← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6570–6609 · переход к 6575.

стр. 6570

ثم لما وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له: النخيلة، وكانوا منقمعين في إمارة زياد وابنه طول مدة ولاية معاوية وابنه يزيد (١). وظفر زياد وابنه بجماعة منهم فأبادهم بين قتل وحبس طويل.

стр. 6571

فلما مات يزيد ووقع الافتراق وولي الخلافة عبد الله بن الزبير، وأطاعه أهل الأمصار إلا بعض أهل الشام، وثار مروان فادعى الخلافة وغلب على جميع الشام ثم مصر. فظهر الخوارج (١) حينئذٍ بالعراق مع نافع بن

стр. 6572

الأزرق (١)، وباليمامة مع نجدة بن عامر، وزاد نجدة على معتقد الخوارج (٢) أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر ولو اعتقد معتقدهم، وعظم البلاء بهم وتوسعوا في معتقدهم الفاسد فأبطلوا رجم المحصن وقطعوا يد السارق من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها، وكفّروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرًا، وإن لم يكن قادرًا فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفوا عن أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقًا، وفتكوا في المنتسبين إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب، فمنهم من يفعل ذلك مطلقًا بغير دعوة، ومنهم من يدعو أولًا ثم يفتك. ولم يزل البلاء بهم إلى أن أمر المهلب بن أبي صفرة على قتالهم، فطاولهم حتى ظفرَ بهم وتَفَلّلَ جمعهم، ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ودخلت طائفة منهم المغرب.

стр. 6573

وقد صنف في أخبارهم أبو مخنف (١) - بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح النون بعدها فاء - واسمه لوط بن يحيى، كتابًا لخصه الطبري في تاريخه (٢). وصنف في أخبارهم أيضًا الهيثم بن عدي (٣) كتابًا.

стр. 6574

ومحمد بن قدامة الجوهري أحد شيوخ البخاري خارج الصحيح كتابًا كبيرًا (١). وجمع أخبارهم أبو العباس المبرّد في كتابه "الكامل" (٢) لكن بغير أسانيد بخلاف المذكورين من قبله. هذا خلاصة معتقد الخوارج والسبب الذي لأجله خرجوا، وهو مجمع عليه عند علماء الأخبار، وبه يتبين بطلان ما حكاه الرافعي (٣) في كلامه السالف. وقد وردت بما ذكرنا من أصل حال الخوارج أخبار جياد: (منها) ما أخرجه عبد الرزاق (٤) عن معمر عن الزهري. وأخرج نحوه الطبري (٥) عن يونس عن الزهري. وأخرج نحو ذلك ابن أبي شيبة (٦) عن أبي رزين. قال القاضي أبو بكر بن العربي (٧): الخوارج صنفان: أحدهم يزعم أن عثمان وعليًا وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضي بالتحكيم كفار، والآخر يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبدًا. وقال غيره: بل الصنف الأول متفرع عن الصنف الثاني؛ لأن الحامل لهم على تكفير أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم. وقال ابن حزم (٨): ذهب نجدة بن عامر الحروري من الخوارج إلى أن من أتى صغيرة عذب بغير النار، ومن أدمن على صغيرة فهو كمن ارتكب الكبيرة في التخليد في النار.

стр. 6575

وذكر أن منهم من غلا في معتقدهم الفاسد (١) فأنكر الصلوات الخمس. وقال: الواجب صلاة بالغداة، وصلاة بالعشي. (ومنهم) (٢) من جوّز نكاح بنت الابن وبنت الأخ والأخت. (ومنهم) (٣) من أنكر أن تكون سورة يوسف من القرآن، وأن من قال: لا إله إلا الله، فهو مؤمن عند الله ولو اعتقد الكفر بقلبه. وقال أبو منصور البغدادي في المقالات (٤): عدة فِرَق الخوارج عشرون فرقة. وقال ابن حزم: أسوؤهم حالًا الغلاة المذكورون، وأقربهم إلى قول أهل الحق الأباضية. وقد بقيت منهم بقية بالمغرب. قال الغزالي في الوسيط (٥) تبعًا لغيره: في حكم الخوارج وجهان:

стр. 6576

(أحدهما): أن حكمهم حكم أهل الردة. (والثاني): أنه كحكم أهل البغي. ورجح الرافعي (١) الأول. قال في الفتح (٢): وليس الذي قاله مطردًا في كل خارجي، فإنهم على قسمين: (أحدهما): من تقدم ذكره. (والثاني): من خرج في طلب الملك لا للدعاء إلى معتقده، وهم على قسمين أيضًا: قسم خرجوا غضبًا للدين من أجل جور الولاة وترك عملهم [بالسنة] (٣) النبوية، فهؤلاء أهل حق. (ومنهم): الحسين بن علي ﵁ وأهل المدينة في وقعة الحرة، والقراء الذين خرجوا على الحجاج. وقسم خرجوا لطلب الملك فقط سواء كانت لهم فيه شبهة أو لا وهم البغاة، وسيأتي بيان حكمهم. قوله: (في آخر الزمان) ظاهر هذا يخالف ما بعده من أحاديث الباب من خروجهم في خلافة علي. وأجاب ابن التين (٤) بأن المراد زمان الصحابة. قال الحافظ (٥): وفيه نظر؛ لأن آخر زمان الصحابة كان على رأس المائة، وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة. ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزمان زمان خلافة النبوة لما في حديث سفينة عند أهل السنن (٦) وابن حبان في صحيحه (٧) مرفوعًا: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا".

стр. 6577

وكانت قصة الخوارج وقتلهم بالنهروان في آخر خلافة علي سنة ثماني وثلاثين من الهجرة وبعد موت النبي ﷺ بدون ثلاثين سنة. قوله: (حداث الأسنان) بحاء مهملةٍ، ثم دال مهملة أيضًا ثم بعد الألف مثلثة جمع حدث بفتحتين، والحدث: هو الصغير السنِّ، هكذا في أكثر الروايات، وفي رواية السرخسي (١) حدّاث بضم أوله وتشديد الدال. قال في "المطالع" (٢)؛ معناه: شباب. وقال ابن التين (١): حداث جمع حديث، مثل: كرام جمع كريم، وكبار جمع كبير. والحديث: الجديد من كل شيء، ويطلق على الصغير بهذا الاعتبار. قوله: (سفهاء الأحلام) جمع حِلم - بكسر أوله - والمراد به: العقل، والمعنى: أن عقولهم رديئة. قال النووي (٣): يستفاد منه أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن، وكثرة التجارب وقوة العقل. قوله: (يقولون من قول خير البرية) قيل: هو القرآن، ويحتمل أن يكون على ظاهره: أي القول الحسن في الظاهر والباطن على خلافه، كقولهم: لا حكم إلا لله. قوله: (لا يجاوز إيمانهم حناجرهم) الحناجر (٤) بالحاء المهملة والنون ثم الجيم جمع حَنْجَرة بوزن قسورة، وهي: الحلقوم والبلعوم، وكلُّه يطلق على مجرى النفس، وهو طرف المريء مما يلي الفم، والمراد: أنهم يؤمنون بالنطق لا بالقلب. وفي حديث زيد بن وهب (٥) المذكور: "لا تجاوز صلاتهم تراقيهم"، فكأنه أطلق الإيمان على الصلاة.

