← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6535–6574 · переход к 6540.

стр. 6535

يُوسُفَ، فقالَ رَجُلٌ: ما هَكَذَا أُنْزِلَتْ، فقالَ عَبدُ الله: والله لَقَرَأتُها على رسُولِ الله ﷺ فقالَ: "أَحْسَنْتَ"، فبَيْنَما هُوَ يُكَلِّمهُ إذْ وَجَدَ مِنهُ ريحَ الخَمْرِ، فقالَ: أَتَشْرَبُ الخَمْرَ وتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ؟ فَضَرَبَهُ الحَدِّ. متَّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] حديث ابن عباس أخرجه أيضًا النسائي (٢) وقوى الحافظ إسناده. قوله: (لم يَقِتْ) (٣) من التوقيت، أي: لم يقدره بقدر، ولا حدَّه بحدٍّ. وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن حد السكر غير واجب، وإنه غير مقدر، وإنما هو تعزير فقط كما تقدم. وأجيب عن هذا بأنه قد وقع الإجماع من الصحابة على وجوبه. وحديث ابن عباس المذكور قد قيل: إنه كان قبل أن يشرع الجلد ثم شرع الجلد، والأولى أن يقال: إن النبي ﷺ إنما لم يقم على ذلك الرجل الحدّ لكونه لم يقرَّ لديه، ولا قامت عليه بذلك الشهادة عنده، وعلى هذا بوَّب المصنف، فيكون في ذلك دليل على أنه لا يجب على الإمام أن يقيم الحدَّ على شخص بمجرّد إخبار الناس [له] (٤) أنَّهُ فعلَ ما يوجبُهُ، ولا يلزمه البحث بعد ذلك لما قدمنا من مشروعية الستر، وأولوية ما يدرأ الحدَّ على ما يوجبه. وأثر ابن مسعود (٥) المذكور فيه متمسكٌ لمن يُجَوّز للإمام، والحاكم، ومن صلح أن يقيم الحدود إذا علم بذلك، وإن لم يقع من فاعل ما يوجبها إقرارٌ، ولا قامت عليه البينةُ به.

стр. 6536

وقد خالف في أصل حكم الحاكم بما علم مطلقًا شريح (١) والشعبي (١) وابن أبي ليلى (٢) والأوزاعي (٢) ومالك (٣) وأحمد (٤) وإسحاق (٥) والشافعي (٦) في قول له، فقالوا: لا يجوز له أن يقضي بما علم مطلقًا. وقال الناصر (٧) والمؤيد بالله (٧) في قول له، والشافعي (٨) في قول له أيضًا: إنه يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في كل شيء من غير فرق بين الحدّ وغيره. وذهبت العترة (٩) إلى أن يحكم بعلمه في الأموال دون الحدود إلا في حدِّ القذف، فإنَّه يحكم فيه بعلمه. ويدلُّ على ذلك ما أخرجه البخاري (١٠) تعليقًا: "أن عمر قال لعبد الرحمن: لو رأيتُ رجلًا على حدٍّ؟ أفقال، (١١): أرى شهادتك شهادة رجل من المسلمين، قال: أصبت". ووصله البيهقي (١٢)، ويؤيده حديث: "لو كنتُ راجمًا أحدًا بغيرِ بينة لرجمتها" (١٣). في قصة الملاعنة. وقد تقدم، فإن ذلك يدل على أن النبي ﷺ قد علم زناها. [الباب الرابع] بابُ ما جاءَ في قَدْرِ التعزيرِ والحَبْسِ في التُّهَمِ ٢٠/ ٣١٨٠ - (عَنْ أَبي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عشْرَةِ أَسْواطٍ إلا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ الله تعالى". رَوَاهُ الجَمَاعَةُ إلَّا النَّسائيَّ) (١٤). [صحيح]

стр. 6537

٢١/ ٣١٨١ - (وعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبيهِ عَنْ جدَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَبَسَ رَجُلًا في تُهْمَةٍ ثمَّ خَلى عَنْهُ. رَوَاهُ الخَمْسةُ إلَّا ابْنَ ماجهْ) (١) [حسن] حديث أبي بردة مع كونه متفقًا عليه قد تكلم في إسناده ابن المنذر (٢) والأصيلي (٣) من جهة الاختلاف فيه. وقال البيهقي (٤): قد أقام عمرو بن الحارث إسناده فلا يضرُّه تقصير من قصَّر فيه. وقال الغزالي (٥): صححه بعض الأئمة، وتعقبه الرافعي في التذنيب (٦) فقال: أراد بقوله بعض الأئمة صاحب التقريب. ولكن الحديث أظهر من أن تضاف صحته إلى فرد من الأئمة فقد صححه البخاري ومسلم.

стр. 6538

وحديث بهز بن حكيم حسنه الترمذي (١). وقال الحاكم (٢): صحيح الإسناد، ثم أخرج (٣) له شاهدًا من حديث أبي هريرة، وفيه: "أن النبي ﷺ حبس في تهمة يومًا وليلة". وقد تقدم الاختلاف في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده. قوله: (لا يجلد) روي بفتح الياء في أوله وكسر اللام. وروي أيضًا بضم الياء وفتح اللام. وروي بصيغة النهي مجزومًا وبصيغة النفي مرفوعًا. قوله: (فوق عشرة أسواط) في رواية: "فوق عشر ضربات" (٤). قوله: (إلا في حد) المراد به ما ورد عن الشارع مقدَّرًا بعدد مخصوص كحد الزنا والقذف ونحوهما. وقيل: المراد بالحد هنا عقوبة المعصية مطلقًا لا الأشياء المخصوصة، فإنَّ ذلك التخصيص إنما هو من اصطلاح الفقهاء، وعُرفُ الشرع إطلاق الحدِّ على كلِّ عقوبةٍ لمعصيةٍ من المعاصي كبيرةٍ أو صغيرة. ونسب ابن دقيق العيد (٥) هذه المقالة إلى بعض المعاصرين له (٦)، وإليها

