبيل الكندي عند أحمد (١)، والطبراني (٢)، وابن منده ورجاله ثقات. وعن أبي الرمداء - براء مهملة مفتوحة وميم ساكنة ودال مهملة - وبالمد عند الطبراني (٣)، وابن منده، وفي إسناده ابن لهيعة وفيه: "أن النبي ﷺ أمر بضرب عنقه وأنه ضرب عنقه"، فإن ثبت هذا كان فيه رد على من يقول: إن النبي ﷺ لم يعمل به (٤). وقد اختلف العلماء: هل يقتل الشارب بعد الرابعة أو لا؟ فذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه يقتل ونصره ابن حزم (٥)، واحتجَّ له، ودفع دعوى الإجماع على عدم القتل، وهذا هو ظاهر ما في الباب عن ابن عمرو.

стр. 6533

وذهب الجمهور (١) إلى أنَّه لا يقتل الشارب، وأن القتل منسوخٌ. قال الشافعي (٢): والقتل منسوخٌ بهذا الحديث وغيره - يعني: حديث قبيصة بن ذؤيب (٣) - ثم ذكر أنه لا خلاف في ذلك بين أهل العلم. وقال الخطابي (٤): قد يرد الأمر بالوعيد ولا يرادُ بهِ الفعلُ، وإنما يقصد به الردع والتحذير. وقد يحتمل أن يكون القتل في الخامسة واجبًا ثم نسخ بحصول الإجماع من الأمة على أنه لا يقتل. انتهى. وحكى المنذري (٥): عن بعض أهل العلم أنه قال: أجمع المسلمون على وجوب الحدِّ في الخمر. وأجمعوا على أنه لا يقتل إذا تكرر منه إلا طائفة شاذة قالت: يقتل بعد حدّه أربع مرات للحديث وهو عند الكافة منسوخ. اهـ. وقال الترمذي (٦): أنه لا يعلم في ذلك اختلافًا بين أهل العلم في القديم والحديث، وذكر أيضًا في آخر كتابه الجامع في "العلل" (٧) أن جميع ما فيه معمول به عند البعض من أهل العلم إلا حديث: "إذا سكر فاجلدوه" (٨) المذكور في الباب. وحديث الجمع بين الصلاتين (٩). وقد احتج من أثبت القتل بأن حديث معاوية (١٠) المذكور متأخر عن الأحاديث القاضية بعدم القتل، لأن إسلام معاوية متأخر.

стр. 6534

وأجيب عن ذلك بأن تأخر إسلام الراوي لا يستلزم تأخر المروي لجواز أن يروي ذلك عن غيره من الصحابة المتقدم إسلامهم على إسلامه. وأيضًا قد أخرج الخطيب في "المبهمات" (١) عن ابن إسحاق عن الزهري عن قبيصة أنه قال في حديثه السابق: "فأتي برجل من الأنصار يقال له: نعيمان، فضربه أربع مرات، فرأى المسلمون أن القتل قد أخّر". وأخرج عبد الرزاق (٢) عن معمر عن سهيل وفيه قال: فحدثت به ابن المنكدر فقال: قد ترك ذلك. "وقد أتي رسول الله ﷺ بابن النعيمان فجلده ثلاثًا ثم أتي به الرابعة فجلده ولم يزد". وقصة النعيمان أو ابن النعيمان كانت بعد الفتح؛ لأن عقبة بن الحارث حضرها فهي إما بحنين وإما بالمدينة، ومعاوية أسلم قبل الفتح أو في الفتح على الخلاف وحضور عقبة كان بعد الفتح. [الباب الثالث] بابُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُ سُكْرٌ أَوْ رِيحُ خَمْرٍ وَلَمْ يَعْتَرِفْ ١٨/ ٣١٧٨ - (عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَقِتْ في الخَمْرِ حَدًا. وقالَ ابْنُ عبَّاسٍ: شَرِبَ رَجُلٌ فَسَكِرَ، فَلُقِيَ يَمِيلُ في الْفَجِّ، فانْطُلِقَ بهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فلمَّا حاذَى بِدَارِ العَبَّاسِ انْفَلَتَ فَدَخَلَ على الْعَبَّاسِ فالْتَزَمَهُ، فذُكِرَ ذلِكَ للنَّبِيِّ ﷺ فَضَحِكَ وقالَ: "أفَعَلَها؟ " وَلمْ يأمُرْ فِيهِ بِشيْءٍ. روَاهُ أَحمدُ (٣) وَأَبُو داوُد (٤) وقالَ: هَذا مِمَّا تَفَرَّدَ بهِ أَهلُ المَدِينَةِ). [ضعيف] ١٩/ ٣١٧٩ - (وعَنْ علْقَمةَ قالَ: كُنْتُ بِحِمْصَ، فَقَرأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ

стр. 6535

يُوسُفَ، فقالَ رَجُلٌ: ما هَكَذَا أُنْزِلَتْ، فقالَ عَبدُ الله: والله لَقَرَأتُها على رسُولِ الله ﷺ فقالَ: "أَحْسَنْتَ"، فبَيْنَما هُوَ يُكَلِّمهُ إذْ وَجَدَ مِنهُ ريحَ الخَمْرِ، فقالَ: أَتَشْرَبُ الخَمْرَ وتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ؟ فَضَرَبَهُ الحَدِّ. متَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] حديث ابن عباس أخرجه أيضًا النسائي (٢) وقوى الحافظ إسناده. قوله: (لم يَقِتْ) (٣) من التوقيت، أي: لم يقدره بقدر، ولا حدَّه بحدٍّ. وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن حد السكر غير واجب، وإنه غير مقدر، وإنما هو تعزير فقط كما تقدم. وأجيب عن هذا بأنه قد وقع الإجماع من الصحابة على وجوبه. وحديث ابن عباس المذكور قد قيل: إنه كان قبل أن يشرع الجلد ثم شرع الجلد، والأولى أن يقال: إن النبي ﷺ إنما لم يقم على ذلك الرجل الحدّ لكونه لم يقرَّ لديه، ولا قامت عليه بذلك الشهادة عنده، وعلى هذا بوَّب المصنف، فيكون في ذلك دليل على أنه لا يجب على الإمام أن يقيم الحدَّ على شخص بمجرّد إخبار الناس [له] (٤) أنَّهُ فعلَ ما يوجبُهُ، ولا يلزمه البحث بعد ذلك لما قدمنا من مشروعية الستر، وأولوية ما يدرأ الحدَّ على ما يوجبه. وأثر ابن مسعود (٥) المذكور فيه متمسكٌ لمن يُجَوّز للإمام، والحاكم، ومن صلح أن يقيم الحدود إذا علم بذلك، وإن لم يقع من فاعل ما يوجبها إقرارٌ، ولا قامت عليه البينةُ به.

стр. 6536

وقد خالف في أصل حكم الحاكم بما علم مطلقًا شريح (١) والشعبي (١) وابن أبي ليلى (٢) والأوزاعي (٢) ومالك (٣) وأحمد (٤) وإسحاق (٥) والشافعي (٦) في قول له، فقالوا: لا يجوز له أن يقضي بما علم مطلقًا. وقال الناصر (٧) والمؤيد بالله (٧) في قول له، والشافعي (٨) في قول له أيضًا: إنه يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في كل شيء من غير فرق بين الحدّ وغيره. وذهبت العترة (٩) إلى أن يحكم بعلمه في الأموال دون الحدود إلا في حدِّ القذف، فإنَّه يحكم فيه بعلمه. ويدلُّ على ذلك ما أخرجه البخاري (١٠) تعليقًا: "أن عمر قال لعبد الرحمن: لو رأيتُ رجلًا على حدٍّ؟ أفقال، (١١): أرى شهادتك شهادة رجل من المسلمين، قال: أصبت". ووصله البيهقي (١٢)، ويؤيده حديث: "لو كنتُ راجمًا أحدًا بغيرِ بينة لرجمتها" (١٣). في قصة الملاعنة. وقد تقدم، فإن ذلك يدل على أن النبي ﷺ قد علم زناها. [الباب الرابع] بابُ ما جاءَ في قَدْرِ التعزيرِ والحَبْسِ في التُّهَمِ ٢٠/ ٣١٨٠ - (عَنْ أَبي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عشْرَةِ أَسْواطٍ إلا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله تعالى". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلَّا النَّسائيَّ) (١٤). [صحيح]