стр. 6578

وفي رواية أبي سعيد الآتية (١): "يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم"، وفي رواية مُسلم (٢): "يقولون الحقَّ بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم"، وأشار إلى حلقه. قوله: (يمرقون من الدين) في رواية للنسائي (٣) والطبري: "يمرقون من الإسلام"، وكذا في حديث زيد بن وهب (٤) المذكور: "يمرقون من الإسلام". وفي رواية للنسائي (٥): "يمرقون من الحق"، وفيها ردّ على من فسّر الدين هنا بالطاعة. قوله: (كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتانية: أي: الشيء الذي يرمي به. وقيل: المراد بالرمية: الغزالة المرمية مثلًا. قوله: (فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة) في رواية زيد بن وهب (٤) المذكورة: "لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم .. إلخ". قوله: (لنكلوا عن العمل) أي: تركوا الطاعات واكتفوا بثواب قتلهم. قوله: (وآية ذلك) أي: علامته كما وقع في رواية الطبري. قوله: (على عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعيرات بيض)، في حديث أبي سعيد (٦) الآتي: "آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة" وسيأتي تفسير ذلك. والشُّعيراتُ - بالتصغير - جمعُ شعرةٍ. واسمُ ذي الثدية هذا: نافعٌ، كما أخرجه أبو داود (٧) من طريق أبي مريم. قال: إن كان ذلك المخدَج لمعنا في المسجد كان فقيرًا، وقد كسوته برنسًا ورأيته شهد طعام علي، كان يسمى نافعًا ذا

стр. 6579

الثدية، وكان يده مثل ثدي المرأة على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي، عليه شعيرات مثل سبال السِّنَّور. وفي رواية لأبي الوضيء بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة عند أبي داود (١): "إحدى يديه مثل ثدي المرأة عليه شعيرات مثل شعيرات تكون على ذنب اليربوع". وسيأتي عن بعضهم أن اسم المخدج "حرقوص". قوله: (في سَرْح الناس) بفتح السين المهملة وسكون الراء، بعدها حاء مهملة: وهو المال السائم. قوله: (فنزلني زيد بن وهب منزلًا منزلًا) بفتح النون من نزلني وتشديد الزاي: أي حكى لي سيرهم منزلًا منزلًا. قوله: (فوحشوا برماحهم) بالحاء المهملة والشين المعجمة، أي: رموها بعيدًا. قال في القاموس (٢): وحش بثوبه، كوعد: رمى به مخافةً. قوله: (وشجرهم الناس) بفتح الشين المعجمة والجيم والراء. قال في القاموس (٣): اشتجروا: تخالفوا، كتشاجروا، ثم قال: وبالرمح: طعنة، ثم قال: والشجر: الأمر المختلف. اهـ. والرماح الشواجر: المختلف بعضها في بعض، والمراد هنا: أنّ الناس اختلفوا برماحهم وطعنوهم بها. قوله: (وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان) هذا يخالف ما قدمنا عن أهل التاريخ أنه قتل من أصحاب علي نحو العشرة. قوله: (المخدَج) بخاء معجمة وجيم وهو الناقص. قوله: (فقال: يا أمير المؤمنين: آلله الذي لا إله إلا هو .. إلخ). قال النووي (٤): إنما استحلفه ليؤكد عند السامعين، وليظهر معجزة النبي ﷺ وأنَّ عليًا ومن معه على الحق.

стр. 6580

قال الحافظ (١): ليطمئنَّ قلب المستحلف لإزالة توهم ما أشار إليه علي أنْ الحرب خدعة، فخشي أن يكون لم يسمع في ذلك شيئًا منصوصًا، وإلى ذلك يشير قول عائشة لعبد الله بن شداد لما سألته: ما قال علي؟ فقال: سمعته يقول: صدق الله ورسوله، قالت: يرحم الله عليًا إنه كان لا يرى شيئًا يعجبه إلا قال: صدق الله ورسوله، فيذهب أهل العراق فيكذبون عليه ويزيدون، فمن هذا أراد عبيدة التثبت في هذه القصة بخصوصها. ٢٨/ ٣١٨٨ - (وعَنْ أَبي سعيدٍ قالَ: [بَيْنَا] (٢) نَحْنُ عِندَ رسُولِ الله ﷺ وَهْوَ يَقْسِمُ قِسْمًا، أتاه ذُو الخَوَيْصِرَةِ وهْوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قالَ: يا رَسُولَ الله اعْدِلْ، فقالَ: "وَيْلَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ إذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتُ وَخَسِرْتُ إنْ لَمْ أكُنْ أَعْدِلُ"، فقالَ عُمَرُ: يا رسُولَ الله أَتأْذَنُ لِي فيهِ فأضْرِبَ عُنُقَهُ؟ فقالَ: "دَعْهُ فإنّ لهُ أَصحَابًا يَحْقِرُ أحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلاِتهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤونَ القُرْآنَ لَا يُجاوِز تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ إلى نَصْلِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى رِصَافِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، ثمَّ يَنْظُرُ إلى نَضِيِّهِ - وَهْوَ قَدْحُهُ - فَلَا يوجَدُ فيهِ شَيْءٌ، ثُمَّ يَنْظُرُ إلى قذَذِه فَلَا يوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ، آيَتُهُم رَجُلٌ أسْوَدُ إحْدَى عضُدَيْهِ مِثْلُ ثَديِ المَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، يَخْرُجُونَ على حِيْنِ فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ". قَالَ أَبُو سَعِيد: فأشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هذَا الحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قاتلَهُمْ وَأنَا مَعَهُ، فأمَرَ بذلِكَ الرَّجُل فالْتُمِسَ فَأُتِيَ بهِ حتَّى نَظَرْتُ إليهِ على نعْت رَسُولِ الله ﷺ الذي نَعَتَهُ) (٣). [صحيح] ٢٩/ ٣١٨٩ - (وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قالَ: بَعثَ عليٌّ إلى النَّبِيّ ﷺ بذُهَيْبَةٍ فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةٍ: الأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ الحَنْظَلِيِّ ثمَّ المُجاشِعيِّ، وعُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيِّ، وَزَيْدٍ الطَّائي، ثمَّ أَحدِ بَنِي نَبْهَانَ، وعَلْقَمَةَ بْنِ علَاثَةَ الْعَامِريِّ ثمَّ أحَدِ بَنِي كِلَابٍ، فَغَضِبَتْ قُرَيْشٌ والأنْصارُ، قالُوا: يُعْطِي صَنَادِيدَ أهْلِ نجْدٍ وَيدَعنَا؟ قالَ:

стр. 6581

"إنَّما أتألَّفهُمْ"، فأقْبَلَ رَجُلٌ غائِرُ الْعَيْنَيْنِ، مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ، ناتِئُ الجَبِينِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقٌ، فقالَ: اتَّقِ الله يا محمَّدُ، فقالَ: "مَنْ يُطِعِ الله إذَا عَصَيْتُ؟ أيَأمَنُنِي على أهْلِ الأرْضِ فلَا تأمَنُونِي؟ "، فَسألهُ رَجل قَتْلَهُ - أَحْسِبُهُ خالِدَ بْن الْوَلِيدِ - فَمَنَعَهُ، فلمَّا وَليَ قالَ: "إنَّ مِنْ ضئْضِئِ هذا - أَوْ في عَقبِ هذا - قَوْمًا يَقْرَؤونَ الْقُرآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرهمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّميَّةِ، يَقْتُلُونَ أهل الإسْلَامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأوْثَانِ، لَئِنْ أنَا أَدْرَكْتُهُمْ لأقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عادٍ" (١). متَّفَقٌ عَلَيهِمَا). [صحيح] وفيهِ دَلِيلٌ على أن مَنْ تَوَجَّهَ عَليهِ تَعْزِيرٌ لحَقِّ الله جازَ لِلْإِمَامِ تَرْكُهُ، وَإنَّ قَوْمًا لَوْ أَظْهَرُوا رَأيَ الخَوَارجِ لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهُمْ بذلِكَ، وإنَّما يحِلُّ إذَا كَثُرُوا وامْتَنَعُوا بالسِّلاحِ وَاسْتَعْرَضُوا الناسَ. ٣٠/ ٣١٩٠ - (وعَنْ أَبي سعيدٍ قالَ: قالَ رسُول الله ﷺ : "تكُونُ أمَّتِي فِرْقَتَيْنِ، فَيَخْرُج مِنْ بَيْنَهِمَا مارِقَةٌ يَلي قَتْلَهُمْ أَوْلاهُما بالْحَقِّ" (٢). [صحيح] وَفي لفظٍ: "تَمْرُقُ مَارِقة عِندَ فِرقَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ يَقْتُلهَا أَوْلى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ". رَوَاهُما أحمدُ (٣) ومُسْلمٌ) (٤). [صحيح] قوله: (بينا نحن عند النبيِّ ﷺ وهو يَقْسِمُ) بفتح الأول من "يقسم"، ولم يذكر المقسوم. وقد ذكره في الرواية الثانية (٥) من طريق عبد الرحمن بن أبي نعيم عن أبي سعيد أن المَقْسُومَ ذهيبة بعثه علي بن أبي طالب من اليَمَنِ، فقسمه النبي ﷺ بين الأربعة المذكورين.

