← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6605–6644 · переход к 6610.

стр. 6605

وتنكرون، فمن كره برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وبايع. قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا، ما صلُّوا". ونحوه حديث عوف بن مالك الآتي (١). وفي مسند الإسماعيلي من طريق أبي مسلم الخولاني عن أبي عبيدة بن الجراح عن عمر رفعه قال: "أتاني جبريل فقال: إن أمتك مفتتنة من بعدك، فقلت: من أين؟ قال: من قبل أمرائهم وقرَّائهم، يمنع الأمراء الناس الحقوق فيطلبونَ حقوقهم فيفتنون، ويتبع القراء الأمراء فيفتنون، قلت: فكيف يسلم من سلم منهم؟ قال: بالكف والصبر، إن أعطوا الذي لهم أخذوه، وإن مُنِعوه تركوه" (٢). ٣٥/ ٣١٩٥ - (وعَنْ عَوْفِ بْنِ مالكٍ الأشْجَعِيِّ قالَ: سمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "خِيار أئمَّتِكُم الَّذِبنَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونكُمْ، وتصلُّونَ عَلَيْهِمْ ويَصلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أئمَّتِكُمُ الَّذِينَ تَبْغُضُونَهُمْ وَيَبْغُضُونَكُمْ، وتَلْعَنُونَهُمْ ويَلْعَنُونكمْ"، قالَ: قلْنا: يا رَسُولَ الله أَفلَا نُنَابِذُهُمْ عِندَ ذلِكَ؟ قالَ: "لَا، ما أَقامُوا فيكُم الصَّلَاةَ إلَّا مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ الله فلْيَكْرَهْ ما يأتِي مِنْ مَعْصِيةِ الله وَلَا ينْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ") (٣). [صحيح] ٣٦/ ٣١٩٦ - (وعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "يَكونُ بَعْدِي أَئِمَّة لا يَهْتَدُونَ بهَدْيي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بسُنَّتِي، وسَيَقُومُ فِيكُمْ رِجالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّياطِينِ في جُثْمانِ إنْسٍ"، قالَ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يا رسُولَ الله إنْ أَدْرَكْتُ ذلِكَ؟ قَالَ: "تَسْمَعُ وتُطيعُ"، وَإنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وأُخذَ مالُكَ فاسْمَعْ وَأَطعْ" (٤). [صحيح]

стр. 6606

٣٧/ ٣١٩٧ - (وعَنْ عَرْفَجَةَ الأشْجَعِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "مَنْ أتاكم وأمْركمْ جَمِيعٌ على رَجُلٍ واحدٍ يُريدُ أنْ يَشُقَّ عَصاكُمْ، أوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فاقْتُلُوهُ" (١). رواهُنَّ أحمدُ ومُسلمٌ). [صحيح] ٣٨/ ٣١٩٨ - (وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ الله ﷺ على السَّمْعِ والطَّاعَةِ في مَنْشَطِنا ومَكْرَهِنا، وعُسْرنا ويُسْرنا وأَثَرَةٍ عَلَيْنا، وأَنْ لا نُنَازعَ الأَمْرَ أَهْلهُ إلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ فِيهِ مِنَ الله بُرْهانٌ. مُتّفَقٌ عَلَيْهِ) (٢). [صحيح] ٣٩/ ٣١٩٩ - (وعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "يَا أبَا ذَرّ كَيْفَ بِكَ عِنْدَ وُلَاةٍ يَسْتَأثِرُونَ عَلَيْكَ بِهَذا الفَيءِ؟ "، قالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ أَضَعُ سَيْفي على عاتِقي وأضربُ حتَّى أَلْحَقَكَ، قالَ: "أولَا أدُلُّكَ على ما هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ ذَلِكَ؟ تصْبِرُ حتَّى تَلْحَقَنى". رَوَاهُ أَحمَدُ) (٣). [ضعيف] حديث أبي ذر في إسناده خالد بن وُهبان، قال في التقريب (٤): مجهول من الثالثة. وقال في التهذيب (٥): ذكره ابن حبان في الثقات. وقال أبو حاتم (٦): مجهول. وفي الباب أحاديثُ غير هذه، بعضها تقدم في باب (٧) (براءة رب المال بالدفع إلى السلطان الجائر) في كتاب الزكاة (٨)، وبعضها مذكور في غير هذا

стр. 6607

الكتاب، من ذلك حديث ابن عمر عند الحاكم (١) بلفظ: "من خرج من الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتى يراجعه، ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن ميتته ميتة جاهلية". وقد قدمنا نحوه قريبًا (٢) عن الحارث بن الحارث الأشعري. ورواه الحاكم (٣) من حديث معاوية أيضًا. والبزار (٤) من حديث ابن عباس. وأخرج مسلم (٥) من حديث أبي هريرة بلفظ: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فميتته جاهلية". وأخرج أيضًا مسلم (٦) نحوه عن ابن عمر وفيه قصة. وأخرج الشيخان (٧) من حديث أبي موسى الأشعري بلفظ: "من حمل علينا السلاح فليس منّا". وأخرجاه (٨) أيضًا من حديث ابن عمر. [وأخرج] (٩) مسلم من حديث أبي هريرة (١٠)، وسلمة بن الأكوع (١١). وأخرج أحمد (١٢) وأبو داود (١٣) والحاكم (١٤) من حديث أبي ذر: "من فارق الجماعة قدر شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه".

стр. 6608

وأخرج البخاري (١) من حديث أنس: "اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عبد حبشي رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله تعالى. وأخرج الشيخان (٢) من حديث أبي هريرة: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني". وأخرج الشيخان (٣) وغيرهما (٤) من حديث ابن عمر: "على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". وأخرج الترمذي (٥) من حديث ابن عمر: "ألا أخبركم بخير أمرائكم وشرارهم؟ خيارهم الذين تحبونهم ويحبونكم وتدعون لهم ويدعون لكم، وشرار أمرائكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم [وتلعنونهم] (٦) ويلعنونكم". وأخرج الترمذي (٧) من حديث أبي بكرة: "من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله تعالى". والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وهذا طرف منها. قوله: (خيار أئمتكم .. إلخ) فيه دليل على مشروعية محبَّة الأئمة، والدعاء لهم، وإنَّ من كان من الأئمة محبًا للرعية ومحبوبًا لديهم، وداعيًا لهم، ومدعوًا له منهم؛ فهو من خيار الأئمة، ومن كان باغضًا لرعيته، مبغوضًا عندهم، يسبّهم

стр. 6609

ويسّبونه، فهو من شوارهم، وذلك لأنه إذا عدل فيهم وأحسن القول لهم أطاعوه وانقادوا له وأثنوا عليه، فلما كان هو الذي يتسبب بالعدل وحسن القول إلى المحبة والطاعة والثناء منهم كان من خيار الأئمة، ولما كان هو الذي يتسبب أيضًا بالجور والشتم للرعية إلى معصيتهم له وسوء القالة منهم فيه كان من شرار الأئمة. قوله: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، فيه دليل على أنَّه لا يجوز منابذة الأئمة بالسيف مهما كانوا مقيمين للصلاة، ويدلُّ ذلك بمفهومه على جواز المنابذة عند تركهم للصلاة. وحديث عبادة بن الصامت (١) المذكور فيه دليل على أنها لا تجوز المنابذة إلا عند ظهور الكفر البواح وهو بموحدة فمهملة. قال الخطابي (٢): معنى قوله: "بواحًا" يريد ظاهرًا باديًا من قولهم: باح الشيء يبوح به بوحًا وبواحًا إذا ادعاه وأظهره. قال (٣): ويجوز بوحًا بسكون الواو، ويجوز بضم أوله ثم همزة ممدودة. قال: ومن رواهُ بالراء فهو قريب من هذا المعنى. وأصل البراح: الأرض القفر التي لا أنيس فيها ولا بناء، وقيل (٤): البراح: البيان، يقال: برح الخفاء إذا ظهر. قال النووي (٥): هي في معظم النسخ من مسلم بالواو وفي بعضها بالراء. قال الحافظ (٦): ووقع عند الطبراني: "كفرًا صراحًا" بصاد مهملة مضمومة ثم راء، ووقع في رواية: "إلا أن تكون معصية لله بواحًا". وفي رواية لأحمد (٧): "ما لم يأمرك بإثم بواحًا".

