← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 1218

نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار - ت حلاق

الشوكاني

Полный текст (7 679 стр.). Показаны 6640–6679 · переход к 6645.

стр. 6640

الطاعون والنهي عن دخولها، كما في حديث أسامة بن زيد عند البخاري (١) ومسلم (٢) ومالك في الموطأ (٣) والترمذي (٤)، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سمعتم بالطاعون بأرضٍ فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرضٍ وأنتم فيها فلا تخرجوا منها". وقد أخرج أبو داود (٥) عن يحيى بن عبد الله بن بحير قال: أخبرني من سمع فروة بن مسيك ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ﷺ أرض عندنا يقال لها: أرض أبيَن، هي أرضُ ريفنا وميرتنا، وإنها وبئة، أو قال: وباؤها شديدٌ، فقال النبي ﷺ : "دعها عنك؟ فإنَّ من القَرَف التلف". اهـ. والقَرَف بفتح القاف والراء بعدها فاء: وهو ملابسة الداء، ومقاربة الوباء، ومداناة المرضى وكل شيء قاربته فقد قارفته. والتلف: الهلاك، يعني من قارب متلفًا يتلف إذا لم يكن هواء تلك الأرض موافقًا له فيتركها. قال ابن رسلان: وليس هذا من باب العدوى بل هو من باب الطب، فإن استصلاح الهواء من أعون الأشياء على صحة الأبدان، وفساد الهواء من أسرع الأشياء إلى الأسقام. قال (٦): واعلم أنَّ في المنع من الدخول إلى الأرض الوبئة حِكَمًا: (أحدها): تجنب الأسباب المؤذية والبعد منها. (الثاني): الأخذ بالعافية التي هي مادة مصالح المعاش والمعاد. (الثالث): أن لا يستنشقوا الهواء الذي قد عفن وفسد فيكون سببًا للتلف.

стр. 6641

(الرابع): أن لا يجاور المرضى الذين قد مرضوا بذلك فيحصل له بمجاورتهم من جنس أمراضهم، والحديث يدل على هذا. اهـ. قال المنذري (١) في مختصر السنن بعد أن ذكر حديث فروة المذكور ما لفظه: في إسناده رجل مجهول. قال (٢): ورواه عبد الله بن معاذ الصنعاني عن معمر بن راشد عن يحيى بن عبد الله بن بحير عن فروة، وأسقط المجهول، وعبد الله بن معاذ (٣) وثقه يحيى بن معين وغيره، وكان عبد الرزاق يكذبه. اهـ. ورجال إسناد هذا الحديث ثقاتٌ؛ لأنه رواهُ أبو داود عن مخبد بن خالد شيخ مسلم، وعباس العنبري شيخ البخاري - تعليقًا -، ومسلم قالا: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر - وهما من رجال الصحيحين - عن يحيى بن عبد الله بن بحير، ذكره ابن حبان في الثقات. ومما ينبغي أن يجعل مخصصًا لعموم حديث: "لا عدوى ولا طيرة"، ما أخرجه مسلم في صحيحه (٤) والنسائي (٥) وابن ماجه (٦) في سننهما من حديث الشريد بن سويد الثقفي، قال: "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي ﷺ : "إنا قد بايعناك فارجع".

стр. 6642

وأخرج البخاري في صحيحه تعليقًا (١) من حديث سعيد بن ميناء قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا طيرة ولا هام ولا صفر، وفرّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد". ومن ذلك: "حديث لا يورد ممرض على مصح" (٢) الذي قدمناه. قال القاضي عياض (٣): قد اختلفت الآثار عن النبي ﷺ في قصة الفجذوم، فثبت عنه الحديثان المذكوران. وعن جابر (٤) أن النبي ﷺ أكل مع مجذوم، وقال له: "كُلْ ثقة بالله ﵎، وتوكلًا عليه". وعن عائشة ﵂ قالت: كان لنا مولى مجذومٌ فكان يأكل في صحافي، ويشرب في أقداحي، وينام على فراشي (٥). قال: وقد ذهب عمر ﵁ وغيره من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخٌ. والصحيح الذي قاله الأكثرون، ويتعين المصير إليه أنه لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط. وأما الأكل معه ففعله لبيان الجواز والله أعلم، كذا في شرح مسلم للنووي (٦). والحديث الذي فيه أنه ﷺ أكل مع المحذوم أخرجه أبو داود (٧) والترمذي (٨) وابن ماجه (٩). قال الترمذي (١٠): غريبٌ لا نعرفه إلا من حديث

стр. 6643

يوسف بن محمدٍ عن المفضل بن فُضالة، وهذا شيخٌ بصري، والمفضل بن فضالة شيخ مصري أوثق من هذا وأشهر. وروى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن أبى بريدة أن عمر أخذ بيد مجذوم، وحديث شعبة أشبه عندي وأصح. قال الدارقطني (١): تفرد به مفضل بن فضالة البصري أخو مبارك عن حبيب بن الشهيد عنه يعني عن ابن المنكدر. وقال ابن عدي الجرجاني (٢): لا أعلم يرويه عن حبيب بن الشهيد غير مفضل بن فُضالة، وقالوا: تفرد بالرواية عنه يونس بن محمد. اهـ. والمفضل بن فضالة البصري كنيته أبو مالك. قال يحيى بن معين: ليس بذاك. وقال النسائي (٣): ليس بالقوي. وقال أبو حاتم (٣): يكتب حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات. قال القاضي عياض (٤): قال بعض العلماء (٥): في هذا الحديث وما في معناه - يعني: حديث الفرار من المجذوم - دليل على أن يثبت للمرأة الخيار في فسخ النكاح إذا وجدت زوجها مجذومًا أو حدث به جذام. قال النووي (٦): واختلف أصحابنا وأصحاب مالك (٧) في أن أمته هل لها منع نفسها من استمتاعه إذا أرادها؟ قال القاضي (٨): قالوا: ويمنع من المسجد والاختلاط بالناس.

стр. 6644

قال (١): وكذلك اختلفوا في أنهم إذا كثروا هل يؤمرون أن يتخذوا لأنفسهم موضعًا منفردًا خارجًا عن الناس، ولا يمنعون من التصرّف في منافعهم، وعليه أكثر الناس، أم لا يلزمهم التنحِّي. قال (٢): ولم يختلفوا في القليل منهم، يعني: في أنهم لا يمنعون، قال: ولا يمنعون من صلاة الجمعة مع الناس، ويمنعون من غيرها. قال (٢): ولو استضرَّ أهل قريةٍ فيهم جذمى بمخالطتهم في الماء؛ فإن قدروا على استنباط ماءٍ بلا ضرر أمروا به، وإلا استنبطه لهم الآخرون، أو أقاموا من يستقى لهم وإلا فلا يمنعون. قال النووي (٣) في شرح مُسلم في حديث: "لا يورد ممرض على مصح" (٤). قال العلماء: الممرض: صاحب الإبل المراض، والمصحُّ: صاحب الإبل الصحاح؛ فمعنى الحديث: لا يورد صاحب الإبل المراض إبله على إبل صاحب الإبل الصحاح، لأنه ربما أصابها المرض بفعل الله تعالى وقدره الذي أجرى به العادة لا بطبعها فيحصل لصاحبها ضرر بمرضها، وربما حصل له ضرر أعظم من ذلك باعتقاد العدوى بطبعها، فيكفر والله أعلم. انتهى. وأشار إلى نحو هذا الكلام ابن بطال (٥)، وقيل: النهي ليس للعدوى، بل للتأذِّي بالرائحة الكريهة ونحوها، حكاه ابن رسلان في شرح السنن. وقال ابن الصلاح (٦): وجه الجمع أنَّ هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، لكنَّ الله سبحانه جعل مخالطة المريض للصحيح سببًا لإعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب. قال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة (٧): والأولى في الجمع أن يقال: إن