стр. 6582

قوله: (ذو الخُوَيْصِرة) بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون الياء التحتية وكسر الصاد المهملة بعدها راء، واسمه حرقوص بن زهير التميمي. وقد ذكر حرقوصًا في الصحابة (١) أبو جعفر الطبري، وذكر أن له في فتوح العراق أثرًا، وأنه الذي افتتح سوق الأهواز ثم كان مع علي في حروبه، ثم صار مع الخوارج فقتل معهم، وزعم بعضهم أنه ذو الثدية، ووقع نحو ذلك في رواية للطبري (٢) عن أبي مريم. قال الحافظ (٣): وليس كذلك. قوله: (اعْدِلْ) في الرواية الثانية (٤) المذكورة، فقال: "اتق الله يا محمدُ". وفي حديث ابن عمرو عند البزار (٥) والحاكم (٦) فقال: "يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما أراك تعدل". وفي لفظ آخر له: "اعدل يا محمد"، وفي حديث أبي بكرة (٧): "والله

стр. 6583

يا محمد ما تعدل"، وفي لفظ: "ما أراك عدلت"، ونحوه في حديث أبي برزة (١). قوله: (ويلك) في لفظ للبخاري: "ويحك"، وهي رواية الكشميهني (٢)، والرواية الأولى (٣) رواية شعيب والأوزاعي. قوله: (فمن يعدل إذا لم أعدل) في رواية للبخاري (٤): "من يطع الله إذا عصيته". ولمسلم (٥): "أوَ لستُ أحق أهل الأرض أن أطيع الله؟ ". وفي حديث [ابن عمرو] (٦): "وممن يلتمس العدل بعدي؟ "، وفي رواية له: "العدل إذا لم يكن عندي فعند من يكون؟ ". وفي حديث أبي بكرة (٧): "فغضب حتى احمرّت وجنتاه". وفي حديث أبي برزة (١): "فغضب غضبًا شديدًا وقال: والله لا تجدون بعدي رجلًا هو أعدل عليكم مني". قوله: (فقال عمر: أتأذن لي فيه فأضرب عنقه) في حديث أبي سعيد الآخر المذكور (٨): فسأله رجل "أحسبه خالد بن الوليد". وفي رواية لمسلم (٩): "فقال خالد بن الوليد" بالجزم، ويجمع بينهما بأن كل واحد منهما سأله. ويؤيد ذلك ما وقع في مسلم (١٠) بلفظ: "فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: لا".

стр. 6584

قوله: (دَعْهُ) في رواية للبخاري (١): "لا". وفي أخرى (٢): "ما أنا بالذي أقتل أصحابي". قوله: (فإن له أصحابًا) ظاهِرُ هذا أنَّ تركَ الأمر بقتله بسبب أن له أصحابًا على الصفة المذكورة، وهذا لا يقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي ﷺ بما واجهه، فيحتمل أن يكون لمصلحة التأليف كما فهمه البخاري (٣)، فإنه بوَّب على هذا الحديث: (باب من ترك قتال الخوارج للتأليف ولئلا ينفر الناسُ عنه) لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة [من] (٤) إظهار الإسلام، فلو أذن في قتلهم لكان في ذلك تنفير عن دخول غيرهم في الإسلام. قوله: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم) في رواية بصيغة الإفراد، ويَحقِرُ بفتح أوله، أي: يستقلُّ. قوله: (لا يجاوز تراقيهم) (٥) بمثناةٍ فوقيةٍ، وقاف: جمع تَرْقُوَةٍ بفتح أوله، وسكون الراء، وضم القاف، وهي العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها. وقيل: لا يعملون بالقرآن فلا يثابون على قراءته فلا يحصل لهم إلا سرده. وقال النووي (٦): المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على ألسنتهم لا يصل إلى حلوقهم فضلًا عن قلوبهم، لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب. قوله: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) تقدم تفسيره في أول الباب. قوله: (ينظر إلى نصله) أي: نصل السهم وهو الحديدة المركبة فيه، والمراد أنه ينظر إلى ذلك ليعرف هل أصاب أم أخطأ، فإنه إذا لم يره علق به

стр. 6585

شيء من الدم ولا غيره ظن أنه لم يصبه، والفرض أنه أصابه، وإلى ذلك أشار بقوله: قد سبق الفرث والدم: أي جاوزهما، ولم يتعلق به منهما شيء بل خرجا بعده. قوله: (ثم ينظر إلى رِصَافِهِ) الرِّصَافُ اسم للعقِب الذي يُلوى فوقَ الرُعْظ (١) من السهم، يقال: رصف السهم: شدَّ على رُعْظِه عَقَبَةً، كذا في القاموس (٢). قوله: (ثم ينظر إلى نَضِيِّه) بفتح النون، وكسر الضاد المعجمة، وتشديد الياء. قال في القاموس (٣): هو سهم فسد من كثرة ما رُمي به. قال (٤): والنَّضِي، كغنيٍّ: السَّهم بلا نصلٍ ولا ريشٍ. قوله: (ثم ينظر إلى قذذه) جمع قذة بضم القاف وتشديد الذال المعجمة: وهي ريش السهم. والمراد أن الرامي إذا أراد أن يعرف هل أصاب أم لا؟ نظر إلى السَّهم والنصل، هل بهما شيءٌ من الدم؟ فإن لم يجد قال: إن كنت أصبت فإنَّ بالنَّضِي أو الريش شيئًا من الدم، فإذا نظر فلم يجد شيئًا عرف أنه لم يصب، وهذا مثل ضربه النبي ﷺ للخوارج، أبان به أنهم يخرجون من الإسلام، لا يعلق بهم منه شيءٌ، كما أنَّه لم يعلق بالسهم من الدَّم والفرْث شيء. قوله: (أو مثل البَضْعَةِ) بفتح الموحدة وسكون المعجمة القطعة من اللحم. قوله: (تَدَرْدَرُ) بفتح أوله ودالين مهملتين مفتوحتين بينهما راء ساكنة وآخره راء وهو على حذف إحدى التاءين، وأصله تتدردر (٥)، ومعناه تتحرك وتذهب وتجيء، وأصله حكاية صوت الماء في بطن الوادي إذا تدافع (٦). قوله: (يخرجون على حين فرقةٍ من الناس) في كثير من الروايات: "حين فرقة" بكسر الحاء المهملة، وآخره نون.