стр. 6539

ذهب ابن القيم (١)، وقال: المراد بالنهي المذكور في التأديب للمصالح كتأديب الأب ابنه الصغير. واعترض على ذلك بأنه قد ظهر أن الشارع يطلق الحدود على العقوبات المخصوصة. ويؤيد ذلك قول عبد الرحمن بن عوف (٢): إن أخف الحدود ثمانون كما تقدم في كتاب حد شارب الخمر. وقد ذهب إلى العمل بحديث الباب جماعة من أهل العلم منهم: الليث (٣) وأحمد (٤) في المشهور عنه وإسحاق (٥) وبعض الشافعية (٦). وذهب أبو حنيفة (٧)، والشافعي (٨)، وزيد بن علي، والمؤيد بالله (٩) والإمام يحيى (٩) إلى جواز الزيادة على عشرة أسواط ولكن لا يبلغ إلى أدنى الحدود. وذهب الهادي (١٠)، والقاسم (١٠)، والناصر (١٠)، وأبو طالب (١٠)، إلى أنَّه يكون في كلِّ موجبٍ للتعزير دون حدّ جنسه، وإلى مثل ذلك ذهب الأوزاعي (١١)، وهو مروي عن محمد بن الحسن الشيباني (١٢). وقال أبو يوسف (١٣): إنه ما يراه الحاكم بالغًا ما بلغ.

стр. 6540

وقال مالك وابن أبي ليلى: أكثره خمسة وسبعون، هكذا حكى ذلك صاحب البحر (١)، والذي حكاه النووي (٢) عن مالك وأصحابه، وأبي ثور (٣)، وأبي يوسف (٤)، ومحمد (٤)، أنه إلى رأي الإمام بالغًا ما بلغ. وقال الرافعي (٥): الأظهر أنها تجوز الزيادة على العشرة، وإنما المراعى النقصان عن الحد. قال (٥): وأما الحديث المذكور فمنسوخ على ما ذكره بعضهم واحتج بعمل الصحابة بخلافه من غير إنكار. انتهى. وقال البيهقي (٦): عن الصحابة آثار مختلفة في مقدار التعزير وأحسن ما يصار إليه في هذا ما ثبت عن النبي ﷺ ، ثم ذكر حديث أبي بردة المذكور في الباب (٧). قال الحافظ (٨): فتبين بما نقله البيهقي عن الصحابة أن لا اتفاق على عمل في ذلك، فكيف يُدَّعَى نسخ الحديث الثابت، ويُصارُ إلى ما يخالفه من غير برهانٍ؟ وسبق إلى دعوى عمل الصحابة بخلافه الأصيليُّ وجماعة. وعمدتهم كون عمر جلد في الخمر ثمانين، وأن الحد الأصْلِيَّ أربعون، والباقية ضربها تعزيرًا، لكن حديث عليّ السابق يدل على أن عمر إنما ضرب ثمانين معتقدًا أنه الحد، وأما النسخ فلا يثبت إلا بدليل. وذكر بعضُ المتأخرين أن الحديث محمول على التأديب الصادر من غير الولاةِ كالسيد يضربُ عبدَهُ، والزوجُ يضربُ زوجته، والأب ولده. والحقُّ العمل بما دلّ عليه الحديث الصحيح المذكور في الباب (٧)، وليس لمن خالفه متمسك يصلح للمعارضة. وقد نقل القرطبي (٩) عن الجمهور أنهم قالوا بما دلّ عليه، وخالفه النووي (١٠) فنقل عن الجمهور عدم القول به، ولكن (إذا جاء نهرُ الله بطل

стр. 6541

نهرُ مَعْقِلٍ) (١)، فلا ينبغي لمنصف التعويل على قول أحد عند قول رسول الله ﷺ . دَعُوا كُلَّ قولٍ عندَ قولِ محمدٍ … فَمَا آمِنُ في دينهِ كمخَاطِرِ (٢) قوله: (في تهمة) بضم التاء، وسكون الهاء. وقد تقدم في لغةٍ، وهي فعلة من الوهم، والتاء بدل من الواو، واتهمته إذا ظننت فيه ما نسب إليه. وفيه دليل على أن الحبس كما يكون حبس عقوبة يكون حبس استظهار في غير حقٍّ، بل لينكشف به بعض ما وراءه. وقد بوّب أبو داود (٣) على هذا الحديث فقال: "باب في الحبس في الدين وغيره". وذكر معه حديث عمرو بن الشريد (٤) أن النبي ﷺ قال: "لَيُّ الواجدِ يُحِل عرضَه وعقوبَتَه". وقد تقدم (٥). وذكر أيضًا (٦) حديث الهرماس بن حبيب عن أبيه عن جده قال: "أتيت النبي ﷺ بغريم لي، فقال لي: "الزَمْهُ"، ثم قال: "يا أخا بني تميم، ما تريد أن

стр. 6542

تفعل بأسيرك؟ ". وأخرجه أيضًا ابن ماجه (١). قال في البحر (٢): مسألة: وندب اتخاذ سجن للتأديب واستيفاء الحقوق لفعل علي، وعمر، وعثمان، ولم ينكر، وكذلك الدرة والسوط لفعل عمر وعثمان. فرع: ويجب حبس (٣) من عليه الحق للإيفاء إجماعًا إن طلب، لحبسه ﷺ من أعتق شقصًا في عبد حتى غرم لشريكه قيمته، وكذلك التقييد. انتهى. والحديث الذي ذكره أخرجه البيهقي (٤) وهو منقطع. [الباب الخامس] بابُ المحاربينَ وقُطَّاعِ الطريقِ ٢٢/ ٣١٨٢ - (عَنْ قتادَةَ عَنْ أَنسٍ أَنَّ ناسًا مِنْ عُكْلٍ وعُرَيْنَةَ قَدِمُوا على النَّبِيِّ ﷺ وتَكَلَّمُوا بالإِسْلَامِ فاستَوْخَمُوا المَدِينَةَ، فأمَرَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ، وأمَرَهُمْ أَنْ يَخْرجُوا فلْيَشْرَبُوا من أَبْوَالِهَا وأَلْبَانِها، فانْطَلَقُوا حتَّى إذَا كانُوا بِنَاحِيَةِ الحَرَّةِ كَفَرُوا بَعدَ إسْلامِهِمْ وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ واسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فبلغَ ذلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فبَعَثَ الطَّلَبَ في آثارِهِمْ، فأمَرَ بِهِمْ فَسَمَّرُوا أَعْيُنَهُمْ وقَطَّعُوا أَيْدِيَهُمْ وتُرِكوا في ناحِيَةِ الحَرَّةِ حتَّى ماتُوا على حالِهِمْ. رَوَاهُ الجَمَاعَةُ (٥). [صحيح]