стр. 6645

نفيه ﷺ للعدوى باق على عمومه، وقد صح قوله: "لا يعدي شيء شيئًا". وقوله ﷺ لمن عارضه بأنَّ البعير الأجرب يكون بين الإبل الصحيحة، فيخالطها فتجرب، حيث رد عليه بقوله: "فمن أعدى الأول؟ " (١)، يعني أن الله سبحانه ابتدأ ذلك في الثاني كما ابتدأه في الأول. قال: وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سدِّ الذرائع لئلا يتفق للشخص الذي يخالطه شيءٌ من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء لا بالعدوى المنفية فيظنُّ أن ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحة العدوى فيقع في الحرج، فأمر بتجنبه حسمًا للمادة. انتهى. والمناسبُ للعمل الأصولي في هذه الأحاديث المذكورة في الباب هو أن يبنى "عموم لا عدوى ولا طيرة" (٢) على الخاص وهو ما قدمنا من حديث: "الشؤم في ثلاث" (٢)، وحديث: "فرّ من المجذوم" (٢)، وحديث: "لا يورد ممرض على مصح" (٢)، وما في [معناها] (٣). وقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في جواب سؤال سمَّيناه: "إتحاف المهرة بالكلام على حديث: لا عدوى ولا طيرة" (٤). قوله: (ومنّا رجال يخطون). قال ابن عباس في تفسير هذا الخط: هو الخطُّ الذي يخطه الحازي. والحازي (٥) بالحاء المهملة، والزاي: هو الحزَّاء، وهو الذي ينظر المغيبات بظنه، فيأتي صاحبُ الحاجة إلى الحازي، فيعطيه حلوانًا، فيقول له: اقعد حتى أخطَّ لك، وبين يدي الحازي غلامٌ له معه مِيْل ثم يأتي إلى أرض رخوة فيخطُّ فيها خطوطًا كثيرة في أربعة أسطرٍ عجلًا، ثم يمحو منها على مهل خطين خطين، فإن بقي خطان؛ فهو علامة النجح، وإن بقي خطٌّ واحدٌ؛ فهو علامة الخيبة، هكذا في شرح السنن لابن رسلان.

стр. 6646

قال: وهذا علم معروف فيه للناس تصانيف كثيرة، وهو معمول به إلى الآن يستخرجون به الضمير. وقال الحربي (١): الخطُّ في الحديث: هو أن يخطَّ ثلاثة خطوط، ثم يضرب عليهنَّ ويقول: يكون كذا وكذا، وهو ضرب من الكهانة. قوله: (كان نبيٌّ من الأنبياء يخطُّ) قيل: هو إدريس ﵇. حكى مكي (٢) في تفسيره أن هذا النبي كان يخط بأصبعيه السبابة والوسطى في الرمل ثم يزجر. قوله: (فمن وافق خطه فذاك) ينصب الطاء على المفعولية والفاعل ضمير يعود إلى لفظ "من". قال الخطابي (٣): هذا يحتمل الزجر عنه؛ إذ كان علمًا لنبوّته. وقد انقطعت فنهينا عن التعاطي لذلك. قال القاضي عياض (٤): الأظهر من اللفظ خلاف هذا، وتصويب خط من يوافق خطه لكن من أين تعلم الموافقة والشرع منع من ادعاء علم الغيب جملة، وإنما معناه: من وافق خطه فذاك الذي تجدون إصابته لا أنه يريد إباحة ذلك لفاعله على ما تأوله بعضهم. اهـ. ولو قيل: إنَّ قوله: فذاك، يدل على الجواز لكان جوازه مشروطًا بالموافقة ولا طريق إليها متصلة بذلك النبي فلا يجوز التعاطي.

стр. 6647

[الباب التاسع] بابُ قتل من صرَّح بسبِّ النبيِّ ﷺ دون من عرَّض ٥٢/ ٣٢١٢ - (عَنِ الشَّعْبِيّ عَنْ عَلِيٍّ أن يَهُودِيَّة كانَتْ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وتَقعُ فيهِ، فَخَنَقَها رجلٌ حتَّى ماتَتْ، فأبْطلَ رسُولُ الله ﷺ دمها. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) (١). [حسن] ٥٣/ ٣٢١٣ - (وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَعْمَى كانتْ لهُ أمُّ وَلَدٍ تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ وتَقعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُها فلَا تَنْزَجِرُ، فلمَّا كانَ ذاتَ ليلةٍ جعَلَتْ تَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وتَشْتُمُهُ، فأخذَ الْمِعْوَلَ فَجَعَلَهُ في بَطْنِها، وَاتّكَأ عَلَيِهِ فقتلهَا، فلمَّا أصْبَحَ ذُكِرَ ذلِكَ للنَّبِيِّ ﷺ ، فَجَمَعَ النَّاس فقالَ: "أُنْشِدُ الله رَجلًا فَعَلَ ما فَعَلَ لِي عَليهِ حَقٌّ إلَّا قامَ"، فَقَامَ الأَعْمَى يَتَخَطَّى النَّاسَ وهْوَ يَتَدَلْدلُ حتَّى قَعَدَ بَينَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ فقالَ: يا رسُولَ الله أَنا صَاحِبُها كانتْ تشتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فأنْهاها فَلَا تَنْتَهي، وَأَزْجُرُها فلَا تَنْزَجِر، ولي مِنْها ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤلُؤتَيْنِ، وكانتْ بِي رَفيقةً، فلمَّا كانَ البَارحَةُ جَعَلتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فأخَذْتُ الْمِعْوَلَ فوَضَعْتهُ في بَطْنِها، وَاتَّكأتُ عَليهِ حتَّى قَتَلْتُها، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَلا اشْهدُوا أَنَّ دَمَها هَدَرٌ".

стр. 6648

رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١) والنَّسائيُّ (٢). [صحيح] واحْتَجَّ بهِ أَحْمَدُ في روايةِ ابنه عَبدِ الله) (٣). ٥٤/ ٣٢١٤ - (وَعَنْ أَنَسٍ قالَ: مَرَّ يَهُودِيٌّ برسولِ الله ﷺ فقالَ: السَّامُ عَلَيْكَ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وَعليْكَ"؛ فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أتدْرُونَ مَا يَقولُ؟ قالَ: السَّامُ عَلَيْكَ"، قالوا: يا رسُولَ الله أَلَا نَقْتُلُهُ؟ قالَ: "لَا، إذَا سَلَّمَ عليْكُمْ أَهْلُ الكِتابِ، فَقُولوا: وَعَلَيْكُمْ". رواهُ أحمَدُ (٤) والبُخاريُّ (٥). [صحيح] وَقَدْ سَبَقَ أَنّ ذَا الْخُوَيْصِرَةِ قالَ: يا رسُولَ الله ﷺ اعْدِلْ، وأنّه مَنَعَ مِنْ قَتْلِهِ، (٦). حديث الشعبي عن عليّ سكت عنه أبو داود (٧). وقال المنذري (٨): ذكر بعضهم أنَّ الشعبي سمع من عليّ.