стр. 6586

ويؤيد هذه الرواية الرواية المذكورة في الباب عن أبي سعيد (١) بلفظ: "عند فرقة من الناس". وفي رواية لأحمد (٢) وغيره: "حين فترة من الناس" بفتح الفاء وسكون المثناة الفوقية. ووقع للكشميهني (٣): "خَيْر فِرْقَةٍ" بفتح الخاء المعجمة، وآخره راء، وفرقة بكسر الفاء، والرواية الأولى هي المعتمدة. قوله: (فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم)، في رواية للبخاري (٤): "وأشهد أن عليًا قتلهم"، نسب القتل إلى عليّ لكونه كان القائم في ذلك. قوله: (بِذُهَيْبَة) بضم الذال المعجمة وفتح الهاء تصغير ذهبة. قوله: (وعلقمة بن عُلاثةَ العامري) عُلاثَة بضم العين المهملة وبالمثلثة. قوله: (صناديد أهل نجد) جمع صنديد: وهو الشجاع، أو الحليم، أو الجواد، أو الشريف على ما في القاموس (٥). قوله: (غائر العينين) بالغين المعجمة، والمراد أن عينيه منحدرتان عن الموضع المعتاد، ووجنتيه مشرفتان، أي: مرتفعتان عن المكان المعتاد، وجبينه ناتئ، أي: بارز. قوله: (محلوق) أي: رأسُهُ جميعُه محلوق. وقد ورد ما يدل على أن حلق الرؤوس من علامات الخوارج كما في حديث أبي سعيد عند أبي داود (٦) والطبراني (٧) بلفظ: "قيل: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: التحليق".

стр. 6587

وفي رواية أخرى (١) من حديثه بلفظ: "فقام رجل فقال: يا نبي الله هل في هؤلاء القوم علامة؟ قال: يحلقون رؤوسهم". قوله: (من ضِئْضِئ): بضادين معجمتين مكسورتين، بينهما همزة ساكنة وآخره همزة، قال في القاموس (٢): الضئضئ، كجرجر، وجرجير، والضؤضؤ، كهدهد، وسرسور: الأصل والمعدن أو كثرة النسل وبركته. انتهى. قوله: (أولاهما بالحقِّ) فيه دليل على أن عليًا ومن معه هم المحقون، ومعاوية ومن معهم هم المبطلون، وهذا أمر لا يمتري فيه منصف ولا يأباه إلا مكابر متعسف، وكفى دليلًا على ذلك هذا الحديث. وحديث: "تقتل عمارًا الفئة الباغية"، وهو في الصحيح (٣).

стр. 6588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 6589

وقد وردت في الخوارج أحاديث: (منها): ما أخرجه الطبري عن أبي بكرة يرفعه: "إن في أمتي أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، فإذا لقيتموهم فأنيموهم"، أي: اقتلوهم. وأخرج الطبري وأبو يعلى (١) أيضًا من رواية مسروق قال: "قالت لي عائشة من قتل المخدج؟ قلت: علي، قالت: فأين؟ قلت: على نهر يقال لأَسْفَلِهِ النَّهْروان، قالت: ائتني على هذا ببينة، فأتيتها بخمسين نفسًا فشهدوا أن عليًا قتله بالنهروان". وأخرج الطبراني في الأوسط (٢) من طريق [عامر بن سعد] (٣) قال: قال عمار لسعد: أما سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يخرجُ قومٌ من أمتي يمرقُونَ من الدِّينِ مروقَ السَّهمِ من الرَّميَّةِ يقتلُهم علي بن أبي طالب؟ قال: إي والله". وأخرج يعقوب بن سفيان (٤) من طريق عمران بن حدير عن أبي مجلز قال:

стр. 6590

"كان أهل النهروان أربعة آلاف، فقتلهم المسلمون، ولم يقتل من المسلمين سوى تسعة؟ فإن شئت فاذهب إلى أبي برزة فسله فإنه شهد ذلك". وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده (١) من طريق حبيب بن أبي ثابت قال: أتيت أبا وائل فقلت: أخبرني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم عليٌّ؛ فيم فارقوه؟ وفيم استحلَّ قتالهم؟ قال: لما كان بصفين استحرَّ القتل في أهل الشام فرفعوا المصاحف … فذكر قصة التحكيم (٢)، فقال الخوارج ما قالوا ونزلوا حروراء، فأرسل إليهم علي فرجعوا ثم قالوا: نكون في ناحية، فإن قبل القضية قاتلناه، وإن نقضها قاتلنا معه، ثم افترقت منهم فرقة يقتلون الناس، فحدث علي عن النبي ﷺ بأمرهم. وأخرج أحمد (٣) والطبراني (٤) والحاكم (٥) من طريق عبد الله بن شدَّاد أنَّه دخل على عائشة مرجعه من العراق ليالي قتل عليٍّ فقالت له عائشة: تحدثني عن أمر هؤلاء القوم الذين قتلهم علي، قال: إنَّ عليًا لما كاتب معاوية، وحكَّم الحكمين، خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس، فنزلوا بأرض يقال لها: حروراء، من جانب الكوفة، وعتبوا عليه فقالوا: انسلخت من قميصٍ ألبسكه الله، ومن اسم سماك الله به، ثم حكَّمت الرجال في دين الله، ولا حكم إلا لله، فبلغ ذلك عليًا، فجمع الناس فدعا بمصحف عظيم، فجعل يضربه بيده ويقول: أيُّها المصحف؛ حدِّثِ الناس، فقالوا: ماذا تسأل؟ إنما هو مداد وورق ونحن نتكلم بما روينا منه، فقال: كتاب الله بيني وبين هؤلاء، يقول الله في امرأة ورجل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ (٦) الآية. وأمة محمد أعظم من امرأة ورجل،

стр. 6591

ونقموا عليَّ أن كاتبت معاوية وقد كاتب رسول الله ﷺ بن عمرو، ولقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة، ثم بعث إليهم ابن عباس فناظرهم، فرجع منهم أربعة آلاف، منهم: عبد الله بن الكوَّاء، فبعث علي إلى الآخرين أن يرجعوا فأبوا، فأرسل إليهم: كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دمًا حرامًا، ولا تقطعوا سبيلًا، ولا تظلموا أحدًا، فإن فعلتم نبذت إليكم الحرب. قال عبد الله بن شداد: فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدم الحرام" الحديث. وأخرج النسائي في الخصائص (١) صفة مناظرة ابن عباس لهم بطولها. وفي الأوسط للطبراني (٢) عن جندب بن عبد الله البجلي قال: "لما فارقت الخوارج عليًا خرج في طلبهم، فانتهينا إلى عسكرهم؛ فإذا له دويٌّ كدويِّ النحل من قراءة القرآن، وإذا فيهم أصحاب البرانس؛ يعني: الذين كانوا معروفين بالزهد والعبادة، قال: فدخلني من ذلك شدَّة، فنزلت عن فرسي وقمت أصلي، وقلت: اللهمَّ إن كان في قتال هؤلاء القوم لك طاعةٌ فائذن لي فيه، فمرّ بي عليٌّ، فقال لما حاذاني: نعوذ بالله من الشكِّ يا جندب! فلما جئته، أقبل رجل على برذون يقول: إن كان لك بالقوم حاجة فإنهم قد قطعوا النهر، قال: ما قطعوه! ثم جاء آخر كذلك، ثم جاء آخر كذلك، قال: لا، ما قطعوه ولا يقطعونه، وليقتلنَّ من دونه، عهد من الله ورسوله، قلت: الله أكبر، ثم ركبنا فسايرته فقال لي: سأبعث إليهم رجلًا يقرأ المصحف يدعوهم إلى كتاب الله وسنّة نبيهم، فلا يقبل علينا بوجهه حتى يرشقوه بالنبل، ولا يُقْتَلُ منا عشرة ولا ينجو منهم عشرة. قال: فانتهينا إلى القوم فأرسل إليهم رجلًا فرماه إنسان، فأقبل علينا بوجهه فقعد. وقال عليٌّ: دونكم القوم، فما قتل منا عشرة ولا نجا منهم عشرة".