стр. 6543

وَزَادَ البُخاريُّ (١): قالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنَا أن النَّبِيّ ﷺ بَعْدَ ذلِكَ كانَ يَحُثُّ على الصّدَقةِ، وَينْهَى عَنِ المُثْلَةِ. وفي رِوَايةٍ لأحمدَ (٢) وَالبُخاريِّ (٣) وأبي داود (٤)، قالَ قَتَادَةُ: فحَدّثَنِي ابْنُ سِيريْنَ أَنّ ذلِكَ كانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الحُدُودُ. [صحيح] وَللْبُخَاريِّ (٥) وأبي داوُد (٦) في هذا الحدِيثِ: فأمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ وقَطّعَ أَيْدِيَهُمْ وأَرْجُلَهُمْ وَما حَسَمَهُمْ، ثمّ ألْقوا في الحَرّةِ يَسْتَسْقُونَ فمَا سُقوا حتّى ماتُوا. [صحيح] وفي روايةِ النَّسَائيِّ (٧): فقَطّعَ أَيْدِيَهُمْ وأَرْجلَهُمْ وسَمّلَ أَعْيُنَهُمْ وصَلَبَهُمْ). [صحيح دون قوله: "صلبهم"] ٢٣/ ٣١٨٣ - (وعَنْ سُلَيْمانَ التَّيْميِّ عَنْ أنسٍ قال: إنّما سَمّلَ النَّبِيُّ ﷺ أَعْيُنَ أولئكَ لأنَّهُمْ سَمّلوا أعْيُنَ الرُّعاةِ. رواهُ مُسلِمٌ (٨) والنَّسائيُّ (٩) والتِّرْمذيُّ) (١٠). [صحيح] ٢٤/ ٣١٨٤ - (وعَنْ أبي الزِّنادِ أَنَّ رسُولَ الله ﷺ لمّا قطعَ الَّذينَ سَرَقُوا

стр. 6544

لِقَاحَهُ وسَمّلَ أَعْيُنَهُمْ بالنَّار عاتبهُ الله في ذلكَ، فأنْزَلَ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ (١) الآية. رواهُ أبو داوُد (٢) والنَّسائيُّ) (٣). [ضعيف] ٢٥/ ٣١٨٥ - (وعَن ابْنِ عَبَّاسٍ في قُطّاعَ الطَّريقِ: إذَا قتَلُوا وأَخذُوا المَالَ قُتلُوا وَصُلِبُوا، وإذَا قَتَلُوا ولمْ يأْخذُوا المالَ قُتِلوا وَلَمْ يُصلَبوا، وإذا أَخَذُوا المَالَ وَلَمْ يقتُلوا قطّعَتْ أَيْدِيهمْ وأرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ، وإذا اخافُوا السَّبيلَ وَلَمْ يأخذُوا مالًا نُفوا مِنَ الأرْضِ. رَواهُ الشَّافعيُّ في مسْنَدِهِ) (٤). [موقوف ضعيف] حديث أبي الزناد مرسل - وقد سكت عنه أبو داود (٥) - ولم يذكر المنذري (٦) له علة غير إرساله، ورجال هذا المرسل رجال الصحيح. وقد وصله أبو الزناد من طريق عبد الله بن عبيد الله بن عمرو عن عمر كما في سنن أبي داود (٧) في الحدود. ويؤيده ما أخرجه أبو داود (٨) والنسائي (٩) من حديث ابن عباس: "أن ناسًا أغاروا على إبل رسول الله ﷺ وارتدُّوا عن الإسلام، وقتلوا راعي رسول الله ﷺ مؤمنًا، فبعث في آثارهم فأخذوا، فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمَّل أعينهم، قال: فنزلت فيهم آية المحاربة".

стр. 6545

وعند البخاري (١) وأبي داود (٢) عن أبي قلابة أنه قال في العُرَنيين: فهؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله، وهو يشير إلى أنهم سبب الآية. وأخرج أبو داود (٣) والنسائي (٤) عن ابن عمر أن الآية نزلت في العرنيين. وأثر ابن عباس في إسناده إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى (٥) وهو ضعيف عن صالح مولى التوأمة عن ابن عباس. وأخرجه البيهقي (٦) من طريق محمد بن سعد العوفي عن آبائه إلى ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٧) قال: إذا حارب فقتل فعليه القتل إذا ظهر عليه قبل توبته، فإذا حارب وأخذ المال وقتل فعليه الصلب. وإن لم يقتل فعليه قطع اليد والرجل من خلاف. وإذا حارب وأخاف السبيل فإنما عليه النفي ". ورواه أحمد بن حنبل في "تفسيره" عن أبي معاوية عن عطية به نحوه. وأخرج أبو داود (٨) والنسائي (٩) بإسناد حسن عن ابن عباس أنه قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ إلى ﴿غَفُورٌ