стр. 6649

وقال غيره: إنه رآه (١)، ورجال إسناد الحديث رجال الصحيح. وحديث ابن عباس سكت عنه أيضًا أبو داود (٢) والمنذري (٣). وقال الحافظ في "بلوغ المرام" (٤): إن رواته ثقات. والحديث الذي أشار إليه المصنف، أعني قوله: "قال: يا رسول الله اعدل" قد تقدم في باب قتال الخوارج (٥). وفي الباب عن أبي برزة عند أبي داود (٦) والنسائي (٧) قال: "كنت عند أبي بكر فتغيظ عليه رجل فاشتد غضبه، فقلت: أتأذن لي يا خليفة رسول الله ﷺ أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل فأرسل إليّ فقال: ما الذي قلت آنفًا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه، قال: أكنت فاعلًا لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا، والله ما كان لبشر بعد محمد ﷺ ". وفي حديث ابن عباس (٨)، وحديث الشعبيِّ (٩)، دليل على أنه يقتل من شتم النبي ﷺ . وقد نقل ابن المنذر (١٠) الاتفاق على أن من سب النبي ﷺ صريحًا وجب قتله.

стр. 6650

ونقل أبو بكر الفارسيُّ (١) أحد أئمة الشافعية في كتاب "الإجماع" (٢) أن من سبَّ النبي ﷺ هو قذفٌ صريحٌ كفر باتفاق العلماء، فلو تاب لم يسقط عنه القتل، لأنَّ حدَّ قذفه القتل، وحدُّ القذف لا يسقط بالتوبة]. وخالفه القفال (٣) فقال: كفر بالسب فسقط القتل بالإسلام. وقال الصيدلاني (٤): يزول القتل ويجب حد القذف.

стр. 6651

قال الخطابي (١): لا أعلم خلافًا في وجوب قتله إذا كان مسلمًا. وقال ابن بطال (٢): اختلف العلماء فيمن سبَّ النبيّ ﷺ ، فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال ابن القاسم عن مالك (٣): يقتل من سبَّه ﷺ منهم إلا أن يسلم. وأما المسلم فيقتل بغير استتابة. ونقل ابن المنذر (٤) عن الليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، مثله في حق اليهود ونحوه. وروي عن الأوزاعي (٥)، ومالك (٣) في المسلم أنها ردةٌ يستتاب منها. وعن الكوفيين إن كان ذميًا عزّر، وإن كان مسلمًا فهي ردّةٌ. وحكى عياض (٦) خلافًا هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح أو لمصلحة التأليف؟ ونقل عن بعض المالكية (٧) أنه إنما لم يقتل اليهود الذين كانوا يقولون له: السام عليك لأنهم لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به فلم يقض فيهما بعلمه. وقيل: إنهم لما لم يظهروه ولووه بألسنتهم ترك قتلهم. وقيل: إنه لم يحمل ذلك منهم على السب بل على الدعاء بالموت الذي لا بدّ منه، ولذلك قال في الرد عليهم: وعليكم، أي الموت نازل علينا وعليكم فلا معنى للدعاء به، أشار إلى ذلك القاضي عياض (٨). وكذا من قال: السأم بالهمز بمعنى السآمة: هو دعاء بأن يملوا الدين وليس بصريح في السبّ. وعلى القول بوجوب قتل من وقع منه ذلك من ذمي أو معاهد فترك لمصلحة التأليف هل ينتقض بذلك عهده؟ محل تأمل.

стр. 6652

واحتج الطحاوي (١) لأصحابه بحديث أنس (٢) المذكور في الباب، وأيده بأن هذا الكلام لو صدر من مسلم لكانت ردة. وأما صدوره من اليهود فالذي هم عليه من الكفر أشد، فلذلك لم يقتلهم النبي ﷺ . وتعقب بأن دماءهم لم تحقن إلا بالعهد، وليس في العهد أنهم يسبون النبي ﷺ ، فمن سبه منهم تعدى العهد فينتقض فيصير كافرًا بلا عهد فيهدر دمه إلا أن يسلم. ويؤيده أنه لو كان كل ما يعتقدونه لا يؤاخذون به لكانوا لو قتلوا مسلمًا لم يقتلوا، لأن من معتقدهم حل دماء المسلمين ومع ذلك لو قتل منهم أحد مسلمًا قتل. فإن قيل: إنما يقتل بالمسلم قصاصًا بدليل أنه يقتل به ولو أسلم، ولو سب - ثم أسلم لم يقتل. قلنا: الفرق بينهما أن قتل المسلم يتعلق بحق آدمي فلا يهدر. وأما السبُّ فإنَّ وجوب القتل به يرجع إلى حقِّ الدين فيهدمه الإسلام، والذي يظهر أن ترك قتل اليهود إنما كان لمصلحة التأليف، أو لكونهم لم يعلنوا به أولهما جميعًا، وهو أولى كما قال الحافظ (٣). * * *

стр. 6653

[رابعًا] أبوابُ أحكامِ الرِّدَّةِ والإسْلَامِ [الباب الأول] بابُ قَتْلِ المرتَدِّ ١/ ٣٢١٥ - (عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أُتِيَ عليٌّ [﵁] (١) بِزَنادِقةٍ فأحْرَقَهُمْ، فَبلَغَ ذلِكَ ابْنَ عبَّاسٍ، فقالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لم أحْرِقهمْ لِنَهْيِ رَسُولِ الله ﷺ قالَ: "لا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ الله"، ولَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ الله ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ". رَواهُ الجَماعَةُ إلَّا مُسْلمًا، وَلَيْسَ لابْنِ ماجهْ فِيهِ سِوَى: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوهُ" (٢). [صحيح] وفي حَدِيثٍ لأبي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: "اذْهَبْ إلى الْيَمَنِ" ثمَّ أتْبَعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ، فلمَّا قَدِمَ عَليهِ ألْقَى لهُ وِسَادَةً وقالَ: انْزِلْ، وإذَا رَجُلٌ عِندَهُ مُوثَقٌ، قالَ: ما هَذا؟ قالَ: كانَ يَهُودِيًا فأسْلَمَ ثمَّ تَهَوَّدَ، قالَ: لَا أَجْلِسُ حتَّى يُقْتَلَ، قضَاءُ الله ورَسُولِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٣). [صحيح] وفي روايةٍ لأحْمدَ (٤): قَضَى الله ورَسُولهُ أَنَّ مَنْ رجَعَ عَنْ دينِهِ فاقْتُلُوهُ. [صحيح لغيره] ولأبي دَاوُدَ (٥) في هَذِهِ الْقِصّةِ فأُتِيَ أبُو مُوسى برَجُلٍ قَد ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ، فَدَعاهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ قرِيبًا مِنْهَا، فجَاءَ مُعاذٌ فدَعاهُ فأبَى، فضرَبَ عُنقَهُ). [إسناده صحيح]

стр. 6654

٢/ ٣٢١٦ - (وعَنْ محمَّدِ بْنِ عَبدِ الله بْنِ عَبْدٍ الْقَاريِّ قالَ: قدِمَ على عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رجُلٌ مِنْ قِبَلِ أبي موسى فسألهُ عَنِ النَّاسِ فأخْبَرَهُ، ثمَّ قالَ: هَلْ مِنْ مُغْرِبَةِ خَبر؟ قالَ: نعَمْ، رجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إسْلامِهِ، قالَ: فما فعلْتُمْ بِهِ؟ قالَ: قَرَّبْنَاهُ فضَرَبْنَا عُنُقَهُ، فقالَ عمَرُ: هَلّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وأطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رغِيفًا واسْتَتَبتُمُوهُ، لعَلّهُ يَتُوبُ ويُراجِعُ أَمْرَ الله؟ اللهُمّ إنِّي لمْ أَحْضرْ وَلَمْ أَرْضَ إذْ بَلغنِي. رواهُ الشّافعِيُّ) (١). [موقوف ضعيف] أثر عمر أخرجه أيضًا مالك في الموطأ (٢) عن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري عن أبيه. قال الشافعي (٣): من لا يتأنى بالمرتد زعموا أن هذا الأثر عن عمر ليس بمتصل. ورواه البيهقي (٤) من حديث أنس قال: "لما نزلنا على تستر"، فذكر الحديث، وفيه: "فقدمت على عمر فقال: يا أنس ما فعل الستة الرهط من بكر بن وائل الذين ارتدوا عن الإسلام فلحقوا بالمشركين؟ قال: يا أمير المؤمنين قتلوا بالمعركة، فاسترجع عمر، قلت: وهل كان سبيلهم إلا القتل؟ قال: نعم، قال: كنت أعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا أودعتهم السجن".