стр. 6610

وفي رواية له (١) وللطبراني (٢) عن عبادة: "سَيَلِي أموركم من بعدي رجال يعرّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله". وعند ابن أبي شيبة (٣) من حديث عبادة: "سيكون عليكم أمراء يأمرونكم بما لا تعرفون، ويفعلون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة". قوله: (فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدًا من طاعة)، فيه دليل على أن من كره بقلبه ما يفعله السلطان من المعاصي كفاه ذلك، ولا يجب عليه زيادة عليه. وفي الصحيح (٤): "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، [فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه] (٥). ويمكن حمل حديث الباب وما ورد في معناه على عدم القدرة على التغيير باليد واللسان، ويمكن أن يجعل مختصًا بالأمراء إذا فعلوا منكرًا لما في الأحاديث الصحيحة من تحريم معصيتهم ومنابذتهم، فكفى في الإنكار عليهم مجرد الكراهة بالقلب، لأن في إنكار المنكر عليه باليد واللسان تظهُّرًا بالعصيان، وربما كان ذلك وسيلة إلى المنابذة بالسيف. قوله: (في جُثْمان إنس) بضم الجيم وسكون المثلثة: أي لهم قلوب كقلوب الشياطين وأجسام كأجسام الإنس. قوله: (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع)، فيه دليل على وجوب

стр. 6611

طاعة الأمراء، وإن بلغوا في العسف والجور إلى ضرب الرعية وأخذ أموالهم، فيكون هذا مخصصًا لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٢). قوله: (وعن عرفجة) (٣) بفتح العين المهملة، وسكون الراء، وفتح الفاء بعدها جيم: هو ابن شُريح بضم المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية بعدها حاء. وقيل: ابن ضريح بضم الضاد المعجمة. وقيل: ذريح بفتح الذال المعجمة وكسر الراء. وقيل: صريح بضم الصاد المهملة. وقيل: شراحيل، وقيل: سريج بضم السين المهملة وآخره جيم. ويقال له: الأشجعي، وبقال: الكندي، ويقال: الأسلمي. قوله: (بايعنا رسول الله ﷺ ) بفتح العين، ورسول فاعله. قوله: (في منشطنا) بفتح الميم والمعجمة، وسكون النون التي بينهما: أي في حال نشاطنا وحال كراهتنا وعجزنا عن العمل بما نؤمر به. ونقل ابن التين (٤) عن الداودي أن المراد الأشياء التي يكرهونها. قال ابن التين (٤): والظاهر أنه أراد في وقت الكسل، والمشقة في الخروج، ليطابق معنى منشطنا. ويؤيده ما عند أحمد (٥) في حديث عبادة بلفظ: "في النشاط والكسل". قوله: (وأثرة علينا) بفتح الهمزة والمثلثة، والمراد أن طاعتهم لمن يتولى عليهم لا تتوقف على إيصالهم حقوقهم، بل عليهم الطاعة ولو منعهم حقهم. قوله: (وإن لا ننازع الأمر أهله) أي: الملك والإمارة، زاد أحمد في رواية: "وإن رأيت أن لك في الأمر حقًّا فلا تعمل بذلك الظن، بل اسمع وأطع إلى أن يصل إليكم بغير خروج عن الطاعة".

стр. 6612

قوله: (إلا أن تروا كفرًا بواحًا) قد تقدم [ضبطه وتفسيره] (١). قوله: (عندكم فيه من الله برهان) أي: نصُّ آية، أو خبر صريح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل. قال النووي (٢): المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرًا محققًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم. اهـ. قال في الفتح (٣): وقال غيره: إذا كانت المنازعة في الولاية فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر، وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية، فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف، ومحل ذلك إذا كان قادرًا. ونقل ابن التين (٤) عن الداودي قال: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا فالواجب الصبر. وعن بعضهم لا يجوز عقد الولاية لفاسق ابتداء، فإن أحدث جورًا بعد أن كان عدلًا فاختلفوا في جواز الخروج عليه، والصحيح المنع إلا أن يكفر فيجب الخروج عليه. قال ابن بطال (٥): إن حديث ابن عباس المذكور في أول الباب (٦) حجة في ترك الخروج على السلطان ولو جار. قال في الفتح (٧): وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وإن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء، ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها كما في الحديث. اهـ.

стр. 6613

وقد استدل القائلون بوجوب الخروج على الظلمة ومنابذتهم السيف ومكافحتهم بالقتال بعمومات من الكتاب والسنّة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا شك ولا ريب أن الأحاديث التي ذكرها المصنف في هذا الباب وذكرناها أخص من تلك العمومات مطلقًا، وهي متواترة المعنى كما يعرف ذلك من له أنسة بعلم السنّة، ولكنه لا ينبغي لمسلم أن يحطَّ (١) على من خرج من السلف الصالح من العترة وغيرهم على أئمة الجور، فإنهم فعلوا ذلك باجتهاد منهم، وهم أتقى لله وأطوع لسنّة رسول الله من جماعة ممن جاء بعدهم من أهل العلم. ولقد أفرط بعض أهل العلم كالكرَّامية (٢) ومَنْ وافقهم في الجمود على أحاديث الباب حتى حكموا بأن الحسين السِّبْط ﵁ وأرضاه -، باغٍ على الخمِّير السكِّير الهاتك لحرم الشريعة المطهرة يزيد بن معاوية (٣). فيا لله العجب من مقالاتٍ تقشعر منها الجلودُ، ويتصدَّع من سماعها كلُّ جلمودٍ.