стр. 6546

رَحِيمٌ﴾ (١)، نزلت هذه الآية في المشركين فمن تاب منهم قبل أن يقدروا عليه لم يمنعه ذلك أن يقام [عليه] (٢) الحد الذي أصابه، وفي إسناده عليّ بن الحسين بن واقد وفيه مقال (٣). قوله: (من عكل وعرينة) في رواية للبخاري (٤): "من عكل أو عرينة" بالشكِّ، ورواية الكتاب هي [الصواب] (٥) كما قال الحافظ (٦). ويؤيدها ما رواه أبو عوانة (٧) والطبري (٨) من طريق سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس قال: "كانوا أربعة من عرينة وثلاثة من عكل". وزعم الداودي (٩) وابن التين (٩) أن عرينة هم عكل وهو غلط، بل هما قبيلتان متغايرتان، فعكل من عدنان، وعرينة من قحطان. وعُكل بضم العين المهملة وإسكان الكاف، قبيلة من تيم الرباب. وعُرينة بالعين والراء المهملتين والنون مصغرًا: حي من قضاعة وحي من بجيلة، والمراد هنا الثاني، كذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي، وكذا رواه الطبري (١٠) من وجه آخر عن أنس. ووقع عند عبد الرزاق (١١) من حديث أبي هريرة بإسناد ساقط أنهم من بني فزارة وهو غلط، لأن بني فزارة من مضر لا يجتمعون مع عكل ولا مع عرينة أصلًا. وذكر ابن إسحاق في المغازي (١٢) أن قدومهم كان بعد غزوة ذي قرد، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست.

стр. 6547

وذكر الواقدي (١) أنها كانت في شوال منها، وتبعه ابن سعد وابن حبان وغيرهما. قوله: (فاستوخموا المدينة) في رواية (٢): "اجتووا المدينة". قال ابن فارس (٣): اجتويت المدينة: إذا كرهت المقام فيها، وإن كنتُ في نعمةٍ، وقيده الخطابي (٤) بما إذا تضرر بالإقامة وهو المناسب لهذه القصة. وقال القزاز (١): اجتووا؛ أي: لم يوافقهم طعامها. وقال ابن العربي (٥): الجوي: داء يأخذ من الوباء، ورواية: "استوخموا" بمعنى هذه الرواية، وللبخاري (٦) في الطبِّ من رواية ثابت عن أنس: "أن ناسًا كان بهم سقم قالوا: يا رسول الله آونا وأطعمنا فلمّا صحوا قالوا: إن المدينة وخمة". والظاهر أنهم قدموا سقامًا، فلما صحُّوا من السقم كرهوا الإقامة بالمدينة لوخمها، فأما السقم الذي كان بهم فهو الهزال الشديد، والجهد من الجوع. كما رواهُ أبو عوانة (٧) عن أنس: أنه كان بهم هزالٌ شديد. وعنده (٨) من رواية أبي سعيد: مصفرةٌ ألوانهم. وأما الوخم الذي شكَوْا منه بعد أن صحت أجسامُهم فهو من حمَّى المدينة، كما رواهُ أحمد (٩) عن أنس. وذكر البخاري (١٠) في الطب عن عائشة: "أن النبي ﷺ دعا الله [تعالى] (١١) أن ينقلها إلى الجحفة". قوله: (فأمر لهم النبي ﷺ بذود وراع)، وقد تقدم تفسير الذود في الزكاة (١٢). وفي رواية للبخاري (١٣) وغيره: "فأمرهم بلقاح"، أي: أمرهم أن

стр. 6548

[يلقحوا] (١) بها، وفي أخرى له (٢): "فأمر لهم بلقاح" واللقاح (٣) بكسر اللام وبعدها قاف وآخره مهملة: النوق ذوات الألبان، [واحدتها] (٤) لِقْحة بكسر اللام وإسكان القاف. قوله: (فليشرَبُوا من أبوالِها) استدل به من قال بطهارة أبوال الإبل، وقاس سائر المأكولات عليها، وقد تقدم الكلام على ذلك في [أوائل] (٥) الكتاب. قوله: (بناحية الحرَّة) هي أرض ذات حجارةٍ سودٍ معروفةٌ بالمدينة. قوله: (وقتلوا راعي النبي ﷺ ) اسمه: يسار بياء تحتانية، ثم مهملة خفيفة، كما ذكره الطبراني وابن إسحاق في "السيرة" (٦). وفي لفظ لمسلم (٧) أنهم قتلوا أحد الراعيين وجاء الآخر قد جزع فقال: قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل. قال الحافظ (٨): ولم أقف على اسم الراعي الآتي بالخبر، والظاهر أنه راعي إبل الصدقة، ولم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعي النبي ﷺ . قوله: (فبعث الطلب في آثارهم) [ذكره] (٩) ابن إسحاق (١٠) عن سلمة بن الأكوع أن النبي ﷺ بعث خيلًا من المسلمين أميرهم كُرْز بن جابر الفهري، وكُرْز بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي. وفي رواية للنسائي (١١): "فبعث في طلبهم قافة"، أي: جمع قائف. ولمسلم (١٢): "إنهم شباب من الأنصار قريب [من] (١٣) عشرين رجلًا، وبعث معهم قائفًا يقتصُّ آثارهم". وفي مغازي موسى بن عقبة أن أمير هذه السرية سعيد بن زيد، وذكر غيره أنَّه سعيد بن زيد الأشهليُّ، والأول أنصاري.

стр. 6549

ويمكن الجمع بأنَّ كلَّ واحدٍ منهما أمير قومه، وكَرْزٌ أمير الجميع. وفي رواية للطبراني (١) وغيره من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النبي ﷺ بعثه في آثارهم، وإسناده ضعيف، والمعروف أن جريرًا تأخر إسلامه عن هذا الوقت بمدة. قوله: (فأمر بهم) فيه حذف تقديره: فأدركوا فأخذوا فجيء بهم فأمر بهم. وفي رواية للبخاري (٢) فلما ارتفع النهار جيء بهم. قوله: (فسمَّروا أعينهم) بالسين المهملة، وتشديد الميم. وفي رواية للبخاري (٢): "وسمرت أعينهم". وفي رواية لمسلم (٣): "وسمل أعينهم" بتخفيف الميم واللام. قال الخطابي (٤): السمر لغة في السمل ومخرجهما متقارب. قال (٥): وقد يكون من المسمار يريد أنهم كحلوا بأميال قد أحميت، قال: والسمل: فقء العين بأي شيء كان. قال أبو ذؤيب الهذلي (٦): والعينُ بعدَهُم كأنَّ حِدَاقَها … سُمِلَتْ بِشوكٍ فهي عَوْرَاءُ تَدْمَعُ (٧) وقد وقع التصريح بمعنى السمر في الرواية المذكورة في الباب (٨) بلفظ: "فأمر بمسامير … إلخ".