стр. 6655

وفي الباب عن جابر: "أن امرأة يقال لها: أم رومان". وفي التلخيص (١): "أن الصواب: أم مروان ارتدتْ، فأمر النبي ﷺ بأن يعرض عليها الإسلام، فإن تابت وإلا قتلت". أخرجه الدارقطني (٢) والبيهقي (٣) من طريقين، وزاد في إحداهما: "فأبت أن تسلم فقتلت". قال الحافظ (٤): وإسنادهما ضعيفان. وأخرج البيهقي (٥) من وجه آخر ضعيف عن عائشة: "أن امرأة ارتدت يوم أُحد، فأمر النبي ﷺ أن تستتاب، فإن تابت وإلا قتلت". وأخرج أبو الشيخ في كتاب الحدود (٦) عن جابر: "أنه ﷺ استتاب رجلًا أربع مرات". وفي إسناده العلاء بن هلال (٧) وهو متروك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر.

стр. 6656

ورواه البيهقي (١) من وجه آخر من حديث عبد الله بن وهب عن الثوري عن رجل عن عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلًا، وسمى الرجل نبهان. وأخرج الدارقطني (٢) والبيهقي (٣): "أن أبا بكر استتاب امرأة يقال لها: [أم فرقة] (٤) كفرت بعد إسلامها فلم تتب فقتلها". قال الحافظ (٥): وفي السير (٦) "أن النبي ﷺ قتل [أم فرقة] (٤) يوم قريظة وهي غير تلك". وفي الدلائل عن أبي نعيم: "أن زيد بن ثابت قتل [أم فرقة] (٤) في سريته إلى بني فزارة". قوله: (بزنادقة) بزاي، ونونٍ، وقافٍ: جمع زنديق، بكسر أوله وسكون ثانية. قال أبو حاتم السجستاني وغيره (٧): الزنديق: فارسيٌّ معرَّبٌ، أصله، زنده كرد، أي: يقول بدوام الدهر؛ لأن (زنده): الحياة، و (كرد): العمل، ويطلق على من يكون دقيق النظر في الأمور. وقال ثعلب (٨): ليس في كلام العرب زنديق، وإنما يقال: زندقي لمن يكون شديد التحيل، وإذا أرادوا ما تريد العامة؛ قالوا: ملحد، ودهريُّ - بفتح الدال - أي: يقول بدوام الدهر، وإذا قالوها بالضم أرادوا كبر السنِّ. وقال الجوهري (٩): الزنديق من الثنوية (١٠)، وفسره بعض

стр. 6657

الشرَّاح (١) بأنه الذي يدّعي مع الله إلهًا آخر. وتعقب بأنه يلزم منه أن يطلق على كل مشرك. قال الحافظ (٢): والتحقيق ما ذكره من صنف في الملل والنحل (٣) أن أصل الزندقة اتباع ديصان ثم ماني ثم مزدك. (الأول): بفتح الدال المهملة وسكون التحتية بعدها صاد مهملة. (والثاني): بتشديد النون، وقد تخفف والياء خفيفة. (والثالث): بزاي ساكنة ودال مهملة مفتوحة ثم كاف. وحاصل مقالتهم: (٤) أنَّ النُّور والظلمة قديمان، وأنَّهما امتزجا فحدث العالم كلُّه منهما، فمن كان من أهل الشرِّ، فهو من الظلمة، ومن كان من أهل الخير؛ فهو من النُّور، وأنه يجب أن يسعى في تخليص النور من الظلمة، فيلزم إزهاق كلِّ نفس، وكان بَهْرَامُ جدُّ كسرى تحيَّل على ماني حتى حضر عنده، وأظهر له أنَّه قبل مقالته، ثم قتله وقتل أصحابه، وبقيت منهم بقايا اتبعوا مزدك المذكور، وقام الإسلام. والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية القتل، فهذا أصل الزندقة. وأطلق جماعة من الشافعية (٥) الزندقة على من يظهر الإسلام ويخفي الكفر مطلقًا.

стр. 6658

وقال النووي في الروضة (١): الزنديق الذي لا ينتحل دينه. وقد اختلف الناس في الذين وقع لهم مع عليّ ما وقع، وسيأتي (٢). قوله: (لنهي رسول الله ﷺ قال: "لا تعذبوا بعذاب الله") أي: لنهيه عن القتل بالنار بقوله: "لا تعذبوا بعذاب الله"، وهذا يحتمل أن يكون مما سمعه ابن عباس من النبي ﷺ ، ويحتمل أن يكون سمعه من بعض الصحابة. وقد أخرج البخاري (٣) من حديث أبي هريرة حديثًا وفيه: "وإن النار لا يعذب بها إلا الله"، ذكره البخاري في الجهاد. وأخرج أبو داود (٤) من حديث ابن مسعود في قصة بلفظ: "وإنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار". قوله: (من بدّل دينَهُ فاقتلُوه)، هذا ظاهره العموم في كل من وقع منه التبديل ولكنه عام ويخص منه من بدله في الباطن ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر فإنه تُجرى عليه أحكام الظاهر ويستثنى منه من بدّل دينه في الظاهر ولكن مع الإكراه، هكذا في الفتح (٥). قال فيه: واستدلَّ به على قتل المرتدَّة كالمرتدِّ، وخصَّته الحنفية (٦) بالذكر، وتمسّكوا بحديث النهي عن قتل النساء. وحمل الجمهور (٧) النهي على الكافرة الأصلية؛ إذ لم تباشر القتال لقوله في

стр. 6659

بعض طرق حديث النهي عن قتل النساء؛ لما رأى امرأةً مقتولةً: "ما كانت هذه لتقاتل" (١)، ثم نهى عن قتل النساء، واحتجوا بأنَّ (مَنْ) الشرطية لا تعمُّ المؤنث. وتعقب بأنَّ ابن عباس راوي الخبر، وقد قال بقتل المرتدة، وقتل أبو بكر الصديق في خلافته امرأةً ارتدَّت كما تقدم، والصحابة متوافرون فلم ينكر عليه أحدٌ ذلك. واستدلُّوا أيضًا بما وقع. في حديث معاذ (٢) أن النبي ﷺ لما أرسله إلى اليمن قال له: "أيما رجلٍ ارتدَّ عن الإسلام فادعه، فإن عاد، وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدتَّ عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها". قال الحافظ (٣): وسنده حسنٌ، وهو نصٌّ في موضع النزاع، فيجب المصير إليه. ويؤيده اشتراك الرجال والنساء في الحدود كلِّها: الزنا والسرقة، وشرب الخمر، والقذف؛ ومن صور الزنا رجم المحصن حتى يموت، فإن ذلك مستثنى من النهي عن قتل النساء فيستثنى قتل المرتدة مثله. واستدل بالحديث بعض الشافعية على أنه يقتل من انتقل من ملة من ملل الكفر إلى ملة أخرى. وأجيب بأن الحديث متروك الظاهر فيمن كان كافرًا ثم أسلم اتفاقًا مع دخوله في عموم الخبر، فيكون المراد من بَدَّل دينه الذي هو دين الإسلام، لأنَّ الدين في الحقيقة هو دين الإسلام.