стр. 6592

وأخرج يعقوب بن سفيان (١) بسند صحيح عن حميد بن هلال قال: حدثنا رجل من عبد القيس قال: لحقت بأهل النهروان مع طائفة منهم أسيرًا إذ أتينا على قرية بيننا نهر، فخرج رجل من القرية مروعًا فقالوا له: لا روع عليك، وقطعوا إليه النهر فقالوا: أنت ابن خباب بن الأرت صاحب النبي ﷺ ؟ قال: نعم، قالوا: فحدثنا عن أبيك، فحدثهم بحديث: "تكون فتنة فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول فكن". فقدَّموه فضربوا عنقه، ثم دعوا سريته وهي حبلى فبقروا عما في بطنها. ولابن أبي شيبة (٢) من طريق أبي مجلز قال: قال علي لأصحابه: لا تبدؤوهم بقتال حتى يحدثوا حدثًا، قال: فمر بهم عبد الله بن خباب فذكر قتلهم له ولجاريته وإنهم بقروا بطنها، وكانوا مروا على ساقية فأخذ واحد منها ثمرة فوضعها في فيه، فقالوا له: تمرة معاهد فبِمَ استحللتها؟ فقال لهم عبد الله بن خباب: أنا أعظم حرمة من هذه التمرة، فأخذوه فذبحوه فبلغ عليًا، فأرسل إليهم أقيدونا بقاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتله، فأذن حينئذ في قتالهم. وأخرج الطبري (٣) من طريق أبي مريم قال: أخبرني أخي أبو عبد الله أن عليًا سار إليهم حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان أرسل يناشدهم فلم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسوله، فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ منهم كلهم. وقد روي عن أبي سعيد الخدري قصة أخرى تتعلق بالخوارج فيها ما يخالف ما أسلفنا في أول الباب. [أخرج] (٤) أحمد (٥) بسندٍ جيِّدٍ عن أبي سعيد قال: جاء أبو بكر إلى

стр. 6593

رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني مررت بوادي كذا، فإذا رجل حسن الهيئة متخشع يصلي فيه، فقال: اذهب إليه فاقتله، قال: فذهب إليه أبو بكر فلما رآه يصلي كره أن يقتله فرجع، فقال النبي ﷺ لعمر: اذهب فاقتله، فرآه يصلي على تلك الحالة فرجع، فقال: يا علي اذهب إليه فاقتله، فذهب علي فلم يره، فقال النبي ﷺ : "إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا يعودون فيه، فاقتلوهم هم شر البرية". قال الحافظ (١) - بعد أن قال: إن إسناده جيد -: له شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى (٢) ورجاله ثقات. قال: ويمكن الجمع بأن يكون هذا الرجل هو الأول وكانت قِصَّتُهُ هذه الثانية متراخية عن الأولى، وأَذِن ﷺ في قتله بعد أن منع لزوال علة المنع وهي [التآلف] (٣)، وكأنه استغنى عنه بعد انتشار الإسلام، كما نهى عن الصلاة على من ينسب إلى النفاق بعد أن كان يجري عليهم أحكام الإسلام قبل ذلك، وكأن أبا بكر وعمر تمسَّكا بالنهي الأول عن قتل المصلين وحملا الأمر هنا على قيد أن يكون لا يصلي، فلذلك علَّلا عدم القتل بوجود الصلاة أو غلّبا جانب النهي. وفي أحاديث الباب دليل على مشروعية الكف عن قتل من يعتقد الخروج "على الإمام ما لم ينصب لذلك حربًا أو يستعد له، لقوله ﷺ : "فإذا خرجوا فاقتلوهم". وقد حكى الطبري الإجماع على ذلك في حق من لا يكفر باعتقاده. وقد اختلف أهل العلم في تكفير الخوارج (٤)، وقد صرح بالكفر القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي (٥) فقال: الصحيح أنهم كفار لقوله ﷺ :

стр. 6594

"يمرقون من الدين"، ولقوله: "لأقتلنهم قتل عاد"، وفي لفظ: "ثمود"، وكلٌّ منهما إنما هلك بالكفر. ولقوله: "هم شر الخلق" ولا يوصف بذلك إلا الكفار، ولقوله: "إنهم أبغض الخلق إلى الله تعالى". ولحكمهم على كل من خالف معتقدهم بالكفر والتخليد في النار فكانوا هم أحق بالاسم منهم، وممن جنح إلى ذلك من المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي فقال في فتاويه (١): احتج من كفّر الخوارج وغلاة الروافض بتكفيرهم أعلام الصحابة لتضمنه تكذيب النبي ﷺ في شهادته لهم بالجنة، قال: وهو عندي احتجاج صحيح. قال: واحتج من لم يكفرهم بأن الحكم بتكفيرهم يستدعي تقدم علمهم بالشهادة المذكورة علمًا قطعيًا، وفيه نظر، لأنا نعلم تزكية من كفروه علمًا قطعيًا إلى حين موته، وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفرهم. ويؤيده حديث (٢): "من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما". وفي لفظ لمسلم (٣): "من رمى مسلمًا بالكفر أو قال: عدو الله، إلا حار عليه". قال: وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم يرمون جماعةً بالكفر ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم، فيجب أن يحكم بكفرهم بمقتضى خبر الشارع، وهو نحو ما قالوه فيمن سجد للصنم ونحوه مما لا تصريح فيه بالجحود بعد أن فسروا الكفر بالجحود، فإن احتجوا بقيام الإجماع على تكفير فاعل ذلك قلنا: وهذه الأخبار الواردة في حقِّ هؤلاء تقتضي كفرهم، ولو لم يعتقدوا تزكية من كفروه علمًا قطعيًا، ولا ينجيهم اعتقاد الإسلام إجمالًا والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم كما لا ينجي الساجد للصنم ذلك.

стр. 6595

قال الحافظ (١): وممن جنح إلى بعض هذا المحبُّ الطبري في تهذيبه، فقال بعد أن سرد أحاديث الباب: فيه الردُّ على قول من قال: لا يخرج أحدٌ من الإسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالمًا فإنه مبطلٌ لقوله في الحديث: "يقولون الحق ويقرؤون القرآن ويمرقون من الإسلام ولا يتعلقون منه بشيء". ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطإ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه. ويؤيد القول بالكفر ما تقدم من الأمر بقتالهم وقتلهم مع ما ثبت من حديث ابن مسعود (٢): "إنه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وفيه: التارك لدينه المفارق للجماعة" كما تقدم. وقال القرطبي في المفهم (٣): يؤيد القول بتكفيرهم ما في الأحاديث من أنهم خرجوا من الإسلام ولم يتعلقوا منه بشيء كما خرج السهم من الرمية لسرعته وقوة راميه بحيث لم يتعلق من الرمية بشيء، وقد أشار إلى ذلك بقوله: "سبق الفرث والدم". وحكي في الفتح (٤) عن صاحب الشفاء (٥) أنه قال فيه: وكذا نقطع بكفر من قال قولًا يتوصل به إلى تضليل الأمة أو تكفير الصحابة. وحكاه صاحب الروضة (٦) في كتاب الردة عنه وأقرَّه. وذهب أكثر أهل الأصول (٧) من أهل السنّة إلى أن الخوارج فسّاق، وأن حكم الإسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين، ومواظبتهم على أركان الإسلام، وإنما فُسِّقُوا بتكفير المسلمين، مستندين إلى تأويلٍ فاسدٍ، وجرّهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليهم بالكفر والشرك.

стр. 6596

وقال الخطابي (١): أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فِرَق المسلمين، وأجازوا مناكحاتهم وأكل ذبائحهم، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام. وقال عياض (٢): كادت هذه المسألة تكون أشد إشكالًا عند المتكلمين من غيرها، حتى سأل الفقيه عبد الحقِّ الإمامَ أبا المعالي عنها فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة، وإخراج مسلم عنها، عظيم في الدين. قال (٣): وقد توقف القاضي أبو بكر الباقلاني قال: ولم يصرح القوم بالكفر وإنما قالوا أقوالًا تؤدي إلى الكفر. وقال الغزالي (١) في كتاب "التفرقة بين الإيمان والزندقة": الذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلًا، فإن استباحة دماء المسلمين المقرين بالتوحيد خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم مسلمٍ واحدٍ. قال ابن بطال (٤): ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين من جملة المسلمين. قال: وقد سئل علي عن أهل النهروان: هل كفروا؟ فقال: من الكفر فرّوا. قال الحافظ (٥): وهذا إن ثبت عن علي حمل على أنه لم يكن اطلع على معتقدهم الذي أوجب تكفيرهم عند من كفرهم. قال القرطبي في المفهم (٦): والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث، قال: فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون ويقتلون وتغنم أموالهم وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج، وعلى القول بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغي إذا شقوا العصا ونصبوا الحرب. قال (٧): وباب التكفير باب خطر ولا نعدل بالسلامة شيئًا.