стр. 6550

قوله: (وما حَسَمَهُم) أي: لم يكو ما قطع منهم بالنار لينقطع الدم بل تركه ينزف. قوله: (يستسقون فما سقوا)، في رواية للبخاري (١): "ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا". وفي أخرى له (٢): "يعضون الحجارة". وفي أخرى له في الطب (٣): "قال أنس: فرأيت الرجل منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت". وفي رواية لأبي عوانة (٤) من هذا الوجه: "يعض الأرض ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة". قوله: (وصَلَبهم) حكى في الفتح (٥) عن الواقدي أنَّهم صلبوا، قال: والروايات الصحيحة ترده، لكن عند أبي عوانة (٦) عن أنس: "فصلب اثنين، وقطع اثنين، وسمل اثنين". وهذا يدل على أنهم ستة فقط، وقد تقدم ما يدلُّ على أنهم سبعة. [وفي] (٧) البخاري (٨) في الجهاد عن أنس: "أن رهطًا من عكل ثمانية". قوله: (لأنهم سملوا أعين الرعاة) فيه دليل على أن النبي ﷺ إنما فعل ذلك بهم اقتصاصًا لما فعلوه بالرعاة، وإلى ذلك مال جماعة منهم ابن الجوزي (٩). وتعقبه ابن دقيق العيد (١٠) بأنَّ المثلةَ وقعتْ في حَقِّهم من جهاتٍ، وليس في الحديث إلا السَّمْلُ فيحتاج إلى ثبوت البقية. وقد نقل أهل المغازي (١١) أنهم مثلوا بالراعي، وذهب آخرون إلى أن ذلك منسوخ.

стр. 6551

قال ابن شاهين (١) عقب حديث عمران بن حصين في النهي عن المثلة: هذا الحديث ينسخ كل مثلة. وتعقبه ابن الجوزي بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ. ويجاب عن هذا التعقب بحديث أبي الزناد (٢) المذكور، فإنَّ معاتبة الله لرسوله ﷺ تدل على أن ذلك الفعل غير جائز. ويؤيده ما أخرجه البخاري (٣) في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الإذن فيه. وقصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة، وقد حضر الإذن ثم النهي عنه. ويؤيده أيضًا ما في الباب عن ابن سيرين (٤) أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود، وأصرح من الجميع ما في الباب عن قتادة (٥) أن النبي ﷺ بعد ذلك نهى عن المثلة، وإلى هذا مال البخاري، وحكاه إمام الحرمين في "النهاية" (٦) عن الشافعي. واستشكل القاضي عياض (٧) عدم سقيهم الماء للإجماع على أن من وجب

стр. 6552

عليه القتل فاستسقى لا يمنع، وأجاب بأن ذلك لم يقع عن أمر النبي ﷺ ولا وقع منه نهي عن سقيهم. اهـ. وتعقب بأن النبي ﷺ اطلع على ذلك، وسكت، والسكوت كافٍ في ثبوت الحكم. وأجاب النووي (١) بأن المحارب المرتد لا حرمة له في سقي الماء ولا غيره، ويدلُّ عليه أن معه ماء لطهارته فقط لا يسقي المرتد ويتيمم بل يستعمله ولو مات المرتد عطشًا. وقال الخطابي (٢): إنما فعل النبي ﷺ بهم ذلك؛ لأنه أراد بهم الموت بذلك، وقيل: إن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا نعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجوع والوخم. قوله: (وعن ابن عباس في قطاع الطريق) أي: الحكم فيهم هو المذكور. وقد حكى في البحر (٣) عن ابن عباس، والمؤيد بالله، وأبي طالب، والحنفية (٤)، والشافعية (٥)، أن الآية، أعني قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (٦) نزلت في قطاع الطريق المحاربين. وعن ابن عمر والهادي (٧) إنها نزلت في العرنيين. ويدل على ذلك حديث أبي الزناد (٨) المذكور في الباب. وحكى المؤيد بالله (٩) وأبو طالب (٩) عن قوم أنَّها نزلت في المشركين. وردَّ ذلك بالإجماع على أنه لا يفعل بالمشركين كذلك، ويدفع هذا الرد بما أخرجه أبو داود (١٠) والنسائي (١١) عن ابن عباس أنها نزلت في المشركين،

стр. 6553

وقد دعا له (١) النبي ﷺ بعلم التأويل. وقد ذهب أكثر العترة والفقهاء إلى أنَّ المحارب هو من أخاف السبيل في غير المِصر لأخذ المال، وسواء أخاف المسلمين أو الذميِّين. قال الهادي (٢) وأبو حنيفة (٣): إنّ قاطع الطريق في المصر، أو القرية، ليس محاربًا للحوق الغوث بل مختلسًا أو منتهبًا. وفي رواية عن مالك (٤): إذا كانوا على ثلاثة أميال من المصر، أو القرية فمحاربون، لا دون ذلك؛ إذ يلحقه الغوث. وفي رواية أخرى عن مالك (٥): لا فرق بين المصر وغيره؛ لأن الآية لم تفصل، وبه قال الأوزاعي، وأبو ثور (٦)، وأبو يوسف، ومحمد،