стр. 6660

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (١). ويؤيده أن الكفر ملَّةٌ واحدةٌ، فإذا انتقل الكافر من ملة كفرية إلى أخرى مثلها، لم يخرج عن دين الكفر. ويؤيده أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٢). وقد ورد في بعض طرق الحديث ما يدل على ذلك؛ فأخرج الطبراني (٣) من وجه آخر عن ابن عباس رفعه: "من خالف دينه دين الإسلام فاضربوا عنقه". واستدلَّ بالحديث المذكور في الباب (٤) على أنه يقتل الزنديق من غير استتابة. وتعقب بأنه وقع في بعض طرق الحديث أن عليًا استتابهم كما في الفتح (٥) من طريق عبد الله بن شريك العامريِّ، عن أبيه، قال: قيل لعلي: إنَّ هنا قومًا على باب المسجد يزعمون أنَّك ربُّهم، فدعاهم، فقال لهم: ويلكم ما تقولون؟! قالوا: أنت ربُّنا، وخالقنا، ورازقنا، فقال: ويلكم إنما أنا عبدٌ مثلُكم، آكل الطعام كما تأكلون، وأشرب كما تشربون، إن أطعت الله أثابني إن شاء، وإن عصيته خشيت أن يعذبني، فاتقوا الله وارجعوا، فأبوا؛ فلما كان الغد غدوا عليه، فجاء قنبر فقال: قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام، فقال: أدخلهم، فقالوا كذلك؛ فلما كان الثالث قال: لئن قلتم ذلك لأقتلنَّكم بأخبث قِتْلَةٍ، فأبوا إلا ذلك، فأمر عليٌّ أن يُخدَّ لهم أخدودٌ بين باب المسجد والقصر، وأمر بالحطب أن يُطرح في الأخدود ويضرم بالنار، ثم قال لهم: إني طارِحُكُم فيها أو ترجِعُوا، فأبوا أنْ يرجعوا، فقذفَ بهم فيها حتى إذا احترقُوا قال: إنِّي إذَا رَأيتُ أمرًا مُنْكَرًا … أوقَدْتُ ناري ودعوتُ قَنْبَرًا قال الحافظ (٦): إن إسناد هذا صحيح.

стр. 6661

وزعم أبو مُظَفَّر الإسفرايني (١) في "الملل والنِّحل" (٢) أن الذين أحرقهم عليٌّ طائفةٌ من الروافضِ ادَّعوا فيه الإلهية وهم السَّبئيةُ، وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديًا ثم أظهر الإسلام وابتدع هذه المقالة. وأما ما رواه ابن أبي شيبة (٣) أنهم أناس كانوا يعبدون الأصنام في السر فسنده منقطع (٤)، فإن ثبت حمل على قصة أخرى. وقد ذهب الشافعي (٥) إلى أنه يستتاب الزنديق كما يستتاب غيره. وعن أحمد (٦) وأبي حنيفة (٧) روايتان (إحداهما): لا يستتاب، (والأخرى): إن تكرر منه لم تقبل توبته، وهو قول الليث وإسحاق (٨). وحكي عن أبي إسحاق المروزي (٩) من أئمة الشافعية. قال الحافظ (١٠): ولا يثبت عنه بل قيل: إنه تحريف من إسحاق بن راهويه، والأول هو المشهور عن المالكية. وحُكي عن مالك (١١) [أنه] (١٢) إن جاء تائبًا قبل وإلا فلا، وبه قال أبو يوسف، واختاره أبو إسحاق الإسفرايني (١٣) وأبو منصور البغدادي (١٤).

стр. 6662

وعن جماعة من الشافعية: إن كان داعية لم يقبل وإلا قبل. وحكي في البحر (١) عن العترة وأبي حنيفة (٢) والشافعي (٣) ومحمد أنها تقبل توبة الزنديق لعموم ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ (٤). وعن مالك (٥) وأبي يوسف والجصاص (٦): لا تقبل؛ إذ يعرف منهم التظهر تقية بخلاف ما ينطقون به. قال المهدي (٧): فيرتفع الخلاف حينئذ فيرجع إلى القرائن، لكن الأقرب العمل بالظاهر، وإن التبس الباطن، لقوله ﷺ لمن استأذنه في قتل منافق: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله" (٨) الخبر ونحوه. اهـ. قال في الفتح (٩): واستدل من منع من قبول توبة الزنديق بقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ (١٠)، فقال: الزنديق لا يطلع على إصلاحه لأن الفساد إنما أتى مما أسره، فإذا اطلع عليه وأظهر الإقلاع عنه [لم يزد] (١١) على ما كان عليه، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ (١٢).

стр. 6663

وأجيب بأنَّ المراد من مات منهم على ذلك، كما فسره ابن عباس. أخرجه عنه ابن أبي حاتم (١) وغيره (٢). واستدل لمن قال بالقبول بقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (٣)، فدلَّ على أن إظهار الإيمان يحصن من القتل. قال الحافظ (٤): وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر، وقد قال ﷺ لأسامة: "هلا شققت عن قلبه" (٥)، وقال للذي سارَّه في قتل رجل: "أليس يصلي؟ "، قال: نعم، قال: "أولئكم الذين نهيت عن قتلهم" (٦). وقال [ ﷺ ] (٧) لخالد لما استأذنه في قتل الذي أنكر القسمة: "إني لم أومر بأن أنقب عن قلوب الناس" (٨)، وهذه الأحاديث في الصحيح، والأحاديث في هذا الباب كثيرة. قوله: (ثم أتبعه) بهمزة ثم مثناة ساكنة. قوله: (معاذَ بن جبل) بالنصب أي بعثه بعده ظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجه، ووقع في بعض النسخ وأتبعه بهمزة وصل وتشديد المثناة، ومعاذ بالرفع. قوله: (فلما قدم عليه) في البخاري (٩) في كتاب المغازي أن كلًّا منهما كان على عمل مستقل، وأن كلًّا منهما كان إذا سار في أرضه بقرب من صاحبه أحدث به عهدًا، وفي أخرى له (١٠): "فجعلا يتزاوران". قوله: (وسادة) هي ما تجعل تحت رأس النائم، كذا قال النووي (١١)، قال:

стр. 6664

وكان من عادتهم أن من أرادوا إكرامه وضعوا الوسادة تحته مبالغة في إكرامه. قوله: (وإذا رجل عنده .. إلخ) هي جملة حالية بين الأمر والجواب. قال الحافظ (١): ولم أقف على اسمه. قوله: (قضاء الله) خبر مبتدأ محذوف ويجوز النصب. قوله: (فضرب عنقه) في رواية للطبراني (٢): "فأتي بحطب فألهب فيه النار فكتفه وطرحه فيها". ويمكن الجمع بأنه ضرب عنقه ثم ألقاه في النار. قوله: (هل من مُغْرِبَة خبرٍ) بضم الميم وسكون العين المعجمة وكسر الراء وفتحها مع الإضافة فيهما، معناه: هل من خبر جديد من بلاد بعيدة. قال الرافعي (٣): شيوخ الموطأ فتحوا الغين وكسروا الراء وشددوها. قوله: (هلَّا حبستموه .. إلخ)، وكذلك قوله في الحديث الأول (٤): "فدعاه عشرين ليلة .. إلخ"، استدل بذلك من أوجب الاستتابة للمرتد قبل قتله. وقد قدمناه في أول الباب ما في ذلك من الأدلة. قال ابن بطال (٥): اختلفوا في استتابة المرتد، فقيل: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهو قول الجمهور. وقيل: يجب قتله في الحال، وإليه ذهب الحسن (٦) وطاوس (٧)، وبه قال