стр. 6614

[الباب الثامن] باب ما جاءَ في حَدِّ السَّاحِرِ وَذَمِّ السِّحْرِ والكِهَانَةِ ٤٠/ ٣٢٠٠ - (عَنْ جُنْدَبٍ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بالسَّيْفِ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١) والدَّارقُطْنِيُّ (٢)، وضَعَّفَ التِّرْمِذِيُّ إسْنَادَهُ، وَقَالَ: الصَّحيحُ عَنْ جُنْدَبٍ مَوْقُوفٌ). [ضعيف]

стр. 6615

٤١/ ٣٢٠١ - (وعَنْ [بُجَالَةَ] (١) بْنِ عَبد قالَ: كُنْت كاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمّ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ فأتى كِتابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بشَهْرٍ: أَنْ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وسَاحِرَةٍ، وفَرِّقُوا بَيْنَ كُلّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنَ المَجُوسِ وانْهُوهُمْ عَنِ الزّمْزَمَةِ، فقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ، وجَعَلْنَا نُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَحَرِيمِهِ في كِتابِ الله تعَالى. رَواهُ أَحمدُ (٢) وأَبُو دَاوُدَ (٣). [صحيح] وللبُخاريِّ (٤) مِنهُ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ ذَوِي المحارِمِ). [صحيح] ٤٢/ ٣٢٠٢ - (وعَنْ محمَّدِ بْنِ عَبدِ الرَّحمنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ أَنّهُ بَلَغهُ أَنّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْها وكانَتْ قَدْ دَبّرَتْها فأمرت بِها فقُتِلَتْ. رَوَاهُ مالكٌ في المُوطَّإِ عَنْهُ) (٥). [موقوف صحيح]

стр. 6616

٤٣/ ٣٢٠٣ - (وعَنْ ابْنِ شِهَابٍ أنَّه سُئلَ أَعَلى مَنْ سَحَرَ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ قَتْلٌ؟ قالَ: بَلغنَا أَنَّ رسُول الله ﷺ قدْ صُنِعَ لهُ ذلِكَ فلمْ يقْتل مَنْ صنَعَه، وكانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. أَخْرَجَه البُخاريُّ) (١). [صحيح] حديث جندب: في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي (٢). قال الترمذي (٣) بعد ذكره: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا في هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث من قبل حفظه، وإسماعيل بن مسلم العبدي (٤) البصري قال وكيع: هو ثقة، ويروي عن الحسن أيضًا، والصحيح عن جندب موقوف. قال (٥): والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس. وقال الشافعي (٦): إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ الكفر، فإذا عمل عملًا دون الكفر فلم يرَ عليه قتلًا. اهـ. وأخرج هذا الحديث الحاكم (٧) والبيهقي (٨). وأثر عمر أخرجه أيضًا البيهقي (٩) وعبد الرزاق (١٠).

стр. 6617

وأثر حفصة أخرجه أيضًا عبد الرزاق (١). وقد استدل بحديث جندب من قال: إنه يقتل الساحر. قال النووي في شرح مسلم (٢): عمل السحر حرام وهو من الكبائر بالإجماع. قال (٣): وقد يكون كفرًا وقد لا يكون كفرًا بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر كفر وإلا فلا، وأما تعلمه وتعليمه فحرام، قال: ولا يقتل عندنا، يعني الساحر، فإن تاب قبلت توبته. وقال مالك (٤): السَّاحر كافر يقتل بالسحر، ولا يستتاب، ولا تقبل توبته، بل يتحتم قتله. والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق؛ لأن الساحر عنده كافر كما ذكرنا وعندنا ليس بكافر، وعندنا تقبل توبة المنافق والزنديق. قال القاضي عياض (٥): وبقول مالك قال أحمد بن حنبل، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين. قال أصحابنا: إذا قَتَل الساحرُ بسحره إنسانًا، أو اعترف أنه مات بسحره وأنه يقتل غالبًا لزمه القصاص، وإن مات به ولكنه قد يقتل وقد لا يقتل فلا قصاص وتجب الدِّيةُ والكفارة، وتكون الدية في ماله لا على عاقلته، لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجاني. قال أصحابنا: ولا يتصوّر القتل بالسحر بالبينة، وإنما يتصوّر باعتراف الساحر والله أعلم. اهـ. كلام النووي (٦). وحكي في البحر (٧) عن العترة وأبي حنيفة (٨) وأصحابه أن السحر كفر.

стр. 6618

وحكي أيضًا عن العترة (١) وأكثر الفقهاء أنه لا حقيقة له ولا تأثير لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (٢). وعن أبي جعفر الأستراباذي والمغربي من الشافعية أن له حقيقة وتأثيرًا (٣)، إذ قد يقتل كالسُّموم، وقد يغيِّر العقل، وقد يكون بالقول، فيفرِّق بين المرء وزوجه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ (٤)، أراد الساحرات، فلولا تأثيره لما استعاذ منه. وقد يحصل به إبدال الحقائق من الحيوانات. قلنا: سمَّاه الله خيالًا والخيال لا حقيقة له فقال: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٥)، قالوا: روت عائشة (٦): "أن النبي ﷺ سُحِرَ حتى كان لا يدري ما يقول"، قلنا: رواية ضعيفة. اهـ كلام البحر (٧). ويجاب عنه بأن الحديث صحيح كما سيأتي، ويأتي أيضًا أن مذهب جمهور العلماء أن للسحر تأثيرًا وهو الحق (٨) كما يأتي بيانه. قوله: (عن الزمزمة) بزايين معجمتين مفتوحتين بينهما ميم ساكنة. قال في القاموس (٩): الزمزمة: الصوت البعيد له دوي وتتابع صوت الرعد وهو أحسنه صوتًا وأثبته مطرًا، وتراطن العلوج على أكلهم وهم صموت لا يستعملون لسانًا ولا شفة، لكنه صوت تديره في [خياشيمها] (١٠) وحلوقها فيفهم بعضها عن بعض. اهـ.

стр. 6619

قوله: (فلم يقتل من صنعه .. إلخ) استدل به من قال: إنه لا يقتل الساحر. ويجاب عنه بما سيأتي قريبًا، وأيضًا ليس في ذلك دليل؛ لأن غايته جواز الترك لا عدم جواز الفعل، فيمكن الجمع على فرض عدم علم التاريخ بأنَّ القتل للساحر جائزٌ لا واجب. ٤٤/ ٣٢٠٤ - (وعَنْ عائِشةَ قالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ الله ﷺ حتى إنَّهُ ليُخَيَّلُ إليهِ أَنَّهُ فعَلَ الشَيْءَ ومَا فَعَلَهُ، حتَّى إذَا كانَ ذَاتَ يَوْمٍ وهْوَ عِنْدِي دَعا الله وَدَعا ثمَّ قالَ: "أَشَعَرْتِ يا عائشةُ أَنَّ الله قَدْ أفْتَانِي فِيما اسْتَفْتَيْتُهُ"، قُلْتُ: ومَا ذَاكَ يا رَسُولَ الله؟ قالَ: "جاءَني رجُلَانِ فَجَلَسَ أحَدهُما عِنْدَ رأسِي والآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي، ثمَّ قالَ أحَدهُما لِصاحِبه: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قالَ: مَطْبُوبٌ، قالَ: ومَنْ طَبَّهُ؟ قالَ: لَبِيْدُ بْنُ الأعْصَمِ اليَهُودِيُّ مِنْ بَنِي زُريقٍ، قالَ: فِيمَاذَا؟ قالَ: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ، وَجُفِّ طَلْعَةِ ذكَرٍ، قالَ: فأيْنَ هُوَ؟ قالَ: فِي بِئرِ ذَرْوَانَ". فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إلى الْبِئْرِ فَنَظَرَ إلَيْهَا وَعَلَيْهَا نَخلٌ ثمَّ رجَعَ إلى عائشةَ، فقالَ: "والله لَكَأنَّ مَاءَها نُقَاعَةُ الحِنَّاء، وَلَكَأنْ نخْلها رؤوسُ الشَّيَاطِينِ"، قُلْتُ: يا رسُولَ الله، أفأخْرَجْتَهُ؟ قالَ: "لَا، أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافاني الله وشَفَانِي، وَخِشيتُ أنْ أثَوِّرَ على النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا"، فأمَرَ بِها فَدُفِنَتْ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (١). [صحيح] وفي روايَةٍ لِمُسْلِمٍ (٢): قَالَتْ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله أفلَا أَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: "لا". [صحيح] قوله: (حتى إنه ليخيل إليه .. إلخ)، قال الإمام المازري (٣): مذهب أهل السنّة وجمهور علماء الأمة: إثبات السِّحر، وأنَّ له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء، خلافًا لمن أنكر ذلك، وأنكر حقيقته، وأضاف ما يقع منه إلى خيالاتٍ باطلةٍ لا حقائق لها، وقد ذكره الله تعالى في كتابه، وذكر أنه مما يتعلم، وذكر ما فيه إشارةٌ إلى أنه مما يكفر به، وأنه يفرَّق بين المرء وزوجه، وهذا كله