стр. 6554

والشافعي (١)، والناصر (٢)، والإمام يحيى. وإذا لم يكن قد أحدث المحارب غير الإخافة عزره الإمام فقط، قال أبو طالب (٢) وأصحاب الشافعي (٣): ولا نفي مع التعزير، وأثبته المؤيد بالله (٢)، فإن وقع منه القتل فقط فذهبت العترة (٢) والشافعي إلى أنه يقتل فقط. وعن أبي حنيفة (٤) ليس بمحارب إن قتل بمثقل، فإن قتل وأخذ المال فذهب الشافعي (٥) وأبو حنيفة (٦)، وأبو يوسف، ومحمد، والهادي (٧)، والمؤيد (٧) بالله، وأبو طالب (٧) إلى أنه يقتل ويصلب. ولا قطع لدخوله في القتل. وقال الناصر (٨) وأبو العباس: بل يخير الإمام بين أن يصلب ويقتل، أو يقتل ثُمَّ يصلب، أو يقطع، ثم يقتل، أو يقطع ويقتل ويصلب، لأن (أو) للتخيير. وقال مالك (٩): إذا شهروا السلاح، وأخافوا لزمهم ما في الآية. وقال الحسن البصري (١٠)، وابن المسيب (١٠)، ومجاهد (١٠): إذا أخافوا خيِّر الإمام بين أن يقتل فقط أو يقتل ويصلب، أو يقطع الرِّجل واليد فقط، أو يحبس فقط لأجل التخيير. وقال أبو الطيب بن سلمة من الشافعية (١١): وحصّله صاحب "الوافي" للهادي (١٢) أنهم إذا أخذوا المال وقتلوا قُطِّعُوا للمال، ثم قتلوا للقتل، ثم صلبوا للجمع بين الأخذ والقتل.

стр. 6555

قال أبو حنيفة والهادوية (١): فإن قتل وجرح قتل فقط لدخول الجرح في القتل. وقال الشافعي (٢): بل يجرح ثم يقتل إذ هما جنايتان، والنفي المذكور في الآية هو طرد سنة عند الهادي (١)، والشافعي (٣)، وأحمد (٤)، والمؤيد بالله (٥)، وأبي طالب (٥). وقال الناصر (٦) وأبو حنيفة (٧) وأصحابه: بل الحبس فقط إذ القصد دفع أذاه. وإذا كان المحاربون جماعةً واختلفت جناياتهم، فذهب العترة (٨) والشافعي إلى أنه يحدُّ كلُّ واحدٍ منهم بقدر جنايته. وقال أبو حنيفة (٩): بل يستوون إذ المعين كالقاتل واختلفوا هل يقدم الصلب على القتل أو العكس؟ فذهب الشافعي (١٠) والناصر (١١) والإمام يحيى (١١) إلى أنه يقدم الصلب على القتل، إذ المعنى يقتلون بالسيف أو بالصلب. وقال الهادي (١١) وأبو حنيفة (١٢) وهو مروي عن الشافعي: إنَّه لا صلب قبل القتل؛ لأنه مثلةٌ، وجعل الهادي (أو) بمعنى الواو، ولذلك قال بتقدم القتل على الصلب. وقال بعض أصحاب الشافعي (١٣): يصلب قبل القتل ثلاثًا ثم ينزل فيقتل. وقال بعض أصحاب الشافعي (١٤) أيضًا: يصلب حتى يموت جوعًا وعطشًا. وقال أبو يوسف (١٥) والكرخي (١٥): يصلب قبل القتل ويطعن في لبته وتحت ثديه الأيسر ويخضخض حتى يموت.

стр. 6556

وروى الرازي عن أبي بكر الكرخي (١) أنه لا معنى للصلب بعد القتل. واختلفوا في مقدار الصلب، فقال الهادي (٢): حتى تنتثر عظامه، وقال ابن أبي هريرة حتى يسيل صديده، وقال بعض أصحاب الشافعي (٣) ثلاثًا في البلاد الباردة، وفي الحارة ينزل قبل الثلاث. وقال الناصر (٤) والشافعي (٥): ينزل بعد الثلاث ثم يقتل إن لم يمت ويغسل ويصلى عليه إن تاب. وقد رجح صاحب البحر (٦) أن الآية للتخيير، وتكون العقوبة بحسب الجنايات، وأنَّ التقدير أن يقتلوا إذا قتلوا، ويصلبوا بعد القتل إذا قتلوا وأخذوا المال، وتقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا فقط، أو ينفوا من الأرض إذا أخافوا فقط، إذ محاربة الله ورسوله بالفساد في الأرض متنوعة كذلك، وهو مثل تفسير ابن عباس (٧) المذكور في الباب. وقال صاحب المنار (٨): إنَّ الآية تحتمل التخيير احتمالًا مَرجوحًا. قال: والظاهر أن المراد حصر أنواع عقوبة المحاربة مثل: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (٩) الآية. قال: وهو مثل ما قاله صاحب البحر (١٠)، يعني في كلامه الذي ذكرناه قبل هذا. ورجح صاحب ضوء النهار (١١) اختصاص أحكام المحارب بالكافر لتتم فوائد وتندفع مفاسد، ثم ذكر ذلك، وهو كلام رصين لولا أنه قصر للعام على السبب المختلف في كونه هو السبب.