стр. 6665

أهل الظاهر (١)، ونقله ابن المنذر (٢) عن معاذ وعبيد بن عمير، وعليه يدلُّ تصرف البخاري، فإنه استظهر بالآيات التي لا ذكر فيها للاستتابة، والتي فيها أن التوبة لا تنفع، وبعموم قوله: "من بدّل دينه فاقتلوه" (٣). وبقصة معاذ المذكورة، ولم يذكر غير ذلك. قال الطحاوي (٤): ذهب هؤلاء إلى أن حكم من ارتد عن الإسلام حكم الحربيِّ الذي بلغته الدعوة، فإنه يقاتل من قبل أن يدعى، قالوا: وإنما تشرع الاستتابة لمن خرج عن الإسلام لا عن بصيرةٍ. فأما من خرج عن بصيرة فلا، ثم نقل عن أبي يوسف (٥) موافقتهم، لكن إن جاء مبادرًا بالتوبة خلي سبيله ووكل أمره إلى الله. وعن ابن عباس: إن كان أصله مسلمًا لم يستتب وإلا استتيب. واستدل ابنُ القصَّار (٦) لقول الجمهور بالإجماع، يعني السكوتي، لأن عمر كتب في أمر المرتد: "هلا حبستموه ثلاثة أيام؟ "، ثم ذكر الأثر المذكور في الباب. ثم قال: ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة كأنهم فهموا من قوله ﷺ : "من بدّل دينه فاقتلوه" (٣)، أي: إن لم يرجع، وقد قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٧). واختلف القائلون بالاستتابة هل يكتفي بالمرة أم لا بد من ثلاث؟ وهل الثلاث في مجلس أو في يوم أو في ثلاثة أيام؟ ونقل ابن بطال (٨) عن علي أنه يستتاب شهرًا، وعن النخعي (٩) يستتاب أبدًا.

стр. 6666

[الباب الثاني] باب ما يصيرُ بهِ الكافِز مسلمًا ٣/ ٣٢١٧ - (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ الله ابْتَعَثَ نَبِيَّهُ لإدْخالِ رَجُلٍ الجنَّةَ فَدَخَلَ الكَنِيسَةَ فَإذَا يَهُودُ، وإذَا يَهُوديٌّ يَقْرَأ علَيْهِمُ التَّوْرَاةَ، فلمَّا أَتَوْا على صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أَمْسَكُوا وفي ناحِيَتِهَا رجُلٌ مَرِيضٌ، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ما لَكُمْ أَمْسَكْتُمْ؟ "، فقالَ المَرِيضُ: إنَّهُمْ أَتَوْا على صِفَةِ نَبِيٍّ فأمْسَكوا، ثمَّ جاءَ المَريضُ يَحْبُو حتَّى أخَذَ التَّوْرَاةَ فَقَرأَ حتَّى أتى على صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ، فقالَ: هذِهِ صِفَتُكَ وَصِفَةُ أُمَّتِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا الله، وَأنَّكَ رسُولُ الله، فقالَ النَّبِيُّ ﷺ لأصحابهِ: "لُوا أَخَاكُمْ". رَوَاهُ أَحمدُ) (١). [إسناده ضعيف منقطع] ٤/ ٣٢١٨ - (وعَنْ أَبي صَخْرٍ الْعُقَيْلِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي رجُلٌ مِنَ الأَعْرَابِ قالَ: جَلَبْتُ جَلُوبَةً إلى المَدينةِ في حَيَاةِ رسُولِ الله ﷺ ، فلمَّا فَرَغْتُ مِنْ بَيْعَتِي قلْتُ: لأَلْقَيَنَّ هذا الرَّجُلَ ولأسْمَعَنّ مِنهُ، قالَ: فَتَلَقَّانِي بَيْنَ أبي بكْرٍ وعُمَرَ يَمْشُونَ فَتَبِعْتُهُمْ في أقْفَائِهِمْ حتَّى أَتَوْا على رجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ [ناشِرًا] (٢) التَّوْرَاةَ يَقْرؤها يُعَزِّي بها نَفْسهُ على ابْنٍ لهُ في المَوْتِ كَأحْسَنِ الفِتْيانِ وأَجْمَلِهِ، فقال رَسُولُ الله ﷺ : "أَنْشُدُكَ بالَّذي أنْزَلَ التَّوْرَاةَ هَلْ تَجِدُ في كتَابِكَ هذا صِفَتي ومَخْرَجِي؟ "، فقالَ برأسِهِ هكَذَا: أيْ لَا، فقالَ ابْنهُ: إيْ وَالله الَّذِي أنْزَلَ التَّورَاةَ إنَّا لَنجدُ في كِتابنَا صِفَتَكَ ومَخْرَجك، أَشْهَدُ أن لَا إلهَ إلَّا الله، وأنَّكَ رسُولُ الله، فقالَ: "أَقِيمُوا الْيَهُودِي عَنْ أَخيكُمْ". ثمّ وَلِيَ دَفْنَهُ وَجنَنَهُ والصلَاةَ عَلَيْهِ. رواهُ أحمدُ) (٣). [إسناده ضعيف]

стр. 6667

٥/ ٣٢١٩ - (وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ يهُوديًا قالَ لِرَسُولِ الله ﷺ : أَشْهَدُ أنَّكَ رسُولُ الله ثمّ ماتَ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ "صَلُّوا على صَاحِبِكم". رَوَاهُ أحمدُ في روايَةِ مَهْنا مُحْتَجًا بِهِ) (١). [حسن] ٦/ ٣٢٢٠ - (وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: بَعَثَ رسُولُ الله ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى بَنِي جُذَيْمَةَ فدَعاهُمْ إلى الإسْلَامِ فَلَمْ يُحْسِنُوا أنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنا، فَجَعَلوا يقُولونَ: صَبَأنا صَبَأنا. فجَعَلَ خالِدٌ يَقْتلُ وَيأسِرُ، ودَفَعَ إلى كُلِّ رجُلٍ مِنّا أسِيرَهُ، حتّى إذَا أَصْبَحَ أَمَرَ خالِدٌ أَنْ يَقْتُل كُلّ رجُلٍ مِنّا أسِيرَهُ، فقلْتُ: والله لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتلُ رجُلٌ مِنْ أَصحابِي أَسِيرَهُ حتَّى قدِمْنَا على رسُولِ الله ﷺ فقالَ: "اللهُمّ إنِّي أَبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ خالِدٌ" مَرّتَيْنِ. رواهُ أَحمدُ (٢) والبُخاريّ (٣). [صحيح] وهْوَ دَلِيلٌ على أنّ الكِنايَةَ مَعَ النَّيّةِ كَصَرِيح لَفْظِ الإسْلامِ). حديث ابن مسعود أخرجه أيضًا الطبراني (٤). قال في مجمع الزوائد (٥): في إسناده عطاء بن السائب وقد اختلط.

стр. 6668

وحديث أبي صخرة العقيلي، قال في مجمع الزوائد (١): أبو صخر لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال ابن حجر في المنفعة (٢): قلت: اسمه عبد الله بن قدامة، وهو مختلف في صحبته، وجزم البخاري، ومسلم، وابن حبان وغيرهم بأن له صحبة. ثم ذكر ابن حجر في المنفعة (٣) الاضطراب في إسناده. وحديث أنس قال في مجمع الزوائد (٤): أخرجه أبو يعلى (٥) بإسناد رجاله رجال الصحيح، والأحاديث المذكورة في الباب بعضها يشهد لبعض، وقد ورد في معناها أحاديث. (منها) ما أخرجه في الموطأ (٦) عن رجل من الأنصار أنه جاء إلى النبي ﷺ بجارية له فقال: يا رسول الله عليَّ رقبة مؤمنة أفأعتق هذه؟ فقال لها رسول الله ﷺ : "أتشهدين أن لا إله الله؟ "، قالت: نعم، قال: "أتشهدين أن محمدًا رسول الله؟ " قالت: نعم، قال: "أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ " قالت: نعم، قال: "أعتقها". وأخرج أبو داود (٧) والنسائي (٨) من حديث الشّريد بن سويد الثقفي أن النبي ﷺ قال لجارية: "من ربك؟ "، قالت: الله، قال: "فمن أنا؟ "، قالت: رسول الله، قال: "أعتقها فإنها مؤمنة".