стр. 6597

٣١/ ٣١٩١ - (وعَنْ مَرْوانَ بْنِ الْحَكَمِ قالَ: صَرَخَ صَارخٌ لِعَلِيٍّ يَوْمَ الجَمَلِ: لَا يُقْتَلَنَّ مُدْبِرٌ، وَلا يُذَفَّفُ على جَريحٍ، ومَنْ أَغْلَقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ، ومَنْ أَلْقَى السِّلاحَ فَهُوَ آمِنٌ. رواهُ سعِيدُ بن منْصُورٍ) (١). [أثر صحيح] ٣٢/ ٣١٩٢ - (وعَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: هَاجَتِ الْفِتْنَةُ وأَصحابُ رسُولِ الله ﷺ متَوافِرُونَ، فأجمَعُوا أَنْ لَا يُقَادَ أَحَدٌ، وَلا يُؤخَذَ مالٌ على تأوِيلِ القُرْآنِ إلَّا ما وُجِدَ بعَيْنِهِ، ذكَرَهُ أحمدُ في روايةِ الأثْرَمِ وَاحْتَجَّ بهِ) (٢). [أثر صحيح] أثر مروان أخرج نحوه أيضًا ابن أبي شيبة (٣) والحاكم (٤) والبيهقي (٥) من طريق عبد خير عن علي بلفظ: "نادى منادي علي يوم الجمل: ألا لا يتبع مدبرهم ولا يذفف على جريحهم". وأخرج الحاكم (٦) والبيهقي (٧) عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال لابن مسعود: "يا ابن أم عبد ما حكم من بغى من أمتي؟ "، قال؟ الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله ﷺ : "لا يتبع مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل أسيرهم". وفي لفظ: "ولا يذفف على جريحهم". وزاد: "ولا يغنم فيئهم". سكت عنه الحاكم. وقال ابن عدي (٨): هذا الحديث غير محفوظ.

стр. 6598

وقال البيهقي (١): ضعيف. قال الحافظ في بلوغ المرام (٢): وصححه الحاكم فوهم لأن في إسناده كوثر بن حكيم (٣) وهو متروك. [قال] (٤): وصحّ عن علي من طرق نحوه موقوفًا، أخرجه ابن أبي شيبة (٥) والحاكم (٦). اهـ. وكوثر المذكور قد صرح بتركه البخاري (٧). وأخرج البيهقي (٨) عن أبي أمامة قال: "شهدت صفين فكانوا لا يجهزون على جريح، ولا يقتلون موليًا، ولا يسلبون قتيلًا". وأخرج أيضًا (٩) عن أبي فاختة أن عليًا أُتي بأسير يوم صفين فقال: لا تقتلني صبرًا. فقال علي: لا أقتلك صبرًا إني أخاف الله ربّ العالمين ثم خلى سبيله. ثم قال: أفيك خير تبايع. وأخرج أيضًا (١٠) أن عليًا لم يقاتل أهل الجمل حتى دعا الناس ثلاثًا حتى إذا كان يوم الثالث دخل عليه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر فقالوا: قد أكثروا فينا الجراح، فقال: ما جهلت من أمرهم شيئًا، ثم توضأ وصلّى ركعتين حتى إذا فرغ رفع يديه ودعا ربه وقال لهم: إن ظفرتم على القوم فلا تطلبوا مدبرًا ولا تجهزوا على جريح، وانظروا إلى ما حضروا به الحرب من آلة فاقبضوه، وما سوى ذلك فهو لورثتهم. قال البيهقي (١١): هذا منقطع، والصحيح أنه لم يأخذ شيئًا ولم يسلب قتيلًا.

стр. 6599

وأخرج (١) أيضًا عن علي أنه كان لا يأخذ سلبًا. وأخرج (٢) أيضًا عن عرفجة عن أبيه قال: لما قتل علي أهل النهروان جال في عسكرهم، فمن كان يعرف شيئًا أخذه، حتى بقيت قِدْرٌ، ثم رأيتها أخذت بعدُ. وأثر الزهري أخرجه أيضًا البيهقي (٣) بلفظ: هاجت الفتنة الأولى فأدركت - يعني الفتنة - رجالًا ذوي عدد من أصحاب رسول الله ﷺ ممن شهد معه بدرًا وبلغنا أنهم يرون أن هذا أمر الفتنة لا يقام فيها على رجلٍ قاتل في تأويل القرآن قصاصٌ فيمن قتل، ولا حدٌّ في سباء امرأةٍ سبيت، ولا يُرى عليها حدٌّ، ولا بينها وبين زوجها ملاعنةٌ، ولا يرى أن يقذفها أحد إلا جلد الحدَّ، ويرى أن ترد إلى زوجها الأول بعد أن تعتدّ عدتها من زوجها الآخر، ويرى أن يرثها زوجها الأول. قوله: (ولا يُذَفَّفُ) بالذال المعجمة المفتوحة بعده فاء مشددة ثم فاء مخففة على صيغة البناء للمجهول، وهو في معنى يجهز. قال في القاموس (٤): ذفَّ على الجريح ذَفًّا، وذِفافًا ككتاب، وذَفَفًا محركة: أجهز. والاسم: الذَّفاف كسحاب. قال أيضًا (٥) في مادة جهاز: وجهز على الجريح كمنع، وأجهز: أثبت قتله وأسرعه وتمم عليه، وموت مجهز وجهيز: سريع. انتهى. وفي الأثر المذكور دليلٌ على أنه لا يجوز قتل من كان مدبرًا من البغاة، وكذلك يدل على ذلك الحديث المرفوع الذي ذكرناه، وعلى أنه لا يجهز على جريحهم، بل يترك على ما هو عليه إلا إذا كان المدبر أو الجريح مما له فئةٌ جاز

стр. 6600

قتله عند الهادوية (١) وأبي حنيفة (٢) والمروزي من الشافعية (٣). وقال الشافعي (٤): لا يجوز؛ إذ القصد دفعهم في تلك الحال، وقد وقع، وهو الظاهر من إطلاق النهي في الحديث، ولكنه يدلُّ على جواز القتل؛ إذا كان للباغي المذكور فئةٌ، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٥)، والهاربُ والجريحُ لم يحصل منهما ذلك. وأجيب بأن المراد بالفيئة إلى أمر الله ترك الصولة والاستطالة، وقد حصل ذلك من الهارب والجريح الذي لا يقدر على القتال. وأما ما روى زيد بن علي، عن أبيه، عن جده، عن علي أنه قال: لا تتبعوا موليًا ليس بمنحاز إلى فئة، فقد أجيب عن الاستدلال بمفهومه على جواز قتل من له فئة واتباعه بأن إمامة عليٌّ قطعيةٌ، وإمامة غيره ظنيةٌ فلا يكون الحكم متَّحدًا، بل المتوجه الوقوف على ظاهر النهي المرفوع إلى النبي ﷺ ، وهو وإن كان فيه المقال السابق ولكنه يؤيده أنَّ الأصل في دم المسلم تحريمُ سفكه، والآية المذكورة فيها الإذن بالمقاتلة إلى حصول تلك الغاية، وربما كان ذلك الهرب من [مقدماتها] (٦) إن لم يكن منها. قوله: (ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن) استدل به على عدم جواز مقاتلة البغاة إذا كانوا في بيوتهم أو طلبوا منّا الأمان؛ لأنهم إذا أغلقوا على أنفسهم فليسوا ببغاة في ذلك الوقت، واتصافهم بذلك الوصف شرط جواز مقاتلتهم؛ كما في الآية، وإذا طلبوا الأمان فقد فاؤوا إلى أمر الله تعالى، وهي الغاية التي أذن الله بالقتال إلى حصولها وقد حصلت. قوله: (فأجمعوا على أن لا يقاد أحد) ظاهره وقوع الإجماع منهم على عدم جواز الاقتصاص ممن وقع منه القتل لغيره في الفتنة، سواءٌ كان باغيًا أو مبغيًا عليه. وقد ذهبت الشافعية (٧) والحنفية (٨) والإمام يحيى (٩) إلى أنهم لا يضمنون ما