стр. 6557

وللعلماء في تفصيل أحكام المحاربين أقوال منتشرة مبسوطة في كتب الخلاف، وقد أوردنا منها في هذا الشرح طرفًا مفيدًا. [الباب السادس] بابُ قِتَالِ الخَوَارجِ وأَهْلِ البَغْي ٢٦/ ٣١٨٦ - (عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقُولُ: "سَيَخْرُجُ قَوْمٌ في آخِرِ الزَّمانِ حِدَاثُ الأسْنَانِ سُفَهاءُ الأحْلَامِ، يقُولونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِئةِ، لَا يُجَاوِزُ إيمَانُهُمْ حَناجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرّمِيَّةِ، فأيْنَما لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلوهُمْ، فإن في قَتْلِهِمْ أجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ" مُتّفَقٌ عَلَيْهِ) (١). [صحيح] ٢٧/ ٣١٨٧ - (وعَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ أنَّهُ كانَ فِي الْجَيْشِ الذِينَ كانُوا مَعَ عَلِيِّ الذِينَ سَارُوا إلى الخَوَارجِ، فقالَ عَلِيٌّ: أيُّها النَّاسُ إنِّي سَمِعْتُ رَسُول الله ﷺ يقُولُ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يقْرَؤُونَ القُرْآنَ لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إلى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إلى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ، وَلا صَيَامُكُمْ إلى صَيَامِهِمْ بِشَيْءٍ، يَقْرَؤونَ القُرْآنَ يَحْسَبُونَ أنَّهُ لَهُمْ وهُوَ عَلَيْهِمْ، لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإسْلَامِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرّميَّةِ، لَوْ يَعْلَمُ الجَيْشُ الذِينَ يصِيبُونَهُمْ ما قَضَى لَهُمْ على لِسانِ نَبِيِّهِمْ ﷺ لنَكَلُوا عَنِ الْعَمَلِ، وآيةُ ذلِكَ أن فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ ليسَ له ذِرَاعٌ، على عضُدِهِ مِثْلُ حَلمَةِ الثَّدْيِ، عَلَيْهِ شُعَيْرَاتٌ بيضٌ". قالَ: فتَذْهَبُونَ إلى مُعَاوِيَةَ وأهْلِ الشَّامِ، وَتَتْرُكُونَ هؤلاءِ يَخْلُفُونَكُمْ في ذَرَارِيكُمْ وأَمْوَالِكُمْ، والله إنِّي لأرْجو أنْ يَكونوا هؤلاء القَوْمَ فإنّهُمْ قَدْ سَفَكوا الدّمَ الحَرَامَ وأغَاروا في سَرَحِ النَّاسِ فَسِيروا على اسْمِ الله. قال سَلَمَةُ بْنُ كهَيْلٍ: فَنَزَّلَنِي زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ مَنْزلًا مَنْزلًا حَتَّى قالَ: مَرَرْنا على قنْطرَةٍ، فلمَّا الْتَقَيْنَا وعلى الخَوَارجِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ الله بْنُ وهْبٍ الرَّاسِبِيُّ فقالَ لَهُمْ:

стр. 6558

ألقوا الرِّماحَ وسُلُّوا سُيوفَكُمْ مِنْ جُفُونِها، فَإنِّي أخَافُ أنْ يُنَاشِدوكُمْ كما ناشَدوكمْ يَوْمَ حَرورَاءَ، فرَجَعوا فوَحَشوا برِمَاحهِمْ وَسَلُّوا السُّيوفَ وشَجَرَهم النَّاسُ برِمَاحِهِمْ؛ قالَ: وقَتَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ ومَا أُصِيبَ مِنَ النّاسِ يَوْمَئِذٍ إلَّا رجُلَانِ، فقالَ عَلِيٌّ: الْتَمِسوا فيهم المخَدّجَ، فالتَمَسوه فلَمْ يجِدوه، فقامَ عليّ بِنَفْسِهِ حتّى أتي ناسًا قدْ قُتِل بَعْضهُمْ على بَعْضٍ، قالَ: أَخّروهمْ فوَجَدُوه مِمَّا يَلي الأَرْضَ فَكَبّرَ، ثمّ قالَ: صَدَقَ الله وبَلّغَ رَسولُهُ، قالَ: فقامَ إليهِ عُبَيْدَةُ السّلْمَانِيُّ، فقالَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنينَ، الله الّذي لَا إلهَ إلَّا هوَ لَسَمِعْتَ هَذا الحَديثَ مِنْ رسولِ الله ﷺ ؟ قالَ: إيْ والله الّذي لا إله إلَّا هوَ حتّى اسْتَحْلَفَهُ ثلاثًا وَهُوَ يَحْلِف له، رواهُ أحمَدُ (١) ومُسلمٌ) (٢). [صحيح] قوله: (باب قتال الخوارج) هم جمع خارجة، أي: طائفة، سموا بذلك لخروجهم عن الدين، وابتداعهم، أو خروجهم عن خيار المسلمين (٣). وأصل بدعتهم فيما حكاه الرافعي في الشرح الكبير (٤) أنَّهم خرجوا على عليّ ﵁ حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان ﵁، وَيقْدِرُ عَليهِم، ولا يقتصُّ منهم، لرضاه بقتله أو مواطأته (٥)،

стр. 6559

كذا قال (١)، وهو خلاف ما قاله أهلُ الأخبار، فإنه لا نزاع عندهم أن الخوارج لم يطلبوا بدم عثمان، بل كانوا ينكرون عليه شيئًا (٢) ويتبرؤون منه. وأصل ذلك أن بعض أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان، فطعنوا على عثمان بذلك، وكان يقال لهم: القرَّاء، لشدّة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم يتأولون القرآن على غير المراد منه (٣)، ويستبدون بآرائهم، ويبالغون في

стр. 6560

الزهد والخشوع؛ فلما قتل عثمان قاتلوا مع علي واعتقدوا كفر عثمان ومن تابعه؛ واعتقدوا إمامة علي وكفر من قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسَهم طلحةُ والزبير؛ فإنهما خرجا إلى مكة بعد أن بايعا (١) عليًا، فلقيا عائشة - وكانت حجَّت

стр. 6561

تلك السنة - فاتفقوا على طلب قتلة عثمان وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك، فبلغ عليًا فخرج إليهم، فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة (١)، وانتصر

стр. 6562

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6563

علي، وقتل طلحة في المعركة وقتل الزبير بعد أن انصرف من الوقعة (١)، فهذه الطائفة هي التي كانت تطلب بدم عثمان بالاتفاق.