стр. 6669

وأخرج مسلم (١) ومالك في الموطأ (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) من حديث معاوية بن الحكم السلمي أن النبي ﷺ قال لجارية أراد معاوية بن الحكم أن يعتقها عن كفارة: "أين الله؟ "، فقالت: في السماء، فقال: "من أنا؟ " قالت: أنت رسول الله، فقال: "أعتقها". وأخرج نحوه أبو داود (٥) من حديث أبي هريرة، ومثل ذلك أحاديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله". كما في الأمهات عن جماعة من الصحابة (٦).

стр. 6670

قوله: (ابتعثَ اللهُ نبيهُ) أي: بعثه الله من بيته ليحصل بذلك إدخال رجلٍ الجنَّة، وهو الرجل المريض في الكنيسة، فإنَّ دخوله ﷺ إليها كان سبب إسلامه الذي صار سببًا في دخوله الجنة. قوله: (لُوا أخاكم) فيه الأمر لمن كان من المسلمين في حضرته ﷺ بأن يلوا أمر ذلك الرجل المريض؛ لأنه قد صار بسبب تكلمه بالشهادتين أخًا لهم. قوله: (وجَنَنَهُ) الجنن - بالجيم ونونين -: القبر. ذكره في النهاية (١). قوله: (صبأنا صبأنا) أي دخلنا في دين الصابئة، وكان أهل الجاهلية يسمون من أسلم صابئًا، فكأنهم قالوا: أسلمنا أسلمنا، والصابئ في الأصل: الخارجُ من دينٍ إلى دين. قال في القاموس (٢): صَبَأَ كمنعَ وكَرُمَ، صَبَأَ وصُبُوءًا: خرج من دين إلى دين. اهـ. قوله: (مما صنع خالد) تبرأ ﷺ من صنع خالد ولم يتبرأ منه، وهكذا ينبغي أن يقال لمن فعل ما يخالف الشرع ولا سيما إذا كان خطأ. وقد استدل المصنف بأحاديث الباب على أنه يصير الكافرُ مسلمًا بالتكلم بالشهادتين، ولو كان ذلك على طريق الكناية بدون تصريح كما وقع في الحديث الآخر. وقد وردت أحاديث صحيحة قاضية بأن الإسلام مجموع خصال:

стр. 6671

(أحدها): التلفظ بالشهادتين. (منها) حديث ابن عمر عند مسلم (١) وأبي داود (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: "بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع عليه رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر". وفيه: فقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا". (ومنها) ما أخرجه الشيخان (٥) وأبو داود (٦) والنسائي (٧) من حديث أبي هريرة، وفيه: أن النبي ﷺ قال: "الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان". (ومنها) ما أخرجه الشيخان (٨) والترمذي (٩) والنسائي (١٠) من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان". (ومنها) ما أخرجه الشيخان (١١) ومالك في الموطأ (١٢) وأبو داود (١٣)

стр. 6672

والنسائي (١) من حديث طلحة بن عبيد الله أنه جاء إلى رسول الله ﷺ رجل فسأله عن الإسلام فقال رسول الله ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة، وصيام رمضان" وذكر له الزكاة. وأخرج النسائي (٢) عن بهز بن حكيم أن النبي ﷺ سئل عن آيات الإسلام فقال: "أن تقول أسلمت وجهي وتخليت، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة". وأخرج النسائي (٣) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : ["من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم". وأخرج الترمذي (٤) والنسائي (٥) من حديث أبي هريرة قال:] (٦) "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم". وأخرج الشيخان (٧) وأبو داود (٨) والنسائي (٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". وأخرج مسلم (١٠) من حديث جابر.

стр. 6673

والبخاري (١) ومسلم (٢) والترمذي (٣) والنسائي (٤) من حديث أبي موسى نحو ذلك. وأخرج الشيخان (٥) من حديث عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله". وأخرج البخاري (٦) والترمذي (٧) وأبو داود (٨) والنسائي (٩) من حديث أنس أن رسول الله قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا شهدوا أن لا إله إلّا الله وأن محمدًا رسول الله، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، وصلوا صلاتنا، حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها". ولفظ البخاري (١٠): "من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا، وصلّى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم؛ له ما للمسلم وعليه ما على المسلم". فهذه الأحاديث ونحوها تدل على أن الرجل لا يكون مسلمًا إلا إذا فعل جميع الأمور المذكورة فيها. والأحاديث الأولى تدل على أن الإنسان يصير مسلمًا بمجرد النطق بالشهادتين. قال الحافظ (١١) في الفتح عند الكلام على حديث: "أمرت أن أقاتل الناس

стр. 6674

حتى يقولوا لا إله إلا الله" في باب [قتل] (١) من أبى من قبول الفرائض من كتاب استتابة المرتدين والمعاندين ما لفظه: وفيه منع قتل من قال: لا إله إلا الله، ولو لم يزد عليها وهو كذلك لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلمًا؟ الراجح: لا، بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر فإن شهد بالرسالة والتزم أحكام الإسلام حكم بإسلامه، وإلى ذلك الإشارة بالاستثناء بقوله: "إلا بحق الإسلام". قال البغوي (٢): الكافر إذا كان وثنيًا، أو ثنويًا لا يقرُّ بالوحدانية، فإذا قال: لا إله إلا الله، حكم بإسلامه ثم يجبر على قبول جميع الأحكام ويبرأ من كل دين خالف الإسلام. وأما من كان مقرًا بالوحدانية منكرًا للنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول: محمد رسول الله، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية إلى العرب خاصة فلا بد أن يقول إلى جميع الخلق، فإن كان كفره بجحود واجب أو استباحة محرم فيحتاج إلى أن يرجع عن اعتقاده. قال الحافظ (٣): ومقتضى قوله "يجبر" أنه إذا لم يلتزم يجرى عليه حكم المرتد وبه صرح القفال (٤)، واستدل بحديث الباب وادعى أنه لم يرد في خبر من الأخبار: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله". وهي غفلة عظيمة فإن ذلك ثابت في الصحيحين (٥) في كتاب الإيمان منهما كما قدمنا الإشارة إلى ذلك. انتهى. [الباب الثالث] بابُ صِحَّةِ الإسلامِ معَ الشَّرطِ الفَاسِدِ ٧/ ٣٢٢١ - (عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ اللّيْثِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ أنّهُ أتى النَّبِيَّ ﷺ

стр. 6675

فأسْلَمَ على أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاتَيْنِ فَقَبِلَ مِنْه. رَوَاهُ أحمدُ (١). وفي لفْظٍ آخرَ لهُ (٢): على أنْ لَا يُصلِّي إلَّا صَلَاةً فَقَبِل مِنْهُ). [إسناد رجاله ثقات] ٨/ ٣٢٢٢ - وعَنْ وَهْب قالَ: سألْتُ جابرًا عَنْ شأنِ ثَقِيفٍ إذْ بَايَعَتْ، فقالَ: اشْتَرَطَتْ على النَّبِيِّ ﷺ أنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ، وأنّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ بَعدَ ذلِكَ يَقُولُ: "سَيَتَصَدَّقُونَ ويُجاهِدُونَ". رواهُ أبو داوُدَ) (٣). [صحيح] ٩/ ٣٢٢٣ - (وعَنْ أَنَسٍ أنّ رسُولَ الله ﷺ قالَ لِرَجُلٍ: "أَسْلِمْ"، قالَ: أَجِدُنِي كَارِهًا، قالَ: "أسْلِمْ وَإنْ كُنْتَ كارِهًا". رَوَاهُ أحمد) (٤). [إسناده صحيح] هذه الأحاديث فيها دليل على أنه يجوز مبايعة الكافر وقبول الإسلام منه وإن شرط شرطًا باطلًا، وأنه يصح إسلام من كان كارهًا. وقد سكت أبو داود (٥) والمنذري (٦) عن حديث وهب المذكور، وهو وهب بن منبه، وإسناده لا بأس به. وأخرج أبو داود (٧) أيضًا من حديث الحسن البصري عن عثمان بن أبي