стр. 6620

لا يمكن فيما لا حقيقة له، وهذا الحديث أيضًا مصرِّح بإثباته وأنه أشياء دفنت وأخرجت، وهذا كله يبطل ما قالوه، فإحالة كونه من الحقائق محال. ولا يستنكر في العقل أن الله سبحانه يخرق العادة عند النطق بكلامٍ، أو تركيب أجسامٍ، أو المزج بين قوى على ترتيب لا يعرفه إلا الساحر. وإذا شاهد الإنسان بعض الأجسام، منها: قاتلة كالسموم، ومنها: مسقمة كالأدوية الحادة، ومنها: مضرة كالأدوية المضادة للمرض لم يستبعد عقله أن ينفرد الساحر بعلم قوى قتّالة أو كلام مهلك أو مؤدٍّ إلى التفرقة. قال: وقد أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث بسبب آخر، فزعم أنه يحط منصب النبوة وبشكك فيها، وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع. قال (١): وهذا الذي ادّعاه هؤلاء المبتدعة باطلٌ، لأنَّ الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ، والمعجزة شاهدةٌ بذلك، وتجويز ما قام الدليل بخلافه باطل. فأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا كان مفضلًا من أجلها وهو مما يعرض للبشر، فغير بعيد أن يخيَّل إليه وطئ زوجاته وليس بواطئ، وقد يتخيل الإنسان مثل هذا في المنام، فلا يبعد تخيله في اليقظة ولا حقيقة له. وقيل: إنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله، ولكن لا يعتقد صحة ما تخيله، فتكون اعتقاداته على السداد. قال القاضي عياض (٢): وقد جاءت رواياتُ هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده، ويكون معنى قوله في الحديث: "حتى يظنَّ أنه يأتي أهله ولا يأتيهم" (٣)، ويروى: "أنَّه يخيل إليه"، أي: يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن، فإذا دنا منهن أخذه السحر فلم يأتهن ولم يتمكن من ذلك، وكل ما جاء في الروايات من أنه يخيل إليه أنه فعل شيئًا ولم يفعله ونحوه فمحمول على التخيل بالبصر لا بخلل

стр. 6621

تطرق إلى العقل، وليس في ذلك ما يدخل لبسًا على الرسالة ولا طعنًا لأهل الضلالة. انتهى. قال المازري (١): واختلف الناس في القدر الذي يقع به السحر، ولهم فيه اضطراب، فقال بعضهم: لا يزيد تأثيره على قدر التفرقة بين المرء وزوجه، لأن الله ﵎ إنما ذكر ذلك تعظيمًا لما يكون عنده وتهويلًا له، فلو وقع به أعظم منه لذكره، لأن المثل لا يضرب عند المبالغة إلا بأعلى أحوال المذكور. قال (٢): ومذهب الأشعرية أنَّه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك. قال (٢): وهذا هو الصحيح عقلًا، لأنه لا فاعل إلا الله ﵎، وما يقع من ذلك فهو عادة أجراها الله تعالى ولا تفترق الأفعال في ذلك، وليس بعضها بأولى من بعض، ولو ورد الشرع بقصره على مرتبة لوجب المصير إليه. ولكن لا يوجد شرع قاطع يوجب الاقتصار على ما قاله القائل الأول وذِكْرُ التفرقة بين الزوجين في الآية (٣) ليس بنص في منع الزيادة، وإنما النظر في أنه ظاهرٌ أم لا. قال (٤): فإن قيل: إذا جوّزت الأشعرية خرق العادة على يد الساحر فبماذا يتميز عن النبي ﷺ ؟ فالجواب: أن العادة تنخرق على يد النبي (٥) ﷺ .

стр. 6622

والولي (١) والساحر (٢)، ولكن النبي يتحدّى بها الخلق ويستعجزهم عن مثلها ويخبر عن الله تعالى بخرق العادة له لتصديقه، فلو كان كاذبًا لم تنخرق العادة على يديه، والولي والساحر لا يتحديان الخلق، ولا يستدلان على نبوة، ولو ادعيا شيئًا من ذلك لم تنخرق العادة لهما.

стр. 6623

وأمَّا الفرق بين الولي والساحر فمن وجهين: (أحدهما): وهو المشهور: إجماع المسلمين على أن السحر لا يظهر إلا على فاسق، والكرامة لا تظهر على فاسق فإنما تظهر على ولي، وبهذا جزم إمام الحرمين، وأبو سعيد المتولي، وغيرهما. (والثاني): أن السحر قد يكون ناشئًا بفعلها وبمزجها ومعاناة وعلاج، والكرامة لا تفتقر إلى ذلك، وفي كثير من الأوقات يقع مثل ذلك من غير أن يستدعيه أو يشعر به والله أعلم، هكذا في شرح مسلم للنووي (١). قوله: (دعا الله ودعا) في رواية لمسلم (٢): "دعا الله ثم دعا ثم دعا"، وفي ذلك دليل على استحباب الدعاء عند حصول الأمر المكروه وتكريره وحسن الالتجاء إلى الله [سبحانه] (٣). قوله: (ما وجع الرجل؟ قال: مطبوبٌ) بالطاء المهملة، وبموحدتين اسم مفعول. قال ابن الأنباري (٤): الطبُّ من الأضداد، يقال لعلاج الدَّاء: طب، وللسِّحر: طبٌّ، وهو من أعظم الأدواء، ورجل طبيب: أي حَاذِق سمي طبيبًا لحذقه وفطنته. قال النووي (٥): كنُوا بالطبِّ عن السِّحر، كما كنُّوا بالسليم عن اللديغ. قوله: (من بني زريق) بتقديم الزاي. قوله: (في مشطٍ ومشاطةٍ) المشط بضم الميم والشين، وبضم الميم وإسكان الشين، وبكسر الميم وإسكان الشين: وهو الآلة المعروفة التي يسرح بها الشعر، [والمشاطة] (٦) بضم الميم: وهي الشعر الذي يسقط من الرأس، أو اللحية عند تسريحه بالمشط.

стр. 6624

ووقع في رواية للبخاري (١)، ومشاقةٍ بالقاف، وهي المشاطةُ، وقيلَ: مشاقةِ [الكُتَّانِ] (٢). قوله: (وجف طلعةٍ) بالجيم والفاء وهو: وعاءُ طلع النخل: أي الغشاء الذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأنثى، فلهذا قيده في الحديث. وفي رواية لمسلم (٣): وجُب طلعة، بضم الجيم وبالباء الموحدة. قال النووي (٤): هو في أكثر نسخ بلادنا كذلك، والطلعة: النخلة وهو بإضافة طلعة إلى ذكر. قوله: (في بئرِ ذَرْوَانَ) هكذا في معظم نسخ البخاري. وفي جميع روايات مسلم في بئر ذي أروان. قال النووي (٥): وكلاهما صحيح مشهور. قال (٦): والذي في مسلم أجود وأصح. وادّعى ابن قتيبة (٧) أنه الصواب، وهو قول الأصمعي (٨) وهي بئرٌ بالمدينة في بستان بني زريق. قوله: (نُقاعةَ الحِنَّاءِ) بضم النون من نقاعة وهو: الماء الذي تنقع فيه الحنَّاء، والحنَّاء ممدود. قوله: (أفأخرجتَهُ؟) في الرواية الثانية (٩): "أفلا أخرَجْتَهُ؟ ". وفي رواية (١٠): "أفلا أحرقته؟ ".