стр. 6537

٢١/ ٣١٨١ - (وعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جدَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا في تُهْمَةٍ ثمَّ خَلى عَنْهُ. رَوَاهُ الخَمْسةُ إلَّا ابْنَ ماجهْ) (١) [حسن] حديث أبي بردة مع كونه متفقًا عليه قد تكلم في إسناده ابن المنذر (٢) والأصيلي (٣) من جهة الاختلاف فيه. وقال البيهقي (٤): قد أقام عمرو بن الحارث إسناده فلا يضرُّه تقصير من قصَّر فيه. وقال الغزالي (٥): صححه بعض الأئمة، وتعقبه الرافعي في التذنيب (٦) فقال: أراد بقوله بعض الأئمة صاحب التقريب. ولكن الحديث أظهر من أن تضاف صحته إلى فرد من الأئمة فقد صححه البخاري ومسلم.

стр. 6538

وحديث بهز بن حكيم حسنه الترمذي (١). وقال الحاكم (٢): صحيح الإسناد، ثم أخرج (٣) له شاهدًا من حديث أبي هريرة، وفيه: "أن النبي ﷺ حبس في تهمة يومًا وليلة". وقد تقدم الاختلاف في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. قوله: (لا يجلد) روي بفتح الياء في أوله وكسر اللام. وروي أيضًا بضم الياء وفتح اللام. وروي بصيغة النهي مجزومًا وبصيغة النفي مرفوعًا. قوله: (فوق عشرة أسواط) في رواية: "فوق عشر ضربات" (٤). قوله: (إلا في حد) المراد به ما ورد عن الشارع مقدَّرًا بعدد مخصوص كحد الزنا والقذف ونحوهما. وقيل: المراد بالحد هنا عقوبة المعصية مطلقًا لا الأشياء المخصوصة، فإنَّ ذلك التخصيص إنما هو من اصطلاح الفقهاء، وعُرفُ الشرع إطلاق الحدِّ على كلِّ عقوبةٍ لمعصيةٍ من المعاصي كبيرةٍ أو صغيرة. ونسب ابن دقيق العيد (٥) هذه المقالة إلى بعض المعاصرين له (٦)، وإليها

стр. 6539

ذهب ابن القيم (١)، وقال: المراد بالنهي المذكور في التأديب للمصالح كتأديب الأب ابنه الصغير. واعترض على ذلك بأنه قد ظهر أن الشارع يطلق الحدود على العقوبات المخصوصة. ويؤيد ذلك قول عبد الرحمن بن عوف (٢): إن أخف الحدود ثمانون كما تقدم في كتاب حد شارب الخمر. وقد ذهب إلى العمل بحديث الباب جماعة من أهل العلم منهم: الليث (٣) وأحمد (٤) في المشهور عنه وإسحاق (٥) وبعض الشافعية (٦). وذهب أبو حنيفة (٧)، والشافعي (٨)، وزيد بن علي، والمؤيد بالله (٩) والإمام يحيى (٩) إلى جواز الزيادة على عشرة أسواط ولكن لا يبلغ إلى أدنى الحدود. وذهب الهادي (١٠)، والقاسم (١٠)، والناصر (١٠)، وأبو طالب (١٠)، إلى أنَّه يكون في كلِّ موجبٍ للتعزير دون حدّ جنسه، وإلى مثل ذلك ذهب الأوزاعي (١١)، وهو مروي عن محمد بن الحسن الشيباني (١٢). وقال أبو يوسف (١٣): إنه ما يراه الحاكم بالغًا ما بلغ.
следующие страницы →