стр. 6676

العاص أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﷺ أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا عليه أن لا يحشروا [ولا يعشروا ولا يُجبُّوا] (١)، فقال رسول الله ﷺ : "لكم أن لا تحشروا، ولا تعشروا، ولا خير في دين ليس فيه ركوع". قال المنذري (٢): قد قيل: إنَّ الحسن البصري لم يسمع من عثمان بن أبي العاص. والمراد بالحشر: جمعهم إلى الجهاد والنفير إليه، وبقوله: "يعشروا" أخذ العشور من أموالهم صدقة، وبقوله: "ولا يجبوا" بفتح الجيم وضم الباء الموحدة المشددة، وأصل التجبية أن يقوم الإنسان مقام الراكع. وأرادوا أنهم لا يصلون. قال الخطابي (٣): ويشبه أن يكون إنما سمح لهم بالجهاد والصدقة؛ لأنهما لم يكونا بعد واجبتين في العاجل؛ لأن الصدقة إنما تجب بانقطاع الحول، والجهاد إنما يجب بحضوره. وأمَّا الصلاة فهي راتبة؛ فلم يجز أن يشترطوا تركها. انتهى. ويعكر على ذلك حديث نصر بن عاصم (٤) المذكور في الباب، فإنَّ فيه أن النبي ﷺ قبل من الرجل أن يُصلِّي صلاتين فقط، أو صلاةً واحدةً - على اختلاف الروايتين - ويبقى الإشكال في قوله في الحديث الذي ذكرناه: "لا خير في دين ليس فيه ركوع" (٥).

стр. 6677

فإنَّ ظاهره يدلُّ على أنه لا خير في إسلام من أسلم بشرط أن لا يُصلي. ويمكن أن يقال: إن نفي الخيرية لا يستلزم عدم جواز قبول من أسلم بشرط أن لا يصلي، وعدم قبوله ﷺ لذلك الشرط من ثقيف لا يستلزم عدم جواز القبول مطلقًا. [الباب الرابع] بابُ تَبَعِ الطِّفلِ لأبويهِ في الكفْرِ ولمَنْ أسْلَمَ مِنْهُمَا في الإسلامِ وصِحَّةِ إسلامِ المميِّزِ ١٠/ ٣٢٢٤ - (عَنْ أبي هُرَيْرة أن رَسُولَ الله ﷺ قالَ: "ما مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا يُولدُ على الْفِطْرَةِ، فأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ ويُنصِّرانِهِ أَوْ يُمجِّسانهِ، كما تُنتِجُ البهيمَةُ جَمْعاءَ هَلْ تُحِسُّون فِيها مِنْ جَدْعاء؟ "، ثمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (١) الآية. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (٢). [صحيح] وفي رِوَايَةٍ مُتَّفَق عَلَيْها (٣) أَيْضًا قالوا: يا رسُولَ الله أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ وهْوَ صَغِيرٌ؟ قالَ: "الله أعلَمُ بمَا كانُوا عامِلينَ"). [صحيح] ١١/ ٣٢٢٥ - (وعن ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لمَّا أَرَادَ قَتْلَ عُقْبَةَ بْنَ أَبي مُعَيْظ، قالَ: مَنْ للصِّبْيَةِ؟ قالَ: "النَّارُ". رواهُ أَبُو دَاوُدَ (٤) والدّارقطنيُّ في

стр. 6678

الأفْرَادِ (١)، وقالَ فيهِ: "النَّارُ لهُمْ ولأَبِيهِمْ"). [حسن] ١٢/ ٣٢٢٦ - (وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قالَ رسُولُ الله ﷺ : "ما مِنَ النَّاس مُسلِمٍ يَمُوتُ لهُ ثَلَاثةٌ مِنَ الْوَلدِ لمْ يَبْلُغوا الْحِنْثَ إلَّا أَدْخَلَهُ الله الجنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ". رَواهُ البُخاريُّ (٢) وأحْمَدُ (٣)، وقالَ فيهِ: "ما مِنْ رجُلٍ مسلمٍ" [صحيح] وَهْوَ عامُّ فِيما إذَا كانُوا مِنْ مسْلِمَة أوْ كافِرَةٍ. قالَ البُخاريُّ: فكانَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَ أنَّهُ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ أَبيهِ على دِينِ قَوْمِهِ). حديث ابن مسعود سكت عنه أبو داود (٤) والمنذري (٥) ورجال إسناده ثقات، إلا علي بن حسين الرقي، وهو صدوق كما قال في التقريب (٦). وأخرج نحوه البيهقي (٧) من طريق محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة عن أبيه عن جدّه أن رسول الله ﷺ لما أقبل بالأسارى فكان بعرق الظبية أمر عاصم بن ثابت فضرب عنق عقبة بن أبي معيط صبرًا، فقال: من للصبية يا محمد؟ قال: "النار لهم ولأبيهم". قوله: (على الفطرة) للفطرة معان، (منها): الخلقة، (ومنها): الدين. قال في القاموس (٨): والفطرة: صدقة الفطر، الخلقة التي خلق عليها المولود في رحم أمه والدين. انتهى. والمناسب ههنا هو المعنى الآخر، أعني الدين: أي كل مولود يولد على

стр. 6679

الدين الحق فإذا لزم غيره [فذلك] (١) لأجل ما يعرض له بعد الولادة من التغييرات من جهة أبويه أو سائر من يربيه. قوله: (جمعاء) بفتح الجيم، وسكون الميم، بعدها عين مهملة، قال في القاموس (٢): والجمعاء: الناقة المهزولة، ومن البهائم التي لم يذهب من بدنها شيء. انتهى. والمراد ههنا المعنى الآخر بقوله: "هل تحسون فيها من جدعاء؟ "، والجدع قطع الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة كما في القاموس (٣)؛ قال: والجدعة محركة ما بقي بعد القطع. انتهى. والمعنى أن البهائم كما أنها تولد سليمة من الجدع كاملة الخلقة، وإنما يحدث لها نقصان الخلقة بعد الولادة بالجدع ونحوه، كذلك أولاد الكفار يولدون على الدين الحق الكامل وما يعرض لهم من التلبس بالأديان المخالفة له فإنما هو حادث بعد الولادة بسبب الأبوين ومن يقوم مقامهما. وحديث أبي هريرة (٤) فيه دليل على أن أولاد الكفار يحكم لهم عند الولادة بالإسلام، وأنه إذا وجد الصبي في دار الإسلام دون أبويه كان مسلمًا، لأنه إنما صار يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا بسبب أبويه، فإذا عدما فهو باق على ما ولد عليه وهو الإسلام. قوله: (اللهُ أعلمُ بما كانُوا عاملين) فيه دليل على أن أحكام أولاد الكفار عند الله إذا ماتوا صغارًا غير متعينة بل منوطة بعمله الذي كان يعمله لو عاش. وفي حديث ابن مسعود (٥) المذكور دليل على أنه من أهل النار لقوله فيه: "النار لهم ولأبيهم"، ويشكل ذلك على مذهب العدلية (٦) لعدم وقوع موجب التعذيب منهم.
следующие страницы →