стр. 6564

ثم قام معاوية بالشام في مثل ذلك وكان أمير الشام إذ ذاك، وكان علي أرسل إليه أن يبايع له أهل الشام، فاعتلَّ بأن عثمان قتل مظلومًا، وأنها تجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته، وإنه أقوى الناس على الطلب بذلك، والتمس من عليٍّ أن يمكنه منهم، ثم يبايع له بعد ذلك، وعلي يقول: ادخل فيما دخل فيه الناس وحاكمهم إليّ أحكم فيهم بالحق. فلما طال الأمر خرج علي في أهل العراق طالبًا قتال أهل الشام، فخرج معاوية في أهل الشام قاصدًا لقتاله، فالتقيا بصفين (١)، فدامت الحرب بينهم

стр. 6565

أشهرًا، وكاد معاوية وأهل الشام أن ينكسروا فرفعوا المصاحف على الرماح ونادوا: ندعوكم إلى كتاب الله تعالى (١)، وكان ذلك بإشارة عمرو بن العاص

стр. 6566

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6567

- وهو مع معاوية - فترك القتال جمع كثيرٌ ممن كان مع عليٍّ، خصوصًا القراءُ بسبب ذلك تدينًا. واحتجوا بقوله تعالى: ﴿مْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ (١) الآية، فراسلوا أهل الشام في ذلك، فقالوا: ابعثوا حكمًا منكم، وحكمًا منّا، ويحضر معهما من لم يباشر القتال، فمن رأوا الحق معه أطاعوه، فأجاب علي ومن معه إلى ذلك. وأنكرت ذلك الطائفة التي صارت خوارج وفارقوا عليًا، وهم ثمانية آلاف. وقيل: كانوا أكثر من عشرة آلاف، وقيل: ستة آلاف، ونزلوا مكانًا يقال له: حروراء بفتح الحاء المهملة وراءين مهملتين الأولى مضمومة، ومن ثم قيل لهم: الحرورية وكان كبيرهم عبد الله بن الكَوّاء بفتح الكاف وتشديد الواو مع المد اليشكري، وشَبث بفتح الشين المعجمة والموحدة بعدها مثلثة التميمي، فأرسل إليهم علي ابن عباس فناظرهم (٢) فرجع كثير منهم معه، ثم خرج إليهم علي

стр. 6568

فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة ومعهم رئيساهم المذكوران، ثم أشاعوا أن عليًا تاب من الحكومة ولذلك رجعوا معه، فبلغ ذلك عليًا فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جانب المسجد: لا حكم إلا لله، فقال: كلمة حق يراد بها باطل، فقال لهم: لكم علينا ثلاث أن لا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدأكم بقتال ما لم تحدثوا فسادًا (١)، وخرجوا شيئًا بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن، فراسلهم علي في الرجوع فأصروا على الامتناع حتى يشهد على نفسه بالكفر لرضاه بالتحكيم ويتوب، ثم راسلهم أيضًا فأرادوا قتل رسوله ثم اجتمعوا على أن من لا يعتقد معتقدهم يكفر ويباح دمه وماله وأهله، واستعرضوا الناس فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين، ومر بهم عبد الله بن خباب بن الأرت (٢) واليًا

стр. 6569

لعلي على بعض تلك البلاد ومعه سريِّته وهي حامل فقتلوه وبقروا بطن سريته عن ولد، فبلغ عليًا فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام، فأوقع بهم بالنهروان (١) ولم ينج منه إلا دون العشرة، ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة، فهذا ملخص أول أمرهم، ثم انضم إلى من بقي منهم ممن مال إلى رأيهم، فكانوا مختفين في خلافة علي حتى كان منهم ابن ملجم الذي قتل عليًا بعد أن دخل في صلاة الصبح (٢).

стр. 6570

ثم لما وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له: النخيلة، وكانوا منقمعين في إمارة زياد وابنه طول مدة ولاية معاوية وابنه يزيد (١). وظفر زياد وابنه بجماعة منهم فأبادهم بين قتل وحبس طويل.

стр. 6571

فلما مات يزيد ووقع الافتراق وولي الخلافة عبد الله بن الزبير، وأطاعه أهل الأمصار إلا بعض أهل الشام، وثار مروان فادعى الخلافة وغلب على جميع الشام ثم مصر. فظهر الخوارج (١) حينئذٍ بالعراق مع نافع بن

стр. 6572

الأزرق (١)، وباليمامة مع نجدة بن عامر، وزاد نجدة على معتقد الخوارج (٢) أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر ولو اعتقد معتقدهم، وعظم البلاء بهم وتوسعوا في معتقدهم الفاسد فأبطلوا رجم المحصن وقطعوا يد السارق من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها، وكفّروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرًا، وإن لم يكن قادرًا فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفوا عن أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقًا، وفتكوا في المنتسبين إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب، فمنهم من يفعل ذلك مطلقًا بغير دعوة، ومنهم من يدعو أولًا ثم يفتك. ولم يزل البلاء بهم إلى أن أمر المهلب بن أبي صفرة على قتالهم، فطاولهم حتى ظفرَ بهم وتَفَلّلَ جمعهم، ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ودخلت طائفة منهم المغرب.

стр. 6573

وقد صنف في أخبارهم أبو مخنف (١) - بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح النون بعدها فاء - واسمه لوط بن يحيى، كتابًا لخصه الطبري في تاريخه (٢). وصنف في أخبارهم أيضًا الهيثم بن عدي (٣) كتابًا.

стр. 6574

ومحمد بن قدامة الجوهري أحد شيوخ البخاري خارج الصحيح كتابًا كبيرًا (١). وجمع أخبارهم أبو العباس المبرّد في كتابه "الكامل" (٢) لكن بغير أسانيد بخلاف المذكورين من قبله. هذا خلاصة معتقد الخوارج والسبب الذي لأجله خرجوا، وهو مجمع عليه عند علماء الأخبار، وبه يتبين بطلان ما حكاه الرافعي (٣) في كلامه السالف. وقد وردت بما ذكرنا من أصل حال الخوارج أخبار جياد: (منها) ما أخرجه عبد الرزاق (٤) عن معمر عن الزهري. وأخرج نحوه الطبري (٥) عن يونس عن الزهري. وأخرج نحو ذلك ابن أبي شيبة (٦) عن أبي رزين. قال القاضي أبو بكر بن العربي (٧): الخوارج صنفان: أحدهم يزعم أن عثمان وعليًا وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضي بالتحكيم كفار، والآخر يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبدًا. وقال غيره: بل الصنف الأول متفرع عن الصنف الثاني؛ لأن الحامل لهم على تكفير أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم. وقال ابن حزم (٨): ذهب نجدة بن عامر الحروري من الخوارج إلى أن من أتى صغيرة عذب بغير النار، ومن أدمن على صغيرة فهو كمن ارتكب الكبيرة في التخليد في النار.
следующие страницы →