стр. 6625

قال النووي (١): كلاهما صحيحٌ، وذلك بأن يقال: طلبت منه ﷺ أن يخرجه ثم يحرقه، وأخبر أن الله قد عافاه، وأنه يخاف من إحراقه وإخراجه وإشاعة هذا ضررًا وشرًّا على المسلمين، كتذكر السِّحر أو فعله. والحديث فيه: "أو إيذاء فاعله" فيحمله ذلك أو يحمل بعض أهله ومحبيه من المنافقين وغيرهم على سحر الناس وأذاهم وانتصابهم لمنابذة المسلمين بذلك. وهذا من باب ترك مصلحة لخوف مفسدةٍ أعظم منها. وذلك من أهم قواعد الإسلام. وبمثل هذا يجاب عن استدلال من استدل على عدم جواز قتل الساحر بأن النبي ﷺ لم يقتل من سحره، فإن النبي ﷺ إذا ترك إخراج ما سحر فيه من البئر لمخافة الفتنة، فبالأولى تركه لقتل الساحر فإن الفتنة في ذلك أعظمُ وأشدّ. ٤٥/ ٣٢٠٥ - (وعَنْ أبي مُوسى أن النَّبِيَّ ﷺ : قَالَ "ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلونَ الجَنَّةَ: مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَقَاطِعُ رَحِمٍ، ومُصَدِّقٌ بالسّحْرِ") (٢). [حسن لغيره] ٤٦/ ٣٢٠٦ - (وعَنْ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ أتى كاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فصَدَّقَهُ بِمَا يقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ على محمَّدٍ ﷺ ". رواهُما أَحمَدُ ومُسْلِمٌ) (٣). [صحيح]

стр. 6626

٤٧/ ٣٢٠٧ - (وعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبي عُبَيْدٍ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَقْبلِ الله لهُ صلَاةً أرْبَعِينَ لَيْلَةً". رواهُ أَحمدُ (١) ومُسْلِمٌ" (٢). [صحيح] قوله: (لا يدخلون الجنَّة) فيه دليل على أن بعض أهل التوحيد لا يدخلون الجنَّة، وهم مَنْ أقدم على معصية صَرَّح الشارع بأنَّ فاعلها لا يدخل الجنَّة كهؤلاء الثلاثة، ومن قتل نفسه، ومن قتل معاهدًا، وغيرهم من العصاة الفاعلين لمعصية، ورد النصُّ بأنها مانعةٌ من دخول الجنة فيكون حديث أبي موسى المذكور وما ورد في معناه مخصصًا لعموم الأحاديث القاضية بخروج الموحدين من النار ودخولهم الجنة.

стр. 6627

قوله: (من أتى كاهنًا) قال القاضي عياض (١): كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب: (أحدها): يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء، وهذا القسم بطل من حين بعث الله تعالى نبينا. (الثاني): أن يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد وهذا لا يبعد وجوده. ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحالوهما، ولا استحالة في ذلك، ولا بُعد في وجوده لكنهم يصدقون ويكذبون، والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام. (الثالث): المنجمون، وهذا الضرب يخلق الله فيه لبعض الناس قوّة ما، لكن الكذب فيه أغلب، ومن هذا الفن العرافة وصاحبها عرّاف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدّعي معرفتها بها، وقد يعتضد بعض هذا الفن ببعض في ذلك كالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة، وهذه الأضرب كلها تسمى كهانة، وقد أكذبهم كلهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم. قال الخطابي (٢): العراف: هو الذي يتعاطى معرفة مكان المسروق ومكان الضالة ونحوهما. قال في النهاية (٣): الكاهن يشمل العرّاف والمنجم. قوله: (فصدقه بما يقول) زاد الطبراني (٤) من رواية أنس: "ومن أتاه غير

стр. 6628

مصدِّق له لم يقبل الله له صلاة أربعين ليلة". وظاهر هذا أن التصديق شرط في ثبوت كفر من أتى الكاهن والعرّاف. قوله: (فقد كفر) ظاهره أنه الكفر الحقيقي، وقيل: هو الكفر المجازي، وقيل: من اعتقد أن الكاهن والعراف يعرفان الغيب ويطلعان على الأسرار الإلهية كان كافرًا كفرًا حقيقيًا كمن اعتقد تأثير الكواكب وإلا فلا (١). قوله: (لم يقبلِ اللهُ منهُ صلاةً أربعينَ ليلةً) قال النووي (٢): معناه أنه لا ثواب له فيها وإن كانت مجزئة في سقوط الفرض عنه. ولا يحتاج معها إلى إعادة، ونظير هذه الصلاة في الأرض المغصوبة فإنها مجزئة مسقطة للقضاء ولكن لا ثواب فيها، كذا قاله جمهور أصحابنا، قالوا: فصلاة الفرض وغيرها من الواجبات إذا أتى بها على وجهها الكامل ترتب عليها شيئان: سقوط الفرض عنه، وحصول الثواب، فإذا أدّاها في أرض مغصوبة حصل الأول دون الثاني. ولا بدّ من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العرّاف إعادة صلاة أربعين ليلة، فوجب تأويله، والله أعلم. اهـ. ٤٨/ ٣٢٠٨ - (وعَنْ عائشةَ قالَتْ: سألَ رسُولَ الله ﷺ ناسٌ عَنِ الْكهانَةِ، فقالَ: "لَيْسُوا بِشَيْءٍ"، فقالُوا: يا رسُولَ الله إنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بِشَيءٍ فَيَكُونُ

стр. 6629

حَقًّا، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُها الْجِنِّيُّ فيقُرَّها في أذُنِ وَلِيِّهِ يَخْلِطُونَ مَعَهَا مِائَةَ كذْبَةٍ". مُتَّفَق عَليهِ) (١). [صحيح] ٤٩/ ٣٢٠٩ - (وعَنْ عَائشةَ قالَتْ: كانَ لأبي بَكْرٍ غُلَامٌ يأكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فقالَ لَهُ الغُلَامُ: تَدْري مِمَّا هَذا؟ قالَ: ومَا هُوَ؟ قال: كُنْتُ تكَهَّنْتُ لإنْسان في الجَاهِلِيَّةِ وَمَا أَحْسِنُ الكَهَانَةَ إلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فلَقِيَنِي فأعْطَانِي بذلِكَ، فَهذَا الذِي أكَلْتَ مِنهُ، فأدْخَلَ أبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيءٍ في بَطْنِهِ. أَخْرَجَهُ البُخاريُّ) (٢). [صحيح] ٥٠/ ٣٢١٠ - (وعَنْ ابْنِ عبَّاسٍ قالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "مَنِ اقْتبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبةً مِنَ السِّحْرِ زادَ ما زَادَ". رَواهُ أحمدُ (٣) وأبُو دَاوُدَ (٤) وابْنُ ماجهْ) (٥). حديث ابن عباس سكت عنه أبو داود (٦) والمنذري (٧) ورجال إسناده ثقات. قوله: (ليسوا بشيءٍ) معناه: بطلان قولهم، وأنه لا حقيقة له. قال النووي (٨): وفيه جواز إطلاق هذا اللفظ على ما كان باطلًا. انتهى. وذلك لأنه لعدم نفعه كالمعدوم الذي لا وجود له. قوله: (تلك الكلمة من الحقِّ يخطَفها) بفتح الطاء المهملة على المشهور، وبه جاء القرآن، وفي لغةٍ قليلة: كسرها، ومعناه: استرقه وأخذه بسرعة.