стр. 6601

أتلفوا: أي البغاة. وحكى أبو جعفر عن الهادوية (١) أنهم يضمنون. قوله: (ولا يؤخذ مالٌ على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه)، فيه دليل على أنه لا يجوز أخذ أموال البغاة إلا ما كان منها موجودًا عند القتال. قال في البحر (٢): ولا يجوز سبيهم، ولا اغتنام ما لم يجلبوا به إجماعًا، لبقائهم على الملة. وحكي عن أكثر العترة (٣) أنه يجوز اغتنام ما أجلبوا به من مال وآلة حرب. وحكي عن النفس الزكية (٤) والحنفية (٥) والشافعية (٦) أنه لا يغنم منهم شيء، ويدل على ذلك ما تقدم من الحديث المرفوع بلفظ: "ولا يغنم [منهم] (٧) ". واعلم أن قتال البغاة جائز إجماعًا كما حكي ذلك في البحر (٨)، ولا يبعد أن يكون واجبًا لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ (٩)، وقد حكي في البحر (١٠) أيضًا عن العترة جميعًا أن جهادهم أفضل من جهاد الكفار إلى ديارهم، إذ فعلهم في دار الإسلام كفعل الفاحشة في المسجد. قال في البحر (١١) أيضًا: والبغي فسق إجماعًا. [الباب السابع] بابُ الصَّبْرِ على جَوْرِ الأئمةِ وتركِ قتالِهم والكفِّ عن إقامةِ السيفِ ٣٣/ ٣١٩٣ - (عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيئًا يَكَرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ فإنّهُ مَنْ فارَقَ الجَماعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ فمِيتَتُهُ جَاهِلية" (١٢). [صحيح]

стр. 6602

وفي لفظٍ: "مَنْ كرِهَ مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فلْيَصْبِرْ عَليهِ فإنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ خَرَجَ مِنَ السُّلْطانِ شِبْرًا فمَاتَ عَلَيْهِ إلا مَاتَ [مِيْتَةً] (١) جاهِلِيةً") (٢). [صحيح] ٣٤/ ٣١٩٤ - (وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "كانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأنبِيَاءُ، كلّما هلَكَ نَبِيّ خَلفَهُ نَبِي، وإنهُ لَا نبيَّ بَعْدِي وسَيكُونُ خُلفاءُ فيَكْثُرونَ"، قالُوا: فمَا تأمُرُنا؟ قالَ: "فُوا بِبَيْعَةِ الأوَّلِ فالأوَّلِ، ثمَّ أعْطُوهُمْ حقَّهُمْ، فإنَّ الله سائلهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ" (٣). مُتَّفَقٌ عَليهنَّ). [صحيح] قوله: (فليصبر) في رواية للبخاري (٤): "فليصبر عليه". قوله: (من فارق الجماعة شبرًا) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة كناية عن معصية السلطان ومحاربته. قال ابن أبي جمرة (٥): المراد بالمفارقة السعي في حلِّ عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير، ولو بأدنى شيء، فكنَّى عنها بمقدار الشبر؛ لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حقٍّ. قوله: (فميتتهُ جماهليةٌ) في رواية للبخاري (٦): "مات ميتة جاهلية". وفي رواية له أخرى (٧): "فمات إلا مات ميتة جاهلية". وفي رواية لمسلم (٨): "فميتته ميتة جاهلية". وفي أخرى له (٩) من حديث ابن عمر: "من خلع يدًا من طاعة لقي الله ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة نجاهلية". وفي الرواية الأخرى (١٠) من حديث ابن عباس المذكور: "فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية".

стр. 6603

قال الكرماني (١): الاستثناء هنا: بمعنى الاستفهام الإنكاري، أي: ما فارق الجماعة أحد إلا جرى له كذا، أو حذف (ما) فهي مقدرةٌ، أو (إلا) زائدةٌ، أو عاطفة على رأي الكوفيين. والمراد بالميتة الجاهلية وهي بكسر الميم أن يكون حاله في الموت كموت أهل الجاهلية على ضلال، وليس له إمام مطاع، لأنهم كانوا لا يعرفون ذلك، وليس المراد أنه يموت كافرًا بل يموت عاصيًا. ويحتمل أن يكون التشبيه على ظاهره، ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي وإن لم يكن جاهليًا، أو أن ذلك ورد مورد الزجر والتنفير، فظاهره غير مراد. ويؤيد أن المراد بالجاهلية التشبيه ما أخرجه الترمذي (٢) وابن خزيمة (٣) وابن حبان وصححه (٤) من حديث الحارث بن الحارث الأشعري من حديث طويل، وفيه: "من فارق الجماعة شبرًا فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه". وأخرجه البزار (٥) والطبراني في الأوسط (٦) من حديث ابن عباس، وفي سنده خليد بن دعلج وفيه مقال، وقال: "من رأسه" بدل: "من عنقه". قوله: (فُوا بِبَيْعَةِ الأول فالأول)، فيه دليل على أنَّه يجب على الرعيَّة الوفاءُ ببيعة الإمام الأول، ثمَّ الأوَّل، ولا يجوز لهم المبايعة للإمام الآخر قبل موت الأول. قوله: (ثم أعطوهم حقَّهم) أي: ادفعوا إلى الأمراء حقَّهم الذي لهم

стр. 6604

المطالبة به وقبضه، سواءٌ كان يختصُّ بهم أو يعمُّ، وذلك من الحقوق الواجبة في المال، كالزكاة، وفي الأنفس، كالخروج إلى الجهاد، وظاهر الحديث العموم في المخاطبين. ونقل ابن التين (١) عن الداودي أنه خاص بالأنصار، وكأنه أخذه من كون المخاطب بذلك الأنصار كما في حديث عبد الله بن زيد (٢)، ولا يلزم من مخاطبتهم بذلك أن يختص بهم، فإنه يختص بهم بالنسبة إلى المهاجرين ويختص ببعض المهاجرين دون بعض، فالمستأثر من يلي الأمر ومن عداه هو الذي يستأثر عليه، ولما كان الأمر يختص بقريش ولا حظَّ للأنصار فيه خوطب الأنصار في بعض الأوقات، وهو خطاب للجميع بالنسبة إلى من لا يلي الأمر، وقد ورد ما يدل على التعميم. ففي حديث يزيد بن سلمة الجعفي عند الطبراني (٣) أنه قال: "يا رسول الله إن كان علينا أمراءُ يأخذونا بالحق [الذي علينا] (٤) ويمنعونا الحق الذي لنا، أنقاتلهم؟ قال: لا، عليهم ما حُمِّلوا، وعليكم ما حُمِّلتم". وأخرج مسلم (٥) من حديث أم سلمة مرفوعًا: "سيكون أمراء فتعرفون