стр. 6630

قوله: (فَيَقُرُّها) بفتح الياء التحتية وضم القاف وتشديد الراء. قال أهل اللغة (١) والغريب (٢): القرُّ: ترديدك الكلام في أذن المخاطب حتى يفهمه تقول: قررته فيه أقرُه قرًا. قال الخطابي (٣) وغيره: معناه أن الجنيَّ يقذف الكلمة إلى وليِّه الكاهن [فتسمعُها] (٤) الشياطين. وفي رواية للبخاري (٥): "يقرُّها في أذنه، كما تقرُّ القارورة". وفي رواية لمسلم (٦): "فيقرُّها في أذن وليِّه قرَّ الدجاجة" بفتح القاف من قرَّ، والدَجاجة بالدال: هي الحيوان المعروف: أي صوتها عند مجاوبتها لصواحبها. قال الخطابي (٧): وفيه وجهٌ آخر، وهو أن تكون الرواية: قرَّ الزجاجة بالزاي، يدل عليه رواية البخاري (٥) المتقدمة بلفظ كما تقر القارورة، فإن ذكر القارورة يدل على أن الرواية: الزجاجة، بالزاي. قال القاضي عياض (٨): أما مسلم فلم تختلف الرواية عنه أنها الدجاجة بالدال، لكن رواية القارورة تصحح الزجاجة. قال القابسي (٩): معناه يكون لما إلى وليه حسَّ كحسِّ القارورة عند تحريكها على اليد أو على صفا. قوله: (يخلطون) في رواية لمسلم (١٠): "يقرفون " بالراء. قال النووي (١١): هذه اللفظة ضبطوها على وجهين: (أحدهما): بالراء،

стр. 6631

(والثاني): بالذال. ووقع في رواية الأوزاعي وابن معقل بالراء باتفاق النسخ، ومعناه يخلطون فيه الكذب وهو بمعنى يقذفون. وفي رواية يونس: "يرقون". قال القاضي (١): ضبطناه عن شيوخنا بضم الياء وفتح الراء وتشديد القاف. قال: ورواه بعضهم بفتح الياء وإسكان الراء. قال في المشارق (٢): قال بعضهم: صوابه بفتح الياء وإسكان الراء وفتح القاف، وكذا ذكره الخطابي (٣)، قال: ومعناه يزيدون، يقال: رقي فلان إلى الباطل بكسر القاف: أي رفعه وأصله من الصعود: أي يدعون فيها فوق ما سمعوا. قال القاضي عياض (٤): وقد تصح الرواية الأولى على تضعيف هذا الفعل وتكثيره. قوله: (فقاء كلَّ شيء في بطنه) فيه متمسك لتحريم ما أخذه الكهَّان ممن يتكهنون له، وإن دفع ذلك بطيبة من نفسه. قوله: (من اقتبس) أي تعلم يقال: قبست العلم واقتبسته: إذا تعلمته. والقبس (٥): الشعلة من النار، واقتباسها: الأخذ منها. قوله: (اقتبس شعبة من السحر) أي قطعة، فكما أن تعلم السحر والعمل به حرام، فكذا تعلم علم النجوم والكلام فيه حرام، قال ابن رسلان في شرح السنن: والمنهي عنه ما يدعيه أهل التنجيم (٦) من علم الحوادث والكوائن التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان ويزعمون أنهم يدركون معرفتها بسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها، وهذا تعاط لعلم استأثر الله بعلمه.

стр. 6632

قال: وأما علم النجوم الذي يعرف به الزوال وجهة القبلة وكم مضى وكم بقي فغير داخل فيما نهي عنه، ومن المنهي عنه التحدث بمجيء المطر ووقوع الثلج وهبوب الرياح وتغير الأسعار. قوله: (زاد ما زاد) أي زاد من علم النجوم كمثل ما زاد من السحر، والمراد أنه إذا ازداد من علم النجوم فكأنه ازداد من علم السحر. وقد علم أن أصل علم السحر حرام (١) والازدياد منه أشد تحريمًا، فكذا الازدياد من علم التنجيم.

стр. 6633

٥١/ ٣٢١١ - (وعَنْ مُعاوِيةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ قالَ: قُلْتُ: يا رسُولَ الله إنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَقَدْ جاءَ الله بالإسلَامِ فإنَّ مِنَّا رِجالًا يأتُونَ الكُهَّانَ، قالَ: "فَلَا تَأتِهمْ"، قالَ: وَمنَّا رِجالٌ يَطَّيَّرُونَ، قالَ: "ذلِكَ [بِشَيْءٍ] (١) يَجِدُونَهُ في صُدُورِهِمْ فلَا يَصُدَّنَّكُمْ"، قالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجالٌ يخُطُّونَ، قالَ: "كانَ نَبِيٌّ مِنَ الأنبِيَاءِ يَخُطُّ، فمَنْ وافَقَ خَطُّهُ فَذاكَ". رَواهُ أحْمَدُ (٢) ومُسْلِمٌ) (٣). [صحيح] هذا الحديث هو طويل حذف المصنف ﵀ ما لا تعلق له بالمقام، وقد تقدم في الصلاة طرف منه، وفي العتق طرف آخر. قوله: (فلا تأتهم) فيه النهي عن إتيان الكهان، وقد تقدم الكلام على ذلك. قوله: (يطيرون) بفتح التحتية في أوله وتشديد الطاء المهملة وأصله يتطيرون أدغمت التاء الفوقية في الطاء، والتطير: التشاؤم، وأصله الشيء المكروه من قول أو فعل أو مرئي، وكانوا يتطيرون بالسوانح والبوارح، فينفرون الظباء والطيور فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به ومضوا في سفرهم وحوائجهم، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحاجتهم وتشاءموا، فكانت تصدهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم، فنفى الشرع ذلك وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير ينفع ولا يضر. وقد أخرج أبو داود (٤) والترمذي (٥) وصححه [وابن حبان (٦)] (٧) وابن ماجه (٨) من حديث ابن مسعود عن رسول الله ﷺ قال: "الطيرة شرك" ثلاث مرات، "وما منّا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل".

стр. 6634

قال الخطابي (١): قال محمد بن إسماعيل - يعني البخاري -: كان سليمان بن حرب ينكر هذا ويقول: هذا الحرف ليس قول رسول الله ﷺ وكأنه قول ابن مسعود. وحكى الترمذي (٢) عن البخاري عن سليمان بن حرب نحو هذا، وأن الذي أنكره هو: "وما منّا إلَّا". قال المنذري (٣): الصواب ما قاله البخاري وغيره أن قوله: "وما منّا .. إلخ" من كلام ابن مسعود مدرج. قال الحافظ أبو القاسم الأصبهاني (٤) والمنذري (٥) وغيرهما: في الحديث إضمار، أي: وما منّا إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك، يعني قلوب أمته (٦). وقيل: معناه ما منّا إلا من يعتريه التطير وتسبق إلى قلبه الكراهة، فحذف اختصارًا واعتمادًا على فهم السامع، وهذا هو معنى ما وقع في حديث الباب.

стр. 6635

قال: "ذلك [بشيء] (١) يجدونه في صدورهم فلا يصدنكم". قال النووي في شرح مسلم (٢): معناه: أن كراهة ذلك تقع في نفوسكم في العادة، ولكن لا تلتفتوا إليه، ولا ترجعوا عما كنتم عزمتم عليه قبل هذا. انتهى. وإنما جعل الطيرة من الشرك؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن التطيُّر يجلب لهم نفعًا، أو يدفع عنهم ضررًا، إذا عملوا بموجبه، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى، ومعنى إذهابه بالتوكل أن ابن آدم إذا تطير، وعرض له خاطرٌ من التطيُّر أذهبه الله بالتوكُّل، والتفويض إليه، وعدم العمل بما خطر من ذلك، فمن توكل سلم ولم يؤاخذه الله بما عرض له من التطير. وأخرج الشيخان (٣) وأبو داود (٤) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة" فقال أعرابيّ: ما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيخالطها البعير الأجرب فيجربها؟ قال: فمن أعدى الأول؟ ". قال معمر: قال الزهري: فحدثني رجلٌ عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لا يوردن ممرضٌ على مصحّ". قال: فراجعه الرجل فقال: أليس قد حدثتنا أن النبيّ ﷺ قال: "لا عدوى ولا صفر ولا هامة؟ ". قال: "لم أحدثكموه". قال الزهري: قال أبو سلمة: قد حدَّث به، وما سمعت أبا هريرة نسي حديثًا قط غيره، هذا لفظ أبي داود. وقد أخرج حديث "لا عدوى .. إلخ" مسلم (٥) وأبو داود (٦) من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة.

стр. 6636

وأخرجه أيضًا أَبو داود (١) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة. وأخرج مسلم (٢) من طريق جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ولا غول". وأخرج البخاري (٣) ومسلم (٤) وأبو داود (٥) والترمذي (٦) وابن ماجه (٧) عن أنس أن النبي ﷺ قال: "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح". والفأل الصالح: الكلمة الحسنة. وأخرج أبو داود (٨) عن رجل عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ سمع كلمة فأعجبته فقال: "أخذنا فألك من فيك". وأخرج أبو داود (٩) عن عروة بن عامر القرشي قال: ذكرت الطيرة عند النبي ﷺ فقال: "أحسنها الفأل ولا ترد مسلمًا، فإن رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك". قال أبو القاسم الدمشقيُّ: ولا صحبة لعروة القرشيِّ تصحُّ. وذكر البخاري وغيره أنه سمع من ابن عباس، فعلى هذا يكون حديثه مرسلًا. وقال النووي في شرح مسلم (١٠): وقد صح عن عروة بن عامر

стр. 6637

الصحابي ﵁ … ثم ذكر الحديث. وقال في آخره: رواه أبو داود بإسناد صحيح. وأخرج أبو داود (١) والنسائي (٢) عن بريدة: "أن النبي ﷺ كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث [غلامًا] (٣) سأل عن اسمه فإذا أعجبه اسمه فرح به ورؤي بشر ذلك في وجهه وإن كره اسمه رؤي كراهة ذلك في وجهه، فإذا دخل قرية سأل عن اسمها فإن أعجبه اسمها فرح به ورؤي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمها رؤي كراهة ذلك في وجهه". وأخرج أبو داود (٤) عن سعد بن مالك أن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا هامة ولا عدوى ولا طيرة، وإن تكن الطيرة في شيء ففي الفرس والمرأة والدار". وأخرج البخاري (٥) ومسلم (٦) وأبو داود (٧) والترمذي (٨) والنسائي (٩) عن ابن عمر قال: قال [النبي] (١٠) ﷺ : "الشؤم في الدار والمرأة والفرس". وفي رواية لمسلم (١١): "إنما الشؤم في ثلاث: المرأة والفرس والدار". وفي رواية له (١٢): "إن كان الشؤم في شيء ففي الفرس والمسكن والمرأة". وفي رواية له (١٣) أيضًا: "إن كان الشؤم في شيء ففي الربع والخادم والفرس".

стр. 6638

وأخرج أبو داود (١) وصححه الحاكم (٢) عن أنس: قال: قال رجل: يا رسول إنا كنا في دار كثيرٌ فيها عددنا، وكثير فيها أموالنا، فتحولنا إلى دار أخرى فقلَّ فيها عددنا وقلَّت فيها أموالُنا، فقال رسول الله ﷺ : "ذروها ذميمة". وأخرج مالك في الموطأ (٣) عن يحيى بن سعيد: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: دار سكناها والعدد كثير والمال وافر فقل العدد وذهب المال، فقال: "دعوها فإنها ذميمة". وله شاهد من حديث عبد الله بن شداد بن الهاد أحد كبار التابعين، أخرجه عبد الرزاق (٤) بإسناد صحيح. قال النووي (٥): اختلف العلماء في حديث: "الشؤم في ثلاث"، فقال مالك (٦) ﵀: هو على ظاهره، وإن الدار قد يجعل الله ﵎ سكناها سببًا للضرر أو الهلاك، وكذا اتخاذ المرأة المعينة أو الفرس أو الخادم قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى. وقال الخطابي (٧): قال كثيرون: هو في معنى الاستثناء من الطيرة: أي الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس أو خادم فليفارق الجميع بالبيع ونحوه وطلاق المرأة.

стр. 6639

وقال آخرون (١): شؤم الدار: ضيقها وسوء جيرانها وأذاهم؛ وشؤم المرأة: عدم ولادتها وسلاطة لسانها وتعرضها للريب؛ وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها، وقيل: حِرانها وغلاء ثمنها؛ وشؤم الخادم سوء خلقه وقلة تعهده لما فوض إليه. وقيل: المراد بالشؤم هنا عدم الموافقة. قال القاضي عياض (٢): قال بعض العلماء: لهذه الفصول السابقة في الأحاديث ثلاثة أقسام: (أحدها): ما لم يقع الضرر به، ولا اطَّردت به عادةٌ خاصةٌ ولا عامّةٌ؛ فهذا لا يلتفت إليه، وأنكر الشَّرع الالتفات إليه، وهو الطِّيرة. (والثاني): ما يقع عنده الضَّرر عمومًا لا يخصه، ونادرًا لا يتكرر، كالوباء؛ فلا يقدم عليه ولا يخرج منه. (والثالث): يخصُّ ولا يعمُّ، كالدَّار، والفرس، والمرأة، فهذا يباح الفرار منه. اهـ. والراجح ما قاله مالك (٣)، وهو الذي يدل عليه حديث أنس (٤) الذي ذكرنا فيكون حديث الشؤم مخصصًا لعموم حديث: "لا طيرة"، فهو في قوَّة: "لا طيرة إلا في هذه الثلاث". وقد تقرر في الأصول (٥) أنه يبنى العامُّ على الخاصِّ مع جهل التاريخ، واذَعى بعضهم: أنه إجماع، والتاريخ في أحاديث الطيرة والشؤم مجهول. وما حكاه القاضي عياض (٦) في كلامه السابق أن الوباء لا يخرج منه، ولا يقدم عليه؛ فلعلَّه يتمسك بحديث النهي عن الخروج من الأرض التي ظهر فيها