стр. 6605

وتنكرون، فمن كره برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وبايع. قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلُّوا". ونحوه حديث عوف بن مالك الآتي (١). وفي مسند الإسماعيلي من طريق أبي مسلم الخولاني عن أبي عبيدة بن الجراح عن عمر رفعه قال: "أتاني جبريل فقال: إن أمتك مفتتنة من بعدك، فقلت: من أين؟ قال: من قبل أمرائهم وقرَّائهم، يمنع الأمراء الناس الحقوق فيطلبونَ حقوقهم فيفتنون، ويتبع القراء الأمراء فيفتنون، قلت: فكيف يسلم من سلم منهم؟ قال: بالكف والصبر، إن أعطوا الذي لهم أخذوه، وإن مُنِعوه تركوه" (٢). ٣٥/ ٣١٩٥ - (وعَنْ عَوْفِ بْنِ مالكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: سمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "خِيار أئمَّتِكُم الَّذِبنَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونكُمْ، وتصلُّونَ عَلَيْهِمْ ويَصلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أئمَّتِكُمُ الَّذِينَ تَبْغُضُونَهُمْ وَيَبْغُضُونَكُمْ، وتَلْعَنُونَهُمْ ويَلْعَنُونكمْ"، قالَ: قلْنا: يا رَسُولَ الله أَفلَا نُنَابِذُهُمْ عِندَ ذلِكَ؟ قالَ: "لَا، ما أَقامُوا فيكُم الصَّلَاةَ إلَّا مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله فلْيَكْرَهْ ما يأتِي مِنْ مَعْصِيةِ الله وَلَا ينْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ") (٣). [صحيح] ٣٦/ ٣١٩٦ - (وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "يَكونُ بَعْدِي أَئِمَّة لا يَهْتَدُونَ بهَدْيي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بسُنَّتِي، وسَيَقُومُ فِيكُمْ رِجالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّياطِينِ في جُثْمانِ إنْسٍ"، قالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يا رسُولَ الله إنْ أَدْرَكْتُ ذلِكَ؟ قَالَ: "تَسْمَعُ وتُطيعُ"، وَإنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وأُخذَ مالُكَ فاسْمَعْ وَأَطعْ" (٤). [صحيح]

стр. 6606

٣٧/ ٣١٩٧ - (وعَنْ عَرْفَجَةَ الأشْجَعِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أتاكم وأمْركمْ جَمِيعٌ على رَجُلٍ واحدٍ يُريدُ أنْ يَشُقَّ عَصاكُمْ، أوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فاقْتُلُوهُ" (١). رواهُنَّ أحمدُ ومُسلمٌ). [صحيح] ٣٨/ ٣١٩٨ - (وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ الله ﷺ على السَّمْعِ والطَّاعَةِ في مَنْشَطِنا ومَكْرَهِنا، وعُسْرنا ويُسْرنا وأَثَرَةٍ عَلَيْنا، وأَنْ لا نُنَازعَ الأَمْرَ أَهْلهُ إلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ فِيهِ مِنَ الله بُرْهانٌ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ) (٢). [صحيح] ٣٩/ ٣١٩٩ - (وعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "يَا أبَا ذَرّ كَيْفَ بِكَ عِنْدَ وُلَاةٍ يَسْتَأثِرُونَ عَلَيْكَ بِهَذا الفَيءِ؟ "، قالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ أَضَعُ سَيْفي على عاتِقي وأضربُ حتَّى أَلْحَقَكَ، قالَ: "أولَا أدُلُّكَ على ما هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ ذَلِكَ؟ تصْبِرُ حتَّى تَلْحَقَنى". رَوَاهُ أَحمَدُ) (٣). [ضعيف] حديث أبي ذر في إسناده خالد بن وُهبان، قال في التقريب (٤): مجهول من الثالثة. وقال في التهذيب (٥): ذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو حاتم (٦): مجهول. وفي الباب أحاديثُ غير هذه، بعضها تقدم في باب (٧) (براءة رب المال بالدفع إلى السلطان الجائر) في كتاب الزكاة (٨)، وبعضها مذكور في غير هذا

стр. 6607

الكتاب، من ذلك حديث ابن عمر عند الحاكم (١) بلفظ: "من خرج من الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتى يراجعه، ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن ميتته ميتة جاهلية". وقد قدمنا نحوه قريبًا (٢) عن الحارث بن الحارث الأشعري. ورواه الحاكم (٣) من حديث معاوية أيضًا. والبزار (٤) من حديث ابن عباس. وأخرج مسلم (٥) من حديث أبي هريرة بلفظ: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فميتته جاهلية". وأخرج أيضًا مسلم (٦) نحوه عن ابن عمر وفيه قصة. وأخرج الشيخان (٧) من حديث أبي موسى الأشعري بلفظ: "من حمل علينا السلاح فليس منّا". وأخرجاه (٨) أيضًا من حديث ابن عمر. [وأخرج] (٩) مسلم من حديث أبي هريرة (١٠)، وسلمة بن الأكوع (١١). وأخرج أحمد (١٢) وأبو داود (١٣) والحاكم (١٤) من حديث أبي ذر: "من فارق الجماعة قدر شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".

стр. 6608

وأخرج البخاري (١) من حديث أنس: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عبد حبشي رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله تعالى. وأخرج الشيخان (٢) من حديث أبي هريرة: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني". وأخرج الشيخان (٣) وغيرهما (٤) من حديث ابن عمر: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". وأخرج الترمذي (٥) من حديث ابن عمر: "ألا أخبركم بخير أمرائكم وشرارهم؟ خيارهم الذين تحبونهم ويحبونكم وتدعون لهم ويدعون لكم، وشرار أمرائكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم [وتلعنونهم] (٦) ويلعنونكم". وأخرج الترمذي (٧) من حديث أبي بكرة: "من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله تعالى". والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وهذا طرف منها. قوله: (خيار أئمتكم .. إلخ) فيه دليل على مشروعية محبَّة الأئمة، والدعاء لهم، وإنَّ من كان من الأئمة محبًا للرعية ومحبوبًا لديهم، وداعيًا لهم، ومدعوًا له منهم؛ فهو من خيار الأئمة، ومن كان باغضًا لرعيته، مبغوضًا عندهم، يسبّهم

стр. 6609

ويسّبونه، فهو من شوارهم، وذلك لأنه إذا عدل فيهم وأحسن القول لهم أطاعوه وانقادوا له وأثنوا عليه، فلما كان هو الذي يتسبب بالعدل وحسن القول إلى المحبة والطاعة والثناء منهم كان من خيار الأئمة، ولما كان هو الذي يتسبب أيضًا بالجور والشتم للرعية إلى معصيتهم له وسوء القالة منهم فيه كان من شرار الأئمة. قوله: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، فيه دليل على أنَّه لا يجوز منابذة الأئمة بالسيف مهما كانوا مقيمين للصلاة، ويدلُّ ذلك بمفهومه على جواز المنابذة عند تركهم للصلاة. وحديث عبادة بن الصامت (١) المذكور فيه دليل على أنها لا تجوز المنابذة إلا عند ظهور الكفر البواح وهو بموحدة فمهملة. قال الخطابي (٢): معنى قوله: "بواحًا" يريد ظاهرًا باديًا من قولهم: باح الشيء يبوح به بوحًا وبواحًا إذا ادعاه وأظهره. قال (٣): ويجوز بوحًا بسكون الواو، ويجوز بضم أوله ثم همزة ممدودة. قال: ومن رواهُ بالراء فهو قريب من هذا المعنى. وأصل البراح: الأرض القفر التي لا أنيس فيها ولا بناء، وقيل (٤): البراح: البيان، يقال: برح الخفاء إذا ظهر. قال النووي (٥): هي في معظم النسخ من مسلم بالواو وفي بعضها بالراء. قال الحافظ (٦): ووقع عند الطبراني: "كفرًا صراحًا" بصاد مهملة مضمومة ثم راء، ووقع في رواية: "إلا أن تكون معصية لله بواحًا". وفي رواية لأحمد (٧): "ما لم يأمرك بإثم بواحًا".
следующие страницы →