стр. 6640

الطاعون والنهي عن دخولها، كما في حديث أسامة بن زيد عند البخاري (١) ومسلم (٢) ومالك في الموطأ (٣) والترمذي (٤)، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سمعتم بالطاعون بأرضٍ فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم فيها فلا تخرجوا منها". وقد أخرج أبو داود (٥) عن يحيى بن عبد الله بن بحير قال: أخبرني من سمع فروة بن مسيك ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ﷺ أرض عندنا يقال لها: أرض أبيَن، هي أرضُ ريفنا وميرتنا، وإنها وبئة، أو قال: وباؤها شديدٌ، فقال النبي ﷺ : "دعها عنك؟ فإنَّ من القَرَف التلف". اهـ. والقَرَف بفتح القاف والراء بعدها فاء: وهو ملابسة الداء، ومقاربة الوباء، ومداناة المرضى وكل شيء قاربته فقد قارفته. والتلف: الهلاك، يعني من قارب متلفًا يتلف إذا لم يكن هواء تلك الأرض موافقًا له فيتركها. قال ابن رسلان: وليس هذا من باب العدوى بل هو من باب الطب، فإن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أسرع الأشياء إلى الأسقام. قال (٦): واعلم أنَّ في المنع من الدخول إلى الأرض الوبئة حِكَمًا: (أحدها): تجنب الأسباب المؤذية والبعد منها. (الثاني): الأخذ بالعافية التي هي مادة مصالح المعاش والمعاد. (الثالث): أن لا يستنشقوا الهواء الذي قد عفن وفسد فيكون سببًا للتلف.

стр. 6641

(الرابع): أن لا يجاور المرضى الذين قد مرضوا بذلك فيحصل له بمجاورتهم من جنس أمراضهم، والحديث يدل على هذا. اهـ. قال المنذري (١) في مختصر السنن بعد أن ذكر حديث فروة المذكور ما لفظه: في إسناده رجل مجهول. قال (٢): ورواه عبد الله بن معاذ الصنعاني عن معمر بن راشد عن يحيى بن عبد الله بن بحير عن فروة، وأسقط المجهول، وعبد الله بن معاذ (٣) وثقه يحيى بن معين وغيره، وكان عبد الرزاق يكذبه. اهـ. ورجال إسناد هذا الحديث ثقاتٌ؛ لأنه رواهُ أبو داود عن مخبد بن خالد شيخ مسلم، وعباس العنبري شيخ البخاري - تعليقًا -، ومسلم قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر - وهما من رجال الصحيحين - عن يحيى بن عبد الله بن بحير، ذكره ابن حبان في الثقات. ومما ينبغي أن يجعل مخصصًا لعموم حديث: "لا عدوى ولا طيرة"، ما أخرجه مسلم في صحيحه (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦) في سننهما من حديث الشريد بن سويد الثقفي، قال: "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي ﷺ : "إنا قد بايعناك فارجع".

стр. 6642

وأخرج البخاري في صحيحه تعليقًا (١) من حديث سعيد بن ميناء قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ولا هام ولا صفر، وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد". ومن ذلك: "حديث لا يورد ممرض على مصح" (٢) الذي قدمناه. قال القاضي عياض (٣): قد اختلفت الآثار عن النبي ﷺ في قصة الفجذوم، فثبت عنه الحديثان المذكوران. وعن جابر (٤) أن النبي ﷺ أكل مع مجذوم، وقال له: "كُلْ ثقة بالله ﵎، وتوكلًا عليه". وعن عائشة ﵂ قالت: كان لنا مولى مجذومٌ فكان يأكل في صحافي، ويشرب في أقداحي، وينام على فراشي (٥). قال: وقد ذهب عمر ﵁ وغيره من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخٌ. والصحيح الذي قاله الأكثرون، ويتعين المصير إليه أنه لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط. وأما الأكل معه ففعله لبيان الجواز والله أعلم، كذا في شرح مسلم للنووي (٦). والحديث الذي فيه أنه ﷺ أكل مع المحذوم أخرجه أبو داود (٧) والترمذي (٨) وابن ماجه (٩). قال الترمذي (١٠): غريبٌ لا نعرفه إلا من حديث

стр. 6643

يوسف بن محمدٍ عن المفضل بن فُضالة، وهذا شيخٌ بصري، والمفضل بن فضالة شيخ مصري أوثق من هذا وأشهر. وروى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن أبى بريدة أن عمر أخذ بيد مجذوم، وحديث شعبة أشبه عندي وأصح. قال الدارقطني (١): تفرد به مفضل بن فضالة البصري أخو مبارك عن حبيب بن الشهيد عنه يعني عن ابن المنكدر. وقال ابن عدي الجرجاني (٢): لا أعلم يرويه عن حبيب بن الشهيد غير مفضل بن فُضالة، وقالوا: تفرد بالرواية عنه يونس بن محمد. اهـ. والمفضل بن فضالة البصري كنيته أبو مالك. قال يحيى بن معين: ليس بذاك. وقال النسائي (٣): ليس بالقوي. وقال أبو حاتم (٣): يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات. قال القاضي عياض (٤): قال بعض العلماء (٥): في هذا الحديث وما في معناه - يعني: حديث الفرار من المجذوم - دليل على أن يثبت للمرأة الخيار في فسخ النكاح إذا وجدت زوجها مجذومًا أو حدث به جذام. قال النووي (٦): واختلف أصحابنا وأصحاب مالك (٧) في أن أمته هل لها منع نفسها من استمتاعه إذا أرادها؟ قال القاضي (٨): قالوا: ويمنع من المسجد والاختلاط بالناس.

стр. 6644

قال (١): وكذلك اختلفوا في أنهم إذا كثروا هل يؤمرون أن يتخذوا لأنفسهم موضعًا منفردًا خارجًا عن الناس، ولا يمنعون من التصرّف في منافعهم، وعليه أكثر الناس، أم لا يلزمهم التنحِّي. قال (٢): ولم يختلفوا في القليل منهم، يعني: في أنهم لا يمنعون، قال: ولا يمنعون من صلاة الجمعة مع الناس، ويمنعون من غيرها. قال (٢): ولو استضرَّ أهل قريةٍ فيهم جذمى بمخالطتهم في الماء؛ فإن قدروا على استنباط ماءٍ بلا ضرر أمروا به، وإلا استنبطه لهم الآخرون، أو أقاموا من يستقى لهم وإلا فلا يمنعون. قال النووي (٣) في شرح مُسلم في حديث: "لا يورد ممرض على مصح" (٤). قال العلماء: الممرض: صاحب الإبل المراض، والمصحُّ: صاحب الإبل الصحاح؛ فمعنى الحديث: لا يورد صاحب الإبل المراض إبله على إبل صاحب الإبل الصحاح، لأنه ربما أصابها المرض بفعل الله تعالى وقدره الذي أجرى به العادة لا بطبعها فيحصل لصاحبها ضرر بمرضها، وربما حصل له ضرر أعظم من ذلك باعتقاد العدوى بطبعها، فيكفر والله أعلم. انتهى. وأشار إلى نحو هذا الكلام ابن بطال (٥)، وقيل: النهي ليس للعدوى، بل للتأذِّي بالرائحة الكريهة ونحوها، حكاه ابن رسلان في شرح السنن. وقال ابن الصلاح (٦): وجه الجمع أنَّ هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، لكنَّ الله سبحانه جعل مخالطة المريض للصحيح سببًا لإعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب. قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة (٧): والأولى في الجمع أن يقال: إن
следующие страницы →